الطغاة وحرية القلم

بسم الله الرحمن الرحيم

الطغاة وحرية القلم

كرّم الله عزّ وجل القلم فقال الله تعالى في كتابه العزيز:{ن والقلم ومايسطرون}[القلم1].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“يقسم الله سبحانه وتعالى بنون،وبالقلم،والكتابة.والعلاقة واضحة بين الحرف”نون” بوصفه أحد الحروف الأبجدية،وبين القلم والكتابة.

فأما القسم بها فهو تعظيم لقيمتها،وتوجيه إليها في وسط الأمة التي لم تكن تتجه إلى التعلم عن هذا الطريق،وكانت الكتابة فيها مُتخلّفة ونادرة في الوقت الذي كان دورها المقدّر لها في علم الله يتطّلب نمو هذه المقدرة وانتشارها بينها،لتقوم بنقل هذه العقيدة وما يقوم عليها من مناهج الحياة إلى أرجاء الأرض،ثم لتنهض بقيادة البشرية قيادة رشيدة،وما من شك أن الكتابة عنصر أساسي في النهوض بهذه المهمة الكبرى،ومما يؤكد هذا أن يبدأ الوحي بقوله تعالى:{اقرأ باسمِ رَبِّكَ الذي خلق*خلقَ الإنسانَ من علق* اقرأ وربُّكَ الأكرم* الذي علَّمَ بالقلم*علَّمَ الإنسانَ مالم يعلم}[العلق1 ـ 5] ،وأن يكون هذا الخطاب موجهاً للنبي الأُميّ الذي قدّر الله أن يكون أُميّاً لحكمة معينة،ولكنه بدأ الوحي منوهاً بالقراءة وبالتعليم بالقلم”.

ويقول الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه ثورة الأدب(لاعلاقة له مع الصحفي محمد حسنين هيكل الرئيس السابق لجريدة الأهرام):

“وذلك بأن القلم هو الأداة لتصوير النفس الإنسانية في التماسها الحقّ والحرية والجمال والخير،والنفس الإنسانية التي تتلمس هذه النواحي المضيئة من حياة الكون هي دائماً نفس قوية لا تقف في وجهها حوائل القانون ولا العادة ولا الطبيعة نفسها،نفس تُحّلق فوق الإعتبارات جميعها لترى مكان الحق الذي تريد إيضاحه،أو الحرية التي تريد نشرها،أو الجمال الذي تعالج تصويره،أو الخير الذي تعمل لبثه وإذاعته، فإذا اهتدت إلى ما ابتغت،نفثت منه عن القلم مايسطره على الورق،وإن الذين يقرؤونه يرون فيه جانباً من جوانب أنفسهم كان محجوباً عنهم ضياؤه، ويرون أن هذا الضياء هو الذي يبعث لهم في الحياة نوراً يجعل الحياة أجمل وأسمى وأقوم وإذا هم ينصرون صاحب القلم إذ يتبعونه،فإذا لم يتبعوه حياً اتبعوه ميتاً”.

يقول الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله:

“القلم بين أهله رحم يجب أن تبل ببلالها،وغير كثير على ذويها أن يتعارفوا وأن يتنازعوا أمرهم بينهم فيمحوا القطيعة بالوصال،وأن يردوا على هذه الحرفة التي يباشرها القلم هيبتها في القلوب وتأثيرها في النفوس ومكانتها بين الناس،وأن يثلموا بهذه الأدوات الضعيفة قوّة الأقوياء،ويُلينوا بها قسوة القساة،وأن يردّوا بها حجّة السيف داحضة والسيف مفلولاً، وأن يتساموا بهذه الطائفة من حملة الأقلام عن تدنيس نفسها بالمطامع وتسخير قواها للشهوات الدنية،فتتجافى عن الهزل في الزمن الجاد،وعن الإسفاف في حين احتياجنا إلى السمو،وعن التدّلي في عصر الترقّي،وعن الطمع في وقت أحد أسلحتنا فيه التعفّف عما تقدمه لنا يد العدو من مطاعم كلها مطاعن،ومشارب كلها إلى الموت مسارب،وملابس كلها محابس،وأفكار كلها للموبقات أوكار،وعلوم كلها في ديننا ومقوّماتنا كلوم”.

ويتابع رحمه الله:

“حملة الأقلام فينا كثير،ولكن المُصيب المُسدّد منهم قليل،وكما يحتاج السيف إلى ساعد قوي يحتاج القلم إلى فكر مسدّد،وإن أقلامنا اليوم كالسيوف التي قال فيها الأول:

فهذي سيوف ياعدي بن مالك           كثير ولكن أين بالسيف ضارب

وإنّ كثيراً ممن يحترف هذه الحرفة بيننا اليوم ممن يصدق عليهم قول الشاعر:

تبّاً لدهر قد أتى بعجابِ                    ومحا فنونَ الفضل والآدابِ

وأتى بكُتَّابٍ لو انبسطت يدي              فيهم رددتهم إلى الكُتّاب

وإن منهم لأدعياء يتقحمون عريناً نامت آساده،فكأنّ القائل عناهم:

لقيط في الكتابة يدّعيها                     كدعوى آل حرب في زياد

فدع عنك الكتابة لستَ منها               ولو لَطَّختَ ثوبك بالمداد

ويتابع رحمه الله:

“إن القلم ذو نسب عريق في دينكم وفي آدابكم،فأيّ دين من الاديان السماوية مجدّ القلم كما مجدّه الإسلام أو وضعه في منزلة مثل المنزلة التي وضعه فيها القرآن؟ فقد وضعه في منزلة لايرقى إليها المتطاول،ولا تنالها يدُ المتناول،نسبهُ الله إلى نفسه وجعله أحد الرواميز الأربعة إلى قوته وكمال قدرته وإحاطة علمه: العرش واللوح والكرسي والقلم، ثم زاده تشريفاً فأقسم به عزّ وجلّ فقال:{ن والقلم ومايسطرون} ولا يقسم الخالق العظيم إلا بمخلوق عظيم، وعظمة المخلوقات من عظمة آثاره في النفع والخير،ثم زاده رفعاً فجعله أداة تعليمه لخلقه:{علّم بالقلم* علّم الإنسان مالم يعلم}”.

نعم،إن أمانة القلم أمانة عالية غالية،وإن مايكتبه الإنسان ومايسطره قلمه له أو عليه،وإن القلم قد يفعل أحياناً مالا تفعله السيوف،وقد يكون تأثير السيف وقتياً آنياً ولكن ليس نادراً أن يكون تاثير القلم أبدياً سرمدياً،وقديماً قالوا:”صرير الأقلام أشدّ من صليل الحسام”.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد641):

“لقد كانت معركة(عين جالوت) مثلاً،أجلّ خطراً،وأعظم اثراً،وأبرك على الحضارة،وأجدى على الإنسانية،من موقعة(الحدث)،ولكنها لم تجد الشاعر المارد الجبار الذي ينهض بها،ويرفعها بيمينه يلوح بها في طريق التاريخ،ليراها الناس ابداً،أمّة بعد أمّة،وجيل عقب جيل ،كما صنع المتنبي بموقعة(الحدث) حين فتح لها في الشعر فتحاً ولا فتح سيف الدولة في بلاد الروم،وبنى لها في البلاغة صرحاً ولا ما بناه الحمداني(فأعلى والقنا يقرع القنا،وموج المنايا حوله متلاطم)،بنى هذا البيت وإنه لقلعة باقية،على حين قد خرب الدهر تلك القلعة،فكان من معجزات الشعر(وإن في الشعر لإعجازاً)أن خلّدت هذه الموقعة،وحلت وملأت الأسماع والأفواه والقلوب،ونسيت مواقع أعظم منها،ولولا قصيدة ابن الحسين ما عرفت طريق الخلود.

ولقد كان فتح عمورية عظيماً في الفتوح،ولكن فتح حبيب في بائيته أعظم منه.وإني لأكرم القراء أن أسيء بهم ظني فأرى بهم حاجة إلى سرد الأمثلة،وإقامة البينات،على أمر ما بهم جهله ولا نكرانه،فلولا الأدب ما خلدت المكرمات،ولا ذكرت البطولات.وربّ قصيدة تجيش بها نفس شاعر منكر مجهول،قد شغل الناس عنه سناء الأمير ورواه،أبقى على الدهر من هذا السناء وهذا الرواء.

ويتابع رحمه الله:”وفي كل يوم تنبت أقلام غضّة فلا يتعهدها أحد بسقي ولا رعاية فتجف وتموت.وتحطم عواصف الأيام وأرزاؤها اقلاماً متينة كأشجار السنديان طالما أظلت وبسقت فلا يبكي عليها أحد.وتزهر أقلام ثم تؤتي أكلها ثمراً ناضجاً حلواً نافعاً فلا يستبشر بها أحد،ويقولون بعد ذلك لماذا لا ينتج الأدباء؟

فيا أيها الحاكمون! اذكروا أنكم تحتاجون إلى الأدباء ليكسبوكم الخلود،وليفيضوا على أمجادكم الحياة،أما هم فلا يحتاجون إليكم،لأنهم يستطيعون أن يخلقوا بأدبهم ملوكاً وابطالاً،وينشئوا عالماًنويقيموا لأنفسهم وللناس دنيا،إن تكن من الوهم،فربّ وهم فعل في نفس صاحبه من الحقيقة،وأثبت من الواقع”.

ولقد عرف العرب قيمة القلم والكتابة، فقالوا:”القلم أحد اللسانين” وأشادوا بصاحب القلم المعّبر المؤثر الذي يستطيع ببلاغته، وحسن أسلوبه وجمال تصويره ,أن يعبّر عن ضمير الأمة وعن أحاسيس الشعب،يقول سهل بن هارون:”القلم لسان الضمير،إذا رعف أعلن أسراره،وأبان أثاره.

وقال ابن القريّة:”خط القلم يقرأ بكل مكان، وفي كل زمان، ويترجم لكل لسان، ولفظ الإنسان لايجاوز الآذان”.

وانظر إلى شعراء العرب قديماً وحديثاً يعبّرون عن هذا أجمل التعبير وبأصدق التصوير.

يقول ابن الرومي:

لَعمرُكَ ما السيفُ سيفُ الكميِّ          بأخوف من قلم الكاتبِ

لهُ شاهدٌ إن تأمّلتهُ                       ظهرت على سرهِ الغائبِ

أداة المنيّة في جانبيه                   فمن مثله رهبة الراهبِ

سنان المنيّة في جانب                  وحدّ المنيّة في جانبِ

ألم ترَ في صدره كالسِّنان             وفي الرِّدفِ كالمُرهفِ القاضبِ

وقال أبو الفتح البُستي:

إذا أقسمَ الأبطالُ يوماً بسيفهم         وعدّوهُ مما يُكسب المجدَ والكرم

كفى قلمُ الكُتّابِ مجداً ورفعةً          مدى الدهر أنّ الله أقسم بالقلم

وانظر إلى هذه الأبيات الجميلة لأبي تمام يمدح أحدهم:

لكَ القلمُ الأعلى الذي بِشَباته            تُصابُ من الأمر الكُلى والمفاصلُ

لعابُ الأفاعي القاتلات لُعابهُ           وأريُّ الجنى اشتارته أيد عواسل

(الشباة: الحد،أري الجنى:العسل،العواسل: مخرج العسل)

لهُ ريقةٌ طَلٌّ ولكن وقعها               بآثارهِ في الشرقِ والغربِ وابلُ

فصيحٌ إذا استنطقتهُ وهو راكبٌ      وأعجمُ غن خاطبتهُ وهو راجلُ

إذا ما امتطى الخمسَ اللِطافَ    وأُفرغت عليه شعابُ الفكر وهي حوافلُ

أطاعتهُ أطرافُ القنا وتقوّضت        لنجواه تقويض الخيام الجحافلُ

رأيتَ جليلاً شأنهُ وهو مرهفٌ        ضنىً، وسميناً خَطبهُ وهو ناحلُ

وأمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله يقول:

سبحانكَ اللهم خير معلم               علّمتَ بالقلمِ القرونَ الأولى

أخرجتَ هذا العقلَ من ظلماته          وهدّيتهُ النورَ المبينَ سبيلا

أرسلتَ بالتوراةِ موسى مرشداً        وابنَ البتولِ فعلّمَ الإنجيلا

وفجّرتَ ينبوعَ البيانِ محمداً            فسقى الحديث وناول التنزيلا 

ولكي يستطيع القلم أن يعبّر عن أحاسيس النفس ومشاعرها،وجهادها من أجل الخير والحقّ والجمال فلابد أن يتاح له جوٌّ من الحرية، فحرية القلم والرأي هامة جداً من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل،وقد عرف الطغاة في كل عصر ومصر وقصر هذه الحقيقة فكان أول مالجأووا إليه هو تكميم الأفواه،والحجر على العقول والتضييق على أصحاب الرأي والقلم.

يقول الأستاذ العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدّد حياتك ص152):

“وحرية الرأي هي حارسة العدالة في الشعب،والسياج الذي يكف الحاكم أن يستبد بأمور الناس،ولاقيام لحكم الطاغية إلا على الاذهان الممسوخة والأفكار الراكدة البلهاء،والحجر على ذوي الرأي أن ينظروا إلى الأمور إلا من الزاوية التي يراها لهم الطاغية، وقد أدرك فرعون مصر قديماً تلك الحقيقة فأعلن إلغاء حرية الرأي بقوله:{ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}[غافر29].أي انه اعتزم تعطيل ملكة الرأي فيهم، فلا يسمح أن يكون لهم رأي من الأمور غير مايرى هو فيها،وذلك من مسخ المواهب وتغيير خلق الله”.

ويقول الأستاذ الأديب محمد حسين هيكل “في كتابه ثورة الأدب”:

“أما أن يحارب البغاة القلم وحرية أربابه فلهم في ذلك كل العذر،فحرية القلم هي المظهر الأسمى لحرية الإنسان في أسمى صورها ومظاهرها،وحرية القلم إنما تكون حيث يمسك القلم ربٌّ من أربابه لاعامل من عُماله،ربٌّ تؤتيه الطبيعة من قوة الخلق والإنشاء ما لا سبيل إليه إلا في جو الحرية المطلقة،وتدفعه ليخلق هذه الحرية حوله خلقاً،ولو أُلقي به في غيابات السجون ،بل تدفع ذكراه لخلق هذه الحرية إذا هو غُيّب بين صفائح القبور”.

وقد لجأ الطغاة إلى عدّة وسائل وأساليب في محاربة دعوة الحق، وحرية الرأي والتعبير، واستعانوا بكل الأفكار الشيطانية، والأساليب الوحشية والحيل الدنيئة من أجل التعتيم على حرية الرأي والمفكرين الأشراف.

يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان في مقال له بعنوان”مصرع الصحافة العظيمة في ظل النظم الطاغية”(مجلة الرسالة العدد98):

“تلقى الصحافة أشد محنة عرفتها،وتسحقها النظم الطاغية التي رأت أن تتخذها مع باقي القوى العامة،أداة لتحقيق برنامجها وتوطيد سلطانها.وفي هذه البلاد التي يسود فيها الطغيان المطلق لم يبق رأي حر يستطيع أن يتنفس، ولا رأي عام يستطيع أن يعبر عن شعوره أو يحدث أثره المشروع في الحياة العامة،ولا تستطيع أن تخرج من الصحافة إلا بصورة واحدة مكررة وهي إرادة الطغاة ومزاعم الطغاة،تفرض على ملايين من الناس لاحق لهم في مناقشة أو تذمر،ولا يسمح لهم بغير التأييد الأعمى.وتزعم هذه الحكومات الطاغية دائماً بأنها تحظى بتأييد الأمة المطلق،وتحاول دائماً أن تتخذ من إجماع الصحافة المُصفدة المُسيّرة دليلاً على هذا التأييد،ولكن كيف يُعرف رأي أمة لايسمح لها بإبداء الرأي، وكيف يُوصف شعور أمة نحو الطغاة، وهي ممنوعة بالقوة عن إبداء هذا الشعور؟إن حكومات الطغيان تسن من القوانين الاستثنائية مايكفل إخماد كل صوت وكل رأي معارض، ثم هي لاتقف عند هذه القوانين، بل تلجأ في أحيان كثيرة إلى إجراءات الهوى، فتنزل باؤلئك الذين يجرءون على معارضتها أشنع العقوبات من قبض واعتقال ومصادرة،بل ومن إعدام، كل ذلك من  دون قانون ودون تحقيق أو محاكمة،وليس من المبالغة أن نقول إن الحياة البشرية في هذه الأمم، أضحت كالحريات العامة، دون ضمان وطمانينة”.

ولعل أبسط هذه الوسائل كانت في إصدار ما يُسمى قانون المطبوعات، والذي يمنع الحريات ويصادر الصحف والمجلات إذا كانت آراء أصحابها وأفكارها لا تتناسب مع أفكار السلطة الحاكمة، وقد عبّر شاعر النيل حافظ إبراهيم رحمه الله عن جَور هذه القوانين فقال:

إنّ البليّة أن تُباع وتُشترى             مصرٌ وما فيها وأن لا تنطقا

فتقيدت فيه الصحافة عنوةً            ومشى الهوى بين الرعية مطلقا  

كانت تواسينا على آلامنا               صُحفٌ إذا نزل البلاءُ وأطبقا

فإذا دعوتُ الدّمع فاستعصى بكت     عنا أسىً حتى تغصَّ وتشرقا

كانت لنا يوم الشدائد أسهماً           نرمي بها وسوابقاً يوم اللّقا

كانت صِماماً للنفوس إذا غلتْ        فيها الهموم وأوشكت أن تزهقا

كم نفسّت عن صدر حرٍّ واجدٍ         لولا الصمام من الأذى لتمزّقا

مالي أنوحُ على الصحافة جازعاً     ماذا ألمَّ بها، وماذا أحدقا؟

قصّوا حواشيها وظنوا أنهم         أمِنوا صواعقها فكانت أصعقا

وأتوا بحاذقهم يكيد لها بما            يُثني عزائمها فكانت أحذقا

فإذا لم تنفع هذه الوسائل”البسيطة” وهذه الأساليب “المرنة” عمد الطغاة إلى وسائل أخرى، تارةً بالترغيب، وأخرى بالترهيب.

يقول الدكتور محمد حسين هيكل” في كتابه ثورة الادب”:

“في عصور الظلمة التي تمرّ بالأمم آناً بعد آن يعمد الباطشون البغاة إلى تقييد حرية القول والكتابة،وفي سبيل هذا التقييد يُصلونَ أرباب الأقلام حرباً لارحمة فيها ولا هوادة، فمن إرهاق إلى سجن،إلى نفي وتشريد،وهم في حربهم هذه يندفعون ضد الكتّاب، كاشرةً أنيابهم، محمرّة عيونهم،مفتحةً خياشيمهم،أشبه الأشياء بالكواسر المفترسة حين يغريها منظر الدم، فيهيج فيها كل غرائزها الوحشية،ولايهدأ لهم من بعد ذلك بال ولا يطمئن لهم خاطر إلا إذا اطمأنوا إلى أنهم حطموا تلك الأقلام إلى غيرعودة إلى الكتابة،وأذلوا نفوس حملتها إذلالاً لاقومة لهم من بعده،وهذه الغرائز المفترسة التي تهيج في نفوس البغاة لحرب القلم وحملته لاتهيج فيهم لمحاربة أية قوة أخرى من القوى بالغاً  مابلغ أصحابها من العز والمكانة”.

وتارةً يلجأ الطغاة إلى الترغيب بإغداق الأموال،ومنح الرتب،وإعطاء المراكز لهؤلاء الكتاب، ولا يكتفون بذلك بل يصنعون لأنفسهم كُتّابا وأقلاما ويُنشئون لأنفسهم صحفاً ومجلات، تُقدّس ذكرهم وتُنزّههم عن العيوب والنقائص ويقوم على تحريرها والإشراف عليها صنائعَ مأجورون يعملون للطاغية،يأمرهم فيأتمرون،ًويدعوهم فيلبون،أمرهم من أمره،وسلطانهم من سلطانه،يتكلم بالسنتهم،ويبطش بأيديهم.

يقول الدكتور محمد حسين هيكل :

“وللطغاة في تكثيف الظلام الذي ينشرونه حولهم أساليب عُجب،فهم يخلقون الطوائف يطلقون عليها أسماء أضدادها ليسخروا من الناس وليزيدوهم ظلماً،يطلقون على طائفة اسم العلماء، والعلم منهم براء،وكل الغاية التي تُكّلف هذه الطائفة بها إنما هي نشر التُرهات وترويج الأباطيل، ومحاربة العلم الصحيح بدعوى أنه السحر أو الكفر،أو ماشاء لهم خيالهم المجرم ،ويطلقون على طائفة الكّتاب ،وماهم بكّتاب وإنما هم منافقون متملقون لايعرفون غير المدح يكيلونه جزافاً لسادتهم،وغير الطعن الجارح يواجهون به من يعرف سادتهم منهم نزعة إلى الحق وإلى الحرية، هؤلاء ليسوا كتّاباً وإنما هم كالكلاب تبصبص بأذنابها لمن يلقي إليها بطعام أو بعظم من العظام، وتنبح من يطلقها عليه صاحبها لنبحه،وهؤلاء لن يكونوا كتاباً ولن يطلق عليهم هذا الإسم أو أي اسم يتصل به،لأن الكاتب تصدر عباراته عن قلبه وعن إيمانه ،وأما المنافقون فتصدر كتاباتهم عن بطونهم وعن شهواتهم الخسيسة السافلة”.

وصاحب القلم أمام أمرين لاثالث لهما:

ـ إما أن يمشي في ركب هؤلاء الطغاة، فيرى مايرون،ويُعّظم مايُعّظمون، فلو قالوا له أن الصبح ظلام! أجابهم بل إنه شديد الحلكة!! ولو قالوا له أن الجمل يطير ولايسير!! لقال: بل إنه يسبق الطائرة النفاثة!!

ـ وإما أن يُرضي الحقّ والضمير، ويقف في مواجهة الطغاة ولو كان على حساب روحه ومكانته وماله وعائلته.

يقول الأستاذ أحمد امين رحمه الله(فيض الخاطر ج2 ص113):

“إن قلت في التاريخ من أول عهده إلى اليوم ما يُرضي الحكام والولاة والشعوب فرفعت من شأنهم ولو زوراً، وغلوت من مفاخرهم ولو كذباً،وسكت عن مساويهم ولو كانت صارخة،وعمدت إلى اتجاه عواطفهم فسرت معها،وقصدت إلى الأوتار التي تطربهم فغنيت عليها،وشهرت بخصومهم، وقلّلت من شأنهم ،وكذبت في إنكار فضلهم، وكان لك من البلاغة ما استطعت به أن تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً،وتجعل الأرض سماءً والسماء أرضاً،والحلو مراً والمرّ حلواً،واستطعت بفصاحتك أن تظهر مهارتك في اختراع حجج تُشوّه بها وجه الصدق ،وتُجمّل بها وجه الكذب،فهذا جمل يطير، إن قلت به فأنت المؤرخ وأنت البطل وأنت البليغ، وأنت الذي يُغدق عليه المال، وأنت الذي يُمنح خير الألقاب، وأنت الحقيق بأن يقام له تمثال”.

ويتابع أحمد أمين رحمه الله:

“وإذا اتخذت إمامك الرأي العام ،تُنكر ما يُنكر،وتؤيد ما يؤيد،وسرت وراء الزعماء إن انحرفوا يميناً انحرفت يميناً أو يساراً فيساراً،وإن قالوا قولاً ظاهر البطلان، قلت:إن لهم غرضاً لاندركه،وغاية لا نتبيّنها إلا بعد حين.وإن كان الساسة يرون الحرب قلت الحرب، وإن قالوا السلم قلت السلم،إن قالوا الحرب في هذا الجانب قلته ،وإن قالوا في الجانب الأخر قلته،وإن قالوا عدونا فلان، قلت: إنه عدوٌ لدود، وإن قالوا :صديقنا فلان،قلت: إنه صديق حميم، واستعملت في كل ذلك حنجرتك إن كنت من ذوي الحناجر، وقلمك إن كنت من ذوي الأقلام، ومالك إن كنت من ذوي الأموال، فهذا كله جمل يطير”.

ويتابع رحمه الله:

“وأما إن أنت لم تعبأ بميول الحكام والولاة وعواطف الشعوب،فأخذت تُحلّل كل خبر وتُبين بواعثه ودوافعه،كما يُحلّل الكيماوي المادة في معمله،وتُصدر حكمك لاتراعي فيه إلا الحق، فتارة يُرضي العواطف وتارة يُغضبها،وأحياناً يُرضي الرأي العام وأحياناً يُغضبه ويهيجه ،وأنت لايهمك أرضي أم غضب،وكره أم أحبّ،ولايهمك إن اتفق رأيك ورأي الناس أم خالفه ،وتعمد إلى مايعدّه الناس وثائق فتهزأ بها،وإلى الإشاعات فتتحراها وتركزها في بوتقتك وتشعل تحتها النار فتبخرها،وتصدر حكمك على من يسميه الناس بطلاً فتنكر بطولته، وعلى مايعدّه الناس سافلاً فتعرضه نبيلاً،وإن فعلت ذلك فهذا جمل يسير، فأنت الفقير،وأنت المتفلسف وأنت المتعجرف،وأنت الذي يُطرد ويُشرّد”.

ويقول الأستاذ الأديب محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد 321):

“يقول المتنبي:

مازلت أضحك إبلي كلما نظرت              إلى من اختضبتْ أخفافها بدم

أسيرها بين أصنام أشاهدها                    ولا أشاهدُ فيها عفة الصنم

والمتنبي  يقول ذلك في صفة أصحاب السلطان الأدبي والسياسي من أهل عصره، ولا يزال هذا ينطبق إلى اليوم على البلاد الشرقية والعربية إلا قليلاً قليلا.لقد أذكرتني أشياء رَمَت إلى ما كنت أسوس النفس على تناسيه ونبذه والتباعد عنه، ولكن صناعة الأدب هي من بين الصناعات أشدُّها التحاماً بالحياة…لان بل بالأصول النفسية التي تقوم عليها وبها أسواق المجتمع الإنساني، وهيس ترمي بالأديب في تنور متسعّر من نزاع الغرائز والشهوات والأحقاد،وهو بين اثنتين: إما أن ينحط في هوى غرائزه التي تثيرها هذه النار الآكلة،فيفسد بفسادها، وإما أن يتحصن دونها،فيروض غرائزه الوحشية، حتى تالف وتنقاد لحكم العقل النبيل والعواطف السامية.فكذلك يوطن نفسه على الحرمان والألم والتفرد والوحشية…ثم على الصراع الذي لا رحمة فيه ولا هوادة بين تضرّم النزعات المستبيحة،وبين زهادة النفس المتورعة المطمئنة.

وكان أحق الناس بالتسامي ومطاولة الغرائز في هذه الحرب الموقدة  ـ الأدباء ، فالأدب في أصله تنزيه للنفس وكبحٌ من جماحها،ورفق في سياستها، فإذا انقلب الأدب تضرية للوحوش الرابضة في الدم من الطبائع والغرائز،خرج عن أصله وفقدت ألفاظه معانيها، وصارت أسواق الأدب تعمد في معاملتها على البغي والظلم والعدوان والتهجم والاستبداد.وفقدت كل معاني الحرية والعدل والإنصاف والتمييز بين الخبيث والطيب، وهي أصول الفطرة الأدبية السامية.

ويتابع الأستاذ شاكر رحمه الله:”إن الأديب الحر ينتفض تقززاً واشمئزازاً كلما انبعثت روح حقارة المجتمع من وراء الرّمم الأخلاقية المموّهة بالنفاق،والتي أقيمت عليها أصنام منصوبة للعظمة الباطلة الجوفاء،وهو أشد انتفاضاً وانتقاضاً  حين يرمي ببصره إلى الأدب والعلم وهذه المعاني السامية فيرى الأدباء والعلماء أذلاء مستعبدين قد خضعت أخلاقهم للحاجة والضرورة والبؤس،فهم نواكس الأبصار إلى الأرض بين يدي فئة منهم قد أخذوا عليهم أفواه الطرق المؤدية إلىبعض الرزق،حين واتاهم القدر ببعض السلطان والجاه والسيطرة،وأقامتهم الشهرة الذائعة أنصاباً تهوي إليها الأغراض،وتناط بها الوسائل،وتعتمد عليها الحكومات في تقدير العلم والأدب وأهلهما والعاملين عليهما،وكذلك من لا يستطيع أديب أو عالم أو فيلسوف أن يجتاز إلا بإجازة من أيديهم وبأختامهم،وإلا أن يشهدوا له شهادة التقدير،وأن يعبروا له السِّعر في (تسعيرة) السوق الأدبي الذي أقامتهم الحظوظ عليه حكاماً ومقوِّمين.

ويتابع:” إن هذه التجارة التي تقوم على استعباد العلم والعلماء والأدب والأدباء تجارة باغية ينبغي أن تفنى نخاستها وأن تغلق أسواقها،وينبغي  أن يتحرر الأدباء والعلماء المستعبدون قليلاً من أغلال الضرورات المستحكمة ليحاربوا بغي هذه التجارة بالنبل والسمو والترفع،وليهتكوا تلك الأستار الحريرية الرفيعة المسدلة على بيوت الأوثان الجاهلية التي تستعبد  الأحرار باستغلال ضراعة الضرورة والحاجة والفقر”.انتهى كلام الاستاذ شاكر.

والغالبية من أصحاب القلم ياصاحبي ـ وللأسف ـ تخضع للسلطان،وتخنع لبريق الذهب، وتركع أمام إغراءات المنصب والجاه،وهؤلاء الناس تجدهم قد جَرّدوا اقلامهم وانتضوا يراعهم من أجل خدمة هؤلاء السادة والحكام،واتخذوا الكتابة وسيلة للتكّسب، يمدحون ويتزلفون وينافقون ويتملقون،يُبطلون الحق، ويُحّقون الباطل،ويزيفون الأمور، قد لبسهم الهوى فأنطق قلوبهم وأقلامهم بما يُعصى،واستعبدتهم الشهوات فألقت بهم في المتاهات وألغت ضمائرهم وجرّدتهم من إنسانيتهم فأصبحوا عبيداً للقلم بدلاً من أن يكونوا أمراءه،وأصبحوا إمعات للسلطان بدلاً أن يكونوا نصحاءه،وأصبحوا من أنصار الباطل بدلاً من ان يكونوا أعداءه.

إن أمثال هؤلاء القوم تجدهم في كل عَصر ومِصر وقصر، صفاتهم واحدة لاتتغير مهما تبدّل الزمان أو تغيّر المكان،إغراق في المديح حتى الإسفاف،وتفنن في البديع حتى الإتلاف،وإفراط في وصف الحاكم بحسن الصنيع،وتحطيم الشريف وإعلاء الوضيع،يمدح سيدهم إذا أتى بالخير،ويقرظ إذا أتى بالشر.

فعطاؤه كرم يفوق كرم الديم والسحاب،والكلمة التي ينطق بها دررٌ وحكم، وقتل الأبرياء شجاعة وحزم، والإنهماك في الملذات ظرف وتسلية، والعفو عن المظلومين شهامة،يُطرون ظُلمه ويُسبحون بحمده،ويخلعون عليه من الصفات مايتجاوز الملائكة الأطهار،والأنبياء الأبرار،فهو أبلغ من سحبان وائل وإن كان في حقيقته أعيا من باقل،وهو أجود من حاتم وإن كان في جوهره أطمع من اشعب،وهو صاحب الوعد المحافظ على العهد وإن كان في قرارته أخلف وعداً من عرقوب،وهو صاحب الحلم والعقل والرأي، وإن كان أخفّ حُلماً من عصفور،وهو صاحب العزّة والشأن وإن كان في حقيقة نفسه أذل من وتد بقاع،وهو صاحب البصر والبصيرة وإن كان أعمى من الخفاش، وهو صاحب العدل والإنصاف وإن كان أروغ من ثعلب، وأظلم من ذئب.

إن مما يبعث على القلق،بل والخوف على مستقبل الأمة العربية والإسلامية،أننا نعيش في هذا الزمن والعصر وبسبب “شعراء”و”أدباء”و”كتاب” السلاطين من أمثال هؤلاء،والذين يُنسبون لحاكم أو سلطان أو ملك أو أمير،ويَنسبون إليه من المناقب والمآثر والصفات مالم تتوفر في الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم!!.وإننا نعيش في هذا العصر والزمان مايُسمى”تأليه الطغاة”،فالحاكم في بعض الأقطارـ  إن لم نقل في معظمها من عالمنا العربي والإسلامي ـ هو رمز الاستقرار،ورمز الوحدة الوطنية،ورمز الاستقلال،وهو رمز الاستمرار في الحفاظ على القوت اليومي واستمرار الرزق واستمرار الحياة!!!

هذه الأقلام الخائنة،والألسنة الخادعة،أقلام العبيد،وألسنة العبيد،والتي لاتفتر ليلاً ونهاراً عن التسبيح والتمجيد بالطغاة والطغيان،وترسل الأناشيد والقصائد،وتبعثها موجات إثر موجات من المديح الزائف،والتغني بهؤلاء الأصنام من البشر والذين ليس لهم عفة الأصنام!!هؤلاء المنافقون المزيفون الخادعون والمخدعون يقال عنهم يا صاحبي أنهم من قادة الفكر في الأمة،وأنهم شعار الحرية والمساواة والعدالة!!!وهؤلاء يكرمهم الطغيان وأعوانه وأزلامه ويمنحونهم أعلى المناصب،وأرقى المراكز ويمنحون الأوسمة التي تثقل الصدور بحملها!!ويعطون أعلى المراكز الجامعية والتربوية فمنهم العميد ومنهم الأستاذ ومنهم المربي ومنهم ومنهم…

إن هؤلاء العبيد،وعبيد العبيد بأقلامهم الزانية وضمائرهم الفانية،عندما تبحث عنهم ليقولوا كلمة الحق ـ وهم لايعرفونها ـ عندما ترتكب الجرائم الوحشية،والفظائع الدموية بحق الأمة وشعوبها وأفرادها، لاتجد لهم أثر،ولايثور لهم ضمير،ولاترف عين،ولايرتعش قلب،ولايهتز شعور لواحد من هؤلاء ـ وما أكثر هؤلاء ـ وهم يشاهدون الضحايا والأشلاء والجثث متناثرة هنا وهناك وهنالك،والتي مثّل بها الطغيان غيلة وغدراً،سراً وجهراً، ليلا ونهارا،وعلى مرأى من الجميع…

وأصبحنا نرى ونسمع كيف تخرج الشعوب بمئات الألوف إن لم نقل بكل ملايينها إلى الشوارع والساحات،تزخر بها ،كالبحر المتلاطم الأمواج،يموج بعضهم فوق بعض،في مظاهرات تأييد وتحية لهذا الحاكم أو ذاك ناسيةً هذه الجموع أو متناسية، غافلة أو متغافلة،عن أن سبب ماهي فيه من الظلم والفقر والأذى والحرمان ..هو من جراء جرائم هذا الحاكم وزبانيته وأعوانه على مرّ سابقات الأيام ولاحقات الاعوام.

يقول نزار قباني:

والشعرُ..ماذا سيبقى من أصالته؟

إذا تولاه نصابٌ…ومدّاحُ

وكيف نكتبُ؟ والأقفالُ في فمنا؟

وكلُّ ثانية،يأتيك سفّاحُ

حملتُ شعري على ظهري فأتعبني

ماذا من الشعر يبقى حين يرتاحُ؟

وإن تعجب يا صاحبي فلتعجب معي كل العجب على ما فعله فينا حكام هذا الزمان،ومن ورائهم كُتّاب الظَلام والظُلّام،وما زرعوا فينا من الصفات التي لم يخطر مثلها على بال البشر وأصحاب البصيرة وأهل العِبر،وأهمها يا صاحبي ما يُسمى”نفاق الحكام”،فهذا أصبح أحد مكّونات دمائنا،يسري في عروقنا،ويغذي أنسجة وخلايا أبداننا ودماغنا،وهو كسكر الدم ياصاحبي،قد يزدداد عند بعض البشر إلى درجة التلف،وأصبح من التكوينات والمقومات الرئيسية في تركيب أجسامنا،ولنقل أنه أيضاً أصبح كأحد النواقل العصبية الهامة التي تنشط بعض المنعكسات ولنسمها اعتباطاً”منعكسات النفاق”،فكما أن هناك منعكسات للشم،واللمس،والرؤية،والسمع،والتوازن…فإنه قد أضيف إلى تركيب أجسامنا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية هذه المنعكسات التي سميناها “منعكسات النفاق”،وهذا المنعكس يُحرّض يا صاحبي بمجرد أن يذكر اسم الحاكم في مكان عام أو خاص،ويتجلى انعكاسياً بموجات لا تنتهي من التصفيق الشديد المستمر لعدة دقائق أو ربما أطول ،ويترافق مع سيل من الصيحات و النداء والهتاف والتحيات بحياة هذا الرئيس الخالد المعصوم ،الواحد في صفاته ،الذي لم يخلق مثيل له على مستوى البلاد ولم يشاركه في هذا أحد من العباد.

ويختلف نشاط هذا المنعكس يا صاحبي باختلاف الأشخاص وقدرة كل منهم على التهريج والتملق والتزلف والنفاق.وإذا كان من صفات بعض المنعكسات الطبيعية عند الإنسان أنها تتراجع وتضعف مع تكرار المنبهات أو المحرضات،إلا أن هذا المنعكس يا صاحبي لا يضعف ولا يتراجع ولا يتوقف إلا بتوقف  قلب صاحبه عن الخفقان أو عودة عقل صاحبه إلى جادة الإتزان!!

والقاعدة يا صاحبي ،أنه كلّما تقدم الإنسان في العمر،كلما ازداد نضجاً وحكمة وخبرةـ باستثناء من يُردّ إلى أرزل العمر ويصاب بالعته والخرف ـ وهذا يعني أنه في الحالات الطبيعية فإن دماغ الإنسان هو المسؤول والمدير والموجه لمنعكسات الجسم والبدن،ويُملي عليها إرادته ورغباته،أما عند الطفل الرضيع فإنه تتحكم فيه سلسلة من المنعكسات التي لاسيطرة للدماغ عليها ـ تسمى المنعكسات الودية الذاتية ـ والطفل معذور في ذلك،فهو لم يصل بعد إلى درجة النضج والكمال.ولكن أن تتحول بعض الأمم والمجتمعات بفضل رجالها ومفكريها وقادتها ـ والمفروض أنهم في سن النضج والبلوغ  وتركوا سن المراهقة والطيش ـ وأن تظهر عليهم وهم في سن النضوج والشباب والاكتهال أعراض العته والخرف وتتحكم منعكساتهم في دماغهم وتصرفاتهم وحركاتهم وليس العكس فهذا لعمري ما نسميه النكوص إلى مرحلة الرضاعة والطفولة الأولى، وهذا لاتفسير له طبياً عندي ياصاحبي، فالمعذرة كل المعذرة أنني حائر كطبيب في تفسير هذه الظاهرة المرضية ولعل الأيام الحبلى بالحوادث والظواهر تجيبنا على سؤالنا عندما تتمخض وتأتينا بالجواب!!!

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج5 ص25):

“وكل حاكم سيّد الوجود في زمانه،آت بالمعجزات في أعماله،معصوم من الخطأ فيما يأتي به . يبتز مال الناس غصباً فلا يُلام على ماغصب ولكن يُمدح على ما أنفق!ويقتل من يشاء فلا يُسأل عمّن قتل،ولكن يُشاد بفضله إذا عفا!الفن والأدب والشعر والنثر موسيقى لطربه وبهلوان لتسليته،وعبيدٌ مُسخرة لنهش أعدائه ومدح أوليائه”.

ويتابع رحمه الله:

“حكام كل ولاية يحكمون البلاد بعقول ضيقة،وشهوات واسعة، فخفخة في المظهر وسُخف في المَخبر،لايقيدهم قانون ولايردعهم عدل،ولايرون للشعوب حقاً إلا أن تؤمر فتطيع وتُنتهب فتصبر،بل لا يكفيهم الصبر على المصيبة، وإنما يتطلبون المدح والثناء عليهم في ظلمهم وطريقة حكمهم،فمن امتعض من ذلك فهو ثائر،ومن شكا فهو كافر، فأورث ذلك الهجرة لمن احتفظ بإبائه،والذل والهوان عند من لصق بأرضه”.

ويعبر الشاعر الكبير أو العلاء المعري فيصف هذه الحال فيقول:

إذا وصف الطائي بالبخل مادرٌ         وعيّر قساً بالفهاهة باقلُ

وقال السُّها للشمس: أنت خفية        وقال الدُّجى:ياصُبح لونكَ حائلُ

وطاولت الأرض السماء سفاهةً      وفاخرت الشُّهب الحصى والجنادلُ

فيا موتُ زُر إنّ الحياة ذميمةٌ          ويا نفس جِدي إنّ دهرك هازلُ

ويقول الشاعر الكبير شاعر السيف والقلم محمود سامي البارودي رحمه الله:

وأَقتلُ داءٍ رؤيةُ العين ظالماً          يُسيئُ ويُتلى في المحافلِ حمدهُ

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في هؤلاء الكتاب الذين باعوا أقلامهم وضمائرهم من أجل خدمة السلطان والطغيان(الرسالة العدد 691):

“والسخط على أولئك الكتاب والصحفيين،الذين يقال عنهم أنهم قادة الرأي في البلاد،وأنهم أباء الشعب الروحيين،أولئك الذين يسخرون أقلامهم وذممهم وضمائرهم لهذا الجيل من الساسة،فيضربون بأقلامهم ذات اليمين وذات الشمال،وينهشون سمعة هذا السياسي أو ذاك،ثم يعودون فيبيضون ما سودوا وقد يقفون مادحين في حفلات تكريم تقام لأولئك الساسة الذين قالوا عنهم من قبل:إنهم مجرمون قذرون منحطون منخوبو الضمائر فاسدوا الذمم،لا استصلاح لهم بحال من الأحوال!والشعب ينظر ويعجب:إما أن يكون هؤلاء القادة الروحيون كاذبين في الماضي،وإما أن يكونوا كاذبين في الحاضر.وهم في كل حال لا يؤمنون على قيادة الشعب الروحية،وتلك ذممهم وهذه ضمائرهم بين حال وحال!”.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

“عندما يكون الطغيان في بلدً محدوداً أو جزئياً،يتكلم متكلمون وينقد ناقدون ،ويعارض معارضون، وعندما يزداد الطغيان شدّةً  يصمت أكثر المتكلمين والناقدين،ويختفي أكثر المعارضين ،وعندما يبلغ الطغيان غاية شدّته وعنفه يتحول النقد عند الأكثرين إلى ثناء،والمعارضة إلى ولاء،والسواد القاتم كلّه إلى بياض،فإذا رأيتم المظلومين يُثنون على الظالمين،والمقهورين يُوالون الجلادين،فاعلموا أنّ الطغيان والبطش قد بلغ حدّه الأقصى، وأن كل كلمة مدح وزلفى هي في الحقيقة كلمة هجاء وشكوى، عجزت عن نطقها الشفتان، وقلبها الخوف والفزع والاضطرار أو الجبن والطمع والصَغار…إلى مديح”.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله واصفاً حال كتاب عصره المنافقين والمنتفعين في زمان الملك المخلوع فاروق (الرسالة العدد 1018 بتاريخ الخامس من كانون الثاني عام 1953ن):

“كان الأدب في العهد البائد صوراً متنافرة من القلق والملق والنفاق والتقية والجبن،لأن الأديب لم يجد رعاية من الملك لأنه جاهل،ولا عناية من الشعب لأنه غافل،فاضطر إلى أن يهاوى أصحاب الحكم ليسلم،ويصانع رجال السياسة ليغنم،ويتملق دهماء الناس ليعيش.وكان الملك على جهله بالأدب وبعده عن الدين،تنظم في مدحه القصائد الغرّ،وتحرر في فضله الفتاوى البكر،وتركب وزارة الأوقاق ونقابة الأشراف المركب الوعر لتجد لسليل الترك والفرنسيين نسبة مباشرة إلى الرسول العربي القرشي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم!ولم يكن كل ذلك سبيل الزلفى إليه ولا التفوق لديه،وإنما كان السبيل إليهما مهارة في الصيد،أو براعة في القمارنأو كفاية في كسب المال،أو لباقة في جلب المراء.والناس على دين ملوكهم.والأدب يكون كما يكون الناس”.

وشعراء السلاطين قديماً وحديثاً قد بالغوا في المديح والإطراء والثناء، بحيث فاقت صفات ومناقب الحاكم عند أمثال هؤلاء أحياناً الأنبياء!!

وقديماً مدح أحدهم وهو ابن هانئ الأندلسي سلطان مملكته من الفاطميين فقال فيه هذا الكلام الذي نستغفر الله العظيم من محتواه ونبرئ النفس من فحواه ومعناه يقول فيه:

ماشئتَ لا ماشاءت الأقدار          فاحكم فأنت الواحد القهار

وكأنّما أنتَ النبيُّ محمد             وكأنّما أنصارك الأنصار

أنتَ الذي كانت تُبشرنا به          في كتبها الأحبار والأخبار

ويقول فيه أيضاً:

إمامٌ رأيتُ الدين مرتبطاً به        فطاعته فوزٌ وعصيانهُ خسرُ

أرى مدحهُ كالمدح لله إنّهُ         قنوتٌ وتسبيحٌ يُحطُّ به الوزرُ

(ملاحظة: ولقد مات هذا الشاعر أبشع ميتة وهو في قاقلة من أملاكه حيث قضى عليه قطاع الطريق، هذا عقاب الدنيا وأما عقاب الأخرة فعلمه عند الله) .

ومثال أخر لتزلف الأدباء والشعراء، وأنهم يميلون مع النعماء حيث تميل الشاعر المعروف أبو عبادة البحتري، كان من أشد المقربين من الخليفة العباسي المتوكل ،الذي أغدق عليه من العطايا والهبات، وجعله من المقربين من مجلسه مجلس الثقات، وقد كان في مجلسه يجاذبه أطراف الحديث والسمر مع الفتح بن خاقان،وزير المتوكل، وحين حلت الكارثة قام الوزير الشجاع بما يفرضه عليه واجب الشهامة والرجولة ففاضت روحه وهو يدافع عن سيده  بعد أن هجم المنتصر ابن المتوكل عليه ومعه زمرة من الخونة من حاشية قصره،وفرّ البحتري إلى حمام مهجور في القصر واختبأ فيه وبعد ذلك جاء ليكذب على الناس فيقول في اختلاق ذميم:

أدافع عنه باليدين ولم يكن             ليثني الأعادي أعزل الليل حاسره

ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي   درى الفاتك العجلان كيف أساوره

ويقول البحتري بعد ذلك شعراً يمدح القاتل المنتصر ويهجو الخليفة المقتول المتوكل بالرغم مما أغدقه عليه من خير عميم :

حججنا البلية شكراً لما                   حبانا به الله في المنتصر

تلافي البرية من فتنة                    أظلهم ليلها المعتكر

ولما ادلهمت دياجيرها                   تبلج فيها مكان القمر

ولو كان غيرك لم ينتهض               بتلك الخطوب ولم يقتدر

رددت المظالم واسترجعت               يداك الحقوق لمن قد قهر

بقيت إمام الهدى للهدى                   تجدد من نهجه ما اندثر

والبحتري هذا هو من قلب للمنتصر ـ ولي نعمته الثاني ـ ظهر المِجّن وهجاه هجاءً شديداً بعد مقتله، وتزلف من الخليفة الثالث المستعين بالله يمدحه ويقول له متظاهراً بالولاء:

لقد نصر الأمام على الأعادي               وأضحى الملك موطود العماد

أمير المؤمنين اسلم فقد ما                   نفيت الغي عنا بالرشاد

تدارك عبدنا الدنيا فقرت                   وعمّ نداك أفاق البلاد

 

هذا قديماً، وانظر معي إلى هذا الشاعر الذي عاش في النصف الأول من القرن العشرين يمدح الملك فاروق ملك مصر،وما أدراك ماالملك فاروق!! رمز الفساد والانحلال والرذيلة، يقول فيه هذا الشاعر

وبدا العرشُ قد حلَّ به                 يفرع الشمسَ ويعلو الأنجما

ورأى بعد سليمان له                  مشبهاً في عدله إن حكما

حين عزَّ الدين والملك به             هنأ المنبر فيه العلما

لاترى العين به إلا عُلا                كلّما تسمو له العينُ سما

أين شعري وفنوني من مدى         لو مضى حسان فيه أفحما

ولندع الكاتب الناقد الدكتور محمد مندور يعلّق على هذا الشعر ويجيب شاعرنا هذا على افتراءته، حيث يقول في كتابه(الشعر المصري بعد شوقي):

“قولٌ سخيف، ففاروق يفرع الشمس ويعلو الأنجما،وكلما سما له العين سما وكأنّه بالون!!وهو يَفضل على المأمون والمعتصم، بل ومناقبه أسمى من مناقب النبي صلى الله عليه وسلم التي استطاع حسان(بن ثابت) أن يبلغ بشعره مداها،بينما لو حاول بمناقب فاروق لعجز وخانه الشعر،وإنه لمما يحزن ألا يكتفي هذا الشاعر بكل هذا الإسراف والسخف ولكنه أيضاً يكشف عن دافعه غير الكريم وبه يختم قصيدته فيقول:

أنا في فيض له متصل           أنعمٌ تمضي فألقى أنعما

ليس بِدعاً أن زها شعري به    يزدهي الروض إذا الغيث هما

وكانه يقول للفاروق زدني عطاءً أزدك شعراً!!

ونقول إن هذا الشاعر ذاته، يناقض ذاته في قصيدة أخرى له حيث يطلب من الشعراء أن يكون شعرهم حقاً نابعاً من النفس فيقول:

والنفس إن لم تكن بالشعر شاعرةً     ظنته كل كلام جاء موزونا

ويقول أيضا :

لو مدحنا من لايحق له المد               ح لوى الشعر رأسه فهجانا

ونحن نتركه لشعره هذا يحكم عليه!!

وشاعر آخر عاش في النصف الأول من القرن العشرين، انظر إليه يمدح ملك الإنجليز، وما أدراك ما إنجليز، أصل البلاء، ورمز العناء،وأصل النكبات في عالمنا العربي والإسلامي، يقول هذا الشاعر مهنئاً ملك الإنجليز بمناسبة شفائه من المرض:

صاحب التاج أنت بالقوم أعلم               هم يودون أن تعيش وتسلم

ويميناً لولاك عاث طغاة                      في بلاد من جورهم تتظلّم

ظعن الجور عن بلادك لما                   نصب العدل في ذراك وخيّم

إننا نعرف الملوك ولكن                     إن عددناهم فأنتَ المُقدّم

ونحن ياسيدي الشاعر نعرف ملوك وحكام إنجليز، ونعلم ماقدموه ويقدمونه لشعوبنا العربية والإسلامية في كل مكان من أرجاء المعمورة ونسترّوح نسمات عدلهم ونستنشق هواء إنصافهم وخاصة مافعلوه في فلسطين والبوسنة والعراق وكوسوفو والهند ..!!

وشاعرنا هذا يناقض ذاته حيث يقول في قصيدة أخرى:

اجهر برأيك إنّ الحقّ قد غلبا             هذا يراعك يحكي السيف ما كتبا

أرى المضلين قد زاغت بصائرهم        ومن يظن الدّجى صبحاً فقد كذبا

سِر في طريقك لاتحفل بذمتهم            ولايهزك مغرور إذا غضبا

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قصيدة جميلة له، تعبر عن الكتاب والشعراء والفنانين الذين ضلّلوا الناس بنفاقهم وزيفهم وتملقهم للحكام،وما أكثرهم في هذا الزمان وكيف جعلوا من بعضهم ملائكة وهم في حقيقتهم أرباب الشياطين،وكيف جعلوا منهم سادة وهم في حقيقتهم أذل من العبيد وكيف جعلوا منهم حكماء وهم في حقيقتهم أجهل الجاهلين، يقول رحمه الله:

هُبــــــــــــــــــــــلٌ…هُبـــــــــــــــــــــلْ

رمزُ الخيانة والجهالة والسخافة والدّجلْ

هُتافـــــــــــــهُ التهريج ما ملّوا الثنـــــــاء

زعموا له ماليس……عند الأنبيــــــــــــاء

ملك تجلبب بالضياء وجاء من كبد السماء

هــــــــــــو فاتحٌ……هـــــو عبقري ملهم

هــــــــو مرسلٌ………هــــو عالمٌ ومعلم

ومــــــــــــن الجهالـــــــــــــــة مـــا قتـــل

هُبـــــــــــــــــــــــــل……..هُبــــــــــــــــلْ

رمــــزُ الســــــخافة والجهالــــة والدّجـــــل

لا تســـــألن ياصـــــاحبي تلـــك الجمــــوع

لمـــــــن التعبــــــد والمثوبـــة والخضـــوع

دَعهــا فمــا هـــي غيرُ خرفـــان…..القطيــع

معبودهــــا صنــــم يــــراه…..العـــمُّ ســـــام

وتكّفـــل الدولار كـــي يضفي عليه الاحــترام

وســــعى القطيـــع غبـــاوة……… يا للبطـــل

وهؤلاء الشعراء أو الكتاب والذين يتملقون الطغاة ويتزلفون إليهم، هم كالأفاعي ياصاحبي، تُغيّر جلودها حسب تغير الظروف والأحوال!!وليس من النادر،بل هو الحاصل أن ينقلب شديد الثناء عند هؤلاء إلى أقبح الهجاء،وأن يتحوّل هذا الشاعر أو الكاتب من النقيض إلى النقيض إذا غاب هذا الحاكم أو الطاغية لاسباب طبيعية أو غير طبيعية!!!

حدّث إبراهيم بن عبد الله الكّجي قال: قلت للبحتري:ويحك! تقول في قصيدتك التي رثيت بها أبا سعيد:

يرمونَ خالقهم بأقبحِ فِعلهمْ       ويُحرفون كلامهُ المخلوقا

أصرتَ قدرياً معتزلياً؟ فقال لي:كان هذا ديني أيام الواثق(يعني أيام كانوا يقولون بخلق القرآن) ثم نزعتُ عنهُ في أيام المتوكل(أي حين نزعوا عن هذا القول) فقلت له: يا أبا عُبادة، هذا دينُ سُوءٍ يدورُ مع الدّول.

ألا ترى معي أننا في هذا الزمان نشكو من كثرة أمثال هؤلاء الكتاب والشعراء الذين يمدحون حاكماً أتى بمثابة”عودة الروح” للأمة والمجتمع وأنه بعد رحيله يذمونه أبشع الذّم ويُكيلون له أشدّ السباب والشتم،وحجتهم في ذلك بأنه”عودة الوعي” إلى العقول والضمائر،بل إن بعضهم قد تغنى بالوطنية والقومية والأمجاد الثورية التي أحياها فيهم هؤلاء”الثوار” و”البطل اللي جابه القدر” وانقلبوا بعد وفاته يذمون عهده وزمانه ويتحولون من “أهل المعارك” إلى أرباب السلام والتطبيع”وخلي بالك من زوزو” ويتحولون عن”المسؤولية” إلى التغني”بالدنيا ربيع والجو بديع وقفّل لي على كل المواضيع”!!!

بل إن أحدهم الذي وصف “الزعيم الخالد“بأنه “معجزة  بلا أنبياء” وأنه”دورة ارض بغير سماء” قد ذمّ زمانه وحياته وصار يبكي “على يوم مولده” الذي ملأ حياته حزناً وبكاء!!

إنّ أمثال هؤلاء وما أكثرهم في هذا الزمان،يذكرونني بما قاله أحدهم في الأمس البعيد بعد وفاة أحد السلاطين حيث قال فيه:”وقد كانت سيوفك لاتجف،ونقمتك لاتؤمن، ومدائنك لاترام، وعطاياك لاتبرح، وضياؤك لايخبو،فأصبح ضؤوك قد خمد،ونقمتك لا تُخشى،وعطاياك لاتُرجى، وسيوفك لا تنتضى ومدائنك لاتمنح….لقد كنت بالأمس لا يأمنك أحد، ولقد أصبحت اليوم وما يخافك أحد”.

وليست الخطورة في هذه الأقلام المأجورة، محصورة في إطراء الحاكم والثناء عليه بالحق والباطل،والطلب إلى الشعب أن يسبح بحمده ويشكره على آلائه ونعمه،وأن يشكروا الله بكرة وأصيلاً على أنه أرسله إليهم،وخصّهم به من دون الشعوب والحكام، ومن غير الأمم والاقوام!! بل إن هؤلاء الكتاب يفسدون أيضاً الأخلاق والآداب، ويعلمون الناس الكذب والنفاق،ويقلبون المعايير والمقاييس ،فيجعلون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، كما أنهم يثيرون الغرائز ويشجعون على الشهوات وينشرون الإباحية…ويساعدهم في ذلك وسائل الإعلام العديدة المضللة، والتي سخرها الحاكم وزبانيته لأمثالهم،وهذه الوسائل تتسلل إلى قلوب وعقول كثير من الناس، وتهاجمهم بافكارها البلهاء وسمومها السوداء،في عقر منازلهم ومكاتبهم ومدارسهم…أضف إلى ذلك دور الصحافة والطباعة ودور النشر ووسائل الترفيه من مسارح وسينما….

يقول الدكتور محمد حسين هيكل في “ثورة الأدب”:

وإذا كنا بسبيل الكتّاب،ورجال العلم،فإن المنافقين والمتملقين ممن يظهرون في عصور الطغيان هم على الإنسانية بلاء دائم وشرٌّ مستطير،يفسدون الآداب والأخلاق ،ويعلمون الناس الكذب والنفاق، وينزلون بأدب الكتابة إلى أحطّ درجاته،وهم مع ذلك من الطاغية موضع إعزازه وإن شاب الاعتزاز احتقار!!ثم هم لن ينزل بهم حيف أوينالهم بسبب إفسادهم الخَلق والأدب واللغة أيّ اذى، بل إنك لتراهم حثالة السفالة المجسمة موضع الإكبار من بطانة الطاغية لأنهم يعتقدون ان في الزلفى إليهم والقرب منهم وسيلة لاستعادة الجاه الكاذب والمال المسروق”.

ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد116 بتاريخ 23 إيلول عام 1935):

“أرى العصر الحاضر مفتوناً كل الفتنة بالأهواء،مستكلباً على الشهوات،قد فتحت له من الملاهي أبواب،ومدت له إلى الغي أسباب،فشغلت من الحياة جانباً.هذه الملاهي والمراقص والحانالت والمواخير.ورأى كثير من الناس هذه الدور مجلبة ربح عظيمن ووسيلة مال وفير، فاقبلوا عليها إقبالاً، وافتنوا فيها افتناناً،واستعانوا على تزينها وجلب الناس إليها بكل ما أنتجت الحضارة من علم وفن،ولم يدعوا حيلة في الاستهواء إلا اتخذوهانولا وسيلة إلى تهافت الناس عليها إلا توسلوا بها.

ويتابع:” ووراء هذه جماعة من تجار الكتب ، والفسقة المفسدين، يريدون أن ينالوا رغائبهم بشريعة،ويفسدوا في الأرض على علم فيكذبون على الجمال والفن والحرية ما شاءت مآربهم،ويحرفون الكلم عن مواضعه،ويسمون الرذائل بغير أسمائهانفالفسق إعجاب بالجمال،وكل خليعة فنانة،وكل خليع أستاذنويتنافس اصحاب المجلات في كتابة ما تحبه النفوس المريضة،وعرض الصور التي يهفو إليها الشبان،لا يبالون في سبيل المال أن تصلح الأمة وأن تفسد،وتعمل التجارة عملها حتى تجد الرجل الحريص على الفضيلة،الداعي إليها إذا ابتلى بمجلة أغضى عن مفاسدها،فصار له رأي في نفسه،وفي غير مجلته، وعمل آخر تجاري في المجلة.وقد عجبت لبعض الكتاب المعروفين بالغيرة على الأخلاق، والتنديد بالخلاعة والمجون، وبدع العصر الحاضر،إذ رأيت المجلة  التي يشرف عليها تنشر من الصور والكلام مالايلائم آراءه، ويوافق مواعظه”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات(من وحي الرسالة ج1 ص163):

“ويطغى الأدب كما طغيت يانيل فلا يكترث للقواعد،ولا يَعوج بالأصول،ولايحفل بالمنطق، ولايأبه للخلق،ثم يرغي بالبذاء، ويُزبد بالهراء،ويطفح باللغو، وكان الأدب الطاغي مثلك يانيل عذب الشمائل سهل الشريعة،فروي الناس من نبعه،وبردت أكبادهم على نداه،ثم انتكس المجتمع وانقلبت الأوضاع وفسدت المقاييس، واستفاضت الدعوى ،وتبجح الغرور،واستبهم الأمر،فرأى سلاطة اللسان أجدى عليه من براعة الذهن والتواء الفكر أنفع له من سلامة القياس،ولؤم الوقيعة أشد لسلطانه من كرم النفس، وشهوة الجدل أقرب إلى قلبه من حب الحقيقة. وفي العهود التي تسطو فيهااليد،ويستخذي القانون، يسلط فيها اللسان ويستكين المنطق! ثم يكن لمثل هذا الطغيان تكرُّم الأدباء على مقام المسافهة، ضناً بأخلاقهم على الغمز،وفي التاريخ السياسي والأدبي يانيل أمثال واشباه! ولكنها تنحسر كلها عن جوهر الحق ومحض الخير ولباب الجمال، كما تنحسر أنت عن هذه السواحل والجزر والقرى بحكم الطبيعة ومشيئة الله”.

ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(مجلة الثقافة العدد 345 ):

“إذا رأيت المهاترات الصحفية تنزل إلى الحضيض في السباب والشتائم والفضائح ورأيت إقبال الجمهور عليها كثيراً وأنها تقابل بالترحيب فاحكم على ذوق الأمة الأدبي بالضعف كما تحكم على الأسرة التي يتساب أطفالها بكل ألفاظ الهجر على مسمع من آبائهم بالانحطاط،لأن الذوق الراقي لا يحب الهجاء الصريح ولا الهجاء العنيف،إنما أقصى ما يسمح باللمحة الدالة والإشارة المفهمة.

كذلك إن رأيت مجلات الجمهور إنما تعنى بالمسائل الجنسية أكثر مما تعنى بالناحية الثقافية،وبالصور الخليعة أكثر مما تعنى بالصور الرفيعة دل هذا على انحطاط الذوق الأدبي للجمهور،لأن هناك في الحياة أموراً أكثر من نظرة الرجل إلى المرأة أو المرأة إلى الرجل”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في مقال له بعنوان:كلمة في الأدب:

“نعم ، أنا أقدّر الأدب،ولكن هل تريدون مني أن أقدّر شعر بودلير وقصص أندريه جيد،وأن أقدّر بيرون الذي بدأ بالحب قبل أن يتعلم أحرف الهجاء،ففسق وهو في السابعة وأحبّ الغلمان الحسان الأماليد،ثم انتهى به الأمر أن أحب أخته،أخته ياسادة،حباً أثمر حَبَلاً؟! أتريدون أن أغتفر له هذا كله وأن أصفق له وأعدّه مع العباقرة الخالدين،لأنه استطاع أن يصف هذه الأعمال بكلام بليغ؟

إن كان هذا هو الأدب فاشهدوا عليَّ أن طلقت الأدب طلاقاً ثلاثاً لا رجعة فيه،وسامحكم الله بالسنين الأربعين التي أنفقتها في تحصيله وفي صنعه.

لعنة الله على الشعر الجميل والوصف العبقري إن كان لا يجىء إلا بذهاب الدين والفضيلة والعفاف،وعلى كل أديب يُفسد عليَّ ديني ويَذهب بعرضي ويحقّر مقدساتي ليقول كلاماً حلواً.وهل تعوّض عليّ لذتي بحلاوة الكلام،الدينَ الذي فسد والعرضَ الذي ذهب والمقدسات التي مُرّغت بالوحل والتراب”.

ويقول الأستاذ توفيق الحكيم(الرسالة العدد 93):

“قرأت لتسع سنوات خلت قصة فولتير التمثيلية(محمد)،فخجلت أن يكون كاتبها معدوداً من أصحاب الفكر الحر.فقد سبّ فيها النبي صلى الله عليه وسلم سباً قبيحاً عجبت له.وما أدركت له علة،لكن عجبي لم يطل،فقد رأيته يهديها إلى بنوا الرابع عشر(بابا النصارى) بهذه العبارات:”فلتستغفرقداستك لعبد خاضع من أشد الناس إعجاباً بالفضيلة،إذا تجرأ فقدم إلى رئيس الديانة الحقيقة ما كتبه ضد مؤسس ديانة كاذبة بربرية.وإلى من غير وكيل رب السلام،والحقيقة أستطيع أن أتوجه بنقدي قسوة نبي كاذب وأغلاطه؟فلتأذن لي قداستك في أن أضع عند قدميك الكتاب ومؤلف،وأن أجرؤ على سؤالك الحماية والبركة.وإني مع الإجلال العميق أجثو وأقبل قدميك القدسيتين”[فولتير 17 أغسطس 1745).

وعلمت في ذلك الحين أن جاك روسو كان يتناول بالنقد أعمال فولتير التمثيلية،فاطلعت على ما قال في قصة(محمد)علني أجد ما يرد الحق إلى نصابه،فلم أر هذا المفكر الحر أيضاً يدفع عن النبي ما ألصق به كذباً،وكأن الأمر لا يعنيه،وكأن ما قيل في النبي لا غبار عليه ولا حرج فيه،ولم يتعرض للقصة إلا لامن حيث هي أدب وفن.ولقد قرأت بعد ذلك رد البابا بنوا على فولتير،فألفيته رداً رقيقاً كيساً لا يشير بكلمة واحدة إلى الدين،وكله حديث في الأدب.فعظم عجبي لأمر فولتير،وسألت نفسي طويلاً:أيستطيع عقل مثقف كعقل هذا الكاتب العظيم أن يعتقد ما يقول.دين تبعه آلاف الملايين من البشر على مدى الأجيال،هو في نظره حقاً دين كاذب؟ومبادىء إنسانية كالتي جاء بها الإسلام،هي عنده حقاً مبادىء بربرية؟أم أنه التملق والزلفى والنفاق.وإن الزمن والتاريخ يضعان أحياناً أقنعة زائفة على نفوس تزعم أنها خلقت للدفاع عن حرية الفكر…

منذ ذلك اليوم وأنا أحس كأني فجعت في شىء عزيز لدي:الإيمان بنزاهة الفكر الحر.ولقد كنت أحياناً ألتمس الأعذار لفولتير،وأزعم أنه قال ما قال لا عن مجاملة أو ملق،بل عن عقيدة وحسن طوية استناداً على علم خاطىء بأخبار النبي،ولكن كتابه إلى البابا كان يتهمه اتهاماً صارخاًنويدع مجااً للشك في دخية أمره.إني قرأت لفولتير كتباً أخرى كانت تكشف عن آراء حرة حقيقة في مسائل الأديان،وتنم عن روح واسعة الآفاق تكره التعصب الذميم،فما باله عند عرض لذكر محمد والإسلام كتب شيئاً هو التعصب بعينه،تعصب لدينه ،ذهب فيه إلى حد السجود وتقبيل الأقدام، لا لربّ العزة والخلق،بل لبشر هو رئيس الكنيسة التي ما أرى فولتير كان في ذات يوم من خدامها المخلصين.هي الأطماع التي كانت تدفع فولتير إلى التمسح بأعتاب الملوك والبابوات،ولقد يقدم ثمناً لذلك أفكاره الحرة أحياناً.منذ ذلك الحين وفولتير عندي متهم،ولن أبرئه أبداً،ولن أعده أبداً من بين أولئك العظام الذين عاشوا بالفكر وحده وللفكر.وأحسب أن التاريخ العادل سوف يحكم عليه هذا الحكم،فينتقم للحق بما افتراه على نبي كريم ظلماً وزوراً”.

 

ويقول الأستاذ احمد حسن الزيات رحمه الله ” تحت عنوان “أدب السندوتش(مجلة الرسالة العدد 206 بتاريخ 14 حزيران عام 1937):

لعلك تقول لنفسك سائلاً أو هازلاً ما علاقة الأدب بالسندوتش؟ولو كنت أريد الأدب الذي تعارفه أو الجد من الناس لأعيا نفسك وأعياني أن ندلك على هذه العلاقة.ولكنني أريد الأدب الذي تتأدبّه ناشئة اليوم،والسندوتش أو الشطيرتان بينهما الكامخ كما يريدون أن نقول، لقيمات تشتريها وأنت واقف في المطعم، وتأكلها وأنت ماش في الطريق،وتهضمها وأنت قاعد في المكتب،فلا تجد لها بين ذهول العجلة وتفكير العمل هناءة في ذوقك ولامراءة في جوفك.وهذا الضرب من الطعام القائم على القطف والخطف جنى على الأسرة فحرمها لذة المؤاكلة ومتعة المنادمة وأنس العشرة،وجنى على المائدة فسلبها فنها الطاهي وذوقها المنظم وجلستها البهيجة،وجنى على الصحة فأضعف الشهوة وأفسد الهضم ونقص العافية.والثقافة الأدبية اليوم لاتختلف في سرعتها وتفاهتها وفسادها عن هذا النوع الجديد من الأكل،فهي نتفات من الكتب،ولقفات من الصحف، وخطفات من الأحاديث، ومطالعات في القهوة أو في الترام أو في السرير يلقط الكلم فيها النظر الخاطف،كما يلقط الحب الطائر الفزع،ثم نتاج مختصر معتسر كجنين الحامل أسقطته قبل التمام،وصراخ مزعج في أذني هذا السقط ليستهل وهو مضغة من اللحم المسيخ لا تشعر ولاتنبض، وأصبح مآل غرفة المكتب في البيت كمآل غرفة الطعام وقاعة الجلوس فيه،بغى عليها سندوتش الصحيفة كما بغى على هاتين سندوتش البار والقهوة.

ويتابع رحمه الله:

“يقول أنصار السندوتش في الحياة:إن المائدة لاتتفق مع الزمن الدافق والعمل المتصل والتطور المستمر والحركة السريعة،فإن في طول الجلوس إليها،وقواعد الأكل عليها،وتعدد الألوان فيها،واحتفال الأسرة لها،إضاعة للمال والوقت،وقتلاً للنشاط والحركة،وجلباً للسقام والمرض.

ويقول أنصار السندوتش في الأدب:إن قواعد اللغة قيود لاتوافق حرية العصر،وأساليب البلاغة عوائق لاتجاري قراءة السرعة،وبدائع الفن شواغل لاتساعد وفرة الإنتاج.

والحق الصريح أن آكلي السندوتش أعجلتهم محاقر العمل ومشاغل الرزق عن النعيم الآمن، والجمام الخصب، والبيت المطمئن، فجعلوا صعلكة المطاعم نظاماً وفلسفة،وأن قارئي السندوتش صرفتهم وعوثة الطريق وتكاليف الغاية عن اكتساب الملكة، وتحصيل الأداة وتوفير المعرفة،فقنعوا بهذا الفتات المتخلف ثم تجشئوا من غير شبع،وتشدقوا من غير علم ،وطلبوا محوا القيود والحدود والمقاييس ليصبح الأدب كوناً عاماً والفن حمى مباحاً،فيسموا راوي الأقاويل قصصياً ووزان التفاعيل شاعرا،ونهاش الأعراض ناقداً،وسلاب القرائح نابغة،ولكن الطبيعة التي تحفظ سر الكمال،وتحمي ندرة البلوغ، وتبغي بقاء الأصلح، تأبى إلا أن يظل قراء السندوتش وآكلو السندوتش فقراء ذوي عمل، أو أغنياء ذوي لهو،لاتهيئهم الحياة المضطربة إلى زعامة في أمر ولا إلى نبوغ في فكرة.

ويتابع رحمه الله:

“إن رسالة الأدباء كرسالة الأنبياء فيها عبقرية وجلالة وسمو.فإذا لم يكن الكاتب أو الشاعر خليقاً أن يسيطر على العقول والميول بمكانه في العلم وسلطانه في الأدب ورجحانه في الرأي كان أشبه بمن يدعي النبوة في مكة،أو بمن يمارس الشعوذة في لندن”.

ويُعّقب الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد على كلام الأستاذ الزيات(الرسالة العدد 209):

“أدب السندوتش هو أدب الفاقة والعجلة،وأدب المائدة هو أدب اليسار والوقار، كما سماهما الكاتب البليغ الأستاذ الزيات وأصاب في التسمية.لأنها تسمية وتوصيف وتعليل في وقت واحد.

وفي العالم كله نوازع شتى تنزع بالناس إلى الأدب الرخيص أو أدب السندوتش أو أدب الفاقة والعجلة.

وفي البلاد الفاشية يتحكم المستبدون في أذواق الكتاب والشعراء فلا يذعن لعسفهم واستبدادهم إلا طائفة من المرتزقة المتزلفين الذين لايقدرون على الأدب القيم،ولو أبيح لهم أن يطرقوه ويتوسعوا فيه، فهم أحرى أن يعجزوا عنه وهم مكبوحون مسوقون بالرهبة والإغراء”.

ويقول العقاد في مقال آخر(الرسالة العدد 211):

“شر الآداب هو أدب الموافقة والمجاراة،لكننا نخطئ إذا حسبنا الحكومات الغاشمة علّة هذا الأدب دون سائر العلل التي تفرضه على الكتاب والقراء.

فالأدب التجاري أدب موافقة ومجاراة وإن لم تفرضه حكومة ولم يطلبه حاكم غاشم.لأن الذي يكتب للرواج يكتب ما يوافق الأذواق ويجاري الأهواء ولايكتب ما ينبعث من سليقة حرة وقريحة شاعرة،والذنب في ذلك على الأخلاق لا على القوانين.

والأدب الضعيف أدب موافقة ومجاراة وإن لم تفرضه ولم يطلبه حاكم غاشم، لأن النفس الضعيفة لن تهتدي إلى القوة ولو أخلى لها الحاكم طريقها.فهي توافق وتجاري عجزاً عن الخلاف والانفراد،لا خوفاً من التفكير المطلق والقول الصريح.

والأدب الجامد أدب موافقة ومجاراة،لأنه ينافر الحركة ويوافق السكون والركود.

والأدب الذليل أدب موافقة ومجاراة،لأن الذليل لايحسن غير التمليق والازدلاف،ولن يكون الملق إلا بالموافقة ولو كانت غير مأجورة،وبالمجاراة ولو كانت غير مشكورة.

وما من عيب تعيله على أدب من الآداب إلا انتهى في قراره إلى أن يكون ضرباً من الموافقة ونقصاً في الحرية والإبداع،فالموافقة لاجديد فيها ولا حاجة إليها ولادوام لها،وإنما تولع النفوس بالأدب لأنها متغيرة وليست براكدة، ولانها متطلعة وليست بعمياء، وكيف يتفق التغير والمطابقة؟وكيف يتمشى التطلع والاستقرار؟”.

ومن بعض أشكال الأدب المجاري والمنافق مايكون من خلال بعض الكتاب والفنانين والصحفيين حيث يسمح لهم الحاكم باستعمال بعض الرموز من كتابة أو قصة أو فيلم أو مسرحية أو مسلسل.. ويتخلل بعض ذلك من استعمال النكت والسخرية من أجواء السلطة والمتحكّمين ـ وبدون طبعاً التصريح أو التلميح برأس السلطة ـ ويكون ذلك بقدرٍ معيّن ومساحة محدودة وتعابير مضبوطة.

إنهم يدعون للمستبد القاهر ويثنون عليه، على الرغم من أنه أحمق مأفون بليد الطبع، يستحق الصفع ولكنه لايجد اليد الغليظة التي تصفعه،وهم يعلمون أن هذا المستبد المتسلط لايحب الوعاظ ولا يألف العلماء والحكماء، ولكنه يحب المهرجين والمسخاء ويألف المتزلفين المداهنين ،وقرّب منه الثرثارين الأفاكين.

يقول العقاد في مقال له(الرسالة العدد288):

“إن النكتة تلطف وطأة الظلم وتوهم المظلوم أنه ينتقم لنفسه بعض الانتقام فتهوّن عليه الشدائد وتروضه على الصبروالانتظار،فهي من ثم معين للحكام على المحكومين.

إلا أن النكتة قذ تزري بالمهابة وتعصف بالرهبة وتجعل الحاكم المخيف أضحوكة في الأفواه ومهزلة للسامرين ،فهي من ثم مضعف لسلطانه ومجرئ على مقامه ومحرض على الثورة والانتفاض.

هي بلسم للمظلومين فهي مقبولة.وهي سلاح للمظلومين فهي مرهوبة.

فماذا يحسن بالحاكم المستبد أن يصنع مع هؤلاء المازحين؟

ليس لهذا السؤال جواب فاصل فيما أحسب،ولكني أقرر الحقيقة إذا قلت إن المحكومين لايحاربون الظلم بالفكاهات والنكات إلا إذا كان للصبر بقية،وفي قوس الاحتمال منزع كما يقولون ،وإن الحاكمين لايتسمحون في قبول الفكاهات والنكات إلا إذا كان للقوة بقية وللثقة بدوام السلطان مجال فسيح.

أما إذا ضاقت الصدور ونفذت الحيل فالمحكومون لا يعتصمون بالفكاهة والتنكيت بل يغضبون ويثورون.

وكذلك إذا ضاعت ثقة الحاكم بدوام سلطانه لم يصبر على السخرية والمزاح،وعالج الحجر عليها عسى أن يستعيد شيئاً من المهابة والامتناع”.

وأحد أشكال الأدب في عهود الفاسدين المفسدين،والإباحيين الظلاميين ما يسمى” أدب اللذة“، ولنترك الكاتب الكبير أحمد حسن الزيات يحدثنا عنه(الرسالة العدد 882 بتاريخ 29 أيار عام 1950):

“والمراد بأدب اللذة هو الأدب الذي يلذ ولايفيد،ويسوغ ولايغذي، ويشغل ولاينبه،كالذي تقرأه في أغلب الصحف وفي بعض الكتب من غرائب الأخبار، وطرائف النوادر، وتوافه المعارف،مما يجذبك عرضه ويلذك تصويره ويلهيك موضوعه،فإذا فرغت من قراءته وصحوت من خدره، لا تجد له أثراً في نفسك ولا حاصلاً في ذهنك”.

ومن أحد أشكال أدب العبيد مايسمى أيضاً “أدب المجون”،يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات(الرسالة العدد 883 بتاريخ الخامس من حزيران عام 1950:”

“أدب المجون يختلف عن أدب اللذة في الدواعي التي تدعو إليه، وفي الدواهي التي تنجم عنه.فمن دواعي أدب اللذة عامية الذهن، أو سطحية الفكر،أو سآمة الجد،وهي أعراض طارئة مصيرها إلى الزوال، وانحراف عن الطبيعة مآله إلى الاعتدال.ومن دواهيه أنه يلفظ أهله على ساحل الحياة فلا يخوضون العباب ولا يغوصون في الجوهر، ويدفعهم إلى هامش الوجود فلا يكون لهم في متنه مكان يرمق ولا شأن يذكر.

ولكن دواعي أدب المجون تنفيس عن رغبة مكظومة، أو التعبير عن عاطفة جائشة،والتحرر من التزامات مقيدة،وهي خواص في طبع الإنسان،تلزم لزوم البكاء والضحك له،وتدوم دوام الجد والهزل فيه.وأقل دواهيه أن تزول الحدود بين المعروف والمنكر،فلا يكون فارق بين حلال وحرام ،ولا بين نظام وفوضى،ولابين إنسان وحيوان.

أدب المجون إذن خاصة تلزم لا عرض ينفك.وذلك أن حياة الإنسان من لوازمها الحياء والوقاحة،والعفة والفجور،والاحتشام والتبسط، والتصون والتبذل، والأدب صورة لهذه المتناقضات جميعاً.فالفنان الشاعر أو الكاتب أو المصور لابد أن يعبر بطريقته الخاصة عن كل مايجول في نفسه أو يقع تحت حسه، وكلما كان هذا التعبير صادقاً كان أدخل في باب الفن،وأوغل في طريق الكمال.من أجل ذلك كان أدب المجون ثابت الوجود في أدب العالم كله.وهو في الأدب العربي عريق الأصل، ظهر منذ قال العرب الشعر ورووا منه لامية امرئ القيس،ودالية النابغة،ورائية بشار،وغزوات ابن أبي ربيعة،وفواحش أبي نواس،ومنتديات ابن الياس،ومخازي ابن سكرة،وأحماض ابن حجاج.وظل الأدباء في كل زمان ومكان ينظمون المجون وينثرونه”.

ويتابع الأستاذ الزيات(الرسالة العدد884):”هتك بشار في بعض شعره ستر الحشمة فنقم الناس منه ذلك وتمنوا موته صوناً للعذارى وغيره من المخدرات.وقال مالك بن دينار:”ماشيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الاعمى الملحد”وانتهى المجون ببشار إلى أن أمر به الخليفة المهدي فضرب بالسوط حتى هلك.واستهتر أبو نواس في الغزل واسترسل في الفجور حتى حبسه الخليفة الأمين، ولم يكاد يخرج من ظلام الحبس، حتى دخل في ظلام الرمس”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله في مقال بعنون”الأدب الحرام”: نشره في مجلة الرسالة العدد 1111 بتاريخ 29 نيسان عام 1965م:

“الأدب عطر النفس الزكية وشعاع الروح اللطيف،ينفح الحس فيزكيه،ويضىء العقل فيهديه،وهو الجزء الروحي من كل نفس،والقبس الإلهي في كل قلب،والخصيصة الإنسانية التي تميز بها آدم من كل حي.بلغت رسالات الله إلى خلقه بلسانه،وانجلت عمايات النفوس بنوره،وهدهدت آلام الخليقة بأنغامه،ورسمت المثل العليا للناس بوساوس أحلامه:

ولولا خِلال سنّها الشعر ما درى     بناة المعالي كيف تُبنى المكارم

على أن هذه الملكة اللطيفة قد تنحرف باختلال العقل أو انحلال الخلق فتصبح فناً لا أدباً،وهوىً لا عقلاً وغريزةً لا خُلقاً،وصناعةً لا طبيعة.وحينئذ تنزل إلى دنيا الواقع،فتصور المباذل بريشة الفنان،وتصف الرذائل بقلم الأديب.

هذا الانحراف الأدبي قد فشا في أوربا بعد الحربين العالميتين فنشأ عنه نوعان من الأدب أحدهما أدب اللذة وأمره يسير،والآخر أدب المجون وأثره خطير.

فأما أدب اللذة :فهو أدب يلذ ولا يفيد،ويسوغ ولا يغذى،ويشغل ولا ينبه،كالذي تقرأه في أكثر الصحف وبعض القصص مما يجذبك عرضه ويلذك تصويره ويلهيك موضوعه فإذا فرغت من قراءته لا تجد له رجعاً في نفسك ولا حاصلاً في ذهنك…

طغى هذا الأدب على الأقلام في أوربا بعد الحرب فهزم الكتاب النافع،وطرد البحث المفيد،فثارت ثائرة أقطاب الكتابة وأنحو بالنكر على معالجيه ومروجيه،وحاولوا أن يفتحوا أعين الناس على أخطاره بما نشروا وأذاعوا،ولكن العلة كانت أفدح مما ظنوا،فإن الأعصاب التي أوهنتها الحرب بفظائعها وفواجعها وتوابعها لم تعد قادرة على معاناة الجد واحتمال التقصي،فرجعوا يتحاورون ويتشاورون ويطلب بعضهم إلى بعض أن يدسوا الفائدة في اللذة،ويمزجوا المرارة بالحلاوة تهويناً على الأعصاب المنهكة وتسكيناً للنفوس القلقة.

ذلك هناك.أما هنا فالأمر مختلف:لا أعصابنا موهونة من حرب ولا نفوسنا قلقة من ضيق.إنما هي الثقافة الضحلة والأمية الفاشية والتربية المهملة والصبر الفارغ والطبع السئوم والوقت المضيع،والحياة الهازلة.

خير ما في المدرسة الألعاب،وخير ما في المجلس النكت،وخير ما في الكتاب الأفاكيه،وخير ما في الصحيفة الصور،وخير ما في النزهة التهريج!

وأما أدب المجون أو الفحش:فيختلف عن أدب اللذة في الدواعي التي تدعو إليه،وفي الدواهي التي تنجم عنه.

فمن دواعي أدب اللذة عامية الذهن أو سطحية الفكر أو سآمة الجد.وهي أعراض طارئة مصيرها إلى الزوال،وانحراف عن الطبيعة مآله إلى الاعتدال.ومن دواهيه أنه يلفظ أهله على ساحل الحياة فلا يخوضون العباب ولا يغوصون على الجوهر،ويدفعهم إلى هامش الوجود فلا يكون لهم في متنه مكان يرمق ولا شأن يُذكر.

ولكن دواعي أدب المجون التنفيس عن رغبة مكظومة أو التعبير عن عاطفة جائشة والتحرر من التزامات مقيدة.وهي خواص في طبع الإنسان تلزم لزوم البكاء والضحك،وتدوم دوام الهزل والجد،وأقل دواهيه أن تزول الحدود بين المعروف والمنكر،فلا يكون فارق بين حلال وحرام ولا بين نظام وفوضى ولا بين إنسان وحيوان.

أدب المجون اذن خاصة تلزم لا عرض ينفك.ذلك لأن حياة الإنسان من لوازمها الحياء والوقاحة والعفة والفجور والاحتشام والتبسط والتصون والتبذل.والأدب المطلق صورة لهذه المتناقضات جميعاً فالفنان الشاعر أو الكاتب أو المصور لابد أن يعبر بطريقته الخاصة عن كل ما يجول في نفسه أو يقع تحت حسه”.

ومن بعض أشكال عبيد القلم أتباع الطغاة وعبيد الهوى مايسمى “أدب الانحلال” ولنترك الشهيد سيد قطب رحمه الله يحدّثنا عنه في مقالة له تحت عنوان “أدب الانحلال”(الرسالة العدد999 بتاريخ 25 أب عام 1952):

“أدب الانحلال هو في الغالب أدب العبيد،عبيد الطغيان أو عبيد الشهوات حين تستذل النفس البشرية لطاغية من طغاة الارض، أو لشهوة من شهوات الجسد،فإنها تعجز عن التحليق في جو الحرية الطليق، وتلصق بتراب الارض، وترتكس في وحل المستنقع، مستنقع الشهوات أو مستنقع العبودية سواء،فأدب الإنحلال على هذا هو أدب العبودية، وهو لايروج إلا حين تفرغ الشعوب من الرغبة أو من القدرة على الكفاح في سبيل مثلٍ أعلى،مثل أرفع من شهوة الجسد، وأعلى من تملق الطغيان،لتحقيق مطمع صغير أو مطمع حقير،أي عندما تصبح الدنيا سيجارة وكأساً أو تصبح الحظوة عند الطغاة أمنية المتمني في دنيا الناس”.

عندئذ يظهر في الأمة كتاب، ويظهر في الأمة شعراء،ويظهر في الأمة فنانون…يلبون هذا الفراغ من المثل العليا، ويمثلون هذا الرتكاس في حمأة الشهوة أو حمأة العبودية، وعندئذ يستمع إلى هؤلاء الكتاب والشعراء والفنانين، لأنهم يصورون مشاعرهم، ويصورون أحلامهم، ويزينون لهم الراحة من الكفاحن والاطمئنان إلى الدعة،والإخلاد إلى حياة الفراغ والترهل والانحلال.

إن هؤلاء الكتاب والشعراء والفنانين ليقومون حيئذ بمهمة تخدير الشعوب وتنويمها.سواء سبحوا بحمد الطغاة، أو سبحوا بحمد الشهوات. فأما حين يسبحون بحمد الطغاة فهم يزيفون الواقع عن الشعوب، ويخفون عنها شناعة الطغيان وقبحه،ويصدونها عن الثورة عليه أو الوقوف في وجههز وأما حين يسبحون بحمد الشهوات، فهم يخدرون مشاعر الشعوب،ويستنفدون طاقتها في الرجس والدنس،ويدغدغون غرائزها فتظل مشغولة بهذه الدغدغة،لا تفكر في شأن عام،ولاتحس بظلم واقع،ولاتنتفض في وجه طاغية لتناديه:مكانك. فنحن هنا!فالشعب المستغرق في ذلك الخدر اللذيذ ليس هنا،وليس كذلك هناك!

والتاريخ يشهد أن الطغيان يميل دائماً لهذا الصنف من الكتاب والشعراء والفنانين،ويهيء لهم الوسائل،ويخلق لهم الجو الذي يسمح لهم بالعمل. جو الفراغ والترف والانحلال.

عندما أراد الأمويون أن يأمنوا أهل الحجاز، وأن يستبدوا دونهم بالملك،وأن ينحوهم عن الحياة العامة،غمروا سادتهم وأشرافهم بالمال والإقطاعيات والهبات،وجلبوا إليهم المغنين،والملهين والجواري وزينوالهم  حياة الدعة والترف. وأطلقوا عليهم الشعراء يمدحون الملوك الطغاة ويسبحون بحمدهم،ويصوغون حولهم الهالات.

والتاريخ يعيد نفسه.وهكذا كان في حاضر الأوان.كان في مصر طاغية صغير، كان يعبد ذاته،ويقدس شهواته.وكان يريد أن يحول هذا الشعب إلى عشرين مليوناً من العبيد.

عندئذ انطلق كتاب وشعراء وفنانون يسبحون بحمد الطاغية الصغير، ويسجدون له من دون الله. ويخلعون عليه من صفات الله. سبحانه! مالا يجرؤ مسلم أو مسيحي على النطق به. حياء من الله.

وحينئذ انطلق كذلك كتاب وشعراء وفنانون يسبحون بحمد الشهوة، ويعبدون اللذة. وعندئذ استمع الناس إلى أغنيات تقول:”الدنيا سيجارة وكأس”، و”انسى الدنيا” وما إلى ذلك من أدناس وأرجاس.

إن التسبيح بحمد الطاغية، والتسبيح بحمد الشهوة، لم يكونا منفصلين، ولا غريباً أحدهما عن الآخر..لقد كانت فترة انحلال. وأدب انحلال. إنها العبودية ذات طبيعة واحدة. عبودية الشهوة أو عبودية الطغيان.

فإذا نحن أردنا أن نكافح أدب الانحلال فيجب أن نكافح أولاً أسبابه في حياة الأفراد أو حياة الشعوب.يجب أن نكافح روح العبودية في الضمير الإنساني. نكافح عبودية الشهوة فنحرر الضمير البشري من الخضوع لها. فالإنسان إنما صارإنساناً بتعاليه على ضرورات الحيوان.والتربية الدينية هي الطريق الأنجع والأقرب إلى تقوية روح الإنسان،وتساميه على ضرورات الحيوان.ونكافح عبودية الطغيان. فالطغيان يحمل معه دائماً تشجيع الانحلال والدعة والترهل.كي يبقى هو في أمان من انتفاض الكرامة وانبثاق الحرية، والانتقاض على العسف والطغيان.

لقد عاد الذين كانوا يسبحون بحمد الطاغية الصغير،ويملون له في البغي والعدوان،ويمجدون اسمه ويخلعون عليه من صفات الله الواحد القهار…عاد هؤلاء هم بأنفسهم يلعنون الطاغية ويطلقون ألسنتهم فيه، ويمزقون عنه أردية المجد الزائفة التي ألبسوها إياه.

هذا نفسه لون من ألوان الانحلال.وصورة أخرى لأدب الانحلال.هؤلاء لم يخرجوا في الأولى أو الثانية عن أن يكونوا عبيداً منحلين. عبيداً يحنون ظهورهم لسوط السيد يلهب به جلودهم. فلما أن سقط السوط من يده ـ رغم أنفه ـ التقطه العبيد وادروا به يبحثون لهم عن سيد جديد! سيد يلهب جلودهم بالسوط، ليحرقوا له البخور، وينثروا من حوله الزهور”.

ومن وسائل النظم الاستبدادية والطاغية أنها تدفع بعض المنتفعين ممن يسمون حملة “الأقلام الحرة”وما هم بأحرار وماهم بكتاب،وإنما يتصدون لبعض المواضيع الدينية والخلقية والتي تعتبر من الأصول المتعارف عليها ولا ينتطح فيها عنزان،ويأتي هؤلاء مدفوعون بالشهرة وكسب المنصب واسترضاء الحاكم ليدلوا بدلائهم ويشهروا اقلامهم ويثيروا المجتمع عليهم من أجل الربح السفيه والمنصب السخيف،عرفنا هذا يوم كتب طه حسين كتابه “في الشعر الجاهلي” والذي أقام عليه الأدب والدين في مصر حتى أن علماء الأزهر كفروه إن لم يتراجع عن أرائه،والتي أخذها واستقاها من المستشرقين الحاقدين على الإسلام والدين،وهناك في عصرنا الحاضر وفي كل العصور الكثيثر من أمثال هؤلاء الذين يبيعون ضميرهم وقلمهم من أجل حفنة من الدولارات!وهؤلاء لايلقون الدعم المادي والمعنوي من هؤلاء الحكام الطغاة بل قد يلقونه أيضاً من بعض المؤسسات الدولية والعالمية والتي لاتريد للإسلام الخير.

يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب في أمثال هؤلاء المندسين من الكتاب بمناسبة أحد الكتاب في ذلك الوقت:(الرسالة العدد702)

“وجدت أنه من المهانة للفكر أن أنزلق فأكتب عن كتاب تافه مريب مسروق ،يسلك صاحبه هذا الاسلوب في الاحتيال لبعث الاهتمام به،وإثارة الضجة حوله،كما أنه يثبت على غلافه شهادة من نفسه لنفسه،هذه الجملة المتبجحة:(سيقول مؤرخو الفكر:إنهبهذا الكتاب بدأت الأمم العربية تبصر طريق العقل)!

إن هذا الكاتب(المندس) يتهم العقلية الإسلامية بأن هذه هي أهم مشكلاتها وعقائدها دائماً أبداً ليصل من هذا الطريق الملتوي إلى تحقير هذه العقلية في جميع الأزمان،وإلى إيثار العقلية الأوربية لأنها خلعت ربقة الدين،وربقة الخلق،وربقة التطلع غلى الله،وانطلقت تهدف إلى الارض وحدها،ولا تعلق نظرها مرة واحدة بالسماء،لأن التطلع إلى الله كفيل بإفساد الحياة.

ويتابع رحمه الله:”وفي ثنايا هذا الذي يبدو تحرراً فكرياً في ظاهره،يخدع المخدوعين ممن يحسون التحرر الفكري مجرد التحلل من الأديان والأخلاق على أي وضع من الاوضاع،في ثنايا هذا يدس ما لعل الكتاب كله الف لأجله:يدس الإيحاء للشرق العربي المسلم بأن لا حق له في كراهية الاستعمار والمستعمرين،لأنهم ورثة الأرض الذين يستحقون كنوزها وخيراتها،لأنهم يتطلعون إلى الأرض وأسبابها، ولا يعلقون أنظارهم بالله ولا بالسماء”.

يقول الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد 193):

“قد انتهينا في الأدب إلى نهاية صحافية عجيبة،فأصبح كل من يكتب ينشر له،وكل من ينشر له يعد نفسه أديبا،وكل من عدّ نفسه أديباً جاز له أن يكون صاحب مذهب وأن يقول في مذهبه ويرد على مذهب غيره.

فعندنا اليوم كلمات ضخمة تدور في الصحف بين الأدباء كما تدور أسماء المستعمرات بين السياسيين المتنازعين عليها،يتعلق بها الطمع وتنبعث لها الفتنة وتكون فيها الخصومة والعداوةنمنها قولهم:أدب الشيوخ وأدب الشباب،ودكتاتورية الأدب وديمقراطية الأدب،وادب الألفاظ وأدب الحياة،والجمود والتحول،والقديم والجديد.ثم ماذا وراء ذلك من أصحاب هذه المذاهب؟

وراء ذلك أن منهم أبا حنيفة ولكن بغير فقه،والشافعي ولكن بغير اجتهاد،ومالك ولكن بغير رواية،وابن حنبل ولكن بغير حديث.أسماء بينها وبين العمل أنها كذب عليه وأنه رد عليها.

ويتابع رحمه الله:”هذا فلان شاعر قد أحاط بالشعر عربيه وغربيه وهو ينظمه ويفتن في أغراضه ويولد ويسرق وينسخ ويمسخ،وهو عند نفسه الشاعر الذي فقدته كل أمة من تاريخها،ووقع في تاريخ العربية وحدها ابتلاء ومحنة،وهو ككل هؤلاء،المغرورين يحسبون أنهم لو كانوا في لغات غير العربية لظهروا نجوما،ولكن العربية جعلت كلا منهم حصاة بين الحصى.فإذا هو شعر تتوهم من قراءته تقطيع ثيابك،إذ تجاذب نفسك لتفر منه فراراً.

وهذا فلان الكاتب الذي والذي…والذي يرتفع إلى اقصى السموات على جناحي ذبابة.

وهذا فرعون الأدب الذي يقول:أنا ربكم الأعلى.وهذا فلان وهذا فلان”.

ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(مجلة المنار العدد449):

“لسنا نتحرج أن ننبه هنا إلى أصل هذا الجديد الذي يزعمونه ويتشدقون به.فكل فاسق وكل ملحد وكل مقلد أحد هذين وكل متهوس بإحدى هذه العلل الثلاث هو مجدد إذا جرى في انتحال الأدب العربي وتعاطيه مجرى التكذيب والرد والنقيصة والزراية عليه وعلى أهله والخبط بين أصوله وفروعه على أن لايستخرج من بحثه إلا ما يخالف إجماعاً،أو يعيب فضيلة،أو يغض من دين،أو ينقض أصلاً عربياً جزلاً بسخافة إفرنجية ركيكة،أو يحقر معنى من هذه المعاني التي ينظمها الجامدون أنصار القديم من القرآن فنازلا.وبالجملة فالتجديد أن تكون لصاً من لصوص الكتب الأوربية ثم لا تكون ذا دين أو لايكون فيك من الدين إلا اسمك الذي ضرب عليك فلا حيلة لك فيه ولا تستطيع أن تستدرك منه إلا في أولادك المساكين،ثم لا حاجة للجديد بإلحادك أو زيغك إلا إذا طبعت بأحدهما أو كليهما مسائل التاريخ الإسلامي والأدب العربي،وأفسدت الخالص بالممزوج،وحقرت الناس والمعاني وكنت حراً طليقاً من قيود السماء والأرض إذا صدرت أو وردت فتقول على قدر عقلك ثم تفعل على قدر زيغك.ثم تزيغ على قدر ما أنت قادر.

أما إن بحثت وقايست وتعقلت وكنت أذكى الناس وأبلغ الناس ثم كنت لاتستخرج من التاريخ والأدب إلا مايزينهما ويزيدهما ويكشف عن أسرارهما وحقائهما الصحيحة ولم تكن لص كتب أوروبية ومذاهب أوربية فالويل لك.فما أنت إلا قديم وما أنت إلا نفس حجرية ولو قدسك المسلمون تقديس الكعبة وحجرها،وإن العصر لفي غنى عنك وعن كتبك وآرائك لأن خمسة أو ستة أو خمسين أو ستين هم العصر وهم الامة وهم من التاريخ المترامي إلى المستقبل كالقطار فيه ما فيه من عربات تحمل من العروض على أجناسها  وأنواعها،ومن الناس على درجاتهم وطبقاتهم.ولكن الخمسة أو الستة وحدهم عربة الىلات والبخار وفحم نيو كاستل”.

وكما ذكرنا فإن وسائل الإعلام المُضلّلة تقف وراء هؤلاء الكتاب وتساعدهم في نشر أفكارهم المُخربة،وآرائهم المُدمرة،وتمنع الأقلام الحرّة الأبيّة من الرد عليها والنيل منها،وعلتهم في ذلك “حرية الفكر” كما يقولون،وهي في قاموسهم أن تشتم الأعراض والدين والأخلاق وكل ما تعارف عليه البشر من خير ومعروف،ولكن الحذار الحذار أن تتعرض للطاغوت وأعوانه،لإانت عندها قد لمست”الجاه”المبرئة من كل عيب!!

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 661):

“لست أدعو في هذه الكلمة إلى سلب الكتّاب حرية الكتابة،ولكني أدعو إلى الإبقاء على حرية الناس في التدوين والتخلق بكريم الأخلاق.وإن لكل حرية حدوداً،لا ينبغي لها أن تعدوها وإلا كانت حرية المجنون الذي يفعل ما شاء وشاء له الجنون.أنت حر في دارك ولكنك لا تستطيع أن تتخذ منها أتوناً للفحم ولا ماخوراً للفجور،ولا تستطيع أن تحرقها أو تنسفها بالبارود.وأنت حر في نفسك ولكنك لا تقدر أن تبسط سفرتك فتأكل في المحراب يوم الجمعة والناس في الصلاة،ولا تقد أن تلقي الصحون  وتصلي على المائدة ساعة الوليمة في الحفل الحاشد،أو أن تحضر المحاضرة بلباس الحمام،أو أن تصرخ في المستشفى أو تغني في المأتم.وأنت حر في قلمك،ولكنك لا تملك أن تدعو إلى هدم استقلال وطنك،والخروج على قوانين بلادك.إنهم يمنعونك ويسكتونك ويضربون إن فعلت على يدك.

فلماذا لا يمنعونك أن تكفر بالله،وتهدم الأخلاق،وتخرج الناس على الدين،والأخلاق اساس الاستقلال والدين أولى من القانون؟وكيف صح ذلك المنع،وساغ،ولم يمس حرمة هذه الحرية،ولم ينل من قدسيتها،ولا يصح هذا ولا يسوغ ولا يكون إلا عدواناً على حرية الكتابة،وإلحاداً فيها.

أو ليس من عمل الحكومة الذي كانت من أجله الحكومات أن تقرّ الأمن والسلام في الأمة،وتضمن لها العزّة والسيادة بين الأمم؟إنه لا يكون أمن أو تكون عزّة إلا بالخلق المتين وبالدين،فإن ذهبا لم يخلفهما شيء..وما القانون؟هو الشرطي..زفإن أمن العاصي أن يراه الشرطي أو يدري به القاضي،أو يناله العقاب،ركب في طريق الغواية رأسه فلم يردّه شيء،أما المؤمن فيردعه عن المعصية علمه أن الله مطّلع عليه في سره وعلنه،وأما صاحب الخلق فربما رده خلقهنوعصمه الله به،فلماذا نهدم بايدينا هذين الحصنين،وندع الضعف والهوان يدخلان علينا بدخول الإلحاد والفجور.

أو من العدل أن تحفظ الحكومة أموال الناس من اللصوص وتضيّع عقائدهم؟وتحمي جسمهم من القتلة وتبيح قلوبهم؟وتقيم الحراس يحرسون البيوت والأثاث وتدع أعراض البنات وأخلاق الصبيان هملاً يسرقها ويعبث بها،كل صحفي مفسد،وشاعر ماجن،وكاتب خبيث؟

سيقولون:حرية الكتابة…

نعم إنها حرية ينبغي أن تصان وتضمن،ولا يعتدى عليها،ولا ينال منها،ولكن الدين والأخلاقنينبغي كذلك أن يصانا وأن يضمنا،وألا يعتدى عليهما ولا ينال منهما،فإن تعارض الأمران،فلنحمل أخف الضررين،ولنقبل بأهون الشرين،وأهونهما أن نخسر حرية الكتابة(أحيانا) لنحفظ الدين والشرف،لا أن نخسر الدين والشرف لنحفظ(حرية الكتابة)ونقول لكل صاحب نِحلة ضالة،أو هوى خبيث،أو رأي هدّام:اكتب ما تريد واطبعه،وهاته نقرأه على أبنائنا وبناتنا،ونصبه في عقولهم وننشئهم عليه!

ويتابع رحمه الله:”فإذا تركت الحكومات الصحفيين والكتاب(أعني بعضهم) ينقض كل يوم حجراً من صرح الأخلاق،ويوهي جانباً وينشر في الناس حديث الشهوة،ويستكثر من القراء بإثارة أحطّ الغرائز البشرية،لم ننشيء والله إلا جيلاً رخواً ضعيفاً همّه شهوته،ومطلبه لذّته،قد ضاعت رجولته وذهبت قوته ثم نبني بهذا الجيل مجدنا ونقيم عزنا ونأخذ بين الأمم مكاننا!

إن المسألة أكبر من أن نلوك فيها هذه الألفاظ(حرية الكتابة)و(حرية الفكر)…إنها مسألة حياة أو موت!”.

وكثير من وسائل الإعلام الضالة المُضلة تعيش\من وراء التبرعات السخية لمؤسسات وجهات معادية للحق والإسلام،تصرف عليها وعلى هذه الاقلام الزانية بحق الدين والأخلاق وإن زنا القلم لأشدّ من زنا الجنس لأن خطره يتعدى ويصيب المئات وربما الملايين من البشر.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(كتاب البواكير):

“ورُبّ مقالة تنطق ـ لو نطقت ـ بخزي صاحبها ولعنه،ورُبّ كاتب ماخلقه الله في غيّه وضعفهِ إلا لتظهر منزلة البليغ في قوته واقتداره!وقلّ فيهم من يبصر مداخل الكلام ومخارجه ويميّز شريفه من مرذوله وبليغه من ساقطه.وما كلُّ من خطَّ بالقلم كاتباً،ولا كلُّ من لوّح بالسيف بطلاً”.

يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله(الرسالة العدد943 بتاريخ 30 تموز عام 1951):

“إن الصحف المصرية ـ إلا النادر القليل ـ مؤسسات دولية لا مصرية ولا عربية!مؤسسات تساهم فيها أقلام المخابرات البريطانية والأمريكية والفرنسية،والمصرية والعربية أخيراً!

مؤسسات تحرر صفحات كاملة منها بمعرفة أقلام المخابرات هذه لتروج في أوساط الجماهير.مؤسسات تخدم الراسمالية العالمية أكثر مما تخدم قضايا الشعوب العربية.وتخدم الاستعمار الخارجي والجهات الحاكمة قبل أن تخدم أوطانها وشعوبها الفقيرة.

وهذا هو السر في أن الدولة لا تفرض عليها القيود التي تفرضها على الكتب.لأن وراءها أقلام المخابرات ومصالح الرأسمالية العالمية،وهي كفيلة بأن تسندها،وتذلل لها العقبات وتفسح لها الطريق لنشر دعايتها المستورة في أطراف البلاد ىالعربية جميعاً.”.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

“إن قيلت كلمة الحق بفم واحد أو قلم واحد، قيلت كلمة الباطل بألف فم والف قلم ،واتصلت بالعيون والأسماع بمختلف وسائل الإعلام”.

ويقول شاعر النيل حافظ إبراهيم في هذه الصحافة المضللة الكاذبة:

جرائدُ ما خُطّ حرف بها                      لغير تفريق وتضليل

يحلو بها الكذب لأربابها                      كأنها أول إبريـــــــل

ويقول أيضاً:

وصحف تطن طنين الذباب                  وأخرى تشن على الأقرب

وماذا في صحائفكم                           سوى التمويه والكذب

ويقول أيضاً رحمه الله:

حطمت اليراع فلا تعجبي                   وعفت البيان فلا تعتبي

فما أنت يامصر دار الأديب                 وما أنت بالبلد الطيب

وكم فيك يا مصر من كاتب                 أقال اليراع ولم يكتب

فلا تعذليني لهذا السكوت                   فقد ضاق منك ما ضاق بي

أيعجبني منك يوم الوفاق                   سكوت الجماد، ولعب الصبي

وكم غضب الناس من قبلنا                لسلب الحقوق ولم نغضب

ويقول احد الشعراء في الأقلام المأجورة التي تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً:

في زُخرف القول تزيين لباطله             والحقُّ قد يعتريه سُوءُ تعبيـر

تقولُ:هذا مجاجُ النحــل تمدحهُ             وإن ذممته فقل: قئ الزنابير

مدحاً وذماً، وما جاوزتَ وصفهما       حُسن البيان يُري الظلماء كالنور

ويقول الشاعر محمد مصطفى حمام في وصف وسائل الإعلام المزيفة هذه:

ويح الشباب إذا الشيطان نازعهم          على العقول فأوهاها وألغاها

قـــد علمتـــهم أفانين الخنـــــــــا           غش بصائرها زيغ وأعماها

وشاشةٌ ضل راويها وعارضها         ومن يرسم الخنا والرجس جلاها

ومجـــرم في المذيـــاع لقنهم              ألحــان فحش وزكاها وغنـــاها

ووالـــد غافل لاه ومدرسة                 نظامها عن نظام الدين أقصاها

وثالثة الأثافي والطامة الكبرى عندما يوجه الطغيان بعضاً من حملة الأقلام المأجورة،والألسنة الكاذبة ويعهد إليهم بتأليف الكتب المدرسية والجامعية وخاصة في مجال الدين والثقافة والتاريخ فيتم تحريفها ،ويصبح الحق باطلاً والباطل حقاً،والمعروف منكراً والمنكر معروفاً،ويصبح الطاغية منافساً لعمر بن الخطاب في عدله،ولصلاح الدين في شجاعته،ويصبح الحزب الوهمي الساقط الخالي من المعاني والمبادىء هو حزب الأمة ونصير الشعوب والباعث على الحرية والتقدمية والوحدة!!!وكل ذلك من أجل أن تنشأ أجيال وطلائع لا تعرف تاريخها الحقيقي ولا تعرف الماضي المجيد،ويتم سلخها عن امتها وعروبتها ودينها..

يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله(الرسالة العدد 1001 بتاريخ الثامن من ايلول عام 1952):

“لقد تآمر جماعة من المرتزقة ـ من مؤلفي كتب التاريخ المدرسية،مع العهود الظالمة الباغية،على كتابة تاريخ مزور،يطمس الحقائق ويشوها”

ويتابع:”لقد آن أن نصحح التاريخ الذي زوره المزورون على هذه الأجيال الكثيرة.آن أن نصحح كتابة التاريخ الذي تدرسه الأجيال المقبلة،وكفانا تزويراً وتضليلا”.

إنها معركة لاتوازن فيها ولاهوادة، بين أقلام قليلة تنشد الحق وتطلبه،وبين أقلام كثيرة تنشد الباطل وتطالب به،ومع ذلك فإن مصير هذه المعركة وإن طال، مع الحقّ وإن قلّ أتباعه،وضد الباطل وإن كَثُر أعوانه.

يقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد 303):

“وإنما يترعرع الادب في ظلال الحرية،فإذا منع البغيُ أمة أو طائفة أن تبين عن آرائها وعواطفها وتعرب عن آلامها وأمالها،لا يزدهر فيها الأدب.وإذا اشتد الحجر على أمة فانبرى جماعة من أباتها يجاهدون في حريتها ويجالدون جبابرتها لم يكن لهم بدّ أن يتخذوا الأدب القوي لبث الدعوة وإيقاظ النفوس وتنفيرها من المذلة وحفزها إلى الإقدام ومجادلة الخصم بالحجة البالغة والبرهان الدامغ،فينشأ لهم أدب حيّ قويّ.ولا يزالون في جهادهم حتى يدال لهم فتسع الحرية الأمة كلها،وتنشط النفوس للإبانة عن سرائرها والإعراب عن ضمائرها.وأدب المجاهدين في كل عصر من أروع أنواع الأدب لأنه أدب النفس الإنسانية وهي تدافع عن كيانها وتجادل عن حياتها”.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(الرسالة العدد 939 بتاريخ 2 تموز عام 1951):

“وأخيراً فقد تخلى معظم الأدباء عن هذه الأمة في كفاحها للحياة والبقاء.بل خانوها خيانة علنية واضحة.إنني لا أؤمن بتجنيد الأدب والأدباء لخدمة الأغراض القريبة،والصراع الاجتماعي،في فترة محدودة،ولكني أؤمن بأن الأديب الذي لا يحسّ آلام أمته القريبة أو البعيدة هو أديب ميت لا يتجاوب معه الأحياء.

وأعتقد ـ من تجاربي الخاصة ـ أن الجماهير قد أقبلت وما تزال تقبل على نوعين من الانتاج:نوع يشاركها،في كفاحها الحاضر،ويستمد منها ويمدها،ويتجاوب مع حاجاتها الموقوتة بهذا الصراع.

ونوع يحدو لها بآمال المستقبل،ويهتف بها إلى مدارج البشرية العليا،ويفتح لها كوى من النور في الظلام.

ويتابع رحمه الله :”وإني لأعتقد أن هذا الإقبال دلالة على سلامة وعي هذه الأمة وفطرتها ـ على قلة القراء فيها وندرتهم ـ وأنها محقة في إهمال ذلك الركام المكرور التافه الذي تخرجه لها كثرة الكتاب والمؤلفين.وبخاصة أؤلئك الذين كانوا يوماً يلقبون بكبار الأدباء!

ولست غافلاً عن إقبال الجماهير في جانب الآخر على غثاء القصص والروايات والأفلام والصحافة،فذلك اللون يغذي الجانب الهابط في نفس البشرية.وللإنسانية جانبها،وجذبها بخيط الصعود ممكن كجذبها بخيط الهبوط.

يقول الأستاذ عصام العطار:

“ماذا تفعل أقلام قليلة في مواجهة الأقلام الخادعة،وألسنة قليلة في مواجهة ألوف الألسنة الكاذبة، ومجلات صغيرة محدودة في مواجهة ما لايحصى من الصحف والمجلات الكبيرة المنوّعة المنتشرة التي تتخطى كل حدود الأرض،ولكن الحق مع ذلك كله له نوره الذي يهدي إليه، والله من وراء ذلك كله بالمرصاد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.

وهذه الأقلام المأجورة، وبعون ودعم من الداخل والخارج،بذرت في أرضنا الطاهرة الكريمة بذوراً خسيسة،أزهرت وأورقت نفوساً خبيثة،رجالاً يحملون وجوه المسلمين، ويتسّمون باسمائهم ويتزيّون بازيائهم،ولكن قلوبهم وعواطفهم وأفكارهم ومعتقداتهم مخالفة تماماً لطبيعة المجتمعات المسلمة التي يعيشون فيها،وقد نشر هؤلاء أفكارهم السوداء وزرعوها في عقول الناس،فتراهم يُسمون الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية،فأصبح الربا”فائدة”والخمر”مشروباً روحياً”والرقص”فناً راقياً”والمجاهرة بالرذيلة”حرية”والعودة إلى الدين”تخلفاً ورجعية”والمطالبة بالحقوق”تعصباً وتطرفاً”والمطالبة بتطبيق حدود الله”وحشية وهمجية”وأصبح لديهم الاحتيال”ذكاء”والرذيلة”فناً” والتبعية”انفتاحاً…..

ولا يقتصر الأمر على ذلك بل إنهم يهاجمون الدين سراً وعلانية،جهراً وتورية،وقد يلبسون دعواتهم الباطلة في محاربة الدين لبوس العلم،ويظهرونها بمظهر الصلاح والخوف على مستقبل الدين،فيعمدون إلى تحريف الكلم عن مواضعه ويُلبسون على الناس دينهم عن طريق تأويل النصوص وتشويه التفاسير على نحو يسلب الدين مضمونه،وينظرون إليه باعتباره مجرد”تراث قومي” أو “حضاري إنساني”، فالإسلام عند هؤلاء المبطلين تراث،كما أن الشعر الجاهلي تراث، وألف ليلة وليلة تراث،والفلسفة اليونانية تراث،والتشريع الروماني تراث،والتراث كما نعلم يكون فيه الحق والباطل، والخير والشر،والصواب والخطأ،والقبيح والجميل،والفضيلة والفجور،وما يؤخذ منه ويُعرض عنه…

فإذا ما اشتكى شاك أو عارض معارض، فإنهم يُسكتون الأصوات، ويكممون الأفواه بحجة”حرية الرأي والتعبير”!!وكأن هذه الحرية المزيفة الشوهاء المسخ مسموح لها أن تتدخل في ثوابت الدين وأصول الشرع ،ولكنه لايسمح لها أن تعارض متغيرات السياسة وتقلبات الحكم وخاصة إذا وصل الامر إلى سلطة معينة أو زعيم ما أو حزب حاكم!!

يقول الأستاذ الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:

“إن الذين يزعمون أن من حقهم أن يقولوا ما يشاؤون بإسم حرية الكلمة،ينسون أن شرف الكلمة قبل حريتها،ولم أجد أمة تسمح بالخيانة الوطنية بإسم الحرية،ولكن نفراً عندنا لايريدون خيانة الشرف الأجتماعي باسم الحرية،ولو كان عندنا رأي عام واع لحاكمهم كما يحاكم خونة الوطن في قضاياه الوطنية”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(من وحي الرسالة ج1 ص197):

“إن الاستعباد المادي دهمنا أمس على يد الأباء، وإن الاستعباد الأدبي يدهمنا اليوم على يد الأبناء،وشتان بين استعباد كان عن اضطرار وجهل، واستعباد يكون عن اختيار وعلم. والعبودية العقلية أشد خطراً واسوأ أثراً من العبودية الجسمية، لأن هذه لاتتعدى الأجسام والحطام والعرض، ومثلها مثل الجسم يرجى شفاؤه متى عرف داؤه، أما تلك فحكمها حكم العقل إذا أصيب ذهب، والروح إذا زهق،هيهات أن يرجى لمخبول شفاء،أو ينتظر لمقتول رجعة”.

والمصيبة الاعظم ،والخطر الأشد، أن هؤلاء الكتاب المتملقين المأجورين، قد يسيرون بالأمة حاضراً ومستقبلاً في طريق الكارثة، وينحدرون بها إلى الدرك الأسفل من الهاوية، وذلك من خلال فلسفة الواقع، وبحيث يزرعون الهزيمة النفسية في قلوب الأمة ورجالها تجاه أعدائها،وهذا ما نشاهده اليوم، حيث أفرغت معظم المصطلحات من محتواها وبُدّلت معانيها، وتغيّرت المعايير،وأنزلت الثوابت منزل المتبدلات والمتغيرات…فأصبح الاستسلام سلاماً!واصبح الأعداء أصدقاء!وأصبح الدين في السياسة حراما!وأصبحت كتابات هؤلاء المفكرين”الواقعيين” وتحليلاتهم للمستقبل أدّق وأوضح من حقائق القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ـ والعياذ بالله ـ وأصبح”عدو الأمس صديق اليوم” راعي السلام والأمن وعنوان الحضارة والازدهار، وأصبح المتمسك بدينه عنوان الإرهاب والانتقام،وأصبح الجسم الغريب الذي ينشر سمومه وينفث حممه في جسم الأمة بمثابة”ناظم الخطى” الذي ينظم دقات القلب ويوفر للجسم الصحة والسلامة،وأصبح الجهاد ضد العدو”إرهاباً”والذل”حلماً”والركوع” تواضعاً”والخنوع”سياسة”…

ويقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(الرسالة العدد305):

“أللأديب رسالة؟

نعم،ليس بالأديب من ليست له في عالم الفكر رسالة،ومن ليس له وحي وهداية.

ولكن هل للأدب كله رسالة تتفق في غايتها مع اختلاف رسائل الأدباء وتعدد القرائح والآراء؟

نعم. لهم جميعاً رسالة واحدة هي رسالة الحرية والجمال.

عدو الأدب منهم من يخدم الاستبداد،ومن يقيد طلاقة الفكر،ومن يشوه محاسن الأشياء.

وخائن للأمانة الأدبية من يدعو إلى عقيدة غير عقيدة الحرية ،وإن سر الفتنة الحسية ـ في رأي ـ  التي غلبت على الطبائع والأذواق وتمثلت في ملاهي المجون أو ملاهي الأدب الرخيص،سرها الأكبر هو وباء(الدكتاتورية)الذي فشا بين كثير من الأمم في العصر الأخير.

لأن الدكتاتورية كائنة ما كانت ترجع إلى تغلب القوة العضلية على القوة الذهنية والقوة النفسية.ولأنها ترجع بالإنسان إلى حالة الآلة التي تطيع وتعمل بغير مشيئة وبغير تفكير.وأين تذهب المعاني والثقافات،بين القوى العضلية والآلات؟وأين الأديب الذي يستحق أمانة الأدب وهو يبشر بدين الاستبداد؟

لكل أديب رسالة.

ورسالة الأدباء كافة هي التبشير بدين الحرية والانحناء على صولة المستبدين،فما من عداوة للأدب ولا من خيانة لأمانة الأديب أشد من عداوة(القوة العضلية)وأخون من خيانة الاستبداد”.

ويقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله(كلمة ألقاها في مجمع اللغة العربية بدمشق في حزيران عام 1953):

“وأنا ـ بعد ذلك كله ـ واحد من هذه العصبة التي تتخذ من القلم أداة جهاد،حين فاتها أن تتخذ السيف من أدوات الجهاد،وفاتها أن تصطنع الحديد ذا البأس الشديد،فاصطنعت اليراع للقراع،واكتفت من أعمال الإيمان بأضعف الإيمان،عقوقاً لسيدنا إبراهيم الذي راغ على أصنام الكلدانيين ضرباً باليمين،في هذا الزمن الذي أصبحت لغة بنيه مشتقةً من قعقعة الكتائب لا من جعجعة الكتب ولا من عجعجة الألسنة”.

يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم رحمه الله:

فهذا يلوذ بقصر الأمير                 ويدعو إلى ظله الأرحب

وهذا يلوذ بقصر السفير                ويطنب في ورده الأعذب

وهذا يصيح مع الصائحين             على غير قصد ولا مأرب

إن أمثال هؤلاء من الأدعياء ومنافقي الكلمة، الذين يمارسون “زناالأقلام”، والذي هو أحياناً أشدّ وابشع وأفظع نتائجاً من” زنا الحرام”، إنهم لايحبون أن يتعظوا بغابر ولا بحاضر،وضعوا عقولهم في أقدامهم، وضمائرهم في جيوبهم،أناس أنانيون غير مبالين،والأنانية لا تبالي بغير ساعتها ولا تنظر إلى ما وراء لذتها.

ويقول الأستاذ الشيخ العلاّمة علي الطنطاوي رحمه الله(كتاب كلمات صغيرة ـ مقال بعنوان أعود):

“أعود إلى هذا الركن من “الأيام”(جريدة دمشقية) كما يعود المرابط إلى الثغر وهو أقوى نَفْساً وأكثر حماسة وأصلب عوداً وأصعب مكسراً،ليستأنف الجهاد في سبيل الله وفي سبيل الحقّ والخلق والفضيلة.

أعود لأودّي الأمانة التي وضعها الله في عنقي حين وضع هذا القلم في يدي،فلا أسخّره لجرِّ منفعة لنفسي ولا لدرء المضرّة عنها،ولا أمدح رغبةً ولا أنقد كرهاً،ولكن لنصرة الحق وحرب الباطل،والدلالة على الخير والتحذير من الشر.

أعود لأدافع عن أخلاق هذه الأمة وعن أعراضها،وعن ثروتها وعن أموالها،وأدعوها إلى العودة إلى دينها وفضائلها،وأذكّرها بجلال ماضيها،وأنفخ فيها روح العزم،وأُذكي في نفوسها ضَرَم الحماسة والعزة والقوة والنبل والكرامة،وأرغّبها في كل خير شرقياً كان أم غربياًنوأحذّرها من كل شر غربياً كان أم شرقياً.فلا تكون جامدة على عاداتها وأوضاعها،مُتمسّكة بكل ما ألِفت عليه آباءها،ولا تكون إمّعة في الأمم،تقلد كما تقلد القردةُ وتأخذ كل ما يأتيها من الغرب،ولو كان يشكو منه الغرب،ولو كان الكفر والفسوق والانحلال الخلقي،ولو كان الخمرَ والدعارة والسم الناقع والبلاء الأزرق.

ومن سبّني فإني لا أسبه،ومن عابني فإني لا أعيبه،إلا أن تكون كلمة حق آخذ بها،أو أن يكون نقداً من رجل له قيمة أردّ عليه،وما سوى ذلك أجوزُ به،أقول: لا يعنيني.وما عن عجز ذاك ولا عن قلّة،فإن لي قلماً لو وضعته ـ بحمد الله ـ على حديد لفَريته،ولكن لأن لي غاية أمشي إليها،فلا أحبّ أن أشتغل عنها بالتُّرهات، فاحفظوا هذا عني”.

وقال في نفس المرجع السابق بمقال آخر بعنوان”إنذار”:

“قال لي عضو محترم من أعضاء المجلس البلدي متهكماً ساخراً:اكتب كما تريد،وخذ”جناب مثل الطناب”.ما أرخص من الحبر إلا الورق!

هكذا والله يسخر من هذه الأمة ويضحك لبكائها ويتسلى برؤية آلامها.ولمن يقول هذا؟لي أنا؟

كلا يا صاحبي،لا تقتحم بوجهك نار الجحيم.كلا،إنه قلم الحق،ولو أن للمحافظة جلود التماسيح لكويتها بهذا القلم مثل كَيِّ النار حتى أجعلها تَثِب وثبَ الأرانب.وإن من الورق ـ يا صاحبي ـ ما يصلح أن يكون كفناً لميت،وإن من الحبر ما يسوّد الوجه ويُعمي البصر،ويومئذ تقول(إن استطعت المقال):ما أشد من الحبر إلا الورق!

وهذا إنذار من قلم لو وضعته على حديد لبراه ،ولو سُطتُ به ظهور المَردة لتلوّث من تحته المردة،فكيف إن كانت تَمدّه حقائق تَشين إبليس إن نُسبت إلى إبليس؟وكيف إن كان يحميه هذا الشعب الذي ينطق باسمه ويدافع عنه،ويكرمه أن يهزأ به ويُسخر من آلامه.

إنذار لمن يظن جهلاً أن هذا الشعب حارب فرنسا يوم كانت فرنسا أقوى دول الأرض،وشرى بالمهج استقلاله وبالدم وبأجساد الضحايا وأرواح الشهداء،ليترك نفراً من أبائه يجيئون في آخر الزمان ليُذلّوه ويحتقروه،ويُغَطّسوه في الوحل ويَغطّوه في الطين.

وما بعد الإنذار إلا قدح النار،والله هو المستعان”.

يقول الأستاذ عصام العطار:

“وهناك أمر خطير كل الخطورة أحب أن ألفت إليه الأنظار، إنه ذلك الجهد الكبير المتنوع الأشكال والألوان الذي تقوم به جهات خارجية وجهات داخلية: سياسية وثقافية وصحفية، لفلسفة الواقع العربي التشرذمي والإنهزامي الراهن،وتبريره وجعله الأساس والمقياس،ودفع العرب في طريق الاستسلام والانسلاخ عن المبادئ والقيم والهوية والثوابت الدينية والقومية والوطنية،فالوحدة العربية عندهم وهم وعبث أن يسعى إليها وإضاعة وقت، واسترجاع ما اغتصب من أرضنا وامتلاك القدرة على مناهضة عدونا وهم! والتحرر من هيمنة الدول الكبرى وهم! والتمسك بالهوية الإسلامية والعربية والوطنية في عصر العولمة وهم وتخلف وعائق عن التكيف والتقدم والحياة،إنهم يغذون الإحباط ويشيعون اليأس من كل شئ أصيل كريم رفيع ولايفتحون إلا أبواب الاستسلام والاغتراب والضياع”.

نعم، إننا نعيش وللأسف في كثير من الأقطار العربية والإسلامية على أنظمة تعتمد قولاً سائراً مؤداه:”هناك جرائم تصبح محترمة بقوة الاستمرار”.حيث صفد القلم،وصفدت حرية الرأي والفكر،بأغلال وقيود شتى،والتمس الحاكم ومن وراءه الجهات التشريعية والتنفيذية والقضائية، التي تدور في مداره، وتعيش على فضلاته لا أقل أفضاله،وأصدرت القوانين وشرّعت الشرائع وخلقت المعاذير من أجل حماية الحاكم ونظامه تحت مسميات كثيرة، ومنها حماية النظم الأساسية للدولة من الدعوات والتنظيمات الهدامة والإرهابية،أو حماية مؤسسات الدولة من أيادي الهدم والفساد،أو لحماية المجتمع والأخلاق من الأقلام المزيفة والعميلة…

وهذا يبين أن قليلاً من القمع، يسنده تشريع ظالم وتحميه وتؤيده قوى تنفيذية غاشمة،فإن هذا كاف وعلى مدار السنين وتعاقب الأجيال لإماتة دعوة الحق،ولإرهاب دعاة الحق،فإذا ما سار الناس زمناً على ذلك ألفوا الباطل واستألفوه،وأنسوا به واستأنسوه،وعدوا المنادي بالعدل والحق والحرية ثائراً أو خائناً أو زنديقاً أو رجعياً أو مجنوناً أو ارهابياً…ولكننا نقول لأمثال هؤلاء الحكام الظالمين ومن خلفهم من الكتاب المأجورين المنافقين ما قاله لامثالهم الأستاذ عصام العطار:” كفى بالمرء خيانة أن يكون عوناً للخائنين، وظلماً أن يكون عوناً للظالمين، وفساداً أن يكون عوناً للمفسدين”.

وهناك أمر آخر شديد الخطورة وهو تيسير الطغاة وأعداء الإسلام لبعض الأقلام في مهاجمة اللغة العربية أي لغة القرآن والإسلام،ويسخرون كل الامكانيات من أجل محاربة الإسلام ولغته العربية لغة القرآن ولغة الإسلام.

يقول الشيخ العلامة محمد أبو زهرة رحمه الله(لواء الإسلام العدد 1 السنة 13،رمضان 1378 هجري):

“لما يئس أعداء الثقافة الإسلامية من أن ينالوا من القرآن الكريم ذاته عندما همّوا بذلك من قبل،اتجهوا إلى أمور حوله وحول الإسلام وعلومه ،وكل أثر فكري عاش في ظل الإسلام،لقد أخذوا يدعون إلى هجر الحروف العربية،لأنها أصعب قراءة وتعلماً في زعمهم،وأخذوا يرددون قول قاسم أمين،وكأنه تنزيل يتبع:(غيرنا يقرأ ليفهم،ونحن نفهم لنقرأ)وذلك عجز من لم يقوّم لسانه تقويماً عربياً،وقالوا وعليهم إثم ما قالوا:إن الكتابة بالحروف اللاتينية فيها تصوير الحركات الصوتية بحروف،ونسوا أن ذلك ممكن في العربية بالشكل،والشكل أسهل من الحروف كتابة،وأقل منها حيزاً،وإن الناس منذ أقدم العصور يعلمون أولادهم الحروف العربية من غير أن يشكلوا صعوبة،ولكنهم يخلقون فكرة الصعوبة ويثيرونها في كل مكان ليحلوا الحروف اللاتينية محل العربية.ومقصدهم واحد  وهو قطع الشاب العربي المسلم عن ثقافته الإسلامية قطعاً تاماً،لأن الذخيرة الإسلامية التي هي الصلة بين الماضي والحاضر مكتوبة بالحروف العربية،فإذا نشأ الفتى يجهلها فإنه تنقطع الصلة بينه وبين ذلك الميراث الفكري التليد.

وأمر آخر أقرب إلى مقاصدهم،هو قطع صلة الناشئة بالقرآن الكريم،لأنه إما أن يكتب باللاتينية،وهي لا تصور نغماته ولا مده وإما أن يهجر هجراً،وذلك ما يبغون،ولقد ضل سعيهم ،وذهب هباءً منثوراً.

وإنا نجد من الشبان يتلقين من طواغيت الإلحاد من يريدون أن يحيوا الأدب العامي،ويجعلوا لكل إقليم من الأقاليم العربية أدبه الخاص،بل إنهم ليندفعون فيقولون:يجب أن توضع قواعد للغة العامية في كل إقليم،وإن ذلك الكلام يمزق العرب تمزيقاً،والذين ينطقون بهذا يجعلون هدفهم الأمة العربية التي يريد المستعمرون تمزيقها،وإني أحسب أن هؤلاء مدفوعون من أعداء البلاد العربية دفعاً،فإني أفهم أن يتكلم خطيب بالعامية ليفهمه السامعون في إقليم معين،ولكن لاأفهم مطلقاً أن تعمّم العامية،وأن يجعل لها أدب وموضع دراسة،لا أفهمه إلا أن يكون هدماً للبناء العربي.وإنهم لا يقصدون العربية فقط،بل يقصدون الإسلام أيضاً،لأنه إذا نشأ الشاب على العامية لا يعرف سواها،ينقطع انقطاعاً معنوياً عن القرآن والسنّة والمأثور العربي الإسلامي،وذلك أهم ما يرغبون فيه،إنهم لا يريدون علماً،بل يريدون توهين الإسلام ومآثره،وإبعاد البيئة المسلمة عن تلك الآثار،لتعُبّ من الغرب عبّاً،وتأخذ الغثّ والسمين منه،ويفنى الشرق في الغرب،والإسلام في الديانات الأخرى،ويذهب اليقين والإيمان،ويكون المسلمون قوماً بوراً،ولكن كُشف أمرهم في دعاياتهم فارتدوا خاسئين.

ويتابع الشيخ أبو زهرة رحمه الله:

“ولقد اتجهوا إلى أشد ما يلقي بالشك لا في الإسلام وحده،ولا في الأديان كلها فقط،بل يلقي بالشك في القيم الخلقية الإنسانية المتوارثة التي هي ذخيرة الإنسانية،والفارق ما بين الإنسان والحيوان.

أرادوا أن يثيروا كل الغرائز الحيوانية في نفس الشباب،واتخذوا لذلك طرائق كلها هوجاء ليس فيها طريق مستقيم.

وأول هذه الطرق التي أثاروها ما يسمونه”الأدب المكشوف” تارة،و”الأدب الجنسي” تارة أخرى،وهما يتجهان إلى صوب واحد،وهو إثارة الغريزة البهيمية في نفس الشباب حتى لا يستطيع أن يستعصم ويستمسك بالفضيلة،ويعيش في جو حيواني لا يسمو فيه إلى مراتب الإنسانية السامية،ولقد شقّوا طريقهم الآثم إلى هذه الغاية،فوجدنا صحفا  معينة مملوءة بالصور العارية،والمناظر المثيرة،بل تجاوز الأمر فوجدنا الطرقات مملوءة بالإعلانات المشتملة على صور فيها مناظر مثيرة لتجتذب الشباب بهذه المناظر إلى دور الملاهي وقد تجسمت فيها هذه الصور العارية،فيكون الشباب في بلبال مستمر،واضطراب نفسي فينحدرإلى الهاوية،إلا من عصم الله،وسلمت نفسه من هذه الآفات.

إنه يجب أن يعلم هؤلاء أنه ما يسمونه الأدب المكشوف أو الأدب الجنسي ضد الفطرة الإنسانية،فإن ستر ما بين الرجل والمرأة هو نداء الفطرة،وإن الكتب المقدسة كلها لتصرّح بأن آدم وحواء عندما خرجا من الجنة،وبدت لهما سوءاتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة لأنهما شعرا وقد جاءا إلى هذه الحياة أن فيها ما يجب ستره،وبالتالي يجب ألا يكشف ولا يعلن.

ولقد أرادوا أن يصوغوا ذلك المجون فلسفة،ويعتبروه ثمرة فكرة،فقالوا:إنه مذهب فلسفي قويم،هو مذهب الوجودية،وما علمنا أن انطلاق الإنسان من كل القيود الأدبية والاجتماعية والاستهانة بكل القيم الإنسانية الموروثة،والتي بها سموها وعلوها تُعد مذهباً يُدرس ،وفلسفة تدّون ويُدعى إليها.

وإنهم يدعون إلى الإباحية تلك الدعوة التي لا تجد قائماً إلا قوّضته،وينشرون بين الشباب ما يثير غرائزه،ثم يقولون مع ذلك:إن الشباب في كبت،وهذا عجب! يثيرون كل ما إلى الاندفاع نحو اللذة البهيمية،وليس كل شاب واجداً،فيكون اضطراب النفس،وانحباس الأهواء المندفعة التي أثاروها،ثم يشكون مع ذلك من ثمرات جريمتهم.

ألا إن كل هذا يقصد به الذهاب بخلق الحياء،وهو خلق الإسلام،فقد قال النبي صلى الله عليه وةسلم:”إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء”[رواه ابن ماجة والطبراني عن أنس رضي الله عنه وصححه الألباني] ولكن هل يصلون إلى ما يقصدون؟إن أملنا في شبابنا المسلم لعظيم،ولن ينالوا من خلقه ودينه،وسيذهب كل هذا الزبد الراغي:{فأمّا الزّبدُ فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض}[الرعد 17] انتهى كلام الشيخ أبو زهرة رحمه الله.

وهناك من يتصدى للطاغوت بادئ ذي بدء، ويُدافع عن الحق والخير والعدل،ولكنه لايستطيع أن يتابع المسير،ولايريد أن يتحمل نتائج مايسطره القلم،وماينجم عن ذلك من مشقة ومعاناة وألم،ومايترتب على ذلك من تبعات وعقبات وتضحيات، فَرُبَّ كلمةٍ سلبت نعمة وجلبت نقمة!

إنهم أُناسٌ مَلّوا المقاومة فاستسلموا،واستصعبوا الغاية فانهزموا،عاشوا مترددين مابين عذاب الضمير وعذاب المعارضة،فاحتملوا الأول وتخلوا عن الآخر،عاشوا شيوخاً وهم في سن الشباب،وعاشوا شباباً وهم في سن الشيخوخة، عصوا الهوى صغاراً وأطاعوه كباراً.

جاء في المجموعة الكاملة للدكتور طه حسين(المجلد 11 ص421):

“قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ:”ألم تر إلى فلان وُلد حراً،وشبّ حراً،وشاخَ حراً،فلما دنا من الهرم آثر الرق فيما بقي من الأيام على الحرية التي صحبها في أكثر العمر؟ قال الاستاذ الشيخ لتلميذه الفتى:أضعفته السن،فلم يستطع أن يتحمل الشيخوخة والحرية معاً، وأنت تعلم أن الحرية تحمل الأحرار أعباءً ثقالاً”.

والمصيبة لاتقف بهؤلاء الناس عند هذا الحد، بل إنهم يسقطون في بحر التأويلات ومستنقع التبريرات،ويُحاول كلاً منهم أن يجد لنفسه الأعذار من أجل أن يلحق بركب الطاغوت وأن يصبح تابعاً من أتباعه،بل عبداً من عبيده،يُسخر قلمه وإمكانياته لتمجيد الطاغوت وحكمه وحكمته وزبانيته وأعوانه من جهة،ومن جهة أخرى لمحاربة رفاق الأمس، أعداء اليوم من أنصار الحق والحرية، ومن جهة ثالثة لتبرير تحوله وانقلابه.

قال التلميذ الناشئ لشيخه الحكيم(عصام العطار):

هل رأيت أسوأ من فلان الذي تحوّل على الزمن عبداً صريحاً للطاغوت؟ وطالما تغنّى بالحرية والكرامة والتمرد على الطاغوت؟ قال الشيخ الحكيم:أسوأ منه فلان الذي تحوّل هو الآخر عبداً للطاغوت كتحوله أو أشد، لكنه راح يغلف واقعه الجديد ويلتمس له المبررات الكاذبة، ويُلبسه ثوباً زائفاً من الاقتناع والمصلحة،فأضاف إلى حقارة العبودية، رذيلة الإزدواجية والمخادعة والكذب.

ويقول الأستاذ عصام العطار ايضاً:

“إذا كنتم تلتمسون لأنفسكم الأعذار في مهادنة الباطل، فما هو عذركم في محاربة الحق؟”.

إن القلم ياصاحبي في يد الشجاع الحر الأبيّ منارة تهدي ونار تكوي وعقول تبني،والقلم في يد الجبان الدنئ، كالخنجر بين يدي الطفل الصغير يجرح ويُدمي، وكالدواء بيد الطبيب الجاهل الغرير يقتل ولايشفي، وإن تملق القياصرة تكلف الشعراء شططاً عظيماً ياصاحبي!!

وأديب قوم تستحق يمينهُ            قطع الأنامل أو لظى الإحراق

ويقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله:

أما وقد فارقتنا ياقلم                   وصالحَ اليأسُ عليك الألم

فخيرُ ما أرجوهُ ألا تُرى               في كفِّ خوّانٍ ولا مُتهم

ولا تَخُطَّ الجهل في صفحةٍ           أبيضُ مافيها سوادُ الحُمم

ولاتَكُن ياقلمي آلةً                    تشتمني باللّغو فيمن شتم

بدأتَ في الأوجِ فلا تنحدر           إلى حضيض الذُّلِ في المُختتم

وهناك من يهاجم طاغوتاً في بلد ويمدحه في بلد آخر،يلعن إبليس هنا،ويصاحب شيطاناً هناك،ولهؤلاء نقول:إن الحق واحد لايتعدّد ولايتغير ولايتبدل مهما تحوّل الزمان وتغير الأشخاص وتبدّل المكان،ونحن لانضرب بسيف الحق باطلاً هنا، ونستله ضد الحق هناك.

يقول الأستاذ عصام العطار:

“إننا لانكفر بالطاغوت في مكان ونؤمن به في مكان،ولانحاربه في بلد ونكون جنده في بلد،ولكننا نكفر بالطاغوت ونحاربه حيثما كان،ونقف مع الحق في كل مكان وزمان”.

ويقول أيضاً:” هيهات هيهات… إن مخاصمتي لطاغوت لا يمكن أن تضعني في خدمة طاغوت آخر مهما كانت الظروف”.

ياصاحب القلم! إذا كنت تخشى عواقبه، وتخاف من تحمل نتائجه ،فاكسر القلم ،وتجنب قول الباطل، وإن كنت غير قادرٍ على قول الحق فاعتزل الكتابة ولاتضع المبررات لعجزك وخوفك وضعفك، فإنك إن أرضيت طاغوت الأرض فلن يرحمك جبار السماء:

وما من كاتب إلا ستبقى            كتابتهُ وإن فنيت يداه

فلا تكتب بكفّك غير شئ            يَسرُكَ في القيامة أن تراه

يقول الأستاذ عصام العطار:

“وإن لم تستطع أن تكون سيف الحق، فلا تكن سيف الباطل، وإن لم تكن في جند الله فلا تكن في جند الطاغوت”.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ(تذكرة للدعاة ص9):

“وهناك خطباء أبواق للسلطة يقولون مايردده الحاكم ولو كان منكراً، ويسكتون عما يرون من المخالفات بل يسوغونها ويؤولونها ويمدحون رجال السلطة بما ليس فيهم،وقد يُعذر المرء في بعض الحالات بأنه لايستطيع أن يقول الحق لما يخشى أن يجره عليه من البلاء، ولكنه يجب ألا يقول الباطل وليس له عذر”.

نعم ياصاحبي، إن الأديب كالفنان الذي يُسخر قلمه لخدمة الواقع الفاسد،يصبح جزءاً من هذا الواقع الفاسد ويصبح مسؤولاً أمام الله عز وجل عن مشاركته في هذا الواقع وخدمة الأهواء والطواغيت.

يقول الأستاذ عصام العطار:

“إ ذا سقطت في شراك الواقع الفاسد غدوتَ على الزمن جزءاً من هذا الواقع،وعدواً فعلياً لكل مثل أعلى وهدف رفيع،وفقد وجودك غايته ومعناه الأصيل الكريم”.

ويقول أيضاً:”نعم، أنا أحب الأدباء والفنانين الذين يعتزون بشخصيتهم ويحرصون على كرامتهم، ويخلصون لأدبهم وفنهم ،ويأبون أن يضعوا أنفسهم وادبهم في خدمة المطامع والمنافع والأهواء وخدمة الطاغوت بأي صورة من الصور.إذا باع الأديب أو الفنان نفسه وأدبه وفنه، فقد رسالته الحقيقية، وخان أمانة الأدب والفن والموهبة التي اختصه بها الله عز وجل”.

وإن يك الشعر مايرون فإني           منك ياشعر قد نفضت بناني

ويقول الشاعر الكبير نزار قباني:

والشعر ماذا سيبقى من أصالته؟        إذا تولاه نصاب ومدّاحُ

وكيف نكتبُ…والأقفال في فمنا؟       وكل ثانية يأتيك سفاحُ

حملتُ شعري على ظهري فأتعبني     ماذا من الشعر يبقى حين يرتاحُ؟

وإذا كان عبيد القلم لا أربابه، وإذا كان عبيد الطاغوت لا كتاب الحق هم العنصر الغالب في كل عصر ومصر،وهذا هو واقعنا الحالي الأليم حيث علا الباطل وفار،واشتد الطغيان وثار،إلا أنه تبقى فئة قليلة من الكتاب تكتبُ مما يمليها عليه الضمير والإحساس، تنشد الحق، وتدافع عنه،وتوصله إلى الجماهير المتعطشة إليه رغم أنوف الظالمين .

يقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد756 عام 1947):

“إنما حملتُ أمانة هذا القلم لأصدعَ بالحق جهاراً في غير جَمجمة ولا إذهان. ولو عرفتُ أني أعجزُ عن حمل هذه الأمانة بحقها لقذفتُ به إلى حيث يذِلُّ العزيز ويُمتهن الكريم…وأنا جنديٌّ من جنود هذه العربية، لو عرفتُ أني سوف أحملُ سيفاً أو سِلاحاًأمضى من هذا القلم لكان مكاني اليوم في ساحة الوغى في فلسطين، ولكني نَذرتُ على هذا القلم أن لايكُفّ عن القتال في سبيل العرب ما استطعتُ أن أحمله بين أناملي، وما أتيح لي أن أجد مكاناً أقول فيه الحق وأدعو إليه،لاينهاني عن الصراحة فيه شئ مما ينهى الناس أو يخدعهم أو يغرر بهم أو يغريهم بباطل من باطل هذه الحياة”.

ويقول أيضاً رحمه الله(الرسالة العدد1018):

“ظللت أياماً اسال نفسي: فيم أكتب؟فيم العناء والنصب؟علام أزهق أيامي في باطل لا ينقشع؟إني لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ ولم أكتب؟ولكني أحس من سر قلبي أني أكتب، ولا أزال أكتب،لإنسان من الناس لا ادري من هو، ولا أين هو.أهو حي فيسمعني، أم جنين لم يولد سوف يقدر ان يقرأني؟ويتابع رحمه الله:

“لقد طرأت على هذا العالم العربي والإسلامي طوارئ،فإذا لم يصدق نفسه فلا نجاة له.واحتوشته الامم المفترسة بأساليبها الظاهرة والخفية.فإذا لم يصدق النظر فلا خلاص له.لست قانطا ولا مقنطاً. كما يتوهم من يحب أن يتوهم. ولكني أرى بلاء نازلاً بنا.ونحن نخوضه كأنه رحمة مهداة, وبئس ما نفعل؟ وبئس مطية الأعمال الكذب.

من حيث أتلفت أرى وجوهاً تكذب، ووجوهاً مكذوباً عليها. وأسمع أصواتاً تخدع،وآذاناً مخدوعة بما تسمع. وأقرأ كلاماً غمس في النفاق وفي التغرير غمساً.وألمح في عيون المساكين ممن قرءوه غفلة تتلالا بفرحة ولكنها فرحة لا تتم عليها إلا بالعمى المطبق عن الحق والصواب.إن هذا كله إعداد للمجزرة الكبرى.حيث تذبح الآلاف المؤلفة منا بمدى حداد استخرج حديدها من معدن القلوب المضطغنة بالعصبية، المنهومة بالمنفعة.وأمهاها ماء الحقد الصليبي الوثني،وأرهفت بلذة الفتك الذي لا تطفأ ناره.

إن الذي نعيش فيه اليوم حياة قد مهد لها جبابرة الدهاة،لا أقول منذ عام أو عامين، بل منذ أكثر من مائتي عام.حطم كل شيء قليلاً قليلاً حتى خر البناء كله.ثم انبعثت من تحت الأنقاض حياة خبيثة تلبس إهاب البشر.غذيت بالسم الذعاف حتى صارت لحماً وسماً.لا لحماً ودماً،ولا يعنيك أو يعنيني أن ننظر: أهي تعرف نفسها وتدرك أنها مسخت أفاعي في مسلاخ إنسان، أم تراها لا تعرف ولا تدرك؟بل يعنينا ـ ويعنيها هي أيضاً ـ أن نصدق المعرفة أنها حيات تنفث سمها في حياة الناس،في حياة الغافلين النائمين.فمن استعصى عليها فتكت به،ومن انصاع لسمها مسخ كمثلها حية تسعى.فإذا قدر لهذه الحيات أن تبلغ الغاية التي مسخت لها،فلن يتم ذلك حتى تكون الأرض العربية والإسلامية كلها خراباً من البشر الأحرار،خراباً تعمره العمار من أفاع وحيات وأصلال.ويتابع رحمه الله:

“فيم أكتب؟ فيم العناء والنصب؟ علام أزهق أيامي في باطل لا ينقشع؟إن بيني وبين الأسماع والأبصار والقلوب، حجاباً صاخباً من غماغم الدجاجلة،وهماهم الأفاكين،وثغاء أهل الغش،وضغاء أخدان النفاق…ويذهب قولي باطلاً ويضيع صوتي مختنقاً، ولم أجن عندئذ عن حياتي إلا شقاء يقول فيه القائل:(إن الشقي بكل حبل يخنق)، حتى حبل الحق والصدق!بأي لسان أستطيع أن أفتق للناس أسماعها غير الأسماع التي طمها الكذب المسموع؟وبأي قلم أستطيع أن أسلخ عن العيون غشاوة صفيقة لبسها الكذب المكتوب؟وبأي صوت أستطيع أن أنفذ إلى قلوب ضرب عليها نطاق من الكذب المسموع والمكتوب؟وبأي لسان،وبأي قلم،وبأي صوت؟ولكنه، على ذلك كله واجب، وإن كان جهد لا ثمرة له! وهو كذلك ، وإذن فليس لي أن أسأل نفسي: فيم أكتب؟ ولم هذا العناء والنصب؟وعلام أزهق أيامي في باطل لا ينقشع؟

وإذن فقد كتب علي أن أنصب وجهي لهذا الشقاء، لا أبالي أن أحترق،ولا أحفل أن أعود سالماً،ولا آبه لما يصيبني، مادام حقاً علي أداؤه.

إنها أيام بلاء ومحنة: من عدونا حيث بلغ منا كل مبلغ،من أنفسنا، حيث صار كل امرئ منا عدو نفسه وعقله،عدو تاريخه وماضيه،عدو مستقبله من حيث يدري ولا يدري.وإنها أيام ضلال وفتنة، تدع الحليم الركين حيران،بلا حلم ولا ركانة،تدع البصير المهتدي،أعمى بلا بصر ولا هداية.تدع الصادق الحازم، غفلاً بلا صدق ولا حزامة.ولكنها على ذلك كله، كتبت على الحليم الركين،وعلى البصير المهتدي، وعلى الصادق الحازم ـ أن يعيش في شقائها بلا ملل،وأن يكون فيها كما قال الشاعر عمران بن حطان في أهل الدنيا:

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها                   على إنهم فيها عراة وجوع

ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد766):

“لمن أكتب؟لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب؟ولم أكتب؟ولكني أحس الآن من سر قلبي أني إنما أكتب ،ولا أزال أكتب،لإنسان من الناس لا أدري من هو،ولا أين هو:أهو حي فيسمعني،أم جنين لم يولد بعد سوف يقدّر له أن يقرأني؟ولست على يقين من شيء إلا أن الذي أدعو إليه سوف يتحقق يوماً على يد من يحسن توجيه هذه الأمم العربية والإسلامية إلى الغاية التي خلقت لها،وهي إنشاء حضارة جديدة في هذا العالم،تطمس هذه الحضارة التي فارت بالاحقاد والأضغان والمظالم،ولم يتورع أهلها عن الجور والبغي في كل شيء حتى في انبل الأشياء وهو العلم”.

ويقول الأستاذ توفيق الحكيم(الرسالة العدد 299):

“القوة الحقيقية للرجل هي أن يستطيع أن:(يقول مايريد وقتما يريد أن يقول).والرجولة الحقيقية هي أن يبذل المرء دمه وماله وراحته وهناءه ودعته وطمانينته وأهله وعياله وكل أثير عنده وعزيز عليه في سبيل شيء واحد:(الكرامة).

والكرامة الحقيقية هي أن يضع الإنسان نَفَسه الأخير في كفة وفكرته ورأيه في كفة،حتى إذا ما أرادت الظروف وزن مافي الكفتين رجحت في الحال كفة رأيه وفكره.

كل عظماء التاريخ كانوا كذلك.رجال لم يترددوا في تضحية كل شيء من أجل فكرة،والنزول عن كل متاع من أجل رأي.بل إني لا أبالغ إذا قلت إن الأمم لا تبنى ولا تقوم إلا على أكتاف هؤلاء.وإن الخطر المخيف هو يوم تخلو أمة من أمثال هؤلاء.وإنه ليخالجني الآن شيء من القلق إذ أنظر حولي فلا أكاد أرى أثراً لهذه الفئة العظيمة.فناموس اليوم هو وطيء الفكرة بالأقدام راكضاً خلف الجاه الزائف والمال الزائف،وإنكار الرأي والجبن عن إعلانه حرصاً على الراحة وإيثاراً للطمأنينة.وحق لنا جميعاً أن نسأل هذا السؤال:ما هي المعجزة التي تنهض هذا البلد وهو على هذا الخلق؟وهل يطول غضب الله علينا فلا يظفرنا بعظيم من هؤلاء العظماء الذين يستطيعون أن يردوا الاعتبار إلى قيمة الرأي،ويطهروا النفوس من درن المادة،ويعيدوا المثل العليا النبيلة إلى مجدها القديم،ويرتفعوا بالأمة كلها في لحظة إلى سماء الخلق العظيم!إذا حدث ذلك فقد نجونا.وإذا لم يحدث ذلك فلاشيء ينتظرنا غير انحلال أكيد،وهبوط إلى مرتبة العبيد”.

ويقول توفيق الحكيم أيضاً(الرسالة العدد301):

“ليس على الأرض أخطر ولا أقوى من آدمي يعيش من أجل فكرة.هذا الآدمي يركز كل وجوده في فكرة كما تتركز أشعة الشمس في عدسة ليستطيع أن يحدث مثلها حريقاً مخيفاً أو نوراً وهاجاً ساطعاً.إن أغلب الأنبياء والرسل وقادة الفكر وعظماء التاريخ الذين قلبوا العالم أو ملئوه ضوءاً وجمالاً كانوا كذلك:أشعة متجمعة في عدسة فكرة.إنهم لم يعيشوا للحب والحياة،إنما عاشوا من أجل فكرة”.

ويقول توفيق الحكيم في موضع آخر(الرسالة العدد 468):

“إن الأدب الرفيع هو الذي يثير المشاعر الرفيعة،بما فيها من حق وحب وخير وجمال…وإن الأدب الوضيع هو الذي يهيِّج فينا الغرائز الحيوانية بشهواتها للفتك والبطش والعدوان…ولابد من توجيه الأدب إلى هذه الغاية الفضلى،حتى ينشأ جيل سليم فاضل يرى الأدب على حقيقته:جنة سامية طاهرة،لا مكان فيها لمن يبطش بالقلم،ولكنها مكان من يعلّم بالقلم ،يعلم الإنسان مالم يعلم”.
ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد150):
“الأدب صورة النفس فلابد أن ترتسم فيه مشاعر الفرد،والأدب مرآة الحياة فلابد أن تنعكس فيه ألوان المجتمع.ومادام في الناس الحساس والبليد،والخوار والجليد،وفي الدنيا التفاوت الذي يوجد التمايز،والألم الذي يفجر الدموع،واللذة التي تبعث المسرة،والمدنية التي تخلق التنوع،فلابد أن يكون الأدب الصحيح صدى لكل ذلك”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد47):
“الأدب عبير الروح،وشعاع النفس،ونضح العواطف.يتأثر حتما بما ينال أولئك من تطور الحياة،وتغير الناس،وتقلب الزمن،فهو يطيب أو يخبث،ويضطرم أو يخبو،ويمرّ أو يحلو،تبعاً لما يعرض للروح والنفس والعاطفة من أحوال الضعف أو القوة،والفساد أو الصلاح،والانحطاط أو السمو.
فالأدب العربي كان صادقاً حين فاض بالبطولة،وزخر بالحماسة،وجاش بالعزّة،في عهوده الأولى أيام كان يمده العرب من قوتهم بالروح،ومن سلطانهم بالنبل،ومن حريتهم بالكرامة.
والأدب العربي كان صادقاً حين لجّ في الضراعة،وضجّ بالشكوى،وأنّ من الألم،وتحدث عن فسوق الخُلق المنحل،وإيمان القلب المستذل،وضلال النفس المريضة في مذاهب القِحة،في عهوده الأخيرة أيام وهنت عزائم الملوك ،ووهت دعائم الملك،وتخلت يد العرب عن زمام الدنيا،فوقعت الفوضى،وحدث الخلل،ولجأ الناس بعضهم إلى الله وراء شيوخ الطرق،وبعضهم إلى الشيطان وراء قطاع الطريق!
والأدب العربي الصادق اليوم في الإبانة عن هذا الشك المخامر في قدرتنا على التفكير الأصيل،واضطلاعنا بالأمر الجليل،واستقلالنا بتبعات الرأي وتكاليف الحياة.فإن اعتقادنا الإيحائي المزمن بتفوق الأوربي وامتيازه سلب من نفوسنا الثقة،ومن قلوبنا الإيمان،ومن عقولنا الأصالة،ومن شعورنا السمو،وتركنا كالعبد المملوك لايقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاهنينقل فيما يقول عن لسانه،ويصدر فيما يعتقد عن قلبه.
فأديبنا يجهل اللغة العربية كل الجهل،ويعلم اللغة الأوربية كل العلم،لأنه إذا تكلم بها أو كتب فيها شعر بذلك الامتياز الذي يلازم أهلها في بلاد الشرق.وأديبنا يقرأ الأدب الأجنبي ويغفل الأدب العربي،لأن هذا أدب قوم كانوا يلبسون العمائم،ويأكلون بالأيدي،ويجلسون على الوسائد،ويقولون له نحن أجدادك!وذلك أدب قوم يلبسون البرانيط،ويأكلون بالشوك،ويجلسون على الكراسي ،ويقولون له نحن أسيادك.
فمتى يعلم الكاتب أن له مجداً يجب أن يعود،ووطناً ينبغي أن يسود،وصوتاً يحق أن يسمع،وأدباً يصح أن يحتذى،وتاريخاً يليق أن ينشر،وحقاً على أرضه تؤيده الطبيعة ويقره القانون ولاينكره عليه إلا جبنه وذله؟!”.
ويقول الأستاذ الدكتور زكي مبارك رحمه الله(الرسالة العدد427):

“فمن أنت أيها الكاتب وماذا تريد؟

لن يصحّ انتسابك إلينا إلا يوم تؤمن بأن للقلم رسالة يطيب في سبيلها الاستشهاد.ونحن قد رحبنا بجميع الآلام في سبيل القلم البليغ.

قد ينوشك أقوام لا يعرفون كيف توحدت توحد الليث،وقد يسخر منك أقوام يرون الزهد في التودد إلى المقامات العالية ضرباً من الجمود،وقد يوافيك أجلك و ليس في جيبك  مايشيعك به أهلك إلى مثواك الأخير،فما رأيك فيمن يدعوك إلى الاعتصام بالوحدانية الأدبية لتلقى الله وأنت رجل لم يعرف الخضوع لصاحب العزة والجبروت إلا تأدباً مع ذاته العالية؟

هل تعرف لأي سبب لا ينبغ من أرباب القلم غير آحاد،ولو كانوا في أمة تبلغ المئات من الملايين؟إنما  كان ذلك لأن رسالة القلم تشبه الأمانة التي تهيبت حملها السماوات والجبال.ويتابع رحمه الله:

“يجب أن يخرج الكاتب الأجير من الميدان،الكاتب الذي يرضى بأن يكون أجير الوطن أو أجير المجتمع،فما يكون الرجل كاتباً إلا إذا شعر بأنه مؤيد بقوة روحانية تعصمه من أحلاف الزور والبهتان.وذلك هو الكاتب المنشود، الكاتب الذي يرغم الدهر الاعتراف بأنه طاف على أهل زمانه بكأس لم يذوقوها من قبل،ولم يعرفوا في أي كرمة نبغ رحيقها النفيس!!

فمن هؤلاء الذين يحملون الأقلام وليسوا لحملها بأهل،لأنهم عبيد تلاميذهم من القراء،ولأنهم يتوهمون أن القلم وسيلة من وسائل النفع الرخيص؟من هؤلاء؟من هؤلاء؟

لن تكون كاتباً إلا يوم يستطيع قلمك أن يصنع بقرائك ما يصنع الدواء بالمريض،والدواء قد يزلزل الجسد فيمثل له شبح الموت، ثم تكون العافية، وكذلك يصنع القلم الصادق، فهو يزلزل الفكر والعقل والروح،ثم تكون العافية الفكرية والعقلية والروحية لمن يصلحون البقاء،ولا بقاء لغير من يستمعون صوت الصراحة والصدق والإخلاص”.

ويقول الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله(كلمة الشيخ في المؤتمر الثالث للأدباء العرب في القاهرة عام1957

“والأدب أيها السادة هو الوشيجة القوية والوثيقة الباقية التي لم تنقطع طوال القرون وعبر الأزمان…فهذه هي الايام تطوي الدول،وتقرب البعيد أو تبعد القريب،وتقطع هذا السبب أو ذاك من علاقات الأفراد أو روابط الجماعات،ويبقى اللسان العربي والبيان العربي والشعر العربي رسلاً صادقين وروابط قوية بين أبناء العروبة كلهم.

نعم، يبقى الأدب العربي رباطاً يجمع العرب مهما اختلفوا أو تفرّقوا في ميادين أخرى بطارئ من طوارئ الهم ،أو لون من ألوان الاختلاف في الهمم..

يبقى الأدب يصور الخواطر،ويأسو الجراح،ويؤلف الألسنة والقلوب حتى تتصافح الأيدي، ويعود البناء كما كان،أبيّاً لاينال، قويّاً لايلين.

ولرُبّ خاطرة لكاتب أو همسة لشاعر،أحيت رمماً، وبعثت دارساً،وردّت ذاهباً وفجّرت الينابيع في صم الصخور.

ويتابع رحمه الله:

“والأديب إنما يكون أديباً بحق حين يكون أمين القلم صادق البيان ينقل إحساسه إلى قارئه في عمق وصدق ،فلغة الأدب وحدها  هي الترجمان الأمين لعواطف هذه الشعوب، واللسان المبين الذي يعرض خلجاتها، ويفصح عن آمالها وآلامها. إن الأديب كالنسيم يحمل العبير أينما سار،يصعد في ذروة الجبل وينثال إلى عمق الغور، وينساب على صفحات الوادي..

إنه ينطلق أبداً،ويسعد الناس بشذاه،ولايبالون من أي روض نشر ولا أي سبيل عبر،ماداموا يعرفون في عطره أشذاء روضهم ويحسون في تياره فوران إحساسهم ويرون فيه أنفسهم جادين أو هازلين، ضاحكين أو واجمين.

ويتابع رحمه الله:

“وأول مايجب أن نحمي منه الأديب والأدب هو تلك العواصف التي تطفئ جذوته وتمسخ نوره ورونقه، وتمسّه بالعوز والكدية والصعلكة،فلابدّ أن نبذل للأديب من رحابة الحياة ويسر العيش مايجعله معتدل الحس رضيّ النفس،صادق التعبير، غير ضجر بضيقه وعسره”.

ويقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد22 ص31):

“أنا أطلب الكرامة من طريق الأدب والثقافة، وأعتبر الأدب والثقافة رسالة مقدسة يحق لصاحبها أن يصان شرفه بين أعلى الطبقات الإجتماعية،بل بين أرفع المقامات الإنسانية بغير استثناء.

أفي ذلك عار؟ أفي ذلك موجب للحقد والضغينة؟

كلا! بل فيه مأثرة وفيه فضل جديد على عالم الأدب في هذا الشرق المسكين الذي كان أدباؤه لايرتفعون عن منزلة المضحكين والندماء المهرجين على موائد الأغنياء والرؤساء،فإذا ارتفعوا عن هذه المنزلة قليلاً أو كثيراً، فهم لايرتفعون بفضل الأدب والفن، بل بفضل وظيفة يعتصمون بها أو شهادة علمية ينتحلون سمعتها،أو ثروة يحسبون من أهلها،ثم يحترمون لأجلها على الرغم من كونهم كتاباً وشعراء.

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(البواكير ـ مقال بعنوان الأدب القومي ـ نشر عام 1930):

“الأديب في الأمة هو لسانها الناطق بمحاسنها الذائد عن حماها،وقائدها إلى مواطن فخرها وذرى مجدها،فهو ذخر لها لا يعدله ذخر،وقصيدةٌ أو مقالةٌ تحرّرها أنملة أديب بليغ ـ مؤمن بما يقول مخلص لما يدعو إليه ـ أنفع للأمة المظلومة وأَعوَن على نيلها حقّها من مئة جندي مدجّج بالسلاح! فهل عندنا من أمثال هذا الأديب أحد؟

هل عندنا الأديب الذي عرف آلام الأمة وآمالها،وبحث فيما يسرها وما يسيئها،ثم انتدب نفسه لتصوير آلامها والسعي لإبلاغها آمالها؟هل عندنا الأديب الذي قتل التاريخ علماًنوغاص على خفاياه ومعضلاته فأحاط بها فهماً،ثم عمد إلى مواطن الفخر ومواقف الأسى فصاغها قصيدة عصماء،تكون كل قطرة من المداد أريقت على صفحتها بمثابة قطرة من الدم أُهرقت على مذبح الحرية والاستقلال؟هل عندنا الأديب الذي آمن بعقيدة سامية فيها مصلحة الوطن وفائدته ،ثم وقف نفسَه على الدفاع عنها وتأييدها؟هل عندنا الأديب”الأديب” الذي ترفّع بنفسه عن أقوال الناس،فلا يثيره مدح ولاذم ولا يستفزّه نقد ولا تقريظ،مادام سالكاً الصراط المستقيم ومتبعاً الطريق القويم؟

ويتابع رحمه الله:”ألا إن الأدب لا يجدي إذا لم يكن أدب الحياة،ولا يكون أدب الحياة حتى يتصل بها ويداخلها،فيعرف أمكنة ضعفها ومحالّ فسادها ويسعى لإصلاحها وتقويتها.ألا إن الأديب الذي يلهو بنفسه ويقنع بأحلامه ـ واأمة أحوج إلى أدبه في حياتها ونمائها ـ لَهو خائن بعهد الأمة كافر بدينها.ألا إن هذا الأدب المجرد،أدب الألهية الشريفة،ضرر علينا،وفي دعوتنا إليه عقوق وطننا،بل طعنة في صدره.فلنتركه غير مأسوف عليه،ولننفض عن أنفسنا غبار الكسل ولندخل في دَور العمل.

إن الأدب المنتج هو الأدب الذي يخدم القضية الوطنية الكبرى،ويربط ماضي الأمة بحاضرها ويعينها على النجاح في مستقبلها.فإن كان هذا،وإلا فسلام على أدب لا يُقصد منه إلا التلهّي واللذة،وسلام على أصحابه المخلصين العاملين”.

ويقول الأستاذ الدكتور زكي مبارك رحمه الله(رسالة الأديب ص 29 ـ 30):

“ولكم بعد هذا أن تراجعوا حظوظ من عرفتم من الأدباء،فسترون أن ابلغهم أثراً في أنفس الجماهير،وأقدرهم على أسر القلوب وغزو العقول،وامتلاك النفوس،هم الأدباء الذين ابتلتهم الحياة بصنوف الأرزاء،وعرفوا كيف تقسو الدنيا وكيف تلين،أولئك هم الذين يكتبون وفي كل حرف سر ظاهر أو غرض دفين.أما الأدباء المدللون الذين حبتهم الدنيا بألوان من الترف والنعيم  فهم ينظمون ويكتبون وكأنهم يلعبون،وليس للألاعيب في عالم الأدب بقاء.

الحياة هي كتاب الأديب، ومن حظه أن يعرف البؤس والشقاء وأن يدرك كيف يكون الضجر والاكتئاب،وأن يشهد بعينيه كيف يرتفع السفلة والاغبياء،وكيف يطيش الحظ الأهوج فيظلل بجناحيه رؤوس الممرورين من أهل الجاه المزيف والمجد المكذوب.

إن أراجيف المرجفين،وأكاذيب المضللين، وتنسك الماجنين وتعالم الجاهلين،واستنسار البغاث، واستذآب الكلاب،واستبسال الجبناء،كل أولئك مما يؤرث نيران الحقد في صدر الأديب الموهوب ويحوله إلى طاغية غشوم يبطش بأهل الكذب والرياء والنفاق.

والأديب الذي يتهيب الحياة ويخاف مجاهلها هو اديب رخو ضعيف ليس أهلاً لمجد القلم ولا شرف البيان.

الأدب الصادق ليس إلا حومة قتال،ولكن أي قتال؟قتال في سبيل الحق والخير والجمال.والحياة لم تكن يوماً دار سلام،إنما السلام في المقابر،فمن شاء أن يستريح فليمت،أما الأحياء فقد كتب عليهم أن يناضلوا ويقاتلوا ويصاولوا ما بقي فيهم عرق ينبض وقلب يثور،فإن جنحوا للسلم فقد استسلموا إلى سكرات الموت، وبئس المصير!

ويتابع الدكتور زكي مبارك رحمه الله:”الأدب الصادق هو الذي يحمي صاحبه من بريق الزيف والبهرج،ويصونه من الخضوع لأرباب الألقاب،ويقنعه بأن المجد الحق لا يكون إلا في ظلال الشهامة والصدق،وشرف القول والفعل،وطهارة القلب والوجدان،وأديب واحد بهذه الخلال أنفع لأمته ووطنه من ألوف العبيد الذين يلبسون ثياب السادة وهم أذلاء،ويتشدقون بأخبار الفضائل وهم في أنفسهم من أهل البغي والفسوق”.

ويقول الدكتور زكي مبارك رحمه الله(الرسالة العدد366):

“الأدب هو الترجمان الصادق للغرائز الإنسانية،ولا يجوز أن نطالب الأديب بأن يكون عبداً لزمانه وأهل زمانه،وإنما يجب أن يُسيطر الأديب على الزمان وأهل الزمان ليؤدي رسالته في قوة وصراحة وإخلاص.

الأديب أقوى من الناس ومن الزمان،وإنه لا يصور غاية زمنية أو محلية،وإنما يتسامى إلى غايات تُشرف على طوائف الإنسانية ومراحل التاريخ.

ليس الأديب مِزماراً مأجوراً يترنم بما توحي أحوالكم من إطراب وأشجان،وإنما هو قيثارة سماوية يحق لها أن تصدح بغير ماتشتهون في أيام الفرح وما تبتغون في أيام البكاء،وإن كانت أُخوته لكم تفرض عليه أن يكون سناداً لآمالكم في جميع الآحايين.

الأديب يُسيطر على الحوادث،ويرفض الاستعباد للحوادث.والأديب أشجع منكم جميعاً لأنه لا يبالي متى يموت.وهل نسيتم أن الأديب هو الذي صنع بقلبه ولسانه وقلمه حوادث التاريخ؟”.

وجاء في مجلة المنار(العدد301):

“يا أصحاب الأقلام:إن في أيديكم قوة تعمل مالا تعمل السيوف والمدافعنإن من تعظمونه بالحق يكون قدوة وإماماً في الخير لأهل عصره،ولمن يأتي من بعده،وإن من تحقرونه ولو بالباطل يكون محتقراً في زمانه ومحتقراً في التاريه حتى تستحي ذريته أن تنتسب إليه فاعرفوا قيمة أنفسكم كما عرفها بشار إذ قال:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم                إني أخاف عليكم أن أغضبا

أبني حنيفة إنني إن أهجكم                   أدع اليمامة لا تساوي أرنبا

ويقول الأستاذ الأديب أحمد مظهر العظمة(الرسالة العدد 755):

“لا مشاحة أن للأديب تأثيراً قوياً على النفوس والافكار والعواطف والأخيلة، وأن له أثراً جلياً في حياة الأفراد والجماعات،  وأن النهضة الأدبية كثيراً ماتمهد للنهضة السياسية والاجتماعية والدينية.ولا بدع فالأديب إذا بكا بقلبه مثلا بكا يراعه، وإذا ثارت نفسه ثار اسلوبهنفكأنما هو يكتب بمداد من الدماء يكفي أن يبصره الناس حتى يهيج دماءهم ويخف بها إلى مايريد منهانوكأنما هو يخطب بأصوات من روحه لا من لسانه حسب الناس أن يسمعوها حتى تتصل بأرواحهم فتعمل فيها عمل العاصفة حينا ثم تقذف بها حيث تريد.

ويتابع رحمه الله:”إن المعركة الخلقية الاجتماعية اليوم من الخطورة بمكان،فهي عند مفترق الطرق،وهي معركة مبادئ تتضاءل ليذهب زبدها جفاء، ويمكث حقها في الأرض بعد ثبات أهله وصبرهم وجلدهم وحكمة قيادتهم.

فمن غير الأديب العربي الحمى الأنف يطارحنا بلحنه الأخاذ فيهز القلوب والمشاعر والأفكار،بل يهز الأرواح هزاً منها إلى السبيل السوي الذي يجد أهله بعده عزهم وهداهم ونعماهم فلا يضلون في مهامه المذاهب الاجتماعية الكثيرة التي لا يكاد يتبين فيها الساري وضح الطريق”.

ويقول الأستاذ الأديب العالم العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(في سبيل الإصلاح، ومجلة الرسالة العدد666 ):

“أين تلك الأقلام التي تعرّف هذا الشعب بنفسه،وتتلو عليه أمجاد أمسه،وتذكره أنه لم يخلق ليذل ويخنع،وإنما خلق ليعز ويحكم،وأن الله مابرأه من طينة العبيد،بل سوّاه من جِذم الصيد الأماجيد،وأنه أثبت من هؤلاء المستعمرين أصلاً في الارض،وأعلى فرعاً في السماء،وأكرم نفساً،وأشرف عنصرا،وأنقى جوهراً،وأنها إذا أفقرت الأيام الغني ،وأذلت العزيز،فإن الفلك دوار،والدهر دولاب،فلايغتر الفقير بالغنى الحادث،ولايأسَ الغني على اليسار الذاهب،فإن كل شئ يعود إلى أصله، وإن كل حال إلى زوال.

وأين تلك الأقلام تفهم الشعب أن المستعمرين مازهدوه في قرآنه،وصرفوه عن دينه ،وشغلوه عن تاريخه،إلا ليسلبوه أحد اسلحته، ويجردوه من أمتن أدراعه،حتى إذا قابلوه أعزل عارياً، هان عليهم اصطياده،وسهل استعباده ،فكان إليهم قياده،وأنه آن لنا أن ننتبه لمكرهم بنا،وأن نفيق من غفلتنا،ولانمشي إلى الهوان بأرجلنا، ونمكن عدونا منا بِملكنا.

أين تلك الأقلام تقول للناس:إن الإسلام جاء يكسر الأصنام وانتم رجعتم تعبدون أصناماً من لحم ودم،تأكل الخبز والحلوى والذهب وورق النقد، وتأكل كل شئ وتهضمه معدها،أصناماً تسمونها زعماء الأحزاب تجدّون وتتعبون ليستريحوا هم،وتَشقون لينعموا، وتنخفضون ليرتفعوا، وتدفعون إليهم ماكسبتموه بأيديكم الخشنة من العمل،وأنتم تقبّلون أيديهم الناعمة من الكسل،وتمنحونهم كل نعمة، ولايمنحونكم شيئاً.

أين تلك الأقلام تفضح أكبر خدعة سربت إلينا، وتردد أفظع كذبة جازت علينا،وهي دعواهم أن من الخير لنا أن نأخذ المدنية الغربية بكل ما فيها، وأن كل ماجاء من أوريا فهو خير ورشاد، وكل مابقي لدينا من الشرق فهو شر وفساد!

فأين تلك الأقلام تدل الناس على مزايانا لنحتفظ بها، وشرور الغرب لنتجنبها، وتقيم لهم الميزان العادل،وتحكم فيهم الحكم السديد، فنرتفع عن أن نكون قردة مقلدين، ونرجع عقلاء مميزين،يعرفون ما يأخذون ومايدعون!

ياخجلتاه غدا من كتاب التاريخ إذا جاؤوا يترجمون لأديب فيقولون:لقد رأى أعظم بطولة بدت من بشر،وشاهد أجلّ الأحداث التي رآها الناس،ثم لم يكتب فيها حرفاً.لقد شغلته عنها شواغل الأيام، ومباهج الأحلام،وملذات الغرام”.

ويقول الأستاذ عصام العطار:

“خير لي الا أكتب وخير لهذا القلم أن يموت من أن أفقد به ذاتي وأتحول به إلى مجرد مرآة لاشخصية لها تعكس أهواء الحكام ومايندفعون فيه من الباطل بدل أن تكون كتابتي صورة نقية لذاتي وتعبيراً صادقاً عن شخصيتي وعما أؤمن به من الحق والعدل والخير”.

يقول محي الدين عطية:

مازلت أحلم بالسطور الخضر تجتاح الجليد

بعصارة القلم الذي يقتات أنسجة الوريد

ترضعه آلاف العقول خلاصة الرأي السديد

تسقيه آلاف العيون رحيقها،أنّى يريد

بجواهر الكلمات صادقة الحروف بلا مزيد

تنساب في الآفاق طائرة كعصفور غريد

تجتاز آلاف الحدود ،كراية النصر المجيد

إننا لانعدم في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومِصر، أجيالاً من الكتاب والأدباء والفنانين، لاتخضع رغبة أو رهبة ،بما يمليه عليها أصحاب النفوذ،فاقدوا الضمير من الحكام وأصحاب المال والسلطة،من إملاءات وتعاليم ، ولاتخضع لسلطان الأهواء والشهوات ، والأباطيل

والأضاليل،ولاتخنع لما حُكم عليها من القوارين والفراعين والهامانيين من ضروب الفاقة والمرض والوحشة والتشرد والنفي والإبعاد والتعذيب والتشويه والافتراء وربما وصل الأمر إلى التهديد بالقتل بل وارتكابه، وتتابع طريقها في نشر الحقائق،وتحقيق الوثائق، فحددوا باليها وأنعشوا ذاويها،ورفعوا راية الحق والهدى ترفرف على شأو مرتفع لاتنال ذراه ولا يرتقى مرتقاه.تقول الحق وتنشده وتطالب به  ولا ترى في الدنيا وزخارفها ومتاعها إلا وهماً وسراباً.

يقول الأستاذ عصام العطار:

“لئن استطاع أعداء الإسلام ومستغلوه أن يكبلوني في غربتي بالقيود والأغلال، وان يمنعوني في كل مكان أستطيع أن أنشر فيه ما أعتقده من الحق، فإن أعداء الإسلام ومستغليه لن يستطيعوا أن يقوّلوني الباطل مهما مارسوه من الضغوط،ومهما كرروه من الوعيد،ومهما حاولوه من القتل،ومهما أمضوا فيه من الحرب ،ومهما لوّحوا به من المغريات….فدنياهم هذه وألف دنيا مثلها ليست أكثر في عيني من التراب”.

الشعر ليس حمامات نطيّرها

نحو السماء، ولا ناياً وريح صبا

لكنه غضب طالت أظافره

ما أجبن الشعر إن لم يركب الغضبا!

وهي أقلام كلماتها مستمدة من دمائها،وسطورها تظهر فيها آثار جروحها وكلومها،  عانقت الكلمات و المدلولات  إرادة النصر ومشاعر الإنسانية وجراحات البشرية،فامتزج مداد القلم الأسود بدم الكاتب الأحمر، وما أجمل أن يمتزج المدادان فامتزاجهما”اكسير الحياة”الذي تعيش فيه الكرامة والحرية،ولأن امتزاج اللونين يعطي الحياة مستقبلاً اخضراً زاهياً للإنسان والكون.

شرابك ظلام ونتاجك ضياء            فبورك من يُسيرك ايها القلم

إن الكاتب الحر الأبيّ هو الذي يقتات قلمه من نسيج إرادته ولحمه وأعصابه، فيكون مداده من دم قلبه وتكون كلمات يراعه مشحونة بإنفعالات أعصابه، فتظهر آثار دمه في سطوره، وتظهر آثار معاناته في كلماته.

يقول الأساذ عصام العطار:

“إننا لانكتب بالمداد، ولكن بدم القلب، فمعذرة إذا ظهر في سطورنا أثر الجراح”.

يقول نسيب عريضة

أوه! ألم يكتب لهذا القلم                إلا بأن يشكو الأسى والألم

يا قلمي الشارب خمر الشجا           والمسمع الطرس صرير النقم

من أي غصن قصك المبترى؟        من أي غيم قد سقتك الديم؟

أفي حمى الغربان ثُقفت أم             بين خوافيها ألفت الظلم؟

نشأت نعّاباً فلا غرو أن                تحس أن النعب كل النغم

أم كنت عوداً عند مستنقع               في نبتةٍ تمتص ماء الرِّمم

أم عشت في ظل من الغاب لم         تشرق عليه الشمس منذ القدم

فاسكب على الأبيض من أسود          يلذع من الأوراق لذع الحمم

ما الحبر ماتنفثه ناقماً                    ذاك سويداء الحشا يا قلم

إن سرّ قوة الكلمة ليست في اختيار الألفاظ وانتقاء العبارات،وإنما هو في مدلول قوة الإيمان الذي تعبر عنه الكلمات ومدى التزام صاحب القلم بما يقول واستعداده للتضحية بماله وذاته من أجل الحق الذي يدافع عنه.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(دراسات إسلامية  مقال بعنوان:قوة الكلمة ص134):

“في بعض اللحظات، لحظات الكفاح المرير الذي كانت الأمة تزاوله في العهد الذي مات…كانت تراودني فكرة يائسة،وتلح عليّ إلحاحاً عنيفاً. أسأل نفسي في هذه اللحظات:ماجدوى أن تكتب؟ماقيمة هذه المقالات التي تزحم بها الصحف؟أليس خيراً من هذا كله أن تحصل لك على مسدس وبضع طلقات، ثم تنطلق تسوي بهذه الطلقات حسابك مع الرؤوس الباغية الطاغية؟ما جدوى أن تجلس إلى مكتب، فتفرغ حنقك كله في كلمات،وتصرف طاقتك كلها في شئ لايبلغ إلى تلك الرؤوس التي يجب أن تطاح؟

ولا أنكر أن هذه اللحظات كانت تعذبني. كانت تملأ نفسي ظلاماً ويأساً.كانت تشعرني بالخجل أمام نفسي.خجل العجز عن عمل شئ ذي قيمة.

ولكن هذه اللحظات لحسن الحظ لم تكن تطول.كان يعاودني الأمل في قوة الكلمة.كنت ألقى بعض من قرأوا لي مقالاً،أو اتلقى رسائل من بعضهم،فأسترد ثقتي في جدوى هذه الأداة.كنت أحس أنهم يتواعدون معي على شئ ما:شئ غامض في نفوسهم،ولكنهم ينتظرونه،ويستعدون له،ويثقون به!

كنت أحس أن كتابات المكافحين الأحرار لاتذهب كلها سدى،لأنها توقظ النائمين، وتثير الهامدين،وتؤلف تياراً شعبياً يتجه إلى جهة معينة،وإن لم تكن بعد متبلورة ولا واضحة.ولكن شيئاً ما كان يتم تحت تأثير هذه الأقلام.

ولكنني مع هذا كنت أعود ـ في لحظات اليأس والظلام ـ لأتهم نفسي. كنت أقول: أليس هذا الإيمان بقوة الكلمة تعلة العجز عن عمل شئ آخر؟ألا يكون هذا ضحكاً من الإنسان على نفسه ليطمئن إلى أنه يعمل شيئاً، وليهرب من تبعة التقصير والجبن؟

ويتابع رحمه الله:

“إن قوة الكلمة شئ عجيب. إن أحلاماً كاملة قد أصبحت حقيقة واقعة، وإن نبوءات قد صحت برمتها،لكأنما كانت أبواب السماء مفتوحة،والمكافحون الأحرار يكتبون ويتوجهون بكل قلوبهم مع هذه الكلمات.

ثم عدت أسأل من جديد: ماسر قوة الكلمة؟

إن السر العجيب ليس في بريق الكلمات وموسيقى العبارات،إنما هو كامن في قوة الإيمان بمدلول الكلمات وما وراء المدلولات! إنه في ذلك التصميم الحاسم على تحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حيّة والمعنى المفهوم إلى واقع ملموس.

في هذا يكمن سر الكلمة وفي شئ آخر:في استمداد الكلمات من ضمائر الشعوب،ومن مشاعر الإنسان،ومن صرخات البشرية،ومن دماء المكافحين الأحرار.

إنه ليست كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركّها،وتجمعها وتدفعها.إنها الكلمات التي تقطر دماء لأنها تقتات قلب إنسان حي.كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان.أما الكلمات التي ولدت في الأفواه ،وقذفت بها الألسنة،ولم تتصل بذلك النبع الإلهي الحي، فقد ولدت ميتة، ولم تدفع بالبشرية شبراً واحداً إلى الأمام.إن أحداً لن يتبناها، لأنها ولدت ميتة. والناس لايتبنون الأموات.

إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئاً كثيراً.ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم. أن يُطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم.أن يقولوا مايعتقدون أنه حق،ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق.إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثاً هامدة،حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء،انتفضت حية، وعاشت بين الأحياء.

فإلى الذين يجلسون إلى مكاتبهم،يكدون قرائحهم،لينتقوا اللفظ الأنيق،وينمقوا العبارة الرنانة،ويلفقوا الأخيلة البراقة.

إلى هؤلاء أتوجه بالنصيحة:وفِّروا عليكم كل هذا العناء،فإن ومضة الروح ،وإشراق القلب ،بالنار المقدسة،نار الإيمان بالفكرة…هو وحده سبب الحياة. حياة الكلمات وحياة العبارات.

ثم ماذا؟

ثم لايقعدن القادر على العمل، وهو يطمع أن يؤدي واجبه بالكلام.ذلك خاطر أحب أن أحذر منه بعدما أسلفت من الإيمان بقوة الكلمة، وإلى آثارها الملموسة في الحياة.إنه في كثير من الأحيان، يكون القول الفصل للشاعر الذي يقول:

السيف أصدق أنباء من الكتب         في حدِّه الحدّ بين الجِدِّ واللعب

وفي كثير من الأحيان، يصبح من العبث أن نظل نتكلم ونتكلم، ثم لانفعل شيئاً.إن الكلمات في هذه الحالة تكون استهلاكاً للطاقة الكامنة وليست توليداً للطاقة.

والكلمة ذاتها ـ مهما تكن مخلصة وخالقة ـ فإنها لاتستطيع أن تفعل شيئاً، قبل أن تستحيل حركة، وان تتقمص إنساناً.الناس هم الكلمات الحياة التي تؤدي معانيها أبلغ أداء.

إن الفارق الأساسي بين العقائد والفلسفات، أن العقيدة كلمة حية تعمل في كيان إنسان، ويعمل على تحقيقها إنسان.أما الفلسفة فهي كلمة ميتة، مجردة من اللحم والدم، تعيش في ذهن ،وتبقى باردة ساكنة هناك.

ومن هنا كانت العقائد هي الحادي، الذي سارت البشرية على حدائه،في درب الحياة المتعرج الطويل.تصعد الروابي وتهبط السفوح،وتردد حداءه في المتاهة المهلكة،فتنجو وتحيا،وترتقي وتثق في رسالتها، لأنها رسالة تنبع من أعماق الضمير،ويشتعل بها الوجدان ،ويتلالأ بها الشعور”.

ويقول الأستاذ عصام العطار:

“إذا كانت الكلمة لاتعني موقفاً والإيمان لايعني التزاماً، فقد بطل مدلول الكلمات، واستحالت ألفاظنا إلى ضرب من الخداع أو العبث او الهذيان”.

ويقول أيضاً:

“ما أعظم مسؤولية الكلمة عند من يحسون بمسؤوليتهم عنها أمام الله وأمام الضمير ولا أقول أمام التاريخ،فقد تحررنا من زمن بعيد ـ والحمد لله ـ من العبودية للتاريخ، وما يمكن ان يقوله عنا أو يحكم به علينا في مقبلات الأيام والعصور”.

ويقول أيضاً:

“إنني لا أخط كلمة واحدة إلا وأحس بتبعاتها وتبعات ما ينتج عنها في حياة من يتقبلونها ويعملون بها وحياة أمتنا وبلادنا من الصواب أو الخطا، والخير أو الشر في الحاضر والمستقبل”.

وقد يكون من نتائج الكلمة أن يلقى صاحبها الشهادة في سبيل الله أو العذاب والتشريد والنفي والإبعاد والبعد عن الأهل والأحباب.

ماذا سأقرا من شعري ومن أدبي

حوافر الليل داست عندنا الأدبا

وحاصرتنا وآذتنا…. فلا قلمٌ

قال الحقيقة إلا اغتيل أو صُلبا

وقال آخر:

شَردّوا أخيارها بحراً وبراً            واقتلوا أحرارها حراً فحراً

إنما الصالح يبقى صالحاً              آخر الدهر ويبقى الشر شرا

كسروا الأقلام هل تكسيرها           يمنع الأيدي أن تنقش صخرا

قطعوا الأيدي هل تقطيعها            يمنع الأعين أن تنظر شزرا

أطفئوا الأعين هل إطفاؤها           يمنع الانفاس أن تصعد زفراً

أخمدوا الأنفاس، هذا جهدكم        وبه منجاتنا منكم، وشكراً

ولكن كلمات شهيد الكلمة والحق تبقى بعد شهادته كالنور يضئ الطريق وينير المسالك للقادمين من بعده،وتصبح كلماته طلقات صائبة،وسيول جارفة تطيح بالظالمين وتجرف الباغين وتقتلع جذور المجرمين.

تظل جثثاً هامدة حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء انتفضت حية وعاشت بين الأحياء”.

ولعلّ سيد قطب ومن قبله الإمام الشهيد حسن البنا رحمهما الله وأدخلهما فسيح جنانه المثال الحي لامتزاج الكلمة بالمداد والدم، وامتزاج المدلولات بالسلوك العملي ، وامتزاج الحروف والكَلِم بالجروح والكلوم

ولقد صدقت حياة  كل منهما كلماته، فعاشا لقول الحق وماتا من أجل الحق،عاشا للمبدأ والفكرة، وماتا للقدوة والعبرة، ونسأل الله عز وجل أن يجعل روحهما الطاهرة في جنات النعيم.

عرضوا الحياة عليه وهي غباوة        فأبى وآثر أن يموت نبيلا

إن الشجاعة في القلوب كثيرة           ووجدت شجعان العقول قليلا

ربَّ البيان وسيّد القلم                      وفّيت قسطك للعلى فَنم

والصراع مستمر أبدي أزلي مابين القلم والحر ومابين الطاغوت الظالم المستعر،وإذا كان الظلام فلا بد أن يتبعه دوماً النهار، وإذا كانت الشمس لاتبزغ في كل الأيام ،والفجر وإن بدا خيوطاً في بداياته إلا أنه نذير بطلوع شمس تزيح الظلام مهما اشتدّت حلكته وطالت مدته،وإن أول الغيث قطر ثم ينهمر.

يقول الدكتور محمد حسين هيكل:

“على أن الظُلَم وإن تكاثفت،والمظالم وإن اشتدّت،والطاغية وإن استبد،كل ذلك كان من أثره دائماً  أن أثارَ شرارة الحرية فهتكت ظلمته وبددت غياهبه،وكما تتراكم السحب وتحجب الشمس،وتبعث على الأرض من الظلمة ماتنقبض له النفس ،ثم إذا بالمطر يستنفد السحب ويجعل للنور من جديد منافذه، كذلك ما تلبث هذه الظلم المتكاثفة في جو الطغيان أن تنبعث إلى نفس ملهمة كلمة الحق ترتفع في صيحة قوية خالصة،فإذا الظلم تضطرب قوائمه ،وإذا بالطاغية يكفهر وجهه وإذا المظلومون تأخذهم رعدة الخوف إشفاقاً على صاحب الصوت وعلى أنفسهم ثم إذا بالصوت يعلو ويعلو،ويرتفع ويرتفع،وإذا القلوب التي وجلت من قبل رعبا وخشية تتفتح لهذا الصوت وتستقبله فرحة مستبشرة،ثم إذا هي تتبعه مؤمنة،ثم إذا النور، نور الحرية والحق يعمّ الأرجاء، وإذا الظلم والظالمون والطغيان والطغاة قد انقلبوا صاغرين عانية وجوههم للحي القيوم”.

والصرخة الأخيرة والنداء الأخير:

هذه الأحداث تتوالى،والنكبات تتعاقب،والمصائب تتسارع وتتقارب،والأمة الإسلامية فوق كل أرض وتحت كل سماء وكوكب،تعيش أصعب مراحل حياتها،وتواجه مخاضاً إما أن يأتي بمولود جديد سليم معافىً،أو تأتي بمسخ بليد لاتقدر له الحياة أو إن كتب له البقاء فسيكون أمرّ واقسى مما كتب عليه الفناء.

إنها أيام وأيام تعصف بهذه الأمة العظيمة،تخرج من بحر من اللهيب، لتقع في محيط من النيران، هذه الأمة التي كتب لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس لو استمرت على منهج الإله واتبعت سنة نبيه العظيم الكريم.فأين الأقلام الواعية المخلصة الشريفة المؤمنة التي تهتز قرائحها،وتتحرك مشاعرها، وأين الأدب السامي الذي يشحذ الهمم ويستثير العزائم، ويضع النقاط على الحروف، يبين مواضع العلل، ويضع لها البلسم الشافي، وينهض بالأمة من كبوتها، ويبعث فيها ماضيها المجيد لينقلها من حاضرها الوبئ الحقير إلى المستقبل الزاهي الرفيع .

نعم ياصاحبي،إن أمانة القلم أن تضرب به في كل ميدان إصلاح،وأن تقرع به كل معالم ومظاهر الفساد،لا تمنعك رهبة عدو ظاهرأو متخفي في ثياب صديق،ولا رغبة في مودّة صديق أو قريبنوأن لا يسكت قلمك عن إنكار المنكر،وكذلك لسانك،وربما الاثنين معاً،وأن تتحمل تبعة ذلك البيان قلماً ولساناً مؤدياً زكاة البيان في الدفاع عن الحق والفضائل والأعراض،والهجوم على المنكر والفجور والغباحية والشهوات،وأن تشهر القلم الشريف المحصّن بالأخلاق والدين ضد زنا الأقلام المأجورة والتي كثرت ونمت وتكاثرت في أمتنا تحت طائفة كبيرة ممن يسمون الرواد والصحفيين والكتاب والذين صارت لهم كتب تُقرا،ومقالات تُدرس ،ومجلات تُوزع،ورسائل دكتوراه في أبحاثهم وافتراءاتهم على المستوى المحلي والعالمي،وما محتواها إلا الترجمة الفنية لحديث المراقص والمواخير،وبيوت الخنا والزنا،مفسدة للعقول،هادمة للفضائل والأخلاق،وخاصة للشباب والشابات الذين يكونون في سن تصرخ بها الغرائز،وتغلي الدماء في العروق.

يجب يا صاحبي:أن تُجرد الأقلام من أغمادها،وتشرع حتى تصدع على هؤلاء الفاسدين حجارة القصور التي يعتصمون بها،ومن ورائهم السلطان السياسي والمادي والأخلاقي.

إن حملّة الأقلام الشريفة العفيفة هم أطباء وأساة هذه الأمة التي تعيش مراحل انهيار وتصدع وسفاف على كل المستويات،وعند هذه الأقلام الشريفة دواء الأمة،الذي يرجع لها صحتها وعافيتها،وإن لكل أديب شريف رسالة،فليتق الله لكي يكون عوناً له على تأدية رسالته.

إن المستقبل لهذا الدين، وإنما هي كبوات وعثرات، ولكن لابد لهذا الفارس أن ينهض من بعد عثرته، ولابد لهذاالمارد أن يصحو من غفوته، وتحسبونه بعيداً ونراه قريباً.والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين.