إنّما يُوفَّى الصابرونَ أجرهُم بغيرِ حساب

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّما يُوَفَّى الصَّابرونَ أجرَهُم بغيرِ حساب

الحمد لله الذي عَنت لسلطانهِ الوجوه،وسجد له مافي السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال،ونشكره على ما أولانا من فضل هو محضّ العطاء والنعماء،ونعوذ به من شرِّ كلِّ ذي شر،ونسألهُ إخلاصاً في الدين الذي ارتضاه لنا،وثباتاً على الحقِّ الذي أوصانا به،واستقامة على الطريق في الدنيا الذي هو مقدمة الثبات على الصراط المستقيم في الآخرة.

اللهم صلِّ وسلم ما اختلف الليل والنهارعلى عبدك وحبيبك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم،سيّد البشر،ومُعلّم الناس الخير،الذي اصطفيته من خلقك واجتبيته من رسلك،وابتعثته في هذه الأمة خاتماً للنبين،ورحمة للعالمين،فأنقذتنا به من الهلكة،ودللتنا ببيانه على مواطن الهدى،وجنبتنا مزالق الردى،حتى تكّشفت المعالم،ووضح الصبح لكلِّ ذي عينين،وأخرجتنا بهديه من الظلمات إلى النور.

وبعد،فلقد ذكر الله عز وجلّ الصبر في كتابه العزيز في نحو بضع وتسعين موضعاً كما يقول الإمام أحمد رضي الله عنه(عدة الصابرين لإبن القيم رحمه الله)،وأضاف إليه أكثر الخيرات وأعظم الدرجات،وجعلها ثمرة له ولمن اتصف به.

فما هو الصبر؟وما هي حكمته؟وفضله؟ولماذا حضّ الله ورسوله في أكثر من آية وحديث على التحلي به والاستعانة عليه ؟

تعريف الصبر:

الصبر لغةً:

هو الحَبس والمنع،يقال:قتل الصبر:وهو أن يُحبس الرجل حتى يُقتل،وهو الإمساك في ضيق.يُقال:صَبَرتُ الدابة:أي حبستها بلا علف،وصَبَرت فلانا:أي خلفته خِلفةً لا خروج له منها.وسمي الصوم صبرا،لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والنكاح.

ويقول الزبيدي صاحب كتاب تاج العروس عن الصبر: هو حبس النفس عن الجزع وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش،فلا تجزع عندما تصيبك مصيبة،والجزع هو شدة الإنهيار الذي يؤدي بصاحبه إلى تصرفات غير محمودة كالصراخ واللطم والعويل،وشقّ الثياب والتلفظ بالكلمات النابية.

وجاء في معجم الصحاح للجوهري ولسان العرب لإبن منظور:الصبر نقيض الجزع،صبر يصبر صبراً فهو صابر وصبّار وصَبير وصبور والأنثى صبور أيضاً بغير هاء وجمعه صُبُر.وأصل الصبر الحبس وكل من حبس شيئاً فقد صَبَره،والصبر حبس النفس عن الجزع.

والصبر شرعاً:

هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع،أو عما يقتضيان حبسهما عنه(الراغب الأصفهاني في المفردات).

وفي تعريف آخر:هو حبس النفس عن محارم الله،وحبسها على فرائضه،وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره(رسالة لابن القيم رحمه الله).

والصبر لفظ عام،وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه،فإن كان حبس النفس لمصيبة سُمي صبراً ويُضاده الجزع،وإن كان في قتال سُمي شجاعة ويضاده الجبن،وإن كان في نائبة مضجرة سُمي رحابة الصدر ويضاده الضجر،وإن كان في إمساك الكلام أو اخفاء سر سُمي الكتمان ويضاده الافشاء،وإن كان في كظم الغيظ سمي حلماُ ويضاده التذمر،وإن كان في فضول العيش سمي زهداً ويضاده الحرص،وإن كان صبراً على قدرٍ يسير من الحظوظ سُمي قناعة ويضاده الشره،وإن كان صبراً على شهوتي البطن والفرج سمي عفة.

فمما ذكرنا يتبين لنا أن أكثر أخلاق الإيمان داخلة في الصبر،وإن اختلفت الأسماء باختلاف المتعلقات.

والمصابرة:

على وزن مفاعلة هي مقاومة ومغالبة الخصم في ميدان الصبر،والتفوق عليه بأن تكون أطول صبراً منه، يقول تعالى:{يا أيُّها الذينَ آمنُوا اصبِروا وصَابروا ورابِطوا واتَّقوا اللهَ لعلَّكُم تفلحون}[آل عمران200].

يقول سيد قطب رحمه الله:

والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة.إنه طريق طويل شاق،حافل بالعقبات والأشواك،مفروش بالدماء والأشلاء،وبالإيذاء والابتلاء….

والمصابرة..وهي مفاعلة من الصبر..مصابرة هذه المشاعر كلها،ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلوا من صبر المؤمنين..مصابرتها ومصابرتهم،فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة.بل يظلون أصبر من أعدائهم وأقوى:أعدائهم من كوامن الصدور،وأعدائهم من شرار الناس سواء”.

والصبور: القادر على الصبر.

والصّبار: يقال لمن كان فيه ضرب من التكلف والمجاهدة{إنّ في ذلك لآيات لكلِّ صبارٍ شكور}[لقمان 31]

والتَصبر: تكلف الصبر.أي حبس النفس بتكلف وتمرين وتجرع للمرارة.وفي الحديث الشريف“ومن يتصبّر يصبّره الله”[رواه البخاري]،أي يطلب توفيق الصبر من الله تعالى،أي يأمر نفسه بالصبر ويتكلف في التحمل عن مشاقه.

والاصطبار:هو أبلغ من التصبر،فهو افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب،فالتصبر مبدأ الاصطبار فلا يزال الصبر يتكرر حتى يصير اصطباراً.قال تعالى:{فاعبده واصطبر لعبادته}[مريم 65]وقال تعالى:{وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}[طه 132]

ماهو الصبر؟:

يقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(مجلة الرسالة العدد387):

“الصبرخلق يعصم النفس من اليأس إذا طال بها الطريق إلى غاياتها،ويمنعها من الارتداد إذا سدّت العقبات سبيلها،ويكبر بها عن الجزع إذا نزلت بها من أحداث الزمان نازلة.

في الحياة أعمال شاقة لا يستطيع الاضطلاع بها إلا الصابرون،وفيها غايات بعيدة لا يبلغها إلا من صبر على مشقة الطريق وبعد المدى.

والأخلاق الفاضلة تنأى بصاحبها عن شهواته،وتعلو به عن سفاسفه،وتكبر به على الهوان،وتسوم النفس ضروباً من الصدود عن الهوى،والعفاف عن الشهوة،ولا يتخلق بهذه الأخلاق إلا أهل الصبر.وفي الحياة عقائد حق ومذاهب خيّرة ينفر منها الناس أول عهدهم بها،وينال الدعاة إليها السخرية والأذى وآلام في النفس والنقص في المال.فلولا الصابرون مادعا إلى هذه العقائد داع،ولاذهب هذه المذاهب أحد.

الصبر توطين النفس على المشاق والمكاره،والإباء على الخطوب،والإستكبار عن الخنوع للمصائب،والثبات في الموقف الضنك،والمقام الهائل،أو المسير إلى الغاية المخوفة حتى يستوفي العمل أطواره،ويبلغ نهايته،ويُنجح الطلب،ويحمد الدأب.

والصابرون رواسي الامم كلما زلزلتها الخطوب،وسكينتها إذا طارت من الذعر القلوب.إذا طاشت الأحلام في مآزق الحرب صبروا حتى يتبلج النصر،وإذا خارت العزائم في معارك الحياة دأبوا حتى يشرق الحق.والصابرون قادة الأمم إلى الحق والخير والظفر يسلكون إليها الأهوال حين ينكص غيرهم فزعاً،ويستقيمون على الطريق حين يحيد غيرهم بأساً،ويواصلون المسير حين يقف مَن سواهم عجزاً،ويحتملون المكاره حين تنوء بكل عاجز،ويبسمون للمصائب حين تزلزل كل رعديد.

هم الذين يصلون مبادىء الأعمال بغاياتها،ومقدماتها بنتائجها،وإن شق العمل وطال الطريق.

هم الذين ينصرون كل دعوة إلى الحق،وكل مذهب في الخير وإن عظم ما يلقاهم من المحن،وما يعترضهم من المكاره.

والصبر هو تجلي النفس الإنسانية في أكمل صفاتها وأشرف درجاتها،تجلي النفس الإنسانية في عظمتها تعتز بقواها،وتستكبر على الأحداث،ولا تبالي الغضب والعنت،ولاتخشى الهلاك حتى تبلغ دعوتها واضحة وتؤدي واجبها كاملاً.

ولست أعرف فضيلة أكدّ القرآن الدعوة إليها توكيده الدعوة إلى الصبر،إذ كان عماد كل نجاح،وقوام كل جهاد،ونظام كل عمل صالح،وقرين كل خلق فاضل.

الصبر في القرآن قرين الحقّ لأن الحق لا ينصر إلا بالصبر. قال تعالى:{والعَصرِ* إنَّ الإنسانَ في خُسرٍ* إلا الذينَ آمنُوا وعَملوا الصَّالحاتِ وتواصَوا بالحَقِّ وتَواصَوا بالصَّبرِ}[العصر 1 ـ 3].

والصبر قرين العمل الصالح إلا صبر النفس عما يزيّن لها من الشهوات،وإقامتها على منهاج الفضيلة الذي يحرمها كثيراً مما تودّ.يقول تعالى:{إلّا الذينَ صَبروا وعَملوا الصَّالحاتِ أولئكَ لهم مَغفرةٌ وأجرٌ كبيرٌ}.[هود11]

وقد جعل القرآن الكريم الصبر وسيلة إلى الإمامة والهداية فمن لم يصبر لم يقوم نفسه،ولم يستطع الدعوة إلى الحق والمسير إليه والجهاد في سبيله,قال تعالى:{وجَعلناهُمْ أئِمَّةً يَهدُونَ بأمرنَا لما صَبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}.[السجدة 24].

وقد أعلى درجة الصابرين وأبان فضل الصبر أعظم إبانة إذ قال:{واصبرُوا إنَّ اللهَ معَ الصَّابرين}[الأنفال 46]وحسبك بمن كان الله تعالى معه يسدد قوله وعمله وينصره،قد ذللت له كل الصعاب وضمن له كل ظفر.إن الله مع الصابرين لأنهم بصبرهم يستجيبون لدعوة الله ويسيرون في سبيله على قوانينه حتى يبلغوا ماوعدهم به،ومن سار في سبيل الله إلى دعوة الله فأحرِ به أن يوقن بالنجاح وأحرِ به أن ينال النجاح غير منقوص.

وجعل القرآن الصبر وسيلة إلى إدراك آيات الله في خلقه.وهل كشف الباحثون عن الحقائق إلا بالصبر على الطلب والدأب في البحث؟قال القرآن في أكثر من آية:{إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكورٍ}.[لقمان 31]

وبين القرآن أن الصبر عُدّة المؤمنين في جهادهم في هذه الحياة إذ يقول:{يا أيُّها الذينَ آمنوا استعينُوا بالصَّبرِ والصَّلاةِ إنَّ اللهَ مع الصَّابرين}[البقرة 153]أمرهم أن يفزعوا إلى الله فيما ينوبهم من النوائب،فيتوجهوا إليه بالصلاة ويصبروا به على المكروه.ونِعمَ هذان عوناً على كل خير.

كما جعل الصبر في آخر درجات الفضائل حين عددها في آية البر فقال:{ليسَ البِرَّ أن تُوَلُّوا وجُوهَكُم قِبَلَ المَشرقِ والمَغرِبِ ولكِنَّ البِرَّ من آمنَ بالله واليومِ الآخِرِ والملائكةِ والكتابِ والنَّبيّينَ وآتى المالَ على حُبِّهِ ذوي القُربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السَّبيلِ والسَّائلينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفونَ بِعهدهم إذا عاهدوا والصَّابرينَ في البأساءِ والضَّرَّاءِ وحينَ البأسِ أولئكَ الذينَ صَدقوا وأولئكَ هُمُ المُتَّقونَ}[البقرة 177].

وبين القرآن أن الله سبحانه يحب الصابرين الذين يثبتون على الشدائد،ولا يهنون لما يحزُبهم من النوائب:{وكَأيّن من نَّبيٍّ قاتلَ معهُ رِبيُّونَ كثيرٌ فما وهَنُوا لمَّا أصابَهُمْ في سبيلِ الله وما ضَعُفُوا وما استكانُوا واللهُ يُحبُّ الصَّابرين}[آل عمران146].وحسبك بمحبة الله نجحاً وفلاحاً وسعادة.

والصبر قوة أعظم من قوة العدد،تغلب به الفئة القليلة الفئة الكثيرة.قال في قصة طالوت وجالوت:{فلمَّا جاوزهُ هُوَ والذين آمنوا معهُ قالوا لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجنودهِ قال الذينَ يظنُّونَ أنَّهم مُلاقوا الله كم من فِئةٍ قليلةٍ غَلبت فئةً كثيرة بإذنِ الله والله معَ الصَّابرينَ*ولمّا برزوا لجالوتَ وجنودهِ قالوا رَبَّنا أفرِغْ علينا صبراً وثبِّتْ أقدامنا وانصرنا على القومِ الكافرينَ*فهزموهم بإذنِ الله }البقرة 249 ـ 251}وكذلك أمر القرآن المسلمين أن يلقوا عدوهم الأكثر عدداً وهم صابرون،وبشرهم بأن الجماعة منهم تغلب عشر أمثالها بالصبر،وجعل الصبر أكثر من تسعة أمثال العدو غَناء في الحرب.قال تعالى في سورة الأنفال:{يا أيُّها النبيُّ حَرِضِ المؤمنينَ على القتالِ إن يكن منكم عشرونَ صابرونَ يغلبوا مائتينِ وإن يكن منكم مائةٌ يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنَّهم قومٌ لا يفقهونَ}[الأنفال 65].

ولما أراد أن يخفف عن المسلمين هذا التكليف أمرهم بأن تلقى الجماعة منهم مثليها فقال:{الآنَ خَفَّفَ الله عنكم وعلِمَ أنَّ فيكم ضَعفاً فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفينِ بإذنِ الله والله مع الصَّابرينَ}[الأنفال66].فأقل مراتب الصابرين أن يغلبوا ضعفهم.والحق أن العدد لا يثبت للصبر،وأن كثرة العدد فاشلة إذا خذلها الصبر،وأن قلته ظافرة إذا أيدها الصبر”.

ويقول الاستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج2 ص 305):

“الصبر قوة خلقية من قوى الإرادة،تُمكّن الإنسان من ضبط نفسه لتحمّل المتاعب والمشقات والآلام،وضبطها من الاندفاع بعوامل الضجر والجزع،والسأم والملل،والعجلة والرعونة،والغضب والطيش،والخوف والطمع،والأهواء والشهوات والغرائز.

وبالصبر يتمكن الإنسان بطمأنينة وثبات أن يضع الأشياء في مواضعها،ويتصرّف في الأمور بعقل واتزان،وينفذ مايريد من تصرّف في الزمن المناسب،وبالطريقة المناسبة الحكيمة،وعلى الوجه المناسب الحكيم،بخلاف عدم الصبر الذي يدفع إلى التسرّع والعجلة،فيضع الإنسان الأشياء في غير مواضعها،ويتصرف برعونة،فيخطىء في تحديد الزمان،ويسىء في طريقة التنفيذ وفي وجهه،وربما يكون صاحب حقٍّ أو يريد الخير،فيغدو جانياً أو مفسداً،ولو أنه اعتصم بالصبر لَسلِم من كل ذلك”.

حكمة الصبر:

يقول الحقّ تبارك وتعالى:{آلم*أحَسِبَ النَّاسُ أن يُترَكوا أن يَقولوا آمنّا وهم لا يُفتَنون*ولقد فَتنّا الذين من قَبلهم فَليعَلمَنَّ اللهُ الذين صَدقوا ولَيعلَمنَّ الكاذبين}[العنكبوت 1 ـ 3].

ويقول الله عز وجل:{ولَنَبلُونَّكُم حتَّى نعلمَ المُجاهدينَ مِنكُم والصَّابرينَ ونَبلُو أخبارَكُم}[محمد 31].

{لَتُبْلَوُنَّ في أموالكِمْ وأنفُسِكُمْ ولَتسمعُنَّ من الذينَ أوتوا الكتابَ من قبلِكم ومنَ الذينَ أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتَّقوا فإنَّ ذلكَ من عزمِ الأمورِ}[آل عمران 186]

فالحقّ جل وعلا قد قرر في محكم كتابه أن الإنسان في هذه الحياة الدنيا قد كُتب عليه البلاء،والإمتحان،والفتنة،قد أبتلي من قبله،وسوف يُبتلى من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

والحكمة من البلاء والاختبار كما يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم):

“أن الله عز وجل لم يجعل الحياة الدنيا دارجزاء وقرار،بل جعلها دار تمحيص وامتحان،،والفترة التي يقضيها المرء بها فترة  تجارب متصلة الحلقات، يخرج من امتحان ليدخل امتحاناً آخر،قد يغاير الأول مغايرة تامة،والإنسان قد يُمتحن بالشيء وضده،مثلما يصهر الحديد في النار ثم يلقى به في الماء”..

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:”

“الفتنة هي الإمتحان والإختبار،كما قال كليم الله موسى عليه السلام{إن هيَ إلَّا فِتنَتُكَ تُضِلُّ بها من تشاءُ وتهدي من تشاء}[الأعراف155]أي امتحانك واختبارك تضل بها من خالف الرسل،وتهدي من اتبعهم،والفتنة للإنسان كفتنة الذهب إذا أدخل كير الامتحان فإنها تميّز جيده من رديئه،فالحقّ كالذهب الخالص كلما امتحن زاد جودة،والباطل كالمغشوش المفشي إذا امتحن ظهر فساده،فالدين الحق كلما نظر فيه الناظر وناظر عنه المناظر ظهرت له البراهين،وقوي به اليقين وازداد به إيماناً وأشرق نوره في صدور العالمين”.

ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى{إن يَمسَسكُم قَرْحُ فقد مَسَّ القومَ قَرحٌ مِثلُهُ وتِلكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُها بينَ النَّاسِ ولِيعلَمَ اللهُ الذينَ آمنُوا ويَتَّخِذَ مِنكُم شُهداءَ واللهُ لايُحِبُّ الظالمينَ}[آل عمران 140].

يقول رحمه الله:

“إنّ الشدّة بعد الرخاء،والرخاء بعد الشدّة،هما اللذان يكشفا عن معادن النفوس وطبائع القلوب،ودرجة الغبش فيها والصفاء ودرجة الهلع  فيها والصبر،ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو البرم به والجموح.عندئذ يتميز الصف وتنكشف في دنيا الناس دخائل النفوس…ومداولة الأيام،وتعاقب الشدة والرخاء،محك لا يخطيء،وميزان لايظلم،والرخاء في هذا كالشدّة.وكم من نفوس تصبر للشدّة وتتماسك،ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل،والنفوس المؤمنة هي التي تصبر للضراء ولا تستخفها السراء،وتتجه إلى الله في الحالين،وتوقن أن ما أصابها من الخير والشر فبإذن الله”.

ولما كان الإيمان صلة بين الإنسان العبد وبين الله عز وجل،ولما كانت صلة الإنسان بالإنسان لا يعتد بها ولا ينوه بشأنها إلا إذا أكدها مُرُّ الأيام،وتقلّبُ الليالي،واختلاف الحوادث،فكان لابد لإيمان العبد أن يخضع للبلاء الذي يمحصه،فإما يكشف عن صيبه أو يكشف عن زيغه.

يقول الشهيد سيد قطب في الظلال:

إن تكاليف هذه العقيدة لا تتحقق إلا بتربية النفوس بالمخاوف والشدائد ونقص الأموال والأنفس والثمرات{ولَنبلُونَّكُم بشيءٍ من الخَوفِ والجُوعِ ونقصٍ منَ الأموالِ والأنفُسِ والثَّمرات وبَشِّرِ الصَّابرينَ}[البقرة 155]وبهذا وحده يؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة وتعزّ على نفوسهم بمقدار ما أدّوا في سبيلها من تكاليف،والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليقها لا يعزّ عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى،فالتكاليف هنا هي الثمن الذي تعزّ به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعزّ في نفوس الآخرين،وكلما تألموا في سبيلها وكلما بذلوا من أجلها،كانت أعزّ عليهم،وكانوا أضنَ ّبها،وكذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها،إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيراً مما يبتلون به وأكبر ما قبلوا هذا البلاء ولا صبروا عليه،وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها،مقدرين لها،مندفعين إليها،وعندئذ يأتي نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجاً{أمْ حَسِبتُم أن تَدخلوا الجنَّة ولمَّا يأتِكُم مَثَلُ الذين خَلَوا من قَبلِكُم مَسَّتهُمُ البأساءُ والضَّرَّاءُ وزُلزلوا حتى يقولَ الرّسولُ والذينَ آمنوا معهُ متى نصرُ الله ألّا إنَّ نَصرَ الله قريب}[البقرة 214].

عن الصحابي الجليل أبي عبد الله خبّاب بن الأرَتِّ رضي الله عنه قال:شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُتوسِّدٌ بُردةً في ظل الكعبة فقلنا:ألا تستنصرُ لنا،ألا تدعو لنا؟فقال:”قد كان مَن قبلَكم،يؤخذُ الرجلُ منهم، فيُحفرُ له في الأرض فيُجعلُ فيها،ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيُجعل نصفين،ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه،ما يصده ذلك عن دينه،والله ليُتِمَّنَّ الله تعالى هذا الأمرَ،حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموتَ،لا يخافُ إلا الله والذئبَ على غنمه،ولكنكم تستعجلون[رواه البخاري وأبو داود والنسائي].

ويتابع سيد قطب رحمه الله:”ولابد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى،فالشدائد تستجيش مكنون القوى،ومذخور الطاقة،وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد والنوائب،والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون والران عن القلوب{ولَنبلُونَّكُمْ حتَّى نعلمَ المُجاهدينَ مِنكُمْ والصَّابرينَ ونبلوَ أخبارَكُم}[محمد31]،{أم حَسِبتُمْ أن تُترَكُوا ولمَّا يَعلَمِ اللهُ الذينَ جَاهدوا مِنكُمْ }]التوبة 16].{أم حَسِبتُم أن تدخلوا الجنّةَ ولمّا يعلمِ اللهُ الذينَ جاهدوا منكم ويعلمَ الصّابرين}[آل عمران 142]

وبالبلاء ينكشف عما هو مخبوء من معادن النفوس،وما هو مجهول من أمرها حتى لأصحابها،فيراها الناس على صورتها وحقيقتها وتدركها مداركهم،وهذا ينعكس عليهم ويؤثر فيهم ويكيف مشاعرهم،ويوجه حياتهم بوسائلهم الداخلة في طوقهم،وبهذا تتم حكمة الله في الابتلاء والله أعلم”.

وإذا علمنا أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد بالشفاء،ولما كان البلاء هو الداء،فإن الله خلق الصبر دواءً وشفاءً{ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}[النحل 126].

وجاء في الحديث الشريف الذي رواه الترمذي:”إن عظمَ الجزاءِ مع عِظمِ البلاء وإن الله عزّ وجل إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضيَ فله الرضا ،ومن سخط فله السخط”[رواه أنس بن مالك رضي الله عنه وقال الألباني حديث حسن]

إن الصبر من خاصيات الإنسان وحده،ولا يتصور في البهائم لنقصانها،وغلبة الشهوات عليها من غير شيء يقابلها،ولا يتصور أيضاً في الملائكة لكمالها،فإن الملائكة جُردّوا للشوق إلى حضرة الربوبية ولم تسلط عليهم شهوة صارفة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصدها عن حضرة الجلال.وأما الإنسان فإنه يخلق في ابتداء الصبا ناقصاً مثل البهيمة ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه،ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة وليس له قوة الصبر،فإذا تحرك العقل وقوي،ظهرت مبادىء إشراق نور الهداية عند سن التمييز،وينمو على التدرج إلى سن البلوغ،كما يبدو نور الصبح إلى أن يطلع قرص الشمس،ولكنها هداية قاصرة لا مرشد لها إلى مصالح الآخرة،فإذا عقد بمعرفة الشرع تلمح ما يتعلق بالآخرة وكثر سلاحه،إلا أن الطبع يقتضي ما يحب وباعث الشرع والعقل يمنع،والحرب بينهما قائمة،ومعركة هذا القتال في قلب العبد،فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوات،فإن ثبت حتى قهر الشهوة التحق بالصابرين،وإن ضعف حتى غلبت الشهوة ولم يصبر على دفعها التحق بأتباع الشياطين.وإذا ثبت أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة الهوى فهذه المقاومة خاصة بالآدميين”.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم):

إذا استحكمت الأزمات وتعقدّت حبالها،وترادفت الضوائق وطال ليلها،فالصبر وحدهُ هو الذي يُشع للمسلم النورالعاصم من التخبط ،والهداية الواقية من القنوط”.

وهو الزاد في رحلة الحياة لمواجهة كل مشقة،ولتجاوز كل الصعاب والعقبات،ولذلك كرر تعالى عز وجل الصبر في آيات عديدة من الذكر الحكيم،لأنه سبحانه وتعالى وهو أعلم العالمين يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الإستقامة على الطريق بين شتى النوازع والدوافع،ويعلم ما يقتضيه القيام بدعوة الله في الأرض وما يتطلبه من نفوس مشدودة الأعصاب،مجندة القوى،يقظة للمداخل والمخارج ،ولابد في كل هذا من الصبر.

الحضّ على الصبر:

جاءت الآيات والأحاديث النبوية الشريفة والمأثورات من أقوال الرسل والصحابة والصالحين تدعو إلى الصبر والالتزام به.والصبر واجب بإجماع العلماء:{واصبِرْ فإنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ المحسنين}[هود 115]،فجاء بصيغة الأمر،والأمر للوجوب.

لقد أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالصبر في آياتٍ كثيرةٍ:

{فاصبرْ إنَّ العاقبةَ للمتقين}[هود49].

{ولئن صبرتُمْ لهوَ خيرٌ للصابرينَ* واصبرْ وما صبرُكَ إلا بالله ولا تحزنْ عليهم ولاتكُ في ضيقٍ مما يمكرون}[النحل 126 ـ 127]

{فاصبرْ إنَّ وعدَ الله حق ولا يَستَخِفَّنَّكَ الذين لا يوقنون}[الروم60].

{واتَّبِعْ ما يُوحى إليكَ واصبرْ حتى يَحكُمَ اللهُ وهوَ خيرُ الحاكمينَ}[يونس 109].

{فاصبِرْ كما صَبَرَ أولوا العزمِ من الرُّسُلِ}[الأحقاف 35].

{تِلكَ من أنباءِ الغَيبِ نُوحيها إليكَ ماكُنتَ تَعلَمُها أنتَ ولا قومُكَ من قبلِ هذا فاصبِر إنَّ العاقبةَ للِمتقينَ}[هود 49].

{فاصبِرْ على ما يقولونَ وسَبِّحْ بِحمدِ رَبِّكَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقبلَ غُروبها}[طه 130].

{فاصبرْ على ما يقولونَ وسَبِّحْ بحمدِ رَبِّكَ قبلَ طلوعِ الشَّمس وقبلَ الغروبِ*ومن الليلِ فَسَبِّحهُ وأدبارَ السجودِ}[ق39 ـ 40]

{واصبرْ وما صَبرُكَ إلا بالله}[النحل 127]

{ولِربِّكَ فاصبر}[المدثر7]

{واصبرْ على ما يقولونَ واهجرهم هجراً جميلاً}[المزمل10]

{اصبرْ على مايقولونَ واذكرْ عبدَنا داودَ ذا الأيدِ إنَّهُ أوَّاب}[ص17]

{واصبرْ لِحُكمِ رَبِّكَ فإنَّكَ بأعيُننا وسَبِّحْ بحمدِ رَبِّكَ حينَ تقوم}[الطور 48]

{فاصبرْ إنَّ وعدَ الله حقٌّ واستغفر لذنبكَ وسَبِّح بحمدِ رَبِّكَ بالعَشيِّ والإبكارِ}[غافر 55]

{فاصبرْ إنَّ وعدَ الله حقّق فإمّا نُرِيَنَّكَ بعضَ الذي نَعِدُهم أو نتوَفَّيَنَّكَ فإلينا يُرجعونَ}[غافر 77]

{واصبرْ فإنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ المُحسنين}[هود115]

{فاصبرْ صبراً جميلاً*إنَّهم يرونهُ بعيداً*ونراهُ قريباً}[المعارج 5 ـ 7]

{فاصبرْ لِحُكمِ رَبِّكَ ولا تَكن كصاحبِ الحوت}[القلم 48]

{واصبرْ وما صَبرُكَ إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تَكُ في ضَيقٍ ممّا يمكرون}[النحل 127]

{فاصبرْ لِحُكمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ منهم آثماً أو كفوراً}[الإنسان24]

كما أن الحض على الصبر جاء على لسان الأنبياء والصالحين في القرآن الكريم:

{قالَ مُوسى لقومِهِ استعينُوا بالله واصبِروا إنَّ الأرضَ لله يُورِثُها من يشاءُ من عبادهِ والعاقبةُ للمُتقين}[الأعراف 128].

قال تعالى ـ على لسان لقمان ـ:{يا بُنيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وأُمرْ بالمعروفِ وانهَ عن المُنكرِ واصبرْ على ما أصابكَ إنَّ ذلكَ من عَزمِ الأمورِ}[لقمان 17].

{واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}[البقرة 45]

قال تعالى:{يا أيُّها الذينَ آمنُوا استعينوا بالصَّبرِ والصَّلاةِ إنَّ اللهَ معَ الصَّابرينَ}[البقرة 153].

والصبر من ألزم الأمور في طريق محبة الله وأعظم الناس محبة لله هم أشدهم صبراً،ولهذا وصف الله تعالى بالصبر خاصة أولياءه وأحبابه:{إنا وجدناهُ صابراً}.وقرن الصبر مع عزم الأمور: {لَتُبلَوُنَّ في أموالِكُمْ وأنْفُسِكُمْ ولَتَسْمَعُنَّ من الذينَ أُوتوا الكتابَ من قَبلِكُمْ ومن الذينَ أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتَّقوا فإنَّ ذلكَ من عزمِ الأمورِ}[آل عمران 186].

وكذلك جاءت الأحاديث النبوية وسنة الرسول قولاً وعملاً في الأمر بالصبر والحض عليه.

عن أبي سعيد  الخدري رضي الله عنه” أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم،ثم سألوا فأعطاهم،ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ماعنده فقال: ما يكون عندي من خيرٍ فلن أدَّخره عنكم،ومن يَستعفف يُعفَّهُ الله،ومن يستغنِ يُغنه الله،ومن يَتصبَّر يُصبِّره الله،وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر“.[رواه الشيخان]

و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلب شاكر،ولسان ذاكر،وبدن على البلاء صابر،وزوجة لا تبغيه خوناً في نفسها وماله[رواه الطبراني بسند حسن والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه الألباني]

و عن أبي مالك الأشعري قال:قال صلى الله عليه وسلم:”الصبر ضياء“[رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة]،فهو ينير للإنسان الطريق ويكشف عنه الظلمات.

وقال المسيح عيسى بن مريم عليه السلام:

“[يا ابن آدم الضعيف! اتق الله حيث ما كنت،وكن في الدنيا ضعيفاً واتخذ المساجد بيوتاً،وعلّم عينيك البكاء،وجسدك الصبر،وقلبك الفكر،ولا تهتم برزق غد]”.

وقال المسيح عليه السلام:

“إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون”.

يقول عمر الفاروق رضي الله عنه:

“رأيت جميع الأخلاء فلم أر خليلاً أفضل من حفظ اللسان،ورأيت جميع اللباس فلم أر لباساً أفضل من الورع،ورأيت جميع المال فلم أر مالاً أفضل من القناعة،ورأيت جميع البر فلم أر أفضل من النصيحة،ورأيت جميع الأطعمة فلم أر طعاماً ألذّ من الصبر”.

ويقول عمر الفاروق أيضاً رضي الله عنه:

“وجدنا خير عيشنا بالصبر”وقال أيضاً:”أفضل عيش أدركناه بالصبر،ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريما”.

ويقول سيدنا علي رضي الله عنه:

“الصبر سيف لا ينبو،ومطية لا تكبو”.

يقول الإمام علي رضي الله عنه:

“من استرشد غيرَ العقل أخطأ منهاج الرأي،ومن أخطأته وجوه المطالب خذلته الحيل،ومن أخلَّ بالصبر حُرم حسن العاقبة.فإن الصبر قوة من قوى العقل،وبقدر موادِ العقل وقوتها يقوى الصبر”.وقال أيضاً رضي الله عنه:”ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد،فإذا قطع الرأس بار الجسد.ثم رفع صوته فقال:”ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له”.

وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

” ومعول المؤمن الصبر وما أنعم الله على عبده نعمة ثم انتزعها منه فأعاضه  ـ مما انتزع منه ـ الصبر،إلا كان ما أعاضه خيراً مما انتزع منه،وإنما يؤتى الصابرون أجرهم بغير حساب”.

ويقول سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله:

“رحم الله امرءاً نظر فتفكَّر،وتفكّر فاعتبر،واعتبرَ فأبصر،وأبصر فصبر:فقد أبصرَ قومٌ ثمَّ لم يصبروا فتمكَّن الجزعُ من قلوبهم،فلم يدركوا ما طلبوا،ولم يرجعوا إلى ما فارقوا”.وقال أيضاً:”الصبر كنز من كنوز الخير،لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده”.

وقال سليمان بن القاسم رحمه الله:

“كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر”.

وجاء في الأدب الكبير لعبد الله بن المقفع:”

“ذلل نفسك بالصبر على جار السوء،وعشيرِ السوء،وجليسِ السوء.فإنَّ ذلك مما لا يكادُ يخطئك”.واعلم أن الصبر صبرانِ:صبرُ المرءِ على ما يكره،وصبره عما يحب.والصبرُ على المكروه أكبرهما وأشبههما أن يكون صاحبه مضطراً.واعلم أن اللئام أصبر أجساداً،وأنّ الكرام هم أصبر نفوساً.وليس الصبرُ الممدوح بأن يكون جلد الرجلُ وقاحاً على الضرب،أو رجله قويةً على المشي،أو يده قويةً على العمل.فإنما هذا من صفات الحمير.ولكن الصبر الممدوح أن يكون للنفسِ غلوباً،وللأمور محتملاً،وفي الضراء متجملاً،ولنفسهِ عند الرأي والحفاظ مرتبطاً وللحزم مؤثراً،وللهوى تاركاً،وللمشقة التي يرجو حسن عاقبتها مستخفاً،وعلى مجاهدة الأهواء والشهوات مواظباً،ولبصيرته بعزمهِ منفذاً”.

ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:

“الشهوة الآثمة حلاوة ساعة ثم مرارة العمر،والشهوة المباحة حلاوة ساعة ثم فناء العمر،والصبر المشروع مرارة ساعة ثم حلاوة الأمد”.

وكانت الدعوة إلى الصبر والحض عليه وكذلك الدعوة إلى التواصي بالصبر والحض على ذلك دعوة صريحة واضحة جعلها الله قرينة التواصي بالحق وأقسم الله عز وجل أن فلاح البشر منوط بهما معاً{والعَصرِ*إنَّ الإنسانَ لفي خُسرٍ*إلّا الذينَ آمنوا وعملوا الصَّلحاتِ وتَواصَوا بالحَقِّ وتواصَوا بالصَّبرِ}.

لقد حضّ الله وهو الحكيم الخبير على الصبر والتواصي به لأنه وهو علّام الغيوب يعلم أن العبد لا يستغني عن الصبر في كل حال من الأحوال .

الصبر والصوم:

ومما يساعد على الصبر الصوم،فالصوم في حقيقته تدريب للنفس على السيادة والقيادة حيث يتحكم الصائم بشهواته طائعاً مختاراً في وقت لا رقيب عليه ولا حسيب إلا الله.والصوم أفضل أنواع الصبر لأنه يجمع الصبر على طاعة الله والصبر عن معاصيه وذلك بترك العبد لشهوات نفسه،وصبر على الأقدار المؤلمة مما يحصل للصائم من الجوع والعطش ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي شهر الصيام شهر الصبر.

الصبر والصلاة:

{والذينَ صبروا ابتغاءَ وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانيةً ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار}[الرعد22]

قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين}[البقرة 153].

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد206 بتاريخ الأول من حزيران عام 1904):

“أما الصبر فقد ذكر في القرآن سبعين مرة ولم تذكر فضيلة أخرى فيه بهذا المقدار وهذا يدل على عظم أمره،وقد جعل التواصي به في سورة العصر مقروناً بالتواصي بالحق إذ لابد للداعي إلى الحق منه.وقد قرن الله تعالى في الآية المذكورة الصلاة بالصبر وجعل الأمرين معاً ذريعة الإستعانة على ما يلاقي المؤمنون في طريق الحق من الشدائد ولو كان هؤلاء الادعياء مصلين لكانوا من الصابرين.

ويتابع رحمه الله:”وجه الحاجة إلى الاستعانة بالصبرعلى تأييد الحق والقيام بأعبائه ظاهر جلي.وأما الحاجة إلى الإستعانة بالصلاة فوجهها محجوب لا يكاد ينكشف إلا للمصلين الذين هم في صلاتهم خاشعون.تلك الصلاة التي أكثر من ذكرها الكتاب العزيز ووصف ذويها بفضلى الصفات وهي التوجه إلى الله تعالى وحضور القلب معه سبحانه واستغراقه في الشعور بهيبته وجلاله وكمال سلطانه.تلك الصلاة التي قال فيها جلّ ذكره:{وإنَّها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين!}[البقرة 45]وقال:{إنَّ الصَّلاةَ تنهى عن الفحشاءِ والمُنكرِ}[العنكبوت 45]وليست إلى الصورة المعهودة من القيام والركوع والسجود والتلاوة باللسان خاصة التي يسهل على كل صبي مميز أن يتعود عليها والتي نشاهد من المعتادين عليها الإصرار على الفواحش والمنكرات،واجتراح الآثام والسيئات,وأي قيمة لتلك الحركات الخفيفة في نفسها حتى يصفها رب العزة والجلال بالكبر إلا على الخاشعين.إنما جعلت تلك الحركات والأقوال صورة للصلاة لتكون وسيلة لتذكير الغافل،وتنبيه الذاهل،ودافعاً يدفعه إلى ذلك التوجه المقصود الذي يملأ القلب بعظمة الله وسلطانه حتى يستسهل في سبيله كل صعب،ويستخف بكل كرب،ويسهل عليه عند ذلك احتمال كل بلاء،ومقاومة كل عناء،فإنه لا يتصور شيئاً يعترض في سبيله إلا ويرى سيده ومولاه أكبر منه.فهو لا يزال يقول:الله أكبر:حتى لا يبقى في نفسه شىء كبير،إلا ماكان مرضياً لله العلي الكبير،الذي يلجأ إليه في الحوادث ويفزع إليه عند الكوارث”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“يتكرر ذكر الصبر في القرآن كثيراً،ذلك أن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الإستقامة على الطريق بين شتى النوازع والدوافع،والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض بين شتى الصراعات والعقبات،والذي يتطلب أن تبقى النفس مشدودة الأعصاب،مجندة القوى،يقظة للمداخل والمخارج،ولابد من الصبر في هذا كله،لابد من الصبر على الطاعات،والصبر عن المعاصي،والصبر على جهاد المشاقين لله،والصبر على الكيد بشتى صنوفه،والصبر على بطء النصر،والصبر على بعد الشقة،والصبر على انتفاش الباطل،والصبر على قلة الناصر،والصبر على طول الطريق الشائك،والصبر على التواء النفوس،وضلالة القلوب،وثقلة العناد،ومضاضة الإعراض…وحين يطول الأمد،ويشق الجهد،قد يضعف الصبر أو ينفد،إذا لم يكن هناك زاد ومدد،ومن ثم يقرن الصلاة إلى الصبر،فهي المعين الذي لا ينضب،والزاد الذي لا ينفد،المعين الذي يجدد الطاقة والزاد الذي يزود القلب،فيمتد حبل الصبرولا ينقطع،ثم يضيف إلى الصبر الرضى والبشاشة والطمأنينة والثقة واليقين…”.

الصبر ومقامات الإيمان الأخرى:

قُرِن الصبر مع فضائل أخرى نذكر منها:

1 ـ التقوى:

يقول تعالى:{يا أيُّها الذينَ آمنوا اصبروا وصابروا واتقوا الله لعلَّكم تُفلحونَ}[آل عمران 200].[المصابرة:مغالبة الخصوم بالصبر،فإذا صبر العدو في القتال،فعلى المؤمنين أن يغالبوه بالصبر،فيصبروا أكثر منه]،{إنّهُ من يَتَّقِ ويصبر فإنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ المحسنين}[يوسف90]،{فاصبر إنَّ العاقبة للمتقين}[هود49]

2 ـ الرحمة:

قال تعالى:{ثمَّ كانَ من الذين آمنوا وتواصوا بالصَّبرِ وتواصوا بالمرحمة}[البلد17].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“والصبر هو العنصر الضروري للإيمان بصفة عامة،ولاقتحام العقبة بصفة  خاصة.والتواصي به يقرر درجة وراء درجة الصبر ذاته.درجة تماسك الجماعة المؤمنة،وتواصيها على معنى الصب،وتعاونها على تكاليف الإيمان.فهي أعضاء متجاوبة الحس.تشعر جميعاً شعوراً واحداً بمشقة الجهاد لتحقيق الإيمان في الأرض وحمل تكاليفه،فيوصي بعضهم بعضاً بالصبر على العبء المشترك،ويثبت بعضها بعضاً فلا تتخاذل،ويقوي بعضها بعضاً فلا تنهزم.وهذا أمر غير الصبر الفردي.وإن يكن قائماً على الصبر الفردي.وهو إيحاء بواجب المؤمن في الجماعة المؤمنة.وهو ألا يكون عنصر تخذيل بل عنصر تثبيت،ولايكون داعية هزيمة بل داعية اقتحام،ولا يكون مثار جزع بل مهبط طمأنينة.

وكذلك التواصي بالمرحمة.فهو أمر زائد على المرحمة.إنه إشاعة الشعور بواجب التراحم في صفوف الجماعة عن طريق التواصي به،والتحاض عليه،واتخاذه واجباً جماعياً  فردياً في الوقت ذاته،يتعارف عليه الجميع،ويتعاون عليه الجميع”.

3 ـ التوكل:

قال تعالى:{الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون}[العنكبوت 59]

4 ـ الخَبت:

يقول تعالى:{وبَشِّر المُخبتينَ*الذينَ إذا ذُكِرَ الله وجِلت قلوبُهُم والصابرينَ على ما أصابهم والمقيمي الصَّلاةِ ومما رزقناهم ينفقون}[الحج34 ـ 35]

يقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج2 ص310):

“المخبتون في الاصطلاح الشرعي هم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم،والصابرون على ما أصابهم،والمقيموا الصلاة،والمنفقون مما رزقهم الله ابتغاء مرضاته.

وأصل الخَبتِ في اللغة:الأرض المنخفضة المطمئنة،والمُخبتُ لربّه هو المتواضع الخاشع المطمئن”.

5 ـ الشكر:

يقول تعالى:{إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شكورٍ}[لقمان 31].

 6 ـ قرين الحق :

الصبر في القرآن قرين الحق لأن الحق لا ينصر إلا بالصبر. قال تعالى:{والعَصرِ* إنَّ الإنسانَ في خُسرٍ* إلا الذينَ آمنُوا وعَملوا الصَّالحاتِ وتواصَوا بالحَقِّ وتَواصَوا بالصَّبرِ}[العصر 1 ـ 3].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“والتواصي بالحق ضرورة.فالنهوض بالحق عسير.والمعوقات عن الحق كثيرة:هوى النفس،ومنطق المصلحة،وتصورات البيئة،وطغيان الطغاة،وظلم الظلمة،وجور الجائرين…والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية،والأخوة في العبء والأمانة.فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية،إذ تتفاعل معاً فتتضاعف.تتضاعف بإحساس كل حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولايخذله…وهذا الدين ـ وهو الحق ـ لا يقوم إلأ في حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلى متضامنة على هذا المثال.

والتواصي بالصبر كذلك ضرورة.فالقيام على الإيمان والعمل الصالح،وحراسة الحق والعدل،من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة.ولابد من الصبر.لابد من الصبر على جهاد النفس،وجهاد الغير.والصبر على الاذى والمشقة.والصبر على تبجح الباطل وتنفج الشر.والصبر على طول الطريق وبطء المراحل،وانطماس المعالم،وبعد النهاية!

والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة،بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف،ووحدة المتجه،وتساند الجميع،وتزودهم بالحب والعزم والإصرار…إلى آخر مايثيره من معاني الجماعة التي لا تعيش حقيقة الإسلام إلأا في جوها،ولاتبرز إلا من خلالها…وإلا فهو الخسران والضياع”.

والحقُّ مرٌّ،والصبرُ مرٌّ،ولكن إن تعجب فلتعجب يا صاحبي أنه من التقاء وامتزاج هذين المُرّين،تتولد حلاوة الإيمان،وما أجملها وما أحلاها من حلاوة.

7 ـ قرين الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة:

يقول تعالى:{إلا الذين صبروا وعملوا الصالحاتِ أولئك لهم مغفرةٌ وأجرٌ كبير}[هود11].ويقول تعالى:{والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً}[الأحزاب 35].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(الفوائد ص270):

“الصبر لقاح الإيمان،فإذا اجتمع الإيمان والصبر أثمرا العمل الصالح.وحسن الظن بالله لقاح الافتقاروالاضطرار إليه،فإذا اجتمعا أثمرا إجابة الدعاء.والخشية لقاح المحبة،فإذا اجتمعا أثمرا امتثال الأوامر واجتناب المناهي.والصبر لقاح اليقين،فإذا اجتمعا أورثا الإمامة في الدين،قال تعالى:{وجَعلنا منهُم أئمةً يهدونَ بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنونَ}[السجدة 24].

ويتابع رحمه الله:”والصبر لقاح البصيرة،فإذا اجتمعا فالخير في اجتماعهما.قال الحسن:”إذا شئت أن ترى بصيراً لا صبر له رأيته،وإذا شئت أن ترى صابراً لا بصيرة له رأيته،فإذا رأيت صابراً بصيراً فذاك”.

8 ـ الصدق:

{والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات}[الأحزاب 35].

يقول الأستاذ عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد 386):

“وكثيرأ ما يقرن القرآن الكريم الصبر بالصدق،وهما من منبع واحد،هما من المروءة والكرامة والأنفة والشجاعة التي تقول الحق غير مبالية،وتصبر على الشدائد غير مستخذية الصدق في القول والفعل خلق يبين عن صفاء النفس وخلوصها وصراحتها وحبها الحق،وميلها عن الباطل،ونفورها من المداجاة والمراءاة والنفاق والخداع،خلق يأبى التكلف والتصنع ويربأ عن المذلة والخنوع،خلق ينطق بالإباء والشجاعة،وحب الخير للناس،وتحكيم قوانين الله فيما بينه وبينهم لا يبغي صاحبه عن هذه القوانين حولا،ولا يرضى لمنفعة نفسه الاحتيال لإخفاء الحقائق،والتماس غيرها من الوسائل المخترعة المزورة.وذلكم هدى القرآن وشرعة الإسلام،وسيرة المسلمين الأولين نطقت به مآثرهم في الحرب والسلم وفي معاملة العدو والصديق.كانوا في أقوالهم وأفعاله حرباً على الباطل والبغي والكذب،فكانت سيرهم مثلاً من الحق الصريح الذي لايشوبه رياء ولا مداراة ولا مداجاة،فجزاهم الله بصدقهم أن مكن لهم في الارض وملكهم أزمة الأمم يسوسونها بعدل الله ابتغاء مرضاة الله كما قال تعالى:{ليجزي الصادقين بصدقهم}[الأحزاب 24]

مواطن مأمور فيها بالصبر:

أمر سبحانه وتعالى بالتزام الصبر أمراً مطلقاً،وأمر بالصبر في مواضع معينة حيث يشتد الحاجة فيها للصبر:

1 ـ الصبر على أذى الفاجرين:

قال تعالى:{لَتُبلَوُنَّ في أموالِكُم وأنفُسِكُمْ ولَتَسمَعُنَّ من الذينَ أوتُوا الكتابَ مِنْ قَبلِكُمْ ومنَ الذينَ أشرَكُوا أذىً كثيراً وإن تَصبِروا وتتَّقُوا فإنَّ ذلكَ من عَزمِ الأمورِ}[آل عمران 186]

2 ـ في الدعوة إلى الله تعالى:

{يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}[لقمان 17]

3 ـ الصبر على معاملة الناس:

4 ـ الصبر على الإتّهام:

{ادفعْ بالتي هي أحسنُ فإذا الذي بينَكَ وبينَهُ عداوةٌ كأنَّهُ وليٌّ حميمٌ}[فصلت 35]،{ولَمَن صبرَ وغفرَ إنَّ ذلكَ لَمِنْ عزمِ الأمور}[الشورى43].

يقول سيد قطب رحمه الله(سورة فصلت):

“وتصدق هذه القاعدة في الغالبية الغالبة من الحالات.وينقلب الهياج إلى وداعة.والغضب إلى سكينة،والتبجح إلى حياء،على كلمة طيبة،ونبرة هادئة،وبسمة حانية في وجه هائج غاضب متبجح مفلوت الزمام!ولو قوبل بمثل فعله ازداد هياجاً وغضباً وتبجحاً ومروداً.وخلع حياءه نهائياً،وأفلت زمامه،وأخذته العزة بالإثم.

غير أن تلك السماحة تحتاج إلى قلب كبير يعطف ويسمح وهو قادر على الإساءة والرد.وهذه القدرة ضرورية لتؤتي السماحة أثرها.حتى لا يصور الإحسان في نفس المسيء ضعفاً.ولئن أحس أنه ضعف لم يحترمه،ولم يكن للحسنة أثرها إطلاقاً.

وهذه السماحة كذلك قاصرة على حالات الإساءة الشخصية.لا العدوان على العقيدة وفتنة المؤمنين عنها.فأما في هذا فهو الدفع والمقاومة بكل صورة من صورها.أو الصبر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا”.

5 ـ الصبر على العشرة الزوجية وتربية الأطفال

6 ـ الصبر على من لك حقوق عنده:

الصبر على الغريم والمدين{وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرةٌ إلى مَيسرةٍ وأنْ تَصدَّقُوا خيرٌ لكُمْ إن كُنتُم تعلمون} [البقرة 280]

الآفات المُعيقة عن الصبر:

1 ـ الاستعجال:

النفس موكولة بحبّ العاجل:{خُلِقَ الإنسانُ من عَجَلٍ}[الأنبياء 37]،فإذا أبطأ على الإنسان مايريد نفد صبره وضاق صدره واستعجل قطف الثمرة قبل أوانها فلا هو ظفر بثمرة طيبة ولا هو أتمّ المسير،ولهذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولاتستعجل لهم}[الأحقاف 35]،أي العذاب فإن له يوماً موعودا.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”والله ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون”[رواه البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه]

2 ـ الغضب:

لقد حذر الله رسوله من مغبة الغضب وعواقبه ونتائجه،وبين ذلك في حديثه عن النبي يونس وما وقع فيه بسبب الغضب فقال تعالى:{فاصبِرْ لِحُكمِ رَبِّكَ ولاتَكُنْ كصاحبِ الحُوتِ إذ نادى وهو مَكظُومٌ* لولا أن تَداركَهُ نِعمةٌ من رَبِّهِ لَنُبِذَ بالعراءِ وهو مَذمومٌ* فاجتباهُ رَبُّهُ فجَعلهُ من الصَّالحينَ}[القلم 48 ـ 50]الذي فرغ صبره وهجر قومه،وضاق صدره :{وذا النُّونِ إذ ذهبَ مُغاضباً فظنَّ أن لن نَّقدِرَ عليه فنادى في الظُّلماتِ أنْ لا إلهَ إلا أنتَ سُبحانكَ إنّي كنتُ من الظالمين}[الأنبياء 87]،فتاب الله عليه وأنقذه مما كان فيه:{فاستجبنا لهُ ونَجَّينَاهُ من الغَمِّ وكذلكَ  نُنجي المؤمنينَ}[الأنبياء 88].

3 ـ اليأس:

وهذا الذي حذر منه نبي الله يعقوب عليه السلام:{يابَنيَّ اذهَبُوا فَتَحسَّسُوا من يُوسُفَ وأخيهِ ولا تيأسُوا من رَّوحِ الله إنَّهُ لاييأسُ من رَّوحِ الله إلا القومُ الكافرون}[يوسف87].

4 ـ شدة الحزن والضيق:

{واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون}[النحل 127]

{فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون}[فاطر 8]

مراتب الصبر:

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله هي ثلاثة:

الأولى:الصبر بالله،ومعناها الاستعانة به،ورؤيته أنه هو المُصيّر،وأن صبر العبد بربه لا بنفسه،كما قال تعالى:{واصبر وما صبرك إلا بالله}[النحل127يعني:إن لم يُصبرك الله لم تصبر.

الثانية:الصبر لله، وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله تعالى،وإرادة وجهه والتقرب إليه،لا لإظهار قوة نفسه أو طلب الحمد من الخلق،أو غير ذلك من الأغراض.

الثالثة:الصبر مع الله،وهو دوران العبد مع مراد الله منه ومع أحكامه،صابراً نفسه معها،سائراً بسيرها،مقيماً بإقامتها،يتوجه معها أينما توجهت،وينزل معها أينما نزلت،جعل نفسه وقفاً على أوامر الله ومحابه،وهذا أشد أنواع الصبر وأصعبها،وهو صبر الصديقين.قال الجنيد:”المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن،وهجران الخلق في جنب الله شديد،والمسير من النفس إلى الله صعب شديد،والصبر مع الله أشد”.

أنواع الصبر:

النوع الأول:الصبر على السّراء:

هو ما يوافق هوى النفس من الصّحة والسلامة والمال والجاه وكثرة العشيرة والأتباع،وجميع ملاذ الدنيا،والعبد محتاج إلى الصبر في جميع هذه الأمور،فلا يركن إليها ولا ينهمك في التلذّذ بها،ومتى لم يضبط نفسه عن الانهماك في الملذّات والركون إليها،أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان،حتى قال بعض العارفين:”المؤمن يصبر على البلاء،ولا يصبر على العافية إلا صِدِّيق”.

وقال عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة:”ابتلينا بالضراء فصبرنا،وابتلينا بالسراء فلم نصبر”.

وذلك لأن الصبر على السراء شديد لأنه مقرون بالقدرة،فالجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه عند حضور الطعام اللذيذ،وهو شديد أيضا لأنه يجب أن يكون صبراً متصلاً بالشكر،فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر.ولهذا عرف السلف الصالح والأولون ما يعنيه الله تعالى بقوله:{واعلمُوا أنَّما أموالُكُمْ وأولادُكُمْ فِتنةٌ وأنَّ الله عنده أجرٌ عظيم}[الأنفال 28]

وقوله تعالى:{إنَّ من أزواجِكُم وأولادِكُم عدُوّاً لكم فاحذروهُم}[التغابن 14]،وقوله تعالى:{لا تُلهِكُم أموالُكُم ولا أولادُكُم عن ذكر الله ومن يفعل ذلكَ فأولئكَ همُ الخاسرون}[المنافقون 9].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال(سورة الأنفال):

“إن هذا القرآن يخاطب الكينونة البشرية،بما يعلم خالقها من تركيبها الخفي،وبما يطلع منها على الظاهر والباطن،وعلى المنحنيات والدروب والمسالك.

وهو ـ سبحانه ـ يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة.ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها…ومن هنا ينبهها إلى حقيقة هبة الأموال والأولاد…لقد وهبها الله للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها.فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء،ليرى الله فيها صنيع العبد وتصرفه..أيشكر عليها ويؤدي حق النعمة فيها؟أم يشتغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها؟”ونبلوكم بالشر والخير فتنة”…فالفتنة لا تكون باشدة والحرمان وحدهما…إنها كذلك تكون بالرخاء وبالعطاء أيضاً!ومن الرخاء والعطاء هذه الأموال والأولاد…

ويتابع رحمه الله:”فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار،كان ذلك عوناً له على الحذر واليقظة والاحتياط،أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة.

ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض…فقد يضعف عن الأداء ـ بعد الانتباه ـ لثقل التضحية وضخامة التكليف،وبخاصة في موطن الضعف في الأموال والأولاد!إنما يلوّح له بما هو خير وأبقى،ليستعين به على الفتنة ويتقوى”وأن الله عنده أجر عظيم”.

إنه ـ سبحانه ـ هو الذي وهب الأموال والأولاد..وعنده وراءهما أجر عظيم لمن يستعلي على فتنة الأموال وألاولاد،فلا يقعد إذن عن تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد..وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف،الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه:”وخلق الإنسان ضعيفاً”.

ويقول رحمه الله (سورة التغابن):

“والتنبيه إلى أن من الأزواج والاولاد من يكون عدواً…إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية.ويمس وشائج متشابكة دقيقة في التركيب العاطفي وفي ملابسات الحياة سواء.فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكرالله.كما أنهم قد يكونون دافعاً للتقصير في تبعات الإيمان اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه فلقي مايلقاه المجاهد في سبيل الله!والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير،وتضحية الكثير.كما يتعرض هو وأهله للعنت.وقد يحتمل العنت في نفسه ولايحتمله في زوجه وولده.فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال!فيكونون عدواً له،لأنهم صدوه عن الخير،وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا.كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه،اتقاء لما يصيبهم من جرائه،أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه،ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله…وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات..وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن”.

عرف السلف الصالح هذا فكانوا يخافون في السراء أكثر من خوفهم في الضراء،فقال سيدنا سليمان عليه السلام بعد التمكين الهائل له :{هذا من فضلِ رَبِّي لِيبلُوَني أأشكُرُ أم أكفُرُ ومن شكرَ فإنَّما يشكرُ لنفسِهِ ومن كفَرَ فإنَّ ربيِّ غنيٌّ كريمٌ}[النمل 40].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“استشعر سليمان عليه السلام أن النعمة ـ على هذا النحو ـ ابتلاء ضخم مخيف،يحتاج إلى يقظة منه ليجتازه،ويحتاج إلى عون من الله ليتقوى عليه،ويحتاج إلى معرفة النعمة والشعور بفضل المنعم،ليعرف الله منه هذا الشعور فيتولاه.والله غني عن شكر الشاكرين،ومن شكر فإنما يشكر لنفسه،فينال من الله زيادة النعمة،وحسن المعونة على اجتياز الابتلاء.ومن كفر فإن الله “غني” عن الشكر”كريم”يعطي عن كرم لا عن ارتقاب للشكر على العطاء”.

النوع الثاني:الصبر في الضراء:

هذه الحياة الدنيا ليست دار نعيم،ولا تخلو من المُنغصات من انحراف الصحة،أو ضياع المال،أو فقد الحبيب،أو غدر الصديق،أو ذهاب الأمن.هذه هي طبيعتها التي لا تتغير:

جُبِلت على كدرٍ وأنت تريدها              صفواً من الاقذار والأكدار

ومُكلفِ الأيام ضد طباعها                 متطلب في الماء جذوة نار

فإذا كانت هذه هي طبيعة الدنيا التي نعيش فيها،مصاعب ومصائب لابدّ منها،ومُنغصات ومُكدرات لابد من معايشتها،فإما أن تُداريها بالصبر فتنال الأجر،وإما أن تتبرم بها وتثور عليها،فتزيد ثورتك من عذابك،ويزيد غيظك من بلوائك،وأنت في الحالين من الأخسرين،وفي الدارين.

والصبر على البلاء والضراء أي الصبر الذي يخالف الهوى فهو ثلاثة أقسام:

الأول:الصبر على الطاعات:

إن الصبرعلى الطاعة أساس من أركان الإسلام اللازمة تحتاج في القيام بها والمداومة عليها إلى التحمل والمعاناة.فالصلاة فريضة متكررة ،وتحتاج إلى الصبر بالمواظبة عليها والقيام بها على أحسن وجه،وقد يقوم بها البعض وهم كسالى ولذا قال تعالى:{وأمُر أهلَكَ بالصَّلاةِ واصطَبِرْ عليها}[طه132].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“فأول واجبات الرجل المسلم أن يحول بيته إلى بيت مسلم،وأن يوجه أهله إلى أداء الفريضة التي تصلهم معه بالله،فتوحد اتجاههم العلوي في الحياة.وما أروح الحياة في ظلال بيت أهله كلهم يتجهون إلى الله.

“واصطبر عليها”..عل إقامتها كاملة،وعلى تحقيق آثارها.إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر,وهذه هي آثارها الصحيحة.وهي في حاجة إلى اصطبار على البلوغ بالصلاة إلى الحد الذي تثمر فيه ثمارها هذه في المشاعر والسلوك.وإلا فما هي صلاة مقامة.إنما هي حركات وكلمات”.

وقال تعالى:{واستعينوا بالصّبر والصّلاة وإنَّها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين}[البقرة 45].وقال تعالى:{رَبُّ السَّمواتِ والأرضِ وما بينَهُما فاعبُدهُ واصطبِرْ لعبادتِهِ هل تعلمُ لهُ سَميّاً}[مريم 65].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“اعبده واصطبرعلى تكاليف العبادة.وهي تكاليف الارتقاء إلى أفق المثول بين يدي المعبود،والثبات في هذا المرتقى العالي.اعبده واحشد نفسك وعبىء طاقتك للقاء والتلقي في ذلك الأفق العلوي..إنها مشقة.مشقة التجمع والاحتشاد والتجرد من كل شاغل،ومن كل هاتف ومن كل التفات…وإنها مع المشقة للذة لايعرفها إلا من ذاق.ولكنها لا تنال إلا بتلك المشقة،وإلا بالتجرد لها،والاستغراق فيها،والتحفز لها بكل جارحة وخالجة.فهي لاتفشي سرها ولاتمنح عطرها إلا لمن يتجرد لها،ويفتح منافذ حسه وقلبه جميعاً.

“فاعبده واصطبر لعبادته”..والعبادة في الإسلام ليست مجرد الشعائر.إنما هي كل نشاط:كل حركة.كل خالجة.كل نية.كل اتجاه.وإنها لمشقة أن يتجه الإنسان في هذا كله إلى الله وحده دون سواه.مشقة تحتاج إلى الاصطبار.ليتوجه القلب في كا نشاط الأرض إلى السماء.خالصاً من أوشاب الأرض وأوهاق الضرورات،وشهوات النفس،ومواضعات الحياة”.

ومن العبادات ما يكره بسبب البخل كالزكاة،ومنها مايكره لعدّة أسباب مجتمعة كالحج والجهاد مثلاً،كما أن عشرة المؤمنين والإبقاء على الصلة بهم ومودتهم والإغضاء عن هفواتهم وأخطائهم يحتاج للصبر الجميل:{واصبِرْ نَفسكَ مع الذين يَدعُونَ رَبَّهُم بالغَداةِ والعَشِي يُريدونَ وَجهَهُ ولا تَعدُ عيناكَ عنهم}[الكهف28].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“واصبر نفسك” ..لا تمل ولا تستعجل “مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه”…فالله غايتهم،يتجهون إليه بالغداة والعشي،لا يتحولون عنه،ولا يبتغون إلا رضاه.وما يبتغونه أجل وأعلى من كل ما يبتغيه طلاب الحياة.

اصبر نفسك مع هؤلاء.صاحبهم وجالسهم وعلمهم.ففيهم الخير،وعلى مثلهم تقوم الدعوات.فالدعوات لا تقوم على من يعتنقونها لأنها غالبة،ومن يعتنقونها ليقودوا بها الأتباع،ومن يعتنقونها ليحققوا بها الأطماع،وليتجروا بها في سوق الدعوات تشترى منهم وتباع!إنما تقوم الدعوات بهذه القلوب التي تتجه إلى الله خالصة له،لا تبغي جاهاً ولا متاعاً ولا انتفاعاً،إنما تبتغي وجهه وترجو رضاه”.

وقال تعالى:{وجَعَلنا بَعضَكُم لبعضٍ فتنةً أتصبرُونَ وكانَ رَبُّكَ بصيراً}[الفرقان 20]،{فاصبِرْ كما صَبرَ أُولُوا العَزمِ من الرُّسُلِ ولا تَستعجل لهم}[الأحقاف 35].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وكل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم،وكل عبارة وراءها عالم من الصور والظلال،والمعاني والإيحاءات،والقضايا والقيم.

“فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل”..توجيه يقال لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي احتمل ما احتمل،وعانى من قومه ما عانى.وهوالذي نشأ يتيماً،وجرد من الولي والحامي ومن كل أسباب الأرض واحداً بعد واحد.الأب.والأم.والجد.والعم.والزوج الوفية الحنون.وخلص لله ولدعوته مجرداً من كل شاغل.كما هو مجرد من كل سند أو ظهير.وهو الذي لقي من أقاربه من المشركين أشد مما لاقى من الأبعدين.وهو الذي خرج مرة ومرة ومرة يستنصر القبائل والأفراد فرد في كل مرة بلا نصرة.وفي بعض المرات باستهزاء السفهاء ورجمهم له بالحجارة حتى تدمى قدماه الطاهرتان،فما يزيد على أن يتوجه إلى ربه بذلك الإبتهال الخاشع النبيل.

وبعد ذلك كله يحتاج إلى توجيه ربه:”فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولاتستعجل لهم”…ألا إنه لطريق شاق،طريق هذه الدعوة.وطريق مرير.حتى لتحتاج نفس كنفس محمد صلى الله عليه وسلم في تجردها وانقطاعها للدعوة،وفي ثباتها وصلابتها،وفي صفائها وشفافيتها.تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر وعدم الإستعجال على خصوم الدعوة المتعنتين.

نعم.وإن مشقة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة،وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر.وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة من رحيق العطف الإلهي المختوم”.

يقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله:

“إذا كان الصبر خلقاً ضرورياً وصفةً لازمة للداعية،فإنّ مما يزين للمرء التحلي بها والتعود عليها أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القمة الشامخة في هذا الموضوع.

إنّ في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثالاً حياً ومثلاً أعلى للصبر البناء المُعَلّم…الصبر الذي لا يبالي بالعقبات ولا بالصعوبات…

لقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين آمنوا معه التعذيب والتكذيب والأذى،وقاطعه قومهُ مقاطعةً اجتماعيةً واقتصادية،ومكروا في محاربته مكراً كُبّار،وخططوا لقتله والوقوف في وجه دعوته في الليل والنهار،ولاحقوا أتباعه المهاجرين حتى الحبشة…ومع ذلك فقد كان يقابل ذلك بصبر مقترن بالرجاء،صبرٍ على الإعراض وصبرٍ على الإيذاء.

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم:”هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟قال:”لقد لقيتُ من قومك،وكان أشدُّ مالقيته منهم يوم العقبة،إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت،فانطلقت وأنا مهمومٌ على وجهي،فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب،فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني،فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام،فناداني فقال:إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك،وقد بعث إليك ملك الجبال،لتأمره بما شئت فيهم.فناداني ملك الجبال، فسلّم عليَّ ثم قال:يامحمد إن الله قد سمع قول قومك لك،وأنا ملك الجبال،وقد بعثني ربّي إليك لتأمرني بأمرك فما شئت،إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين؟فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لايشرك به شيئاً”[متفق عليه]والأخشبان الجبلان المحيطان بمكة.

ومن المعروف في السيرة أنه صلوات الله عليه لما جهر بالدعوة سخرت منه قريش واستهزؤوا به في مجالسهم،فكان إذا مرّ عليهم يقولون:هذا ابن أبي كبشة يُكلّم من السماء…هذا غلام عبد المطلب يكلّم من السماء…لايزيدون على ذلك.

وكان أبوجهل من أشدّ المشركين إيذاءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم…قال عبد الله بن مسعود:كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو يصلي،فقال أبو جهل:ألا رجلٌ يقوم إلى فرث جذور بني فلان فيلقيه على محمد وهو ساجد؟فقام عقبة بن أبي معيط وجاء بذلك الفرث فألقاه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد،فلم يقدر أحدٌ من المسلمين الذين كانوا في المسجد على إلقائه عنه لضعفهم عن مقاومة عدوهم،ولم يزل عليه السلام جالساً حتى جاءت فاطمة بنته،فأخذت القذر ورمته،فلما قام دعا على من صنع هذا الصّنع القبيح وسمى أقواماً،قال ابن مسعود:فرأيتهم قُتلوا يوم بدر”[رواه البخاري].

واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الدعوة يخطو والأمل يملأ جوانب نفسه الكبيرة…وقد حقق الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ما كان يرجو،فلم يمض وقتٌ طويلٌ حتى ولّى صناديد الشرك…وإذا أبناؤهم وأعقابهم يدخلون في دين الله أفواجاً،وإذا كلمة التوحيد تعمّ جزيرة العرب…ويصبح هذا الرسول الكريم الذي كان قبل حينٍ مُطارداً مهاجراً سيّد الزيرة،جزيرة العرب،ويصبح خلفاؤه بعد زمنٍ يسيرٍ سادة الكون كله”.

وهو أيضاً الصبر على التمسك بالدين في هذا الزمان الفاسد الذي عاد فيه الإسلام غريباً كما بدا غريباً وصار القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر،وأصبح المؤمن فيه عرضة للسخرية والأذى والتشهير والتعذيب والنفي والتشرد وربما القتل.فمن احتمل ذلك كله صبراً واحتساباً كان من الذين قال الله عنهم:{ أولئكَ يُؤتونَ أجرَهُم مَّرَّتينِ بما صَبروا ويدرؤنَ بالحسنةِ السَّيئة ومّما رزقناهم ينفقون}[القصص 54]

الثاني: الصبر عن المعاصي:

فالمعاصي كثيرة وهي مترافقة مع المتعة الرخيصة الموقوتة الآنية،وهي لذيذة على النفس الأمّارة بالسوء،فإن امتنع عنها مع تمكنه منها كان من الصابرين.كصبر الشاب الذي يرى العورات البادية والمتاحة في كل زاوية وفي كل مكان،ونفسه تميل إليها ولكنه يغضّ البصر خوفاً من الله،ويبتعد عنها وعن سبيل اللذّة المحرمة رهبة من الله،ورغبة في ثوابه ومرضاته،وما أحوج العبد في كل زمان ولكن بشكل خاص في هذا الزمان حيث حُفَّت النار بالشهوات وحُفَّت الجنّة بالمكاره إلى الصبر عن محارم الله وعن اللذّات المُحرّمة مع القدرة عليها ـ وما أسهل الحصول عليها في هذا الزمان  ـ وهذا يعتبر من أعظم أنواع الصبر،وله في سيدنا يوسف الكريم بن الكريم بن الكريم رضي الله عنهم أجمعين قدوة وأسوة حسنة.

يقول عمر الفاروق رضي الله عنه:”الصبر صبران:صبر عند المصيبة حسن،وأحسن منه الصبر عن محارم الله”.

ويقول سعيد بن جبير رضي الله عنه:”إن الصبر على الطاعات وعن المحرمات أفضل من الصبرعلى الأقدار المؤلمة،فطوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره”.

الثالث: الصبر على أقدار الله:

والصبر على أقدار الله هو ما لايدخل تحت الاختيار،كالمصاب في موت الأحبة،أو هلاك الأموال،أو زوال الصحة،وسائر أنواع البلاء.

والصبر على أقدار الله المؤلمة وعدم الجزع واحتساب الثواب عند الله من أعلى المقامات لأن سنده اليقين،وقريب منه الصبر على أذى الناس بترك المكافأت.يقول تعالى:{وإن تصبروا وتتقوا  فإن ذلك من عزم الأمور}[آل عمران 186]،ويقول تعالى:{ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}[النحل 126]،ويقول تعالى:{ولَمَنْ صَبرَ وغفَرَ إنَّ ذلكَ لَمِنْ عَزمِ الأمورِ}[الشورى 43].

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:يقول تعالى:{واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}[لقمان17]،ويقول في موضع آخر:{ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}[الشورى 43].

يقول الشيخ رحمه الله:زادت هنا اللام،والمسلم حين يدقق في معاني القرآن الكريم يجد أن كل حرف في القرآن قد تم وضعه بحكم بالغة.وأنه لاشيء اسمه مترادفات،وإنما لكل لفظ معنى يؤديه،ولا يؤديه اللفظ الآخر رغم التشابه.فإذا دققنا في المعنى نجد مايلي:في الآية الأولى يقول الله سبحانه وتعالى”واصبر على ما أصابك”والأمر الذي يصيب الانسان نوعان:نوع للإنسان فيه غريم،ونوع لا يوجد فيه غريم.عندما أمرض ليس لي غريم،وإذا أصابني مكروه بقضاء وقدر ليس هناك غريم.إنما عندما أسير في الشارع ويعتدي علي إنسان بالضرب،هناك لي غريم.

فهناك نوعان من الصبر:صبر النفس فيما ليس لي منه غريم ،وهذا هين لأنه ليس هناك إنسان أنفعل عليه،ولا أملك أن أردعه من شيء قد حدث لي،ماحدث هو قضاء الله وقدره وأنا ليس لي أمام هذا إلا الصبر،وهذا النوع من الصبر لا يحتاج إلى طاقة كبيرة ليمارسه الإنسان لأنه ليس هناك غريم .والنوع الثاني من الصبر يحتاج إلى جَلَد أكبر،ويحتاج إلى قوة الإرادة،وهذا النوع الذي يوجد فيه غريم أستطيع أن أنتقم منه وأستطيع أن أصفح وأغفر.إذن عندما يتحدث الله سبحانه وتعالى عن الصبر بنوعيه،ويعطي لكل نوع ما يستحقه من وصف للنفس البشرية،فهو عندما يتحدث عن الصبر عن شيء ليس لي فيه غريم يقول:{واصبِرْ على ما أصَابكَ إنَّ ذلكَ من عزمِ الأمور}[لقمان17]،وعندما يتحدث عن الصبر الذي لي فيه غريم يقول:{ولَمَن صبرَ وغَفرَ إنَّ ذلكَ لَمِنْ عزمِ الأمور}[الشورى43]وهنا تأتي اللام للتأكيد،حيث يحتاج الصبر إلى جلد وضبط للنفس”.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:”مشقة الصبر بحسب قوة الداعي إلى الفعل وسهولته على العبد،فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران،كان الصبر عنه أشقَّ شيء على الصابر،وإن فقدا معاً سهل الصبر عنه،وإن وجد أحدهما وفقد الآخر،سَهُل الصبر من وجه،وصعُب من وجه،فمن لاداعي له إلى القتل والسرقة وشرب المسكر وأنواع الفواحش،ولا هوسهلٌ عليه،فصبره عنه من أيسر شيء عليه وأسهله،ومن اشتدَّ داعيه إلى ذلك وسهل عليه فعله،فصبره عنه أشق شيء عليه،ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم،وصبر الشباب عن الفاحشة،وصبر الغني عن تناول اللذات والشهوات عند الله بمكان.

ولذلك استحق السبعة المذكورون في الحديث أن يظلهم الله في ظل عرشه،لكمال صبرهم ومشقته”.[عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين}

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله:”مراتب الناس في المقدور ثلاثة:الرضا وهو أعلاها،والسخط وهو أسفلها،والصبر عليه بدون الرضا وهو أوسطها،فالأول للمقربين السابقين،والثالثة للمقتصدين،والثانية للظالمين”.

آداب الصبر:

إن للصبر آداباً على الإنسان المؤمن الصابر أن يتحلّى بها ليكون صبره الصبر الجميل الحسن،وليحظى بثواب الله وفضله. فمن آداب الصبر:

1 ـ استعماله في أول الصدمة:

جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر،فقال:اتقي الله واصبري.فقالت:إليك عني،فإنك لم تُصَب بمصيبتي ـ ولم تعرفه ـ فقيل لها:إنه النبي صلى الله عليه وسلم،فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين،فقالت:لم أعرفك.فقال:إنما الصبر عند الصدمة الأولى”.

فالصبر الذي يُحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة،بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يُنسى.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(عدة الصابرين):

“فإنّ مفاجئات المصيبة بغتة لها روعة تزلزل القلب،وتزعجه بصدمها،فإن صبر الصدمة الأولى انكسر حدها،وضعفت قوتها،فهان عليه استدامة الصبر،وأيضاً فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها فتزعجه،وهي الصدمة الأولى،وأما إذا وردت عليه بعد ذلك توطّن لها،وعلم أنه لابد منها فيصير صبره شبيه الاضطرار”.

وكذلك لا بد من الثبات على الصبر فهو أشدّ من الصبر نفسه،وإن الرضى بالحرمان أشدّ من الحرمان نفسه،وما كل صابر ثابت ،ولا كل محروم راض،ولا كل نائحة ثكلى،ولا كل عبوس حزين.

2 ـ الاسترجاع عند المصيبة:

وهو أن يقول”إنا لله وإنا إليه راجعون” وذلك استناداً لقوله تعالى:{وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}[البقرة 155 ـ 156]وما أروع هذا التسليم،لله تعالى وحده التسليم المطلق،تسليم الألتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجهاً لوجه بالحقيقة وبالتصور الصحيح.

يقول سيد قطب رحمه الله:

“إنا لله..كلنا..كل ما فينا..كل كياننا وذاتينا…لله..وإليه المرجع والمآب في كل أمر وفي كل مصير…التسليم…التسليم المطلق…تسليم الالتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجهاً لوجه بالحقيقة الوحيدة،وبالتصور الصحيح”.

روى الإمام أحمد رضي الله عنه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً سررت به”ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله:إنا لله وإنا إليه راجعون . اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف الله له خيراً منها”[رواه مسلم]

وحين توفي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على قبره فقالت:”نضَر الله وجهك يا أبت،وشكر الله صالح سعيك.فلقد كنت للدنيا مُذلاً بإدبارك عنها،وللآخرة مُعزاً بإقبالك عليها.ولئن كان أجَلّ الحوادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رزؤك،وأعظم المصائب بعده فقدك إن كتاب الله ليعد بحسن الصبرعنك حسن العوض منك.و أنا أستنجز موعود الله فيك بالصبر،واستقضيه بالاستغفار لك.أما لئن قاموا بأمر الدنيا لقد قمت بأمر الدين كما وهن شعبه(أي ضعف جمعه) وتفاقم صدعه،ورجفت جوانبه.فعليك سلام الله توديع غير قالية(كارهة) لحياتك،ولا زارية(لائمة) على القضاء فيك”.[العقد الفريد والبيان والتبيين للجاحظ]

3 ـ حمدُ الله والاستسلام لقضائه:

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الترمذي”إذا مات ولد العبد قال الله  عزّ وجلّ لملائكته قبضتم ولدَ عبدي ؟فيقولون:نعم.فيقول:قبضتم ثمرة فؤاده؟فيقولون:نعم.فيقول:ماذا قال عبدي؟فيقولون:حمدك واسترجع.فيقول:ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد”.[رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأخرجه الترمذي وقال إسناده صحيح]

كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى أحد عماله بعد أن عزّاه في موت ابنه:

بسم الله الرحمن الرحيم.أما بعد.فإن هذا الأمر قد وطنّا أنفسنا عليه.فلما نزل لم نُنكره.والسلام.

يقول شريح القاضي:”إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها لأربعة وجوه:أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي،وأحمده إذ رزقني الصبر عليها،وأحمده إذ وفقني للاسترجاع على ما أرجو فيه الثواب،وأحمده إذ لم يجعلها في ديني”.

4 ـ سكون الجوارح واللسان:

فلا يجوز شق الجيوب ولطم الخدود وتجاوز القول باللسان.

جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”ليس منّا من ضربَ الخدودَ،أو شقّ الجيوبَ،أو دعا بدعوى الجاهلية”.[رواه عبد الله بن مسعود وأخرجه مسلم]

وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة”.

(الصالقة:التي ترفع صوتها عند المصيبة،الحالقة:التي تحلق شعرها عند المصيبة،الشاقة:التي تشقّ ثوبها عند المصيبة).

ولقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على امرأة مريضة فوجدها تلعن الداء وتسبُّ الحمى،فكره هذا المسلك وقال لها مواسياً:إنها ـ أي الحمى ـ تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد[رواه مسلم].

وعن أسامة بن زيد قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم أن ابناً لي قُبض فأتنا،فأرسل يقريء السلام ويقول:” إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى،فلتصبر ولتحتسب“،فأرسلت إليه تُقسم عليه أن ليأتينها،فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال،فرُفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونفسه تتقعقع ـ قال أي الراوي ـ حسبت أنه قال أي أسامة ـ كأنها شَن ففاضت عيناه،فقال سعد يا رسول الله ما هذا؟قال: “هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده،فإنما يرحم الله من عباده الرحماء“[أخرجه البخاري] وفي هذا ما يدل على جواز البكاء ولكن بدون أن تصدر عن المحزون أصوات وصراخ.

يقول الأستاذ العقاد (عبقرية محمد) معقباً على هذه الحادثة:”ماهذا يا رسول الله؟

هذا رسول الله في أصدق ماتكون عليه رسالة الرسل:في الرحمة،وفي الآصرة الإنسانية،وغير هذا لن يكون”.

وكذلك بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موت ولده إبراهيم(من ماريا القبطية)وقال:”إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا مايرضي ربنا وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون”.

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(عبقرية محمد):

مات الطفل ولما يدرك السنتين.مصاب صغير إن كانت المصائب تقاس بسنوات المفقودين.ولكن المصائب في الأعزاء إنما تقاس بمبلغ عطفنا عليهم،والصغير أحوج إلى العطف من الكبير المستقل بشأنه.إنما تقاس آلام المفقودين بأعمار الفاقدين،وأي مصاب أفدح من مصاب الستين وما بعدها في الأمل الوحيد الواصل بينها وبين الزمان ماضيه وآتيه؟

ما تخيلت محمداً(صلى الله عليه وسلم)في موقف أدنى إلى القلوب الإنسانية من موقفه على قبر الوليد الصغير ذارف العينين مكظوم الوجد،ضارعاً إلى الله…نفس قد نفثت الرجاء في نفوس الألوف بعد الألوف،وهي في ذلك الموقف قد انقطع لها رجاء عزيز:رجاء واسفاه لا يحييه كل ما ينفثه المصلح في الدنيا من رجاء.

ويتابع العقاد:”وفضل النبي في نبوته وفي أبوته أنه حزن وبكى،وتلك هي الصلة بينه وبين قلب الإنسان ،وبينه وبين الناس،وأي نبي تنقطع بينه وبين القلب الإنساني صلة كهذه الصلة التي تجمع أشتات القلوب؟”.

ويتابع العقاد:”وصرخ أسامة حين بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:”البكاء من الرحمة والصراخ من الشيطان”.حزن كما ينبغي له أن يحزن..أما الحزن الذي لا ينبغي له فهو الصراخ الذي نهى عنه”.

5 ـ عدم ظهور المَصاب على المُصاب:

قال ثابت البناني:مات عبدالله بن مطرف،فخرج مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادّهن فغضبوا وقالوا يموت عبد الله ثم تخرج في ثياب من هذه مدهناً؟قال:افا أستكين لها وقد وعدني ربي تبارك وتعالى ثلاث خصال وكل خصلة منها أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها. قال تعالى:{وبشر الصابرين *الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون *أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}.[البقرة 155 ـ 157]

وكان صلة بن أشيم في مغزىً له ومعه ابنه فقال أي بني تقدّم فقاتل حتى احتسبك،فحمل فقاتل حتى قَتل ثم تقدّم فَقُتل.فاجتمع النساء عند أمه معاذة العدوية فقالت:مرحباً إن كنتن جئتن تهنئنني،وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن”.

يقول سعيد بن جبير رحمه الله:الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه،واحتسابه عند الله رجاء ثوابه،وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر”.

وقال ابن عطاء الله السكندري:الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.

وقال ذو النون المصري:”الصبر التباعد عن المخالفات،والسكون عند تجرع غصص البلية”.

6 ـ كتمُ المَصاب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:”إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين فقال: انظروا ما يقوله لعوّاده؟فإن هو حمد الله تعالى إذا دخلوا عليه رفعوا ذلك إلى الله تعالى وهو أعلم ،فيقول لعبدي :إن أنا توفيته أن أدخله الجنة،وإن أنا شفيته أن أبدله لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه،وأن أكفر عنه سيئاته“.[رواه مالك في الموطأ،والمنذري في الترغيب، حديث ضعيف]

والصبر هو حبس النفس عن المكروه،والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولامعه،والشكوى لا تنافي الصبر كما قال يعقوب عليه السلام{قالَ إنّما أشكُو بَثِّي وحُزني إلى الله}[يوسف86]،وكذلك أيوب عليه السلام:{وأيُّوبَ إذ نادى رَبَّهُ أنّي مَسَّنيَ الضُّرَّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ}[الأنبياء 83]وإنما يُنافي الصبر شكوى الله لا الشكوى إلى الله.

قال أبو العباس محمد بن أحمد بن الصلت سمعت عبد الرحمن المتطبب يقول دخلت على أحمد بن حنبل أعوده،فقلت كيف تجدك؟فقال:أحمد الله إليك.أنا بعين الله.ثم دخلت على بشر بن الحارث فقلت كيف تجدك؟ فقال أحمد الله إليك.أجد كذا ،أجد كذا.فقلت أما تخشى أن يكون هذا شكوى؟فقال:حدثنا المعافى ابن عمران عن شعبان عن سعد عن منصور عن ابراهيم عن علقمة الأسود قال سمعنا عبد الله بن مسعود يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك“.فدخلت على أحمد بن حنبل فحدثته فكان إذا سألته قال أحمد الله إليك.أجد كذا وكذا”.

7 ـ الاحتساب:

أي احتساب الثواب عند الله تعالى.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:”حسبنا الله ونعم الوكيل قالها ابراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا:{إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل”[رواه البخاري]

يروى أن عروة ابن الزبير بن العوام رضي الله عنهما وهو أحد فقهاء المدينة السبعة،شكا مرضاً في رجله فكان لابد من قطعها،وعرضوا عليه الخمر ليسكروه،فلا يحس بألم القطع،فقال لا أستعين على قدر الله بمعصية الله،فأرادوا أن يشربوه المرقد(البنج)فقال لا،فإني لا أحب أن أُسلب عضواً من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك لاحتسبه عند الله.قالوا فكيف نفعل بك إذاً؟قال:دعوني أصلي.فإذا قمت للصلاة فشأنكم وما تريدون.(وقد كان رحمه الله إذا قام يصلي سهى عن كل ما حوله وتعلق قلبه بالله تعالى).وبالفعل قام يصلي وتركوه حتى سجد،فكشفوا عن ساقه وقطعوا اللحم حتى وصلوا للعظم،ثم أخذوا المنشار ونشروا العظم،حتى قطعوا الساق كاملة وهو ساكن مطمئن بصلاته لم يحرك ساكناً..وأرادوا إيقاف نزيف الدم فسكبوا على الجرح الزيت المغلي،وعنده فقط لم يحتمل حرارة الزيت فأغمي عليه.وفي هذه الأثناء أتى الخبر من خارج القصر أن ابن عروة بن الزبير كان يتفرج على خيول الخليفة في الاسطبل،وقد رفسه أحد الخيول فوقع ميتاً.فذهب الخليفة(الوليد بن عبد الملك) إلى عروة بن الزبير بعد أن أفاق،وقال:أحسن الله عزاءك في رجلك.فقال عروة:اللهم لك الحمد وإنا لله وإنا إليه راجعون.قال الخليفة:وأحسن الله عزاءك في ابنك.فقال عروة:اللهم لك الحمد وإنا إليه راجعون،أعطاني سبعة أبناء وأخذ واحداً،وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحداً،إن ابتلى فطالما عافى،وإن أخذ فطالما أعطى،وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة.

وروي أن عبد الملك بن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما مات دفنه عمر ثم استوى قائماً فأحاط به الناس فقال: رحمك الله يا بني،قد كنت براً بأبيك،والله مازلت منذ وهبك الله لي مسروراً بك،ولا والله ما كنت قطّ أشدَ بك سروراً ولا أرجى بحظي من الله تعالى فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيّرك الله إليه.فغفر الله ذنبك،وجزاك بأحسن عملك،وتجاوز عن سيئتك،ورحم الله كل شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب.رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره،فالحمد لله رب العالمين ثم انصرف(البيان والتبيين للجاحظ).

ولما أقبلت صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنظر إلى شقيقها حمزة رضي الله عنه يوم استشهد في أحد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابنها الزبير بن العوام أن يلقاها فيرجعها حتى لا ترى ما بأخيها،فلقيها وقال لها يا أمة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي.قالت ولم وقد بلغني أنه مُثّل بأخي وذلك من الله،فما أرضانا بما كان من ذلك لاحتسبن ولأصبرن إن شاء الله.فلما جاء الزبير إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالت قال له خلِّ سبيلها.فأتته  ونظرت إليه ثم صلت عليه واسترجعت واستغفرت له.

وانظر معي إلى كاتب من أحسن كتاب القرن العشرين وصاحب مجلة الرسالة وكيف توجه إلى الله محتسباً مؤمناً صابراً بعد أن فقد ولده .يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله في مقال بعنوان”ولدي”نشر في السادس من نيسان عام 1936(وحي الرسالة ج1 ص310):

“يا قارئي أنت صديقي فدعني أرق على يديك هذه العبرات الباقية!هذا ولدي كما ترى،رزقته على حال عابسة كاليأس،وكهولة يائسة كالهرم،وحياة باردة كالموت،فأشرق في نفسي إشراق الأمل،وأورق في عودي إيراق الربيع،وولد في حياتي العقيمة معاني الجدة والاستمرار والخلود!

كنت في طريق الحياة كالشارد الهيمان،أنشد الراحة ولا أجد الظل،وأفيض المحبة ولا أجد الحبيب،وألبس الناس ولا أجد الأنس،وأكسب المال ولا أجد السعادة،وأعالج العيش ولا أدرك الغاية.كنت كالصوت الأصم لا يرجعه صدى،وكالروح الحائر لا يقرُّه هدى،وكالمعنى المبهم لايحدده خاطر.كنت كالآلة نتجتها آلة واستهلكها عمل،فهي تخدم غيرها بالتسخير،وتميت نفسها بالدءوب،ولا تحفظ نوعها بالولادة.فكان يصلني بالماضي أبي،ويمسكني بالحاضر أجلي،ثم لا يربطني بالمستقبل رابط من أمل أو ولد.فلما جاء(رجاء)وجدتني أولد فيه من جديد.فأنا أنظر إلى الدنيا بعين الخيال،وأبسم إلى الوجود بثغر الأطفال،وأضطرب في الحياة اضطراب الحي الكامل،يدفعه من ورائه طمع،ويجذبه من أمامه طموح!شعرت بالدم الحار يتدفق نشيطاً في جسمي،وبالأمل القوي ينبعث جديداً في نفسي،وبالمرح الفتي يضج لاهياً في حياتي،وبالعيش الكئيب تتراقص على حواشيه عرائس المنى!فأنا ألعب مع رجاء بلعبه،وأتحدث إلى رجاء بلغته،وأتبع عقلي هوى رجاء فأدخل معه في كل ملهى دخول البراءة،وأطير به في كل روض طيران الفراشة.ثم لم يعد العمل الذي أعمله جديراً بعزمي،ولا الجهد الذي أبذله كفاء لغايتي،فضاعفت السعي،وتجاهلت النَصَب،وتناسيت المرض،وطلبت النجاح في كل وجه!ذلك لأن الصبي الذكي الجميل أطال حياتي بحياته،ووسع وجودي بوجوده،فكان عمري يغوص في طوايا العدم قليلاً ليمد عمره بالبقاء،كما يغوص أصل الشجرة في الأرض ليمد فروعها بالغذاء.

شغل رجاء فراغي كله،وملأ وجودي كله.حتى أصبح هو شغلي ووجودي!فهو صغيراً أنانوأنا كبيراً هو.ياكل فأشبع،ويشرب فأرتوي،وينام فأستريح،ويحلم فتسبح روحي وروحه في إشراق سماوي من الغبطة لا يوصف ولايحد.

ماهذا الضياء الذي يشع في نظراتي؟ماهذا الرجاء الذي يشيع في بسماتي؟ما هذا الرضا الذي يغمر نفسي؟ماهذا النعيم الذي يملأ شعوري؟ذلك كله انعكاس حياة على حياة،وتدفق روح في روح،وتأثير ولد في والد؟

ثم انقضت تلك السنون الأربع،فصوَّحت الواحة وأوحش القفر،وانطفأت الومضة وأغطش الليل،وتبدّد الحلم وتجّهم الواقع،وأخفق الطب ومات رجاء!

يا جبار السموات والأرض رُحماك!أفي مثل خفقة الوسنان تُبدَّل الدنيا غير الدنيا،فيعود النعيم شقاء والملاء خلاء والأمل ذكرى؟أفي مثل تحية العجلان يصمت الروض الغرد،ويسكن البيت اللاعب،ويقبح الوجود المجيل؟

حنانيك يا لطيف!ماهذا اللهيب الغريب الذي يهب على غشاء الصدر ومزاق البطن فيرمض الحشا ويذيب لفائف القلب؟اللهم هذا القضاء فأين اللطف؟وهذا البلاء فأين الصبر؟وهذا العدل فأين الرحمة؟

إن قلبي ينزف من عيني عبرات بعضها صامت وبعضها معول!فهل لبيان الدمع ترجمان،ولعويل الثاكل ألحان؟إن اللغة كون محدود فهل تترجم اللانهاية!وإن الآلة عصب مكدود فهل تعزف الضرم الواري؟إن من يعرف حالي قبل رجاء وحالي معه يعرف حالي بعده!أشهد لقد جزعت عليه جزعاً لم يغن فيه عزاء ولا عظة!كنت أنفر ممن يعزيني عنه لأنه يهينه،وأسكن إلى من يباكيني عليه لأنه يُكبره،وأستريح إلى النادبات يندبن القلب الذي مات والأمل الذي فات والملك الذي رُفع؟

لم يكن رجاء طفلاً عادياً حتى أملك الصبر عنه وأطيع السلوان فيه.إنما كان صورة الخيال الشاعر ورغبة القلب المشوق!كان وهو في سنه التي تراها في صورته يعرف أوضاع الأدب،ويدرك أسرار الجمال،ويفهم شؤون الأسرة،ويؤلف لي(الحواديت)كلما ضمني وإياه مجلس السمر!كان يجعل نفسه دائماً بطل(الحدوتة)فهو يصرع الأسود التي هاجمت الناس من حديقة الحيوانات،ويدفع(العساكر)عن التلاميذ في أيام المظاهرات،ويجمع مساكين الحي في فناء الدار ليوزع عليهم ماصاده ببندقيته الصغيرة من مختلف الطير!

والهف نفسي عليه يوم تسلل إليه الحِمام الراصد في وعكة قال الطبيب الغفلان إنها(البرد)،وقال القدر اليقظان بعد ثلاثة أيام إنها(الدفتريا)!لقد عبث الداء الوبيل بجسمه النضر كما تعبث الريح السّموم بالزهرة الغضة!ولكن ذكاءه وجماله ولطفه لم تبرح قوية ناصعة،تصارع العدم بحيوية الطفولة،وتحاجُّ القدر في حكمة الحياة والموت!

والهف نفسي عليه ساعة أخذته غصّة الموت،وأدركته شهقة الروح،فصاح بملء فمه الجميل :(بابا!بابا!)كأنما ظن أباه يدفع عنه مالايدفع عن نفسه!

لنا الله من قبلك ومن بعدك يارجاء،وللذين تطولوا بالمواساة فيك السلامة والبقاء!”.

هذا عزاء وصبر من قُبض ابنه وقرّة عينه،وحبّة قلبه،جعل الله مثواهما جميعاً في الجنة.

يعزي الكاتب العظيم أحمد أمين الزيات في ابنه رجاء قائلاً له(الرسالة العدد142):

“سعيت أمس لعزائك،في (رجائي)و(رجائك)،فرأيتك واجماً ساهماً،مولهاً مدلهاً،فانعقد لساني،وتخلف ذهني،وفاض دمعي.

وكيف أستطيع عزاءك وما استطعت أن أعزي نفسي؟أو كيف أستطيع أن أخفف مابك وما استطعت أن أخفف حزني؟

رأيت بك كمداً باطناً،وحزناً مكتمناً،فعلمت أنك تتجرع غصص الهم،وتختزن برحاء الكرب،فتمنيت أن تخفف عنك بصرخة،وتنفس عن نفسك بدمعة،ولكن عزّ الصبر،وعزّ الدمع،فما هي إلا زفرات تذيب لفائف القلوب وتنفطر لها المرائر.

وارحمتاه لك! لقد كان (رجاء)قبلة رجائك،ومعقد آمالك،وحديث أحلامك،وملء سمعك وبصرك،تشوفته حياتك،وترقبته مطلع شابك،حتى جاد به الزمان البخيل،فربطت أسبابك باسبابه،وتعلقت بأهدابه ،فلما شمت مخايله،ورقبت منه النجح،عدا عليه الدهر الذي لا يرعى ميثاقاً،ولا يثبت على عهد،فأخلف ظنّك ،ونقض أملك،فإذا الدنيا أضغاث أحلام،ووساوس أطماع.

ولكن يا أخي ـ ما الجزع مما لابد منه،وما الهلع مما قُدر،ومثلك من يعرف مقدار الحياة وهوانها،أفليست إلا مرسحاً تمثل عليه أدوار مختلفة،مرة مهزلة،ومة مأساة،ونحن في حين ممثلون،وفي حين ناظرون.وليس لنا أن نبالغ في الالم،ونغلو في الجزع لانفقد كان يكون لذلك وجه من الحق لو ذهب من ذهب أبداً،وعشنا بعده أبداًن،نما الأمر دور يعقب دوراً، ولا حق منا إثر سابق،وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وأية سعادة نجدها في هذه الحياة حتى نحزن على الراحل،ونبكي على الميت،ونود أن لو بقى ليستمتع بها،ويتذوق طيباتها،إنما هي سلسلة عناء،وضروب شقاء،تنوّعت ألوانها،واتحدت حقيقتها،ولو أنصفنا لغبطنا من مات،وأشفقنا على من بقى،ومن مات في صباه فقد اختصر الحياة واختصر همومها وأحزانها،ووفر على نفسه عبئاً ثقيلاً ينتهي مختصره بما ينتهي مطوله،وخير للزهرة أن تذهب وهي ناضرة تعجب الناس،من أن تذهب وهي ذابلة يعافها الناس.

فخذ الحياة كما هي،ليل ينقضي في إثر ليل،وقوم في إثر قوم،وحادث يستذرف الدمع يعقبه حادث يخفف الهم،وكما قالت الخنساء:

فلولا كثرة الباكين حولي               على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن              أعزي النفس عنه بالتأسي

وليس الوفاء للميت بالإفراط في الحزن،والإمعان في البكاء،إنما الوفاء بمقابلة دواعي الحزن بدواعي الصبر،وليست الحكمة في إضعاف الحي من أجل الميت ،إنما هي في إحياء الحي من أجل الحي والميت.

وقد أخطأ الناس فغلوا في استفظاع الموت والاحتفاء به،وهولوا في الاستكثار من مظاهره،ولو عقلوا لقابلوه كما يقابل كل قانون طبعي في هذا العالم،زهرة تنضر وتذبل ،وشمس تطلع وتغرب،ونجم يتألق ويأفل،وسماء تصحو وتغيم،ولو عقلوا أيضاً لرددوا هذا المعنى في نفوسهم،واطمأنت له عقولهم،فإذا كان فهو ما تخيلوه،وإذا حدث فهو ما توقعوه ،وإذن لخفَّ الألم وانقطع الجزع.

أي أخي ـ ليكن ما أراده الله،ولنلوّن حياتنا بلون من ألوان التصوف،رضاء بالقد،واستخفاف بالعالم وما فيه،وطمأنينة إلى قوانينه وإيمان بعظمة الله وسلطانه،والتجاء إليه أن يتولاك برحمته ويظلك بإحسانه.

أي أخي ـ لقد أصبحت منسرق القوة،ضعيف البنية،مرهف الحس،رقيق الصحة،ولئن كان الانتحار جريمة لا تغتفر،ويأساً لا يرضاه الله ،فليس هو ـ فحسب ـ في إطلاق عيار ناري،أو إلقاء النفس في اليم،أو ما عهدت من ضروب إزهاق الروح،ولكن من ضروبه أيضاً الاستسلام للحزن والتسمم بالغم،والاسترسال في أسباب الكرب ،فهو انتحار بطيء ولكنه شر من الانتحار العاجل أعيذك بالله منه ،وأربأ بنفسك عنه.

فهوِّن على نفسك،وإن خاب رجاؤك في (رجاء)فحقق الله أملك في(علاء)وعش له ولنفسك وللناس.

أحسن الله عزاءك،وأجمل صبرك،وأجزل أجرك”.

وانظر معي إلى هذا الرثاء النبيل الجميل الذي يبعث الطمأنينة في القلب ويستجيب بإيمان لحكمة الرب كما جاء في مقال للأديب العظيم مصطفى لطفي المنفلوطي(الأعمال الكاملة ج1 ص33 بعنوان “الدفين الصغير”:

“الآن نفضت يدي من تراب قبرك يابني،وعدت إلى منزلي كما يعود القائد المنكسر من ساحة الحرب،لا أملك إلا دمعة لا أستطيع إرسالها،وزفرة لا أستطيع تصعيدها.

ذلك لأن الله الذي كتب لي في لوح مقاديره هذا الشقاء في أمرك فرزقني بك قبل أن اسأله إياك،ثم استلبنيك قبل أن أستعفيه منك،قد أراد أن يتمم قضاءه في،وأن يجرعني الكأس حتى ثمالتها،فحرمني حتى دمعة أرسلها أو زفرة أصعدها،حتى لا أجد في هذه ولا تلك ما أتفرج به مما أنا فيه فله الحمد راضياً وغاضباً،وله الثناء منعاً وسالباً،وله مني مايشاء من الرضا بقضائه والصبر على بلائه.

رأيتك يابني في فراشك عليلاً فجزعت.ثم خفت عليك الموت ففزعت،وكأنما كان يخيل إليَّ أن الموت والحياة شأن من شؤون الناس وعمل من الأعمال التي تملكها أيديهم،فاستشرت الطبيب في أمرك فكتب لي الدواء،ووعدني بالشفاء،فجلست بجانبك أصب في فمك ذلك السائل الأصفر قطرة قطرة،والقدر ينتزع من جنبيك الحياة قطعة قطعة،حتى نظرت فإذا أنت بين يدي جثة باردة لا حراك بها وإذا قارورة الدواء لا تزال في يدي.فعلمت أني قد ثكلتك!وأن الأمر أمر القضاء،لا أمر الدواء.

سأنام يابني بعد قليل على فراش مثل فراشك،وسيعالج مني المقدار ما عالج منك،وأحسب أن آخر ما سيبقى في ذاكرتي في تلك الساعة من شؤون الحياة وأطوارها،وخطوبها وأحداثها:هو الندم العظيم الذي لا أزال أكابد ألمه على تلك الجرع المريرة التي كنت أجرعك إياها بيدي وأنت تجود بنفسك،فيربد وجهك،وتختلج أعضاؤك،وتدمع عيناك،ومالك يد فتستطيع أن تمدها لتدفعني عنك ،ولا لسان فتستطيع أن تشكو إليَّ مرارة ما تذوق.

ما أسمج وجه الحياة من بعدك يابني!وما أقبح صورة هذه الكائنات في نظري!وما أشد ظلمة البيت الذي أسكنه بعد فراقك إياه!فلقد كنت تطلع في أرجائه شمساً مشرقة تضيء لي كل شيء فيه،أما اليوم فلا ترى عيني مما حولي أكثر مما ترى عينك الآن في ظلمات قبرك.

بكى الباكون والباكيات عليك ما شاؤوا،وتفجعوا ما تفجعوا،حتى إذا استنفدوا ماء شؤونهم،وضعفت قواهم عن احتمال أكثر مما احتملوا،لجأوا إلى مضاجعهم فسكنوا إليها،ولم يبقفي ظلمة هذا اليل وسكونه غير عينين قريحتين:عين أبيك الثاكل المسكين،وعين أخرى أنت تعلمها.

لقد طال علي الليل حتى مللته،ولكنني لا أسأل الله أن ينفرج لي سواده عن بياض النهار،لأن الفجيعة التي فجعتها بفقدك لم تبق بين جنبي بقية أقوى بها على رؤية أثر من آثار حياتك،فليت الليل باق حتى لا أرى وجه النهار،بل ليت النهار يأتي،فقد مللت هذا الظلام.

دفنتك اليوم يا بني ودفنت أخيك من قبل،ودفنت من قبلكما أخويكما فأنا في كل يوم أستقبل زائراً جديداً،وأودع ضيفاً راحلاً…فيا لله لقلب قد لاقى فوق ما تلاقي القلوب،وأحتمل فوق ما تحتمل من فوادح الخطوب.

لقد افتلذ كل منكم يابني من كبدي فلذة فأصبحت هذه الكبد الخرفاء مزقاً مبعثرة في زوايا القبور،ولم يبق لي منها إلا دماء قليل لا أحسبه باقياً على الدهر،ولا أحسب الدهر تاركه دون أن يذهب به كما ذهب بأخواته من قبل.

يابني،إن قدر الله لكم أن تتلاقوا في رضوة من رياض الجنة،أو على شاطىء غدير من غدرانها،أو تحت ظلال قصر من قصورها فاذكروني مثل ما أذكركم،وقفوا بين يدي ربكم صفاً واحداً كما يقف بين يديه المصلون ومدوا إليه أكفكم الصغيرة كما يمدها السائلون،وقولوا له:اللهم إنك تعلم أن هذا الرجل المسكين كان يحبنا وكنا نحبه،وقد فرقت الأيام بيننا وبينه،فهو لا يزال يلاقي من بعدنا شقاء الحياة وبأسائها ما لاطاقة له باحتماله،ولانزال نجد بين جوانحنا من الوجد به،والحنين إليه،ماينغص علينا هناء هذه النعمة التي ننعم بها في جوارك بين سمعك وبصرك،وأنت أرحم بنا وبه من أن تعذبنا عذاباً كثيراً فإما أن تأخذنا إليه أو تأتي به إلينا..لا،بل لا تطلبوا منه إلا أن يأتي بي إليكم.فإن الحياة التي كرهتها لنفسي لا أرضاها لكم،فعسى أن يستجيب الله من دعائكم مالم يستجب من دعائي فيرفع هذا الستار بيني وبينكم فنلتقي كما كنا”.

وانظر معي إلى أحدهم يعزي أحد أصحابه في فقد عزيز عليه(الأمالي للقالي ج2 ص98):

“إن الخلق للخالق،والشكر للمنعم،والتسليم للقادر،ولابدَّ مما هو كائن،وقد حلَّ ما يُدفع،ولاسبيل إلى رجوع ماقد فات،وقد أقام معك ما سيذهب عنك وستتركه،فما الجزعُ مما لابدَّ منه،وما الطمع فيما لا يُرجى،وما الحيلة فيما سيُنقل عنك أو تُنقل عنه،وقد مضت لنا أصول نحن فروعها،فما بقاء الفرع بعد الاصل!فأفضل الأشياء عند المصائب الصبر،وإنما أهل الدنيا سَفرٌ لا يحلُّون عن الرِّكاب إلا في غيرها،فما أحسن الشكرَ عند النِعم والتسليمَ عند الغِيَر!فاعتبر بمن قد رأيت من أهل الجزع،هل ردَّ أحدا منهم إلى ثقةٍ من دَرك؟واعلم أن أعظم من المصيبة سوءُ الخَلَف ،فأفِق والمرجعُ قريب، واعلم أنّما ابتلاك المُنعم وأخذ منك المُعطي،وما ترك أكثرنفإن نسيت الصبر فلا تغفل عن الشكر”.

وقد تصبر النفوس على ما يصيبها مكرهة لأنه لا حيلة لها في دفع المصيبة وفي هذا يستوي المسلم وغير المسلم ولكن الرضى والتسليم الكامل والإيمان بأن ما عند الله خير وأبقى وأن الباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً،هذا التسليم وهذا الرضى لا يكون إلا عند المسلم المؤمن،فالمؤمن هو الذي يسارع إلى احتساب النازلة أو المصيبة عند الله وهو مطمئن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه،وهو أمر صعب المنال إلا لمن أعانه الله على مجاهدة نفسه بأن لا تكون الدنيا أكبر همه ولامبلغ علمه.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(من مقال تعزية إلى أم):

“إن فقدتِ بنتك فهل فقدتِ(والعياذ بالله) إيمانكِ؟

في مثل هذه المواقف:مواقف الحزن واللوعة،يعرف المؤمن قيمة هذه النعمة التي هي الإيمان.

الملحد الذي لا يرى إلا هذه الحياة الدنيا يجنّ إن مات له عزيز،أو ينتحر…إنّه يتصوّر أنّه كان له ففقده،وكان معه ففارقه إلى الأبد.

أما المؤمن فيعلم أن الله هو الذي أعطى،وهو الذي أخذ،وأنّ بعد هذا الفراق لقاء،حيث يلتقي الصالحون في الجنّة،فهو يجتهد ليكون من أهل الصلاح ،ويسأل الله أن يرحم ميته ويجعله مع أهل الصلاح،ليكون هذا اللقاء لقاءً دائماً سعيداً لا فراق بعده.

هذا هو الفرق بين المؤمن والكافر..فأين إيمانك؟”.

الصبر الجميل:

أمر الله عبده ونبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالصبر الجميل:{فاصبِرْ صبراً جميلاً}[المعارج5].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“والصبر الجميل هو الصبر المطمئن،الذي لا يصاحبه السخط ولا القلق ولا الشك في صدق الوعد.صبر الواثق من العاقبة،الراضي بقدر الله،الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء،الموصول بالله المحتسب كل شيء عنده مما يقع به.وهذا اللون من الصبر هو الجدير بصاحب الدعوة.فهي دعوة الله،وهي دعوة إلى الله.ليس له هو منها شيء.وليس له وراءها من غاية.فكل ما يلقاه فيها فهو في سبيل الله،وكل مايقع في شأنها هو من أمر الله.فالصبر الجميل إذن ينبعث متناسقاً مع هذه الحقيقة’ومع الشعور بها في أعماق الضمير.

ويتابع رحمه الله:”فاصبر صبراً جميلاً” والخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وسلم تثبيتاً لقلبه على ما يلقى من عنت المناوأة والتكذيب.وتقريراً للحقيقة الأخرى:وهي أن تقدير الله للأمور غير تقدير البشر،ومقاييسه المطلقة غير مقاييسهم الصغيرة”إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً”.

وذكرت كلمة الصبر الجميل على لسان يعقوب عليه السلام في القرآن:{وجاؤوا على قميصه بدمٍ كذبٍ قالَ بلْ سَوَّلت لكم أنفسكم أمراً فَصبرٌ جميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ}[يوسف 18]وفي قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام:{قالَ بَلْ سَوَّلَت لَكُم أنفُسُكُم أمراً فصبرٌ جميلٌ عَسى اللهُ أن يأتِيني بهم جميعاً إنَّهُ هو العليمُ الحكيم}[يوسف 83].

يقول سيد قطب رحمه الله:”بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل”،كلمته ذاتها يوم فقد يوسف.ولكنه في هذه المرة يضيف إليها هذا الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك.

“إنه هو العليم الحكيم”:الذي يعلم حاله،ويعلم ما وراء هذه الأحداث والامتحانات،ويأتي بكل أمر في وقته المناسب،عندما تتحقق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج.

هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ؟إنه الرجاء في الله،والاتصال الوثيق بهنوالشعور بوجوده ورحمته.ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة فيصبح عندها أصدق واعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار”.

فما هو الصبر الجميل؟

يقول الإمام وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(مجلة المنار العدد 413):

إن الله أمر نبيه بالهجر الجميل،والصفح الجميل،والصبر الجميل،فالهجر الجميل هجر بلا أذى،والصفح الجميل صفح بلا عتاب،والصبر الجميل،صبر بلا شكوى،قال يعقوب عليه الصلاة والسلام{إنّما أشكو بَثِّي وحُزني إلى الله} [يوسف 86]مع قوله{فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف 18]،فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل،ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول:اللهم لك الحمد،وإليك المشتكى،وأنت المستعان،وبك المستغاث،وعليك التكلان”.ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم(اللهم إليك أشكو ضعف قوتي،وقلة حيلتي وهواني على الناس،أنت ربّ المستضعفين وأنت ربي،اللهم إلى من تكلني؟إلى بعيد يتجهمني،أم إلى عدو ملكّته أمري؟إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي،غير أن عافيتك هي أوسع لي.أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت الظلمات له،وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة،أن ينزل بي سخطك،أو يحل علي غضبك،لك العتبى حتى ترضى).

بخلاف الشكوى إلى المخلوق.يقول الإمام الجرجاني:”الصبر هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا إلى الله”.

قرىء على الإمام أحمد في مرض موته أن طاووساً كره أنين المريض وقال:إنه شكوى.فما أنّ حتى مات.وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال،إما إزالة مايضره أو حصول ما ينفعه،والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه،كما قال تعالى{فإذا فَرغتَ فانصَب* وإلى رَبِّكَ فارغب}[الانشراح7 ـ 8]وقال صلى الله عليه وسلم لإبن عباس:”إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله”.[أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]

ولابد للإنسان من شيئين طاعته بفعل المأمور،وترك المحظور،وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور،فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر،قال تعالى{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا}إلى قوله{وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً }[آل عمران 120]وقال تعالى{بَلى إن تَصبرُوا وتتَّقوا ويأتُوكُم من فَورِهمْ هذا يُمدِدْكُمْ رَبُّكُم بخمسةِ آلافٍ من الملائكةِ مُسَوِّمينَ}[آل عمران125]وقال تعالى:{لَتُبلَوُنَّ في أموالكُم وأنفُسِكُم ولَتَسمَعُنَّ من الذين أوتوا الكتابَ من قَبلكُم ومن الذين أشركُوا أذىً كثيراً وإن تَصبرُوا وتتَّقوا فإنَّ ذلكَ من عزمِ الأمورِ}[آل عمران186]وقال يوسف عليه السلام:{أنّا يُوسُفُ وهذا أخي قد منَّ اللهُ عَلينا إنَّهُ من يَتَّقِ ويَصبِرْ فإنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ المُحسنين}.[يوسف90]

فضل الصبر وأجره:

إن فضل الله وكرمه وهو أكرم الأكرمين تجاوز في عطائه وفضله عبده المؤمن المبتلى الصابر في دار البلاء والفناء إلى دار الجزاء والبقاء،فأعد له في الدنيا مقاماً كريماً،وإيماناً راسخاً،ويقيناً صادقاً،وكان البلاء في الدنيا تطهيراً للنفوس وتزكية للقلوب،وثواباً ما بعده ثواب،وعطاءً ليس بعده عطاء.

وللصبر ثمار عظيمة ومنافع في الدارين ومنها:

1 ـ الثناء من الله على أهله:

{الصَّابرين والصَّادقين والقانتينَ والمُنفقينَ والمستغفرين بالأسحار}[آل عمران 17].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“وفي كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة في حياة الإنسانية وفي حياة الجماعة المسلمة:

في الصبر ترفع على الألم واستعلاء على الشكوى،وثبات على تكاليف الدعوة،وأداء لتكاليف الحق،وتسليم لله واستسلام لما يريد بهم من الأمر،وقبول لحكمه ورضاه…

وفي الصدق اعتزاز بالحق الذي هو قوام الوجود،وترفع عن الضعف،فما الكذب إلا ضعف عن كلمة الحق،اتقاء لضرر أو اجتلاباً لمنفعة.

وفي القنوت لله أداء لحق الألوهية وواجب العبودية،وتحقيق لكرامة النفس بالقنوت لله الواحد الذي لا قنوت لسواه.

وفي الإنفاق تحرر من استذلال المال،وانفلات من ربقة الشح،وإعلاء لحقيقة الأخوة الإنسانية على شهوة اللذة الشخصية،وتكافل بين الناس يليق بعالم يسكنه الناس!

والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالاً رفافة ندية عميقة…ولفظة “الأسحار”بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر.الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن،وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة!فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس،وفي ضمير الوجود سواء.وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارىء الكون وبارىء الإنسان”.

{والصّابرينَ في البأساءِ والضَّرّاَءِ وحينَ البأس}[البقرة 177].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“إنها تربية للنفوس وإعداد،كي لا تطير شعاعاً مع كل نازلة،ولاتذهب حسرة مع كل فاجعة،ولا تنهار جزعاً أمام الشدة.إنه التجمل والتماسك والثبات حتى تنقشع الغاشية وترحل النازلة ويجعل الله بعد عسر يسراً.إنه الرجاء في الله والثقة بالله والاعتماد على الله.ولابد لأمة تناط بها القوامة على البشرية،والعدل في الأرض والصلاح،أن تهيأ لمشاق الطريق ووعثائه بالصبر في البأساء والضراء وحين الشدة.الصبر في البؤس والفقر.الصبر في المرض والضعف.والصبر في القلة والنقص.والصبر في الجهاد والحصار،والصبر على كل حال.كي تنهض بواجبها الضخم،وتؤدي دورها المرسوم،في ثبات وفي ثقة وفي طمأنينة وفي اعتدال”.

ومدح الله تعالى نبيه أيوب لإتصافه بالصبر فقال:{إنّا وجدناهُ صابراً نِعمَ العبد إنّهُ أوّاب}[ص44].فأطلق عليه نعم العبد بكونه وجده صابراً وهذا يدل على أن من لم يصبر إذا ابتلي فإنه بئس العبد.

2 ـ محبة الله لهم:

{واللهُ يُحبُّ الصَّابرينَ}]آل عمران 146].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“الذين لا تضعف نفوسهم،ولا تتضعضع قواهم،ولا تلين عزائمهم،ولا يستكينون أو يستسلمون…والتعبير بالحب من الله للصابرين..له وقعه.وله إيحاؤه.فهو الحب الذي يأسو الجراح،ويمسح على القرح،ويعوض ويربو عن الضر والقرح والكفاح المرير”.

3 ـ معية الله لهم:

{ إنَّ الله مع الصابرين}[البقرة 153].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“معهم،يؤيدهم،ويثبتهم،ويقويهم،ويؤنسهم،ولا يدعهم يقطعون الطريق وحدهم،ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة،وقوتهم الضعيفة،إنما يمدهم حين ينفد زادهم،ويجدد عزيمتهم حين تطول بهم الطريق..”؟

{واللهُ معَ الصابرين}[البقرة 249].{واصبروا إنَّ اللهَ مع الصابرين}[الأنفال46]

4 ـ عظيم الجزاء والثواب:

{وبَشِّر الصَّابرينَ* الذين إذا أصابتهم مُصيبةٌ قالوا إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون*أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون}[البقرة 155ـ 157].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“إنا لله..كلنا…كل مافينا..كل كياننا وذاتينا…لله…وإليه المرجع والمآب في كل أمر وفي كل مصير…التسليم…التسليم المطلق…تسليم الالتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجهاً لوجه بالحقيقة الوحيدة،وبالتصور الصحيح.

هؤلاء هم الصابرون..الذين يبلغهم الرسول الكريم بالبشرى من المنعم الجليل..وهؤلاء هم الذين يعلن المنعم الجليل مكانهم عنده جزاء الصبر الجميل:{أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}صلوات من ربهم..يرفعهم بها إلى المشاركة في نصيب نبيه الذي يصلي عليه هو وملائكته سبحانه…وهو مقام كريم…ورحمة…وشهادة من الله بأنهم هم المهتدون…وكل أمر من هذه هائل عظيم.”.

قال عتبة بن غزوان في جملة خطبة له:”…ولقد رأيتني سابع سبعةٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مالنا طعامٌ إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا.فالتقطتُ بُردةً فشققتها بيني وبين سعد بن مالك(سعد بن أبي وقاص) فاتّزرتُ بنصفها واتّزر سعدٌ بنصفها.فما أصبح اليوم منا أحدٌ إلا أصبح أميراً على مصرٍ من الأمصار.وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً.وإنها لم تكن نُبوّةٌ قطُّ إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها مُلكاً.فَستخبُرُنَ وتُجرّبون الأمراء بعدنا[صحيح مسلم]

{ وما يُلَقَّاها إلّا الذينَ صَبروا وما يُلقَّاها إلا ذُو حَظٍّ عظيمٍ}[فصلت 35]

ويقول تعالى:{إنَّما يُوفَّى الصَّابرونَ أجرَهُمْ بغيرِ حِسابٍ}[الزمر10].

{ولئن صبرتم لهوَ خيرٌ للصابرينَ}[النحل126]

{وإن تصبروا وتتقوا فإنَّ ذلكَ من عزمِ الأمورِ}[آل عمران 186]

{ولَمَن صَبرَ وغَفرَ إنَّ ذلكَ لَمِن عَزمِ الأمورِ}[الشورى 43]

{أولئكَ يُؤتَونَ أجرَهُم مَّرَّتينِ بما صبروا}[القصص54].

{واصبِرْ على ما أصابكَ إنَّ ذلكَ من عزمِ الأمورِ}[لقمان 17]،أي من الأمور التي يعزم عليها ويهتم بها ولا يوفق لها إلا أهل العزائم.

وأعظم الثمرات في الآخرة: الفوز بالجنة والنجاة من النار:{ والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلامٌ عليكم بما صبرتم فَنعمَ عُقبى الدَّار}[الرعد22 ـ24]،وقال تعالى:{وجَزاهُم بما صبروا جنَّةً وحريرا}[الإنسان 12]

ومن أعظم الثمرات في الدنيا أن يكونوا أئمة ومنارات{وجَعلنا مِنهُم أئمةً يَهدُونَ بأمرنا لمَّا صَبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}[السجدة 24].وقال تعالى:{وتَمَّت كلماتُ رَبِّك الحُسنى على بني إسرائيلَ بما صَبروا}[الأعراف137]

سأل رجل الشافعي رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله،أيما أفضل للرجل،أن يُمكَّن أو يُبتلى؟فقال الشافعي: لا يمكّن حتى يبتلى،فإن الله ابتلى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين،فلما صبروا مكّنهم”[الفوائد لابن القيم]

جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[من يَتصبَّر يُصبِّره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع له من الصبر].

5 ـ فالبلاء للمؤمن في الدنيا كفارة عن ذنوبه وخطاياه،يمحو الله بها الخطايا،ويضاعف الحسنات.

والصبر يُحوِّل المصيبة إلى نعمة وخير،يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:[عَجباً لأمر المؤمن ،إنَّ أمره كلَّه خير،وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن،إن أصابتهُ سرَّاء شكر فكانَ خيراً له،وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيراً له][رواه مسلم عن صهيب الرومي رضي الله عنه]

جاء في الصحيحين عن أم عبد الله أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسل الله صلى الله عليه وسلم:”[ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله عز وجل بها عنه حتى الشوكة يشاكها].

وفي الصحيحين أيضاً عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ما يصيب المسلمَ من َنصَب ولا وصب ،ولاهمّ ولاحزنٍ، ولا أذىً ولاغمّ،حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه].[النصب:التعب،الوصب:المرض].

وروى البخاري ومسلم،عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقلت:يا رسول الله،إنّك توعك وعكاً شديداً،قال:”أجل،إني أوعك كما يوعك رجلان منكم” قلت:ذلك أنَّ لك أجرين؟قال:”أجل،ذلك كذلك،ما من مسلم يصيبه أذى،شوكة فما فوقها إلا كفّر الله بها سيئاته،وحُطّت عنه ذنوبه كما تحطّ الشجرة ورقها”.[الوعك:مغث الحمى،وقيل الحمى].

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه،قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من يرد الله به خيراً يُصِبْ منه”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”مايزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة“[رواه الترمذي وقال:حديث حسن صحيح]

وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون؟فأخبرها أنه”كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء،فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين،فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً،يعلم أنه لايصيبه إلا ما كتب الله له،إلا كان له مثل أجر الشهيد”.[حديث صحيح]

وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”إن الله عز وجل قال:إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة“[يقصد عينيه].

قال ابن بطال(شرح صحيح البخاري):”في هذا الحديث حجة في أن الصبر على البلاء ثوابه الجنة،ونعمة الصبر على العبد،وإن كانت من أجلِّ نعم الله تعالى فعوض الله عليها الجنة أفضل من نعمتها في الدنيا،لنفاد مدة الالتذاذ بالبصر في الدنيا،وبقاء مدة الالتذاذ به في الجنة”.

وروى الشيخان عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه،قال:قال لي ابن عباس رضي الله عنهما:ألاأريك امرأة من أهل الجنة؟فقلت بلى. قال:هذه المرأة السوداء،أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:إني أصرع،وإني أتكشف،فادع الله تعالى لي.قال:”إن شئت صبرت ولك الجنة،وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك”فقالت:أصبر.وقالت:إني أتكشف،فادع الله أن لا أتكشف،فدعا لها”.

وهذا قليل قليل أمام ما أعده الله للصابرين من جزيل الثواب وحسن المآب.ويكفي الصابرين أن الله بشرهم وفي آية واحدة بكل جوامع الخير في الدنيا والآخرة:{وبَشِّرِ الصَّابرينَ* الذينَ إذا أصَابَتهُمْ مُصيبَةٌ قالوا إنَّا لله وإنَّا إليهِ راجِعُونَ* أولئِكَ عَليهمْ صَلواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحمَةٌ وأولئكَ هُمُ المُهتدُونَ}[البقرة 155 ـ 157].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“أولئك ـ أي الصابرون ـ عليهم صلوات من ربهم يرفقهم بها إلى المشاركة في نصيب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي يصلي الله سبحانه وملائكته عليه،وهو مقام كريم ورحمة وشهادة من الله بأنهم هم المهتدون،وكل أمر من هذا هائل عظيم.

إن الله يضع هذا كله في كفة،ويضع في الكفة الأخرى أمراً واحداً صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ،إنه لا يعدهم نصراً،ولا يعدهم تمكيناً ولايعدهم هنا مغانم ولايعدهم هنا شيئاً إلا صلوات الله ورحمته وشهادته جزاءً على التضحية بالأموال والأنفس والثمرات وجزاءً على الخوف والجوع والشدة،وجزاءً على القتل والشهاة،إن الكفة ترجح بهذا العطاء فهو أثقل في الميزان من كل عطاء،أرجح من النصر وأرجح من التمكين ،أرجح من شفاء غيظ الصدور،هذا هو الهدف،وهذه هي الغاية،وهذه هي الثمرة الحلوة التي تهفو إليها قلوبهم وحدها فأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليس لهم وإنما هو لدعوة الله التي يحملونها”.

أمام هذا العطاء الواسع قال أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه:”مانزلت بي مصيبة إلا واكتسبت من ورائها ثلاث نعم:النعمة الأولى أن ما ينزل لم ينل من عقيدتي ولم يمس ديني،والثانية:أن ماينزل لم يكن أعظم الأمور ضرراً أو أكثر خطراً،والثالثة:ما أعد الله للصابرين من الأجر والثواب”.

ويقول الإمام علي رضي الله عنه:”أوصيكم بخمسة لو ضربتم إليها آباط الإبل لكنَّ لها أهلاً:لا يرجون أحدكم إلا ربه،ولا يخافنَّ إلا ذنبه،ولا يستحي أحدكم إذا سئل عما لايعلم أن يقول لا أعلم،وإذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه،واعلموا أنَّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس ذهب الجسد،وكذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان”.

ويقول الإمام علي أيضاً:”للصبر أربع شعب:الشوق،والشفقة،والزهادة،والترقب.فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات،ومن شفق من النار رجع عن الحرمات،ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات،ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات”.

وقال سيد التابعين الحسن البصري رضي الله عنه:”الصبر كنز من كنوز الجنة لا يعطيه الله عز وجل إلا لعبد كريم عنده”.

وفي الحديث الشريف الذي رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وحسنه الألباني:[يود أهل العافية يوم القيامة،حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقاريض].

وماذا قال الله تعالى لعبده وحبيبه وسيد الخلق والمرسلين وماذا وعده إن صبر:{واصبرْ لِحُكمِ رَبِّكَ فإنَّكَ بأعيُنِنَا}[الطور49]،ياله من تعبير،وياله من تصوير،وياله من تقدير،إنها مرتبة لم يبلغها قط إنسان،هذه المرتبة التي يصورها هذا التعبير الفريد في القرآن كله حتى بين التعبيرات المشابهة.

لقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام:{وأنا اخترتُكَ فاستمِعْ لِما يُوحى}[طه13]،وقال له :{وألقيتُ عليكَ مَحبَّةً مِنّي ولِتُصنعَ على عيني}[طه39]وقال:{واصطنعتُكَ لنفسي}[طه 41]وقال لمحمد عليه السلام:{واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}[الطور 49]وهو تعبير فيه اعزاز خاص وأنس خاص يلقي ظلاً فريداً أرقُّ وأشفُّ من كل ظل،ولا يملك التعبير البشري أن يترجم هذا التعبير الخاص فحسبنا أن نشير إلى ظلاله وأن نعيش هذه الظلال.

قال زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين:”إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي منادٍ أين الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب.قال: فيقوم عُنُق(جماعة)من الناس فتتلقاهم الملائكة فيقولون:إلى أين يا بني آدم؟فيقولون:إلى الجنة.فيقولون: قبل الحساب؟قالوا: نعم . قالوا:من أنتم ؟قالوا: نحن الصابرون. قالوا: وما كان صبركم؟قالوا: صبرنا على طاعة الله وصبرنا عن معصية الله حتى توفانا الله.قالوا:أنتم كما قلتم،ادخلوا الجنة فنعم أجر العالمين.

من هم المبتلون الصابرون؟:

ولعلّ ما يكفي الصبر تشريفاً وتكريماً والمبتلون شرفاً وتكريماً أن المبتلين الصابرين هم من أنبياء الله وعباده الصالحين المقربين.

يقول تعالى:{ولقد كُذِّبتْ رسلٌ من قبلِك فصبروا على ما كُذِّبوا وأُوذوا حتى أتاهم نصرُنا ولا مُبَدِّلَ لكلماتِ الله ولقد جاءكَ من نبأ المرسلين}[الأنعام34]

نعم لقد صبر الأنبياء جميعاً،وتعرضوا للابتلاء والامتحان تلو الامتحان،فسيدنا إبراهيم عليه السلام أُبتلي بالنار،ووضع في النار ليحرق،وأُبتلي بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام،وأُبتلي بالهجرة من وطنه،وأُبتلي بتعرض زوجته للأذى من نمرود مصر ولكن الله أنقذه من جميع الفتن والمحن .والأنبياء جميعهم وبدون استثناء ابتلوا وأوذوا ونالهم الأذى الكبير والشيء الكثير وكان سلاحهم الصبر،وكان لهم مع الصبر النصر وتأييد الله{ولَنصبِرَنَّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكَّلِ المُتوكِّلونَ}[ابراهيم 12]

جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[من يُرد الله به خيراً يُصب منه]،وفي الحديث الذي رواه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:قلت: يا رسول الله ،أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟قال صلى الله عليه وسلم: “الأنبياءُ ثم الصالحون، فالأمثل من الناس،يُبتلى الرجل على حَسب دينه،فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه،وإن كان في دينه رقة خُفف عنه،وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الارض وليس عليه خطيئة][قال الترمذي حديث حسن صحيح].

أمثلة حيّة:

فإذا كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق والمرسلين وأحبّ خلق الله إلى الله قد تعرض من البلاء مالم يتعرض له إلا أهل العزم من الرسل،ومع ذلك كان عبداً صابراً شكوراً،يواجه المصاعب والعقبات بإيمان عظيم وصدق يقين،ولقد ابتلي في مراحل عمره وفي مراحل دعوته،واستمرت رحلة الابتلاء حتى في اللحظات الأخيرة وهو يواجه سكرات الموت،لقد نشأ يتيماً،حيث مات أبوه وهو مازال في رحم أمه،وماتت أمه وهو طفل صغير،فكتب عليه اليتم:{ألم يجدك يتيماً فآوى}[الضحى6]،وعند نزول الوحي عليه في غار حراء،ومن ثم في كل مراحل الدعوة النبوية حيث لاقى من الأذى والتشهير والسخرية،وكل صنوف الأذى والابتلاء،من الأهل والأقارب ومن القريب والبعيد،وقاطعه قومه مقاطعةً اجتماعية واقتصادية،ومكروا له أشد المكر،وخططوا لقتله،ولاحقوا أتباعه وعرضوهم للأذى والتعذيب والقتل،ومن ذلك أيضاً أن ماتت عنه زوجته وحضنه الوفي الأمين السيدة خديجة رضي الله عنه في السنة العاشرة للبعثة،ومن ثم عمه أبو طالب ،وتعرض للأذى من سفهاء الطائف،ولم يثنه هذا عن الدعوة بل توجه إلى الله بقلب مؤمن صابر محتسب،ومقرون بالرجاء،صبر على الإعراض،وصبرٌ على الإيذاء، يناجيه يطلب عونه،ويخشى أن يكون قد قصّر في دعوته ويناجيه بدعاء من أجمل الأدعية:”اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس،يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي،إلى من تكلني؟إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري،إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي،أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات،وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل بي غضبك أو يحلَّ عليّ سخطك،لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك”.

وفي غزوة أحد وبسبب عدم التزام الرماة بتعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الألم والقرح وفقدان العديد من الأحبة وخاصة عم الرسول صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء حمزة رضي اله عنه،وقد شُجَّ وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم وسال الدم منه،ومع ذلك تلقى القرح والأم والحزن بقلب صبور ونفس راضية محتسبة،ولم يزد على أن قال :اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون”.

وفي سياق الدعوة النبوية يتهم حبيب الله في عرضه وفي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في ما يسمى حادثة الإفك حتى برأها الله من فوق سبع سموات،وكل ذلك لم يثنه عن دعوته ولم يبعده عن رسالته،وتستمر الأحداث والابتلاءات والمحن وحتى وهو على فراش الموت حيث أرسل الله إليه الملائكة الكرام الموكلين بقبض الأرواح وأخذوا روحه الزكية الطاهرة المباركة ولينقلوها من دنيا الفناء إلى دنيا البقاء،فاشتد مع ذلك في النزع كربه وظهر أنينه،وتغيّر لونه ،وعرق جبينه،واضطربت في الانقباض والانبساط شماله ويمينه،حتى بكى له من حضره وانتحب لشدة حاله من شهد منظره،وتقول له السيدة فاطمة أم الحسنين وسيدة نساء العالمين:”واكَرب أبتاه” فيقول لها بنفس صابرة مؤمنة:”ليس على أبيك كرب بعد اليوم”.ولم يكن ليزيد عند اشتداد الكرب عليه وازدياد الألم عن أن يقول:”اللهم هوِّن عليَّ سكرات الموت“.فلما توفاه الله وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها قالت السيدة فاطمة:”يا أبتاه،أجاب رباً دعاه،يا أبتاه جنة الفردوس مأواه،يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.

ومن أجمل الأمثلة على الصبر الجميل موقف أبي الأنبياء ابراهيم عليه السلام عندما أمر بذبح ابنه وكيف استجاب لأمر ربه محتسباً صابراً مؤمناً.ولنتابع قصته كما ذكرها الشهيد سيد قطب في الظلال من خلال الآيات القرآنية.

يقول تعالى:{فَلَمّا بلغَ معهُ السَّعيَ قالَ يا بُنيَّ إنّي أرى في المنامِ أنّي أذبحُكَ فانظر ماذا ترى قال يا أبتِ افعلْ ماتؤمرْ ستجدني إن شاءَ الله من الصّابرينَ}[الصافات 102].

يقول سيد قطب:”يالله! ويالروعة الإيمان والطاعة والتسليم…هذا إبراهيم الشيخ المقطوع من الأهل والقرابة.المهاجر من الأرض والوطن.هاهوذا يرزق في كبرته وهرمه بغلام طالما تطلع إليه.فلما جاء غلاماً ممتازاً يشهد له ربه بأنّه حليم{فبشرناهُ بغلام حليم}[الصافات 101]”..وهاهو ذا مايكاد يأنس به،وصباه يتفتح،ويبلغ معه السعي،ويرافقه في الحياة….هاهوذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد،حتى يرى في منامه أنه يذبحه،ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية فماذا؟إنه لايتردد،ولا يخالجه إلا شعور الطاعة،ولا يخطر له إلا خاطر التسليم….نعم إنها إشارة.مجرد إشارة.وليست وحياً صريحاً،ولا أمراً مباشراً.ولكنها إشارة من ربه…وهذا يكفي..هذا يكفي ليلبي ويستجيب.دون أن يعترض.ودون أن يسأل ربه.لماذا ياربي أذبح ابني الوحيد؟!

ولكنه لا يلبي في انزعاج،ولا يستسلم في جزع،ولا يطيع في اضطراب…كلا إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء.يبدو ذلك في كلماته لإبنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب:{قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى}[الصافات 102].

فهي كلمات المالك لأعصابه،المطمئن للأمر الذي يواجهه،الواثق بأنه يؤدي واجبه.وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن،الذي لا يهوله الأمر فيؤديه،في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي،ويستريح من ثقله على أعصابه.

والأمر شاق ـ مافي ذلك شك ـ فهو لا يطلب إليه أن يرسل بإبنه الوحيد إلى معركة.ولا يطلب إليه أن يكلفه أمراً تنتهي به حياته.إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده.يتولى ماذا؟يتولى ذبحه…وهو مع هذا يتلقى الأمر هذا التلقي،ويعرض على ابنه هذا العرض،ويطلب إليه أن يتروى في أمره ،وأن يرى فيه رأيه!إنه لا يأخذ ابنه على غرّة لينفذ إشارة ربه.وينتهي.إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر.فالأمر في حسه هكذا.ربه يريد.فليكن ما يريد.على العين والرأس.وابنه ينبغي أن يعرف.وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلاما،لا قهراً واضطراراً.لينال هو الآخر أجر الطاعة،وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم.

إنه يحب لإبنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها،وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى.

فماذا يكون أمر الغلام،الذي يعرض عليه الذبح،تصديقاً لرؤيا رأها أبوه؟

إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه:”{قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين}[الصافات 102]”.

إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب.ولكن في رضى كذلك وفي يقين.

“يا أبت”…في مودة وقربى.فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده.بل لا يفقده أدبه ومودته.

“افعل ما تؤمر“..فهو يحس ما أحسه من قبل قلب أبيه.يحس أن الرؤيا إشارة.وأن الإشارة أمر.وأنها تكفي لكي يلبي وينفذ بغير لجلجلة ولا تمحل ولا ارتياب.

ثم هو الأدب مع الله،ومعرفة حدود قدرته،وطاقته في الاحتمال،والإستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية ومساعدته على الطاعة.

“ستجدني إن شاء الله من الصابرين”

ولم يأخذها بطولة…ولم يأخذها شجاعة…ولم يأخذها إندفاعاً إلى الخطر دون مبالاة…ولم يظهر لشخصه ظلاً ولا حجماً ولا وزناً.إنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه،وأصبره على ما يُراد به”ستجدني إن شاء الله من الصابرين”

ويخطوالمشهد خطوة أخرى وراء الحوار والكلام…يخطو إلى التنفيذ :{فلما أسلما وتلَّهُ للجبين}[الصافات 103]

ومرة أخرى يرتفع نبل الطاعة،وعظمة الإيمان.وطمأنينة الرضى وراء كل ما تعارق عليه بنو الإنسان.إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعداداً.وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعاً.وقد وصل الأمر أن يكون عياناً.لقد أسلما.فهذا هو الإسلام.هذا هو الإسلام في حقيقته.ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم وتنفيذ…وكلاهما لا يجد إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم.

إنها ليست الشجاعة والجرأة.وليس الاندفاع والحماسة.لقد يندفع المجاهد في الميدان،يَقتل ويُقتل..ولقد يندفع الفدائي وهو يعلم أنه قد لا يعود.ولكن هذا كله شىء والذي يصنعه إبراهيم وإسماعيل هنا شىء آخر.ليس هنا دم فائر،ولا حماسة دافقة ولا اندفاع في عجلة تخفي وراءها الخوف من الضعف والنكوص!إنما هو الاستسلام الواعي المتعقل القاصد المريد،العارف بما يفعل،المطمئن لما يكون.لا بل هنا الرضى الهادىء المستبشر المتذوق للطاعة وطعمها الجميل.

وهنا كان الابتلاء قد تمّ.والامتحان قد وقع.ونتائجه قد ظهرت.وغاياته قد تحققت.ولم يعد إلا الألم البدني.وإلا الدم المسفوح.والجسد الذبيح.والله لايريد أن يعذب عباده بالابتلاء.ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شىء.ومتى خلصوا له واستعدوا للأداء يكافئهم على ما ادوا،وقد حققوا التكليف،وقد جاوزوا الامتحان بنجاح”.

والكريم ابن الكريم ابن الكريم سيدنا يوسف بن يعقوب بن اسحق ابن إبراهيم عليهم صلوات الله ورضوانه،قضى مراحل حياته وهو يخرج من ضائقة إلى أخرى ومن امتحان وابتلاء إلى آخر.فقد أمه وهو طفل،وتآمر عليه أخوته فاختطفوه من حضن أبيه وألقوا به في البئر ليلقى في غيابتها مصيره المجهول،واستنقذته السيارة ليتملكّوه عبداً ثم يبيعوه في سوق الرقيق بثمن بخس دراهم معدودة،وفي قصر العزيز تعرض للدسائس الماكرة فاتهم وهو العفيف بأنه يبغي السوء والفحشاء،ورغم ظهور براءته ألقي في السجن مع الأشقياء،لا أياماً أو شهوراً بل بضع سنين،ولو أن شخصاً آخر نظر في كل هذا الذي تعرض له وما في ذلك من أحزان وآلام لضاق بالأرض وتنكّر للسماء،ولكن يوسف الصديق بقي متألق اليقين،عالي الجبين،وبقي من وراء جدران السجن يُذِّكر بالله ويدعو إليه:{يا صاحبي السجن اأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ماتعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله  أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}[يوسف 39 ـ 40].

ونبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام،كان له المال الكثير،وكان له الأولاد والأهل،فسلب من ذلك جميعه،وابتلي في جسده بأنواع البلاء،وبقي صابراً محتسباً ذاكراً،وطال مرضه حتى عافه الجليس وأوحش منه الأنيس،وانقطع عنه الناس،ولم يبق له إلا زوجة صالحة(يقال أنها من أحفاد يوسف عليه السلام) تحنو عليه،وترعى حقه،وتعرف قديم إحسانه،وهو صابر محتسب ذاكر حامد،إلى أن فرّج الله عنه بعد دعائه وتضرعه ما به من ضر،وآتاه الصحة،ورد له ماكان قد أخذ منه،وآتاه أهله ومثلهم معهم.

يذكر القرآن الكريم قصته في الآيات التالية:{وأيُّوبَ إذ نادى رَبَّهُ أنّي مَسَّنيَ الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ*فاستجبنا لهُ فكشفنا ما بهِ من ضُرٍّ وآتيناهُ أهلهُ ومثلَهُم معهم رحمةً من عندنا وذكرى للعابدينَ}[الأنبياء83 ـ 84].وقد أثنى الله عليه بسبب صبره فقال تعالى:{إنَّا وجدناهُ صابراً نِعْمَ العبدُ إنّهُ أوّاب}[ص44].

يقول سيد قطب في الظلال في الآية 84 من سورة الأنبياء:

“وقصة ابتلاء أيوب من أروع قصص الابتلاء.وأيوب هنا في دعائه لا يزيد على وصف حاله”أني مسني الضر” ووصف ربه بصفته”وأنت أرحم الراحمين” ثم لا يدعو بتغيير حاله،صبراً على بلائه ولا يقترح شيئاً على ربه ،تأدباً معه وتوقيراً.

فهو نموذج للعبد الصابر لا يضيق صدره بالبلاء،ولا يتململ من الضر،الذي تضرب به الأمثال في جميع الأعصار.بل إنه ليتحرج أن يطلب إلى ربه رفع البلاء عنه،فيدع الأمر كله إليه،اطمئناناً إلى علمه بالحال وغناه عن السؤال.

وفي اللحظة التي توجه فيها أيوب إلى ربه بهذه الثقة وبذلك الأدب كانت الاستجابة،وكانت الرحمة،وكانت نهاية الابتلاء”فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر“رفع عنه الضر في بدنه فإذا هو معافى صحيح،ورفع عنه الضر في أهله فعوضه عمن فقد منهم ورزقه مثلهم وقيل هم أبناؤه فوهب الله له مثلهم أو أنه وهب له أبناءً وأحفادا.

“رحمة من عندنا“فكل نعمة فهي رحمة من عند الله ومنّة.

“وذكرى للعابدين” تذكرهم بالله وبلائه،ورحمته في البلاء وبعد البلاء .والإشارة”للعابدين” بمناسبة البلاء إشارة لها مغزاها.فالعابدون معرضون للابتلاء والبلاء،وتلك تكاليف العبادة وتكاليف العقيدة وتكاليف الإيمان.والأمر جد لا لعب،والعقيدة أمانة لا تسلم إلا للأمناء القادرين عليها،المستعدين لتكاليفها وليست كلمة تقولها الشفاه،ولادعوى يدعيها من يشاء، ولا بد من الصبر ليجتاز العابدون البلاء”.انتهى كلام سيد رحمه الله.

إن الناس بالنسبة للنعم وللنقم أصناف ثلاثة:

الأول: صنف كفر بالنعمة عند حلولها ولم يرها فضلاً من المنعم عليه،أو سخط عند حلول النقمة،لعدم إيمانه بمن قدّرها عليه،فلم ينفعه الرخاء في شكر الله،ولم تدفعه الشدة في الرجوع إلى الله:{وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون}[الأعراف 168]،{ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}[الأنبياء 25].

وقد وصف الله تعالى خلق هذا الإنسان المنحرف حيال النعمة والنقمة إذا سيقت إليه فقال تعالى:{ولئن أذقنا ه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة}[فصلت50].

والثاني:صنف يؤمن حال النعمة،ويكفر حال النقمة،يقول تعالى في هؤلاء:{ومنهم من يعبد الله على حرف}[الحج22]،وقال فيه أيضاً:{فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن}[الفجر 15 ـ 16].

والثالث:صنف يشكر في النعماء ويصبر في الضراء.

وبعد،فهذا بعض مما يقال عن الصبر حكمة وآداباً وفضلاً وأجراً،وهو وإن كان شاقاً فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل فمنهما تركب الأدوية لأمراض القلوب كلها،فيحتاج كل مرض إلى علم وعمل يليق به.

روي أن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه كان إذا قرأ الآية الكريمة{ولَنَبلُونَّكُم حتَّى نعلمَ المُجاهدينَ منكُم والصَّابرينَ ونَبلُوَ أخباركُم} [محمد31]بكى،وقال اللهم لا تبلنا،فإنك إن بلوتنا فضحتنا،وهتكت أستارنا”.

فنحن لا نطلب من الله البلاء،ونسأله العفو والعافية،ونتطلع إلى رحمته وفضله،ولكن إذا قُدِّر علينا البلاء فنسأل الله عز وجل الصبر عليه بقلب لم تعلق به ريبة،وعقل لا تطيش به كربة،بموفور الثقة وبقوة الإيمان،لا نرتاع لغيمة تظهر في الأفق ولو تبعتها أخرىوأخرى،بل نبقى موقنين بأن بوادر الصفو لابد آتيةنوأن الحكمة ارتقابها في سكون يقين،وإيمان سليم.

إنَّ الأمورَ إذا انسدَّتْ مَسَالِكها          فالصَّبرُ يَفْتُقُ منها كُلَّ ما ارتَتجا

لا تيئسنَّ وإن طالتْ مُطالبةٌ             إذا استعنتَ بصبرٍ أن ترى فَرَجا

أَخلِقْ بذي الصَّبرِ أن يحظى بحاجتهِ    ومُدمنِ القرعِ للأبوابِ أن يَلِجا

(محمد بن بشير)

ادفع بصبركَ حادثَ الأيام             وترجَّ لُطفَ الواحدِ العلّامِ

لا تيأسنَّ وإن تضايقَ كربُها            ورماكَ رَيبُ صروفها بسهامِ

فله تعالى بين ذلك فُرجةٌ              تخفى على الأبصار والأوهامِ

كم من نجيٍّ بين أطرافِ القنا           وفريسةٍ سلمت من الضِّرغامِ

وقال آخر:

ولكلِّ حالٍ مُعقب ولربما               أجلى لك المكروه عما يُحمدُ

لا يؤيسينك من تفرج كربة            خطب رماك به الزمان الأنكدُ

واصبر فإن الصبر يُعقِبُ راحةً        في اليوم تأتي أو يجيء بها الغدُ

كم من عليلٍ قد تخطاه الردى           فنجا ومات طبيبه والعوّدُ

والله بالغ أمره في خلقه                وإليه مصدرنا غداً والموردُ   

{والعصر* إنَّ الإنسانَ لفي خُسرٍ* إلا الذينَ آمنوا وعملوا الصَّالحاتِ وتَواصوا بالحقِّ وتَواصوا بالصَّبر}[العصر 1 ـ 3].