نبيُّ المرحمة ونبيُّ الملحمة

بسم الله الرحمن الرحيم

نبيُّ المرحمة ونبيُّ الملحمة

                       نبيُّ المرحمة         

مقدمة:

الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك ولم يكن له وليٌ من الذل وكبره تكبيراً.

{مُحَمَّدٌ رسولُ الله والذَّينَ مَعَهُ أشدَّاءُ على الكُفَّارِ رُحماءُ بينَهُمْ تراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يبتغونَ فَضلاً من الله ورضواناً سِيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ من أثرِ السُّجودِ ذلكَ مَثَلُهُم في التَّوراةِ ومَثلُهُم في الإنجيلِ كَزرعٍ أخرجَ شطأَهُ فآزرَهُ فاستغلظَ فاستوى على سُوقِهِ يُعجِبُ الزُّرَّاعَ ليغيظَ بِهمُ الكُفَّارَ}[الفتح 29].

{لقَدْ كانَ لَكُمْ في رسولِ الله أُسوَةٌ حَسنَةٌ لِمنْ كانَ يرجُو اللهَ واليومَ الآخرَ وذكرَ اللهَ كثيراً}[الأحزاب21].

{والّذّينَ آمنُوا وعَمِلُوا الصَّالحاتِ وآمنُوا بما نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ وهوَ الحقُّ مِنْ رَّبِّهمْ كَفَّرَ عنهُمْ سَيئاتِهمْ وأصلحَ بالَهُمْ}[محمد 2].

{إنَّ اللهَ وملائِكَتَهُ يُصلُّونَ على النَّبي يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا صلُّوا عليهِ وسَلِّمُوا تَسليما}[الأحزاب 56].

اللهم صلِّ على نبيك  محمد صلى الله عليه وسلم ،رسول الرحمة،وكاشف الغُمّة،ومُزيل النقمة،وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن اهتدى بهديهم في الأولين والآخرين،واجعلنا منهم برحمتك يا أرحم الراحمين،وسلّم تسليماً كثيراً.

يقول الدكتور العلامة الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(مقدمة كتابه السيرة النبوية ـ دروس وعبر ـ ):

“الحمد لله الذي أرسل رسله بالبينات والهدى،ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور،ويهدوهم إلى صراط الله العزيز الحميد.

والصلاة والسلام على أفضل رسله،وأشرف دعاته،سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ختم الله به رسله،فجعل سيرته قدوة لكل مؤمن في جميع شؤون الحياة صغيرها وكبيرها،وختم بدينه الشرائع،فجعل رسالته أكمل الرسالات وأوفاها بحاجات الناس في مختلف بيئاتهم وعصورهم،صلى الله عليه وعلى أصحابه الهداة البررة الذين علم الله فيهم سلامة الفطرة،وصدق العقيدة،وعظيم التضحية،فشرّفهم بحمل رسالة الإسلام إلى أمم الأرض،فأراقوا في سبيلها دماءهم،وفارقوا من أجلها ديارهم،حتى أدّوا الأمانة،وبلّغوا الرسالة،ونصحوا لله ورسوله،فكان لهم فضل على الإنسانية لا يُعرف مداها،ودين في عنق كل مسلم حتى يرث الله الأرض ومن عليها،رضوان الله عليهم وعلى من أحبّهم وحمل لواء الدعوة إلى الله من بعدهم حتى يوم الدين”.

ويقول الشيخ الدكتور العلامة مصطفى الزرقا رحمه الله(مقال نشر في مجلة الوعي الإسلامي الكويتية عام 1976م):

“لقد كانت سيرة المُنقذ الأعظم سيّد الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حافلة بالعظات والعبر،مليئة بجلائل الأعمال،ماثلة النبراس لأعين عظماء النفوس،الذين يريدون أن يكونوا عظماء الأعمال قادة للأجيال،تدلهم سيرته الجليلة على الطريق،وتضمن لهم النجاح والتوفيق،إن أخذوا أنفسهم باتّباع نهجها واقتفاء معالمها النيّرة.

نعم هكذا كانت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام منار المُهتدين،وقدوة المُقتدين،وستظل كذلك ما بقي الجديدان.

لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام أمّة وحده،لأنه قام بأعمال أمّة عظيمة خالدة،تنشىء الحياة بقوة،في مختلف ميادين الحياة.

لقد كان صلى الله عليه وسلم هو المرشد الهادي للجماعات والأفراد في عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم وآدابهم،وهو المعلم لهم فيما لهم وعليهم من حقوق لأنفسهم ولأسرتهم ولأمتهم ولربّهم من أمور الدين والدنيا.

وكان هو المُبيّن لأحكام الشريعة ونظمها التعاملية،التي يتكون فيها التشريع القضائي النافذ في الأمة.

وكان هو القاضي الذي يختصمون إليه في حقوقهم،فيفصل بينهم بحكم الشريعة.

وكان هو المُصلح المُوفق الذي يصلح بين القبائل والأسر والأفراد،إذا ساد بينهم خلاف،أو ساء ودّ وائتلاف.

وكان هو السائس الذي حمل عبء سياسة الإسلام الداخلية والخارجية،سِلماً وحرباً،تجاه خصوم الإسلام من العرب في جزيرتهم،ثم من الدول الأخرى خارج الجزيرة العربية من فرس وروم وقبط.

وكان هو قائد الغزوات والحروب يحمل السلاح على رأس جيشه،ويتقدّمه هجوماً ودفاعاً،وكانت هذه الحروب والغزوات متعاقبة،فلا ينتهي من غزوة حتى يستقبل أخرى.

وكان هو إمام الجماعة والجمعة والعيدين والجنائز،ورئيس الحج،وخطيب المواسم والمواقف،ومُستقبل الرسل والوفود العربية والأجنبية،يعقد المعاهدات والمحالفات،ويبثّ العيون والأرصاد،ويتلقى الأخبار من كل الجهات ويعمل على موجبها مبادراً قبل الفوات.

وكان هو الذي يدير جباية الأموال في الطوارىء وعند تجهيز الجيوش،ويجمع الزكاة والصدقات والأعشارويوزع كل ذلك في مصارفه،ويقسّم الغنائم الحربية على المجاهدين.

وكان عليه الصلاة والسلام،إلى كل ذلك يصوم الوصال،ويقوم معظم الليل مصلياً مُتعبداً،داعياًمتهجداً،آخذاً نفسه بالأشقّ،تاركاً لأمته الأخفّ مما يطيقون.

وكان كل هذا في حياته الخارجية،لا يشغله عن أن يكون عاملاً مع أهله في حياته الداخلية في بيته،مساعداً أزواجه فيه،فقد كان عليه الصلاة والسلام يحلب شاته بيده الشريفة،ويخصف نعله،ويرقّع ثوبه،ويخدم نفسه،ويأكل مع الخادم،ويطحن معه،ويحمل بضاعته من السوق.وكان أزهد الناس في حطام الدنيا،وأجودهم بما يدخل في يده”.

ويقول الدكتور شكري فيصل رحمه الله(الرسالة العدد 450 بتاريخ 16 شباط عام 1942م:

يا سيدي الرسول:

أتراني أملك منك النجوى،وأستطيع إليك البثّ،وأبلغ من ذلك السبيل،وأنا غائب في فيض من روعتك،ذاهل في فضاء من جلالك،فإنّ فيَّ دنيا من قدسيتك…أذكر دعوتك الكريمة…فأنساق في جمالها المشرق…منذ بدأتها فتىً تأنف نفسه الجهل،وتعاف بصيرته التقليد،ويحسّ في قراءته همسات من النور،وقبسات من الحق…حتى اختارك الله داعياً لا يهاب،ورسولاً  لا يجبن،وقائداً لا يضعف…واتسقّ في ذلك التاريخ…يغمرني ألقّه النّدي،وتتولاني بهجته الطروب،وتطالعني فيه العزمات التي لم يفلّ منها عَدد،ولم تقو عليها عِدد،ولم يبلغ إليها هدوء أو خور…

ها هنا في دعوتك…يا سيدي الرسول…عالمٌ مُتسقٌّ من الحقّ البيّن،والهدى الواضح،ومن السنن القويم والخلق الكريم،ومن العزمات الأبيّة والرجولةالقويّة،ومن الخير المُتدفق والفضل العميم…ومن الجمال الذي ينساب في ذلك كله،فيفيض عليه الرداء،ويشيع فيه البهاء،ويجعل منه الحادث الفذ.

فلتعش سيرتك يا سيدي يا رسول الله…انفعالاً حلواً،وعاطفةً لذيذة…وهيجاناً يُذكر بآيات الله،ويُقرّب إليه،ويُدني منه…ولتبق هذه السيرة الكريمة فكرة ومثلاً…فكرة سامية نبيلة،ومثلاً عالياً كريماً…ولتخفق نفوساً حول هذه الفكرة،ولتحوم في ثنايا هذا المثل كما يحوم الحجيج حول البيت المقدس…في خشوع الإيمان القوي،وروعة الجلال المهيب،وإطراقة المستغرق الذاهل…ولتنطلق….وقد انعتقنا من هذه القيود،وبرئنا من هذه الأغلال،وتَجردنا عن أوضار المادة وآثام العقل…لنغتسل في أضوائك الطهور ونتمسح بهديك الرشيد،ونستقي أمواههك الألقة…ولنغب في دنياك البريئة عبر الفضاء البعيد البعيد.

سأعبّ من كوثرك الخالد يا سيدي يا رسول الله،فأنا ظمآن حرّان…وسأقطف من جناتك المترعة،فأنا نهمٌ شرِه،ولقد طال بي الظمأ واشتدَّ علي الجوع،وضلّ بي الركب في قافلة تظن الهداية وهي حيرى،وتدعي الهناءة وهي شقية،وتحسب الراحة وهي في عذاب غليظ،وتمضي على الشوك وينفر من جراحها الدم،فلا تدرك لذع الشوك وألم الدم..”.

في مولد سيد الكائنات

يوم مولد سيد الخلق والبشر عمّت الكون بأرجائه ومن فيه من بشر وما فيه من جماد وحيوان الرحمة بجميع أشكالها،كالشمس تغطي الكون بأشعة الدفء والحنان،في كل زمان وفي كل مكان،في كل مصر وفي كل عصر.

وكيف لا وسيد الخلق والبشر هو الرحمة المهداة،من الرحمن الرحيم،إلى مخلوقاته من أنس وجن،وبشر وحجر،إلى أن يرث الله الأرض،من يوم الخليقة إلى يوم  المحشر.

وهو النور الذي أزاح عن الكون ظلمات الجهل والظلم والإستبداد،وكيف لا وهو قبس من نور الله {الله نور السماوات والأرض}[النور35].

وهو المخلّص للبشرية من أرزاءالوثنية والشرك والضلال،واتّباع الهوى والغواية والفساد،وكيف لا وهو الهادي من ربِّ العالمين الذي أرسل كتابه ودعوته ورسوله هدىً للعالمين.

وهو رحمة العباد والبشر في الدنيا والشفيع لهم في الآخرة،{يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ* إلا من أتى الله بقلبٍ سليم}[الشعراء 88ـ 89].فهو الرحمة لعباد الله في الدارين:دار الفناء،ودار البقاء.

جاء في مقال للأستاذ العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله بعنوان “المولد النبوي”:

يقول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله:

وُلدَ الهدى فالكائناتُ ضياء     وفمُّ الزمان تبسّم وثناء

“إن بيت شوقي يصوّر الحالة السائدة في العالم قبل الإسلام وأنها ضلال في ضلال وظلام في ظلام،وكذلك كانت هي،ويُصوّر ولادته صلى الله عليه وسلم ولادة للهدى الماحي لذلك الضلال،فهي ليلة لم يولد فيها رجل،ولو كانت كذلك لما كان لها فضل على بقية الليالي،ولكنها ليلة ولد فيها الهدى بأكمله والرحمة بأجمعها،وإن الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لَهو الهدى الكامل لبني آدم كلهم،والرحمة الشاملة لجميعهم،وإن العالم كله في ذلك الوقت كان متعطشاً ومُتشوقاً إلى رحمة الله لمّا أعوزته الرحمة من أفراده،ولقد أصاب مطلوبه ونال مرغوبه في آية واحدة من القرآن الكريم وهي قوله تعالى:{إنَّ الله يأمُرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى وينهى عن الفحشاءِ والمُنكرِ والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}[النحل 90]،وهي آية جامعة للجناحين اللذين يطير بهما الإنسان وهما الأمر والنهي،وما زالت سعادة الإنسان وشقاؤه معلّقين على ما يفعله وما يتركه،فيسعد إذا فعل الخير،ويشقى إذا عكس القضية.

ويتابع رحمه الله:

“كانت ليلة ميلاده صلى الله عليه وسلم مصحوبة بالهدى والحقّ والنور،سبباً في تبسم فمّ الزمان وافتراره وفي إطلاق لسانه بالثناء وانتشاره،ولقد كان الزمان عابساً لما يقع من شرور بني آدم وضلالهم،فلا عجب أن يتهلّل ويستبشر حينما تمخّضت إحدى لياليه عن ميلاد سيد البشر الذي جاء بالهدى ودين الحق.

ويتابع رحمه الله:

“السر في هذه الليلة التي ولد فيها الهدى أنه مَحق الضلال،وولد فيها الحق الذي محا الباطل،وورد فيها النور الذي نسخ الظلام،وولد فيها التوحيد الذي أمات الوثنية،وولدت فيها الحرية التي انتقمت من العبودية وولد فيها التساوي الذي قضى على الأثرة والأنانية،وولد فيها التآخي الذي أبطل البغي والعدوان،وولدت فيها الرحمة التي قضت على القسوة والجبروت وعلى البخل وآثاره،وولدت فيها الشجاعة التي تنصر الحقيقة وتمهد الطريقة،وبالإجمال ولد فيها الإسلام وما أدراكم ما الإسلام”.

ويقول الشيخ محمد البشير الإبراهيي رحمه الله في مقال آخر بعنوان”في ذكرى المولد النبوي الشريف”:

“إن ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالهدى ودين الحقّ،هو مولد لكل ما جاء به محمد من الهدى ودين الحق!،فهو مولد للصلاح والإصلاح والهداية والرحمة والخير والعدل والإحسان والأخوّة والمحبة والرفق،وهو مولد لجميع الشرائع السمحة التي غيّرت الكون،وطهّرت النفوس،وصحّحت الحدود بين الناس فوقف كل واحد منهم عند حدّه،ووضحت المعالم المطموسة بين الخلطاء فوقف كل خليط من خليط موقف المعاون،لا موقف المعاكس.

ومولد محمد صلى الله عليه وسلم هو الحد الفاصل بين حالتين للبشرية:حالة من الظلام جللها قروناً متطاولة،وحالة من النور كانت تترقبها،وقد طلع فجرها مع فجر هذا اليوم،فميلاد محمد صلى الله عليه وسلم كان إيذاناً من الله بنقل البشرية من الظلمات إلى النور،ومن الضلال إلى الهداية،ومن الوثنية إلى التوحيد،ومن العبودية إلى الحرية،وبعبارة جامعة من الشرّ الذي لا خير فيه إلى الخير الذي لا شر معه.

مولد محمد صلى الله عليه وسلم هو مولد تلك التعاليم التي حرّرت العقل والفكر وسمت بالروح إلى الملأ الأعلى،بعدما تدّنت بالمادة إلى الحيوانية،وبالشهوات إلى البهيمية،وبالمطامع إلى السبعية الجارحة.

ومولد محمد صلى الله عليه وسلم هو مولد الإسلام والقرآن وذلك الفيض العميم من المعاني التي أصلحت الأرض ووصلتها بالسماء وفتحت الطريق إلى الجنة”.

جاء في كتاب السيرة النبوية للدكتور محمد بن محمد أبو شهبة:

“ففي صبيحة اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل،الموافق سنة 570م(وفي روايات أخرى 571م)حيث بدأ الصبح يتنفس،وآذن نور الكون بالإشراق،افترّ ثغر الدنيا عن مُصاصة البشر،وسيد ولد آدم ،وأكرم مخلوق على الله:سيدنا محمد بن عبد الله.

ولما وضعته السيدة والدته خرج معه نور أضاء ما بين المشرق والمغرب،حتى رأت منه قصور بصرى بالشام،ووقع جاثياً على ركبتيه،معتمداً على يديه،رافعاً رأسه إلى السماء،ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها.

روى محمد بن سعد من حديث جماعة منهم:عطاء بن أبي رباح،وابن عباس،أن آمنة بنت وهب قالت:لما فصل مني ـ تعني النبي ـ خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب،ثم وقع على الأرض جاثياً على ركبتيه،معتمداً على يديه،ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها،ورفع رأسه إلى السماء”.

يقول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله في مولد النبي صلى الله عليه وسلم:

ولد الهدى فالكائنات ضياءُ                وفم الزمان تبسُّم وثناء

الروح والملأ ،الملائك حوله               للدين والدنيا به بشراء

والعرش يزهو،والحظيرة تزدهي          والمنتهى والسِّدرة العصماء

بك بشَّر الله السماء فزينت                 وتضوّعت مِسكاً بك الغبراء

يومٌ يتيه على الزمان صباحه              ومساؤه بمحمد وضاء

ذعرت عروش الظالمين فزُلزلت           وعلت على تيجانهم أصداء

والنار خاوية الجوانب حولهم              جمعت ذوائبها وغاض الماء

والآي تترى،والخوارق جمّة                جبريل روّاح بها غدّاء

(يمكن الرجوع إلى الموقع في قصائد المدح النبوي)

يقول الأستاذ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(البواكير ـ في ذكرى مولد فخر الكائنات):

“قف أيها الفلك ساعة من زمان إجلالاً لهذه الذكرى وإعظاماً لهذا اليوم،وتخشّعي أيتها البشرية،فهذا يومك الذي خُلِّصتِ فيه من ظلمات الجهل وأُطلقتِ فيه من قيود الإستبداد،وليهتف أبناؤك بصوت واحد ترتجّ منه جوانب الأبدية ويردّده الدهر في فضاء النهاية:صلى الله على محمد،رسول الله ومُخلص العالم،والله أكبر.

ما كان محمد نبيّ المسلمين وحدهم،وما كانت هدايته مقصورة عليهم دون غيرهم،بل هو رحمة للعالمين وهادٍ للناس أجمعين.بُعث وفي قلبه نور الله،ففاض على الحياة فكان منه نعيمها وسعادتها،وفاض على الصحابة فكان منه هذا الإيمان الذي ملأ قلوبهم.بهذا الإيمان جاهدوا،بهذا الإيمان انتصروا،بهذا الإيمان دكّوا صرح كسرى وعرش قيصر،وبه ملكوا ما بين قلب فرنسا وقلب الصين وعليه شادوا مدنيّة بغداد وحضارة الأندلس.

وإن يوماً تُطوى فيه هذه البشرية طَيّ السجلّ للكتب ولا يبقى إلا نور الله،هنالك وقد خشعت الأصوات للحيّ القيوم،هنالك وقد عُرضوا على ربك صفاً،هنالك وقد ذهب كل شىء ولم يبقَ إلا سعادة الأبد أو شقاء الأبد…هنالك يعرف الناس قيمة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم،فيحمد المؤمن ربّه ويشكر،ويندم الكافر ويقول:{يا ليتني كنتُ تُراباً}[النبأ 40]،وهناك ينادي منادي الله:{لِمنِ المُلكُ اليومَ لله الواحدِ القهار}[غافر 16].

هنالك الدليل الراجح والحجّة البالغة على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على سعادة الحياة الدنيا،بل تعداها،إلى أمر أبعد،إلى غاية أسمى هي سعادة الحياة الأخرى،حياة الخلود،فكان رسولَ الله ورحمةً للعالمين”.

ويقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تحت عنوان”مولد سيد العرب وهادي العجم”(الإذاعة المصرية سنة 1948م):

“في ليلة الثاني عشر من هذا الشهر المبارك عام الفيل بمكة المكرمة،افترت ثغور الزمن عن أجمل بسماتها،وتفتحت أكمام البشرية عن أنضج ثمراتها،وأشرقت آفاق السماء بأضوأ أنوارها:محمد بن عبد الله بن عبد المطلب،نجيب بني هاشم،وفتى قريش،وفخر كنانه،وسيد العرب،وهادي العجم،ورحمة الله للعالمين صلى الله عليه وسلم،فتوالت بذلك بشرى الهواتف،وانسكب في مسمع الدهر أعذب حداء لركب الحضارة الإنسانية،وأحلى نشيد في تاريخ الوجود.

أيها المستمعون الكرام..

مظاهر الفضل والجلال والعظمة والجمال التي تحيط بهذا المولد الكريم والرسول العظيم سفر ضخم لا تتناهى صفحاته ولا تنقضي عجائبه وآياته،فهو عظيم في نسبه العربي المصفى،عظيم في نشأته الفاضلة الكريمة،وعظيم في خلقه الجميل المنير،عظيم في خلقه الكامل المظهر،عظيم في سيرته الجامعة لكل معاني الفضل والكمال صلى الله عليه وسلم.

وإن أضوأ صفات هذا السفر المشرق بالنور والبهاء…الفياض بالسنا والسناء،وأجلّها أثراً في حياة الإنسانية،ما يتصل برسالته الخالدة الباقية رسالة الإسلام الحنيف،الذي هو كمال نعمة الله على عباده،وتمام منّته على خلقه ،وصدق الله العظيم:{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}[المائدة 3].

يقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله في مولد النبي العظيم(الرسالة العدد 355):

“سكن الكون وأصغى،وتعبّأت كلّ القوى الأبدية لحشدها،وعبَّ التيار الإلهي الذي يموج به الكون،وسعت الملائكة بالبشرى بين خوافق السماء والأرض،وتهلّلت أجيال النبّوة بأفراح خاتمها الذي أتمّ الله به نعمته على الناس،وسرت في الكائنات أسرار الحياة الجديدة،فاهتزّت وربت واستشرفت إلى النور الخالد الذي ينبع من أفق الإنسانية العالي البعيد،ووسوست رمال الصحراء بتسبيحة المجد لله،تستقبل الأقدام التي تطؤها بالنور الذي سيمشي أول ما يمشي على حصبائها،ثم يمشي بأصحابه في أرجاء الأرض يُحييها بعد موت،ويُطهرها بعد دنس.

سكن السكون وأصغى،وسكنت الشياطين في مخارمها ومهاويها وآفاقها،وخشعت وساوس إبليس بالرعب والفزع،وثبتت في مساربها جائلات الجبت والطاغوت،وتحيّرت في مستقرها أباطيل الأوثان وأوهام الألوهة المزيفة على الناس ثم اهتزّ الكون كله بالفرح،فتداعت أبنية الأجيال الوثنية الباطلة،ثم أخذت تتداعى تحت الأشعة النبوية التي نشرت على الدنيا نورها بالحق والعدل والتوحيد والسلام…

سكن الكون وأصغى،ثم اهتزّ بنوره وتطهر،صلى الله عليه وسلم.

والسلام عليك يا رسول الله،سلاماً من كل قلب،وفي كل زمن،والحمد لله الذي أرسلك بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 12):

“كان العالم يُقاسي حين ولد محمد بن عبد الله تفكك الخُلق،وتحلّل الرجولة،وضياع المثل الأعلى،فكان أكمل ما في حياة (الأمين) هذه الصفات النوادر:خلق عظيم شهد به الله،ورجولة كاملة خضع لها الناس،ودين يجمع إلى سعادة الدنيا سعادة الآخرة،ورسالات الرسل إنما تعالج بظهورها الفساد الذي استشرى في العالم والداء الذي استفحل في الناس.

ويتابع رحمه الله:

“إن ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ذكرى انطلاق الإنسانية من أسر الأوهام،وطغيان الحكام،وسلطان القوة.فما أجدر النفوس الذاكرة الحرة على اختلاف منازعها أن تخشع إجلالاً لذكرى رسول التوحيد والوحدة،ونبي الحرية،وداعية السلام والوئام والمحبة”.

ويقول الدكتور أحمد حسن الزيات في مقال آخر(الرسالة العدد 101):

“ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم هي ذكرى قيامة الروح وولادة الحرية ونشور الخلق،فكأنّ مولده كان البعث الأول الذي طهر النفس وعمر الدنيا وقرر الحق للإنسان،كما أن البعث الأخير سيخلص الروح ويبتدىء الآخرة ويعلن الملك لله.

لما أتى النبي العربي فتح في غار حراء باباً إلى السماء،تنزّلت منه الملائكة والروح على هذا الهيكل المنحل والجسد المعتل فنفخت فيه سر الحياة ومعنى الخلود وحقيقة الله.وحينئذ شعر سليل الأرض أن له أسباباً إلى السماوات رثت على طول غفلته،وأن له حياة خيراً من هذه الحياة استسر علمها في جهالته،فتشوّف إلى الأفق البعيد،واستشرق إلى السمت العالي،وأرسل نظره وراء النظر النبوي من فوق الجبل،في صمت حراء المفكر،وفي سكون الوادي الملهم،وفي غيابة الفضاء الرهيب،يفكر في الملكوت الدائم،ويسبح للجلال القائم،ويفنى في الوجود المطلق”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات أيضاً(الرسالة العدد 51):

“كان الناس في أبريل من عام 571،والطبيعة المشفوفة تنتظر انبثاق الروح المبدع،وانبعاث الربيع الممرع،وانتعاش الحياة الجديدة في الأرض الهامدة،والخليقة المئوفة ترسل النظر الحائر في الآفاق الغائمة،ترتقب لمعة النور من الشرق،ونفحة القوة من الحق،وكلمة الهدى من الله،والجزيرة المجهودة تصهرها الشدائد،وتطهرها الدماء،وتهيئها الأقدار ليهبط فوقها الوحي،ويتجلى لها الخالق،وتتصل عندها السماوات بالأرض،والهواتف الطائفة تعلن في رؤوس الجبال،وسفوح الأودية،ومدارج السيل،وسوابيط المعابد،وأواوين القصور،بشرى الرسالة الأخيرة،وظهور الرسول المنتظر،والشياطين الآلهة تئن في أجواف الأصنام المُنكسة أنين الخيبة والهيبة واليأس،وأجنحة الأملاك تخفق من وراء البصر في جو مكة القائظ المغبر،فتنفض عليه النور والسرور والدعة،وأرواح الأنبياء من حول الكعبة تضوع بالحمد والدعاء احتفالاً  بختام النبوة،وقيام الدعوة مرة أخرى في بيت إبراهيم،وومضات من روح القدس وأشعة الخلد تنعقد هالات مشرقات على (شعب بني هاشم) وفوق دار آمنة،والنبي الوليد الذي خنس لمولده الشيطان،واعتدل بمقدمه الزمان،وخشع لذكره الكاهن والموبذان ،وتصدع من خشيته الدست والإيوان،يفتح عينيه للوجود في بيت العُدم،ويلقى أرواقه الكريمة على نهاد اليتم،ولا يظفر بمرضع إلا لأنها لم تظفر آخر الأمر بغيره!!

تبارك الله ما أبلغ حكمه وأجلّ شأنه! شاء لنوره وبرهانه أن يشرقا في هذا المنزل المتواضع،ولمجده أن يظهر في هذا اليتيم الوادع،ولعلمه وقرآنه أن ينزلا على هذا الأميّ الحي،لتكون آيته أبهر للعيون ،ودعوته أبرع في  العقول،وكلمته أنوط بالأفئدة،ولو اتخذ رسله من الملوك العواهل لأتهمت المعجزة,والتبس على الناس فعل القدرة”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 1021 بتاريخ 8 أغسطس 1963م):

“يوم ذكرى مولد الرسول الأعظم صلوات الله عليه تحتفل به أمّة الإسلام في شرق العالم وغربه،وكان من الإخلاص لمعنى الإنسانية في ذاته أن يكون الاحتفال به عالمياً يرمز لإنتقال البشرية من طغيان الفرد إلى سلطان الجماعة،ومن وثنية الشرك إلى وحدانية الله،ومن عبودية المادة إلى حرية الروح،فإن الرسالة المحمدية نظام من الخير الإلهي لا يتحدّد بزمن ولا وطن ولا جنس.فالمسلمون وغير المسلمين تمتعوا في دنياها المحكومة بشريعة السماء كما يتمتع كل حي بنور الشمس وحرارتها على حد سواء.

إن الأربعين سنة التي مرت على عين الدنيا بين مولد محمد اليتيم ومبعث الرسول العظيم كانت احتضاراً لعالم منحل ترادفت عليه العلل حتى أشفت به على الموت.

كانت الجاهلية العالمية التي سبقت الإسلامية العالمية ليلاً موصول الظلام،مبسوط الهول على الأرض.ومن حقبة إلى حقبة كانت تضىئ سماءه الداجية ومضات من عقل الإنسان،وأشعة من وحي الله في سيناء وأورشليم.

حتى إذا خبا نور العقل بحيوانية الرومان،وخفت صوت الوحي بمادية اليهود،أطبق الظلام في كل سماء،وغشى الضلال على كل أرض،وسرت قافلة الحياة غوية تخبط في مجاهل البيد،يسوقها من الشرق الفرس،ويقودها إلى الغرب الروم،ولم تكن الروم في القرنين السادس والسابع للميلاد إلا دولة منحلة ألح عليها سرف الغنى وترف العيش وفساد العقيدة وتباين المذاهب حتى انتهى أمر دينها في بيزنطة إلى خلاف مستحكم في طبيعة المسيح،وجدل متحكم في صفات هذه الطبيعة،وآل أمر دنياها في رومة إلى استغراق في شهوات الحس ونزوات النفس كفكفت من سلطان العقل،وطأطأت من أشراق الروح.

كذلك لم تكن الفرس في ذلك العصر نفسه إلا حطام دولة وغثاء جيل مُنيت بما منيت به الروح من تحلل العقد وتعفن الأخلاق وسطوة الشهوات وتفاوت الطبقات وطغيان الملوك وبطلان الدين.وأربت عليها بنشوء المذاهب المعوجة فيها.وغلبة الميول الشاذة عليها،فمن(رمزية) زرادشت الذي مهد للمجوسية الحمقاء،إلى (عدمية) ماني الذي حرم الزواج استعجالاً للفناء،إلى(وجودية) مزدك الذي جعل الناس شركة في الأموال والنساء،إلى حال من الإجتماع العفن والنظام البالي لا يعيش فيهما حي،ولا يدوم عليهما ملك.

وكان الناس من وراء هاتين الدولتين يعيشون على حال أسوأ من هذه الحال،وفي درك أسفل من هذا الدرك.فالعرب واليهود قد وصفهم الكتاب العزيز بما لا بيان بعده،والهنود وأهل الصين كانوا من البوذية والبرهمية في وثنية وإباحية لا حصر لأصنامها ولا حد لأوهامها،ولا علاج لما ابتلتهم به من أدواء خلقية واجتماعية بعضها يبيد عالماً بأسره.

أما الشعوب الأوربية في الشمال والغرب فكانت لا تزال خارج الوجود المتمدن لا تشعر بأحد ولا يشعر بها أحد.

على هذه الحال الأليمة والقيادة المضلة كانت قافلة الحياة تسري.ظلام مخيم على الكون كله.فيه التهاويل التي تفزع كل نفس،والعراقيل التي تصطدم كل قدم،والشياطين التي توسوس هنا بالفتنة،وتغري هناك بالإثم،وتعبث هنالك في الدين،وتستعين دائماً بحواء على إغواء آدم!

وما كان لله جلّ شأنه أن ليكل ركب الخليقة إلى نفسه فيعمّه في هذا التيه وقد قضى عليه أن يقطع مراحل الدنيا ويبلغ غاية الأجل.لذلك أذن وهو الرؤوف الرحيم لهذا الليل أن يصبح،وشاء وهو الخبير العليم أن يكون اسفار صبحه من غار حراء هنالك تجلّى الله لجبل النور فأشرق الحجاز كله.ونزل الرسول المصطفى من الغار ونور الله يسعى بين يديه،وصوت الروح الأمين يتردد في أذنيه،فدعا إلى الإسلام البدو الرعاة الذين اختارهم الله لهداية خلقه،ثم خرج بهم إلى القافلة البشرية وقد شردها الضلال,وأضناها الكلال وأعوزها الهادي الذي يدل والحادي الذي يرفه،فرد الشارد وألف النافر وجمع الشتيت،وطمأن السادرين اليائسين الهلكى.يقول ربه:{قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبينٌ*يهدي بهِ اللهُ من اتّبعَ رضوانهُ سُبُلَ السلام ويُخرجهم من الظلماتِ إلى النورِ بإذنهِ ويهديهم إلى صراطٍ مستقيم}[المائدة 15 ـ 16].

ويتابع الزيات رحمه الله:

“ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم والعرب أشتات من غير جامع،وهمل من غير رابطة،وأحياء من غير هدف،فاضت في نفوسهم الحياة وزخرت في صدورهم القوة فصرفوا هذا النشاط العجيب إلى نزاع لا ينقطع وصراع لا يفتر.فحمل إليهم وحده رسالة الله لا يسنده سلطان ولا يؤيده جيش ولا يمهد له مال،فنفروا منها نفور الوحش المروع،ثم رأوا فيها سيادة لأسرة،وخضوعاً لقانون وخروجاً على عرف فقابلوها بالعناد وعارضوها بالحجاج،ودافعوها بالكيد.آذوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أهله وفي صحبه وفي نفسه فما وهن عزمه،ولا لانت قناته،وإنما قابل الأذى بالصبر،والسفه بالحلم،والفظاظة باللين،وهذا هو الخلق.

ثم قارع الجدل بالتحدي والمكابرة بالسيف،وهذه هي الرجولة.وبذلك الخلق وهذه الرجولة انتصر محمد صلى الله عليه وسلم وحده على العرب،وبذلك الخلق وهذه الرجولة انتصر العرب بعده على العالم.

إن ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ذكرى انطلاق الإنسانية من أسر الأوهام وطغيان الحكام وسلطان القوة وتحكم الجهالة.فما أجدر النفوس الذاكرة الحرة على اختلاف منازعها وعقائدها أن تخشع إجلالاً لذكرى رسول التوحيد والوحدة،ونبي الحرية والكرامة،وداعية السلام والوئام والمحبة”.

ويقول الأستاذ عبد الوهاب عزام رحمه الله في مقال بعنوان”إلى الرسول الكريم”:

“لم تُضرب البشائر لمولده،ولا سارت الأنباء،ولا تطايرت التهاني،ولا اجتمعت المحافل،ولكن الله سبحانه كان يعلم ماذا أخرج من غيبه،وماذا وضع على أرضه.

كان الله وحده يعلم أن قد وُلد الرجل الذي أعدّه ليعلي التوحيد ويضع الوثنية،ويعزّ الحقّ ويُذلّ الباطل،وينصر الخير ويخذل الشر،ويمحو العبودية ويثبت الحرية،ويزلزل الجبارين،ويُثّبت الضعفاء والمساكين،ويُبطل التمييز بين الناس،ويشيع المساواة بينهم،ويُحقّر الأحساب والأنساب،ويعظم العمل الصالح،ويحطم العصبيات ويدعو إلى الأخوّة العامة.

كان الله وحده يعلم أن قد وُلد الرجل الذي يخرج الحقّ من الصوامع والمعابد إلى معارك الحياة،ويقيم البرّ بألسنة الملوك وأيديهم بعد أن كان تعلّة الفقراء والمساكين،ويقف الملوك في صفوف الصلاة بعد أن كانوا في صفوف الآلهة،ويجعل الحياة جهاداً دائباً للحقّ والخير،ولا يضعف ولا يفتر،ويُري الناس كيف يجتمع الحق والقوة،ويلتئم الملك والنبوة”.

“وإنَّكَ لَعلى خُلُقٍ عظيم”

يقول الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد 51):

“وكل ذلك تراه في نفس محمد صلى الله عليه وسلم،فهي في مجموعها أبلغ الأنفس قاطبة،لا يمكن أن تعرف الأرض أكمل منها،ولو اجتمعت فضائل الحكماء والفلاسفة والمتأهلين وجعلت في نصاب واحد ما بلغت أن يجىء منها مثل نفسه صلى الله عليه وسلم.ولكأنّما خرجت هذه النفس من صيغة كصيغة الدرة في محارتها،أو تركيب كتركيب الماس في منجمه،أو صفة كصفة الذهب في عرقه.

وهي النفس الاجتماعية الكبرى،من أين تدبرتها رأيتها على الإنسانية كالشمس في الأفق الأعلى تنبسط وتضحي وتلك هي الشهادة له صلى الله عليه وسلم بأنه خاتم الأنبياء،وأن دينه هو دين الإنسانية الأخير.فهذا الدين في مجموعه إن هو إلا صورة تلك النفس العظيمة في مجموعها،صلابته بمقدار الحق الإنساني الثابت،لا بمقدار الإنسان المتغير الذي يكون عند سبب جبلاً صلداً يشمخ،وعند سبب آخر ماءً عذباً يجري.

ويتابع رحمه الله:

“وعجيب أن يجهل المسلمون حكمة ذكر النبي العظيم خمس مرات في الأذان كل يوم يُنادى باسمه الشريف ملء الجو،ثم حكمة ذكره في كل صلاة من الفريضة والسنة والنافلة يهمس باسمه الكريم ملء النفس!وهل الحكمة من ذلك إلا الفرض عليهم ألا ينقطعوا من نبيهم ولا يوماً واحداً من التأريخ،ولا جزءاً واحداً من اليوم،فيمتد الزمن مهما امتدّ والإسلام كأنه على أوله،وكأنه في يوم ولا في دهر بعيد.

والمسلم كأنّه مع نبيه بين يديه تبعثه روح الرسالة،ويسطع في نفسه إشراق النبوة،فيكون دائماً في أمره كالمسلم الأول الذي غيّر وجه الأرض،ويظهر هذا المسلم الأول بأخلاقه وفضائله وحميّته في كل بقعة من الدنيا مكان إنسان هذه البقعة لا كما نرى اليوم.

لا تنقطع من نبيك العظيم،وعش فيه أبداً،واجعله مثلك الأعلى،وحين تذكره في كل وقت فكن كأنك بين يديه،كن دائماً كالمسلم الأول،كن دائماً ابن المعجزة”.

ويقول الكاتب العظيم عباس محمود العقاد رحمه الله(عبقرية محمد):

“إذا كان الرجل محباً للناس،أهلاً لحبهم إياه،فقد تمت له أداة الصداقة من طرفيها.

وإنما تتم له أداة الصداقة بمقدار ما رزق من سعة العاطفة الإنسانية،ومن سلامة الذوق،ومتانة الخلق،وطبيعة الوفاء.فلا يكفي أن يحب الناس ليحبوه،لأنه قد يحبهم وفي ذوقه نقص ينفرهم منه ويزهدهم في حبه.

ولا يكفي أن يكون محباً سليم الذوق ليبلغ من الصداقة مبلغها فقد يكون محباً محبوباً حسن الذوق ثم يكون نصيبه من الخلق المتين والطبع الوفي نزراً ضعيفاً لاتدوم عليه صداقة،ولا تستقر عليه علاقة.

إنما تتم الصداقة بالعاطفة الحية،والذوق السليم،والخلق المتين،وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الخصال جميعاً مثلاً عالياً بين صفوة خلق الله.

كان عطوفاً يرأم من حوله ويودهم ويدوم لهم على المودة طول حياته،وأن تفاوت ما بينه وبينهم من سن وعرق وقام…كان صبياً في الثانية عشرة يوم سافر عمه،فتعلق به حتى أشفق العم أن يتركه وحده فاصطحبه في سفره.

وكان شيخاً قارب الستين يوم بكى على قبر أمه بكاء لا ينسى.

وليسَ في سجل المودة الإنسانية أجمل ولا أكرم من حنانه على مرضعته حليمة ومن حفاوته بها وقد جاوز الربعين،فيلقاها هاتفاً بها:أمي! أمي! ويفرش لها رداءه .ويعطيها من الإبل والشاء ما يغنيها في السنة الجدباء.

ولقد وفدت عليه هوازن وهي مهزومة في وقعة حنين وفيها عم له من الرضاعة…لأجل هذا العم من الرضاعة تشفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين أن يردوا السبي من نساء وأبناء،واشترى السبي ممن أبوا رده إلا بمال.

وحضنته في طفولته جارية عجماء فلم ينس لها مودتها بقية حياته،وشغله أن تنعم بالحياة الزوجية ما يشغل الأب عن أمر بناته ورحمه،فقال لأصحابه:”من سرّه أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن…ومازال يناديها يا أمة كلما رآها وتحدث إليها،وربما رآها في وقعة قتال تدعو الله وهي لا تدري كيف تدعو بلكنتها الأعجمية،فلا تنسيه الوقعة الجازبة أن يصغي إليها ويعطف عليها.

وكان هذا عطفه على كل ضعيف ولو لم يذكره بحنان الطفولة ورحم الرضاع،فما نهر خادماً ولا ضرب أحداً،وقال أنس:”خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين،فما قال لي أفٍّ قطُّ،وما قال لي لشىء صنعته:لم صنعته؟ولا لشىء تركته:لم تركته“.[أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

وكان من أضحك الناس وأطيبهم نفساً،صافي القلب إذا كره شيئاً رؤي ذلك في وجهه،وإذا رضي عرف من حوله رضاه.

وقد اتسع عطفه حتى بسطه للأحياء كافة ولم يقصره على ذوي الرحم من الناس،ولا على الناس من غير ذوي الرحم،فكان يصغي الإناء للهرة لتشرب،وكان يواسي في موت طائر يلهو به أخو خادمه.

هذه العاطفة الإنسانية التي رحبت حتى شملت كل ما أحاطت به وأحاط بها،لم تكن هي أداة الصداقة في تلك النفس العلوية،بل كان معها ذوق سليم يضارعها رفعة ونبلاً،ويتمثل ـ فيما يرجع إلى علاقات النبي صلى الله عليه وسلم بالناس ـ في رعاية شعورهم أتمّ رعاية وأدلها على الكرم والجود.

ومع العاطفة الإنسانية والذوق السليم والأدب الكريم سمت جميل،ونظافة بالغة وحرص على أن يراه الناس في أجمل مرآه.ومع هذا كله،أمانة يثق بها العدو فما بال الصديق؟”.

ويقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(فقه السيرة):

“ولد محمد صلى الله عليه وسلم من أسرة زاكية المعدن نبيلة النسب،جمعت خلاصة ما في العرب من فضائل،وترّفعت عما يشينهم من أوضار،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه:”إن الله اصطفى من ولد إبراهيم،إسماعيل،واصطفى من ولد إسماعيل كنانة ،واصطفى من بني كنانة قريشاً،واصطفى من قريش بني هاشم،واصطفاني من بني هاشم“[أخرجه الترمذي عن واثلة بن الأسقع الليثي أبو فسيلة وصححه الألباني]

وعراقة الأصل لا تمنح الرجل الفاشل فضلاً،كالصُلب إذا ترك للصدأ يمسي لا غناء فيه،أما إذا تعهدته اليد الصناع فإنها تبدع منه الكثير”.

ويتابع الشيخ في موضع آخر من الكتاب:”

لكن محمداً عليه الصلاة والسلام(قبل البعثةـ) ما أثرت عنه قط شهوة عارضة أو نزوة خادشة أو حكيت عنه مغامرة لنيل جاه أو اصطياد ثروة.بل على العكس بدأت سيرته تومض في أنحاء مكة بما امتاز به على أقرانه من خِلالٍ عذبة،وشمائل كريمة،وفكر راجح،ومنطق صادق،ونهج أمين…وليس شرف النفس أن تنتفى شهوة الإنسان إلى الحياة.أو توجد الشهوة وتنتفي وسائل بلوغها.بل الشرف أن تكون قوة العفاف أربى من نوازع الهوى فإذا ظلت النفس في حالة سكون فلتعادل القوى السالبة والموجبة فيها،وقد تجد رجلاً تافهاً هزيلاً لا يخفى له طمع ولا تنحبس له شهوة ولو قِستَ غرائزه المنفلتة بغرائز غيره المضبوطة ما بلغت عشر قوتها،ولكن هذه وجدت زماماً من الرشد فكظم عليها.وتلك لم تجد عقلاً يردع ولا خلقاً يعصم فثارت وتمردت..

ويتابع رحمه الله:

“وقد كانت رجولة محمد عليه الصلاة والسلام في القمة،بيد أن قواه الروحية وصفاءه النفسي جعلا هذه الرجولة تزداد بمحامد الأدب والاستقامة والقنوع.ثم إنه كان معافى من العِقد الكريهة التي تزين للشباب تعشق العظمة عن طريق التظاهر والرياء،أو تطلب الرياسة عن طريق المداهنة واشتراء العواطف،فإذا انضم لهذا كرهه الشديد للأصنام التي عكف عليها قومه،وازدراؤه للأوهام والأهواء التي تسود الجزيرة وما وراءها،وإدراكه أن الحق شىء آخر وراء هذه الخرافات الغالبة…تبينا السر في استئناسه للجبال والفضاء،واستراحته إلى رعي الغنم في هذه الأنحاء القصيّة،مكتفياً بالقليل الذي يعود عليه من كسبها”.

ويقول الدكتور العلامة الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(السيرة النبوية ـ دروس وعبر):

“تدلنا الأخبار الثابتة عن حياته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة النبوية على الحقائق التالية:

1 ـ أنه ولد في أشرف بيت من بيوت العرب،فهو من أشرف فروع قريش،وهم بنو هاشم،وقريش أشرف قبيلة في العرب،وأزكاها نسباً،وأعلاها مكانة،وقد روي عن العباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:”إن الله خلق الخلق،فجعلني من خير فِرقهم ،وخير الفريقين.ثم خيّر القبائل ،فجعلني من خير القبيلة،ثم خيّر البيوت،فجعلني من خير بيوتهم،فأنا خيرُهم نفساً،وخيرهم بيتاً“[رواه الترمذي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وهو حديث حسن].

ويتابع الشيخ السباعي رحمه الله:

“وأنه كلما كان الداعية إلى الله،أو المصلح الاجتماعي في شرف من قومه،كان ذلك أدعى إلى استماع الناس له.فإن من عادتهم أن يزدروا بالمصلحين والدعاة إذا كانوا من بيئة مغمورة،أو نسب وضيع،فإذا جاءهم من لا ينكرون شرف نسبه،ولا مكانة أسرته الإجتماعية بينهم،لم يجدوا ما يقولونه عنه إلا افتراءات يتحلّلون بها من الاستماع إلى دعوته،والإصغاء إلى كلامه.

صحيح أن الإسلام لا يقيم وزناً لشرف الأنساب تجاه الأعمال،ولكن هذا لا يمنع أن يكون الذي يجمع شرف النسب وشرف الفعل،أكرم وأعلى مكاناً وأقرب نجاحاً،كما قال صلى الله عليه وسلم:”خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا“[رواه أبو هريرة رضي الله عنه وصححه الألباني]

(والفضل ما شهدت به الأعداء وهذه قصة أبي سفيان زعيم المشركين في مكة مع هرقل عظيم الروم عندما استدعاه للحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس،أخبره أن أبا سفيان بن حرب،أخبره:”أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجاراً بالشام ـ في المُدّة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش ـ فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه،وحوله عظماء الروم ثم دعاهم،ودعا بترجمانه فقال أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ؟فقال أبو سفيان:فقلتُ أنا أقربهم نسبا.فقال:أدنوه مني،وقربوا أصحابه،فاجعلوهم عند ظهره.ثم قال لترجمانه:قل لهم أني سائل هذا عن هذا الرجل،فإن كذبني فكذبوه.فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبتُ عليه,

ثم كان أول ما سألني عنه أن قال:كيف نسبهُ فيكم؟قلتُ:هو فينا ذو نسب.

قال:فهل قال هذا القول منكم أحد قطّ قبله؟قلت:لا.

قال:فهل كان من آبائه من ملك؟قلت:لا.

قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟فقلت: بل ضعفاؤهم.

قال: أيزيدون أم ينقصون؟قلت:بل يزيدون.

قال: فهل يرتدّ أحد منهم سخطةَ لدينه بعد أن يدخل فيه؟قلت:لا.

قال:فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟قلت:لا.

قال:فهل يغدر؟قلتُ:لا،ونحن منه في مُدة لا ندري ما هو فاعل فيها.قال: ولم تُمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة.

قال: فهل قاتلتموه؟قلتُ: نعم.

قال: فكيفَ كان قتالكم إياه؟قلت: الحرب بيننا وبينه سِجال،ينال منا وننال منه.

قال: ماذا يأمركم؟قلت: يقول اعبدوا الله وحده،ولا تشركوا به شيئاً،واتركوا ما يقول آباؤكم،ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.

فقال هرقل للترجمان:قل له:سألتك عن نسبه؟فذكرت أنه فيكم ذو نسب،فكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها،وسألتك:هل قال أحدٌ منكم هذا القول؟فذكرت أن:لا،فقلت:لو كان أحدٌ قال هذا القول قبله لقلت:رجل يأتسي بقول قيل قبله،وسألتك:هل كان من آبائه من مَلكٍ؟فذكرت أن:لا،قلتُ:فلو كان من آبائه من ملك قلت:رجلٌ يطلب ملك أبيه،وسألتك:هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن:لا،فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله،وسألتك:أشراف الناس اتّبعوه،أم ضعفاؤهم؟فذكرت:أن ضعفاؤهم اتّبعوه،وهم أتباع الرسل،وسألتك:أيزيدون أم ينقصون؟فذكرت:أنهم يزيدون،وكذلك أمرُ الإيمان حتى يتمّ،وسألتك:أيرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟فذكرت أن:لا،وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب،وسألتك:هل يغدر؟فذكرت أن:لا،وكذلك الرسل لا تغدر،وسألتك:بما يأمركم؟فذكرت:أنه يأمركم أن تعبدوا الله،ولا تشركوا به شيئاً،وينهاكم عن عبادة الأوثان،ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف.فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين،وقد كنت أعلم أنه خارج،لم أكن أظنُّ أنه منكم،فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه،ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه”.

وقريبٌ من هذا ما حدث مع وفد قريش إلى النجاشي وكان مؤلفاً من عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة قبل أن يسلما،وأرادا أن يقنعا النجاشي بإبعاد المسلمين الذين هاجروا إليه من مكة،وعندها أرسل النجاشي إلى أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وسألهم ماهذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من الناس فأجابه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال:”

“أيها الملك،كنا أهل جاهلية نعبد الاصنام،ونأكل الميتة،ونأتي الفواحش، ونقطع الارحام،ونسىء الجوار،ويأكل القوي منا الضعيف.

حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه،وأمانته وعفافه ،فدعانا لتوحيد الله وأن لا نشرك به شيئاً،ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام،وأمرنا بصدق الحديث،وأداء الأمانة،وصلة الرحم،وحسن الجوار،والكفّ عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش،وقول الزور،وأكل مال اليتيم،وأمرنا بالصلاة والصيام…قال جعفر:فآمنا به،وصدقناه وحرّمنا ما حرّم علينا،وحلّلنا ما أحلّ لنا.فتعدى علينا قومنا،فعذبونا،وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان.فلما قهرونا وظلمونا،وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك،واخترناك على من سواك،ورجونا أن لا نُظلم عندك”.)

2 ـ لم يشارك عليه الصلاة والسلام أقرانه من شباب مكة في لهوهم ولا عبثهم،وقد عصمه الله من ذلك،ولم يشارك قومه في عبادة الأوثان،ولا أكل شيئاً مما ذبح لها،ولم يشرب خمراً،ولالعب قماراً،ولا عرف عنه فحش في القول،أو هجر في الكلام.

3 ـ عرف عليه الصلاة والسلام في شبابه بين قومه بالصادق الأمين واشتهر بينهم بحسن المعاملة،والوفاء بالوعد،واستقامة السيرة،وحسن السمعة،وأفضل  شهادة له بحسن خلقه قبل النبوة قول خديجة رضي الله عنها بعد أن فجأه الوحي في غار حراء،وعاد مرتعداً:كلا والله لا يخزيك الله أبداً،إنك لتصل الرحم،وتحمل الكل(الضعيف) وتكسب المعدوم،وتقري الضيف،وتعين على نوائب الحق”.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 51):

“كان محمد بن عبد الله مثل الله الأعلى للإنسان الكامل.

صوّره خلقاً سوياً ليرسم الأخلاق بالمثل،ويعلم الدين بالعمل،وينظم الحياة بالقدوة.وإلا فكيف اجتمع فيه ما تفرّق في جميع الناس من خصال الرجولة،وخلال البطولة،وخلائق النبل،وبيئته لا تملك من بعض ذلك ما تعطيه؟

رعى على بعض أهله،وسعى لبعض قومه، وأتجر بمال زوجه،فكان في جليل الأمر كما كان في ضئيله صادق العزم،كريم العهد،وثيق الذمّة،راجح الحلم،شاهد اللبّ،لين العِطف ،حلو المعاشرة(يحمل الكلّ،ويُكسب المعدوم،ويعين على نوائب الحق).

ثم  اصطنعه الله لحقّه،وحملّه الرسالة إلى خلقه،فكان في غار حراء،وفي دار الأرقم،وفي جبل ثور وفي دار أبي أيوب،وفي المسجد الجامع ثم في الرفيق الأعلى،مظهراً صحيحاً لروح الله،وإعلاناً صريحاً لسر الدين،ومثالاً عالياً لصدق الجهاد،واحتمالاً سامياً لمكاره الدعوة،وأسوة حسنة لجميع الناس.

جهر الرسول بالدعوة بعد أن خَافت بها في قريش ثلاث سنين،فضلّل الأقوام وسفّه الأحلام وهاجم الشرك في معقله،وليس وراء ظهره إلا عمه.فتألبت عليه عناصر الشر جمعاء فما أفكته عن عزمه،ولا خلجته عن همه.ثم تجلّت فيه الكمال الإنساني فحشد للخصومة قوى النفس وقوى الحس فجاهد بالصدق،وجالد بالصبر،وجادل بالمنطق،وصاول بالرأي وأثر باللسان،وقهر باليد، وتلك مزيته الظاهرة على النبيين والرسل،فكل نبي وكل رسول إنّما بان شأنه على قومه في بعض المزايا،إلا الرسول العربي فقد تمّ فيه ما نقص في غيره من معجزات الرجولة،فكان رسولاً في الدين،وعلماً في البلاغة،ودستوراً في السياسة،وإماماً في التشريع وقائداً في الحرب.

إن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قانون إلهي خالد لصاحب الدين وصاحب الدنيا،وإن وسائل الجهاد التي جدّد بها أسلوب العيش وأقام بها ميزان المجتمع لا تزال عناوين ضخمة في صفحات العلم والسياسة والخلق”.

ويقول الشيخ العلامة محمد أبو زهرة رحمه الله(لواء الإسلام  العدد7 ـ ربيع الأول 1374هجري):

“لقد ذكر تاريخ الأخلاق فلاسفة قويت عندهم المعاني الإنسانية وسمت نفوسهم عن سفاسف الأمور،فذكروا سقراط،وذكروا أفلاطون،وذكروا أرسطو،ذكروهم بأخلاقهم،فذكروا  لسقراط لطف مودته مع زوجة امتازت بخشونتها وجفوتها وحماقتها واعتقاده أن احتمالها كان من أسباب حكمته.

وذكروا لأفلاطون احترامه للإنسانية،وعدم غلظته مع العبيد،حتى أنه غضب على عبده مرة فأمر غيره أن يضربه حتى لا يقسو عليه من غضبه.

وذكروا لأرسطو أراء في الصداقة،واعتبارها أجلّ معاني الإنسانية،ولكن يجب أن يذكروا مع هذا أيضاً أن أولئك الحكماء جميعاً اعتبروا أن غير اليونان من الأمم والشعوب برابرة،وأن نعمة الله التي أسبغها عليهم أن جعلهم من اليونان ولم يجعلهم من أولئك البربر،وكل الناس بربر ماعدا اليونان.

وإذا كان أفلاطون قد امتنع عن أن يضرب عبده في غضبه،فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يضرب في حياته أحداً قط بيده لا عبداً ولا خادماً ونهى عن ضرب العبيد،ذلك لأن الضرب فوق ما فيه من إيلام جسدي،هو إيلام نفسي،وهو تحقير لمعنى الإنسانية،ولذا قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما:”لضربة بالسيف في عز أحبّ إليَّ من ضربة بالسوط في ذل”.وما كان لمحمد المدرك لمعنى الإنسانية أن يضرب فيُهين الإنسانية،ولقد ضرب بالرمح من حاول قتله،ولكنه لم يضرب بيده أحداً قط.

وإذا كان سقراط قد راض نفسه عن احتمال زوجته الحمقاء،فمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قد راض نفسه عن احتمال إحدى عشرة من النساء وإن كن جميعاً طيبات فضليات،وما امتدت يده أو امتد لسانه بسوء إليهن قط،ولعل أشدّ ما عنفهن به أن قال لهن في مرضه الذي مات فيه:”إنكن صويحبات يوسف“.فشتمهن بالنوع،ولم يشتمهن بالشخص،ولذا قال عليه السلام:”خيرُكم خيرُكم لأهله،وأنا خيركم لأهلي“[حديث صحيح صححه الألباني عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما] ورُميت أحبّ أزواجه إليه بالفاحشة،وتبادرت الأقوال إلى نفسه،ولم يكن عنده ما يكذبها،ولكن لم يمنعه ذلك من السؤال عنها في مرضها،حتى برأها ربّ البرية.

وإذا كان أرسطو قد أدرك معنى الصداقة،وقرر أنها أشهر العلائق الإنسانية فمحمد بن عبد الله النبي الأميّ صلى الله عليه وسلم قد أدرك معنى الرحمة المطلقة ودعا إليها،وحثّ عليها،وكان هو البرّ الرحيم،الرؤوف العطوف،الذي نادى بالرحمة العامة في ندائه الإنساني الإلهي الخالد:”ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء“[حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما] والرحمة معنى أعمّ من الصداقة،فالصداقة معنى شخصي،والرحمة معنى إنساني اجتماعي.

وإن محمداً صلى الله عليه وسلم ليعلو على كل من سبقوه من الإنسانيين،حتى إنه قبل البعث والرسالة كان ينظر إلى الناس جميعاً على أنهم سواء،لأن الإنسانية جمعتهم،فلا يفرّق بين أحد منهم في المعاملة،وقد جاء بذلك الوحي من بعد.

ليس الغريب أن تشتمل شريعته على تلك الحقائق الإنسانية الخالدة،وإنّما الغريب حقاً وصدقاً أن تكون ذلك أخلاق محمد بن عبد الله النبي الأمي قبل البعثة،فهذا الغلام اليتيم،الذي نشأ في وسط جاهلي كان الشرف بالنسب فيه كل العزّة،والإفتخار بالأرومة فيه كل الذكر،هو الذي يلتفت إلى الناحية الإنسانية في خاصة نفسه وعلمة أموره،حتى إنه صلى الله عليه وسلم يكون عند خديجة عبد هو زيد بن حارثة تهديه إليه فيكون عبده على مقتضى ما كان عند العرب،فيعامله أرفق معاملة كأنّه ابنه،لا عبده،ويبلغ به الرفق ولطف المودة،وحسن العشرة،أن يجىء إلى ذلك العبد أهله يريدون فداءه،فيقبل صلى الله عليه وسلم الأمي أن يدفعه إليهم من غير مال يأخذه إن رضي هو بالذهاب معهم،ولكنه ـ لما رأى من طيب المقام ـ يأبى أن يذهب مع أبيه وعمه،ويرضى أن يبقى مع ذلك السيد الشريف،بل الإنسان الكامل،ولكن الإنسانية تعلو عند محمد صلى الله عليه وسلم حتى يفوق ما كان بخاطر ذلك العبد،إذ يعتقه ويلحقه بنسبه على حسب ما كان عند العرب.فيكون ابنه، قبل أن يُلغي ذلك الإسلام،وينزل بإلغائه الوحي الإلهي،في كتاب الله الأبدي،وفي شرعه السرمدي.

ولعل هذه الأخلاق المحمدية قبل البعث كان إرهاصاً للرسالة،وإعداداً لذلك التكليف الخطير،وتلك الأمانة التي لا يتحملها إلا أولو العزم من الرسل،ولذا قال تعالى:{لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليهِ ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم}[التوبة 128].

هذه إشارة إلى أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة،وما كانت تظهر إلا في أفق محدود،أفق قريش وأهله،ومن يتصل به في بطحاء مكة من الناس ،حتى إذا جاءت الرسالة،وعظم التكليف،واتصل بالناس في قاصيهم ودانيهم،ورافقه من رافقه،وعانده من عانده،بدأ الخلق المحمدي الإنساني في أوسع أفاقه،وأوسع مداه،فبدت إنسانيته في كل معاملاته،في أوليائه وفي أعداءه،في سلمه وفي حربه،في البلاء وفي الرخاء،في المكره والمنشط،في معاملاته للأقوياء وللضعفاء،ولذوي النسب،ولذوي العمل، فكان إنسانياً في كل ذلك.

هذه قبسة من الإنسانية في حياة محمد صلى الله عليه وسلم وأخلاقه،ومهما يقال فلن نجد في الوجود إنساناً علت فيه معاني الإنسانية بدرجة تقارب النبيِّ الأميِّ،ولكنه على خلق عظيم كما قال رب العالمين.

ويتابع العلامة أبو زهرة رحمه الله:

“ولي المعذرة إن قصرت يا رسول الله،عندما جئت إلى ساحتك وأحسست أني يشارفني لروحك الأقدس،طالعتني أنوارك،فكلّ البصر عن الإبصار،والفكر عن الإدراك،والقلم عن التصوير،ولم أستطع إلا رسم الخطوط والملامح،وإن هذا أقصى ما تبلغه نفوس مثلي من مثلك،وما تبلغه عقول أشباهي من تصور شمائلك العالية،وسجايك السامية، صلى الله عليك وسلم تسليماً كثيراً”.

ويقول الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة في كتابه السيرة النبوية:

“ونحن لا ننكر أن في تاريخ البشرية ـ ولا سيما الصفوة من الخلق،وهم الأنبياء والمرسلون ـ أناساً فضلاء ذوي أخلاق ودين،وهداة ومصلحين،وعلماء وحكماء،ومشرعين وفقهاء،وملوكاً وخلفاء،ملأوا الدنيا عدلاً،بعد أن ملئت جوراً..ورجالاً أوفياء أمناء لا يغدرون ولا يخونون،وسادة قادة،وساسة عباقرة،وقواداً شجعاناً،وأبطالاً لا يرهبون الموت،,وأن البشرية لا تخلو في أي عصر من أمثال هؤلاء.

ولكن الذي نلاحظه أنه لا يوجد رجل اجتمعت فيه كل هذه الصفات والمميزات مثل ما اجتمعت في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،ولا نكاد نعرف أحداً كمّله الله بكل فضيلة،ونزّههُ عن كلِّ رذيلة،مثل ما عرفنا ذلك لرسولنا محمد صلوات الله عليه وسلامه.

وليس العجب من اجتماع هذه الصفات فيه،وإنما العجب حقاً أنها فيه على سواء،فلا صفة تطغى على أخرى حتى تكاد تطمسها،ولا خلق يربو على آخر حتى يكاد يخفي معالمه،وإنما هي صفات وزنت بميزان عادل لا يعول،وأخلاق حسبت بحسبان دقيق لا يضل،هداية في حكمة،وعلم في فقه،ورحمة في غير ضعف،وعدل في غير عنف،وحزم في حلم،وصرامة في رحمة،وغضب لله في غير جَور ولا بطش،وكرم في غير إسراف،ودقة في غير فسولة،ورأفة في غير تفريط،وعقل كبير في سعة قلب،وجد في غير هزل،ومزح في غير باطل،وفصاحة في بلاغة،وكلم جوامع في حكم نوابغ،ورجولة في مروءة،وفحولة في عفة”.

ويقول الأستاذ الدكتور الشيخ محمد بن لطفي الصباغ رحمه الله(الجانب الدعوي في السيرة النبوية):

“وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه الكريم بالرحمة والرأفة فقال سبحانه:{لقد جاءَكُمْ رسولٌ من أنفسِكُم عزيزٌ عليهِ ما عَنتُّمْ حريصٌ عليكمْ بالمؤمنينَ رؤوفٌ رحيمٌ}[التوبة 128].

أجل،لقد كان صلى الله عليه وسلم رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين،يعزُّ عليه أن يصيبَ أمته العَنت والضَّنك والبلاء.

إن أيَّ ثناءٍ لا يمكن أن يبلغ هذا السموَّ من المستوى،لقد أثنى عليه ربّهُ في أكثر من موضعٍ في القرآن الكريم،وحسبُنا في هذا قوله تعالى:{وإنَّكَ لَعلى خُلُقٍ عظيمٍ}[القلم 4].

ولله درُّ القائل يستصغر كل محاولة بشرية ترومُ الثناء عليه صلى الله عليه وسلم بعد هذا الثناء الرباني فقال:

أيرومُ مخلوقٌ ثناءَكَ بعدما     أثنى على أخلاقِكَ الخَلّاقُ

لقد كان صلى الله عليه وسلم أوسعَ الناس صدراً،وأصدق الناس لهجةً،وألينهم عريكةً،وأكرمهم عشرةً،وكان صلى الله عليه وسلم يتألفهم ولا يُنفرهم،ويكرم كريمَ كل قوم،ويحذر الناس،ويحترس منهم،من غير أن يطوي على أحد منهم بِشره ولا خلقه،ويتفقد أصحابه،ويُعطي كلاً من جلسائه نصيبَه،لا يحسب جليسه أنّ أحداً أكرم عليه منه،من جالسَه أو قاربَه لحاجةٍ صابره حتى يكون هو المُنصرف عنه،من سأله حاجةً لم يردّهُ إلا بها،أو بميسورٍ من القول،قد وسِع الناسَ بسطهُ وخُلقه،فصار لهم أباً،وصاروا عنده في الحقِّ سواء.

وكان دائم البِشر،سهل الخلق ليّن الجانب،ليس بفظٍّ ولا غليظ،ولا صخّاب ولا فحّاش،ولا عيّاب ولا مدّاح،قال الله تعالى:{فَبما رحمةٍ من الله لِنتَ لهم ولو كنتَ فظَّاً غليظَ القلبِ لانفضُّوا من حولكَ فا عفُ عنهم واستغفر لهم وشاوِرهم في الأمرِ فإذا عزمتَ فتوكّلْ على الله إنَّ الله يحبُّ المتوكِّلينَ}[آل عمران 159]”.

وجاء في مقال في مجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله العدد367:

“كان صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق أخلاقاً،وأعلاهم فضائل وآداباً،امتاز بذلك في عهد الجاهلية،فكيف يدرك كنهه بعد النبوة،وقد خاطبه العلي العليم،بقوله:{وإنك لعلى خلق عظيم}،كان جامعاً بين اللطف والتواضع والدماثة،وبين العزّة والوقار والمهابة،من رآه بديهة هابه،ومن خالطه معرفة أحبّه،وجامعاً بين الرأفة والرحمة والحياء،وبين الشجاعة والحزم والمضاء،فكان في حومة الوغى أثبت الناس،وكانوا يلوذون به إذا اشتدّ البأس،حتى أنه ثبت وحده في يوم أحد،ولكنه لم يقتل بيده غير أبي بن خلف،وإنما كان يدافع عن نفسه ،ويرشد المقاتلين بالتدبير والتثبيت إرشاداً،ولم يكن ينتقم لنفسه،ولا يحابي في الحق عشيرته ولا أبناء جنسه،وكان على حلمه الواسع،لا تأخذه في الله لومة لائم،وكان أجود من الريح المرسلة،والسحب المنهملة،وكان أعظم الناس صبراً،وأحسنهم لله وللناس شكراً،وكان يحب اليسر ويأمر به،ويكره العسر وينهى عنه،ويأكل من الطعام ما وجد،لا يأبى المستلذ منه نسكاً،ولا يتحراه تنعماً وترفاً،ولكنه كان يعتني بأمر الإماء ويحب الطيب والنساء،وكان يكثر الوصية بهن وباليتامى والأرقاء،ليمحو من أنفس الناس احتقار الضعفاء”.

ويقول الشيخ محمود شلتوت رحمه الله(الرسالة العدد 966):

“كانوا يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم وقد كرّم الله قدره ورفع ذكره أرفع قدراً وأعلى شأناً من أن يكرم كما يكرم آحاد الناس بخطبة تلقى،أو حديث يذاع،أو فصل يكتب.كانوا يرون أن الله قد كرمه وليس بعد تكريم الله تكريم:خلّد اسمه في كتابه الخالد،فذكره باسمه الصريح،وذكره بوصف الرسالة،وذكره بوصف العبودية لله الواحد،وذكره بعظمة خلقه،وذكره برحمته للمؤمنين،وبرحمته للناس أجمعين،وذكره بأنه المزكى للنفوس المعلم للكتاب والحكمة،وذكره بكل هذا كما ذكره بأنه شهيد على أمته،وبأنه صاحب المقام المحمود.ثم جعل محبته من محبته،وطاعته من طاعته،وبيعته من بيعته.

لم يقف التكريم الإلهي لمحمد صلى الله عليه وسلم عند هذا الحد،بل جعل له ذكراً في الأولين إذ كتبه في التوراة والإنجيل،وجعل له ذكراً في الآخرين إذ قرن بينه وبين اسمه الكريم في كلمة التوحيد التي يكون بها المرء مسلماً،والتي هي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر،وإذ جعل المناداة باسمه جزءاً من الأذان الذي يقرر في كل يوم خمس مرات بصوت مسموع إيذاناً بالصلوات المفروضة وجمعاً للمسلمين على عبادة الله”.

يقول الأستاذ  مهدي عبد الحميد مصطفى في مقدمة كتاب”عبقرية محمد” للكاتب الكبير عباس محمود العقاد:

“أحمد الحق تبارك وتعالى،وأصلي وأسلم على خاتم أنبيائه ورسله:خير خلق الله،وأحب عباد الله إلى الله…محمد بن عبد الله…صلاة وسلاماً يليقان بمقامه الكريم،وصلاة وسلاماً على سائر إخوانه من النبيين والمرسلين،وصلاة وسلاماً على أصحابه والتابعين،وصلاة وسلاماً على كل من دعا بدعوته إلى يوم الدين.

وبعد:

فإن الكتابة في رسول الله،والقراءة عن رسول الله،عمل تهنأ به النفس،وينشرح له الصدر،ويتفتح معه القلب،ويأخذ بمجامع اللبّ،وتستريح في ظلّه الخواطر،وتتسع في رحابه الأبصار والبصائر.

وكيف لا؟ومحمد وحده نبع صافي،وريّ شافي،وهدى كافي،وسيرته العطرة لا ينضب مَعينها،ولا يجف مدادها،لأنها متلاحمة مع كلمات الله:{قُلْ لو كانَ البحرُ مِداداً لِكلماتِ ربّي لَنفِدَ البحرُ قبلَ أن تنفدَ كلمات ربّي ولو جئنا بِمثلهِ مَدداً}[الكهف 109].

وكيف لا؟وهو مثال الإنسانية الكاملة،وملتقى الأخلاق الفاضلة،وحامل لواء الدعوة العالمية الشاملة…

أما انسانيته:فقد ولدت معه،ولازمته في أطوار حياته،وميزته على سائر أقرانه ولداته،وصانته من كل زلل،وحمته من كل شطط،ودفعته دائماً إلى الخير،ومثالية السلوك.

فكان نبتة رطبة بين قلوب قد قست،وطباع قد غلظت،وعواطف قد جفت،ومشاعر قد تلبدت،وعقول قد تحجرت.

وكان زهرة نضرة وسط غابة من الأشواك،في أطرافها حدة،وفي جذوعها خشونة وغلظة،وفي لمسها أذى وإيلام.

وكان شجرة سامقة مثمرة ظليلة،وسط صحراء قاحلة،وفلاة مجدبة…وهو في حالاته الثلاث:كثير النفع…عظيم العطاء…

ولا عجب اذن قبل أن يكون رسولا ـ أن سلطت عليه الأضواء،ولم تتنازع في انسانيته الأهواء،وانتزع ـ عن جدارة ـ من بين القلوب الغلاظ،والألسنة الحداد،اعترافاً بعفة نفسه،وعذوبة حسه،وسمو سلوكه،وعلو إنسانيته…فكان الصادق الأمين.

وأما أخلاقه:فكانت مستمدة من عند الله،فهو ـ سبحانه ـ الذي صنعه على عينه،وأدبه فأحسن تأديبه،وجعله بشراً سوياً،وخلقاً رضيا،وكيف لا؟وقد سئلت أم المؤمنين عائشة ـ رضوان الله عليها ـ عن أخلاقه،فأجابت:”كان خلقه القرآن”.

وهل القرآن إلا كتاب الله،وهدي السماء؟

وكيف لا،والهدف من رسالته،والغاية من دعوته،ما أفصح عنه في عبارته:”إنما بُعثتُ لأتمم مكارمَ الأخلاق“[رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو حديث صحيح].

وكان أحب الناس إليه:أحسنهم خلقاً،وأكثرهم أدباً،وأقومهم سلوكاً…”إنّ  من أحبّكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا“[صحيح الترمذي عن جابر بن عبد الله وصححه الألباني].

وكان أرفع وسام لرسول،وأسمى وصف لنبي ما جاء في محكم التنزيل:{وإنّكَ لَعلى خُلُقٍ عظيمٍ}[القلم 4]”.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 101):

“فلما بُعث الرسول الكريم رحمة للعالمين بعث الحرية من قبرها،وأطلق العقول من أسرها،وجعل التنافس في الخير،والتعاون على البر،والتفاضل بالتقوى،ثم وصل بين القلوب بالمؤاخاة،وعدل بين الحقوق بالمساواة،ودخل بين النفوس بالمحبة،حتى شعر الضعيف أن جند الله قوته،والفقير أن بيت المال ثروته،والوحيد أن المؤمنين جميعاً أخوته،ثم محا الفروق بين أجناس الإنسان،وأزال الحدود بين مختلف الأوطان،فأصبحت الأرض كلها وطناً مشاعاً،والعالم كله أسرة متحدة،لا يهيمن على علائقها إلا الحب،ولا يقوم على مرافقها إلا الإنصاف،وليس فيها بين المرء وخليفته حجاب،ولا بين العبد وربه واسطة.

يا رعى الله ذكراك المقدسة يا غار(ثور)! لقد كنت مبعث الحرية،كما كان غار(حراء) مبعث الروح! فأنت في جبل الخلاص وهو في جبل التجلي!!

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(مجلة الثقافة ـ العدد 18 ـ مقال:محمد الرسول المصلح):

“كم من عظماء الرجال زالت عظمتهم أو قلت قيمتهم بمرور الزمان عليهم،وتنبّه الناس تنبهاً صحيحاً لأعمالهم،ووزنهم بموازين عصرهم.ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم ظلت قيمته قيمته،وعظمته عظمته،مهما اختلفت العصور،وتغيّرت الموازين،بل إن الزمن ليزيد عظمته وضوحاً،والموازين الأخلاقية الجديدة تزيد مكانته رفعة.

وكم حاول خصومه في مختلف العصور أن ينتقصوا من قدره بشتى الأساليب،ومختلف الأكاذيب،فنالوا من أنفسهم ولم ينالوا منه،وحرموا لذة الحق وبقي الحق.

وكم لمحمد صلى الله عليه وسلم من نواحي عظمة ومظاهر سمو،ولكن لعل أروعها جميعاً ما جاء به من دعوة ،وما قام به من إصلاح”.

ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(مجلة الثقافة العدد 18):

“لم تُضرب البشائر لمولده،ولا سارت الأنباء،ولا تطايرت التهاني،ولا اجتمعت المحافل.ولكن الله سبحانه كان يعلم ماذا أخرج من غيبه،وماذا وضع على أرضه.كان الله وحده يعلم أن قد وُلد الرجل الذي أعدّه ليُعلي التوحيد ويضع الوثنية،ويُعزّ الحق ويُذلّ الباطل،وينصر الخير ويخذل الشر،ويمحو العبودية ويُثبت الحرية،ويزلزل الجبارين،ويُثّبت الضعفاء والمساكين،ويُبطل التمييز بين الناس،ويشيع المساواة بينهم،ويحقر الأحساب والأنساب،ويُعظّم العمل الصالح،ويُحطم العصبيات،ويدعو إلى الأخوة العامة.

كان الله وحده يعلم أن قد وُلد الرجل الذي يُخرج الحق من الصوامع والمعابد إلى معارك الحياة،ويقيم البرّ بألسنة الملوك وأيديهم بعد أن كان تعلّة الفقراء والمساكين،ويقيم الملوك في صفوف الصلاة بعد أن كانوا في صفوف الآلهة،ويجعل الحياة جهاداً دائباً للحق والخير،لا يضعف ولا يفتر،ويُري الناس كيف يجتمع الحق والقوة،ويلتئم الملك والنبوة”.

ويقول الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله في مقال له بعنوان”عبرة الهجرة”(الأعمال الكاملة ـ المجلد الأول ـ ص 83):

“إن في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وسجاياه التي لا تشتمل على مثلها نفس بشرية ما يغنيه عن كل خارقة تأتيه من الأرض أو السماء،أو الماء أو الهواء.

إن ما كان يبهر العرب من معجزات علمه وحلمه وصبره واحتماله وتواضعه وإيثاره،وصدقه وإخلاصه،أكثر مما كان يبهرهم من معجزات تسبيح الحصى وانشقاق القمر،ومشي الشجر،ولين الحجر،وذلك لأنه ما كان يريبهم في الأولى ما كان يريبهم في الأخرى من الشبه بينها وبين عرافة العرافين وكهانة الكهنة،وسحر السحرة،فلولا صفاته النفسية وغرائزه وكمالاته ما نهضت له الخوارق بكل ما يريده،ولا تركت له المعجزات في نفوس العرب ذلك الأثر الذي تركته،ذلك هو معنى قوله تعالى:{ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}[آل عمران 159].

كان صلى الله عليه وسلم شجاع القلب،فلم يهب أن يدعو إلى التوحيد قوماً مشركين يعلم أنهم غلاظ جفاف شرسون متنمرون،يغضبون لدينهم غضبهم لأعراضهم،ويحبون آلهتهم حبهم لأبنائهم.

كان على ثقة من نجاح دعوته،فكان يقول لقريش ـ أشد ما كانوا هزءاً به وسخرية:”يا معشر قريش،والله لا يأتي عليكم غير قليل حتى تعرفوا ما تنكرون،وتحبوا ما أنتم له كارهون”.

كان حليماً سمح الأخلاق فلم يزعجه أن كان قومه يؤذونه ويزدرونه ويشعثون منه ويضعون التراب على رأسه،ويلقون على ظهره أمعاء الشاة وسلى الجزور،وهو في صلاته،بل كان يقول:”اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”.

كان واسع الأمل كبير الهمة صلب النفس،لبث في قومه ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله فلا يلبي دعوته إلا الرجل بعد الرجل،فلم يبلغ الملل من نفسه،ولم يخلص اليأس إلى قلبه،فكان يقول:”والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته”.

إن حياة النبي صلى الله عليه وسلم أعظم مثال يجب أن يحتذيه المسلمون للوصول إلى التخلق بأشرف الأخلاق والتحلي بأكرم الخصال،وأحسن مدرسة يجب أن يتعلموا فيها كيف يكون الصدق في القول والإخلاص في العمل والثبات على الرأي وسيلة إلى النجاح وكيف يكون الجهاد في سبيل الحق سبباً في علوه على الباطل”.

وقال الأستاذ توفيق الحكيم(الرسالة العدد 246):

“ينبغي لمن أراد أن يدرك سر عظمة النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخيل رجلاً وحيداً فقيراً تمكنت من قلبه عقيدة فنظر حوله فإذا الناس كلهم في جانب،وإذا هو بمفرده في جانب.هو وحده الذي يدين بدين جديد،بينما الدنيا كلها:أهله وعشيرته،وبلده وأمته،والفرس والروم والهند والصين وكل شعوب الأرض لا يرون ما يرى،ولا يشعرون له بوجود.هذا موقف النبي،وهذا موقف العالم:رجل عاطل من كل قوة وسلاح،إلا مضاء العزيمة،وصلابة الإيمان ،أمام عالم تدعمه قوة العدد والعدة،وتؤازره حرارة عقيدة قديمة شبّ عليها وورثها عن أسلافه،واتخذت لها في قرارة نفسه وأعماق تاريخه جذوراً ليس من السهل اقتلاعها على أول قادم.

والمعجزة أن يخرج مثل هذا الرجل الوحيد الأعزل من هذه المعركة المخيفة ظافراً  منتصراً،فإذا هذا العالم العتيد كله يجثو عند قدميه منكس الأسلحة،وقد انقلبت سخريته خشوعاً طويلاً،وقهقهته صلاة عميقة .

كيف ربح هذا الرجل الموقعة؟ما وسائله؟هل كانت له خطط وأساليب وقوة من شخصه مكنته من النصر؟أو ان الله هو الذي نصره دون أن يكون لشخصية النبي دخل في الانتصار؟

عقيدتي دائماً أن شخصية النبي لها أثر كبير وهنا معنى الاصطفاء،فالله يختار من بين البشر عظيماً له كاهل يحتمل عبء الرسالة،ويوحي إليه بالعقيدة ثم يتركه يجاهد في سبيلها.هنا تبدأ متاعب النبي،وهنا تبدو عظمته،وهنا تظهر المعجزة الحقيقية وهي إبراء الأعمى،لا أعمى واحد ولكن ملايين العميان.فهو الذي يفتح أبصارهم على نور طالما جحدوا وجوده:نور الدين الجديد الذي أتى به.وهنا ينبغي التساؤل:كيف استطاع النبي أن يُري الناس ما يَرى،وأن يقنعهم بما جاء به؟

الجواب بسيط:حياة النبي وخلقه.إن الناس لا تقتنع بالكلام وحده.إنما يؤثر فيها الفعل والمثل.إن الناس أيقنوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يسعى إلى غنى ولا إلى مُلك،وأنه يريد أن يبقى فقيراً يشبع يوماً ويجوع أياماً،وأن كل تلك المخاطر التي يتعرض لها في كل خطوة،وأن كل ذلك الهوان الذي يناله من سفهاء القوم وأكابرهم….وأن كل ذلك الجهاد الذي ملأ به حياته بأكملها إنما هو في سبيل العقيدة التي يقول لهم عنها،منذ ذلك اليوم الذي اجتمع فيه كبراء أمته وعرضوا عليه ثروتهم ووعدوه أن ينصبوه عليهم ملكاً على شرط أن يتركهم على دين آبائهم،فرفض المال والمجد والسلطان،وأبى إلا شيئاً واحداً صغيراً:أن يؤمنوا معه بفكرته،عند ذاك أدرك أولئك القوم جميعاً أن الأمر جد ولا هزل،وأنهم أمام رجل لا ككل الرجال،وأن الآدمي الذي لا يغريه في الحياة شىء،ولا يعيش إلا من أجل فكرة،لابد أن يكون قد أبصر في هذه الفكرة جمالاً لم يبصروه هم.

فوسيلة النبي الأولى وخطوته التي نزل بها الميدان هي إقناع هذا الخصم الصاخب من الخلق أنه مجرد عن الغايات الدنيوية.وهنا كانت قوته، فإن أمضى سلاح في يد رجل يريد أن يقارع البشر،هو أن يواجه البشر بيد خالية من أغراض البشر.

ولقد جاهد الرسول صلى الله عليه وسلم فعلاً في كل لحظة من لحظات حياته،إلى أن استطاع ذات يوم أن ينقل العقيدة التي في قلبه حارة قوية إلى قلوب الناس جميعاً.وهنا كان النصر الاخير،وتمت المعجزة.وتمكن هذا الرجل الواحد من أن يضع العالم في قبضته،ويخضعه لفكرته،ويطبعه إلى أبد الآبدين بخاتمه،ويدخل إلى صدره أشعة نور جديد”.

ويقول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله يُعدّد بعض خصاله الكريمة،وشمائله المباركة:

زانتكَ في الخُلُقِ العظيمِ شمائلٌ         يُغرى بهنَّ ويُولعُ الكرماءُ

والحسنُ من كرمِ الوجوه وخيرُهُ       ما أُوتيَ القُوّادُ والزعماءُ

فإذا سخوتَ بلغتَ بالجودِ المدى        وفعلتَ ما لا تفعلُ الأنواءُ

وإذا عفوتَ فقادراً ومقدَّراً               لا يستهين بعفوكَ الجهلاءُ

وإذا رحمتَ فأنتَ أمٌّ أو أبٌّ              هذانِ في الدنيا هما الرُّحماءُ

وإذا غضبتَ فإنّما هي غضبةٌ            في الحقِّ لا ضِغنٌ ولا بغضاء

وإذا رضيتَ فذاكَ في مرضاته            ورضا الكثيرِ تَحلّمٌ ورياءُ

وإذا خطبتَ فللمنابرِ هِزّةٌ                 تعرو النَّديَّ،وللقلوبِ بكاءُ

وإذا قضيتَ فلا ارتيابَ كأنّما             جاءَ الخصومَ من السماءِ قضاءُ

وإذا حميتَ الماءَ لم يُوردْ ولو           أنَّ القياصرَ والملوكَ ظِماءُ

وإذا ملكتَ النّفسَ قُمتَ بِبرّها            ولو أنَّ ما ملكتْ يداكَ الشّاءُ

وإذا بنيتَ فخيرُ زوجٍ عِشرةً             وإذا ابتنيتَ فدونّكَ الآباءُ

وإذا صحبتَ رأى الوفاءَ مُجسَّماً        في بُردكَ الأصحابُ والخلطاءُ

وإذا أخذتَ العهدَ أو أعطيته              فجميعُ عهدكَ ذِمّةٌ ووفاءُ

يا أيها الأُميُّ حسبُكَ رُتبةً                 في العلم أن دانت بك العلماء

الذكرُ آيةُ ربّكَ الكبرى التي               فيها لباغي المعجزاتِ غَناءُ

ماهي الرحمة؟

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:

“الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقّت عليها فهذه هي الرحمة الحقيقية فأرحم الناس بك من شقّ عليك في إيصال مصالحك،ودفع المضار عنك،فمن رحمة الأب بولده:أن يُكرهه على التأدب بالعلم والعمل ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره ويمنعه شهواته التي تعود بضرره ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به وإن ظنّ أنه يرحمه ويرفهه ويريحه فهذه رحمة مقرونة بجهل”.

ولعل من أجمل الأمثلة على معاني الرحمة والتي قد تبدو ظاهرياً أنها من مظاهر العنف والقسوة ولكنها باطنياً تتجلى بأحلى صفات الرحمة وكمالها قصة العبد الصالح الخضر وكليم موسى عليهما السلام والتي وردت مفصلة في سورة الكهف(والتي من السنة أن يقرأها المسلم في كل يوم جمعة لتدفع عنه الاذى وتبارك له في أيامه) والتي نقرأها أحياناً ولا نتمعن في المعاني الرائعة والنبيلة والتي تتجلى فيها مظاهر الرحمة لمن تدبر آياتها ووعاها،ولمن قرأها بتدبر وتفكير.

فالعبد الصالح وصفه رب العالمين بصفتي الرحمة والعلم وسبق الرحمة علمه يقول تعالى:{فارتدّا على آثارهما قَصصا* فوجدا عبداً من عبادِنا آتيناهُ رحمةً من عندِنا وعلّمناهُ من لدُنَّا علماً}[الكهف 64 ـ 65].فرب العالمين أغدق عليه من رحمته وعلمه مما أنعم عليه من علمه.

يقول سيد قطب رحمه الله:”ولكن علم الرجل ليس هو العلم البشري الواضح الاسباب القريب النتائج،إنما هو جانب من العلم اللدني بالغيب أطلعه الله عليه بالقدر الذي أراده،وللحكمة التي أرادها.ومن ثم فلا طاقة لموسى بالصبر على الرجل وتصرفاته ولو كان نبياً رسولاً.لأن هذه التصرفات حسب ظاهرها قد تصطدم بالمنطق العقلي،وبالأحكام الظاهرة،ولا بد نت إدراك ما وراءها من الحكمة المغيبة،وإلا بقيت عجيبة تثير الاستنكار”.

ويركب العبد الصالح السفينة مع كليم الله موسى فيعمل العبد الصالح على خرق السفينة وإحداث بعض التشويه فيها وهذا ظاهرياً يبدو عملاً غير مسؤول وليس فيه إلا معاني الغلظة والقسوة يقول تعالى:{فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها}[الكهف71] وهذا لم يعجب كليم الله موسى فكيف يأتي بهذا العمل المشين ظاهرياً المرفوض ديناً وخلقاً.{قال أخرقتَها لِتُغرقَ أهلها لقد جئت شيئاً إمرا}[الكهف 71]،فماذا كان جاب العبد الصالح الرحيم الصبور ذو العلم الإلهي الرباني:{أمّا السفينةُ فكانت لمساكينَ يعملونَ في البحرِلإاردتُ أن أعيبها وكان وراءَهُم مَلكٌ يأخذُ كلَّ سفينةٍ غَصبا}[الكهف 79]،نعم لقد أحدث تشويها في هذه السفينة يمكن إصلاحه فيما بعد ولكنه بذلك منع الملك الظالم من اغتصاب سفينة هؤلاء المساكين الذين يعيشون ويتعولون ويرتزقون من وراء هذه السفينة.

يا الله معنى من أجلّ معاني الرحمة والإنسانية وإن كان ظاهرياً وفي البدء يبدو عملاً قاسياً خالياً من الرحمة والإنسانية.

ولنتابع،مرّوا على غلام فقتله العبد الصالح:{فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله}[الكهف 74]وهنا لا يستطيع موسى الصبر كيف تقتل هذا الغلام البرىء بدون ذنب اقترفه:{قالَ أقتلتَ نفساً زكيةً بغير نفسٍ لقد جئتَ شيئاً نُكرا}[الكهف 74].هذا لمن رأى الظاهر ولم يستبطن خفايا وحكم الباطن،فماذا كان جواب العبد الصالح:{وأمّا الغلامُ فكانَ أبواهُ مؤمنينِ فخشينا أن يُرهِقهُما طغياناً وكفراً}[الكهف 80]هذا الغلام كان عاقاً غير بارٍ بوالديه،وأما أبواه  فهما من المؤمنين الخاشعين، فمن رحمة ربك أن قتلته حتى لا يتحملا عقوقه وطغيانه وما قد يسببه لهما في قادمات الأيام من حزن ومآسي هما في غنى عنها،ولم يقتصر الأمر على حرمانهما من هذا الغلام العاق الشرير بل تعدّت رحمة ربك ذو الرحمة الواسعة التي لانهاية لها وسوف يرزقهم عوضاً عنه بالولد البار الصالح:{فأردنا أن يُبدلهما ربّهما خيراً منهُ زكاةً وأقربَ رُحماً}[الكعف 81].

يا الله هذه رحمة الله التي لا تعرف الحدود،أبدلهما بالولد العاقّ الذي يحمل مستقبله الآلام والمآسي والحزن والكمد لهذين الأبوين المؤمنين،وسوف يعطيهما بدلاً عنه الولد الصالح البار الرحيم الذي يجعل من قادمات أيامهما سروراً وحبوراً ورضىً بقضاء الله ورحمته.

يا الله هل هناك رحمة أوسع وأكبر من هذه الرحمة.

ونتابع: مرّا على قرية وطلبوا من أهلها الضيافة والطعام فكانت مثالأ للؤم الشديد والبخل الممقوت:{فانطلقا حتى إذا أتيا أهلَ قريةٍ استطعما أهلَها فأبَوا أن يُضَيِّفُوهما}[الكهف77]هل هناك أناس أشدّ لؤماً وبخلاً ممقوتاً من أهل هذه القرية،غريبان يطلبان الطعام فيُمنعان عنه،ولا يُعطيان حقّ الضيافة،إنها قلوب ملئت كراهية وحقداً ولؤماً،لا تعرف الرحمة ولا تطلبها.وماذا حصل بعد ذلك:{فوجدا فيها  جِداراً يريد أن ينقضَّ فأقامه}[الكهف77]فسأله موسى لماذا لم تطلب الأجر على عملك هذا وربما قدموا لنا بعض الطعام مقابل ذلك:{قال لو شئتَ لتَّخذتَ عليه أجرا}[فماذا كان جواب العبد الصالح الرحيم الصبور العالم علماً ربانياً بقادمات وخوافي الأمور:{وأمّا الجدارُ فكان لغلامينِ يتيمينِ في المدينة وكانَ تحتَهُ كنزٌ لهما وكان أبُوهُما صالحاً فأرادَ ربُّكَ أن يبلُغا أشدَّهُما ويستخرجا كنزَهُما رحمةً من ربّكَ}[الكهف82]،والآية واضحة المعاني لاتحتاج إلى تفسير،فهناك كنز مخبأ لهذين الغلامين اليتمين والذي تركه لهما أبوهما الصالح،وحتى لا يفوز أهل هذه القرية الظالمة اللئيمة بالكنز أصلحنا ما حوله حتى إذا بلغا أشدهما استطاعا أن يحصلا على الكنز ويستطيعان أن يدافعوا عن حقهما تجاه هؤلاء الظالمين.

ومن ثم يقول له العبد الصالح في نهاية رائعة موجزة تفسر كل شىء بكلمات وجيزة وحكم بليغة:{ رحمةً من ربِّكَ وما فعلتُهُ عن أمري ذلكَ تأويلُ ما لم تَسطِع عليه صبرا}[الكهف82].

رحمة الله التي كانت وراء هذه الأفعال كلها،كانت المحرك لهذا العبد الصالح الذي أوتي من رحمة ربه،والذي أوتي من علم ربه.

وفي هذا يقول الشاعر أبو تمام في نفس المعنى:

فقسا ليزدجروا ومن يكن حازماً       فليقس أحياناً على من يرحم.

يقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله في كتابه “خلق المسلم”:

“للرحمة كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الخلق ويسعى لإزالتها،ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى.

هي كمال في الطبيعة لأن تبلد الحسّ يهوى بالإنسان إلى منزلة الحيوان ويسلبه أفضل ما فيه،وهو العاطفة الحيّة النابضة بالحب والرأفة.بل إن الحيوان قد تجيش فيه مشاعر مبهمة تعطفه على ذراريه،ومن ثم كانت القسوة ارتكاساً بالفطرة إلى منزلة البهائم،بل إلى منازل الجماد الذي لا يعي ولا يهتز.

والرحمة في أفقها الأعلى وامتدادها المطلق صفة المولى تباركت أسماؤه.فإن رحمته شملت الوجود وعمّت الملكوت.فحيثما أشرق شعاع من علمه المحيط بكل شىء أشرق معه شعاع للرحمة الغامرة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”إن الله كتبَ كتاباً قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي،فهو مكتوبٌ عنده فوق العرش“[أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه].وقال تعالى:{كتب ربكم على نفسه الرحمة}[الأنعام 54].

يقول الإمام الطبري في تفسير الآية:

“قضى سبحانه أنه بعباده رحيم،لا يعجل عليهم بالعقوبة،ويقبل منهم الإنابة والتوبة”.

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“فهو سبحانه المالك،لا ينازعه منازع،ولكنه ـ فضلاً منه ومنّة ـ كتب على نفسه الرحمة.كتبها بإرادته ومشيئته لا يوجبها عليه موجب ولا يقترحها عليه مقترح،ولا يقتضيها منه مقتض،إلا إرادته الطليقة وإلا ربوبيته الكريمة.وهي ـ الرحمة ـ قاعدة قضائه في خلقه،وقاعدة معاملته لهم في الدنيا والآخرة…والاعتقاد إذن بهذه القاعدة يدخل في مقومات التصور الإسلامي،فرحمة الله بعباده هي الأصل،حتى في ابتلائه لهم أحياناً بالضراء.فهو يبتليهم ليعد طائفة منهم بهذا الإبتلاء لحمل أمانته،بعد الخلوص والتجرد والمعرفة والوعي والاستعداد والتهيؤ عن طريق هذا الابتلاء،وليميز الخبيث من الطيب في الصف،وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه،وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة..والحكمة في هذا كله ظاهرة…

ويتابع رحمه الله:

“على أن تلمس مواضع رحمة الله ومظاهرها يستغرق الأعمار والأجيال.فما من لحظة إلا وتغمر العباد فيها الرحمة..إنما ذكرنا الرحمة في الابتلاء بالضراء لأن هذه هي التي قد تزيغ فيها القلوب والأبصار.

كتب ربكم على نفسه الرحمة” إن الذي يستوقف النظر في هذا النص هو ذلك التفضل الذي أشرنا من قبل إليه…تفضل الخالق المالك ذي السلطان القاهر فوق عباده…تفضله ـ سبحانه ـ بأن يجعل رحمته بعباده في هذه الصورة.مكتوبة عليه…كتبها هو على نفسه،وجعلها عهداً منه لعباده…بمحض إرادته ومطلق مشيئته…وهي حقيقة هائلة لا يثبت الكيان البشري لتمليها وتأملها وتذوق وقعها،حين يقف لتدبرها في هذه الصورة العجيبة.

كذلك يستوقف النظر مرة أخرى ذلك التفضل الآخر الذي يتجلى في إخباره لعباده بما كتبه ـ سبحانه ـ على نفسه من رحمته.فإن العناية بإبلاغهم هذه الحقيقة هي تفضل آخر،لا يقل عن ذلك التفضل الأول،فمن هم العباد حتى تبلغ العناية بهم أن يبلغوا ما جرت به إرادة الله في الملأ الأعلى؟وأن يبلغوا بكلمات منه سبحانه يحملها إليهم رسوله؟من هم؟إلا أنه الفضل العميم،الفائض من خلق الله الكريم.

إن تدبر هذه الحقيقة على هذا النحو ليدع القلب في عجب وفي دهش،كما يدعه في أنس وفي روح لا تبلغ الكلمات أن تصور جوانبه وحواشيه

ومثل هذه الحقائق،وما تثيره في القلب من مشاعر،ليس موكولاً إلى التعبير البشري ليبلغ شيئاً في تصويره،وإن كان القلب البشري مهيأ لتذوقه،لا لتعريفه.

وتمثل هذه الحقيقة في التصور الإسلامي يكون جانباً أساسياً من تصور حقيقة الألوهية،وعلاقة العباد بها..وهو تصور جميل مطمئن ودود لطيف.يعجب الإنسان معه لمناكيد الخلق الذين يتقوّلون على التصور الإسلامي في هذا الجانب،لأنه لا يقول ببنوة أحد من عباد الله لله ـ على نحو ما تقول التصورات الكنسية المحرفة ـ فالتصور الإسلامي إذ يرتفع على هذه التصورات الصبيانية الطفولية،يبلغ في الوقت ذاته من تصوير العلاقة الرحيمة بين الله وعباده هذا المستوى الذي يعجز التعبير البشري عن وصفه.والذي يترع القلب بحلاوة مذاقه،كما يروعه بجلال إيقاعه.

ورحمة الله تفيض على عباده جميعاً،وتسعهم جميعاً،وبها يقوم وجودهم،وتقوم حياتهم.وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات الوجود أو لحظات الحياة للكائنات.فأما في حياة البشر خاصة فلا نملك أن نتابعها في كل مواضعها ومظاهرها،ولكننا نذكر منها لمحات في مجاليها الكبيرة:

إنها تتجلى ابتداء في وجود البشر ذاته.في نشأتهم من حيث لا يعلمون.وفي إعطائهم هذا الوجود الإنساني الكريم بكل ما فيه من خصائص يتفضل بها الإنسان على كثير من العالمين.

وتتجلى في تسخير ما قدر الله أن يسخره للإنسان،من قوى الكون وطاقاته،وهذا هو الرزق في مضمونه الواسع الشامل.الذي يتقلب الإنسان في بحبوحة منه في كل لحظة من حياته.

وتتجلى في تعليم الله للإنسان،بإعطائه ابتداء الاستعداد للمعرفة،وتقدير التوافق بين استعداداته هذه وإيحاءات الكون ومعطياته…هذا العلم الذي يتطاول به بعض المناكيد على الله،وهو الذي علمهم إياه،وهو من رزق الله بمعناه الواسع الشامل كذلك.

وتتجلى في رعاية الله لهذا الخلق بعد استخلافه في الارض،بموالاة إرسال الرسل إليه بالهدى.كلما نسي وضل،وأخذه بالحلم كلما لجّ في الضلال،ولم يسمع صوت النذير،ولم يصغ للتحذير.وهو على الله هين.ولكن رحمة الله وحدها هي التي تمهله،وحلم الله وحده هو الذي يسعه.

وتتجلى في تجاوز الله ـ سبحانه ـ عن سيئاته إذا عمل السوء بجهالة ثم تاب،وبكتابة الرحمة على نفسه ممثلة في المغفرة لمن أذنب ثم أناب.

وتتجلى في مجازاته عن السيئة بمثلها،ومجازاته على الحسنة بعشر أمثالها..والمضاعفة بعد ذلك لمن يشاء.ومحو السيئة بالحسنة…وكله من فضل الله.فلا يبلغ أحد أن يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته.حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال عن نفسه،في معرفة كاملة بعجز البشر وفضل الله.

والإقصار منا عن متابعة رحمة الله في مظاهرها،وإعلان القصور والعي عنها،هو أجدر وأولى.وإلا فما نحن ببالغين من ذلك شيئاً،وإن لحظة واحدة يفتح الله فيها أبواب رحمته لقلب العبد المؤمن،فيتصل به ويعرفه،ويطمئن إليه ـ سبحانه ـ ويأمن في كنفه،ويستروح في ظله…إن لحظة واحدة من هذه اللحظات لتعجز الطاقة البشرية عن تمليها واستجلائها،فضلاً على وصفها والتعبير عنها.

فلننظر كيف مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الرحمة بما يقربها للقلوب شيئاً ما:

أخرج الشيخان  ـ بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لما قضى الله الخلق(وعند مسلم لما خلق الله الخلق)كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش:إن رحمتي سبقت غضبي…وعند البخاري في رواية أخرى:إن رحمتي غلبت غضبي”.

وأخرج الشيخان ـ بإسناده عنه رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”جعل الله الرحمة مائة جزء.فأمسك عنده تسعة وتسعين،وأنزل في الأرض جزءاً واحداً.فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق.حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه”.

وأخرج مسلم ـ بإسناده عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن لله مائة رحمة.فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم،وتسعة وتسعون ليوم القيامة”.

وله في أخرى:”إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة،كل رحمة طباق مابين السماء والارض.فجعل منها في الأرض رحمة واحدة،فيها تعطف الوالدة على ولدها،والوحش والطير بعضها على بعض.فإذا كان يوم القيامة أكملها الله تعالى بهذه الرحمة”.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يني يعلم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها،إذ وجدت صبياً في السبي،فألزقته ببطنها فأرضعته.فقال صلى الله عليه وسلم:”أترون هذه المرأة طارحة ولها في النار؟قلنا:لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه.قال:”فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها”[رواه الشيخان].

ومن تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية،بهذا الأسلوب الموحي،كان ينتقل بهم خطوة أخرى،ليتخلقوا بخلق الله هذا في رحمته،ليتراحموا فيما بينهم وليرحموا الأحياء جميعاً،ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها،كما تذوقته في معاملة الله لهم بها من قبل.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”الراحمون يرحمهم الله تعالى.ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”[أخرجه أبو داود والترمذي]

وعن جرير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لا يرحم الله من لا يرحم الناس“[أخرجه الشيخان والترمذي]

وفي رواية لأبي داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم:”لا تُنزع الرحمة إلا من شقي“.

ويتابع الشهيد سيد قطب رحمه الله:

“إن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو ليسكب في قلب المؤمن الطمأنينة إلى ربه ـ حتى وهو يمر بفترات الابتلاء بالضراءـ التي تزيغ فيها القلوب والأبصار فهو يستيقن أن الرحمة وراء كل لمحة،وكل حالة،وكل وضع،وأن ربه لا يعرضه للابتلاء لأنه تخلى عنه،أو طرده من رحمته.فإن الله لا يطرد من رحمته أحداً يرجوها.إنما يطرد الناس أنفسهم من هذه الرحمة حين يكفرون بالله ويرفضون رحمته ويبعدون عنها.

والشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يستجيش في حسّ المؤمن الحياء من الله.فإن الطمع في المغفرة والرحمة لا يُجرىء على المعصية ـ كما يتوهم البعض ـ إنما يستجيش الحياء من الله الغفور الرحيم.والقلب الذي تجرئه الرحمة على المعصية هو قلب لم يتذوق حلاوة الإيمان الحقيقية،لذلك لا أستطيع أن أفهم أو أسلم ما يجري على ألسنة بعض المتصوفة من أنهم يلجون في الذنب ليتذوقوا حلاوة الحلم،أو المغفرة أو الرحمة.إن هذا ليس منطق الفطرة السوية في مقابلة الرحمة الإلهية.

كذلك فإن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يؤثر تأثيراً قوياً في خلق المؤمن،وهو يعلم أنه مأمور أن يتخلق بأخلاق الله سبحانه وهو يرى نفسه مغموراً برحمة الله مع تقصيره وذنبه وخطه فيعلمه ذلك كله كيف يرحم،وكيف يعفو،وكيف يغفر.كما رأينا في تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه مستمداً تعليمه لهم من هذه الحقيقة الكبيرة”.انتهى كلام سيد قطب.

ولذلك كان من صلاة الملائكة له:{رَبّنا وسِعتَ كلَّ شىءٍ رحمةً وعلماً فاغفرْ للذَّينَ تابوا واتّبعوا سبيلكَ وقِهم عذاب الجحيم}[غافر 7].

وهناك حقيقة ثابتة هي أن الذات الإلهية المقدسة تستجمع كل صفات الكمال،وأن الرحمة تتصدر أسماءه وكلامه وصفاته وأفعاله التي يخبر عنها سبحانه وتعالى.

وقد تكررت صفة الرحمة بمشتقاتها في القرآن الكريم 315مرة،وجاءت الصفات الأخرى بأقل من هذا،حيث جاءت صفة الصدق 145مرة،وصفة الصبر 90 مرة،والعفو43مرة….

ولقد كانت الرحمة والدعوة بها دعاء الأنبياء والصالحين،وكانت القاسم المشترك بينهم جميعاً:

دعاء آدم عليه السلام ومعه زوجته حواء:{قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين}[الأعراف23]

دعاء نوح عليه السلام:{وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}[هود 47]

دعاء موسى عليه السلام:{أنتَ ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنتَ خيرُ الغافرين}[الأعراف 155].

ودعاء أهل الكهف:{ربنا آتنا من لدنك رحمة وهىء لنا من أمرنا رشدا}[الكهف]

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه :قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها.إذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟قلنا:لا وتالله ـ وهي تقدر على أن لا تطرحه ـ قال: فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها“[رواه البخاري]

وكثير من أسماء الله الحسنى ينبع من معاني الرحمة والكرم والفضل والعفو.وقد جاء في الحديث القدسي:”إن رحمتي غلبت غضبي“وفي رواية “سبقت غضبي“[رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري].أي أن تجاوزه عن خطايا البشر يسبق اقتصاصه منهم وسخطه عليهم وبذلك كان أفضل الرحماء:{وقُلْ رَّبِّ اغفرْ وارحمْ وأنتَ خيرُ الراحمين}[المؤمنون 118].

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”جعل الله الرحمة مائة جزء وأنزل في الأرض جزءاً واحداً فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه“[رواه البخاري].

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تنزع الرحمة إلا من شقي”[رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو حديث حسن].

تزكية الله تعالى لرسوله الرؤوف الرحيم

لقد أراد الله أن يمتنّ على العالم برجل يمسح آلامه،ويخفف أحزانه،ويرثي لخطاياه،ويستميت في هدايته،ويأخذ بناصر الضعيف،ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها،ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنساناً سليم الفطرة لا يضرى ولا يطغى…فأرسل محمداً عليه الصلاة والسلام،وسكب في قلبه من العلم والحلم،وفي خلقه من الإيناس والبرّ،وفي طبعه من السهولة والرفق،وفي يده من السخاوة والندى،ما جعله أزكى عباد الله رحمة،وأوسعهم عاطفة،وأرحبهم صدراً،ولذلك قال تعالى فيه:{فَبما رحمةٍ من الله لِنتَ لهم ولو كنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانفضُّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفرْ لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمتَ فتوكّل على الله إنَّ الله يحبُّ المُتوكّلين}[آل عمران 159].

ورحمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي رحمة شاملة لكل مخلوق وحتى أنها تعدت كل البشر إلى الحيوانات والجمادات،وهي رحمة بكل البشر سواءً كانوا مسلمين أو غير مسلمين،وهي رحمة لا تعرف مكاناً محدوداً أو زمناً معدوداً بل هي رحمة تجلّت في حياته وفي كل مكان حطّت به قدماه

ويقول الشيخ العلامة محمد متولي الشعراوي رحمه الله في هذه الآية الكريمة:

“إن الآية كما نرى تبدأ بكلام إخباري هو{فبما رحمة من الله لنتَ لهم} فكأنه سبحانه يريد أن يقول:إن طبيعتك يا محمد طبيعة تتناسب لما يطلب منك في هذه المسألة،هم خالفوك وهم لم يستجيبوا لك حينما قلت:إليَّ عباد الله،إني رسول الله ،وهذا شىء يُحفِظ ويُغضب،ولكنه لا يُحفظ طبيعتك ولا يُغضب سجيتك لأنك مفطور مع أمتك على الرحمة.

{فبما رحمة من الله لنت لهم} أي بأيّ رحمة أُودعت فيك. ساعة تقول :بأي رحمة فأنت تُبهم الأمر،وعندما تُبهم الشىء فكأنه شىء عظيم،لأن الشىء يُبهم إما لأنه صغير جداً،وإما لأنه كبير جداً،فالشىء إذا كان كبيراً يكون فوق المستوى الإدراكي،وإذا كان صغيراً جداً يكون دون مستوى الإدراك.ولذلك فالأشياء الضخمة جداً نرى منها جانباً ولانرى الجانب الآخر،والشىء الدقيق جداً لا نراه.ولذلك يقولون:هذا الشىء نكرة،وذلك يدل مرة على التعظيم ويدل مرة على التحقير،ومرة يدل على التكثير،ومرة يدل على التقليل.

إذن فقول الحق:”فبما رحمة” أصلها:هو :برحمة من الله طُبعت عليها لِنت لهم،وما دامت تلك طبيعتك فَلِن لهم في هذا الأمر واعفُ عنهم واستغفر لهم.

ويتابع رحمه الله وغفر له:

“فأنا أطلب منك الرحمة التي أودعتها في قلبك فاستعملتها في كل مجال،وبهذه الرحمة لنت لهم،وبهذه الرحمة التفوا حولك،التفوا حول أدبك الجمّ،ولتواضعك الوافر،لجمال خلقك،لبسمتك الحانية،لنظرتك المواسية،لتقديرك لظرف كل واحد حتى إذا وضع أي واحد منهم يده في يدك لم تسحب يدك أنت حتى يسحبها هو،خُلق عالٍ،كل ذلك أنا أجعله حيثية لتتنازل عن كل الهفوات وليسعها خُلقك وليسعها حلمك،لأنك في دور التربية والتأديب،والتربية والتأديب لا تقتضي أن تغضب لأي بادرة تبدر منهم،وإلا ما كنت مُربياً ولا مؤدباً”.

يقول الشيخ الدكتور  محمد راتب النابلسي حفظه الله في تفسير الآية الكريمة:

“هذه الباء في الآية باء السببية،أي بسبب رحمة في قلبك لنت لهم،إذاً هناك علاقة بين لين الجانب،وبين الرحمة المودعة في القلب،ما لم يكن في القلب رحمة مشتقة من رحمة الله لن تستطيع أن تكون لين الجانب،ولا أن تكون سهل العريكة،هذه صفة أساسية فيمن دعا إلى الله،لين ورحمة،”فبما رحمة من الله لنت لهم“.أي بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد،من خلال اتصالك بنا،أي اتصال بالله يشتق من خلاله من كمال الله،إذا كنت مع الرحيم فأنت رحيم،إذا كنت مع الحكيم فأنت حكيم،إذا كنت مع اللطيف فأنت لطيف،هذا الكمال الذي جاء به الأنبياء،وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبي العقول،يملأ القلب محبة،قال أبو سفيان: ما رأيت أحداًيحبّ أحداً كحبِّ أصحاب محمدٍ محمداً،لم هذا الحب؟من كماله،من رحمته،من لين جانبه،من تواضعه،من حكمته،من لطفه،إذاً لن تستطيع أن تؤثر في إنسان على وجه الارض إلا إذا كنت مشتقاً من كمال الله كمالاً”.

وقال تعالى:{الذين يتبعون الرسول النبيَّ الأميَّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المُنكرِ ويُحلُّ لهم الطيباتِ ويُحرِّمُ عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}[الأعراف 157].

وقال تعالى:{وما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمين}[الأنبياء 107] .

حيث وصفت هذه الآية الكريمة بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاً جامعاً تتفق وعمومها وشمولها وذلك كونها رحمة للعالمين،فهي على وجازتها تشتمل على:ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم،ومرسله،والمرسل إليهم،والرسالة وأوصاف هؤلاء الأربعة،مع إفادة عموم الأحوال،واستغراق المرسل إليهم إرادة التعظيم”.

وقال تعالى:{لقد جاءَكُم رسولٌ من أنفُسِكُم عزيزٌ عليهِ ماعنِتُم حريصٌ عليكم بالمؤمنينَ رؤوفٌ رحيمٌ}[التوبة 128].

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 913):

“أرسله الله رحمة للذين استضعفوا في الأرض لقلة المال كالمساكين،أو لفقد العشير كالموالي،أو لضعف النصير كالأرقاء،أو لطبيعة الخلقة كالنساء،فكفل الرزق للفقير بالزكاة،وضمن العز للذليل بالعدل،ويسر الحرية للرقيق بالعتق،وأعطى الحق للمرأة بالمساواة.

والمستضعفين الذين رحمهم الله برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم يكونوا من جنس مبين ولا من وطن معين،إنما كانوا أمة من أشتات الخلق وأنحاء الأرض اجتمع فيها العربي والفارسي والرومي والتركي والهندي والصيني والبربري والحبشي على شرع واحد هو الإسلام،وتحت تاج واحد هو الخلافة”.

ويقول الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله:
“قال تعالى:{وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين}،بهذا الأسلوب الحاصر”وما أرسلناك إلا رحمة” وهي ليست رحمة للعرب وحدهم،ولا لأهل الشرق دون أهل الغرب،ولكنها “للعالمين“.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه:”إنما أنا رحمة مهداة“[رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه وصححه الألباني]] وهو معروف بين المسلمين بأنه”نبي الرحمة” والأمة بأنها”أمة الرحمة”.

تتجلى هذه الرحمة في وضوح العقيدة وسلامتها من الألغاز والتعقيد،بحيث تتقبلها الفطرة السليمة،ويؤمن بها العقل الرشيد،ولا تحتاج إلى أن يقال لُمعتنقها:اعتقد وأنت أعمى! بل هي {نور على نور}نور الوحي على نور العقل،وتقوم على البرهان والدليل،كما قال تعالى:{قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}[البقرة 111].

الله في هذه العقيدة هو الرحمن الرحيم،بل هو أرحم الراحمين،وخير الراحمين،وسعت رحمته كل شىء، سبقت رحمته غضبه،وهو القائل في كتابه:{قل يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفرُ الذنوبَ جميعاً إنه هو الغفورُ الرحيم}[الزمر 53].

وتتجلى هذه الرحمة في سماحة الشريعة،فهي تقوم على التيسير لا على التعسير،وعلى رفع الحرج،والتكليف بحسب الوسع،وتنويع الرخص والمُخففات،وإباحة المحظورات عند الضرورات،كما قال تعالى بعد رُخص الطهارة:{ما يريدُ الله ليجعلَ عليكم من حرج ولكن يريدُ ليُطهركم وليُتمَّ نعمتهُ عليكم لعلكم تشكرون}[المائدة6]،وبعد رُخص الصوم:{يريدُ الله بكمُ اليُسرَ ولا يريدُ بكمُ العُسر}[البقرة 185].

وبعد محرمات الطعام:{فمن اضطرَ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليهِ إنَّ الله غفورٌ رحيمٌ}[البقرة 173]

وبعد محرمات النكاح:{يريدُ اللهُ أن يُخفِّفَ عنكم وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفاً}[النساء 28].

وبعد أن شرع العفو في القصاص:{ذلكَ تخفيفٌ من ربّكم ورحمة}[البقرة 178].

وقد قال عليه الصلاة والسلام:”إني بُعثتُ بالحنيفية السّمحة“[رواه أحمد عن عاشة رضي الله عنها وهو حديث حسن]وقال:”يسروا ولا تعسروا،وبشروا ولا تنفروا“[متفق عليه عن أنس بن مالك رضي الله عنه]،وقال:”إنما بُعثتم ميسرِّين،ولم تُبعثوا معسرّين“[رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وهي تيسر في العبادات،وتيسر في المعاملات،وفي شؤون الاسرة وفي شؤون المجتمع،وفي العلاقات الدولية.

ومن أعظم مظاهر الرحمة:الدعوة إلى السلام العام بين الناس.

ثم إن هذه الرسالة هي رسالة رحمة من كل جانب من الجوانب،وكل مجال من المجالات.

هي رحمة للفرد،لأنها تصلح عقيدته،وتصحح عبادته،وتزكّي نفسه،وتقوِّم أخلاقه،وتسدِّده في عمله،وتوثق صلته بربه،وصلته بأهله،وصلته بأرحامه،وصلته بجيرانه وبالمجتمع من حوله.

وهي رحمة للأسرة،التي قال الله فيها:{ومن آياتهِ أن خلقَ لكم من أنفُسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعلَ بينكم مودةً ورحمة}[الروم 21]،وهي التي تحدث القرآن فيها عن العلاقة الزوجية فقال:{هُنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهُنّ}[البقرة 187]،وعن الأرحام والأقارب قال تعالى:{وأولوا الأرحامِ بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب الله}[الأنفال 75].

وهي رحمة للمجتمع،لأنها تحقق له كل مصلحة،وتدرأ عنه كل مفسدة،بما تقوم عليه من وصايا وتوجيهات،ومن قوانين وتشريعات،تربط المجتمع بعضه ببعض،بحيث يصبح :”كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا“،أو “كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو بالألم والسقم،اشتكى البدن كله بالحمى والسهر”.

ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله:

“ونلحظ هنا في الآية الكريمة أن الحقّ قد نسب المجىء هنا للرسول صلى الله عليه وسلم،ولم يقل:جئتكم برسول.وكلنا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت من عند نفسه،ولم يدع هذا الامر الجليل لنفسه،ولكن الشحنة الإيمانية تفيد أنه خلق بما يؤهله للرسالة.وبمجرد أن نزل عليه الوحي امتلك اندفاعاً ذاتياً لأداء الرسالة،ولم يحتج لمن يدفعه لأداء الرسالة،لذلك أراد الحق سبحانه أن يثبت للرسول صلى الله عليه وسلم المجىء ذاتياً،ولكن هذا المجىء الذاتي ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم في البداية،بل هو رسول من عند الله،فأتى الحق سبحانه هنا بكلمة”جاء”.

ويتابع الشعراوي رحمه الله:

“إذن فمن رحمته سبحانه بكم أن جعل لكم رسولاً من أنفسكم،ومن قبيلتكم،ومن العرب،لا من فارس والروم،وهو يخاطبكم بلغتكم،لأنكم أنتم أول آذان تستقبل الدعوة،فلا بد أن يأتي الرسول بلسانكم،وجاءكم محمد صلى الله عليه وسلم بالأنس والألفة،لأنه من قريش التي لها بطون في كل الجزيرة ولها قرابات،وأنس وألفة بكل العرب،وأنس ثالث أنه من البشر،وجاء به الحق سبحانه فرداً من الافراد،محكوم له بالصدق والأمانة قبل أن يبلغكم رسالته من الله.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم عزيز عليه مشقتكم{عزيز عليه ما عنتم}،والمشقات أنواع:مشقات في الدنيا تتمثل في التكاليف التي يتطلبها الإيمان،ولكنها تمنع مشقات أخلد في الآخرة،لذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يحزن أن ينالكم في الآخرة تعب،وتعب الدنيا موقوت وينتهي،لكن تعب الآخرة هو الذي يرهق حقاً ويتعب.

“حريص عليكم“:ومعنى الحرص أن يحوطكم بالرعاية،حتى لاتقعوا في المشقة الأكبر.

“بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم“:والرأفة والرحمة قد تلتقيان في المعنى العام.ولكن هناك أموراً تسلب مضرة،وأموراً تجلب منافع.وسلب المضرّات ـ دائماً ـ مُقدّم على جلب المنافع،فحين نواجه عملاً يضر وعملاً ينفع،نُقدم على العمل لدرء ما يضر،ثم ننجز العمل النافع.

وقوله الحق:{بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم} نرى فيه الوصف بالرؤوف والرأفة هي سلب ما يضر من الابتلاء والمشقة،و”رحيم” هو الذي يجلب ما ينفع من النعيم والارتقاء.

وحسبكم من هاتين الصفتين أن الله سبحانه وتعالى وصف رسوله بهذين الوصفين”رؤوف رحيم” وقد ثبت أنه سبحانه قد وصف نفسه بقوله سبحانه:{إنَّ ربّكم لرؤوفٌ رحيم}[النحل7].

إذن :فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يسلك بما عنده،بل يسلك برأفة مستمدة من رأفة العلي الأعلى،وكذلك رحمته صلى الله عليه وسلم مستمدة من رحمة العلي الأعلى،وكأن الحق سبحانه يبين لنا أنه أعطى محمداً صلى الله عليه وسلم بعضاً من الصفات التي عنده،فكما يبلغكم المشقات في التكاليف،فهو يبلغكم السلامة من المشقات في الرأفة،وترقية المنعمات بالرحمة،ولذلك يقول الحق سبحانه:{ونُنزلُ من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمة}[الإسراء 82].

ونعلم أن الشفاء إنما يكون من المرض، أي أن القرآن يسلب المضرة أولاً،ثم يأتي لنا بالمنفعة بعد ذلك وهي الرحمة.

وخلاصة القول:إن استقبلتم مشقات التكليف من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلموا ممن جاءت هذه المشقات،واعلموا أن مجيئه بها إنما هو ليرفع عنكم مشقات أكبر وأخلد،لأن مشقات التكليف تنتهي بانتهاء زمن التكليف وهو الدنيا،ثم يذهب المؤمن إلى الجنة ليحيا بلا تكليف،وما يخطر على باله من أشياء،يجده فوراً:بدءاً من الطعام والشراب وجميع ما خلقه الله لأهل الجنة من نعيم”.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”إنما أنا رحمة مهداة“.[رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال حديث صحيح على شرط الشيخين]

يقول الإمام الرازي رحمه الله في تفسيره:

“إنه عليه السلام كان رحمة في الدين والدنيا،فلأنه عليه السلام بعث والناس في جاهلية وضلالة،وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الإختلاف على كتبهم فبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب،فدعاهم إلى الحق وبيّن لهم سبيل الثواب،وشرع لهم الأحكام وميّز الحلال من الحرام،ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار وكان التوفيق قريناً له.وأما في الدنيا،فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب ونصروا ببركة دينه”.

ويقول الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره:

“إن رسل وأنبياء الله هم صفوة الخلق،وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد جازت مرتبته الاصطفاء،لأنه حبيب ورحمة.قال تعالى:{وما أرسلناكَ إلا رحمة للعالمين}[الانبياء 107] فالرسل خلقوا للرحمة،ومحمد صلى الله عليه وسلم خلق بنفسه رحمة،فلذلك صار أماناً للخلق،لما بعثه الله أمن الخلق العذاب إلى نفخة الصور.وسائر الانبياء لم يحلوا هذا المحل،ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:: أنا رحمة مهداة“يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله وقوله مهداة أي هدية من الله للخلق”.

وقال فيه تعالى:{النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[الأحزاب 6]

ومن مظاهر رحمته على قومه ومن لم يتبعه منهم أنه كان شديد الحزن على إعراضهم واستكبارهم وابتعادهم عن الهدى،والخوف عليهم من عذاب الدنيا والآخرة،وهذا كله من جراء الرحمة الواسعة التي أفاضها الله على قلب رسوله وعبده صلى الله عليه وسلم.

وفي ذلك يقول تعالى:{فلعلّكَ باخِعٌ نفسكَ على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً}[الكهف 6] فهو كان يحزن أشد الحزن على الذين لم يهتدوا إلى الحق الذي جاء به ولم يؤمنوا بما أنزله الله عليه من الكتاب والحكمة.ولذا يخاطبه تعالى بأن لايتأثر ولا يكلف نفسه العناء:{فلا تذهب نفسُكَ عليهم حسرات}[فاطر 8].

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجلٍ استوقد ناراً،فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في الناريقعن فيها،فجعل ينزعهنّ ويغلبنه فيقتحمن فيها،فأنا آخذ بحُجزكم عن النار وهم يقتحمون فيها“[رواه الشيخان]

ورحمته صلى الله عليه وسلم تتجلى في مظهرين:

ـ الأول:تخلّق نفسه الزكية بخلق الرحمة،يقول القاضي عياض في”الشفاء”:زين الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة،فكان كونه رحمة،وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق،فمن أصابه شىء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه،والواصل فيهما إلى كل محبوب”.

ـ والثاني:إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته.

أي مافي الشريعة من مقومات الرحمة العامة للخلق كلهم،وشريعته صلى الله عليه وسلم أوسع الشرائع رحمة بالعباد وهي عامة لجميع البشر دون اختصاصها بفئة منهم.

ولعل من أهم مظاهر ومعالم الشخصية المحمدية الرحمة بالخصوم والأرحام،بالأعداء والأصدقاء،وبالأهل والأحباب،وحتى في الحيوان والجماد ولنفصل:

1 ـ رحمته مع المخالفين والمعاندين والمكابرين من أبناء قومه

2 ـ رحمته مع الكفار وأتباع الديانات الأخرى

3 ـ رحمته مع أهله وأقربائه

4 ـ رحمته مع أصحابه

5 ـ رحمته مع الجماد والحيوان

6 ــ الأخذ بالتيسير والتبشير والنهي عن التعسير

1 ـ رحمته مع المُخالفين والمُعادين من أبناء قومه:

يقول العلّامة الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في كتاب”رجال من التاريخ”في فصل”سيد رجال التاريخ”:

نحن الآن في مكة والحرب قائمة بين التوحيد والشرك،بين الإصلاح والجمود،بين محمد وقريش،وبذلت قريش قوّتها،وبذلت قريش مالها،وقدمت دنياها كلها،في شىء واحد:هو أن تمنع هذا الخير عن الدنيا.

قال محمد صلى الله عليه وسلم:”افتحوا لي الطريق لأخرج إلى الأرض الفضاء،فأنصر الضعيف،وأنجد المظلوم،وأعيد للبشرية كرامتها،وللعقل سلطانه”،قالوا:لا.

قال:”افسحوا لرسالتي لتنطلق في الزمان،فإنها ليست لبلد واحد،ولا ليوم واحد”،قالوا:لا!ولكن تعال نملكك إن شئت علينا،ونمنحك أموالنا ونجعلك سيِّد هذا البلد كله.

وسخر التاريخ من قريش…يدعوهم محمد صلى الله عليه وسلم ليعطيهم سيادة الأرض،وزعامة الدنيا،ويضع في أيديهم مفاتيح الكنوز:كنوز المال،وكنوز العلم،ويمنحهم ما يملك كسرى وقيصر،وهم يدعونه ليعطوه إمارة هذه القرية،النائمة بين جبلين،وراء رمال الصحراء.

وانطلقوا يؤذونه ،ويتوعدونه،لعلّ الترهيب يفعل فيه ما لم يفعل الترغيب.

رموا في طريقه الشوك وهو ماش،وألقوا عليه أحشاء الناقة وهو ساجد،ورموه في الطائف بالحجارة وأسالوا دمه،وهزءوا به،وسلّطوا عليه سفهاءهم.

فلم يثر هذا كله غضبه ولكن أثار إشفاقه،إشفاق الكبير على الأطفال المؤذين،والعاقل على المجانين،وكان جوابه:”اللهم اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون”.

وقال الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 400):

“وكأنّ هؤلاء الناجين بدين الله لم يكادوا يدخلون في غيب الطريق حتى انشقت الصحراء عنهم فإذا هم عشرة آلاف من جند الله يجرون الحديد على النياق الكوم والخيول الجرد،والرسول صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار لا يظهر منهم وراء الدروع غير الحِدق،وإذا أبو سفيان زعيم قريش قد اشترى حياته بإسلامه،ثم وقف مع العباس بمضيق الوادي يشهد جيش الفتح وهو زاحف إلى مكة ويقول: هذا والله ما لا طاقة لنا به!لقد أصبح ملك ابن أخيك يا أبا الفضل عظيماً.فقال له العباس: يا أبا سفيان،إنها النبّوة!ثم نجا أبو سفيان إلى مكة فصاح بأعلى صوته:يا معشر قريش،لقد أتاكم محمد بما لا قِبل لكم به،فسلّموا تسلموا.

أهذه مكة الطاغية التي لبثت إحدى وعشرين سنة تفور بالسفه والإفك والضغينة والمعارضة على محمد ودين محمد وأصحاب محمد؟ما بالها خشعت خشوع الجناح الكسير وسكنت سكون المقبرة المهجورة؟لقد باتت ليلة من ليالي يناير الباردة الطويلة وقلبها يرجف من هول الغد وانتقام الفاتح.ثم أصبحت مكة الساهدة فإذا أهلها بين قابع في منزله،أو عائذ ببيت الله،أو لائذ بدار أبي سفيان،وإذا فرق الجيش المحمدي الظافر تنحدر من (ذي طوى) مُكبرة ومُهللة إلى جهات مكة الأربع،فلما ارفضت المخاوف عن الناس خرج القائد الأعظم من قبته المضروبة بأعلى مكة يؤم المسجد الحرام،وعلى جوانب الطرقات ألسنة المسلمين تذكر،ومن وراء الحجرات عيون المشركين تنظر،والرسول الكريم قد طأطأ رأسه على رحله حتى كاد أن يمس قادمته،فلم يجر على باله أن هذه الأرض التي طُورد فيها وسال دمه عليها قد أصبحت ملكه،وأن هؤلاء الناس الذين قذفوه بالأحجار ورموه بالأقذار قد أصبحوا أسراه،حتى دخل المسجد فطاف،ثم أقبل على الأرستقراطية الصاغرة وهي تتطامن من القلق والفرق وقال لأهلها الذين أفرطوا عليه في البذاء والإيذاء:”يا معشر قريش،اذهبوا فأنتم الطلقاء!”.

ـ ويقول الدكتور العلامة مصطفى السباعي رحمه الله في مقال له بعنوان”خير مولود عرفه التاريخ”:

“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل دور من أدوار حياته خير مثال لقادة الأمم وزعمائها في الإخلاص في القيادة،والصبر عند الشدة،والتواضع لله والثقة به،والأخذ بيد الأمة إلى طريق الحق والفلاح مهما قام في سبيل ذلك من عقبات.

ثلاثة عشر عاماً أمضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قومه في مكة يدعوهم إلى الله وينهاهم عما كانوا عليه من شرك وخِلال،فلم يلق من أكثرهم إلا عنتاً وإرهاقاً:كذّبوه وقد كانوا له قبل النبوة مُصدّقين.وآذوه وكانوا له من قبل مُكرمين.ورموه بالفحش وكانوا له عن ذلك مُنزهين،قذفوه بالتهم فصفح عنهم،ودعوا عليه فدعا لهم.وتمنّوا له الموت فتمنّى لهم الحياة.ورموه بالحجارة فرماهم بالهدى والرحمة،وقال:”اللهم اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون”.

عظمة تتضاءل دونها كل عظمة في الكون،وخُلق خضع له الدهر إجلالاً وإكباراً.وأهوالٌ لو أُفرغت على الجبال الرواسي لدكّتها دكاً،ولكن نفس محمد صلى الله عليه وسلم كانت أكبر من الدنيا،فلم تعبأ بكل ما في الدنيا.

كان صلى الله عليه وسلم أكرم على ربّه من أن يعرضه لإيذاء المشركين واضطهادهم إلى النهاية،وكان قادراً على أن يُليّن له القلوب ويُخضع له الرقاب،ويُلقي في النفوس قبول دعوته في أقل من عام،ولكن أراد الله أن يكون نبيه المثل الخالد للقادة من بعده في تحمل الشدائد والصبر على اللأواء وبذل الروح في سبيل الدفاع عن المبدأ الحق حتى يتم أمر الله.

انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مكّنه الله من قومه الذين أخرجوه من بلده فلم يتمكن من نفسه حبّ الانتقام كما يفعل الفاتحون،ولكنه قال لهم كما قال أخوه يوسف لإخوته:”لا تثريب عليكم.

هل شهد الناس مثل هذا؟وهل حدَّث التاريخ بمثل هذا؟كلا وربّ محمد،وإنه لمثل يضربه للقادة كيف يصفحون عند القدرة،وكيف يكونون أرأف بأمتهم من الأمّ الرؤم بولدها”.

ويقول العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ـ فصل الرحمة):

“وفي غزوة أحد حاول المشركون اغتياله،وألجأوه إلى حفرة ليكب فيها،ونظر إلى زهرة أصحابه فوجدهم مُضرّجين بدمائهم على الثرى.ونظر إليه بقية أصحابه فإذا خدّه قد شقّ وسنة فم سقطت.وفي هذه الأزمة قيل له:ادع على المشركين،فغلبه رفقه وجعلت نفسه العالية تستميح لأعدائه العذر فكان دعاؤه:”اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون”.

إن القلوب الكبيرة قلمّا تستجيشها دوافع القسوة فهي أبداً إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والإضطغان.

إن القسوة في خلق إنسان دليل نقص كبير،وفي تاريخ أمة دليل فساد خطير..فلا عجب إذ حذر الإسلام منها واعتبرها علّة الفسق عن أمر الله وسر الشرود عن صراطه المستقيم:{ألمْ يأنِ للذين آمنوا أن تخشعَ قلوبُهُم لِذكرِ الله وما نزلَ من الحقِّ ولا يكونوا كالذينَ أُوتوا الكتابَ من قبلُ فطالَ عليهمُ الأمدُ فقستْ قلوبُهُم وكثيرٌ منهم فاسقون}[الحديد 16].

ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(مجلة الثقافة ـ العدد 18):

“لما أمكنه الله من عدوه لم يذكر دمه(مقتل حمزة في أحد مثلا)،ولم يذكر أفاعيل خصومه،ولم يذكر قتالهم لأهله وأصحابه،إنما ذكر دعوته وذكر خير السبل للوصول إلى تحقيقها،وذكر ما يجب أن يفعل لإنجاحها،فلما فتح مكة كان همّه أن يدخل الكعبة ومعه بلال فيؤذن فيها،ويكسر الأصنام،ويقول:”جاء الحق وزهق الباطل“وهذا هو ما يذكره.أما الناس فليسوا موضع نقمته وخير أن يستجلبهم لدعوته بعفوه فيقول:”يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟قالوا: خير أخ كريم وابن أخ كريم.قال:”اذهبوا فأنتم الطلقاء“.فأسرهم بعفوه،وهكذا لم نجد مثلاً يجمع بين القوة والرحمة،والصلابة والمغفرة،والإصرار واعتدال المزاج كما رأينا في هذه الفعال.

وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم:هل أتى عليك يوم أشدّ من يوم أحد؟قال:لقيت من قومك ما لقيت،وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة،إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال،فلم يُجبني إلى ما أردت،فانطلقت وأنا مهموم على وجهي،فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب،فرفعت رأسي،فإذا أنا بسحابة قد أظلتني،فنظرت فإذا فيهاجبريل،فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك،وما ردوا عليك،وقد بعث الله إليك ملك الجبال،لتأمره بما شئت فيهم،فناداني ملك الجبال،فسلم علي،ثم قال: يا محمد،فقال: ذلك فيما شئت،إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟فقال النبي صلى الله عليه وسلم:بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده،لا يشرك به شيئاً“[رواه البخاري].

يقول الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه السيرة النبوية:

“بعد أن رجع الرسول صلى الله عليه وسلم من ثقيف وبعد أن عرض عليهم الدعوة الإسلامية فأبوا،فرجاهم أن يكتموا أمره ولا يبلغوا قريشاً،ولكن القوم كانوا لئاماً،فما إن همّ بمغادرتهم حتى أغروا به الصبيان والسفهاء يقذفونه بالحجارة،وصاحبه ومولاه زيد بن حارثة يدرأ عنه ويدفع،ولكن ماذا يُغني زيد في هذا السيل المنهمر من الحجارة،فأصيب جسمه ودميت عقباه،وسال الدم الزكي على أرض الطائف ليكون شاهداً على لون من ألوان الكفاح في سبيل العقيدة،حتى ألجؤوهُ إلى بستان لإبني ربيعة وبعد أن استراح قليلاً،دعا الله بدعائه المشهور الذي ختمه قائلاً:”إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي”.

نعم،فالجراح والآلام والمصاعب،كلها تهون مادام في ذلك رضى الله،والنجاة من غضبه.

عاد وهو جريح الجسم،مكلوم الفؤاد،حزين النفس،فتبدى له عند”قرن الثعالب” مَلَك الجبال،وقال له:”إني رسول من الله إليك،إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين(جبلان بمكة) فعلت؟! ولقد كانت فرصة مواتية للنيل من هؤلاء الذين آذوه،وأسالوا دمه،وليذهبوا مع الهالكين الغابرين،وإن ذهبوا ففي الباقين من ينصر الدعوة ويقيم الإسلام.

ولكن لو جاز هذا في حق بشر آخر مهما بلغ من الكمال العقلي والخلقي،فلن يجوز في عقل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،ولا في أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،ولا في منطقه صلى الله عليه وسلم،وهو الذي بلغت فيه الفضيلة ذروة كمالها.

وانتظر الملك الجواب،ولم يفكر النبي طويلاً،لأن الأمر بالنسبة إليه لا يحتاج إلى تفكير،لأنه يتفق هو وفطرته التي فطره الله عليها،وأخلاقه التي جُبل عليها،وجعلته سيد ولد آدم على الإطلاق،فقال صلى الله عليه وسلم:”لا بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً”.

ودهش ملك الجبال لما سمع،وقال: أنت ـ كما سمّاك ربك ـ رؤوف رحيم!! نعم ـ والله ـ لقد صدق من سمّاه الرؤوف الرحيم،ومن خاطبه هذا الخطاب الشريف الفذ{وإنك لعلى خلق عظيم}”.

ويقول الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(وحي القلم ج2):

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف،يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه،فلما انتهى إلى الطائف عمدَ إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادتهم وأشرافهم،فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته والقيام معه في الإسلام على من خالفه من قومه،فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به،حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط(بستان)لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه.ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه،فعمد صلى الله عليه وسلم إلى ظل حُبلةٍ من عنبٍ فجلس فيه،وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان مالقى من السفهاء.

فلما اطمأن صلى الله عليه وسلم في مجلسه قال:”اللهم إليك أشكو ضعف قوتي،وقلى حيلتي،وهواني على الناس،يا أرحم الراحمين،أنت ربُّ   المُستضعفين وأنت ربي،إلى من تكلني،إلى بعيد يتجهمني،أو إلى عدوٍّ ملّكته أمري،إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي،ولكن عافيتك هي أوسع لي.أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات،وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرة،من أن ينزل بي غضبك،أو يحلَّ عليَّ سخطك،لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك”.

يتابع الرافعي رحمه الله:

“ألا ما أكمل هذه الإنسانية التي تثبت أن قوة الخُلُق هي درجة أرفعُ من الخُلق نفسه،فهذا فنُّ الصبر لا الصبر فقط،وفنُّ الحلم لا الحلم وحده.

قوة الخلق هي التي تجعل الرجل العظيم ثابتاً في مركز تاريخه لا متقلقلاً في تواريخ الناس،محدوداً بعظائم شخصيته الخالدة لا بمصالح شخصه الفاني،ناظراً في الحياة إلى الوضع الثابت للحقيقة لا إلى الوضع المتغيّر للمنفعة.

وما كان أولئك الأشراف وسفهاؤهم وعبيدهم إلا معاني الظلم،والشر،والضعف،تقول للنبي العظيم الذي جاء يمحوها ويُديل منها:إننا أشياء ثابتة في البشرية.

لم يكن منهم الأشراف والسفهاء والعبيد،بل كان منهم العسفُ،والرّق،والطيش،تسخر ثلاثتها من نبي العدل،والحرية،والعقل،فما تسخر إلا من نفسها.

صغائر الحياة قد أحاطت بمجد الحياة،لتُثبت الصغائر أنها الصغائر،وليثبت المجدُ أنه المجد”.

وهناك أحاديث نبوية كثيرة تدل على حلمه ورحمته بأعدائه من المشركين والكفار:

ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قيل: يا رسول الله!ادعُ على المشركين.قال: إني لم أُبعث لعاناً.وإنما بعثت رحمة“[رواه مسلم].

ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا:يا رسول الله،إن دوساً عصت وأبت فادعُ الله عليها،فقيل: هلكت دوس، قال:” اللهم اهدِ دوساً وأتِ بهم“[رواه البخاري].

ـ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنهم قالوا:يا رسول الله! أحرقتنا نبال ثقيف،فادع الله عليهم.فقال: “اللهم اهدِ ثقيفاً”[رواه الترمذي بسند صحيح].

وهناك الكثير من الأمثلة الفردية التي توضح هذا الموقف العظيم من النبي الكريم الرحيم:

ـ موقفه صلى الله عليه وسلم من ثمامة بن أثال:

جاء في صحيحي البخاري ومسلم:بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً قِبل نجدٍ،فجاءت برجلٍ من بني حنيفة يقال له:ثُمامة بن أُثال،فربطوه بساريةٍ من سواري المسجد،فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:”ماذا عندك يا ثُمامة؟”فقال:عندي خيرٌ يا محمد،إن تقتلني تقتل ذا دمٍ،وإن تُنعم تُنعم على شاكر،وإن كنت تريد المال فسَلْ منه ما شئتَ…فتركه صلى الله عليه وسلم حتى كان الغد فقال:”ما عندك يا ثُمامة؟” قال: ما قلتُ لك،إن تُنعم تنعم على شاكر…فتركه صلى الله عليه وسلم حتى كان بعد الغد فقال:”ما عندك يا ثمامة؟”فقال: عندي ما قلت لك،فقال صلى الله عليه وسلم :”أطلقوا ثُمامة”،فأطلقوه،فانطلق إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد،فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله،وأشهد أن محمداً رسول الله،يا محمد،والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغضَ إليَّ من وجهك،فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليَّ،والله ما كان من دينٍ أبغضَ إليَّ من دينك فأصبح دينك أحبَّ الدين إليَّ،والله ما كان من بلدٍ أبغض إليَّ من بلدك فأصبح بلدك أحبَّ البلاد إليّ،وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العُمرة فماذا ترى؟فبشرّه النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر،فلما قدم مكة قال له قائلٌ:أصبوت؟ فقال: لا،ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم،ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم.

وبرَّ بيمينه،فجهدت قريش وطلبوا الحبوب من اليمامة،فقال: لا والله حتى يأذن محمد صلى الله عليه وسلم،ولم يروا بُداً من الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم فعاملهم صلى الله عليه وسلم بما جُبل عليه من الشفقة والرحمة،وأرسل إلى ثمامة أن يُعيد عليهم ما كان يأتيهم من أقوات اليمامة،ففعل.

وقد كان لهذا الرجل الكريم الأصل قدمٌ راسخة في الإسلام عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حينما ارتدَّ أكثر أهل بلاده،فكان ينهى قومه عن اتّباع مسيلمة ويقول لهم:إياكم وأمراً مظلماً لا نور فيه،وإنه لشقاء كتبه الله على من اتّبعه.

فانظر إلى أثر المعاملة الحسنة التي عامل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمامة،مصداقاً لقوله تعالى:{ولا تستوي الحسنةُ ولا السَّيئةُ ادفعْ بالتي هيَ أحسنُ فإذا الذي بينكَ وبينهُ عداوةٌ كأنّهُ وليٌّ حميم*وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا وما يُلقَّاها إلا ذو حظٍّ عظيمٍ}[فصلت 34 ـ35].

ـ ومن آثار رحمته صلى الله عليه وسلم موقفه من سفانة بنت حاتم الطائي.

فقد وقعت سفانة في السبي،وجىء بها إلى المدينة،وكانت امرأةً جزلة عيطاء لعساء،ولما لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت وقال:يا رسول الله،هلك الوالد وغاب الوافد،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ومن وافدك؟”قالت: عدي بن حاتم،قال:”الفار من الله ورسوله”تقول سفانة:فأشار إليِّ رجل من خلفه أن قومي فكلميه،فقمتُ وقلتُ:يا محمد،إن رأيت أن تُخلي عنّي،ولا تشمت بي أحياء العرب،فإنّي ابنة سيد قومي،فامنن عليَّ منَّ الله عليك،وقد كان أبي يفكُّ العاني،ويُشبعُ الجائع،ويكسو العاري،ويُفشي السلام، ويصل الرّحم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”يا جارية هذه صفة المؤمن،ولو كان أبوك مسلماً لترّحمنا عليه،خلّوا عنها،فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق،والله يحب مكارم الأخلاق”.ثم قال:”لا تعجلي حتى تجدي ثقةً يُبلغك بلادك ثم آذنيني”.

قالت:وقدم ركبٌ من بلادي،فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته،فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملني وأعطاني نفقة،فدعوت له وقلت:شكرتك يدٌ افتقرت بعد غنىً،ولا ملكتك يدٌ استغنت بعد فقر،وأصاب الله بمعروفك مواضعه،ولاجعل لك إلى لئيم حاجة،ولا سلب نعمة كريمٍ إلا وجعلك سبباً لردّها عليه”.

ثم خرجت حتى قدمت على أخيها عديّ فقال: ما ترين في هذا الرجل؟ فذكرت له ما لقيت من رحمته وعطفه وإكرامه،ثم قالت: أرى أن تلحق به. فاستجاب لها رضي الله عنهما.

موقفه صلى الله عليه وسلم من جويرية بنت الحارث:

في شعبان من السنة الخامسة للهجرة حدثت غزوة بني المصطلق أو المريسيع،وقد غنم المسلمون غنائم كثيرة ومنها عدد من السبايا من النساء والأسارى من الرجال.

وكان من السبايا جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق،وقد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس،أو لإبن عمٍ له فكاتبته على نفسها،فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت:يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه،وقد أصابني من البلاء ما لم يَخْفُ عليك،فوقعت في السهم لثابت بن قيس أو لابن عمٍ له فكاتبته على نفسي،فجئت أستعينك على كتابتي.

فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم الفرصة سانحة لتخليص بني المصطلق مما وقعوا فيه،فقال:”فهل لك في خير من ذلك؟” قالت: وما هو يارسول الله؟ قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك” قالت: نعم،وخرج الخبر إلى الناس،وفشا بينهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية بنت الحارث،وكان المسلمون عند حسن ظنه وبعد نظره،فقالوا:أصهار رسول الله يُسترّقون؟فأطلقوا كل من بأيديهم،قالت عائشة رضي الله عنها ـ راوية القصةـ فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق،فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها.

وبفضل هذا التصرف النبوي الحكيم أسلم بنو المصطلق عن طواعية جميعاً،وصاروا أعواناً للمسلمين بعد أن كانوا عليهم.

ـ موقفه من صفية بنت حُيىّ النضرية:

لما فتح المسلمون القموص ـ حصن بن أبي الحقيق اليهودي ـ كانت صفية في السبي،فأعطاها دِحية الكلبي،فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أعطيت دحية صفية بنت حيى سيدة قومها،وهي ما تصلح إلا لك،فاستحسن النبي ما أشار به الرجل،وقال لدحية:”خذ جارية من السبي غيرها”.ثم أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقها وجعل عتقها صداقها.وهكذا ردَّ النبي إليها بصنيعه هذا اعتبارها،وحفظ لها شرفها وسيادتها.

وذكر ابن سعد عن الواقدي قال: لم يخرج النبي من خيبر حتى طهرت صفية من حيضها،فحملها وراءه،فلما صار إلى منزل على ستة أميال من خيبر مال يريد أن يُعرِّس بها فأبت عليه،فوجد في نفسه،فلما كان بالصهباء نزل بها هناك فمشطتها أم سليم،وعطرتها،وزفتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبنى بها،فسألها:”ما حملك على الإمتناع من النزول أولا؟ فقالت خشيت عليك من قرب اليهود،فعظمت في نفسه،ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصهباء ثلاثة أيام،وأولم عليها،ودعا المسلمين،وما كان فيها من لحم وإنما التمروالأقط والسمن،فقال المسلمون:إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت أيمانه،فلما ارتحل وطّأ لها خلفه ومدَّ عليها الحجاب،فأيقنوا أنها إحدى أمهات المؤمنين.

ولما كانت ليست بعربية ولا قرشية كان بعض نساء النبي يدللن عليها ويحاولن النيل منها،ولكن العادل المنصف وناصر الضعفاء كان ينتصر لها،وينافح عنها،ويلقنها كيف ترد عليهن،فقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن عائشة وحفصة نالتا منها،فقال لها:”ألا قلت:وكيف تكونان خيراً مني وزوجي محمد،وأبي هارون،وعمي موسى“[رواه الترمذي]،بل بلغ من انتصار النبي لها أن هجر زينب بنت جحش مدة لنيلها منها،ووصفها لها باليهودية[رواه ابن سعد].

فلا عجب أن كانت تحب رسول الله حباً جمّاً،وشديدة الوفاء والإخلاص له، ففي مرض موته اجتمع نساؤه حوله،فقالت صفية:”يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي،فغمزن ببصرهن،فقال:”مضمضن” فقلن: من أي شىء؟ فقال:من تغامزكن بها، والله إنها لصادقة.

ـ موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من سهيل بن عمرو:

في غزوة بدر أُسر سهيل بن عمرو وهو أحد أكبر صناديد قريش،والمعاندين لدعوة الإسلام،وكان سهيل رجلاً أعلم(مشقوق الشفة) من شفته السفلى،فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم:دعني أنزع ثنية سهيل بن عمرو فيدلع لسانه،فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً،فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم الجواب البالغ في السمو في الرحمة والإنسانية:”لا أمثِّل،فيمثِّل الله بي،وإن كنت نبياً وعسى أن يقوم مقاماً لا تذمه”.

وسهيل بن عمرو هو الذي كتب كتاب الصلح من جهة المشركين في صلح الحديبية.

جاء في السيرة النبوية:دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ليكتب الكتاب،فقال له:اكتب بسم الله الرحمن الرحيم،فقال سهيل بن عمرو:أما الرحمن فلا أدري ماهو؟ةولكن اكتب باسمك اللهم،فأبى المسلمون،فقال النبي:اكتب باسمك اللهم،ثم قال:هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو،فقال سهيل:والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك،ولكن اكتب اسمك واسم أبيك،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:والله إنّي لرسول الله حقاً وإن كذبتموني.ثم أمر علياً بمحو ما كتب وكتابة محمد بن عبد الله،فامتنع علي تأدباً فأخذ رسول الله الصحيفة فمحاها وكتب محمد بن عبد الله وهو لا يحسن أن يكتب[صحيح البخاري]

وبينا علي يكتب الكتاب جاء أبو جندل ابن سهيل بن عمرو يرسف في قيود الحديد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبوه فضرب وجهه وأخذ بتلابيبه وقال: يا محمد هذا أول من أقاضيك عليه أن تردّه،فقال النبي: إنا لم نقض الكتاب بعد.فقال سهيل:فوالله إذاً لم أصالحك على شىء أبداً،فقال النبي: فأجزه لي” فأبى فقال أبو جندل:يا معشر المسلمين أُردّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً،ألا ترون ما لقيت؟فازداد الناس غمّاً فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:ياأبا جندل،اصبر واحتسب،فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً،إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله،وإنا لا نغدر بهم”.

وقد صدقت نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم،فإنه لما جاور الرفيق الأعلى وأراد بعض أهل مكة الإرتداد كما فعل غيرهم من الأعراب والمنافقين،قام سهيل خطيباً وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله:

“أيها الناس،من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات،ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت،ألم تعلموا أن الله قال:{إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُمْ ميتُون}[الزمر 30]وقال:{ومَا مُحمَّدٌ إلا رسولٌ قد خَلتْ من قَبلهِ الرُّسُل}[آل عمران 144]،ثم قال:والله إني لأعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها،فلا يغرنّكم هذا ـ يريد أبا سفيان ـ من أنفسكم،فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم،لكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم،وتوكلوا على ربكم،فإن دين الله قائم،وكلمته تامة،وإن الله ناصر من ينصره،ومقر دينه،وقد جمعكم على خيركم ـ يعني أبا بكر ـ وإن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة،فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه”.

فتراجع الناس عما كانوا عزموا عليه،فكان معجزة من معجزات النبوة.

(ملاحظة:لم يثبت أن أبا سفيان كان له موقف سىء بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم،ولقد أسلم الرجل وحسن إسلامه،وأبلى في فتوح الشام بلاء حسناً).

موقفه مع غورث بن الحارث:

في شهر ربيع الأول تجمع بنو ثعلبة ومحارب ـ وهما حيان من غطفان ـ وعلى رأسهم رئيس لهم يدعى”دعثور”يريدون الغارة على المدينة،فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في أربعمائة وخمسين من أصحابه بعد أن خلّف على المدينة عثمان بن عفان فلما سمعت الأعراب بمسيره رعبوا وفروا.

وسار المسلمون حتى وصلوا ماء لهم يسمى”ذا أمر”فعسكروا به،وأمطرت السماء مطراً غزيراً،فابتلت ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم،فذهب إلى شجرة هناك بمنأى عن المعسكر ونشر عليها ثيابه،وشغل المسلمون بشؤونهم.ورأى المشركون أن ينالوا من النبي على غرّة،فأرسلوا رجلاً منهم شجاعاً يقال له دعثور ـ ويقال غورث بن الحارث ـ لقتل النبي صلى الله عليه وسلم،فما شعر به النبي إلا وهو قائم على رأسه بالسيف مشهوراً،فقال: من يمنعك مني يا محمد؟فقال النبي:”الله”!فرعب الرجل،وسقط السيف من يده،فتناوله الرسول صلى الله عليه وسلم،ورفعه،وقال له:”من يمنعك مني؟فقال الرجل:لا أحد،فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم،فما كان من الرجل إلا أن أسلم وتعهد أن لا يكثر على النبي جمعاً،وعاد إلى قومه،فأخبرهم الخبر ودعاهم إلى الإسلام.ويقال أنه في هذا نزل قوله سبحانه وتعالى:{يا أيُّها الذينَ آمنوا اذكروا نعمتَ الله عليكم إذ همَّ قومٌ أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفَّ أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكلِ المؤمنونَ}[المائدة 11][تفسير الألوسي].

موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من زعيم المنافقين عبد الله بن أبي:

في غزوة بني المصطلق،أراد عبد الله بن أبي رأس النفاق أن يوقظ الفتنة،ويذكي لهيبها،فقال ـ وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم ـ أو قد فعلوها؟قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا،والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول:”سمّن كلبك يأكلك”.أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل،ثم أقبل على الحاضرين من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم،أحللتموهم بلادكم،وقاسمتموهم أموالكم،أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى دار غيركم.

فسمع ذلك زيد بن أرقم فسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره،وعنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاستأذن عمر رسول الله في قتله،أو أن يأمر به من يقتله،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق العظيم والسياسي الحكيم:”فكيف يا عمر إذا تحدّث الناس أن محمداً يقتل أصحابه،ولكن آذن بالرحيل”.

ولما بلغ ابن أبي أن زيداً أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما سمع منه ذهب إلى رسول الله وحلف بالله ما قلت ما قال لك،ولا تكلمت به،فقال بعض الحاضرين من الأنصار من أصحابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم:عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه،ولم يحفظ ما قال الرجل،ترضيّة للرسول،ودفعاً عن أبن أبي.

وفي هذه الحادثة أنزل الله سورة بتمامها وهي”المنافقون” وفيها قوله سبحانه وتعالى:{هُمُ الذينَ يقولونَ لا تُنفقوا على من عندِ رسول الله حتى ينفضّوا ولله خزائنُ السماواتِ والأرضِ ولكنَّ المنافقين لا يفقهونَ*يقولونَ لئن رَجعنا إلى المدينة ليُخرجنَ الأعزُّ منها الأذَلَّ وللهِ العزّةُ ولرسوله وللمؤمنينَ ولكنَّ المنافقينَ لا يعلمونَ}[المنافقون 7 ـ 8].

وقد تجلّى في هذه الحادثة موقف بطولي إيماني،سما عن الرحم والعاطفة،وعزَّ في تاريخ الدنيا بَلْه سير الصحابة،ذلك أن المؤمن الصادق عبد الله بن عبد الله بن أبيّ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه،فإن كنت فاعلاً فمرني به وأنا أحمل إليك رأسه،فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرّ بوالده مني،وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله،فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي بين الناس فأقتله،فأقتل مؤمناً بكافر،وأدخل النار!

وماذا كان جواب رسول الله ذو الخلق العظيم ،تجاه هذا الإبن الذي ضرب أروع مثل في الإيمان والتضحية ،قال له سيد الخلق والبشر،وصاحب الخلق العظيم،ضارباً أروع المثل في العفو والرحمة وحسن الصحبة:”بل نترفق به،ونحسن صحبته ما بقي معنا”.

ويسمو الإيمان ثم يسمو،فلا يرضى الإبن المؤمن الصادق من الأب بالإعتذار أو إنكار ما قال،بل يقف لأبيه وهم آيبون عند مدخل المدينة،وبيده سيفه قائلاً له:قف،فوالله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله في ذلك،فلما أذن له تركه يدخل وقد أشاح عنه بوجهه.

ولما توفي رأس النفاق عبد الله بن أبي دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه،فقام إليه،فلما وقف عليه يريدالصلاة تحول إليه عمر الفاروق رضي الله عنه وقال: يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا:كذا وكذا،والقائل يوم كذا:كذا وكذا ـ يعدد أيامه الخبيثة ـ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى إذا أكثر عليه قال له صلى الله عليه وسلم: أخر عني يا عمر،إني خُيّرت فاخترت:قد قيل لي:{استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرةً فلن يغفر الله لهم}[التوبة 80] فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له زدت.ثم صلى عليه ومشى معه،فقام على قبره حتى فرغ منه.وبعد زمن يسير نزلقوله تعالى:{ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم ماتَ أبداً ولا تقُم على قبره}[التوبة 84]فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل.

موقفه من عمير بن وهب الجُمحي:

جلس عُمير بن وهب الجُمحي مع صفوان بن أميّة في الحِجر بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير،وكان عمير بن وهب شيطاناً من شياطين قريش،وممن كان يؤذي رسول الله وأصحابه،ويلقون منه عناء وهو بمكة.وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر فذكر أصحاب القَليب ومصابهم،فقال صفوان:والله مالنا في العيش بعدهم خير.فقال له عمير: صدقت،أما والله لولا دينٌ عليَّ ليس له عندي قضاء،وعيالٌ أخشى عليهم(الضيعة )بعدي،لركبت إلى محمد حتى أقتله،فإن لي قِبلهم،ابني أسيرٌ في أيديهم.

فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دينك أنا أقضيه عنك.وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا،لا يسعني شىء ويعجز عنهم.قال له عمير:فاكتم شأني وشأنك.قال: أفعل.

ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسُمّ،ثم انطلق حتى قدم به المدينة.

فبينا عمر بن الخطاب في نفرٍ من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر،ويذكرون ما أكرمهم الله به،وما أراهم من عدّوهم،إذ نظر عمر إلى عُمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحاً السيف فقال: هذا الكلب،عدوّ الله عُمير بن وهب،ما جاء إلا لشرّ وهو الذي حرّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر.

ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبيّ الله،هذا عدوّ الله،عُمير ابن وهب قد جاء متوشحاً سيف.قال: ادخله عليّ.فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبّبه بها،وقال لرجال ممن كان معه من الأنصار:أدخلوا على رسول الله فاجلسوا عنده،واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون.ثم دخل به على رسول الله،فلما رآه وعمر آخذٌ بحمالة سيفه في عنقه قال: أرسله يا عمر،ادنُ يا عمير!

فدنا ثم قال: أنعموا صباحاً(وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم)فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:قد أكرمنا الله بتحيةٍ خير من تحيتك يا عُمير بالسلام،تحية أهل الجنة.فقال: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد. قال: فما جاء بك يا عمير؟قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه.قال: فما بال السيف في عنقك؟قال: قبحها الله من سيوف! وهل أغنت عنا شيئاً؟قال: اصدقني ما الذي جئت له؟قال: ما جئت إلا لذلك.

قال: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحِجر،فذكرتما أصحاب القليب من قريش،ثم قلت: لولا دينٌ عليّ وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً،فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له،والله حائلٌ بينك وبين ذلك.

قال عمير: أشهد أنك رسول الله. قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء،وما ينزل عليك من الوحي،وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان،فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله،فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق،ثم تشهد شهادة الحق”[سيرة ابن هشام]

2 ـ رحمته مع أهله وأقاربه

ـ حزنه الشديد على وفاة زوجته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها:

في العام العاشر من البعثة وفي شهر رمضان وبعد حصار الشِعب في مكة توفيت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها،ومن قبلها وفاة عمه أبي طالب وسمي ذلك العام بعام الحزن.

وقد حزن الرسول صلى الله عليه وسلم أشدّ الحزن،لما فقده من نصرهما ومواساتهما له،فقد كان أبو طالب ينصره ويحميه في الخارج،وكانت خديجة رضي الله عنها تطمئنه وتواسيه من الداخل،ولعل الشىء الذي كان يثلج صدر النبي صلى الله عليه وسلم ويمنحه الصبر على ما أصيب به علمه أنها يقيناً من أهل الجنة،بل سيدة نساء أهل الجنة.

جاء في الحديث الصحيح:”أفضل نساء أهل الجنة:خديجة بنت خويلد،وفاطمة بنت محمد،وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون،ومريم ابنة عمران“[أخرجه النسائي وأحمد وإسناده صحيح].

والسيدة خديجة أم المؤمنين وسيدة نساء أهل الجنة كما ورد في الأحاديث الصحيحة،وقد أقرأها الله السلام عن طريق جبريل عليه السلام،جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم،فقال: يا رسول الله،هذه خديجة قد أتت،معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب،فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربّها،وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب”.

لقد كانت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد نعم الزوجة الصالحة،والأم الحنون،وكانت الصدر الذي يلجأ إليه رسول الله عندما تعصف به الأزمات،وكانت المستشار الأمين ووزير صدق عند رسول الله يلجأ إليها عندما تحل الأزمات فكانت نعم المستشار ونعم وزير صدق بحق.

لقد عاشت مع الرسول صلى الله عليه وسلم مدة ربع قرن وهذه أطول مدة عاشتها زوجة من زوجاته صلى الله عليه وسلم،ولم يحدث خلال هذه الفترة الطويلة بينهما أي خلاف،لا قبل البعثة ولا بعدها،بل كانت نعم الزوجة الصالحة،العابدة ،المؤمنة ،الصابرة.كانت أول من آمن به،وأيدت دعوته بدون ملل ولا كلل،وكانت أول حضن يلجأ إليه بعد كل ألم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشعر بمعاناتها،ويرى تضحياتها،ويقدر صبرها على كل الإبتلاءات التي حدثت وخاصة في سنوات البعثة وما رافقها من أذى ومعاناة من أهل قريش ومن الكفار المشركين.

وحين ماتت خديجة رضي الله عنها أتته خولة بنت حكيم رضي الله عنها فقالت:” يا رسول الله إني أراك قد دخلتك خلّةٌ لفقد خديجة،فقال:”أجل أم العيال،ورّبةُ البيت][رواه مرسلاً ابن سعد في الطبقات]

لقد كانت ترى محمداً صلى الله عليه وسلم وهو يمرّ بأصعب الظروف وأقسى المحن،وما يتعرض له من كفار وسفهاء قريش الذين آذوه في جسمه،ورموه بأبشع الألفاظ وأقبح الصفات واتهموه بالجنون والكذب وهو أعقل البشر،وأكرم البشر،فلا تملك إلا أن تطلق العبرات الصامتة والآنّات الحزينة شفقة عليه ورحمة به وهي تعلم ما كان يسببه هذا لهما من أشدّ الحزن،ومرارة الألم.

يقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(فقه السيرة):

“إن خديجة من نِعم الله الجليلة على محمد صلوات الله عليه وسلم،فقد آزرته في أحرج الأوقات،وأعانته على إبلاغ رسالته,وشاركتهُ مغارم الجهاد المرّ،وواسته بنفسها ومالها،وإنك لتحسّ قدر هذه النعمة عندما نعلم أن من زوجات الأنبياء من خُنَّ الرسالة وكفرن برجالهنّ،وكن مع المشركين من قومهنّ حرباً على الله ورسوله:{ضربَ الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحتَ عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين}[التحريم 10].

أما خديجة فهي صدِّيقة النساء،حنت على رجلها ساعة قلق،وكانت نسمة سلام وبرّ،رطبت جبينه المتصبب من آثار الوحي،وبقيت ربع قرن معه،تحترم قبل الرسالة تأمله وعزلته وشمائله،وتحمل بعد الرسالة كيد الخصوم وآلام الحصار ومتاعب الدعوة،وماتت والرسول صلى الله عليه وسلم في الخمسين من عمره،وهي تجاوز الخامسة والستين وقد أخلص لذكراها طول حياته”.

ويقول الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(وحي القلم ج2):

ماتت خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ومات عمه في عام واحد،في السنة العاشرة من النبوة.فعظمت المصيبة فيهما عليه،إذ كان عمه هذا يمنعه من أذى قريش،ويقوم دونه فلا يخلصون إليه بمكروه،وكان أبو طالب من قريش كالعقيدة السياسية:هي بطبيعتها قوةٌ نافذةٌ على قوة القبيلة،فمن ثَم كان هو وحده المشكلة النفسية المعقدة التي تعمل قريش جاهدةً في حلّها،وقامت المعركة الإسلامية الأولى بين إرادتهم وإرادته،وهم أمة تحكمهم الكلمة الاجتماعية التي تسير عنهم في القبائل،وتاريخهم ما يقال في الألسنة من معاني المدح والذم،فيخشون المقالة أكثر مما يخشون الغارة،وقد لا يُبالون بالقتلى والجرحى منهم،ولكنهم يبالون بالكلمات المجروحة.

فكان من لطيف صنع الله للإسلام،وعجيب تدبيره في حماية نبيه صلى الله عليه وسلم وضع هذه القوة النفسية في أول تاريخ النبوة،تشتغل بها سخافات قريش،وتكون عملاً لفراغهم الروحي،وتثير فيهم الإشكال السياسيَّ الذي يُعطل قانونهم الوحشيَّ إلى أن يتمّ عملُ الأسباب الخفية التي تكسر هذا القانون،فإن المصنع الإلهيَّ لايُخرج أعماله التامة العظيمة إلا من أجزاء دقيقة.

أما خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم،فكانت في هذه المحنة قلباً مع قلبه العظيم،وكانت لا لنفسه كقول(نعم) للكلمة الصادقة التي يقول لها كل الناس(لا)،وما زالت المرأة الكاملة المحبوبة هي التي تُعطي الرجل ما نقص من معاني الحياة،وتلِدُ له المسرات من عواطفها كما تلدُ من أحشائها،فالوجود يعمل بها عملين عظيمين:أحدهما زيادة الحياة في الأجسام،والآخر إتمام نقصها في المعاني.

وبموت أبي طالب وخديجة،أفرِد النبي صلى الله عليه وسلم بجسمه وقلبه،ليتجردَ من الحالة التي يغلبُ فيها الحسُّ،إلى الحالة التي تغلب فيها الإرادة،ثم ليخرج من أيام الاستقرار في أرضه،إلى الأيام المتحركة به في هجرته،ثم لينتهي بذلك إلى غاية قوميّته الصغيرة المحدودة،فيتصل من ذلك بأول عالميته الكبرى”.

وقال الدكتور الشيخ محمد راتب النابلسي حفظه الله:

“في عام الحزن توفي أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أكبر مدافع عنه من الخارج،وتوفيت السيدة خديجة رضي الله عنها أكبر داعم له من الداخل،فانهار الدعم الداخلي،وانهار الدعم الخارجي،لذلك سمّى كتاب السيرة هذا العام  “عام الحزن”.

وشىء آخر:إن كان لك قريب تحبه حباً جمّاً،ووافته المنية،ويغلب على ظنك أنه إلى الجنة،تحزن،ولكن الذي يخفف من هذا الحزن أنه من أهل الجنة،أنه انتقل من دار البلاء إلى دار البقاء،من دار الامتحان إلى دار الاستقرار،من دار التكليف إلى دار التشريف،من دار المتاعب إلى دار المسرات،مما يخفف الحزن على أهل المتوفى أن يكون المتوفى من أهل الجنة،مؤمناً.إلا أن الذي ضاعف حزن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمه أبو طالب مات كافراً،هذا الذي دعمه أشدّ الدعم،طلب إليه أن يلفظ بشفتيه لا إله إلا الله،فلم يقل،وكم تمنى صلى الله عليه وسلم لعمه الهداية،وألحّ عليه،وهو في سياق الموت لكي يسلم ويقول لا إله إلا الله.

أما حينما توفيت السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها فقد فقد السند الداخلي،وهي التي أست رسول الله صلى الله عليه وسلم،وحاولت أن تخفف من حزنه على عمه أبي طالب،كما كان حالها وشأنها دائماً في كل ما يعرض له النبي صلى الله عليبه وسلم،ولكن مواساتها انقطعت بوفاتها هي أيضاً رضي الله عنها،إذ وافاها أجلها في بعض الروايات بعد موت أبي طالب بزمن قصير،يقال ثلاثة أيام.

ويتابع الدكتور النابلسي:

“سؤال يهمنا كثيراً:هل يتناقض الألم الشديد على مصاب أليم أصاب المؤمن،هل يتناقض هذا الألم الشديد مع الصبر؟

أبداً ،لا يتناقضان،هذه طبيعة الإنسان،هذه فطرته،لا يحاسبك الله عز وجل على حزن ألمّ بقلبك لوفاة عزيز،ولكنه يحاسبك على كلمة تتفوه بها تتناقض مع التوحيد،يحاسبك على كلمة تعبر بها عن ضجرك،يحاسبك عن كلمة تعبر بها عن شكك برحمة الله عز وجل:”إنَّ العينَ تدمع،والقلبَ يحزن،ولا نقولُ إلا ما يُرضي ربّنا،وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون“[رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه].

وعن حكيم ابن حزام أن السيدة خديجة توفيت سنة عشر من البعثة،بعد خروج بني هاشم من الشعب،ودفنت بالحجون في مكة،ونزل النبي صلى الله عليه وسلم في قبرها،ولم تكن صلاة الجنازة قد شرعت بعد،وتتابعت الأحزان على النبي صلى الله عليه وسلم بوفاتها رضي الله عنها،وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم إذا عاد إلى بيته عاد مهموماً مكروباً من كثرة ما يلقى من أذى المشركين وكيدهم،ولا يرى وجه خديجة،وهي تستقبله بإشراقة وجهها،وصفائه،وابتسامته،يعني حقاً أن الله عز وجل جعل الزوجة الوفية المخلصة سكناً لزوجها،تصور نبياً عظيماً يواجه صعوبات كالجبال،إذا دخل إلى بيته استقبال زوجته بابتسامة وديعة،بكلمة طيبة،بدعوة إلى الصبر،والآن انتهت هذه الكلمات.

تروي كتب السيرة أن هذه السيدة العظيمة تبسمت للنبي صلى الله عليه وسلم وهي تجود بنفسها،تبسمت له وهي تفارق الحياة،أروع ما كتب عن هذا التبسم قيل:لعلها كانت تبتسم له كي تواسيه بنفسها عن نفسها،أو لعلها تبسمت حين رأت مقامها وقصرها في الجنة.

ويتابع النابلسي حفظه الله:

“الذين زاروا مكة،ورأوا جبل النور،إن أراد رجل في ريعان شبابه،قوي البنية،أن يصل إلى هذا الجبل،أو إلى هذا المكان يحتاج إلى ثلاث ساعات.

امرأة مسنة تصعد هذا الجبل كله لتقدم للنبي طعامه وشرابه،كم هذه الخدمة؟ماذا نستفيد من هذه القصة؟

أي أن هذه المرأة التي تحسن تبعل زوجها،تهيىء له طعامه ،وشرابه،وثيابه النظيفة،وأولاده الذين تربيهم تربية صالحة،هذه المرأة التي تفعل هذا إنها تمتلك أجراً كأجر المجاهد في سبيل الله.

جاء في الحديث الشريف:”أتى جبريل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربّها ومني وبشرها ببيتٍ في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب“[رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].

فماذا أجابت أم المؤمنين؟قالت:هو السلام،ومنه السلام،وعلى جبريل السلام.

قال العلماء:يدل قولها أن الله هو السلام على فقهها،وفهمها،وحسن أدبها مع الله تعالى،فالله سبحانه وتعالى لا يرد عليه بالسلام كما يرد على المخلوقين،لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى،وهو أيضاً دعاء بالسلامة،وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله،فلا يليق بالله إلا الثناء عليه فقط،فأثنت عليه سبحانه.

ماتت السيدة خديجة رضي الله عنها وبقيت ذكراها في قلبه الشريف حية قوية،فلم تبرحه حتى آخر يوم في حياته،كان وفاءه لها عجيباً،فلما فتح مكة،نصب الراية عند قبر خديجة،ليؤكد لها بعد موتها أن هذا النصر الذي حققه كان بسبب صبرها ومعاناتها وتثبيتها لقلب النبي وما نسي فضلها أبدا.

وما يلفت النظر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تشغله الأعمال الجليلة الكبرى التي تملأ حياته عن تذكر زوجته السيدة خديجة،الدعوة إلى الله،تلقي الوحي،تبليغه للناس،عرضه على القبائل،الهجرة إلى المدينة،تأسيس الدولة الإسلامية،بناء المجتمع المسلم الجديد،الجهاد في سبيل الله،الخروج إلى الغزوات،إرسال السرايا،بعث البعوث،إرسال الرسائل والكتب إلى الأمراء والملوك،استقبال الوفود،كل هذه الأعمال الجليلة التي نهض بها النبي لم تشغله عن تذكر السيدة خديجة رضي الله عنها،بقيت ذكراها عالقة في قلبه الشريف لا تفارقه،كأنها أصبحت جزءاً منه لا تكاد تنفصل عنه.

من مظاهر وفائه صلى الله عليه وسلم أنه كان يذكر السيدة خديجة عند أحب زوجاته إليه،السيدة عائشة رضي الله عنها،وكانت رضي الله عنها تغار من كثرة ذكر النبي لها،فعن عائشة رضي الله عنها قالت:”ما غِرت على أحدٍ من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ما غرتُ على خديجة وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر ذكرها،وربما ذبح الشاة ثم يُقطعها أعضاءً،ثم يبعثها في صدائق خديجة،

فربما قلت له:كأنّه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول:إنها كانت، وكانت وكان لي منها ولد”.[أخرجه الشيخان]

وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها:والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا اليوم إلا بالخير”.

حزنه على أولاده: ـ

فُجع الرسول صلى الله عليه وسلم بأبنائه وبناته في حياته،ماعدا فاطمة الزهراء التي لحقت به إلى الرفيق الأعلى بعد وفاته بفترة وجيزة،مات القاسم،والطاهر،وماتت زينب ورقية وأم كلثوم بعد أن تزوجنّ ولم يتعوض من فقدهن ما يعزيه بعض العزاء.

فكان مثال الصبر والثبات،والإحتساب،وكان في صبره واحتسابه ملىء القلب بالرحمة على من افتقدهم،وكيف لا،وهو من بُعث رحمة للعالمين،فكيف للأقربين.

وطال اشتياق النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوليد المأمول،حتى جاءته مارية القبطية،وولدت إبراهيم…ثم مات ذلك الطفل الصغير،ومات ذلك الأمل الكبير…

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين وكان ظئراً لإبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه فقبله وشمّه،ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه،فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان فقال ابن عوف: وأنت يا رسول الله؟ـ كأنّه استغرب بكاؤه ـ فقال:”يا ابن عوف إنها رحمة،ثم أتبعها بأخرى فقال: إن العين تدمع وإن القلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ,إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون“[رواه مسلم].

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(عبقرية محمد):

“ثم مات ذلك الطفل الصغير…ومات ذلك الأمل الكبير…مات كلاهما والأب في الستين…أي صدمة في ختام العمر؟أي أمل في الحياة؟

الدين قد تمّ،وهذه الآصرة قد انقطعت فليس في الحياة ما يستقبل وينتظر:كل ما فيها للإشاحة والإدبار.

مات الطفل ولما يدرك السنتين.مصاب صغير إن كانت المصائب تقاس بسنوات المفقودين.ولكن المصاب في الأعزّاء إنما تقاس بمبلغ عطفنا عليهم،والصغير أحوج إلى العطف من الكبير المُستقل بشأنه.

وإنما تقاس بمبلغ تعويلهم علينا،وتعويل الصغير على وليه أكبر من تعويل الكبير…

وإنما تقاس بمبلغ الأمل فيهم،والأمل يطول في بداءة الطريق وقد يقصر في منتصف الطريق.

إنما تقاس آلام المفقودين بأعمار الفاقدين،وأي مصاب أفدح من مصاب الستين وما بعدها في  الأمل الوحيد  الواصل  بينها وبين الزمان ماضيه وآتيه؟

ما تخيلت محمداً في موقف أدنى إلى القلوب الإنسانية من موقفٍ على قبر الوليد الصغير ذارف العينين مكظوم الوجد ضارعاً إلى الله…نفس قد نفثت الرجاء في نفوس الألوف بعد الألوف،وهي في ذلك الموقف قد انقطع لها رجاء عزيز:رجاء وأسفاه لا يحييه كل ما ينفثه المصلح في الدنيا من رجاء.

وكأني بمحمد كان يومئذ أقرب إلى قلوب الخالفين من بعده مما كان مع الجالسين حوله،ومع أقرب الناس إليه.

وفضل النبي في نبوته وفي أبوته أنه حزن وبكى،وتلك هي الصلة بينه وبين قلب الإنسان،وبينه وبين الناس،وأي نبي تنقطع بينه وبين القلب الإنساني صلة كهذه الصلة التي تجمع أشتات القلوب؟

روى أسامة بن زيد أن زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه:”أن ابنتي قد حصرت فاشهدنا” فأرسل إليها عليه السلام يقول:”إن لله ما أخذ وما أعطى،وكل شىء عنده مسمى.فلتحتسب ولتصبر”.فأرسلت تقسم عليه.فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا،فرفع الصبي في حجر النبي ونفسه تقعقع ففاضت عينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له سعد:”ما هذا يا رسول الله؟قال:”هذه رحمة وضعها الله في قلوب من شاء من عباده،ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء”.

ما هذا يا رسول الله؟!

هذا رسول الله في أصدق ما تكون عليه رسالة الرسل:في الرحمة،وفي الآصرة الإنسانية،وغير هذا لن يكون.

ومحمد صلى الله عليه وسلم قد اتقى رؤية طفل يموت لإبنته وهو كهل غير يائس من العقب،فكيف يكون حزنه على فلذة كبده إبراهيم وهو بعده ذاهب الرجاء في الأبناء؟!

لقد كان حزنه لموته بمقدار فرحه بمولده،وكان فرحه بمولده بمقدار أمله فيه،واشتياقه إليه.

وإن العطف الإنساني كله ليتجه إلى تلك النفس الزكية وهي تتوسع   فرحاً بالوليد المأمل…حلق الأب المتهلل شعر وليده وتصدق بزنته فضة على المساكين،وذلك هو التوسع الذي وسعه رجل كان أقدر الرجال على وجه البسيطة غير مستثني فيها رؤساء ولاملوك.جاء بأقصى ما عنده من الفرح وأقصى ما عنده من التوسعة.ولو شاء لقد كان وزن الوليد كله دراً وجوهراً بعض ما يستطيع في ذلك اليوم الأغرّ الميمون.

وبمقدار هذا الفرح يوم الإستقبال كان الحزن الوجيع يوم الوداع.

خرج الرجل الذي اضطلع بأعباء الدنيا ومن فيها وهو لا يضطلع بحمل قدميه:خرج يتوكأ على صديق عطوف إلى حيث يحمل الوليد آخر مرة في حِجره الأبوي قبل أن يُودعه حِجر التراب،وكان يستقبل الجبل بوجهه فقال:يا جبل! لو كان بك مثل ما بي لهّد ،ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون.

أي والله !إنها لإحدى الفواقر التي يحملها اللحم والدم ولا تحملها صخور الجبال..

وصرخ أسامة حين بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم،فنهاه رسول الله وقال:” البكاء من الرحمة والصراخ من الشيطان“.

حزن كما ينبغي له أن يحزن…أما الحزن الذي لا ينبغي له فهو الصراخ الذي نهى عنه،وهو أن تنكسف الشمس يوم موت إبراهيم فيحسب المسلمون أنها انكسفت لموته،ويقول الأب الذي انكسفت الشمس حقاً في عينيه:”كلا…إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لموت أحد  ولا لحياته”.

أو تخسفان ولكن في أكباد المحزونين،وليس في كبد السماء”.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 146 بتاريخ 20 نيسان 1936م):

“تخطفت المنايا السود فلذات الرسول بنات بعد بنين،فلم يبق إلا فاطمة قرّة لعينه وعزاء لنفسه.وكانت جراحات القلب العظيم لا تجد لمسها المُمض فراغاً بين آلام الرسالة فتندمل في سكون وصمت.فلما عنتْ سُورة الشرك في مكة،وعلت كلمة الله في الجزيرة،وتحققت وحدة العرب في الوجود،وأخذت نفحات السلام الإلهي تنضح الجو المشتعل بالنار،وتطهر الثرى المخضوب بالدم،تنبّهت في الإنسان الأعلى مشاعر الطبيعة،وتجدّدت في العربي الرسول عواطف الأبّوة،وحزّ في نفس محمد صلى الله عليه وسلم أن يرى أمهات المؤمنين يعقمن عشرة أعوام متتابعة،فبيوتهن التسعة حول المسجد المهلل الذاكر غرقى في السكون الرهيب والصمت الموحش،لا يؤنس حجراتها غناء المهد،ولا يبهج أفنيتها مرح الطفولة.

لا ريب أن أسرة محمد الرسول شملت جزيرة العرب كلها،وستشمل عالم الإسلام أجمع،ولكن أسرة محمد الرجل لا تزال ألماً من آلام العبقرية،ومحنة من محن البطولة.

أتمّ الله نعمته على الرسول فوهب له على الكبر إبراهيم!يومئذ تنّفس الصبح بأنفاس الفردوس،وضاحكت الشمس خمائل يثرب من خلال الأجنحة النيرة،ومست يد الربيع المخصبة دوحة النبوة،وغرقت نفوس المؤمنين في مثل صفاء الخلد،وأقبل المهاجرون والأنصار على المسجد المستبشر يُهنئون النبي بالخليفة الوليد والأمل الجديد والعوض المبارك،ونهض الرسول الوالد إلى بيت مارية القبطية ليرى نعمة ربه،وبضعة كبده،فوجد في طلعة إبراهيم الأنس الذي يعوزه،والرضى الذي يرجوه،والخلف الذي يتمثله،ففاضت غبطته لله حمداً،وعلى المؤمنين بركة،وفي الفقراء صدقة.رفع أمّه إلى مقام أزواجه،ونفح مرضعته بسبع من المعزى سمان يحلبن عليها وعليه،ثم عقَّ بكبشين أملحين،وتصدّق بزنة شعره فضة،وتعودّ كل صباح أن يزور أم ولده فيحمله منها ليضمّه ويشمّه،ويتذوق طعم السعادة الأرضية في ريحه،ويطالع نفسه العائدة في نفسه،ثم يدخل به على الأمهات اللائي ولدن جميع المسلمين ولم يلدن،فيباهي بحسنه،ويغتبط بنموه،ويحتمل راضياً في سبيل ذلك كله غيرة حُميرائه وكيد نسائه.

ولكن أنبياء الله موضع بلائه وسر حكمته! دعوتهم الحقّ والحقّ ثقيل،وعدّتهم الصبر والصبر كليل،وبرهانهم الألم والألم قاتل!غرباء في الأرض لأنهم من السماء،وأغراض لسهام القدر لأنهم ضحايا،وأمثلة لبؤس العيش لأنهم عِبر!

هذا إبراهيم حبّة قلب أبيه وسواد عين أمه مسبوتاً على فراش المرض تحت النخيل!تذوي نضارته على وهج الحمى،وتذوب حشاشته على عَرك الموت،وأمه وخالته قائمتان على سريره تشهدان منظرأ يهون في جانبه على الوالدين الجنون والكفر والعدم!وهذا أبو إبراهيم يُضعضعه النبأ المروع فيتحامل على عبد الرحمن بن عوف،ويمشي ثقيل الخطى لهيف الفؤاد،إلى الصغير المُحتضر!لو كان لمتاع العيش غناء لتقلّب فيه المؤمن،ولو كان لقانون الموت استثناء لأفلت منه المُصلح،ولو كان في قلب الثاكل المحزون شبهة لجلتها محنة الله لرسوله!

أخذ النبي إبراهيم من حجر أمه فوضعه في حجره،ثم نظر من خلال الدمع إلى قسماته المشرقة تغشّاها ظلال الموت،وقال بصوت متهدج وفؤاد متأجج واستسلام مطمئن:”إنا يا إبراهيم لا نغني عنك من الله شيئاً”.

يا لله لقلوب الوالدين!إن النبي الذي ولد في مهد اليُتم،ودرج في حجر العُدم،وتقسّمت عمره عوادي الخطوب،فكابد أذى قريش وحقد المنافقين وكيد اليهود،وعالج مكاره الدعوة من القلّة والذلّة والهزيمة والفتنة،وقد احتمل كل ذلك بصبر المجاهد ويقين المؤمن وعزم الرسول،ويصيبه الله في إبراهيم وهو رضيع فيرفّض عنه الصبر،ويتملّكه الجزع،ويقف من الثكل الأليم موقف كل والد يرى جزءه الجديد يبلى،ورجاءه الناشىء يخيب،ثم يقول:”إن العين لتدمع،وإن القلب ليجزع،وإنا بعدك يا إبراهيم لمحزونون:أما والله لولا أنّه أمر حق،ووعد صدق،وأن آخرنا سيلحق بأولنا،لحزنّا عليك بأشدّ من هذا“.وينال من الصحابة حزن الرسول فيتقدمون إليه يذكرونه ما نهى عنه فيقول:”ما عن الحزن  نهيت!وإنما نهيت عن العويل.وإن ترون بي أثرُ ما بالقلب من محبة ورحمة،ومن لم يُبد الرحمة لا يُبدي غيره عليه الرحمة”.

على أن حزن الرسل لا يكون إلا بمقدار ما فيهم من ضعف الإنسان.لذلك لم يلبث الرسول أن عاد إلى نفسه فصلى على ولده،وسوّى عليه القبر بيده،ثم رشّ فوقه الماء وأعلم عليه علامة وقال:”إنها لا تضر ولا تنفع،ولكنها تقرّ عين الحي،وإن العبد إذا عمل عملاً أحب الله أن يتقنه”.

تعزيت يا رسول الله لأن الألم سبيل من سبل دعوتك،والعزاء أصل من أصول دينك،والأرض وما عليها أهون من دمعك.والسماء وما فيها ثواب لصبرك،ولكن ماذا يصنع البائس المحزون إذا فقد الرجاء،وليس له في يومه صبر ولا في غده عزاء؟”.

ويقول الكاتب العظيم عباس محمود العقاد رحمه الله(عبقرية محمد):

“ومن الراجح أن العطف الأبوي لم يتمثل قط في مولد أحد من أبناء محمد عليه الصلاة والسلام كما تمثل في مولد ابنه الذي سماه باسم جده الأكبر أملاً في أن يصبح بعده خليفته الاكبر.ولعل العطف الأبوي قد تمثل في تشييع هذا الطفل الصغير،أشد من تمثله في استقباله يوم ميلاده.كانت أسباب كبيرة توحي إلى قلب محمد العظيم شوقه الطويل إلى استقبال ذلك الوليد.

كان منها أن محمداً صلى الله عليه وسلم عربي يحرص على العقب من بعده كحرص كل رجل من أبناء القبائل وأصحاب العصبية:هم فخورون بالنسب،فخورون بالعقب،يحفظون سيرة السلف ويتوقون إلى استبقاء الخلف على نحو لا يعهده الحضريون وإن كان حب الذرية فطرة مركبة في جميع الطباع.

ومحمد كان يحب التكاثر(أي الولد والذرية) لنفسه،ويحبه لأمته ويوصي المسلمين أن يستكثروا من النسل ما استطاعوا،ليفاخر بهم الأمم وفرة وعزة،فاشتياقه إلى العقب من الذكور خليقة عربية تقترن بالخليقة الإنسانية والخليقة النبوية،فتزداد قوة على قوتها التي ركبت في جميع الطباع.

وكان من أسباب هذا الشوق القوي:طول العهد بالأبناء بعد من ولدتهم له السيدة خديجة رضي الله عنها،وشماتة أناس من شانئيه سماه بعضهم بالأبتر لانقطاع معظم نسله،وفي ذلك نزول الآية الكريمة:{إنَّ شانئك هو الأبتر}[الكوثر].

فقد مضى نيف وعشرون سنة لم تلد له في خلالها زوجة من زوجاته،ومات في هذه الفترة كل أولاده ماعدا فاطمة رضي الله عنها التي ماتت بعده بقليل:مات القاسم،والطاهر،طفلين،وماتت زينب،ورقية،وأم كلثوم،بعد أن تزوجن ولم يتعوض من فقدهن ما يعزيه بعض العزاء.

فجيعة تضاعف الشوق إلى الوليد المأمول.

وطول انتظار يضاعف الحب له،كما يضاعف الشوق إليه.

طال اشتياق النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوليد المأمول،وتجدد اشتياقه في إثر كل زواج،حتى جاءته مارية القبطية من قطر بعيد،ومن معدن غير المعدن الذي يختار،لإيواء المحزونات وتقريب الأسر والعصبيات،فبشرت النبي بعقب غلام،واجتمع في هذه البشارة اشتياق نيف وعشرين سنة،ورجاء لا ينتهي بانتهاء الزمان…وولد إبراهيم.

ولد الطفل الذي نظر أبوه إليه يوم مولده فامتد به الأمل مئات السنين بل ألوف السنين،وتخيّر له الاسم الذي وراءه أعقاب كأعقاب جده الأعلى،ليكون أباً ويكون له أحفاد،ويكون لأحفاده من بعدهم أحفاد.

ثم مات ذلك الطفل الصغير.

مات ذلك الأمل الكبير.

مات كلاهما والأب في الستين..أي صدمة في ختام العمر؟

مات الطفل ولما يدرك السنتين.

مصاب صغير إن كانت المصائب تقاس بسنوات المفقودين.ولكن المصائب في الأعزاء إنما تقاس بمبلغ عطفنا عليهم،والصغير أحوج إلى العطف من الكبير المستقل بشأنه.

وإنما تقاس بمبلغ تعويلهم علينا،وتعويل الصغير على وليه أكبر من تعويل الكبير.

ويتابع العقاد:

“ما تخيلت محمداً صلى الله عليه وسلم في موقف أدنى إلى القلوب الإنسانية من موقفه على قبر الوليد الصغير ذارف العينين مكظوم الوجد ضارعاً إلى الله…نفس قد نفثت الرجاء في نفوس الألوف بعد الألوف،وهي في ذلك الموقف قد انقطع لها رجاء عزيز:رجاء وا أسفاه لا يحييه كل ما ينفثه المصلح في الدنيا من رجاء.

وكان أقرب الناس إليه أصحابه الخاشعون بين يديه،وكان اكبارهم لسيد الأنبياء ينسيهم أنه أب من الآباء،بل إنه أب أرحم من سائر الآباء.ظنوا أن النبي لايحزن،كما ظن قوم أن الشجاع لايخاف،ولا يحب الحياة،وأن الكريم لا يعرف قيمة المال.لكن القلب الذي لا يعرف قيمة المال لا فضل له في الكرم،والقلب الذي لا يخاف لا فضل له في الشجاعة،والقلب الذي لا يحزن لا فضل له في الصبر،إنما الفضل في الحزن والغلبة عليه،وفي الخوف والسمو عليه،وفي معرفة المال والإيثار عليه.

وفضل النبي في نبوته وفي أبوته أنه حزن وبكى،وتلك هي الصلة بينه وبين قلب الإنسان،وبينه وبين الناس،وأي نبي تنقطع بينه وبين القلب الإنساني صلة كهذه الصلة التي تجمع أشتات القلوب؟.

لقد كان حزنه لموته بمقدار فرحه بمولده،وكان فرحه بمولده،بمقدار أمله فيه،واشتياقه إليه.

وإن العطف الإنساني كله ليتجه إلى تلك النفس الزكية وهي تتوسع فرحاً بالوليد المأمول..وبمقدار هذا الفرح يوم الاستقبال كان الحزن الوجيع يوم الوداع:

خرج الرجل الذي اضطلع بأعباء الدنيا ومن فيها وهو لا يضطلع بحمل قدميه:خرج يتوكأ على صديق عطوف إلى حيث يحمل الوليد آخر مرة في حجره الأبوي قبل أن يودعه حجر التراب،وكان يستقبل الجبل بوجهه فقال: يا جبل! لو كان بك مثل ما بي لهدّك،ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون.

أي والله! إنها لأحدى الفواقر التي يحملها اللحم والدم ولا تحملها صخور الجبال”.

ويقول الدكتور طه حسين(الرسالة العدد 143ـ بتاريخ 30 أذار 1936م):

“انظر إلى هذا الذي ذاق اليتم جنيناً إن كان للأجنّة أن يذوقوا المعاني والآلام،ثم لم يكد يستقبل الحياة ويتقدّم في الصبى حتى ذاق اليتم مرة أخرى،ففقد أمه بعد أن فقد أباه،ثم لم يكد يتقدم خطوات أخرى في الصبى حتى ذاق اليتم مرة ثالثة ففقد جده بعد أن فقد أبويه،ثم ألّحت عليه حياة فيها شدة وجهد،وفيها حرمان وفقر،وفيها ضيق وضنك،ثم تظاهرت هذه الآلام كلها على نفسه الكريمة الناشئة فلم تستطع أن تبلغها ولا أن تنال منها،لأن الله قد قطع الأسباب بين هذه النفس المُصفاة وبين البؤس والشقاء.

ثم انظر إليه يذوق الثكل بعد أن ذاق اليتم،ويمتحن في نفسه وسمعته،ويمتحن في صحبه وأولي نصره،ويمتحن في بنيه،ثم يمتحن في زوجه التي جعلها الله له رحمة يسكن إليها ويعتزّ بها،ثم يمتحن في دينه،ثم يمتحن في كل شىء،ثم يمتحن في كل إنسان،فإذا هو كما هو،باسم الكهولة كما كان باسم الشباب وكما كان باسم الصبى،لا يعرف الضعف ولا اليأس ولا هذا الاكتئاب العقيم إليه سبيلاً،لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المُصفاة وبين الضعف واليأس والاكتئاب العقيم.

ثم انظر إليه وقد تقدمت به السن،ولم يبق من بنيه وبناته إلا فاطمة،وإذا الأيام تبسم له،وإذا الأمل يشرق أمامه وإذا المُبشرات ينبئه بأن الله قد رزقه غلاماً فيسميه باسم أبيه إبراهيم،وإذا قلبه مسرور محبور،وإذا هو يشرك المسلمين معه في سروره وحبوره فيبشرهم بما بشر به،ويجد المسلمون أن عينه قد قرت فتقرّ عيونهم،وأن نفسه قد طابت فتطيب نفوسهم،وأن قلبه الكريم يتفتح للأمل فتتفتح قلوبهم للآمال،ولكن الله يأبى إلا أن يمتحنه شيخاً كما امتحنه صبياً وشاباً وكهلاً وإذا إبراهيم يُنزع منه ولما يتمّ الرضاع.أفتراه جزع لذلك أو أدركه ما يدرك الشيوخ من وهن وضعف. كلا. إن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الوهن والضعف.لم يتم إبراهيم رضاعه في الدنيا فسيتمه في الجنة.وانظر إلى أبيه وإنه ليسعى في جنازته محزوناً،ولكن حزن الكرام لا حزن اليائسين ولا حزن القانطين،وإنه ليقوم على قبره وإنه ليعنى بتسوية القبر وترويته وصب الماء عليه،وإنه لينصح المسلمين إذا عملوا عملاً أن يتموه وإن لم يكن لذلك غناء ظاهر،لأن من كمال العقل أن يحسن الرجل ما يعمل.ثم انظر إليه يعلن إلى ربّه أنه راض بقضائه،مُذعن لأمره مؤمن بحكمته،ويعلن إلى ابنه أنه محزون لفقده.ثم انظر إلى عينيه الكريمتين لتدمعان.وما يمنعه أن يبكي وإن البكاء ليتم مروءة الرجل أحياناً؟ولكن انظر إليه،أترى شيئاً من حياته قد تغير؟أترى شيئاً من رأيه في الحياة قد تغير؟ كلا.ما كان للأحداث في هذه الدنيا أن تغير نفساً هي أكبر من الدنيا؟”.

ويقول الأستاذ الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(فقه السيرة):

“ولم يكن ثمة ما يقلق الزيجة الموفقة من حديجة رضي الله عنها إلا ألم خديجة لهلاك الذكور من بنيها ،مع ما للذكور من منزلة خاصة في أمة كانت تئد البنات وتسود وجوه آبائهن عندما يبشرون بهن!!والغريب أن العرب بعد البعثة كانوا يعيرون محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا،ويعلنون ارتقابهم لإنقطاع أثره وانتهاء ذكره.

فعن ابن عباس رضي الله عنه،أن قريشاً تواصت بينها في التمادي في الغيّ والكفر.وقالت:الذي نحن عليه أحقّ مما عليه هذا الصنبور المنبرـ والصنبور النخلة التي اندقّ أصلها ـ يعنون أن محمداً عليه الصلاة والسلام إذا مات لم يرثه عقب،ولم يحمل رسالته أحد:{أم يقولونَ شاعرٌ نتربَّصُ بهِ ريبَ المنونِ* قلْ تربَّصوا فإنّي معكم من المُتربصين}[الطور 30 ـ 31]

ومحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته فوق هذه الأماني الصغيرة.إلا أن الأسى كان يغزو قلب الوالد الجليل وهو يُودع أبناءه الثرى،فيُجدّد الثُكل ما رسب في أعماقه من آلام اليتم.إن غصنه تشبث بالحياة فاستطاع البقاء والنماء برغم فقدان أبويه.وها هو ذا يرى أغصانه المنبسقة عنه تذوى مع رغبته العميقة ورغبة شريكة حياته في أن يرياها مزهرة مثمرة،وكأن الله أراد أن يجعل الرقة الحزينة جزءاً من كيانه،فإن الرجال الذين يسوسون الشعوب لا يجنحون إلى الجبروت إلا إذا كانت نفوسهم قد طبعت على القسوة والأثرة وعاشت في أفراح لا يخامرها كدر،أما الرجل الذي خبر الآلام فهو أسرع الناس إلى مواساة المحزونين ومداواة المجروحين”.

وتتجلى هذه الرحمة العظيمة في الأولاد والأحفاد على حد سواء:

عن أبي هريرة رضي الله عنه:”قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن أو الحسين بن علي وعنده الأقرع ابن حابس التميمي.فقال الأقرع:إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً قطّ.فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:”من لا يرحم لا يُرحم“وفي رواية:”أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك”[رواه البخاري] .

ـ وروى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد،أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه ابن ابنته وهو في الموت،ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقال له سعد:ما هذا يا رسول الله؟قال: “هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده،وإنما يرحم الله من عباده الرحماء”.

ـ يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله (عبقرية محمد):

“لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم مثال الأب حيثما كان له نسل قريب أو بعيد،وذكر أو أنثى،وصغير أو كبير.

أرأيت إلى الحسن بن فاطمة وقد دخل عليه فركب ظهره وهو ساجد في صلاته؟

إن النبي في صلاته لهو النبي في مقامه الأسنى.وأن النبي في مقامه الأسنى ليشفق أن يشغل الصبي عن لعبه فيطيل السجدة حتى ينزل الصبي عن ظهره غير معجل،ويسأله بعض أصحابه:لقد أطلت سجودك؟فيقول:إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله!أرأيت إلى فاطمة تدخل البيت أشبه الناس مشية بمشية محمد؟أرأيت إلى حنان يفيض على القلب كحنانه حين يرى فتاة تشبه أباها في مشيته وسمته!

تلك فاطمة بقية الباقيات من الأبناء والبنات،يختصها النبي بمناجاته في عشية وفاته:إني مفارق الدنيا فتبكي.إنك لاحقة بي فتضحك…في هذا الضحك وفي ذلك البكاء على برزخ الفراق بين الدنيا والآخرة أخلص الود والحنان بين الآباء والأبناء…سرها بنبوته،وسرها بأبوته،فضحكت ساعة الفراق لأنها ساعة الوعد باللقاء

وكذلك فارق الدنيا أكرم الأنبياء،وأكرم الآباء”.

ولم يقتصر الأمر على أطفاله وأحفاده،بل تجاوزه لكل المسلمين صغاراً أو كباراً.

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد (عبقرية محمد):

“وتجلت هذه الأريحية في علاقته بكل إنسان من خاصة أهله أو من عامة صحبه.

قال أنس بن مالك رضي الله عنه:”دخل النبي عليه السلام على أمي فوجد أخي أبا عمير حزيناً،فقال: يا أم سليم! ما بال أبي عمر حزيناً؟فقالت: يا رسول الله مات نغيره.(تعني طيراً كان يلعب به).فقال صلى الله عليه وسلم:أبا عمير! ما فعل النغير؟ وكان كلما رآه قال له ذلك.[حديث صحيح]

ويتابع العقاد رحمه الله:

“وهذه قصة صغيرة تفيض بالعطف والمروءة من حيثما نظرت إليها،فالسيد يزور خادمه في بيته،ويسأل أمه عن حزن أخيه ويُواسيه في موت طائر،ولا يزال يرحم ذكراه كلما رآه”..

موقفه من عمه العباس بن عبد المطلب:

وقد أُسر في غزوة بدر.قال ابن إسحاق:”لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر والأسارى محبوسون بالوثاق بات النبي ساهراً أول الليل،فقال له أصحابه:مالك لا تنام يا رسول الله؟فقال:”سمعت أنين عمي العباس في وثاقه” فأطلقوه فسكت،فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:لما أسر العباس فيمن أسر يوم بدر أوعدته الأنصار أن يقتلوه،فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:”إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس،وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه”.فقال عمر رضي الله عنه:أفآتيهم؟فقال:نعم.فأتى عمر الأنصار فقال لهم:أرسلوا العباس،فقالوا:لا والله لا نرسله،فقال عمر:فإن كان لرسول الله رضاً؟قالوا: فإن كان له رضاً فخذه،فأخذه عمر،فقال له:يا عباس أسلم فوالله لئن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب،وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله يعجبه إسلامك.

ولما قال: إنه خرج مُستكرها وإنه كان قد أسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم:”أما ظاهرك فكان علينا،والله أعلم بإسلامك وسيجزيك”.وقد أبى أن يتنازل له الأنصار عن الفداء.

روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال:إن رجالاً من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:أئذن لنا فلنترك لإبن أختنا العباس فداءه،فقال: لا والله،لا تذرون له درهماً”.

وهذا غاية العدل والإنصاف في المعاملة،فرسول الله مع رحمته بعمه وشفقته عليه وتخوفه أن يقتل وهو يرجى من ورائه للإسلام خير كثير،تأبى عليه نفسه السامية أن يفرّق بينه وبين الأسارى في الفداء،أو أن يقبل أن يمن عليه الأنصار خشية أن يكون عملهم هذا لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته،مع أنه صلى الله عليه وسلم منَّ على بعض الأسارى دون فداء،وهذا ليس بعجيب ممن كان خلقه القرآن.[السيرة النبوية لمحمد ابن محمد أبو شهبة).

موقفه من ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها:

عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول:”فاطمة بضعة مني،يؤذيني ما آذاها،ويربني ما رابها“[ رواه الشيخان].

يقول الشيخ العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله:

ولدت فاطمة رضي الله عنها قبل البعثة.وفي تمام الأربعين أوحى الله إلى نبيه،وبعثه إلى الناس كافة وإلى قومه خاصة،فشاء الله لفاطمة أن تنشأ في أحضان النبوة،وتدرج في حجر الرسالة،وكأنما كانت تكبر مع الدعوة،وتنمو مع انتشارها.

شهدت أباها واعية أو غير واعية،يدعو إلى دينه سراً،ثم ينذر عشيرته الأقربين ،ثم يصدع بأمر ربه معرضاً عن المشركين،منادياً على جبل الصفا،ثم يحمي الوطيس بينه وبين قومه فيسفه أحلامهم،ويهزأ بأصنامهم ويضل آباءهم،فيعنفون عليه في الخصومة،ويناصبونه العداء،ثم يدخل الشِعب،فتدخل معه ومع أمها وأخواتها،وتذوق مرارة الجوع،وتحسّ ألم المقاطعة والحرمان ،ويتجرع كئوس الأذى في نفسه وأصحابه،بالقول السىء تارة،وبالفعل القبيح طورا.

ترى الفتاة كل هذا،وتحسه وتلمسه،ويفعل ذلك في قلبها فعل التيار الكهربائي في الأسلاك،وتسهم في درء عن أبيها،حيناً بيديها،وأحياناً بدموع عينيها!!وماذا تملك جويرية صغيرة لأب عطوف يُؤذى أمام سمعها وبصرها،إلا عبرات تذرفها؟!

كان عليه السلام يصلي يوماً بالكعبة،وبعض سفهاء المشركين جالسون.فانبعث أشقاهم فأتى بسلا جزور فألقاها عليه،فلم يزل ساجداً حتى جاءت فاطمة فأزالت عنه الأذى.

وكانت أم جميل امرأة أبي لهب تلقي الأقذار والنجاسات أمام بيته،فيزيلها في هدوء ومعه فاطمة تحاول أن تعيد إلى المكان نظافته وطهارته.

ولقيه مرة سفيه من سفهاء قريش،فرمى على رأسه تراباً،فرجع إلى بيته والتراب على رأسه،فقامت إليه فاطمة فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي.وأشقّ شىء على نفس الأب أن يرى دموع بنيه الصغار،وأشقّ منها أن يرى دموع بناته الصغيرات،وأشقّ من هذا وذاك أن تكون هذه الدموع من أجل الأب نفسه.فما أن رأى النبي الكريم دموع ابنته على خديها حتى ثبّت فؤادها،وقال لها مبشراً:”لا تبكي يا بنية،فإن الله مانع أباك“.

ويتابع الشيخ القرضاوي حفظه الله:

“كانت فاطمة أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأعزهنّ عليه، وأحبهنّ إليه،وكانت أشبه الناس به في خَلق وخُلق،وكانت هي آخر من بقي من أولاده جميعاً،فلا عجب أن يغمرها النبي صلى الله عليه وسلم بحبه،ويؤثرها بمزيد من حنانه وقربه،وقد ذكرت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت:ما رأيت أحداً أشبه سَمتاً ودلاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامه وقعوده من فاطمة بنت رسول الله،قالت: وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبّلها،وأجلسها في مجلسه ،وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت إليه فقبّلته،وأجلسته في مجلسها.

وقد برزت هذه العاطفة الأبوية الدافقة في أجلى صورها حين استأذنه بنو هشام بن المغيرة أن يزوجوا علي بن أبي طالب ابنة أبي جهل،فأبى عليهم،ووقف على المنبر يقول:”إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن يزوّجوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن،ثم لا آذن ثم لا آذن…إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم،فإنما فاطمة بضعة مني،يريبني ما رابها،ويؤذيني ما آذاها،إني أخاف أن تفتن فاطمة في دينها،وإني لا أحرّم حلالاً،ولا أحلُّ حراماً،ولكن والله لا يجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في بيت واحد أبداً”.

ويقول الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(وحي القلم ج2):

“وبعد مضي أبو طالب وخديجة(عام الحزن) نالت منه قريش،ووصلوا من أذاه إلى مالم يكونوا يصلون إليه في حياة عمه،حتى نثر بعضهم التراب على رأسه،كأنما يُعلمونه أنه أهون عليهم من أن يكون حُرّاً،فضلاً عن أن يكون عزيزاً،فضلاً عن أن يكون نبياً،قالوا: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه،فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي.

كانت تبكي إذ لا تعلم أن هذا التراب على رأس النبي العظيم هو شذوذ الحياة الأرضية الدنيئة،في مقابلة إنسانها الشاذ المنفرد.هذه القبضة من التراب الأرضي قبضةٌ سفيهةٌ،تحاول ردَّ الممالك الإسلامية العظيمة أن تنشأ نشأتها وتعمل عملها في التاريخ،فهي في مقدارها وسخافتها ومحاولتها،كعقل قريش حينئذ في مقداره وسخافته ومحاولته.

أما النبي صلى الله عليه وسلم فقال لبنته:”يا بنية لا تبكي،فإن الله مانع أباك”.حسبت ذلك هواناً وضَيعةً،فأعلمها أن قبضةً من التراب لا تطمر النّجم،وأن هذه الحثوة الترابية لا تُسمى معركةً أثارتها الخيل فجاءت بنتيجة،وأن ساعةً من الحزن في يوم،لا يُحكم بها على الزمن كله،وأن هذه النزوة التي تحركت الآن هي حمقُ الغباوة:قوتها نهايتها.

“يا بنية لا تبكي فإن الله مانعٌ أباك“.أي ليس للنبي كبرياء ينالها الناس أو يغضّون عنها فيأتي الدمع مترجماً عن المعنى الإنساني الناقص مُثبتاً أنه ناقص،إنما هي النبوة:قانونها غير ما اعتادت النفس من أفراح وأحزان،وهي النبوة:تجعل المختار لها غير محدود بجسده الضعيف،بل حدوده الحقائق التي فيها قوته،فهو في منعة الواقع الذي لابد أن يقع،فلو أمكن أن يُحذف يوم من الزمن أو يؤخر عن وقته،أمكن أن يؤخر النبي أو يحذف.

“يا بنية لا تبكي إن الله مانعٌ أباك“.لا والله ما يقول هذه الكلمة إلا نبيٌ وسعَ التاريخَ في نفسه الكبيرة قبل أن يُوجد هذا التاريخ في الدنيا،فكلمته هي الإيمان والثقة إذ يتكلم عن موجود”.

ولقد شهدت فاطمة رضي الله عنها مرض أبيها الأخير،وكانت تذهب كل يوم لعيادته،فيقوم إليها ويقبلها كعادته في العافية،فلما اشتدّت عليه وطأة المرض،خشي عليها الفجيعة بموته،فزف إليها بشرى تُهوّن من وقع المصاب عليها،قالت عائشة رضي الله عنها:”أقبلت فاطمة تمشي وكان مشيها مشي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مرحباً بابنتي،ثم أجلسها عن يمينه،ثم أسرّ إليها حديثاً فبكت،ثم أسرّ إليها حديثاً فضحكت،فقلت: ما رأيت كاليوم أقرب فرحاً من حزن!! وسألتها عما قال: فقالت: ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره،فلما قُبض سألتها فأخبرتني أنه قال: إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة،وأنه عارضني هذا العام مرتين،وما أراه إلا قد حضر أجلي،وإنك أول اهل البيت لحوقاً بي، ونعم ….أنا لك، فبكيت،فقال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين فضحكت”[رواه الشيخان].

وكانت حُمّى المرض تشتد أحياناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يغشى عليه،ثم يفيق وهو يعاني أشدّ الكرب،وترى ذلك فاطمة،فينتقل الألم من جسد أبيها إلى نياط قلبها، فيحزّ فيه حزاً،وتصيح قائلة:واكرب أبتاه!! ويسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فيرد عليها ويقول: لا كرب على أبيك بعد اليوم…يريد أنه سينتقل من هذه الدنيا التي تغصّ بالشقاء والآلام إلى دار لا شقاء فيها ولا آلام.

ولحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى مخلفاً ابنته الحزينة في نحو الثلاثين من عمرها.

وما هي إلا أشهر ستة حتى صدقت نبوءته صلى الله عليه وسلم،وكانت فاطمة أول اهله لحوقاً به، ففي ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة من الهجرة،تلقت السماء تلك الروح الزكية،ودفن ذلك الجسد الطاهر في أرض البقيع المباركة،ودفنت ليلاً كما أوصت تاركة وراءها ذكراً حسناً في الآخرين،ومثلاً صالحاً للمؤمنا ت والمؤمنين،وذرية طيبة موصولة بنسب الرسول الكريم رضي الله عنها وجزاها خير ما يجزي به الصديقات…

موقفه من استشهاد عمه الحمزة في غزوة أحد:

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقد القتلى في يوم أحد،ويتلمس عمه حمزة،فوجده قد مُثّل به،فبُقر بطنه،وأُخرج كبده،وقطعت أنفه وأذناه،فقال:”لن أصاب بمثلك أبداً،وما وقفت قط موقفاً أغيظ علي من هذا” ثم قال:”ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثّلن بثلاثين رجلاً منهم مكانك”.وقال المسلمون لما رأوا المثلة في قتلاهم،وحزن النبي البالغ على عمه حمزة:لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدهر لنمثّلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب.

ولم يلبث أن نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمراعاة العدل في القصاص ومحبباً في الصبر والعفو،فقال عزّ وشأنه:{وإن عاقبتُم فعاقبوا بمثلِ ما عُوقبتم بهِ ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين*واصبرْ وما صبرُكَ إلا بالله ولا تحزنْ عليهم ولا تكُ في ضَيقٍ مما يمكرون*إنَّ الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون}[النحل 126 ـ 128].

فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر وكفّر عن يمينه،ونهى عن المُثلة.

ولما قتل حمزة ومُثّل به جاءت أخته صفية بنت عبد المطلب لتراه،وكان أخاً شقيقاً لها،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة بها وشفقة عليها لإبنها الزبير بن العوام”القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها”فقال لها ابنها:”إن رسول الله يأمرك أن ترجعي،فقالت:ولم؟وقد بلغني أنه مُثّل بأخي،وذلك في الله،فما أرضانا ما كان من ذلك.لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله،فلما أخبر الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتها قال:”خلِّ سبيلها” فنظرت إليه،وصلّت عليه،واسترجعت واستغفرت.

ولقد أستشهد حمزة بن عبد المطلب وهو سيد الشهداء وأسد الله وأسد رسله،قتله وحشي،وقد بقي وحشي بمكة حتى فُتحت،ففرّ إلى الطائف،فلما أسلم أهل الطائف أعيته المذاهب،فعزم على الفرار إلى الشام أو اليمن،فقيل له:إن النبي لا يقتل أحداً من الناس دخل في دينه،فخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة،فإذا هو واقف على رأسه يشهد شهادة الحق،فقال له:أوحشي أنت؟قال: نعم،فحدثه بمقتل حمزة،فقال له:”ويحك غيّب وجهك عني فلا أرينك”ففعل،فكان يتعمد أن لا يلقى رسول الله كي لا يُثير الكامن من الحزن،ولا الذكريات المؤلمة.

فلما حصلت حروب الردة وخرج المسلمون إلى مسيلمة،خرج معهم ومعه حربته التي قتل بها سيد الشهداء كي يُكفّر عن فعلته بقتل مسيلمة،فأمكنه الله منه،وشاركه عبد الله بن زيد بن عاصم في قتله.،فلذا كان يقول:قتلت خير الناس بعد رسول الله وقتلت شر الناس.”.

موقفه من أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس:

وقد أسر في غزوة بدر،وكان صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته زينب رضي الله عنها،وهو ابن أخت السيدة خديجة رضي الله عنها،وكان من رجال مكة المعدودين مالاً وأمانة وتجارة،وكان تزوجها قبل النبوة،فلما دعا النبي إلى دين الله مشى رجال من قريش إلى أبي العاص فقالوا له:فارق صاحبتك ونحن نزوجك بأيّ امرأة من قريش شئت،فقال: لا والله إذاً لا أفارق صاحبتي،وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش!

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني على صهره كما ثبت في صحيح البخاري ويقول:”حدّثني فصدقني،ووعدني فوفى لي“.وكان أُسر ببدر،فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت السيدة زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم في فداء زوجها بمال،وفي المال قلادة كانت للسيدة خديجة رضي الله عنها،فأهدتها إليها وأدخلتها بها على أبي العاص،فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّ لها رقة شديدة،وأهاجت في نفسه ذكرى السيدة الجليلة التي واسته بنفسها ومالها خديجة،فقال لأصحابه:”إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا”.فقالوا: نعم يا رسول الله،فأطلقوه وردّوا عليها قلادتها.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخليّ سبيل ابنته زينب فوفى بالعهد وأرسلها،فبقيت عند أبيها إلى ما بعد الحديبية،فأسر أبو العاص مرة أخرى،ففر إلى المدينة واستجار بزوجته زينب ـ وكان الإسلام قد فرّق بينه وبينها ـ فأجارته،فأقر المسلمون إجارتها له،ورجع إلى مكة ومعه ماله،فأدّى الأمانات إلى أصحابها،ثم عاد إلى المدينة مسلماً،فردها النبي صلى الله عليه وسلم إليه بعقد ومهر جديدين على الصحيح.

يقول الأستاذ محمد سعيد العريان رحمه الله(الرسالة 146):

“وعاد الركب المنهزمون(من بدر) ينبئونها:”يا زينب،لقد دارت علينا الدائرة،ونال منا المسلمون كلّ منال،يا زينب،ولكن أبا العاص في الأسرى،لا ندري ماذا سيفعل بهم أصحاب محمد”.

فما توانت الزوجة الوفية هنيهة،لقد كان لديها من مال زوجها ما تفتديه به لديها المال والنعم،ولكنها نظرت أمراً…ورفعت يدها إلى صدرها فخلعت قلادتها،ثم شيعت بها الرسول يفتدي بعقد خديجة  ابن أخت خديجة وختن محمد…وجعلت هدية عرسها من أمها مهر الحرية للزوج الذي فقدته مرتين..

وذهب رسول زينب يسعى عن أمرها حتى وقف على محمد:”يا محمد،هذا مال من مال أبي العاص،وهذه قلادة خديجة بنت خويلد،بعثتني بهما زينب في فداء أبي العاص…

ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القلادة نظرةً جمعت له الزمان كله في لحظة فكر،واحتشدت صور الماضي أمام عينيه من خلال حبات العقد الغالي،ورقت في ذهنه صورٌ حبيبة إليه،فكأنما نشرت خديجة من موت،وكأنما انطوت البيداء بزينب،فاجتمعتا إليه تسألان العفو عن هذا الأسير…ونظر محمد في أصحابه فقال:”إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها،وتردوا عليها مالها فافعلوا”.

وعاد أبو العاص إلى مكة،وفي نفسه صورة أكثر إشراقاً لهذه الزوجة البرّة الكريمة،ولكنه عاد لا ليشكر لها ما منّت عليه،بل ليقول:”عودي إلى أبيك يازينب”وفاء بما أخذ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهد بأن يطلقها تسير إليه..وخنقته العبرة فما استطاع أن يتمالك ولا أن يشيعها إلى طرف البادية،ومن أين له أن يجد في نفسه القدرة على توديع من يحب،وإنه ليعلم أنه الوداع الأخير مادام سلطان هذا الدين قائماً بين القلبين..

ومضى يقول لأخيه كنانة ابن الربيع:”يا أخي،إنك لتعلم موضعها من نفسي،فما أحب أن لي بها امرأة من قريش،وإنك لتعلم أن لا طاقة لي بأن أفارقها،فأصحبها عني إلى طرف البادية، حيث ينتظرها رسولا محمد (ببطن يأجج) وارفق بها في السفر،وارعها رعاية الحرمات ولو نثرت دونها كنانتك،لا يدنو منها رجل حتى تبلغ…

وافترق الزوجان فلا سبيل إلى لقاء،وأقام أبو العاص بمكة لا يعيش في أيامه،وأقامت زينب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة معتلة البدن واهنة القلب،لولا الإيمان والتقى يشدان من عزمها ويربطان على قلبها لأعجلها الموت ولم تظفر بلقاء…

ومضت سنوات وسنوات،وخرج أبو العاص في تجارة إلى الشام،يحمل من أموال قريش وبضاعتها فوق ما يحمل من ماله وبضاعته،وبلغ حيث أراد،فباع واشترى وتعوض،ثم قفل راجعاً بمال كثير وربح جمّ،وفيما هو على الطريق إذ لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعجزهم هارباً،وآب المسلمون إلى المدينة فرحين بما أفاء الله عليهم،ووقف أبو العاص على رأس شاهقة يتلفت صِفر اليدين، فما وجد إلا الصحراء تبرق بالحصى،ومد النظر إلى البعيد،فما عرف له طريقاً يسلك،وخُيل إليه أن وراء كل ثنيّة فارساً معلماً يتربص به لقد فقد ماله ومال الناس،ولا سبيل إلى أن يرد الأمانات إلى أصحابها،وإنه لموشك أن يفقد حياته بعدما فقد ماله وأمانته،واجتمع عليه الهمّ فما درى أين النجاة لنفسه ولعرضه مما عرض له،إن النحس ليلاحقه في كل مسير..

وعادت إليه الذكرى،ورجع الزمان القهقرى أمام عينيه،كما يجتمع التاريخ بزمانه ودنياه في لحظة ومكان لعيني محتضر،وتذكر من قريب تلك الحبيبة التي أحيته مرتين:حين وهبت له الشعور بالحياة في الحب،ثم حين وهبت له الحياة نفسها وافتدته عند أبيها بقلادة خديجة..وخُيل إليه أنه يراها،وأنه يخاطبها فتستمع إليه ،فهمس:”أتهبين لي الحياة الثالثة يا زينب…

وأقبل أبو العاص إلى المدينة تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستجارها وطلب أن تعينه على رد ماله،فأجارته.

وأصبح الناس يسعون إلى المسجد،وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر معه،وإذا صوت يهتف من وراء جدار:”أيها الناس،إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع…فهو في حمايتي وأمني! وكانت زينب هي التي تهتف…

وفرغ النبي من صلاته فأقبل على الناس فقال:”أيها الناس ،هل سمعتم ما سمعت؟أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشىء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم.أنه يجير على المسلمين أدناهم..ثم دخل على ابنته فحدثها وحدثته.وأكبر محمد صلى الله عليه وسلم أن يرى في ابنته هذا الوفاء لزوجها الذي فارقته لأمر الله،وامتنعت عليه لأمر الله،وقطعت ما بينه وبينها من شهوات النفس لأمر الله،ثم ما برحت مع كل أولئك تمنحه البر والوفاء والمعونة،برّ المسلمة،ووفاء الصديقة،ومعونة الإنسان..ونال من نفس النبي ما سمع وما علم،فأضمر في نفسه رجاء إلى الله..

ثم بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص،فقال:”إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم،وقد أصبتم له مالاً،فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك،وإن أبيتم،فهو فىء الله الذي أفاء عليكم،فأنتم أحق به..قالوا: بل نرده عليه..وقال نفر منهم:يا أبا العاص،هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال؟فإنها أموال المشركين…فقال الرجل:بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي..واستعلنت كبرياؤه وأمانته وهو بين ذلة المستجير وأسر الفقر،وأطلت نفسه المؤمنة بفطرتها من وراء ظلمات الشرك الذي يجهر به،مستكبراً أن يبيع دينه بالمال.

وردوا إليه ماله ،كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإكباراً لزينب،وعاد الرجل إلى مكة بماله ومال الناس،ونفسه تفيض بمعان شتى،وبين عينيه صورة لا تفارقه،وفي قلبه وجيب لا يهدأ وعلى طرف لسانه كلام…فلما بلغ أدى إلى كل ذي مال ماله،ثم قال: يا معشر قريش،هل بقي لأحدكم منكم عندي مال؟ قالوا: لا،فجزاك الله خيراً،فقد وجدناك وفياً كريماً.قال:فأنا أشهد أن لا إله إلا الله،وأن محمداً عبده ورسوله.والله مامنعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن يظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم،فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت.

وخرج أبو العاص بن الربيع إلى المدينة يهديه نوران في قلبه وأمام عينيه،وسار في مثل موكب العروس تتدافعه المنى على رمال الصحراء،إلى حيث يجد نور اليقين وأنس الحبيب،في حديث محمد وفي وجه زينب،وتلاقى الزوجان المتحابان مرة ثانية،بعد فراق طويل مر من دونه سنوات وسنوات،ولكن الزوجة الوفية كانت قد أدت واجبها وفرغت من دناياه حين هدت الرجل الذي أحبته ووفت له بمقدار ما أحبها ووفى،فما مضى زمان بعد هذا اللقاء استكمل فيه الرجل أسباب دينه،حتى كانت هي استوفت أنفاسها على الأرض،وماتت زينب ولكنها خلفت ذكرى أطيب الذكرى،وضربت المثل أبلغ المثل،في وفاء الزوجة وإخلاص المحبة،وصدق الإيمان”.

موقفه من ابنته السيدة أم كلثوم رضي الله عنها:

في شعبان من السنة التاسعة من الهجرة توفيت السيدة أم كلثوم ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه تزوجها سنة ثلاث بعد موت أختها رقية،ولم تنجب له أولاداً،وقد اشتركت في تغسيلها أم عطية والسيدة صفية بنت عبد المطلب،وأسماء بنت عميس،وصلّى عليها رسول الله والمسلمون،ولما ذهبوا لدفنها وقف النبي على قبرها وعيناه تذرفان بالدموع،فقال:”هل فيكم أحد لم يقارف الليلة؟”فقال أبو طلحة:أنا،فقال: “انزل على قبرها” فنزل ونزل معه علي بن أبي طالب رضي الله عنه،والفضل وأسامة بن زيد.

موقفه من جعفر ابن أبي طالب وأهله:

لما أصيب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في غزوة مؤتة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسماء بنت عميس فقال:”ائتني ببني جعفر”.فأتت بهم فشمّهم وقبلهم وذرفت عيناه،فقالت أسماء: أبلغك عن جعفر وأصحابه شىء؟فقال: نعم، أصيبوا هذا اليوم” فجعلت تصيح وتولول فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاماً،فإنهم قد شُغلوا بأمر صاحبهم”.

ولما قارب الجيش المدينة تلقاهم الصبيان يشتدون ورسول الله مقبل مع الجيش على دابة له فقال:”خذوا الصبيان فاحملوهم،وأعطوني ابن جعفر”.فأتي بعبد الله فحمله بين يديه،وبعد ثلاث دخل على أسماء وقال لها:”لاتبكوا على أخي بعد اليوم،ادعوا لبني أخي”.فجىء بهم كأنهم أفرُخ،فدعا بالحلاق فحلق لهم رؤوسهم،ثم قال:” أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب،وأما عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي”،ثم أخذ بيمين عبد الله وقال:”اللهم اخلُف جعفراً في أهله،وبارك لعبد الله في صفقة يمينه”(ثلاثاً).ولما ذكرت له أمهم يتمهم وضعفهم قال لها:”العَيلة تخافين عليهم،وأنا وليهم في الدنيا والآخرة”[رواه الإمام أحمد].[السيرة لمحمد أبو شهبة).

موقفه من أخته في الرضاع الشيماء:

الشيماء بنت الحارث هي حذافة بنت الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدية وقيل جذامة.ولقبها الشيماء،من بني سعد من قبيلة هوازن وهي أخت الرسول صلى الله عليه وسلم من الرضاعة،وابنة حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم.

كان في السبايا بعد أن عاد رسول الله من حصار الطائف إلى الجِعرانة في السنة الثامنة من الهجرة،الشيماء بنت الحارث بن عبد العزّى أخت رسول الله من الرضاع،وكان بعض المسلمين قد عنف عليها،فقالت:والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة،فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم،فتعرَّف عليها(عرفته بعلامة عرفها)،وبسط لها رداءه،وأجلسها عليه ودمعت عيناه،وقال لها:”إن أحببت فعندي محببة مكرمة،وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت؟فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي،فمتعها وأعطاها وردها إلى قومها ويقال:إنه أعطاها غلاماً يقال له مكحول وجارية فزوجتهما،فلم يزل فيهم من نسلهما بقية[السيرة النبوية للدكتزر محمد أبو شهبة].

3 ـ رحمته مع أصحابه

إن رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته مثالٌ عظيم تجلّى في أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم،وقد بلغ القمة في رحمته بأمته،حيث دعا دعوة وطلب تأخير إجابتها إلى يوم القيامة،وهي شفاعته لأمته،لقول النبي صلى الله عليه وسلم:”لكلّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابةٌ يدعو بها،وأريد أن أختبىء دعوتي شفاعةً لأمتي في الآخرة“[أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وهو من رحمته بأمته وأصحابه يقصر في الصلاة وإن كان يريد الإطالة فيها إذا سمع صوت بكاء طفل يبكي:

روى البخاري عن الحارث بن ربعي قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطوّل فيها،فأسمع بكاء الصبي،فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمّه”.

ومن المواقف الفردية مع أصحابه رضوات الله عليهم:

ـ مع عثمان بن مظعون:

لما توفي الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضي الله عنه وهو أحد السابقين الأولين وممن هاجر الهجرتين،وكان أخاً للنبي من الرضاع،ولما توفي دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله وبكى حتى سالت الدموع على وجهه[رواه أحمد والترمذي]،ثم شيّع جنازته هو وأصحابه.

موقفه من حاطب أبي بلتعة:

لما أجمع صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة(غزوة الفتح) كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم،ثم أعطاه مولاة لبعض بني عبد المطلب تسمى سارة،وجعل لها جُعلاً على أن تبلغه قريشاً،فجعلته في عقاص شعرها،ثم خرجت به،فإذا الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما صنع حاطب،فبعث علياً والزبير والمقداد،وقال:”انطلقوا حتى تأتوا(روضة خاخ) فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها”.فانطلقوا تتعادى بهم خيلهم  حتى أدركوها،فقالوا لها أخرجي الكتاب،فقالت: ليس معي كتاب،فقالوا لها: لتخرجن الكتاب،أو لنكشفنَّ الثياب، فخافت وأخرجته من عقاصها،فأتوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم،فإذا فيه:”يا معشر قريش فإن رسول الله جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل. فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله،وأنجز وعده، فانظروا لأنفسكم،والسلام”[فتح الباري]

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”يا حاطب ما هذا؟ فقال: يا رسول الله لا تعجل علي،إني كنت امرأ مُلصقاً في قريش ـ يعني حليفاً ولم يكن من أنفسها ـ وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم،فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي بها،ولم أفعله ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام،فقال الرسول العظيم:”أما إنه قد صدقكم”.

فقال عمر:”يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق،فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:”إنه قد شهد بدراً،وما يدريك لعل الله قد اطّلع على من شهد بدراً فقال:اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم” فبكى عمر وقال: إن الله ورسوله أعلم فأنزل الله هذا التأديب الإلهي وهو صدر سورة الممتحنة:{يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا عدوّي وعدوَّكم أولياءَ تُلقون إليهم بالموّدة وقد كفروا بما جاءكم من الحقِّ يُخرجون الرسولَ وإيّاكم} إلى قوله سبحانه:{فقد ضلَّ سواءَ السّبيل}[الممتحنة 1].

يقول الدكتور محمد أبو شهبة في كتاب السيرة النبوية:”وإن لنا هنا لوقفة،فما كان حاطب منافقاً،ولا ضعيف الإيمان،بتزكية الرسول له.ولكن في النفس الإنسانية جوانب ضعف تطغى عليها في بعض الأحيان”.

ـ موقفه من ماعز:

يروي بُريدة بن الحصيب رضي الله عنه فيقول: جاء ماعزٌ بن مالكٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله طهّرني،فقال:ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه.قال: فرجع غير بعيدٍ،ثم جاء فقال: يا رسول الله طهّرني،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه.قال:فرجع غير بعيدٍ ثم جاء، فقال: يا رسول الله طهّرني،فقال النبي صلى الله عليه وسلم:مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:فيم أطهرك؟فقال: من الزنى،فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم:أبهِ جنونٌ؟فأُخبر أنه ليس بمجنون فقال:أشربَ خمراً؟فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمرٍ.قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أزنيت؟فقال: نعم.وفي رواية أخرى حاول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجد له مخرجاً بعد اعترافه بالزنى،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟قال:لا.

لقد حاول الرسول الرحيم الحنون الرؤوف بأمته وأصحابه أن يدرأ عنه حد الزنا وبكل الوسائل،ولكن ماعزاً أصر على الاعتراف،وفي المرة الرابعة رغم صرفه صلى الله عليه وسلم له ودعوته للاستفغار والتوبة،وحاول الرسول العظيم الرحيم أن يجد له عذراً في ارتكاب خطيئته بالجنون أو شرب الخمر،أو أنه لم يرتكب الزنا وإنما مقدماته

إلا أنه أصر على أنه ارتكب واقعة الزنا ويريد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم عليه الحد تكفيراً عن خطاياه في الدنيا.

وأقيم حد الزنا على ماعز ورجم بالحجارة،ولم يقتصر الأمر على ذلك فإن رسول الرحمة لما سمع كلام الناس في ماعز والتعرض له بالسباب والشتائم قال لأصحابه:استغفروا لماعز بن مالك.فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لقد تاب توبة لو قُسمت بين أمةٍ لوسعتهم“.[رواه مسلم]

ومن المواقف الأخرى:

ـ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهِ بُردٌ نجراني غليظ الحاشية،فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذةً شديدة،قال أنس: فنظرتُ إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم،وقد آثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته،ثم قال:يا محمد مُر لي من مال الله الذي عندك،فالتفتَ إليه فضحك،ثم أمرَ لهُ بعطاء”[رواه الشيخان].

ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه :أن أعرابياً بال في المسجد،فثار إليه الناس ليقعوا به،فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:دعوه،وأهريقوا على بوله ذَنوباً من ماءٍ،أو سَجْلاً من ماء،فإنما بُعثتم مُيسرين ولم تُبعثوا مُعسرين”[رواه البخاري]

ـ وعن معاوية بن الحكم السلمي قال:بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،إذ عطسَ رجلٌ من القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم،فقلت: واثُكل أمياه،ما شأنكم؟تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم،فلما رأيتهم يُصمتونني،لكني سكت،فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،فبأبي هو وأمي ما رأيتُ معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه،فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني،قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شىءٌ من كلام الناس،إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن”[رواه مسلم]

ـ وقال صلى الله عليه وسلم:”إن إخوانكم خَولكم جعلهم الله تحت أيديكم،فمن كان أخوه تحت يده،فليطعمه مما يأكل،وليُلبسه مما يلبس،ولا تُكلفوهم ما يَغلبهم،فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم”[متفق عليه]

وقال صلى الله عليه وسلم:”أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة،وأشار بالسّبابة والوسطى”[متفق عليه].

والحديث يتسع حول المواقف العديدة له صلى الله عليه وسلم.

4 ـ رحمته مع أهل الكتاب والكفار:

روى الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة عن علي رضي الله عنه،أن يهودياً يقال له:فلان حَبر،كان له على رسول الله صلى الله عليه وسلم دنانير،فتقاضى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له:”يا يهودي ما عندي ما أعطيك” قال: فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إذاً أجلس معك” فجلس معه،فصلى رسول الله الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة،وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهددونه ويتوعدونه،ففطن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الذي يصنعون به،فقالوا:يا رسول الله،يهودي يحبسك،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”منعني ربي أن أظلم معاهداً وغيره” فلما ترجل النهار قال اليهودي:أشهد أن لا إله إلا الله،وأشهد أنك رسول الله،وشطر مالي في سبيل الله،أما والله ما فعلت بك الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة:محمد بن عبد الله،مولده بمكة،ومهاجره بطيبة،وملكه بالشام،ليس بفظ ولا غليظ،ولا سخاب في الأسواق،ولا متزيّ بالفحش ولا قول الخنا،أشهد أن لا إله إلا الله،وأنك رسول الله،وهذا مالي فاحتكم فيه بما أراك الله.وكان اليهودي كثير المال.

ـ عن أنس بن مالك رضي الله عنه:كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض،فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم ليعوده،فقعد عند رأسه،فقال له: أسلم.فنظر إلى أبيه وهو عنده،فقال له: أطِع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم،فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار”[رواه البخاري].

موقفه  من مخيريق اليهودي:

في يوم غزوة أحد جاء حبر من أحبار يهود المدينة اسمه مُخيريق وكان أحد بني ثعلبة الفِطيون إلى قومه فقال لهم:يا معشر يهود،والله لقد علمتم إن نصر محمد عليكم لحق،قالوا:إن اليوم يوم السبت،قال: لا سبت لكم،فأخذ سيفه وعدّته،وقال:إن أُصبت فمالي لمحمدٍ يصنع فيه ماشاء،ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”مخيريق خير يهود”.]سيرة ابن هشام]

(مخيريق كان حبراً عالماً،كثير المال من النخل،وكان يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته في التوراة،حتى إذا كان يوم أحد هدى الله قلبه للإسلام)

وموقفه المشهور صلى الله عليه وسلم مع وفد نصارى نجران،الذين جاؤوا إلى المدينة فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم وتلطف معهم،وأوضح لهم معالم الحق،وسمح لهم بدخول مسجده وبالصلاة فيه لما حان وقت صلاتهم.وصلوا فيه إلى المشرق،

ثم تركهم بعد ذلك على ما يرغبون،فاختاروا البقاء على دينهم،فتركهم وشأنهم،ثم طلبوا منه أن يرسل معهم أحد أصحابه يستعينون به في إدارة أمورهم، وحل مشاكلهم، فقال سوف أرسل معهم رجلاً أميناً، فأرسل معهم أبا عبيدة بن الجراح وقال هذا أمين هذه الأمة”.

ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة،وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما”[رواه البخاري].

وفي الحديث الشريف:” ألا من ظلم معاهداً،أو انتقصه ،أو كلّفه فوق طاقته،أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسٍ ،فأنا حجيجُه يوم القيامة”[رواه أبو داود وصححه الألباني]

ـ موقفه من النجاشي:

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً إلى النجاشي ملك الحبشة دعاهُ فيه إلى الإسلام،وهو أحد الكتب التي أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ملوك العرب وملوك البلاد المجاورة.

ونص الكتاب كما يلي:

“بسم الله الرحمن الرحيم،من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة:سِلْم أنت،فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن،وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته،ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة،فحملت بعيسى من روحه ونفخه،كما خلق آدم بيده ونفخه،وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له،والموالاة على طاعته،وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني،فإني رسول الله،وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً ونفراً معه من المسلمين،فإذا جاؤوك فأقره،ودع التجبر.فإني أدعوك وجنودك إلى الله،فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي،والسلام على من اتبع الهدى”.

وقد حمل هذا الكتاب إلى النجاشي جعفر بن أبي طالب،ولما وصل إليه وعلم النجاشي مضمون الكتاب،وضعه على عينيه،ونزل عن سريره،فجلس على الأرض ثم أسلم، قال:أشهد بالله إنه للنبي الذي ينتظره أهل الكتاب”.

وكتب الجواب للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا نصه:

“بسم الله الرحمن الرحيم.إلى محمد رسول الله،من النجاشي الأصحم بن أبجر:سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام.

أما بعد:فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى،فوربّ السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت،وقد عرفنا ما بعثت به إلينا،وقد قربنا ابن عمك وأصحابه،فأشهد إنك رسول الله صادقاً مصدقاً،وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين.وأرسلت إليك بابني أرها بن الأصحم ابن أبجر فإني لا أملك إلا نفسي،وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله”.

وقد كان النجاشي نصرانياً نسطورياً ومذهب نسطور قائم على التوحيد وينكر ألوهية المسيح.

في رجب من السنة التاسعة من الهجرة مات أصحمة بن أبجر النجاشي ملك الحبشة،أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم،ولم يهاجر إليه،وقد أحسن إلى المسلمين الذين هاجروا غاية الإحسان،ولما مات نعاه النبي إلى أصحابه في اليوم الذي مات فيه،وخرج بهم إلى المصلّى وكبر عليه أربع تكبيرات(رواه البخاري)،وهذا هو الأصل في مشروعية صلاة الجنازة على الغائب.

موقفه من المقوقس عظيم القبط:

نص كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقوقس عظيم القبط:

بسم الله الرحمن الرحيم،من عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط…

سلام على من اتّبع الهدى،أما بعد:فإني أدعوك بدعاية الإسلام،أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين،فإن توليت فعليك إثم كل القبط،”يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم:أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون”.

وأجاب المقوقس :بسم الله الرحمن الرحيم،لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط،سلام عليك أما بعد:فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه،وما تدعو إليه،وقد علمت أن نبياً قد بقي،وقد كنت أظن أنه بالشام،وقد أكرمت رسولك”.

وأهدى الرسول صلى الله عليه وسلم أصنافاً من الهدايا كما أرسل معه ماريا القبطية ،أرسلها مع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه،وكان هذا الصحابي هو الذي حمل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه.

موقفه من الجارود بن العلاء:

قدم الجارود بن العلاء من علماء النصارى مع وفد من قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للرسول صلى الله عليه وسلم:والله لقد جئت بالحق،ونطقت بالصدق،والذي بعثك بالحق نبياً:لقد وجدت وصفك في الإنجيل،وبشر بك ابن البتول،فطولُ التحية لك،والشكرُ لمن أكرمك،لا أثر بعد عين،ولا شك بعد يقين،مدَّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله”.ولما أعلن إسلامه أسلم معه قومه.

رحمته بالحيوان والجماد:

ـ قال رجل يا رسول الله: إنّي لأذبحُ  الشاة وأنا أرحمها أو قال:إني لأرحم الشّاة وأنا أذبحها،فقال:” والشّاةُ إن رحمتها رحمك الله“[رواه الحاكم وهو حديث صحيح].

وفي الحديث الشريف:”إن الله كتب الإحسان على كل شىء،فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة،وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبح،وليُحدَّ أحدُكم شفرتّه، فليُرح ذبيحته“.[أخرجه مسلم عن شداد بن أوس رضي الله عنه].

ـ وقال صلى الله عليه وسلم:”دخلت امرأةٌ النارَ في هرةٍ ربطتها، فلم تُطعمها،ولم تدعها تأكل من خَشاش الأرض“[رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما].

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بينما رجل يمشي بطريق اشتدّ عليه العطش ،فوجد بئراً،فنزل فيها فشرب،ثم خرج،وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش.فقال الرجل:لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني،فملأ خفه ماء،ثم أمسكه بِفيه حتى رقي،فسقى الكلب.فشكر الله تعالى له فغفر له.قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجراً؟قال: في كل كبد رطبة أجر“[أخرجه الشيخان ومالك].

وفي حديث آخر:”إن امرأة بغيّاً رأت كلبا في يومٍ حارٍ يُطيفُ ببئرٍ،قد أدلعَ(أي أخرج) لسانه من العطش، فنزعت له بموقها(أي خفها) فغُفر لها[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

ـ دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة بستاناً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل،فلما رأى الجمل النبي صلى الله عليه وسلم ذرفت عيناه،فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح عليه حتى سكن،فقال: لمن هذا الجمل؟فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله،فقال له: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها،فإنه شكا لي أنك تُجيعه وتدئبه[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما وهو حديث صحيح أو حسن]

ـ في غزوة ذي قَرَد وكانت في السنة السادسة قبل الحديبية أغار عبد الرحمن بن عيينة بن حصن الفزاري في جماعة من قومه غطفان على لقاح(إبل) النبي بالغابة،وعلى اللقاح رجل من غفار ومعه امرأته،فقتلوا الرجل واستاقوا اللقاح وأخذوا معهم المرأة،واستطاعت المرأة أن تغافل المشركين،وركبت ناقة من إبل النبي حتى قدمت عليها المدينة،وكانت نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنّها،فلما أخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم تبسم وقال:”بئسما جزيتيها أن حملك الله عليها ونجاك بها،ثم تنحرينها،إنه لانذر في معصية،ولا فيما لا تملكين،وإنما هي ناقة من إبلي”.[حديث صحيح عن عمران بن الحصين رضي الله عنه]

وإن هذه القصة لترينا حسن العهد،وغاية الوفاء اللذين كان يتخلق بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم،هذا الوفاء شمل بني الإنسان والحيوان،وإن صاحب الخلق العظيم يعلمنا أن نقابل الإحسان بالإحسان،والجميل بالجميل،والنعم بالشكر،لا بالجحود والكفران،وأن الوفاء لازم حتى للحيوان.(السيرة لمحمد بن محمد أبو شهبة).

وعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته،فرأينا حُمّرةً(طائر)معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت تعرِش(أو تفرش) ـ أي ترخي جناحيها وتدنو من الأرض ـ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من فجع هذه بولدها؟ردّوا ولدها إليها.ورأى قرية نملٍ قد حرّقناها فقال: من حرَّق هذه؟قلنا:نحن.قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا ربُّ النار”[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو حديث صحيح].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فحرقت.فأوحى الله تعالى إليه:أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح؟[أخرجه الشيخان].

ـ وحادثة حنين الجذع :

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة،فقالت امرأة من الأنصار أو رجل:يا رسول الله ألا نجعل لك منبراً؟قال: إن شئتم،فجعلوا له منبراً،فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبيّ،ثم نزل صلى الله عليه وسلم فضمّها إليه تئن أنين الصبيّ الذي يسكن،قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها.وفي رواية:قال فلما صُنع المنبر وكان عليه فسمعنا من ذلك الجذع صوتاً كصوت العشار،حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها فسكنت”[حديث صحيح].

ـ جبل يحبنا ونحبه:

وجاء في حديث آخر:خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك،وساق الحديثَ وفيه،ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إني مُسرعٌ،فمن شاء منكم فليُسرع معي،ومن شاء فليمكث،فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة،فقال: هذه طابة،وهذا أحد، وهو جبلٌ يُحبنا ونحبه”[أخرجه مسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه]

رحمته في التيسير وعدم التعسير:

قال تعالى:{يريد الله بكم اليسرَ ولا يريدُ بكم العسر}[البقرة 185].

عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما خُير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم،فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه،والله ما انتقم لنفسه في شىء يُؤتى إليه قط،حتى تُنتهك حُرمات الله، فينتقم لله”[رواه البخاري]

وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم”[البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد]

وقال صلى الله عليه وسلم:”إن الدين يُسر،ولن يُشادّ الدين أحدٌ إلا غلبه،فسدّدوا وقاربوا وأبشروا،واستعينوا بالغدوة والروحة وشىءٍ من الدُّلجة”[البخاري والنسائي وابن حبان والبيهقي]وقال أيضاً:”يسروا ولا تُعسروا وبشروا ولا تُنفروا”[البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود ]

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إذا صلى أحدكم للناس فليخفف،فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وذا الحاجة،وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء”.

ـ روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت:”إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به،خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم”.

ـ وفي ليلة الإسراء والمعراج سأل ربه التخفيف على أمته في الصلاة،ثم سأله التخفيف،ثم مازال يسأله حتى خففها الله من خمسين صلاة في اليوم والليلة إلى خمس صلوات.

ـ تخفيف فرض الصلاة من خمسين إلى خمسة في اليوم:

جاء في حادثة الإسراء والمعراج:”ثم فرضت عليّ الصلوات خمسين صلاة كل يوم،فرجعت،فمررت على موسى،فقال:بم أمرت؟قال:أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم،وإني قد جربت الناس قبلك،وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة،

فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك،فرجعت فوضع عني عشراً.فرجعت إلى موسى فقال مثله،فرجعت فوضع عني عشراً،فرجعت إلى موسى،فقال مثله،فرجعت فوضع عني عشراً،فرجعت إلى موسى فقال مثله،فرجعت فأُمرت بخمس صلوات كل يوم،فرجعت إلى موسى،فقال:بم أمرت؟ قال:بخمس صلوات كل يوم،قال/ إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم،وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة،فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك،قال:سألت ربي حتى استحييت،ولكن أرضى وأُسلِّم،قال:فلما جاوزت ناداني منادٍ:أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي”.

وأن الله تبارك وتعالى قال:”يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة،لكل صلاة عشر(يعني حسنات) فذلك خمسون صلاة،ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة،فإن عملها كتبت له عشراً،ومن همَّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب شيئاً،فإن عملها كتبت سيئة واحدة.

نبيُّ الملحمة

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(كلمة ألقيت في الجامع الأموي في الاحتفال بيوم الهجرة،ونشرت سنة 1943م):

“إن لكلِّ أمّة مواسم تجتمع فيها،وذكريات تُحييها،وعظماء يُمجدهم خطباؤها،ومآثر يفخر بها شعراؤها،ولكن الذكرى التي اجتمعنا لأجلها لا تُقاس بها الذكريات،إنها أجلّ منها وأعظم.

إن الحادث الذي جئنا لتمجيده لا تشبهه الحوادث،إنه أعزّ على التاريخ منها وأكرم،إنه أسمى من كل مآثرة فخرت بها أمّة،واعتزّ بها جيل.فإذا أردتم أن تروا فيم كان جلالها وسموّها فدعوا هذا الحاضر لحظة وأوغلوا معي في مسارب الماضي،مرّوا بين القرون وتخطّوا أعناق السنين،حتى تقفوا على القرن السابع الميلادي وقد أهلّ على دنيا رثت فيها حضارة الأولين،ونُسي الدين،وآضت العبادات عادات،والعلم ترديداً بلا فهم،والفن تقليداً بلا تجديد،وأخذ الملوك الطغاة بمخانق الشعوب،ونخرت الفوضى عروش الطغاة،وسكت العلماء وهربوا إلى الصوامع،وآيس المصلحون واختبؤوا في الأغوار،وأوشكت الإنسانية أن تتردى في هوّة ما لها من قرار!

هنالك،وقد غلب اليأس،بعثَ الله الفرج على يد رجل،رجل واحد طلع من وسط الرمال المتسعّرة الملتهبة التي يُشوى عليها اللحم،لحم كل عادٍ يطأ ثراها وعاتٍ يريد بالشرِّ حِماها،من القرية التي هجعت دهراً بين الحرّتين،لا يدري بها قيصر ولا يحفلها كسرى،من أرض الفطرة والحرية التي لم تبلغها أوضار المدنية،من حيث انبثقت الحياة البشرية أول مرة:من جزيرة العرب….

رجل واحد قام وحده لإصلاح الدنيا،قال لقريش سادة العرب:اتركي هذه السيادة،فالناس كلهم سواء،لا فضل إلا بالتقوى والأخلاق وبارع الخلال.وقال للعرب المشركين:حطموا هذه الأصنام،فإنها لا تضرّ ولا تنفع،واعبدوا الله الواحد الأحد.وصرخ بكسرى وقيصر أن دعا هذا الجبروت الظالم وهذه الربوبية الكاذبة،فما كان بعض البشرأرباب بعض،واتبعاني أجعل منكما عبدين لله صالحين.

فثارت به قريش،وقام عليه العرب،وعاداه الملكان كسرى وقيصر،وأُعلنت أقدس حرب وأعجبها:الحرب بين محمد وبين العالم كله،الحرب التي انتصر فيها محمد على الدنيا.

ولكن ما شأن الهجرة في ذلك؟ ليست الهجرة انتقالاً من مكة إلى المدينة،وليست سفراً كالأسفار،ولكنها المرحلة الأولى من هذا الزحف المجيد للحملة التي جردها الله على الكفر والظلم والفحشاء والمُنكر وجعل قائدها محمداً صلى الله عليه وسلم.

إنها الخطوة الأولى من هذا الزحف الذي لم يقف ولم يتباطأ،حتى امتدَّ من الهند إلى مراكش،ثم عبر البحر من هنا إلى الأندلس،ومن هناك إلى البلقان،ثم دخل في الزمان واجتاز العصور حتى انتظم أربعة عشر قرناً،وغمر نصف المعمور بالنور،ثم إنه سيمتدّ حتى يبلغ آخر الزمان ويعمّ الأرض كلها.

إن الهجرة هي الحلقة الأولى من سلسلة المعارك الظافرة الفاصلة التي خضناها دفاعاً عن الحقِّ والعدل،والتي منها بدر والخندق والقادسية واليرموك،ونهاوند وجبل طارق،وعمورية والحدث،وحطين وعين جالوت والقسطنطينية،وطرابلس والغوطة وجبل النار.

لقد مشى محمد صلى الله عليه وسلم ليزيح الظلام ويُحطم طواغيت الظلم حيث قامت…وقريش الحمقاء تحسب أنه بُعث لها وحدها.وأن مدى رسالته متسع هذا الوادي،وأنه هاجر خوفاً منها،لذلك بعثت رسلها ينفضون الأرض ليأتوا به ويرجعوه إليها.

يا لجهالة قريش،ويا للغرورالسىء ما يصنع بأهله!

مه يا قريش الحمقاء،إنّك لا تعرفين من هو محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدرين ما رسالته!

مه يا قريش،دعيه يمرّ،إنّ في يثرب أنصاراً له ينتظرونه.إن وراء الرمال،في بلاد الظلّ والماء،شعوباً ترتقب مجىء النبي،قد علّقت به آمالها،ونفد في ترقبّه صبرها.إن وراء القرن السابع أمماً لا تزال في أحشاء الغيب تنتظر النبي،فهل حسبت قريش أن في الغار رجلين اثنين؟إن فيه أمل الدنيا ،فيه رحمة الله للعالمين.فيا لجهالة قريش حين تريد أن تمنع رحمة الله عن العالمين!

إنه يريد أن ينشىء من الأمّة المشركة المتفرّقة الجاهلة أمّة واحدة مؤمنة عالمة،فليصنع كما يصنع البّناء:يضع الحجر على الحجر فيكون جداراً.وكذلك فعل محمد صلى الله عليه وسلم:بنى أمّة صغيرة من ثلاثة،من رجل وامرأة وصبي،من أبي بكر وخديجة وعلي،فكانت نواة هذه الأمة الضخمة التي ملأت ـ بعدُ ـ الأرض،وكانت أسلوباً يخلق احتذاؤه بكل مصلح.

ثم صار المسلمون عشرة،ثم تمّوا الأربعين،فخرجوا يُعلنون الإسلام بمظاهرة لم تكن عظيمة بعددها ولا بأعلامها وهتافها،ولكنها عظيمة بغايتها ومعناها،عظيمة بأثرها،عظيمة بمن مشى فيها:محمد وأبو بكر وعمر وعلي وحمزة،أربعون لولا محمد صلى الله عليه وسلم لعاشوا ولماتوا مجهولين،فلما لامسوه وأخذوا من نوره وسرت فيهم روح من عظمته صاروا من أعلام البشر،وصارت أسماؤهم مناراً للسالكين.فلما صاروا ثلاثمئة خاضوا المعركة الأولى في الدفاع عن الحق،معركة بدر.فلما بلغوا عشرة آلاف فتحوا مكة وطهّروا الجزيرة العربية،فلما بلغوا مئة ألف فتحوا الأرض.

فتحوا الأرض،فلما انقادت لهم فتحوا القلوب بالعدل،والعقول بالعلم،فما عرفت هذه الدنيا أنبلّ منهم ولا أكرم،ولا أرأف ولا أرحم،ولا أرقى ولا أعلم،ولا أجلّ ولا أعظم”.(انتهى كلام العلامة الطنطاوي).

ويقول الكاتب العظيم عباس محمود العقاد رحمه الله(عبقرية محمد):

“إن محمداً عليه السلام كان قائداً حربياً بين أهل زمانه بغير نظير في رأيه،وفي الانتفاع بمشورة صحبه،وتبرز لنا قدرته النادرة بين قادة العصور المختلفة في توجيه كل ما يتوجه على يدي قائد من قوى الرأي والسلاح والكلام.وهذه القدرة هي شهادة كبرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تأتي من طريق الشهادة للقائد الخبير بفنون القتال.

ويزيد هذه الشهادة عظماً أن الرجل الذي يجتنب القتال في غير ضرورة رجل شجاع غير هيّاب.شجاع وليس كبعض الهداة المصلحين الذين تجوز فيهم فضيلة الطيبة على فضيلة الشجاعة،فيحجمون عن القتال لأنهم ليسوا بأهل قتال.

ويتابع العقاد رحمه الله:

“ولولا ثباته في وقعة حنين،وقد ولّت جمهرة الجيش وأوشك أن ينفرد وحده في وجه الرماة والطاعنين،لحقت الهزيمة على المسلمين…وخروجه والليل لما يسفر عن صبحه ليطوف بالمدينة مستطلعاً،وقد هددها الأعداء بالغارة والحصار أمر لو لم تدعه إليه الشجاعة الكريمة لم يدعه إليه شىء…لأن المدينة كانت يومئذ حافلة بمن يؤدون عنه مهمة الاستطلاع وهو قرير في داره،ولكنه أراد أن يرى بنفسه فلم يثنه خوف ولم يعهد بهذا الواجب إلى غيره.

ومشاركته في الوقعات الأخرى هي مشاركة القائد الذي لا يعفي نفسه وقد أعفته القيادة من مشاركة الجند عامة فيما يستهدفون له،فهي شجاعة لا تؤثر أن تتوارى حيث يتاح لها أن تتوارى،وعندها العذر المقبول بل العذر المحمود.

وإذا كان القائد خبيراً بالحرب قديراً عليها غير هياب لمخاوفها ثم اكتفى منها بالضروري الذي لا محيص عنه فذلك هو الرسول تأتيه الشهادة بالرسالة من طريق القيادة العسكرية،وتأتي جميع صفاته الحسنى تبعاً لصفات الرسول”.انتهى حديث العقاد.

إنّ مواقف نبي الملحمة نتتبعها ونقرأها في سيرة حياته الطاهرة العبقة بنور الرجولة والشجاعة والتضحية،والتي تمثلت فيها كل القيم العليا ،والسمات الخالدة،والصفات الرائعة،والتي تتجلى في عدة مواضع من خلال حياته اليومية،ومن خلال غزواته وفتوحاته وجهاده لإعلاء كلمة الحق،ولتكون كلمة الله هي العليا.

ويتجلى ذلك في مواضع كثيرة:

1 ـ في القتال والجهاد والغزوات:

ـ في غزوة بدر:

يقول الشيخ العلامة محمد الغزالي في فقه السيرة عن غزوة بدر:

“فلما اتسع نطاق المعركة واقتربت من قمتها كان المسلمون قد استنفدوا جهد أعدائهم وألحقوا بهم خسائر جسيمة.والنبي في عريشه يدعو الله ويرقب بطولة رجاله وجّلدهم.قال ابن اسحاق:خفق النبي عليه الصلاة والسلام خفقة في العريش ثم انتبه فقال:أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقودها على ثنايا النقع”.

لقد انعقد الغبار فوق رؤوس المقاتلين،وهم بين كرّ وفرّ ،جند الحق يستبسلون لنصرة الرحمن وجند الباطل قد ملكهم الغرور فأغراهم أن يغالبوا القدر.

فلا عجب إذا نزلت ملائكة الخير تنفث في قلوب المسلمين روح اليقين.وتحضّهم على الثبات والإقدام.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانه إلى الناس فحرّضهم قائلاً:”والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجلاً فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مُدبر إلا أدخله الله الجنة”.

إن التأميل في الآخرة هو بضاعة الأنبياء،وهل لأصحاب العقائد وفداة الحق من راحة إلا هناك؟

وعمل هذا التحريض عمله في القلوب المؤمنة؟

روى أحمد في مسنده أن المشركين لما دنوا،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض،فقال عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض.قال:نعم. بخ بخ قال رسول الله:وما يحملك على قول بخ بخ؟قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها فقال:فإنك من أهلها.فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن.ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه،إنها حياة طويلة.فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم وهو يقول:

ركضا إلى الله بغير زاد          إلى النقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد      وكل زاد عرضه النفاد

غير التقى والبر والرشاد

فما زال حتى قتل”.

ووهت صفوف المشركين تحت مطارق هذا الإيمان الزاهد في متاع الحياة الدنيا.وراعهم محمد عليه الصلاة والسلام وقد نزل بنفسه إلى الميدان يقاتل أشدّ القتال.ومعه أصحابه يشتدون نحو عدوهم لا يبالون شيئاً فانكسرت قريش وأخذها الفزع.

وصاح النبي عليه الصلاة والسلام وهو يرى كبرياء الكفر تمرغ في التراب:”شاهت الوجوه“[حديث حسن من رواية عبد الله بن ثعلبة].فانهزمت قريش.

ـ في غزوة أحد:

ثبتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد كالجبل الأشمّ،يُدافع ويُجالد جموع المشركين المُحيطين به من كل ناحية،وهو يقول:”إليَّ عباد الله إليَّ عباد الله“.

ففاء إليه الكثيرون ممن أذهلتهم شائعة أنه قُتل،فقعدوا عن القتال،وممن تفرقوا يقاتلون بين الصفوف،حتى تكوّنت ثُلة من أصحابه،فسار بهم حتى وصل إلى الصخرة التي فوق الجبل،وكان أول من عرف رسول الله بعد شائعة قتله كعب بن مالك،فإنه رأى عينيه تزهران من تحت المغفر،فنادى: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله،فأشار إليه الرسول أن أنصت.وكانت تلك حكمة بالغة من الرسول صلى الله عليه وسلم،فإن شائعة قتله كان من شأنها أن يخفف المشركون الوطأة على المسلمين فإذا ما علموا أنه لا يزال حياً عاودوا الكرة،وكرروا محاولة قتله.

ولكن لم يلبث الخبر أن ذاع وانتشر بين المسلمين،فقويت العزائم بعد خَور،وتجمعت الصفوف بعد تفرّق،ثم أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلو الصخرة التي في الشِعب من الجبل فلم يستطع لكثرة مانزف من دمه الزكي،فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ:”أوجب طلحة“،وبصر رسول الله بجماعة من المشركين فيهم خالد بن الوليد على ظهر الجبل،فقال: “لا ينبغي لهم أن يعلونا” ثم أرسل إليهم عمر بن الخطاب في رهط من المهاجرين فقاتلوهم حتى أهبطوهم من الجبل،وهذا يدلّ على أن المسلمين على الرغم ممّا أصابهم من جروح وهزيمة كانوا ولم يزالوا بهم قوة ومنعة.

وثبت حول النبي صلى الله عليه وسلم ثلّة من المهاجرين والأنصار،وفدوه بأنفسهم،قال ابن سعد في الطبقات: إنهم أربعة عشر رجلاً منهم:أبو بكر الصديق،وسبعة من الأنصار.وذكر الواقدي أنه ثبت معه سبعة من المهاجرين هم:أبو بكر،وعلي،وعبد الرحمن بن عوف،وسعد،وطلحة،والزبير،وأبو عبيدة.ومن الأنصار:أبو دجانة،والحباب بن المنذر،وعاصم بن ثابت،والحارث بن الصمة،وسهل بن حنيف،وسعد بن معاذ،وأسيد بن حضير.وذكر البغوي في تفسيره أنه كان ممن ثبت أبو بكر وعمر.

ومن الذين ثبتوا معه أبو دجانة،تترس على الرسول صلى الله عليه وسلم ليحميه من نبال المشركين،فكان النبل يقع على ظهره،ومنهم سعد بن أبي وقاص والذي رمى يومئذ نحو ألف سهم،ومنهم نسيبة أم عمارة الأنصارية،تركت سقاء الجرحى وأخذت تقاتل بالسيف،وترمي بالنبل،دفاعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصابها في عنقها فجرحت جرحاً عميقاً،وكان معها زوجها وابناها،فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم:”بارك الله عليكم أهل بيت:،فقالت له نسيبة:ادع الله أن نرافقك في الجنة،فقال:”اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة“.فقالت رضي الله عنها بعد ذلك:ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا،وقد قال صلى الله عليه وسلم في حقها:”ما التفت يميناً وشمالاً يوم أحد،إلا ورأيتها تقاتل دوني“.وقد جرحت يومئذ اثني عشر جرحا،ما بين طعنة برمح وضربة بسيف.

وقد نال الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الجراح،فقد رماه عتبة بن أبي وقاص فكسر رباعيته اليمنى السفلى،وجرح شفته السفلى،وكان سعد بن أبي وقاص يقول:ما حرصت على قتل أحد قطّ ما حرصت على قتل عتبة ـ يعني أخاه ـ ولقد كفاني فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:”اشتدّ غضب الله على من دَمّى وجه رسول الله”،وقد دعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فما حال عليه الحول حتى مات كافراً،وشجَّ رسول الله في جبهته عبد الله بن شهاب،ورماه ابن قمئة فجرح وجنته ودخلت حلقتان من المغفر فيها،فكان أن سلط الله عليه تيساً فقتله،ذلك أنه لما انصرف إلى مكة خرج إلى غنمه فوافاها على ذروة جبل،فشد عليه تيسها فنطحه نطحة أردته من شاهق الجبل،فتقطع قطعاً.

وكان أبو عامر الفاسق قد حفر حفرة وغطّاها ليقع فيها المسلمون،فوقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة منها،فأخذ علي بن أبي طالب بيده،ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائماً.وأقبل أبي بن أبي خلف،وهو مقنّع في الحديد قائلاً: أين محمد لا نجوتُ إن نجا؟فقال أصحاب النبي:يا رسول الله يعطف عليه رجل منّا،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:دعوه،فلما دنا منه تناول الحربة من الحارث بن الصمة،قال الراوي: فلما أخذها رسول الله انتفضّ انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشَّعراء عن ظهر البعير إذا انتفض،ثم استقبله رسول الله فطعنه طعنة في عنقه طعنة تدحرج منها عن فرسه،وهو يخور خوار الثور،ومات ـ لعنه الله ـ بسَرف(موضع قريب من التنعيم) والمشركون راجعون إلى مكة وبحسبه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:”اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله في سبيل الله“[رواه الشيخان].

وعن عروة بن الزبير أن أبي بن خلف طعنه الرسول صلى الله عليه وسلم بحربته،فوقع إلى الأرض عن فرسه،ولم يخرج من طعنته دم،فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور،فقالوا له:ما أجزعك إنما هو خدش!! فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم”بل أنا أقتل أبيّاً” ثم قال: والذي نفسي بيده،لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون،فمات إلى النار{فسحقاً لأصحاب السعير}[الملك 11].

وعالج أبو عبيدة بن الجراح إخراج حلقتي المغفر من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكره تناولهما بيده فيؤذي الرسول،فأزَم على إحدى الحلقتين بفمه فاستخرجهما،وقد سقطت ثنيته معها،ثم أزم على الأخرى فاستخرجهما فوقعت الثنية الأخرى،فكان أبو عبيدة لذلك من أحسن الناس هَتَماً،ومصّ مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:”من مس دمي دمه لم تصبه النار”.

وأصلح علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزوجه السيدة فاطمة رضي الله عنها من شأن الجروح،فكان علي يسكب الماء بالمجن،وفاطمة بنت الرسول تغسل،فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة،أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها بالجراح،فاستمسك الدم.[صحيح البخاري]

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وقد أصابته الجراح والدم يسيل على وجهه يوم أحد:”كيف يفلح قوم شجّوا نبيهم،وكسروا رباعيته،وهو يدعوهم إلى الله؟،فأنزل الله سبحانه:{ليسَ لكَ من الأمرِ شىءٌ أو يتوبَ عليهم أو يُعذّبهم فإنّهم ظالمون}[آل عمران 128].[أخرجه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

فصبر النبي صلى الله عليه وسلم ورضي.

وقد كان ثبات النبي صلى الله عليه وسلك موقفاً بطولياً فذاً،لا يكون إلا من نبي يُوحى إليه،ولولا هذا الموقف لما تجمع الأبطال حول البطل،ولكانت الهزيمة ساحقة ماحقة(السيرة ـ محمد ابن محمد أبو شهبة).

وبعد غزوة أحد صلى رسول الله بأصحابه الظهر قاعداً لكثرة ما نزف من دمه،وصلى وراءه المسلمون قعوداً.

وتوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله الذي بيده كل شىء بالدعاء والثناء على ما نالهم من الجهد والبلاء،فقال لأصحابه:”استووا حتى أُثني على ربي عز وجل“فصاروا خلفه صفوفاً ثم دعا :

“اللهم لك الحمد كله،اللهم لا قابض لما بسطت،ولا باسط لما قبضت،ولا هادي لمن أضللت،ولا مضل لمن هديت،ولا معطي لما منعت،ولا مانع لما أعطيت،ولا مقرّب لما باعدت،ولا مبعِّد لما قربت.

اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك.

اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ومن شرما منعتنا.

اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا،وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان،واجعلنا من الراشدين.

اللهم توفنا مسلمين،وأحينا مسلمين،وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

اللهم قاتل الكفرة الذين يُكذبون رسلك،ويصدون عن سبيلك،واجعل عليهم رجزك وعذابك.

اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إلهَ الحق“[رواه الإمام أحمد].

ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله في غزوة أحد(مجلة الثقافة العدد 18):

“ثم هو شجاع في كل ما تتطلبه الدعوة،تتوالى عليه الأحداث وهو مُطمئن،ويتفرق عنه أهله فلا يجزع،وتبدو طلائع الهزيمة في وقعة أحد،وتكسررباعيته ويشجّ في وجهه وتكلم شفته ويسيل الدم على خده،وينكشف المسلمون،ويصيب فيهم العدو،ويُقتل عمه حمزة،وهو هو في ثباته،وهو هو في إيمانه،وهو هو في أمله،جميع الفؤاد رابط الجأش”.

ويقول الدكتور العلامة الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(السيرة النبوية ـ دروس وعبر ـ):

“وفي تقدمه الصفوف صلى الله عليه وسلم  في كل معركة وخوضه غمارها معهم إلا فيما يشير به أصحابه،دليل على أن مكان القيادة لا يحتله إلا الشجاع المتثبت،وأن الجبناء خائري القوى لا يصلحون لرئاسة الشعوب،ولا لقيادة الجيوش،ولا لزعامة حركات الإصلاح ودعوات الخير،فشجاعة القائد والداعية بفعله وعمله يفيد في جنوده ,أنصاره في إثارة حماسهم واندفاعهم مالا يفيده ألف خطاب حماسي يلقونه على الجماهير.ومن عادة الجنود والأنصار أنى يستمدوا قوتهم من قوة قائدهم ورائدهم،فإذا جبن في مواقف اللقاء،وضعف في مواطن الشدة،أضر بالقضية التي يحمل لواءها ضرراً بالغاً”.

في غزوة الأحزاب:

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}[الأحزاب21]

“وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد،مثابة الأمان للمسلمين،ومصدر الثقة والرجاء والإطمئنان.وإن دراسة موقفه صلى الله عليه وسلم في هذا الحادث الضخم،لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم،وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر،وتطلب نفسه القدوة الطيبة،ويذكر الله ولا ينساه.

ويحسن أن نلمّ بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال:

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في الخندق مع المسلمين،يضرب بالفأس،ويجرف التراب بالمسحاة،ويحمل التراب في المكتل،ويرفع صوته مع المرتجزين،وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء اعمل فيشاركهم الترجيع.

ثم كانت روحه صلى الله عليه وسلم تستشرف النصر من بعيد،وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول،فيحدث بها المسلمين،ويبث فيهم الثقة واليقين.

قال ابن اسحق: وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال:ضربت في ناحية الخندق،فغلظت عليَّ صخرة،ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني،فلما رآني أضرب،ورأى شدة المكان عليّ نزل فأخذ المعول من يدي،فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة،قال: ثم ضرب به ضربة أخرى،فلمعت تحته برقة أخرى،قال: ثم ضرب به الثالثة،فلمعت تحته برقة أخرى.قال:فقلت:بأبي أنت وأمي يا رسول الله ماهذا الذي رأيت ،لمع المعول وأنت تضرب؟ قال: أو قد رأيت ذلك يا سلمان؟قال: قلت: نعم.قال: أما الأولى فإن الله فتح عليَّ بها اليمن،وأما الثانية فإن الله فتح عليّ بها الشام،والمغرب،وأما الثالثة فإن الله فتح عليَّ بها المشرق”.

أما أخبار شجاعته صلى الله عليه وسلم في الهول،وثباته ويقينه،فهي بارزة في القصة كلها.ولا حاجة بنا إلى نقلها فهي مستفيضة معروفة”.

ـ في غزوة حنين:

كانت غزوة حنين التي اجتمعت فيها قبائل هوازن وثقيف وجُشم وسعد بن بكر،وخرج مالك بن عوف وكان سيد هوازن وكان في الثلاثين من عمره،خرج بقومه،وساق معه النساء والأموال والذرية حتى لا يفر أحد منهم ويترك أهله وماله،وبلغ تعداد جيش المشركين حوالي الثلاثين ألفاً من المقاتلين.ولما سمع أحد شيوخ هوازن وهو دريد بن الصمة وقد تجاوز المائة والستين من عمره،وكان فارساً في شبابه وله دراية في الحروب والقتال،فلما علم بخروج القوم مع الأبناء والنساء والأموال والماشية،أنكر هذا وقال إنه لن ينفع المقاتلين شيئاً،وقال أرسلوه لي،فلما حضر مالك بن عوف قال: يا مالك ما حملك على هذا؟قال: وماذا تريد؟قال: ارجع بنسائك وذراريك إلى عُليا دارك،فإن كان الأمر لك،لحقك من وراءك،وإن كان الأمر عليك لم تفضح أهلك وذراريك.

ولكن مالك بن عوف أصر على رأيه واتبع غروره،وقال له لقد كبرت وذهب علمك وذهب عقلك..

فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال:”تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله“.وقد وقعت الغزوة في الثالث عشر من شهر شوال في السنة الثامنة من الهجرة.وحنين هو واد يقع مابين مكة والطائف.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لملاقاة المشركين في جيش كبير بلغ عده إثنا عشر ألفاً وهو أكبر جيش إسلامي يخرج في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم،وكان عشرة آلاف ممن شاركوا في فتح مكة،وألفان من رجال وشباب قريش الذين أسلموا بعد الفتح.

فلما رأى المسلمون كثرة عددهم اغترّ بعضهم حتى قال قائلهم:”لن نغلب اليوم من قلة”.وهذا الغرور جعلهم يغفلون عن خطط العدو ونواياه،فكان ذلك داعياً إلى هزيمتهم في بدء المعركة.

اصطف الفريقان للنزال،وبدأ القتال،وقرر مالك بن عوف أن يأخذ روح المبادرة،واستعجل بعض الناس مع الرسول صلى الله عليه وسلم من الطلقاء ودخل بعض الشباب المعركة دون أن يكون معهم كامل عدة المحارب،فرشقتهم هوازن بالنبل وكانت هوازن لا يخطىء لها سهم.وقد تحصنت في الجبال،واختبأت في الشعاب،وتحت الأشجار حتى لا يراهم المسلمون عند مجيئهم،فيتقدمون غير متنبهين للخطر،وحينئذ يتم الهجوم عليهم من كل جهة ومن كل مكان.وعندما جاء جيش المسلمين لم يتنبهوا إلى وجود الكفار المختفين عن الأعين،وهجم عليهم الكفارمن كل مكان،

فسرعان ما انهزم  المسلمون وولوا على أدبارهم،وهربوا من المعركة.

وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين،ولم يثبت معه إلا قليل من الآلاف الإثني عشر من المهاجرين ومن أهل بيته.وقيل أنهم تسعة فقط ومنهم العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم وسيدنا علي بن أبي طالب وكان يحمل راية المسلمين،وسيدنا الفضل وكان يقف على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدنا أبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقف على يساره،وكان معهم أيمن بن أم أيمن وعدد من الصحابة.

قال ابن إسحاق:وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين،ثم قال:” أين أيها الناس؟هلموا إليّ،أنا رسول الله،أنا محمد بن عبد الله“.

وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته.

وعن العباس بن عبد المطلب قال:ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من الناس:“أين أيها الناس؟فلم أر الناس يلوون على شىء،فقال:يا عباس،اصرخ،يا معشر الأنصار،يا معشر أصحاب السمرة، يا أهل بيعة الشجرةقالوا: فأجابوا لبيك،لبيك”.

وظهرت شجاعته صلى الله عليه وسلم الفائقة،وعظم ثقته بربه،راكباً على بغلته تجاه العدو وهو يقول:”أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب”.

ولما سمع الصحابة النداء ورأوا كيف اتجه رسول الله صلى الله عليه وسلم باتجاه الأعداء التفوا حوله من جديد،والتحمت كتائب المسلمين بالمشركين ودارت معركة شديدة طاحنة،وأظهر المسلمون الصبر والمجالدة والشجاعة وكيف لا وقائدهم العظيم المثل الأعلى في الرجولة والشجاعة والتضحية والثبات.والرسول صلى الله عليه وسلم يرى كل ذلك وهو يقول لهم:”هذا حين حمي الوطيس“.ثم أخذ قبضة من التراب ورمى بها وجوه الكفار وهو يقول:”شاهت الوجوه” وتولى الكفار مهزومين مدبرين وفي ذلك نزل قوله تعالى:{ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تُغنِ عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين*ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين}[التوبة 25 ـ 26 ].

وانتهت المعركة بمقتلة كبيرة بين المشركين،وممن قتلوا فيها شاعر هوازن دريد بن الصمة،والذي مات كافراً،ورجع المسلمون بالغنائم والسبي والذي كان لا يحصى لوفرته.

يقول الشيخ العلامة محمد متولي الشعراوي رحمه الله في غزوة حنين:”

يقول تعالى:{لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويومَ حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تُغنِ عنكم شيئاً}[التوبة 25]

إن الحقّ سبحانه قد نصركم في مواطن الحرب أي مواقعها،مثل يوم بدر،ويوم الحديبية،ويوم بني النضير،ويوم الأحزاب،ويوم مكة.وكل هذه مواقع نصر من الله للمسلمين،ولكنه في هذه الآية يخص يوماً واحداً بالذكر بعد الكلام عن المواطن الكثيرة،فبعد أن تحدث إجمالاً عن المعارك الكثيرة يقول:{ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم}إذن: فكثرة عدد المؤمنين في يوم حنين كان ظرفاً خاصاً،أما المواطن الأخرى،مثل يوم بدر فقد كانوا قلة،ويوم فتح مكة كانوا كثرة.ولكنهم لم يعجبوا،وبذلك يكون يوم حنين له مزية،فهو يوم خاص بعد الحديث العام.

{ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم} هذا الإعجاب ظرف ممدود على اليوم نفسه،إذن فيوم حنين ليس معطوفاً على{مواطن كثيرة}ولكنه جملة مستقلة بنفسها،لأن الكثرة والإعجاب بالكثرة لم تكن في بقية المواطن،وهذه دقة في الأداء اللغوي تتطلب بحثاً لغوياً.

وهنا نتساءل:لماذا حدثت هذه الهزيمة للمسلمين في بداية المعركة؟

لأنهم عندما خرجوا إلى الحرب قالوا:نحن كثرة لن نهزم من قلة،وبذلك ذهبوا إلى الأسباب وتناسوا المُسبب،فأراد الله أن يعاقبهم عقاباً يخزيهم ويُغلي من قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم،ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدث،قال العباس ـ وكان العباس صاحب صوت عال ـ أذن في الناس.فقال العباس بصوت عال:يا معشر الأنصار يا أهل سورة البقرة،يا أهل بيعة الشجرة.فلما سمع الناس نداء العباس قالوا: لبيك لبيك،وكان الذي يقول لبيك يسمعه من هم وراءه ويقولون مثله،حتى عاد عدد كبير من المؤمنين إلى القتال،وحمى القتال واشتدت الحرب وصار لها أوار،فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم:”الآن حمى الوطيس”،أي اشتدت الحرب،ثم قال عليه الصلاة والسلام:”أنا النبي لا كذب،أنا ابن عبد المطلب”.

ويتابع الشيخ الشعراوي رحمه الله:

“ويروى عن البراء بن عازب رضي الله عنه حديثاً أخرجه الشيخان أن رجلاً قال له:يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر،إن هوازن كانوا قوماً رماة،فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا،فأقبل الناس على الغنائم،فاستقبلونا بالسهام،فانهزم الناس،فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء وهو يقول:”أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب“.أي أنه رسول الله،والله لن يتخلى عنه ولن يخذله.ولم يثبت أمام المؤمنين واحد من هوازن وثقيف،وانتهت المعركة،عن ستة آلاف أسير من النساء،كما غنم المسلمون أموالاً لا حصر لها وعدداً كبيراً من الإبل والبقروالغنم والحمير.وأحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديل بن ورقاء وقال له:أنت أمير على هذا المغنم،اذهب به وأنا سأتبع الهاربين”.

ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم الغنائم،وكاد تقسيم الغنائم أن يحدث فتنة بين المسلمين،لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى الغنائم للمؤلفة قلوبهم،ولسائر العرب ولم يعط منها الأنصار،لقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقارن بين شيئين،بين سبايا هي أيضاُ من متاع الدنيا فيعطي منها المؤلفة قلوبهم وبين حب الله ورسوله فيكون حظ الأنصار منه،فالأنصار الذين آووه صلى الله عليه وسلم في رأيه يستغنون بحبهم لرسول الله وقوة إيمانهم بالله عن مثل هذا المتاع الدنيوي،إلا أنه على الرغم من ذلك شعر بعض من الأنصار بالغُصّة،وتأثر هذا البعض بذلك.

لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شىء،وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة،حتى قال قائلهم:لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه. فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفىء الذي أصبت،قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب،ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شىء.قال:”فأين أنت من ذلك يا سعد؟قال: يا رسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومي وما أنا.قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة.قال: فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة.قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم،فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار قال: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل.ثم قال:”يا معشر الأنصار ما قالةٌ بلغتني عنكم وجدّةٌ وجدتموها في أنفسكم،ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله،وعالةً فأغناكم الله،وأعداءً فألف الله بين قلوبكم”قالوا:بل الله ورسوله أمنُّ وأفضل.قال:”ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟قالوا: وبماذا نُجيبك يا رسول الله ولله ولرسوله المنُّ والفضل؟قال:” أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم،أتيتنا مُكذباً فصدقناك،ومخذولاً فنصرناك،وطريداً فآويناك،وعائلاً فأغنيناك”.

وعندما قال الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم:بل المنّة لله ولرسوله،قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألّفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم،أفلا ترضون يا معشر الانصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير،وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم،فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنتُ امرءاً من الأنصار،ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصارُ شِعباً لسلكتُ شعب الأنصار،اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار”فلما سمعوا هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم بكوا حتى اخضلّت لحاهم وقالوا:رضينا بالله وبرسوله قسماً وحظاً.

يقول الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة في كتابه السيرة النبوية:

“فهل سمعت في باب الإسترضاء أروع من هذه الخطبة البليغة الجامعة بين الحقّ والصراحة،والرقة والإستعطاف؟وهل سمعت في تهدئة النفوس العاتية أو الثائرة مثل هذه الكلمات الرقاق التي تضرب على أوتار القلوب،وتهز المشاعر،وتستولي على الوجدان؟ومن أعجب العجب أنك لا تجد فيها كلمة مداهنة أو مخادعة،أو كلمة مزوّقة دعت إليها المجاملة،أو عدة بالوعود الكاذبة والأماني البراقة،كما يفعل دهاقين السياسة وقواد الحروب،وزعماء الإصلاح ولا سيما في العصر الحديث،ولكنها النبوة التي تسمو عن كل هذا،وتأبى إلا الإذعان للحق والإقرار بالفضل لذويه”.

وبعد أن قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم،جاء وفد هوازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وقد أسلموا،فقالوا:يا رسول الله إنَّ أصل وعشيرة،وقد أصابنا من البلاء ما لايخفى عليك فامنن علينا منَّ الله عليك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟قالوا:يا رسول الله خيّرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا بل تردُّ علينا نساؤنا وأبناؤنا فهو أحبّ إلينا.فقال لهم:أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فإذا صليت للناس الظهر فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم.

فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم.قال المهاجرون:وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم،وقالت الأنصار:وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.قال الأقرع بن حابس:أما أنا وبنو تميم فلا.وقال عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر:أما أنا وبنو فزارة فلا.قال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا.قالت بنو سليم:لا،ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.فقال عباس بن مرداس:يا بني سليم وهنتموني.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول شىء نصيبه،فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم..انتهى كلام الشيخ الشعراوي رحمه الله.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في الشجاعة والتضحية في جميع غزواته وحروبه :

ـ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:لقد رأيتنا يومَ بدرٍ ونحنُ نلوذُ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشدِّ الناسِ يومئذٍ بأساً[مسند الإمام أحمد وهو حديث صحيح].

وفي رواية:عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه :”كنّا إذا احمرَّ البأس،ولقي القومُ القومَ،اتّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم،فما يكونُ منّا أحدٌ أدنا من  القوم منه”[أخرجه الإمام أحمد في مسنده وهو صحيح الإسناد].

وقال البراء بن عازب رضي الله عنه:”كنا،والله إذا احمر البأس نتقي به،وإن الشجاع منا للذي يحاذى به ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم[أخرجه مسلم]

وروى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس،وأشجع الناس،ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة،فانطلق الناس قبل الصوت،فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم ـ وقد سبق الناس إلى الصوت ـ وهو يقول:”لن تراعوا،لن تراعوا” وهو على فرسٍ لأبي طلحة عريٍ ما عليه سرجٌ،وفي عنقه سيف،فقال :”لقد وجدته بحراً”(أي وجدت الفرس سريعاً سباقاً).

وهناك بعض المواقف الفردية من رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه بعض رؤوس الكفر والفساد:

موقفه من كعب بن الأشرف: ـ 1

كان كعب بن الأشرف شديد العداوة للإسلام ورسوله،ولما هزم المشركون ببدر قال:لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها،ثم خرج إلى مكة يندب من مات،ويحرض على رسول الله والمسلمين،ولما عاد إلى المدينة صار يُشبّب بنساء المسلمين،ويقذع في هجاء النبي وأصحابه،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من لكعب بن الأشرف،فإنه آذى الله ورسوله؟فقال محمد بن مسلمة الأنصاري الأوسي:أنا،وقال ائذن لي أن أقول شيئاً فيك،فقال له النبي: “قل”.

وانضم إليه نفر من قومه،منهم:أبو نائلة وكان أخا كعب من الرضاع،وعبّاد بن بشر بن وقش،والحارث بن أوس،فاجتمعوا فيما بينهم كي يُحكموا الخطة لإغتيال عدو الله كعب،فخرج حتى أتى كعباً،فوقع في الرسول حتى ركن إليه كعب،واستسلفه وسقاً أو وسقين،فقال: نعم ولكن ارهنوني قال: أي شىء تريد؟قال: نساءكم!! قالوا:وكيف وأنت أجمل العرب؟قال: فارهنوني أبناءكم!! قالوا: كيف نرهن أبناءنا،فتكون مسبة وعاراً علينا،ولكن نرهن السلاح فواعده أن يأتيه ليلاً بالسلاح.

فخرج محمد بن مسلمة ومعه أبو نائلة وصحبه وكلهم من الأوس حتى أتوه،فناداه محمد بن مسلمة وأبو نائلة،فأراد أن ينزل فقالت له امرأته:أين تخرج الساعة؟إني أسمع صوتاً يقطر منه الدم؟فقال لها:إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة،إن الكريم لو دُعي إلى طعنة بلل لأجاب،ثم قال محمد:إذا جاء فسآخذ بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت منه فاضربوه،فنزل كعب إليهم متوشحاً سيفه،وهو ينفح منه ريح المسك،فقال له محمد:ما رأيت كاليوم ريحاً أطيب ،اتأذن لي أن أشمّ رأسك؟قال: نعم،فشمه ـ وكذلك فعل أبو نائلة ـ فلما استمكن منه قال: دونكم فاقتلوه ففعلوا.

ثم أتوا النبي فأخبروه.[صحيح البخاري].

وبذلك أراحوا المسلمين من هذا الشر المستطير.

 ـ موقفه من سلام بن أبي الحُقيق:2

كان رافع سلّام بن أبي الحقيق فيمن حزّب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم،وكان شديد الإيذاء له وللمسلمين.وكان تاجراً مشهوراً بأرض الحجاز،وقد اتخذ من ثرائه وسيلة لمحاربة الدعوة الإسلامية،وكان مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن هذين الحيّين من الأوس والخزرج كانا يتسابقان في سبيل إرضاء الرسول وخدمة الإسلام،لا تصنع الأوس شيئاً إلا وقالت الخزرج:والله لا يذهبون بهذا الفضل،فلا ينتهون حتى يفعلوا مثله أو أكثر منه،وإذا فعلت الخزرج شيئاً قالت الأوس مثل ذلك.

وكان الأوس قد قتلوا كعب بن الأشرف فقال الخزرج:والله لا يذهبون بهذا الفضل علينا،فتذاكروا مَنْ رجل في عداوة رسول الله كإبن الأشرف؟فذكروا ابن أبي الحقيق،وكان بقصره بخيبر،فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم،فخرج من الخزرج خمسة نفر وهم:عبد الله بن عتيك،ومسعود بن سنان الأسلمي،وعبد الله بن أنيس الجهني حليف الأنصار،وأبو قتادة الأنصاري،وخزاعي بن أسود،وأمّر عليهم رسول الله عبد الله بن عتيك،وأوصاهم أن لا يقتلوا وليداً ولا امرأة.

فلما وصلوا إلى خيبر قال لهم عبد الله:مكانكم،وانطلق إلى الباب،وتحايل على البواب حتى دخل،ثم توجه إلى بيت أبي رافع،وصار يفتح الأبواب التي توصل إليه،وكلما فتح باباً أغلقه من داخل حتى انتهى إليه،فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله فلم يمكنه تمييزه،فنادى يا أبا رافع،فقال: من؟ فأهوى بالسيف نحو الصوت فلم يُغن شيئاً،فعاد عبد الله يناديه وفي كل مرة يغيّر صوته،حتى استمكن منه وقتله دون أن يؤذي أحداً من ولده وزوجه.

ثم خرج من البيت وكان نظره ضعيفاً فوقع من فوق السلم فانخلعت رجله،فعصبها بعمامته،وصار يتحامل على نفسه حتى وصل إلى أصحابه فأخبرهم،فقالوا: النجاة النجاة،حتى انتهوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم،فلما رآهم قال: “أفلحت الوجوه”وحدّثوه بما كان،ثم قال لعبد الله”ابسط رجلك” فمسحها عليه الصلاة والسلام فكأنه لم يشتكها قط[صحيح البخاري].(السيرة النبوية لمحمد بن محمد أبو شهبة).

2ـ مواقفه البطولية والشجاعة في الحياة اليومية:

موقفه من عمر الفاروق عند إسلامه:

أخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب،فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب فرآه متوشحاً بالسيف،فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع،فقال: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحاً بالسيف.

فقال حمزة بن عبد المطلب:نأذن له..فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له،وإن كان يريد شراً قتلناه بسيفه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:ائذن له.فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه بالحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه،ثم جبذه جبذة شديدة،وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب؟فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة.فقال عمر:يا رسول الله،جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله.

قال: فكّبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحابه أن عمر قد أسلم.

يقول الكاتب العظيم عباس محمود العقاد رحمه الله(عبقرية الرسول):

“هذه قصة إسلام عمر بن الخطاب،وهذا موضع ما فيها من الوعيد والإغراء…خرج بالسيف ليقتل محمداً ولم يخرج عليه أحد من المسلمين بسيف،وقرأ صدراً من سورة طه ليس فيه ذكر للخمر والنعيم،فلا جبن إذاً ولا طمع في إسلام عمر بن الخطاب،بل رحمة وإنابة واعتذار”.

ـ موقفه من ركانة:

كان رُكانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف  من مشركي قريش،وكان قوي البنية،لم يتمكن أحد من طرحه على الأرض،وكان يرى في جسده وقوته رأس ماله وثروته.

فخلا يوماً برسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة،فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا ركانة،ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟قال: إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق؟قال:نعم،قال: فقم حتى أصارعك فقام ركانة إليه فصارعه،فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم،أضجعه وهو لا يملك من نفسه شيئاً،ثم قال: عُدْ يا محمد،فعاد،فصرعه،ثم قال:يا محمد،والله إن هذا للعجب،أتصرعني؟قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمري!

قال: وماهو؟قال: أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني.قال: ادعها،فدعاها،فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقال لها: ارجعي إلى مكانك،فرجعت إلى مكانها فذهب ركانة إلى قومه فقال: يا بني عبد مناف:ساحِروا بصاحبكم أهل الأرض،فوالله ما رأيت أسحر منه قط،ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع”.[سيرة ابن هشام]

موقفه من أبي جهل:

يروى أن رجلاً من غير قريش(من قبيلة أراش) قدم بإبل له إلى مكة،فابتاعها منه أبو جهل،فمطله بأثمانها ،فجاء الرجل إلى قريش  وهم في ناديهم،ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المجلس جالس،يستعين بهم على أبي جهل ليؤديه دينه الذي يماطل فيه عن غنى ـ ومطل الغني ظلم ـ فقالوا له متهكمين:أترى ذلك الرجل الجالس،وهم يهزؤون به لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة،إذهب إليه فإنه يؤديك عليه. فأقبل الأراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عبد الله،إن الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قِبله،وأنا  غريب ابن سبيل،وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه يأخذ لي حقي منه فأشاروا لي إليك،فخذ لي حقي منه يرحمك الله.قال:انطلق إليه،فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم،فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم:اتبعه،انظر ماذا يصنع.وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه،فقال: من هذا؟ فقال: محمد فاخرج لي.فخرج إليه وما في وجهه من رائحة(أي بقية روح) قد انتقع لونه،فقال: أعطِ هذا الرجل حقه.فقال: نعم لا تبرح حتى أعطيه الذي له،فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه،ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم،وقال للأراشي: إلحق بشأنك.فأقبل الأراشي حتى وقف على ذلك المجلس،فقال:جزاه الله خيراً فقد والله أخذ لي حقي.وجاء الرجل الذي بعثوا معه،فقالوا: ويحك ماذا رأيت؟قال: عجباً من العجب،والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه فقال له:أعط هذا حقه،فقال:نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه،فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه.

ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء،فقالوا:ويلك! مالك؟والله ما رأينا مثل ما صنعت قط،قال: ويحكم!والله ما هو إلا أن ضرب على بابي وسمعت صوته فملئت منه رعباً،ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلاً من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرَته(أي رأسه وعنقه) ولا أنيابه لفحل قط والله لو أبيت لأكلني”.[مشاهد من السيرة لإبن هشام الحميري ـ نقلاً عن رسائل مسجد الجامعة في دمشق الجزء الثاني).

ويقول  الشيخ العلامة محمد أبو زهرة رحمه الله(مجلة لواء الإسلام العدد7):

ولقد كان لمحمد صلى الله عليه وسلم قوة نفس،وهيبة إنسانية تبدو في مواطنها،ومنها ما ذكره عمرو بن العاص رضي الله عنه،فقد روي عنه   أنه قال:”اجتمع أشراف قريش يوماً بالحِجر،فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقالوا:ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قطّ،سفّه أحلامنا،وشتم آباءنا،وعاب ديننا،وفرّق جماعتنا،وسبَّ آلهتنا،لقد صبرنا منه على أمر عظيم،فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن،ثم مر بهم طائفاً بالبيت،فلما مر بهم غمزوه ببعض القول،فعرفتُ ذلك في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مضى،فلما مرّ بهم الثانية غمزوه مثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه في وجهه، فوقف وقال:” أتسمعون يا معشر قريش! أما والذي نفسي بيده،لقد جتكم بالذبح!” فأخذت القوم كلمته،حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طير واقف،وحتى إن أشدّهم فيه مقالة ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول وحتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشداً فوالله ما كنت جهولاً”.

3 ـ في الشرائع والأحكام:

ـ أمر الصحابة بالحلق والإحلال من الإحرام في صلح الحديبية.

جاء في السيرة النبوية:”لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من كتابة العهد في صلح الحديبية قال لأصحابه:”قوموا فانحروا ثم احلقوا” ـ ثلاث مرات ـ فما قام منهم أحد،فقد أذهلهم ما هم فيه من الغم،والحزن عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم،فدخل رسول الله على زوجه أم سلمة وكانت خرجت القرعة عليها في سفر رسول الله هذا،فذكر لها ما وجد من الناس،فقالت ـ وكانت عاقلة حازمة ـ يا نبيّ الله ،اخرج،ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدنك،وتدعو حالقك فيحلقك.

فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك،فلما رأوا ما فعل الرسول قاموا فنحروا،وحلق بعضهم وقصّر آخرون،فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:”يرحم الله المحلّقين” قالوا:”والمقصرين يا رسول الله،قال: يرحم الله المحلقين” قالوا:”والمقصرين” قال يرحم الله المحلقين،قالوا والمقصرين،قال:”والمقصرين” قالوا: يا رسول الله لم ظاهرت ـ كررت ـ الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟قال:”لأنهم لم يشكُّوا”.

ـ موقفه من بلال الحبشي وأبو ذر الغفاري:

يقول الأستاذ مصطفى الزرقا رحمه الله:

“إن من تأمل في حادثة بلال الحبشي مع أبي ذر الغفاري،إذ تنازع مع بلال فعيّره بقوله:”يا ابن السوداء”،فلما شكاه بلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب وقال له:”أعيّرته سواد أمه،إنك امرؤ فيك جاهلية”،فوضع أبو ذر خده على الأرض،وأقسم أن لا يرفعه حتى يطأ بلال برجله على خده الآخر،وبذلك اقتلع أبو ذر رضي الله عنه حد من الجاهلية الذميمة من فؤاده،يكفيه ذلك دليلاً على أن تلك الفعالية الخارقة في صدر الإسلام قد كانت ثمرة صحيحة لذلك الإنقلاب والتكوين النفسي الذي بعثه الإسلام الفطري في نفوس العرب قبل أن تشوبه الشوائب ،وهذا مثل من أمثلة كثيرة متنوعة،بعد أن كان الرجل العربي لا يخضع إلا لهواه،ولا يعرف إلا أنانيته الفردية،وبعد أن كانت تبيد العشيرة العشيرة من أجل جريرة جرّها سفيه فيها”.

ـ تخفيف فرض الصلاة من خمسين إلى خمسة في اليوم:

جاء في حادثة الإسراء والمعراج:

“ثم فرضت عليّ الصلوات خمسين صلاة كل يوم،فرجعت،فمررت على موسى،فقال:بم أمرت؟قال:أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم،وإني قد جربت الناس قبلك،وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة،فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك،فرجعت فوضع عني عشراً.فرجعت إلى موسى فقال مثله،فرجعت فوضع عني عشراً،فرجعت إلى موسى فقال مثله،فرجعت فوضع عني عشراً،فرجعت إلى موسى فقال مثله،فرجعت فأُمرت بخمس صلوات كل يوم،فرجعت إلى موسى،فقال: بم أُمرت؟قال: بخمس صلوات كل يوم،قال :إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم،وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيلأشد المعالجة،فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك،قال: سألت ربي حتى استحييت،ولكن أرضى وأُسلّم،قال: فلما جاوزت ناداني منادٍ:أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي.

4 ـ في الحدود:

روى البخاري في صحيحه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال:”بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة،قال: فصبّحنا القوم فهزمناهم،وقال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم،قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله،قال: فكفّ عنه الأنصاري،فطعنته برمحي حتى قتلته،قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم،قال لي: يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟قال: قلت: يا رسول الله،إنما كان متعوذاً،قال: فقال: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟قال: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.وفي رواية لمسلم :قال أسامة رضي الله عنه قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح، قال:أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا،فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.وفي رواية ذكرها ابن القيم في زاد الميعاد:أفلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟وفي رواية لأبي داود وصححها اللباني:قال:أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟.

.وهذا يدل على عظم كلمة التوحيد،وأن الرجل مادام أظهر كلمة الإسلام فهو معصوم الدم.

وقد حدث مثل ذلك من المقداد وغيره من الصحابة متأولين،فأنزل الله هذا التأديب الإلهي في ؤقوله:{يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيَّنوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السَّلمَ لستَ مؤمناً تبتغون عَرَضَ الحياة الدنيا فعندَ الله مغانمُ كثيرةٌ كذلك كنتم من قبلُ فمنَّ الله عليكم فتبيّنوا إنّ الله كان بما تعملون خبيراً}[النساء 94].

ـ حادثة المرأة المخزومية:

جاء في الحديث الشريف:أنَّ قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت،فقالوا:ومن يُكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟فقالوا:ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد،حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلّمه أسامة،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أتشفعُ في حدٍ من حدود الله،ثم قام فاختطب،ثم قال:”إنّما أهلكَ الذين قبلكم،أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه،وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ،وأيمُ الله لو أنّ فاطمة بنتَ محمد سرقت لقطعت يدها“[أخرجه البخاري عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها].

نعم لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخشى في الحق لومة لائم،ولم يكن يجامل أحداً في شريعة الله وحدود الله،ولم يكن يميز بين الناس في معاملته،فهم جميعاً سواسية في أمور الشرائع والأحكام.

يقول الدكتور العلامة الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(كتاب السيرة النبوية ـ دروس وعبر):

“إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان،فهي تحكي لنا سيرة محمد صلى الله عليه وسلم الشاب الأمين المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة،كما تحكي لنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الداعية إلى الله المتلمس أجدى الوسائل لقبول دعوته،الباذل منتهى طاقته وجهده في إبلاغ رسالته،كما تحكي لنا سيرته كرئيس دولة يضع لدولته أقوم النظم وأصحّها،ويحميها بيقظته وإخلاصه وصدقه بما يكفل لها النجاح،كما تحكي لنا سيرة الرسول الزوج والأب في حنو العاطفة،وحسن المعاملة،والتمييز الواضح بين الحقوق والواجبات لكل من الزوج والزوجة والأولاد،كما تحكي لنا سيرة الرسول المربي المرشد الذي يشرف على تربية أصحابه تربية مثالية ينقل فيها من روحه إلى أرواحهم،ومن نفسه إلى نفوسهم،ما يجعلهم يحاولون الاقتداء به في دقيق الأمور وكبيرها،كما تحكي لنا سيرة الرسول الصديق الذي يقوم بواجبات الصحبة.ويفي بالتزاماتها وآدابها،مما يجعل أصحابه يحبونه كحبهم لأنفسهم وأكثر من حبهم لأهليهم وأقربائهم،وسيرته تحكي لنا سيرة المحارب الشجاع،والقائد المنتصر،والسياسي الناجح،والجار الأمين،والمعاهد الصادق”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(دراسات إسلاميةـ محطم الطواغيت):

“لقد عاش محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يحطم الطواغيت،الطواغيت كلها،سواء كانت في عالم الضمير أم في عالم الواقع،ولم تعرف البشرية في تاريخها الطويل رجلاً آخر غير محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حطم من الطواغيت قدر ما حطم هذا الرجل،وفي فترة من الزمان قصيرة شديدة القصر…مما يقطع بأن هنالك قوة أكبر من طاقة البشر كانت تؤيد هذا الرجل،وأنه كان يستمد من هذه القوة،وكان على اتصال بها وثيق.

لقد كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ثورة تحريرية كاملة للإنسانية،ثورة شملت كل جوانب الحياة الإنسانية،وحطمت الطواغيت على اختلاف أسمائها في هذه الجوانب جميعاً.

كانت ثورة على طاغوت الشرك بالله في عالم العقيدة،نزَّهت الذات الإلهية تنزيهاً مطلقاً في عالم التصور،نزّهتهُ عن أن يكون له شركاء.وطاغوت الشرك بالله ـ على نحو من الأنحاء ـ طاغوت ضخم،عميق الجذورفي مسارب الشعور الإنساني.وما تزال البشرية تعاني منه بعد كل رسالات التوحيد السماوية،وبعد كل كفاح الرسل،وبعد كل شروح الفاهمين لتلك الديانات.

وكانت ثورة على طاغوت التعصب:التعصب في كل صوره وألوانه،وفي مقدمتها التعصب الديني.

كانت ثورة على طاغوت التعصب ضد الجنس واللون،فأعلنت وحدة الأصل الإنساني،ووحدة النوع الإنساني،وحطمت طاغوت العنصرية البغيضة،وقررت أن هنالك مقياساً واحداً للأفضلية،لا يرجع إلى لون البشرة،ولا إلى أصل المولد،ولا إلى نوع اللغة،إنما يرجع إلى تقوى الله وطاعته،والعمل الصالح في عباده،وهي أمور شخصية بحتة،لا علاقة لها بالأجناس والألوان.

وكانت ثورة على طاغوت التعصب الديني،وذلك منذ إعلان حرية الاعتقاد في صورتها الكبرى:{لا إكراه في الدين قد تبين الرُّشدُ من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها}]البقرة 256].

لقد تحطم طاغوت التعصب الديني،لتحل محله السماحة المطلقة،بل لتصبح حماية حرية العقيدة وحرية العبادة واجباً مفروضاً على المسلم لأصحاب الديانات الأخرى في الوطن الإسلامي.

لا بل بلغت السماحة حد توفير الحماية والأمن للمشرك،الذي لا يدين بدين سماوي،مادام ضعيفاً لا يقدر على إيذاء المسلمين وفتنتهم عن دينهم.ذلك تقديراً لعذره،وعذره جهله:{وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون}[التوبة 6].

وكانت ثورة على طاغوت التفرقة الاجتماعية والنظام الطبقي.وكل شىء كان يهون على سادة قريش إلا تحطيم الفخر بالأنساب،والإعتزاز بالآباء والأجداد،وما كان يخفى على ذكاء هؤلاء السادة ما في عقائدهم من سخف،وما في أصنامهم من سذاجة،وما كان يخفى عليهم أن ما يدعوهم إليه محمد خير بما لا يقاس مما هم عليه من عقيدة.ولكنهم كانوا يدفعونها بكل ما يملكون من قوة…لماذا؟لأن ما يدعوهم إليه هو تحطيم سيادتهم وفوارقهم واعتزازهم بأنسابهم،ومقوماتهم الموروثة التي تمثل الطبقية بأعنف معانيها.

وكانت ثورة على طاغوت الظلم والبغي والطغيان.ثورة جردت الحكام والسلاطين من كل امتياز،ومن كل سلطان،لأنها ردّت الأمر كله لله في التشريع،وردّت الأمر كله إلى الامة في اختيار من يقوم على تنفيذ التشريع.

وبذلك يقف النظام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فريداً بين جميع أنواع النظم التي عرفتها البشرية قديماً وحديثاً.

يقف فريداً في تحقيق المساواة المطلقة في نظام الحكم،وفي تحطيم كل ظل لطاغوت السلطان الفردي،أو السلطان الطبقي في عالم التشريع.

وكانت ثورة على طاغوت الرق.ثورة رفعت الرقيق من مرتبة الشىء أو مرتبة الحيوان،إلى مرتبة الإنسان.

وكانت ثورة على طاغوت”الرجل”.أجل،طاغوت الرجل وطغيانه على المرأة!ثورة قررت للمرأة حقوقها الإنسانية في صورة شريعة لا رجعية فيها ولا نكسة.

لقد عاش محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلامه يحطم الطواغيت:الطواغيت كلها،سواء كانت في عالم الضمير أم عالم الواقع،ولم تعرف البشرية في تاريخها الطويل،رجلاً آخر غير محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حطم من الطواغيت قدر ما حطم هذا الرجل،وفي فترة من الزمان قصيرة،شديدة القصر”.انتهى كلام الشهيد سيد قطب.

وبعد،فأين أنا من جنابك العالي يا سيدي وحبيبي يا رسول الله،وكيف أكتب عنك والقلب قد ملأه حبّ الدنيا والغرور بزخارفها،والعين قد زاغت وأسكرتها المعاصي وأثقلتها.والجوانح قد أسرفت ولم ترتدع عن غيّها وضلالتها.

وبعد،فمعذرة اليراع يا حبيبي يا رسول الله،فإنها كلمات نُقشت بدمع الوداد،وكُتبت بدم الفؤاد،عن خير الخلق وأكرم وأرحم وأعظم العباد،محمد صلى الله عليه وسلم،يُسجلها عبد فقير يبتغي رحمة ربّه،وشفاعة نبيّه،وإني أعتذر عن تقصيري في إيفاء هذا الموضوع حقه.

أبا الزهراء قد جاوزتُ قدري        بمدحكَ بيدَ أنَّ لي انتسابا

فما عرفَ البلاغةَ ذو بيانٍ           إذا لم يتخذكَ لهُ كتابا

سألتُ الله في أبناءِ ديني          فإن تكن الوسيلةَ لي أجابا

وما للمسلمينَ سواكَ حصنٌ      إذا ما الضرُّ مسّهمُ ونابا

كل ما أرجوه من الله عزوجل أن ينعم عليّ بالإخلاص لوجهه الكريم،وأن يُطهر قلبي من الدوافع والأغراض،وأن يتجاوز بالصفح عما أكون قد وقعت فيه من زلات وأخطاء.

اللهم انفع بما كتبت،ولا تحرمني الأجر على ما سطرت، فوالله ما أردت إلا وجهك الكريم،وما أردت إلا رضاك يا أرحم الراحمين،ومحبة نبيك الرسول العظيم،اللهم اجعله لي شفيعاً يوم الدين.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد،كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.