داء الجُدري

 

بسم الله الرحمن الرحيم

داء الجُدري

من الناحية الطبية :

(يمكن الرجوع للموضوع بشكل مفصل من الناحية الطبية في مقال:العدوى بين الطب والإسلام)

لعل من أهم الانجازات العلمية المعاصرة هو اكتشاف لقاح الجدري،والذي اكتشفه طالب في كلية الطب ويدعى جينر ، و أما أول من وصف هذا المرض فهو الطبيب العالم المسلم الشهير أبو بكر الرازي .

تُسبب المرض إحدى الحُمّات الراشحة _ أي الفيروسات _ وهي من الحُمّات المقاومة للجفاف وتستطيع أن تبقى في حرارة الغرفة العادية لمدة ثلاث سنوات ،ويمكن تحريّها في الملابس ومناشف المرضى ،فهي مُعدية في كل الشروط تقريبا.

والإنسان هو المستودع الرئيسي للداء،والعدوى قد تكون مباشرة، أو غير مباشرة ،ولا يكون المرض مُعدياً حتى اليوم الثالث من الإصابة السريرية،أي قبل يوم من ظهور الطفح الجلدي

يعتبر الجهاز التنفسي العلوي المُدخل الرئيسي للفيروس، وتتوضع الحُمّة الراشحة في المخاطيات والجلد والأمعاء، وبالتالي تحدث العدوى عن طريق اللعاب وعن طريق الآفات الجلدية _ أي الطفح الجلدي _  وتبدأ العدوى من اليوم الثالث للإصابة، وتبقى العدوى قائمة خلال المرض وبعد شهر أو أكثر من تراجعه . وتشاهد الإندفاعات الجلدية غالبا في الراحتين والأخمصين، ولكنها غالباً ما تبدأ في مخاطية الفم والبلعوم والوجه، وتترك ندبات دائمة بعد تراجعها، وإذا أصابت العين فانها تسبب العمى،وتنجم الوفيات بسبب ذات الرئة أو قصور القلب .

من الناحية التاريخية:

يظن أن الجُدري أحد أقدم الأمراض الإنتانية في العالم، ويعتقد انه قد تم العثور على ندبات الجدري لبعض الموميات في الأهرامات المصرية، حيث أن العالم الإنكليزي الدكتور هوبكينز عثر في المُتحف الوطني المصري في القاهرة لمومياء الفرعون رمسيس الخامس على آثار ندبية في الوجه والعنق والكتفين والذراعين مماثلة لما يحدثه الجُدري، وهذا الفرعون مات شابا عام 1157 قبل الميلاد . أما أكثر المعلومات عن الجدري فتعود للعصور الوسطى .

من الناحية الادبية :

ابن الرومي يصف الجدري ،وقيل الشعر لغيره _الديوان ص227_:

عبثت به الحُمّى فورَّد جسمهُ          وَعَكُ الحُمّى وتلهبُّ المحرورِ

وبدا به الجدري فهو كلؤلؤٍ                فوقَ العقيق منضَّد مسطور

ونضاه بنثرهِ  فجاء كعصفرٍ                 قد رُشَّ رشاً في بياض حريرِ

الآن صرت البدر إذ حاكى لنا              كَلفَ البدور مواضع التجدير ِ

فكخمرةٍ رُشَّت على تفاحةٍ                 أثرٌ يلوح بخدّك المجدور ِ

فكأنه ورق المصاحف ِ زانهُ             نقط  وشَكْلٌ في خلالِ عُشورِ

وقال يصف الجدري ايضاً:

ما ضَرَّهُ جُدريٌّ حلَّ وجنتَهُ          لولا النجومُ إذاً لم يحسن الفلكُ

إنَّ العيونَ لتشتاقُ الرياضَ إذا      مالزهرُ أشرقَ فيها وهو مُشتبكُ

ولن يزيدَ بهاءً تاجُ مملكةٍ           حتى يرصعه بالجوهرِ الملكُ

وجاء في اختيارات الأغاني( ج4 ص200)  أن الشاعر ذو الرُّمة كانت منيته بالجدري وفي ذلك يقول:

ألم يأتها أني تلبَّستُ بعدَها         مُفَوَّفةً صَوَّاغُها غيرُ أخرق

(المفوفة :ثوب فيه خطوط بيض)

وقيل كانت ميتته أنه اشتكى النَّوطة (ورم في الصدر أو غدة مهلكة في البطن) فوجعها دهرا فقال:

الِفتُ كلاب الحي حتر عرفنني      ومًدَّت نِساجُ العنكبوت على رحلي

“يريد أنه أقام في الحي لا يفارقه ”

ومن الذين أصيبوا بالجدري شاعر المعرة أبو العلاء المعري وكان عمره عند الاصابة أربع سنوات،وأصيب على إثرها بالعمى .ومن شعره:

ما جُدَرِيٌ أمات صاحبهُ     من جَدَريٍّ أتت به جَدَرُ

(الأول مرض الجدري ،والثاني : خمر منسوبة الى جدر من قرى الشام )

وجاء في كتاب قول على قول( ج2 ص254 ):” سمي الفرزدق بهذا الاسم بسبب غلظ هيئة وجهه بعد أن اصيب بالجدري ،فبقي وجهه جهماً متغضناً يشبه قطعة العجين .

عبد الله بن المبارك: اللحن في الكلام أقبح من أثار الجدري في الوجه(بهجة المجالس ج1 ص65)

وجاء في كتاب الأدب العربي عمر فروخ (ج1 ص117 ):”يقال أن امرؤ القيس أصيب بالجدري ، ومات بالقرب من مدينة أنقرة، وسمي يذي القروح وفي هذا يقول :

فإمَّا تَرَينيَ بي عُرَّةٌ              كأني نكيبٌ من النِّقرِسِ

وصَّرني القرحُ في جُبَّةٍ         تُخَالُ لبيساً ولم تُلبَسِ

ترى أثر القَرْحِ في جلدهِ        كنقش الخواتمِ في الجِرجِسِ

(غرة :قرحة ، النقرس : داء المفاصل ، الجرجس : الصحيفة )

وجاء في الديوان أيضاً ص63-64 :

فإمَّا تَرَيني لا أغمضُ ساعة ً       من الليل إلا أن أكبَّ فأنعسا

تأوبني دائي القديم فغلسَّا        أحاذرُ أن يرتدَّ دائي فأنكُسا

(تاوبني :أتاني في الليل ، الغلس : ظلمة اخر الليل )

ويقول ابن زيدون فيمن أصابه جُدري:

قال لي اعتلَّ من هويتَ حسودٌ          قلتُ:أنتَ العليلُ ويحكَ لا هو

ما الذي قد نكرتَ من بثرات                 ضاعفت حُسنهُ وزانت حُلاهُ

جسمهُ في الصفاءِ والرّقة الماءُ         فلا غروَ أن حبابٌ علاهُ

ويقول أحمد حسن الزيات في كتاب تاريخ الأدب العربي ص47 : يقال إن قيصر الروم جستنيان أهدى امرؤ القيس حلة وشي مسمومة، فنزلت به علة جلدية فتقرّح جسمه  وتهرأ لحمه ولذا يلقب ذو القروح وفي ذلك يقول :

وما خِفتُ تبريحَ الحياة ِ كما أرى        تضيق ذراعي أن اقومَ فالبسا

لقد طمح الطَّماح من بُعد أرضهِ        ليلبسني مما يُلَبِس بؤسا

فلو أنها نَفْسٌ تموتُ جميعةً              ولكنها نَفْسٌ تساقَطُ أنفساً

وبُدّلتُ قَرْحاً دامياً بعد صحةٍ              فيالكِ من نعمى تحولَّنَ أبؤسا

ألا إنَّ بعدَ العُدْمِ للمرءِ قنوةً               وبعد المشيب ِ طولَ عُمرٍ ومَلبسا

وجاء في اختيارات الأغاني ص40 :” أهدى قيصر الروم الى امرؤ القيس حلة وشي مسمومة منسوجة بالذهب (بعدما قيل له ان امروؤ القيس يراسل ابنتك ويواصلها ،وهو قائل في ذلك أشعاراً يُشهرها بها في العرب ) . وقال له :إ ني أرسلت اليك بحلتي التي كنت ألبسها تكرمة لك، فاذا وصلت إليك فالبسها باليُمن والبركة، فلما وصلت إليه لبسها واشتدّ سروره بها فأسرع فيه السم وسقط جلده فلذلك سمي ذا القروح .

وجاء في تاريخ آداب اللغة العربية (جرجي زيدان ج1 ص94) :”يقال أن قيصر الروم ألبس الشاعر حلة مسمومة قتلته ،ولا نعرف سماً يفعل هذا الفعل ،وجاء في شعراء النصرانية بعد ذكر موت امرئ القيس بالجدري مانصه ” وذكر في كتاب قديم مخطوط أن ملك قسطنطينية لما بلغه وفاة امرئ القيس أمر بأن ينحت له تمثال وينصب على ضريحه،  ففعلوا،  وكان تمثال امرئ القيس هناك الى أيام المأمون وقد شاهده هذا الخليفة عند مروره هناك  لما دخل بلاد الروم .

وجاء في ثمار القلوب للثعالبي( ص214-215)”تضرب حُلّة امرئ القيس مثلاً للشئ الحسن يكون له أثر قبيح ،والمَبرَّة يكون في ضمنها عقوق، والكرامة يحصل منها إهلاك، وذلك أن امرأ القيس بن حُجْر لما خرج الى قيصر يستعينه على قَتَلةِ أبيه ويستنجده في الإستيلاء على مُلكه ، أكرمه وأمدّه بجيش  ثم لما صدر من عنده وشى الوشاة به عليه،  وأخبروه بما يكره من شأنه ،وخوّفوه عاقبة أمره ،فندم على تجهيزه،ثم أتبعه بحلة مسمومة  عزم عليه أن يلبسها في طريقه ،فلما لبسها تقرّح جلده ، وتساقط لحمه ،واشتدّ سقمه ، ففي ذلك يقول :

وَبُدِّلتُ قُرْحاً دامياً بعدَ صِحةٍ       لعلّ منايانا تحوّلنَ أبؤسا

ولو أنَّ نوماً يُشترى لاشتريتهُ    قليلاً كتغميضِ القَطا حيث عَرَّسا

(التعريس:استراحة اخر الليل)

فلو أنها نفسٌ تموت جميعةً                    ولكنها نَفْسٌ تَساقطُ أنْفُساً

ثم لما نزل أنقرة مات بها وسُمّي ذا القروح لهذه القصة .

ويقال أن أبا العباس السفاح مات بالجدري وكان عمره 32 عاما.