المدائح النبوية

من شوارد الشواهد في المديحِ النبوي

أحمد شوقي في قصيدة“نهج البردة“:

ريمٌ على القاعِ بينَ البانِ والعَلَمِ

أحلَّ سفكَ دمي في الأشهرِ الحُرُمِ

رمى القضاءُ بعيني جُؤذر أسداً

يا ساكنَ القاعِ أدرِك ساكِنَ الأجمِ

لمّا رنا حدَّثتني النفسُ قائلةً

يا ويحَ جنبكَ بالسَهمِ المُصيبِ رُمي

جَحدتها وكتمتُ السهمَ في كبدي

جُرْحُ الأحبّةِ عندي غيرُ ذي ألمِ

رُزِقتَ اسمحَ ما في الناسِ من خُلق

إذا رُزِقتَ التماسَ العُذرِ في الشِيَمِ

يا لائمي في هواهُ والهوى قَدرٌ

لو شَفَّكَ الوجدُ لم تعذِلْ ولم تَلمِ

لقد أنلتُكَ أُذناً غيرَ واعيةٍ

ورُبَّ مُنتَصِتٍ والقلبُ في صَممِ

يا ناعسَ الطرفِ لا ذُقتَ الهوى أبداً

أسهرتَ مُضناكَ في حفظِ الهوى فَنَمِ

أفديكَ إلفاً ولا آلو الخيالَ فِدىً

أغراكَ بالبُخلِ من أغراهُ بالكرمِ

سرى فصادفَ جُرحاً دامياً فأسا

ورُبَّ فضلٍ على العُشاقِ للِحُلمِ

مَن الموائسُ باناً بالرُبى وقنا

اللاعباتُ بروحي السافحاتُ دمي

السافراتُ كأمثالِ البدورِ ضُحىً

يُغِرنَ شمسَ الضحى بالحَلي والعِصمِ

القاتلاتُ بأجفانِ بها سَقمٌ

وللِمنيّةِ أسبابٌ من السَّقمِ

العاثراتُ بألبابِ الرجالِ وما

أقلِنَ من عثراتِ الدَلِّ في الرَسمِ

المُضرماتُ خُدوداً أسفرتْ وجَلَتْ

عن فِتنةٍ تُسلِمُ الأكبادَ للِضَرمِ

الحاملاتُ لِواءَ الحُسنِ مُختلفاً

أشكالهُ وهوَ فردٌ غيرُ منقسمِ

من كُلِّ بيضاء أو سمراء زُيِّنتا

للعينِ والحُسنُ في الآرامِ كالعُصُمِ

يُرَعنَ للبصرِ السامي ومن عَجبٍ

إذا أشرنَ أسرنَ الليثَ بالغَنَمِ

وضعتُ خدّي وقسَّمتُ الفؤادَ رُبيّ

يرتعنَ في كُنس منهُ وفي أكَمِ

يا بنتَ ذي اللبَدِ المُحَمّى جانبهُ

ألقاكِ في الغابِ أم ألقاكِ في الأطمِ

ما كنتُ أعلمُ حتى عنَّ مَسكَنُهُ

أنَّ المُنى والمنايا مَضرِبُ الخِيَمِ

من أنبتَ الغُصنَ من صمصامةِ ذكر

وأخرجَ الريمَ من ضِرغامةٍ قرِمِ

بيني وبينكَ من سُمرِ القنا حُجُبٌ

ومثلها عِفَّةٌ عُذريّةُ العِصَمِ

لم أغشَ مغناكِ إلا في غضون كِرىً

مغناكَ أبعدُ للمُشتاقِ من إرَمِ

يا نفسُ دُنياكِ تُخفي كُلَّ مُبكيَةٍ

وإن بدا لكِ منها حُسنُ مُبتَسَمِ

فضّي بتقواكِ فاهاً كُلّما ضحكت

كما يفضُّ أذى الرَقشاءِ بالثرَمِ

مخطوبةٌ مُنذُ كانَ الناسُ خاطبةٌ

من أوّلِ الدهرِ لم تُرمل ولم تَنمِ

يفنى الزمانُ ويبقى من إساءتها

جُرحٌ بآدمَ يبكي منهُ في الأدَمِ

لا تحفلي بِجناها أو جنايتها

الموتُ بالزهرِ مثلُ الموتِ بالفَحَمِ

كم نائمٍ لا يراها وهي ساهِرةٌ

لولا الأماني والأحلامُ لم ينَمِ

طوراً تَمُدُّكَ في نُعمى وعافيةٍ

وتارةً في قرارِ البؤسِ والوَصَمِ

كم ضَلَلتكَ ومن تُحجب بصيرتهُ

إن يلقَ صابا يَرِد أو علقماً يَسُمُ

يا ويلتاهُ لنفسي راعها وَدَها

مُسودَّةُ الصُحفِ في مُبيضَّةِ اللِمَمِ

ركضتها في مريع المعصياتِ وما

أخذتُ من حِميّة الطاعاتِ للِتُخَمِ

هامتْ على أثرِ اللذاتِ تطلبها

والنفسُ إن يَدعها داعي الصِّبا تَهِمِ

صلاحُ أمرِكَ للأخلاقِ مَرجِعُهُ

فَقوِّمِ النفسَ بالأخلاقِ تَستَقمِ

والنفسُ من خَيرها في خيرِ عافيةٍ

والنفسُ من شَرِّها في مرتع وخِمِ

تَطغى إذا مُكِّنت من لذةٍ وهوىً

طغي الجيادِ إذا عَضَّت على الشُكمِ

إن جَلَّ ذنبي عن الغفران لي أملٌ

في الله يجعلني في خيرِ مُعتَصمِ

أُلقي رجائي إذا عَزَّ المُجيرُ على

مُفرِّجِ الكربِ في الدارينِ والغَمَمِ

إذا خفضتُ جناحَ الذُلِّ أسألهُ

عِزَّ الشفاعة، لم أسأل سِوى أمَمِ

وإن تَقدَّمَ ذو تقوى بصالحةٍ

قدَّمتُ بين يديهِ عَبرَةَ الندمِ

لزِمتُ بابَ أمير الأنبياءِ، ومنْ

يُمسك بمفتاحِ بابِ الله يغتنِمِ

فكلُّ فضلٍ، وإحسانٍ، وعارفةٍ

ما بينَ مُستَلِمٍ منه ومُلتَزِمِ

عَلقتُ من مدحهِ حبلاً أعزُّ بهِ

في يومٍ لا عِزَّ بالأنسابِ واللُّحَمِ

يُزري قريضي زهيراً حينَ أمدَحهُ

ولا يُقاسُ إلى جودي لدى هَرِمِ

مُحَمّدٌ صفوةُ الباري، ورحمتهُ

وبُغية الله من خَلقٍ ومن نَسَمِ

وصاحبُ الحوض يوم الرُسلُ سائلةٌ

متى الورودُ؟ وجبريلُ الأمينُ ظمي

سَناؤُهُ وسَناهُ الشمسُ طالعة

فالجرمُ في فلكٍ ،والضوءُ في عَلَمِ

قد أخطأ النجمَ ما نالت أُبُوَّتهُ

من سُؤدُدٍ باذخِ في مظهرٍ سَنِمِ

نُمُوا إليهِ، فزادوا في الورى شَرفاً

ورُبَّ أصلٍ لِفرع في الفخارِ نُمي

حواهُ في سُبُحاتِ الطهرِ قبلهُمُ

نوران قاما مقامَ الصُلبِ والرَحمِ

لمّا رآهُ بَحيرا قالَ :نَعرفهُ

بما حفظنا من الأسماءِ والسِيَمِ

سائل حِراء، وروحَ القدس هل عَلما

مَصونَ سِرٍّ عن الإدراكِ مُنكَتِمِ

كم جيئةٍ وذهابٍ شُرِّفت بهما

بطحاءُ مَكة في الإصباحِ والغَسَمِ

وَوحشةٍ لإبن عبد الله بينهما

أشهى من الأنس بالأحسابِ والحَشَمِ

يُسامرُ الوحيَ فيها قبلَ مهبطِهِ

ومن يُبشِّر بسيمى الخيرِ يَتَسِمِ

لمّا دعا الصَحبُ يستسقونَ من ظمأٍ

فاضت يداهُ من التسنيمِ بالسَنَمِ

وظلَلتهُ فصارت تَستظِلُّ بهِ

غمامةٌ جَذبتها خيرةُ الدِيَمِ

مَحبَّةٌ لرسول الله أُشربَها

قعائدُ الدَيرِ، والرُهبانُ في القِمَمِ

إنّ الشمائلَ إن رَقت يكادُ بها

يُغرى الجَمادُ ،ويُغرى كلُّ ذي نَسَمِ

ونوديَ: اقرأ تعالى الله قائلُها

لم تتصِل قبلَ من قيلت لهُ بفَمِ

هُناكَ أذّنَ للرحمن، فامتلأت

أسماعُ مكّة من قدسيّةِ النَغَمِ

فلا تسل عن قُريش كيفَ حَيرتُها؟

وكيفَ نُفرتُها في السَهلِ والعَلَمِ

تساءلوا عن عظيم قد ألمَّ بهم

رمى المشايخَ والوِلدان بالَلمَمِ

يا جاهلينَ على الهادي ودعوتهِ

هل تجهلونَ مكانَ الصادق العَلمِ؟

لقبتموهُ أمينَ القومِ في صِغرٍ

وما الأمينُ على قولٍ بِمُتَهمِ

فاقَ البدورَ ،وفاقَ الأنبياءَ فكم

بالخُلق والخَلقِ من حُسن ومن عِظَمِ

جاء النبيونَ بالآياتِ ،فانصرمت

وجئتنا بحكيمٍ غيرِ مُنصرمِ

آياتهُ كُلّما طالَ المَدى جُدُدٌ

يَزينُهنَّ جلالُ العِتقِ والقِدَمِ

يكادُ في لفظةٍ منهُ مُشَرَّفةٍ

يا أفصحَ الناطقين الضادَ قاطبةً

يُوصيكَ بالحقِّ والتقوى وبالرَحمِ

حديثُكَ الشهدُ عند الذائقِ الفهمِ

حَلَّيت من عَطلٍ جِيدَ البيانِ بهِ

في كُلِّ مُنتَثرٍ في حُسنِ مُنتَظِمِ

بكُلِّ قولٍ كريمٍ أنتَ قائلُهُ

تُحي القلوبَ، وتُحي مَيِّتَ الهِممِ

سَرَت بشائرُ بالهادي ومولِدِهِ

في الشرق والغربِ مسرى النورِ في الظلمِ

تَخطَفتْ مُهَجَ الطاغينَ من عَرَبٍ

وطَيّرت أنفسَ الباغينَ من عجُمِ

رِيعت لها شُرفُ الإيوانِ ،فانصدعت

من صدمةِ الحقِّ ،لا من صدمةِ القدُمِ

أتيتَ والناسُ فوضى لا تَمُرُّ بهم

إلا على صنمٍ، قد هامَ في صنمِ

والأرضُ مملوءةٌ جَوراً ،مُسخرّةٌ

لِكُلِّ طاغيةٍ في الخَلقِ مُحتكمِ

مُسيطرُ الفرسِ يبغي في رعيَّتهِ

وقيصرُ الرومِ من كِبْرٍ أصمُّ عمِ

يُعذِّبان عبادَ الله في شُبَهٍ

ويذبحان كما ضَحيّتَ بالغنمِ

والخَلقُ يفتِكُ أقواهم بأضعفِهم

كالليثِ بالبَهمِ ،أو كالحوتِ بالبَلمِ

أسرى بكَ الله ليلاً، إذ ملائِكهُ

والرُسلُ في المسجدِ الأقصى على قدَمِ

لمّا خَطرتَ به التفُّوا بسيّدهم

كالشُهبِ بالبدرِ، أو كالجُندِ بالعَلمِ

صلى وراءكَ منهم كلُّ ذي خَطَرٍ

ومن يَفز بحبيبِ الله يأتَمِمِ

جُبتَ السماوات أو ما فوقهُنَّ بهم

على مُنَوَّرةٍ دُريَّةِ اللُّجُمِ

رَكوبة لك من عِزٍّ ومن شرفٍ

لا في الجيادِ، ولا في الأينُق الرُسُمِ

مشيئة الخالقِ الباري، وصَنعتُهُ

وقدرةُ الله فوقَ الشكِّ والتُهَمِ

حتى بلغتَ سماءً لا يُطارُ لها

على جناحٍ، ولا يُسعى على قدمِ

وقيلَ: كلُّ نبيٍّ عندَ رُتبتهُ

ويا مُحَمّدُ ،هذا العرشُ فاستلمِ

خططتَ للدين والدنيا عُلومَهما

يا قارىء اللوح ،بل يا لامسَ القلمِ

أحطتَ بينهما بالسرِّ، وانكشفت

لكَ الخزائنُ من عِلمٍ ومن حِكمِ

وضاعفَ القُربُ ما قُّلّدتَ من مِنَنٍ

بلا عِدادٍ، وما طُوِّقتَ من نِعَمِ

سل عُصبةَ الشِّركِ حول الغارِ سائمةً

لولا مُطاردةُ المختارِ لم تُسَمِ

هل أبصروا الأثرَ الوَضاءَ، أم سمعوا

همسَ التسابيحِ والقرآن من أمَمِ

وهل تمثّل نَسجُ العنكبوتِ لهم

كالغابِ ،والحائماتُ والزُغبُ كالرُخَمِ؟

فأدبروا ،ووجوهُ الأرضِ تلعنُهم

كباطلٍ من جلالِ الحقِّ مُنهزمِ

لولا يدُ الله بالجارين ما سلِما

وعينهُ حولَ رُكنِ الدين، لم يَقمِ

تواريا بجناحِ الله، واستترا

ومن يضُمُّ جناحُ الله لا يُضَمِ

يا أحمدَ الخيرِ ،لي جاهٌ بتسميتي

وكيفَ لا يتسامى بالرسولِ سَمي؟

المادحونَ وأربابُ الهوى تَبَعٌ

لصاحبِ البُردةِ الفيحاءِ ذي القَدمِ

مَديحُهُ فيكَ حُبٌّ خالِصٌ وهوىً

وصادِقُ الحُبِّ يُملي صادِقَ الكَلمِ

الله يشهدُ أني لا أعارضهُ

من ذا يُعارِضُ صَوبَ العارضِ العَرِمِ؟

وإنّما أنا بعضُ الغابطينَ، ومن

يَغبط وليَّكَ لا يُذمَم ولا يُلَمِ

هذا مقامٌ من الرحمن مُقتبسٌ

ترمي مهابتُهُ سحبانَ بالبَكمِ

البدرُ دونكَ في حُسنٍ وفي شَرفٍ

والبحرُ دونكَ في خيرٍ وفي كرمِ

شُمُّ الجبالِ إذا طاولتها انخفضت

والأنجمُ الزُهرُ ما واسمتها تَسِمِ

والليثُ دونكَ بأساً عند وثبتهِ

إذا مشيتَ إلى شاكي السلاحِ كَمي

تهفو إليكَ وإن أدميتَ حَبتَّها

في الحربِ أفئدةُ الأبطالِ والبُهَمِ

محبّة الله ألقاها ،وهيبتُهُ

على ابنِ آمنةٍ في كُلِّ مُصطدَمِ

كأنَّ وجهكَ تحت النقعِ بدرُ دُجىً

يُضيءُ مُلتثماً ،أو غيرَ مُلتثمِ

بدرٌ تطلّعَ في بدرٍ، فغُرَّتهُ

كَغُرَّةِ النصر، تجلو داجيَ الظلم

ذُكِرتَ باليُتمِ في القرآنِ تكرُمةً

وقيمةُ اللؤلؤِ المكنونِ في اليُتُمِ

الله قسَّمَ بين الناسِ رزقهُمُ

وأنتَ خُيّرتَ في الأرزاقِ والقِسَمِ

إن قلتَ في الأمرِ لا أو قلتَ فيهِ نعم

فخيرَهُ الله في لا منكَ أو نعمِ

أخوكَ عيسى دعا ميتاً ،فقام لهُ

وأنتَ أحييتَ أجيالاً من الرِّممِ

والجهلُ

موتٌ، فإن أوتيتَ مُعجزةً

فابعث من الجهلِ، أو فابعث من الرَّجَمِ

قالوا غزوتَ ورُسلُ الله ما بعثوا

لقتلِ نفسٍ ولا جاؤوا لِفكِ دمِ

جهلٌ وتضليلُ أحلامٍ وسَفسطةٌ

فتحتَ بالسيفِ بعد الفتحِ بالقلمِ

لمّا أتى لكَ عَفواً كلُّ ذي حَسَبٍ

تَكَفَّلَ السيفُ بالجُهّالِ والعَمَمِ

والشرُّ إن تلقهُ بالخيرِ ضِقتَ بهِ

ذرعاً وإن تلقهُ بالشَرِّ يَنحسمِ

سَلْ المسيحيةَ الغرّاءَ: كم شربت

بالصّابِ من شهواتِ الظالمِ الغَلِمِ

طريدةُ الشِركِ، يؤذيها، ويُوسِعُها

في كلِّ حين قِتالاً ساطِعَ الحَدَمِ

لولا حُماةٌ لها هَبُّوا لِنصرتها

بالسيفِ، ما انتفَعت بالرفقِ والرُّحَمِ

لولا مكانٌ لِعيسى عندَ مُرسلهِ

وحُرمةٌ وجَبَت للروح في القِدَمِ

لسُمِّرَ البَدنُ الطُّهرُ الشريفُ على

لوحين ،لم يخشَ مُؤذيهِ، ولم يَجمِ

جَلَّ المسيحُ، وذاقَ الصَّلبَ شانئهُ

إنَّ العقابَ بقدرِ الذنبِ والجُرُمِ

أخو النبيِّ، وروحُ الله في نُزُلٍ

فوقَ السماءِ ودونَ العَرشِ مُحترمِ

عَلَّمتهم كلَّ شيءٍ يجهلون بهِ

حتى القِتالَ وما فيهِ من الذِممِ

دعوتَهم لجهادٍ فيه سُؤدُدُهم

والحربُ أُسُّ نظام الكونِ والأممِ

لولاهُ لم نرَ للدولاتِ في زمنٍ

ما طالَ من عُمُدٍ أو قرَّ من دُهُمِ

تلكَ الشواهدُ تترى كلَّ آونةٍ

في الأعصرِ الغُرِّ لا في الأعصُرِ الدُهُمِ

بالأمسِ مالت عروشٌ واعتلت سُرُرٌ

لولا القذائفُ لم تثلم ولم تَصُمِ

أشياعُ عيسى أعدّوا كلَّ قاصِمةٍ

ولم نُعِدُّ سوى حالاتِ مُنقصمِ

مهما دُعيتَ إلى الهيجاءِ قُمتَ لها

ترمي بأُسدٍ، ويرمي الله بالرُّجُمِ

على لوائكَ منهم كلُّ مُنتقمٍ

لله، مُستقتِلٍ في الله، مُعتَزمِ

مُسَبحٍ للقاءِ الله مُضطرِمٍ

شوقاً، على سابخٍ كالبرقِ مُضطرمِ

لو صادفَ الدهرَ يبغي نقلةً، فرمى

بعزمهِ في رحالِ الدهر لم يَرِمِ

بيضٌ، مفاليلُ من فعلِ الحروبِ بهم

من أسيُفِ الله ،لا الهنديَّةُ الخُذُمِ

كم في الترابِ إذا فتشتَ عن رَجُلٍ

من ماتَ بالعهدِ، أو من ماتَ بالقَسَمِ

لولا مواهبُ في بعضِ الأنامِ لما

تفاوتَ الناسُ في الأقدارِ والقِيَمِ

شريعةٌ لكَ فجّرتَ العقولَ بها

عن زاخرٍ بصنوفِ العلمِ مُلتطِمِ

يلوحُ حولَ سَنا التوحيدِ جوهرُها

كالحَلي للسيفِ أو كالوشي للعلمِ

غَرَّاءُ، حامت عليها أنفُسٌ ونُهىً

ومن يجد سَلسلاً من حِكمةٍ يَحُمِ

نورُ السبيلِ يُساسُ العالمونَ بها

تَكفَّلتْ بشبابِ الدهرِ والهَرَمِ

يجري الزمانُ وأحكامُ الزمان على

حُكمٍ لها ،نافذٍ في الخلقِ مُرتَسمِ

لمّا اعتلت دولةُُ الإسلامِ واتسعت

مشتْ ممالكهُ في نورها التَمَمِ

وعلَّمت أمةٌ بالقفرِ نازلة

رعيَ القياصرِ بعدَ الشاءِ والنَعَمِ

كم شيّدَ المُصلحونَ العاملونَ بها

في الشرق والغربِ مُلكاً باذِخَ العِظَمِ

للِعلمِ والعدلِ والتمدينِ ما عَزموا

من الأمورِ ومل شدّوا من الحُزُمِ

سُرعانَ ما فتحوا الدنيا لِمِلَّتِهم

وأنهلوا الناسَ من سَلسالها الشَبمِ

ساروا عليها هُداة الناسِ فهي بهم

إلى الفلاح طريقٌ واضحُ العَظمِ

لا يهدمُ الدهرُ رُكناً شادَ عَدلهُمُ

وحائطُ البغي إن تَلمسهُ يَنهَدِمِ

نالوا السعادةَ في الدارين ،واجتمعوا

على عَميمٍ من الرُضوان مُقتَسَمِ

دع عنكَ روما وآثينا وما حوتا

كلُّ اليواقيتِ في بغدادَ والتوَمِ

وخَلِّ كِسرى وإيواناً يَدِلُّ به

هوىً على أثرِ النيرانِ واليُمِ

واترك رعمسيسَ إن المُلكَ مَظهرُهُ

في نهضةِ العدلِ لا في نهضةِ الهَرَمِ

دارُ الشرائعِ روما كُلّما ذُكرت

دارُ السلامِ لها ألقت يدَ السَلَمِ

ما ضارَ عنها بياناً عندَ مُلتَأمٍ

ولا حَكتها قضاءً عندَ مُختَصَمِ

ولا احتوت في طِراز من قياصرها

على رشيدٍ ومأمون ومُعتصِمِ

من الذينَ إذا سارت كتائبُهم

تصَرّفوا بحُدودِ الأرضِ والتُخَمِ

ويجلسونَ إلى علمٍ ومعرفةٍ

فلا يُدانونَ في عقلٍ ولا فهَمِ

يُطأطىءُ العلماءُ الهامَ إن نَبَسوا

من هَيبةِ العلمِ، لا من هَيبةِ الحُكمِ

ويُمطرونَ فما بالأرضِ من مَحَلٍ

ولا بمن باتَ فوقَ الأرضِ من عُدُمِ

خلائفُ الله جَلّوا عن مُوازنةٍ

فلا تقيسنَّ أملاكَ الورى بهمِ

من في البريّةِ كالفاروق مَعدَلةً؟

وكابن عبدِ العزيزِ الخاشعِ الحَشِمِ

وكالإمام إذا ما فضَّ مُزدحماً

بمدمع في مآقي القومِ مُزدحمِ

الزاخرُ العذبُ في علمٍ وفي أدبٍ

والناصرُ النَدبِ في حربٍ وفي سَلمِ

أو كابنِ عفانَ والقرآنُ في يدهِ

يحنو عليه كما تحنو على الفُطمِ

ويجمعُ الآي ترتيباً وينظمها

عقداً بجيد الليالي غير مُنفصمِ

جُرحان في كبدِ الإسلامِ ما التأما

جرحُ الشهيدِ وجرحٌ بالكتابِ دَمي

وما بلاءُ أبي بكرٍ بمُتّهم

بعد الجلائل في الأفعال والخِدَمِ

بالحزمِ والعزمِ حاطَ الدين في مِحنٍ

أضلتِ الحُلمَ من كهلٍ ومُحتَلِمِ

وَحِدنَ بالراشدِ الفاروق عن رُشدٍ

في الموت، وهو يقينٌ غيرُ مُنبَهمِ

يُجادِلُ القومَ مُستلاً مُهَنّدهُ

في أعظمِ الرُسلِ قدراً كيفَ لم يَدُمِ

لا تعذلوهُ إذا طافَ الذهولُ بهِ

ماتَ الحبيبُ فضلَّ الصَبُّ عن رَغَمِ

يا ربِّ صلِّ وسلم ما أردتَ على

نزيلِ عرشكَ خيرُ الرُسلِ كُلّهمِ

مُحي الليالي صلاة لا يُقطعهُا

إلا بدمعٍ من الإشفاقِ مُنسجمِ

مُسَبِّحاً لك جُنحَ الليلِ مُحتملاً

ضُرّاً من السُهدِ أو ضُراً من الورمِ

رَضيّةٌ نفسهُ لا تشتكي سأماً

وما معَ الحُبِّ إن أخلصتَ من سأمِ

وَصَلِّ ربي على آلٍ لهُ نُخَبٍ

جعلتَ فيهم لواءَ البيتِ والحَرمِ

بيضُ الوجوه ووجهُ الدهرِ ذو حَلكٍ

شُمُّ الأنوفِ وأنفُ الحادثات ٍ حَمي

وأهدِ خير صلاةٍ منكَ أربعة

في الصَحبِ صُحبتُهم مرعيَّةُ الحُرَمِ

الراكبينَ إذا نادى النبيُّ بهم

ما هالَ من جَللٍ واشتدَّ من عَمَمِ

الصابرينَ ونفسُ الأرضِ واجفةٌ

الضاحكينَ إلى الأخطارِ والقحَمِ

يا رَبِّ هَبّت شعوبٌ من مَنيّتها

واستيقظت أمَمٌ من رَقدةِ العَدَمِ

سعدٌ ونحسٌ ومُلكٌ أنتَ مالكُهُ

تُديلُ من نِعَمٍ فيهِ ومن نِقَمِ

رأى قضاؤكَ فينا رأي حكمته

أكرِم بوجهكَ من قاض ومُنتقمِ

فالطف لأجل رسول العالمين بنا

ولا تَزدْ قومَهُ خَسفاً ولا تُسِمِ

يا رَبِّ أحسنتَ بدء المسلمينَ بهِ

فَتَمِّمِ الفضلَ وامنح حُسنَ مُختَتِمِ

أحمد شوقي في قصيدة ولد الهدى“:

وُلِدَ الهُدى فالكائناتُ ضِياءُ

وفمُ الزمانِ تَبَسُّمٌ وثناءُ

الروحُ والملأُ الملائكُ حولهُ

للدينِ والدنيا بهِ بُشراءُ

والعرشُ يزهو والحظيرةُ تزدهي

والمُنتهى والسِدرةُ العصماءُ

وحديقةُ الفُرقانِ ضاحِكةُ الرُبا

بالتُرجُمان شَذيِّةٌ غنَّاءُ

والوحيُ يقطرُ سَلسلاً من سَلسلٍ

واللوحُ والقلمُ البديعُ رُواءُ

نُظِمتْ أسامي الرُسلِ فهي صحيفةٌ

في اللوحِ واسمُ مُحَمَّدٍ طغَراءُ

اسمُ الجلالةِ في بديعِ حروفهِ

ألِفٌ هُنالِكَ واسمُ طهَ الباءُ

يا خيرَ من جاء الوُجودَ تحيّة

من مُرسلينَ إلى الهُدى بكَ جاؤوا

بيتُ النبيينَ الذي لا يلتقي

إلا الحَنائفُ فيهِ والحُنفاءُ

خيرُ الأبوَّةِ حازَهم لكَ آدمٌ

دونَ الأنامِ وأحرزَت حوّاءُ

هُم أدركوا عِزَّ النُبوّةِ وانتهت

فيها إليكَ العِزّةُ القعساءُ

خُلِقت لبيتكَ وهو مخلوقٌ لها

إنَّ العظائمَ كفؤها العظماءُ

بكَ بَشَّرَ الله السماء فزُيّنت

وتضَوّعت مِسكاً بكَ الغَبراءُ

وبدا مُحيّاكَ الذي قسماتُهُ

حقٌّ وغُرَّتهُ هدىً وحياءُ

وعليهِ من نورِ النُبوّةِ رونقٌ

ومن الخليلِ وهَديهِ سِيماءُ

أثنى المسيحُ عليهِ خلفَ سَمائهِ

وتهلّلت واهتزَّتِ العذراءُ

يومٌ يتيهُ على الزمانِ صَباحُهُ

ومساؤُهُ بمحمّدٍ وضّاءُ

الحقُّ عالي الرُكنِ فيهِ مُظَفّرٌ

في المُلكِ لا يعلو عليهِ لواءُ

ذُعرتْ عُروشُ الظالمينَ فزُلزلت

وعلت على تيجانهم أصداءُ

والنارُ خاويةُ الجوانبِ حولهم

خَمدت ذوائبها وغاضَ الماءُ

والآيُ تترى والخوارقُ جَمّةٌ

جبريلُ رواحٌ بها غَدّاءُ

نِعمَ اليتيمُ بدت مخايلُ فضلهِ

واليُتمُ رزقٌ بعضهُ وذكاءُ

في المهدِ يُستسقى الحيا برجائِه

وبقصدهِ تُستدفعُ البأساءُ

بِسوى الأمانةِ في الصبا والصدقِ لم

يعرفهُ أهلُ الصدقِ والأمناءُ

يا منْ لهُ الأخلاقُ ما تهوى العُلا

منها وما يَتَعشَّقُ الكُبراءُ

لو لم تُقم ديناً لقامت وحدَها

ديناً تُضيءُ بنورهِ الآناءُ

زانتكَ في الخُلقِ العظيمِ شمائلٌ

يُغرى بهنَّ ويولعُ الكُرماءُ

أما الجمالُ فأنتَ شمسُ سمائهِ

وملاحة الصدّيقِ منكَ أياءُ

والحُسنُ من كرمِ الوجوهِ وخيرُهُ

ما أوتي الفؤادُ والزعماءُ

فإذا سخوتَ بلغتَ بالجودِ المدى

وفعلتَ ما لا تفعلُ الأنواءُ

وإذا عفوتَ فقادراً ومُقدَّراً

لا يستهينُ بعفوكَ الجُهلاءُ

وإذا رحمتَ فأنتَ أمٌّ أو أبٌ

هذان في الدنيا هما الرُحماءُ

وإذا غضبتَ فإنّما هيَ غضبةٌ

في الحقِّ لا ضِغنٌ ولا بغضاءُ

وإذا رضيتَ فذاكَ في مرضاتهِ

ورضى الكثيرِ تَحَلمٌ ورياءُ

وإذا خطبتَ فللمنابرِ هِزّةٌ

تعرو النديَّ وللقلوبِ بكاءُ

وإذا قضيتَ فلا ارتيابَ كأنّما

جاء الخصومَ من السماء قضاءُ

وإذا حَميتَ الماء لم يُورَد ولو

أنَّ القياصرَ والمُلوكَ ظِماءُ

وإذا أجرتَ فأنتَ بيتُ الله لم

يدخُل عليهِ المُستجيرَ عِداءُ

وإذا ملكتَ النفسَ قُمتَ ببرِّها

ولو أنَّ ما ملكت يداكَ الشاءُ

وإذا بنيتَ فخيرُ زوج عِشرةً

وإذا ابتنيتَ فدونكَ الآباءُ

وإذا صَحبتَ رأى الوفاءُ مُجَسّماً

في بُردكَ الأصحابُ والخلطاءُ

وإذا أخذتَ العهدَ أو أعطيتهُ

فجميعُ عهدكَ ذِمّةٌ ووفاءُ

وإذا مشيتَ إلى العدا فغضنفرٌ

وإذا جرَيتَ فإنكَ النكباءُ

وتَمدُّ حِلمكَ للسفيهِ مُدارياً

حتى يضيقَ بعَرضكَ السفهاءُ

في كُلِّ نفس من سُطاكَ مهابةٌ

ولِكُلِّ نفس في نداكَ رجاءُ

والرأيُ لم يُنضَ المهنَّدُ دونَهُ

كالسيفِ لم تضرب به الآراءُ

يا أيها الأميُّ حَسبُكَ رُتبة

في العلمِ أن دانت بكَ العلماءُ

الذكرُ آيةُ ربكَ الكبرى التي

فيها لباغي المعجزاتِ غَناءُ

صدرُ البيان لهُ إذا التقتِ اللغى

وتقدَّمَ البلغاءُ والفصحاءُ

نُسِخت بهِ التوراةُ وهيَ وضيئةٌ

وتَخلّفَ الإنجيلُ وهو ذُكاءُ

لمّا تمشّى في الحجازِ حَكيمهُ

فُضّت عُكاظ بهِ وقامَ حِراءُ

أزرى بمنطقِ أهلهِ وبيانهم

وحيٌ يُقصِّرُ دونهُ البُلغاءُ

حسدوا فقالوا شاعرٌ أو ساحرٌ

ومن الحَسودِ يكونُ الاستهزاءُ

قد نالَ بالهادي الكريم وبالهدى

ما لم تنل من سُؤددٍ سيناءُ

أمسى كأنّكَ من جَلالَ أمّةٌ

وكأنّهُ من أنسهِ بيداءُ

يوحى إليكَ الفوزُ في ظلماتهِ

متتابعاً تُجلى بهِ الظَلماءُ

دينٌ يُشَيَّدُ آية في آيةٍ

لبناتهُ السوراتُ والأدواءُ

الحقُّ فيهِ هو الأساسُ وكيفَ لا

والله جلَّ جلالهُ البناءُ

أما حديثُكَ في العقول فمشرَعٌ

والعلمُ والحِكَمُ الغوالي الماءُ

هوَ صِبغةُ الفرقان نفحةٌ قدسهِ

والسينُ من سَوراتهِ والراءُ

جَرَتِ الفصاحةُ من ينابيعَ النُّهى

من دَوحهِ وتفجّرَ الإنشاءُ

في بحرهِ للسابحينَ بهِ على

أدبِ الحياةِ وعلمِها إرساءُ

أتتِ الدهورُ على سُلافتهِ ولم

نفنَ السُلافُ ولا سلا النُدماءُ

بكَ يا ابنَ عبد الله قامت سَمحةٌ

بالحقِّ من مِلل الهدى غَرّاءُ

بُنيت على التوحيدِ وهي حقيقةٌ

نادى بها سُقراطُ والقدماءُ

وجَدَ الزُّعافَ من السمومِ لأجلها

كالشَهدِ ثمَّ تتابعَ الشُهداءُ

ومشى على وجهِ الزمانِ بنورها

كُهَانُ وادي النيل والعُرفاءُ

إيزيسُ ذاتُ المُلكِ حينَ توحدَت

أخذت قِوامَ أمورها الأشياءُ

لمّا دعوتَ الناسَ لبّى عاقلٌ

وأصَمَّ منكَ الجاهلينَ نداءُ

أبوا الخروجَ إليكَ من أوهامهم

والناسُ في أوهامهم سجناءُ

ومنَ العقولِ جداولٌ وجلامدٌ

ومن النفوسِ حرائرٌ وإماءُ

داءُ الجماعةِ من أرسطاليسَ لم

يوصف لهُ حتى أتيتَ دواءُ

فرسمتَ بعدكَ للعبادِ حكومة

لا سوقةٌ فيها ولا أمراءُ

الله فوقَ الخَلق فيها وحدَهُ

والناسُ تحتَ لوائها أكفاءُ

والدينُ يُسرٌ والخلافةُ بيعةٌ

والأمرُ شورى والحقوقُ قضاءُ

الاشتراكيونَ أنتَ إمامُهُم

لولا دعاوى القومِ والغُلواءُ

داويتَ متئداً وداووا طفرةً

وأخفُّ من بعض الدواءِ الداءُ

الحربُ في حقٍّ لديكَ شريعةٌ

ومن السُمومِ الناقعاتِ دواءُ

والبِرُّ عندَكَ ذِمّةٌ وفريضةٌ

لا مِنّةٌ ممنونةٌ وجَباءُ

جاءت فوحدّت الزكاةُ سبيلهُ

حتى التقى الكرماءُ والبُخلاءُ

أنصفتَ أهلَ الفقرِ من أهلِ الغِنى

فالكلُّ في حقِّ الحياةِ سواءُ

فلو أنَّ إنساناً تخيّرَ ملة

ما اختارَ إلا دينكَ الفقراءُ

يا أيها المُسرى به شَرَفاً إلى

ما لا تنال الشمسُ والجوزاءُ

يتساءلونَ وأنتَ أطهرُ هيكلٍ

بالروح أم بالهيكلِ الإسراءُ

بهما سموتَ مُطهرّين كلاهما

نورٌ ورَيحانيَّةٌ وبهاءُ

فضلٌ عليكَ لذي الجلالِ ومِنّةٌ

والله يفعلُ ما يرى ويشاءُ

تغشى الغيوبَ من العوالمِ كُلّما

طُويت سماءٌ قلدتك سماءُ

في كلِّ منطقةٍ حواشي نورها

نونٌ وأنتَ النقطة الزهراءُ

أنتَ الجمالُ بها وأنتَ المُجتلى

والكفُّ والمِرآةُ والحسناءُ

الله هيّاَ من حظيرةِ قُدسهِ

نُزُلاً لذاتكَ لم يَجزهُ علاءُ

العرشُ تحتكَ سُدَّة وقوائماً

ومناكبُ الروح الأمين وِطاءُ

والرُسلُ دونَ العَرشِ لم يؤذن لهم

حاشا لِغيركَ موعدٌ ولقاءُ

الخيلُ تأبى غير أحمدَ حامياً

وبها إذا ذُكر اسمهُ خُيلاءُ

شيخُ الفوارسِ يعلمونَ مكانهُ

إن هَيَّجت آسادَها الهيجاءُ

وإذا تصدّى للِظُبى فَمُهنَدٌ

أو للِرماحِ فصعَدةٌ سمراءُ

وإذا رمى عن قوسهِ فيمينُهُ

قدَرٌ وما ترمى اليمينُ قضاءُ

من كُلِّ داعي الحقِّ هِمَّةٌ سيفهِ

فلِسيفهِ في الراسياتِ مَضاءُ

ساقي الجريحِ ومُطعمِ الأسرى ومن

أمِنت سنابكَ خيلهِ الأشلاءُ

إنّ الشجاعةَ في الرجال غلاظةٌ

ما لم تزنها رأفةٌ وسخاءُ

والحربُ من شرفِ الشعوبِ فإن بَغوا

فالمجدُ مِمّا يدّعونَ براءُ

والحربُ يبعثها القويُّ تَجَبُّراً

وينوءُ تحتَ بلائها الضُعفاءُ

كم من غُزاةٍ للرسولِ كريمةٍ

فيها رِضى للحقِّ أو إعلاءُ

كانت لِجُندِ الله فيها شِدّةٌ

في إثرها للِعالمينَ رَخاءُ

ضربوا الضلالةَ ضربةٌ ذهبت بها

فعلى الجهالةِ والضلالِ عَفاءُ

دعموا على الحربِ السلامَ وطالما

حقنت دماءً في الزمانِ دماءُ

الحقُّ عِرضُ الله كلُّ أبيّةٍ

بين النفوس حِمىً لهُ ووقارُ

هل كانَ حولَ مُحَمّدٍ من قومهِ

إلا صبيٌّ واحدٌ ونساءُ

فدعا فلبّى في القبائلِ عُصبةٌ

مُستضعفونَ قلائلٌ أنضاءُ

ردّوا ببأسِ العزمِ عنهُ من الأذى

ما لا ترُدُّ الصخرةُ الصَماءُ

والحقُّ والإيمانُ إن صُبّا على

بُردٍ ففيهِ كتيبةٌ خرساءُ

نسفوا بناء الشِركِ فهو خرائبٌ

واستأصلوا الأصنام فهي هباءُ

يمشونَ تُغضي الأرضُ منهُم هَيبة

وبهم حِيالَ نعيمها إغضاءُ

حتى إذا فُتحت لهم أطرافُها

لم يُطغهم ترفٌ ولا نَعماءُ

يا من لهُ عِزُّ الشفاعةِ وحدَهُ

وهو المُنَزّهُ مالهُ شُفعاءُ

عرشُ القيامةِ أنتَ تحتَ لوائهِ

والحوضُ أنتَ حِيالهُ السَّقاءُ

تروي وتسقي الصالحينَ ثوابَهُم

والصالحاتُ ذخائرٌ وجزاءُ

ألِمثلِ هذا ذُقتَ في الدنيا الطوى

وانشقَّ من خَلقٍ عليكَ رداءُ

لي في مديحكَ يا رسولُ عرائسٌ

تُيِّمنَ فيك وشاقُهنَّ جلاءُ

هُنَّ الحِسانُ فإن قبلتَ تَكرُّماً

فمُهورُهنَّ شفاعةٌ حسناءُ

أنتَ الذي نظمَ البريّة دينهُ

ماذا يقولُ وينظمُ الشعراءُ

المُصلحونَ أصابعٌ جُمعت يداً

هي أنتَ بل أنتَ اليدُ البيضاءُ

ما جئتُ بابكَ مادحاً بل داعياً

ومن المديحِ تَضرُّعٌ ودُعاءُ

أدعوكَ عن قومي الضعافِ لأزمةٍ

في مثلها يُلقى عليك رجاءُ

أدرى رسولُ الله أنَّ نفوسَهُم

ركبت هواها والقلوبُ هواء

مُتفككونَ فما تضمُّ نفوسَهُم

ثقةٌ ولا جمعَ القلوبَ صفاءُ

رقدوا وغَرَّهم نعيمٌ باطلٌ

ونعيمُ قومٍ في القيودِ بلاءُ

ظلموا شريعتكَ التي نِلنا بها

ما لم ينل في رومة الفقهاءُ

مشتِ الحضارةُ في سناها واهتدى

في الدين والدنيا بها السعداءُ

صلى عليك الله ما صَحِبَ الدُّجى

حادٍ وحَنَّت بالفلا وجناءُ

واستقبلَ الرضوانَ في غرفاتهم

خيرُ الوسائلِ من يقع منهم على

بجنان عدن آلكَ السُمحاءُ

سَببٍ إليكَ فحسبي الزهراءُ

أحمد شوقي في قصيدةسلوا قلبي“:

وسوّى الله بينكم المنايا

ووسدكم مع الرُسلِ الترابا

وأرسلَ عائلاً منكم يتيماً

دنا من ذي الجلالِ فكان قابا

نبيُّ البرِّ،بَيّنهُ سبيلاً

وسنَّ خلالهُ،وهدى الشّعابا

تفرق بعد عيسى الناسُ فيه

فلما جاءَ كان لهم متابا

وشافي النفس من نزغاتِ شَرٍّ

كشافٍ من طبائعها الذئابا

وكانَ بيانهُ للهدي سُبلاً

وكانت خيلهُ للحقِّ غابا

وعلّمنا بناءَ المجدِ، حتى

أخذنا إمرةَ الأرضِ اغتصابا

وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي

ولكن تؤخذُ الدنيا غِلابا

وما استعصى على قومٍ منالٌ

إذا الإقدامُ كان لهم رِكابا

تجلّى مولدُ الهادي،وعَمّت

بشائرُهُ البوادي والقِصابا

وأسدَتْ للبريّة بنتُ وهبٍ

يداً بيضاءَ،طوَّقتِ الرقابا

لقد وضعتهُ وهاجاً،منيراً

كما تلدُ السماوات الشهابا

فقام على سماء البيتِ نوراً

يُضيءُ جبالَ مكّة والنقابا

وضاعت يثرِب الفيحاء مِسكاً

وفاحَ القاعُ أرجاء ً وطابا

أبا الزهراء،قد جاوزتُ قدري

بمدحكَ،بيدَ أن ليَ انتسابا

فما عرفَ البلاغة ذو بيانٍ

إذا لم يتخذِكَ له كتابا

مدحتُ المالكينَ ،فزدتُ قدراً

فلم أرَ غير حُكمِ الله حكماً

فحينَ مدحتُكَ اقتدتُ السحابا

ولم أرَ دونَ بابِ الله بابا

سألتُ الله في أبناء ديني

فإن تكن الوسيلةَ لي أجابا

وما للمسلمين سواكَ حِصنٌ

إذا ما الضُرُّ مسّهُمُ ونابا

كأنَّ النحسَ حين جرى عليهم

أطارَ بكلِّ مملكةٍ غُرابا

ولو حفظوا سبيلكَ كان نوراً

وكان من النُحوسِ لهم حجابا

بنيتَ لهم من الأخلاقِ ركناً

فخانوا الرُكن،فانَهدم اضطرابا

وكانَ جَنابُهُمْ فيها مهيباً

وللأخلاقِ أجَدرُ أن تُهابا

فلولاها لساوى الليثُ ذئباً

وساوى الصارِمُ الماضي قِرابا

فإن قُرنت مكارِمُها بعلمٍ

تذلّلتِ العُلى بهما صعابا

أحمد شوقي:

لمّا حللَتِ بآدم حلَّ الحبا

ومشى على الملأ السجودِ الرُّكعِ

وأرى النُبّوةَ في ذَراكِ تكّرمتْ

في يوسفٍ وتَكّملت في المُرضَعِ

وسقت قُريشَ على لسانِ محمّدٍ

بالباليِّ من البيانِ المُمتعِ

ومشت بموسى في الظلامِ مُشرّداً

وحَدَتهُ في قُللِ الجبالِ اللُّمعِ

أحمد شوقي من قصيدة“إلى عرفات الله“:

إذا زُرتَ يا مولايَ قبرَ مُحمّدٍ

وقَبلّتَ مثوى الأعظمِ العطراتِ

وفاضت مع الدمعِ العيونُ مهابةً

لأحمدَ بينَ السِترِ والحُجراتِ

وأشرقَ نورٌ تحتَ كُلِّ ثنيّةٍ

وضاعَ أريجٌ تحتَ كلِّ حصاةِ

لِمظهرِ دين الله فوقَ تنوفةٍ

وباني صروحَ المجدِ فوقَ فلاةِ

فَقُلْ لرسولِ الله يا خيرَ مُرسَلِ

أبثّكَ ما تدري من الحسراتِ

شعوبُكَ في شرق البلادِ وغربها

كأصحابِ كهفٍ في عميقِ سُباتِ

بأيمانهم نوران: ذكرٌ وسنّةٌ

فما بالهم في حالك الظلماتِ؟

وذلكَ ماضي مجدهم وفخارهم

فما ضرَّهم لو يعملون لآتي

وهذا زمانٌ أرضهُ وسماؤهُ

مجالٌ لمقدامٍ كبيرِ حياة

مشى فيه قومٌ في السماءِ وأنشئوا

فَقُلْ رَبِّ وفِّقْ للعظائمِ أمتي

بوارجَ في الأبراجِ ممتنعاتِ

وزَيّنْ لها الأفعالَ والعزماتِ

أحمد شوقي:

عيدُ المسيحِ وعيدُ أحمدَ أقبلا

يتباريانِ وضاءةً وجمالا

ميلادُ إحسانِ وهجرة سؤددٍ

قد غيّرا وجهَ البسيطةِ حالا

أحمد شوقي:

أرسلت بالتوراةِ موسى مُرشداً

وابنَ البتولِ فَعلّمَ الإنجيلا

وفجّرتَ ينبوعَ البيانِ محمداً

فسقى الحديث،وناولَ التنزيلا

أحمد شوقي:

أشرقَ النورُ في العوالمِ لمّا

بشّرتها بأحمدَ الأنباءُ

باليتيمِ الأميِّ والبشرِ المو

حى إليهِ العلومُ والأسماءُ

قوّةُ الله إن توّلت ضعيفاً

أشرفُ المرسلينَ آيتهُ النطقُ

تعبت في مِراسهِ الأقوياءُ

مُبيناً وقومهُ الفصحاءُ

جاء للناسِ والسرائرُ فوضى

لم يؤلف شتاتهنّ لواءُ

وحِمى الله مُستباحٌ وشرعُ الله

والحقُّ والصوابُ وراءُ

أحمد شوقي في قصيدةسلوا قلبي“:

أبا الزهراء، قد جاوزتُ قدري

بمدحكَ ،بَيدَ أن ليَ انتسابا

مدحتُ المالكين،فزدتُ قدراً

فحينَ مدحتُكَ اقتدتُ السحابا

سألتُ الله في أبناء ديني

فإن تكُنْ الوسيلةَ لي أجابا

وما للمسلمين سواكَ حصنٌ

إذا ما الضرُّ مِسّهم ونابا

ولو حفظوا سبيلك كان نوراً

وكان من النحوس لهم حِجابا

قصيدة البردةللإمام شرف الدين البوصيري:

مولاي صلي وسلّم أبداً

على حبيبك خير الخلق كلهم

أمِنْ تَذكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ

مزجتَ دمعاً جرى من مُقلةٍ بدمِ

أم هَبّت الريح من تلقاء كاظمةٍ

وأومضَ الرقُ في الظُلماءِ من إضمِ

فما لعينيك إن قلت اكفُفا هَمتا

وما لقلبكَ إن قات استفق يَهِمِ

أيحسب الصَبُّ أنَّ الحُبَّ منكتمٌ

ما بينَ منسجم منه ومضطرمِ

لو كنتُ أعلم أني ما أوقره
كتمتُ سراً بدا لي منه بالكتمِ
فإنّ أمّارتي بالسوءِ ما اتّعظت
من جهلها بنذيرِ الشيبِ والهَرمِ
من لي برَدِّ جِماحٍ من غَوايتها
كما يُردُّ جِماحُ الخيلِ باللُجُمِ؟
فلا تَرُم بالمعاصي كسرَ شهوتها
إنَّ الطعامَ يُقوّي شهوةَ النَهمِ
والنفسُ كالطفلِ:إن تُهملهُ شبَّ على
حبِّ الرضاعِ،وإن تَفطِمهُ ينفطمِ
فاصرف هواها وحاذر أن توليه
إن الهوى ما تولى يصم أو يصمِ
وراعها وهي في الأعمال سائمةٌ
وإن هي استحلت المرعى فلا تَسمِ
كم حسنت لذّة للمرءِ قاتلة
من حيث لم يدرِ أنّ السُم في الدسمِ
واخش الدسائس من جوعٍ ومن شبعٍ
فرُبَّ مخمصةٍ شرٌّ من التُخَمِ
واستفرغ الدمعَ من عين قد امتلأت
من المحارم والزم حِميّة الندم
وخالف النفس والشيطان واعصهما
وإن هما محضاك النصح فاتهمِ
ولا تُطع منهما خصماً ولا حكماً
فأنتَ تعرفُ كيدَ الخصم والحكمِ
أستغفر الله من قولٍ بلا عملٍ
لقد نسبتُ به نسلاً لذي عُقمِ
أمرتكُ الخيرَ لمن ما ائتمرتَ به
وما استقمتَ فما قولي لك استقمِ
ولا تزوّدت قبل الموت نافلةً
ولم أصل سوى فرض ولم أصمِ
في مدح سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم
ظلمت سنّة من أحيا الظلام إلى
أن اشتكت قدماه الضرَّ من ورم
وشدَّ من سغبٍ أحشاءه وطوى
تحت الحجارةِ كشحاً مترف الأدمِ
وراودتهُ الجبال الشمّ من ذهبٍ
عن نفسه فأراها أيمّا شممِ
وأدت زهده فيها ضرورته
إن الضرورة لا تعدو على العِصَمِ
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من
لولاه لم تخرج الدنيا من العدمِ
مُحَمّدٌ سيّدُ الكَونينِ والثقلي
نِ والفريقينِ من عُرْبٍ ومن عَجَمِ
نبيّنا الآمرُ الناهي فلا أحدٌ
أبَرّ في قولِ لا منه ولا نعمِ
هو الحبيبُ الذي ترجى شفاعتهُ
لكُلِّ هولٍ من الأهوالِ مُقتحمِ
دعا إلى الله فالمستمسكون به
مستمسكون بحبلٍ غير مُنفصمِ
فاقَ النبييّنَ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ
ولم يُدانوهُ في علمٍ ولا كَرَمِ
وكُلُّهمْ من رسولِ الله مُلتمسٌ
غَرفاً من البحرِ أو رَشفاً من الدِيَمِ
وواقفونَ لديهِ عندَ حَدّهِم
من نقطةِ العلم أو من شكلة الحِكمِ
فهو الذي تمّ معناهُ وصورته
ثم اصطفاهُ حبيباً باريء النَسمِ
منزّهٌ عن شريكٍ في محاسنهِ
فجوهر الحسن فيه غير مُنقسِمِ
دعْ ما ادّعتهُ النصارى في نَبيِّهمُ
واحكم بما شئتَ مدحاً فيه واحتكمِ
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرفٍ
وانسب إلى قدره ما شئت من عظمِ
فإنّ فضلَ رسول الله ليسَ له
حدٌّ فيُعْرِبَ عن ناطقٍ بِفَم
لم يَمتَحِنّا بما تعيا العقولُ بهِ
حِرصاً علينا فلم نَرْتَبْ ولم نَهِمِ
أعيا الورى فهمُ معناهُ فليس يُرى
في القُربِ والبُعدِ غيرُ مُنفَحِمِ
كالشمسِ تظهرُ للعينينِ من بُعُدٍ
صغيرةً، وتكُلُّ الطَّرفَ من أَمَمِ
وكيفَ يُدرِكُ في الدنيا حقيقَتُه
قومٌ نيامٌ تسلّوا عنهُ بالحُلُمِ
فمبلَغُ العلمِ فيهِ أنّهُ بشرٌ
وأنّهُ خيرُ خلقِ الله كُلِّهمِ
وكُلُّ آيٍ أتى الرسلُ الكِرامُ بها
فإنّما اتصلت من نُورهِ بهمِ
فإنّهُ شمسُ فضلٍ هم كواكِبُها
يُظهرنَ أنوارَها للناسِ في الظُّلَمِ
أكرِمْ بخلق نبيٍّ زانَهُ خُلُقٌ
بالحُسنِ مُشتمِلٍ بالبِشرِ مُتسّمِ
كالزهرِ في ترفٍ والبدرِ في شرفٍ
والبحرِ في كرمٍ والدهرِ في هِمَمِ
كأنّهُ وهو فَرْدٌ من جلالتهِ
في عَسكَرٍ حين تلقاهُ وفي حَشَمِ
كأنّما اللؤلؤ المكنونُ في صَدَفٍ
منْ مَعدِني منطقٍ منه ومُبتَسمِ
لا طِيبَ يعدِلُ تُرباً ضَمَّ أعظمَهُ
طُوبى لِمُنتشقٍ منه ومُلتثِمِ
في مولده صلى الله عليه وسلم
أبان مولده عن طيب عنصرهِ
يا طيبَ مبتدأ منه ومختتمِ
يومٌ تفرَّس فيه الفرس أنهم
قد أنذروا بحلولِ البؤسِ والنقمِ
وبات إيوان كسرى وهو منصدعٌ
كشملِ أصحاب كسرى غير ملتئمِ
والنارُ خامدةُ الأنفاسِ من أسفٍ
عليه والنهر ساهي العين من سدمِ
وساءَ ساوةَ أن غاضت بحيرتها
ورُد واردها بالغيظ حين ظمي
كأنّ بالنارِ ما بالماءِ من بلل
حزناً وبالماء ما بالنارِ من ضرمِ
والجن تهتف والأنوار ساطعة
والحق يظهر من معنى ومن كلم
عموا وصموا فإعلان البشائر لم
تسمع وبارقة الإنذار لم تُشمِ
من بعدِ ما أخبره الأقوام كاهِنُهُم
بأن دينهم المعوجّ لم يقُمِ
وبعد ما عاينوا في الأفقِ من شهب
منقضةٍ وفق ما في الأرض من صنمِ
حتى غدا عن طريق الوحي منهزمٌ
من الشياطين يقفو إثر منهزمِ
كأنّهم هرباً أبطال أبرهةٍ
أو عسكرٌ بالحصى من راحتيه رمي
نبذاً به بعد تسبيحٍ ببطنهما
نبذَ المسبِّح من أحشاءِ ملتقمِ
في معجزاته صلى الله عليه وسلم
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة
تمشي إليه على ساقٍ بلا قَدمِ
كأنّما سطرت سطراً لما كتبت
فروعها من بديعِ الخَطِّ في اللقمِ
مثل الغمامة أنّى سار سائرة
تقيهِ حرّ وطيسٍ للهجير حَمِ
أقسمت بالقمر المنشق إن له
من قلبه نسبة مبرورة القسم
وما حوى الغار من خير ومن كرم
وكل طرفٍ من الكفار عنهُ عَمِ
فالصِّدقُ في الغارِ والصديق لم يرما
وهم يقولون ما بالغار من أرم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على
خير البرية لم تنسج ولم تحمِ
وقاية الله أغنت عن مضاعفةٍ من
الدروع وعن عالٍ من الأطُمِ
ما سامني الدهرُ ضيماً واستجرت به
إلا ونلت جواراً منه لم يضمِ
ولا التمست غنى الدارين من يده
إلا استلمت الندى من خير مستلم
لا تُنكر الوحي من رؤياه إن له
قلباً إذا نامت العينان لم ينمِ
وذاك حين بلوغٍ من نبوته
فليس ينكر فيه حال محتلمِ
تبارك الله ما وحيٌّ بمكتسب
ولا نبيِّ على غيبٍ بمتهمِ
كم أبرأت وصباً باللمسِ راحته
وأطلقت أرباً من ربقة اللمم
وأحيت السنّة الشهباء دعوته
بعارضٍ جاد أو خلت البطاح بها
حتى حكت غرّة في الأعصر الدُّهمِ
سيّبٌ من اليمِ أو سيلٌ من العرِمِ
في شرف القرآن ومدحه
دَعني ووَصفي آياتٍ له ظهرتْ
ظهورَ نار القِرى ليلاً على عَلَمِ
فالدُّرُّ يزدادُ حُسناً وهو مُنتَظِمٌ
وليس ينقصُ قدراً غيرَ منتظمِ
فما تطاول آمال المديح إلى
ما فيه من كرم الأخلاق والشِّيمِ
آيات حقٍّ من الرحمن محدثةٌ
قديمةٌ صفة الموصوف بالقِدَمِ
لم تقترن بزمانٍ وهي تخبرنا
عن المعادِ وعن عادٍ وعن إرَمِ
دامتْ لدينا ففاقت كُلَّ مُعجزةٍ
من النبيين إذ جاءت ولم تَدُمِ
محكماتٌ فما تبقين من شبهٍ
لذي شقاقٍ وما تبغين من حكمِ
ما حُورِبَتْ قطُّ إلا عادَ من حَرَبٍ
أعدى الأعادي إليها مُلقي السَّلمِ
ردّتْ بلاغتها دعوى مُعارِضَها
ردَّ الغيورِ يدَ الجاني عن الحُرَمِ
لها معانٍ كموجِ البحر في مددٍ
وفوق جوهره في الحسن والقيمِ
فما تعدُّ ولا تُحصى عجائبها
ولا تسأم على الإكثارِ بالسأمِ
قرّت بها عين قاريها فقلت له
لقد ظفرت بحبل الله فاعتصمِ
إن تتلها خيفةً من حرِّ نار لظى
أطفأت حرّ لظى من وردها الشمِ
كأنها الحوض تبيض الوجوه به
من العصاة وقد جاؤوه كالحِمَمِ
وكالصراط وكالميزان معدلة
فالقسط من غيرها في الناس لم يقمِ
لا تعجبنْ لِحَسودٍ راح يُنكرُهَا
تجاهلاً، وهو عينُ الحاذِقِ الفهِمِ
قد تُنكرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رَمَدٍ
ويُنكِرُ الفمُ طعمَ الماءِ من سَقمِ
في الإسراء والمعراج:
يا خيرَ من يَمم العافون ساحته
سعياً وفوق متون الأينق الرسم
ومن هو الآية الكبرى لمعتبرٍ
ومن هو النعمةُ العظمى لمغتنمِ
سريتَ من حرمٍ ليلاً إلى حرمٍ
كما سرى البدر في داجٍ من الظلمِ
وبت ترقى إلى أن نلت منزلة
من قاب قوسين لم تُدرك ولم تُرمِ
وقدّمتك جميع الأنبياء بها
والرسل تقديم مخدومٍ على خدمِ
وأنتَ تخترق السبع الطباق بهم
في مركب كنت فيه صاحب العلم
حتى إذا لم تدع شأواً لمستبقٍ
من الدنوِّ ولا مرقى لمستنمِ
خفضت كل مقامٍ بالإضافة إذ
نوديت بالرفع مثل المفردِ العلم
كيما تفوز بوصلٍ آي مستترٍ
عن العيون وسرِ آي مكتتمِ
فحزت كل فخارٍ غير مشتركٍ
وجزت كل مقامٍ غير مزدحمِ
وجلّ مقدار ما وليت من رتبٍ
وعزّ إدراك ما أوليت من نعمِ
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا
من العناية ركناً غيرِ منهدمِ
لما دعا الله داعينا لطاعته
بأكرم الرسل كنا أكرم الأممِ
في جهاد النبي صلى الله عليه وسلم:
راعتْ قلوبَ العدا أنباءُ بعثتهِ
كنبأةِ أجفلت غَفلاً من الغنمِ
مازال يلقاهُم في كُلِّ مُعتركٍ
حتى حكوا بالقنا لحماً على وضَمِ
ودّوا الفرار فكادوا يغبطونَ به
أشلاءَ شالت مع العقبانِ والرَّخمِ
تمضي الليالي ولا يدرونَ عدَّتها
ما لم تكن من ليالي الأشهر الحُرُمِ
كأنَّما الدِّينُ ضيفٌ حَلّ ساحَتهُم
بكلِّ قَرْمٍ إلى لحم العدا قرِمِ
يَجُرُّ بحرَ خميسٍ فوق سابحةٍ
يرمي بموجٍ من الأبطالِ مُلتَطمِ
من كُلِّ مُنتَدبٍ لله مُحتسبٍ
يسطو بمستأصلٍ للكفرِ مُصطلمِ
حتى غدتْ ملّةُ الإسلام وهي بهم
من بعد غربتها موصولة الرَّحمِ
مكفولةٌ أبداً منهم بخيرِ أبٍ
وخير بعلٍ فلم تيتم ولم تئمِ
همُ الجبالُ فَسَلْ عنهم مُصادِمَهُم
ماذا رأى منهمُ في كلِّ مُصطدمِ
وسَلْ حنيناً وسلْ بدراً وسلْ أُحداً
فصول حتفٍ لهم أدهى من الوخمِ
المُصدري البيضَ حُمْراً بعد ما وردت
من العدا كُلَّ مُسَّودٍ من اللممِ
والكاتبينَ بِسُمرِ الخطِّ ما تركت
شاكي السلاحِ لهم سيما تُميّزهم
أقلامُهُم حَرفَ جِسمٍ غير منعجمِ
والوردُ يمتازُ بالسِّيما ممّن السّلمِ
كأنّهم في ظهورِ الخيل نبت ربا
من شدّة الحزم لا من شدّة الحُزُمِ
طارت قلوب العدا من بأسهم فَرْقاً
فما تفرق بين البَهمِ والبُهمِ
ومن تكن برسولِ الله نصرته
إن تلقه الأسد في آجامها تجمِ
ولن ترى من وليٍ غير منتصرٍ
به ولا من عدوٍّ غير منفصمِ
أحلَّ أمّتهُ في حِرزِ ملّته
كالليثِ حَلّ مع الأشبالِ في أجمِ
كم جدلت كلمات الله من جدلٍ
فيه وكم خصم البرهان من خصمِ
كفاك بالعلم في الأميِّ معجزةٌ
في الجاهلية والتأديبِ في اليتمِ
في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم:
خدمتهُ بمديحٍ أستقبلُ به
ذنوب عمرٍ مضى في الشعرِ والخدمِ
إذ قلداني ما تُخشى عواقبهُ
كأنّني بهما هديٌّ من النعمِ
أطعت على الصِّبا في الحالتين وما
حصلت إلا على الآثامِ والندمِ
فيا خسارة نفس في تجارتها
لم تشترِ الدنيا بالدين ولم تسمِ
ومن يبعْ آجلاً منه بعاجلهِ
يبن له الغبن في بيع وفي سلمِ
إن أتِ ذنباً فما عهدي بمنتقض
من النبي ولا حبلي بمنصرمِ
فإنّ لي ذمّة منه بتسميتي
محمداً وهو أوفى الخلق بالذممِ
إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي
فضلاً وإلا فقل يا زلة القدمِ
حاشاهُ أن يحرم الراجي مكارمه
أو يرجع الجار منه غير محترمِ
ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه
وجدته لخلاصي خير ملتزمِ
ولن يفوت الغنى منه يداً تربت
إنّ الحيا يُنبت الأزهار في الأكمِ
ولم أرد زهرة الدنيا التي اقتطفت
يدا زهيرٍ بما أثنى على هَرِمِ
في المناجاة وعرض الحاجات:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذُ بهش
سواكَ عند حلولِ الحادثِ العَممِ
ولن يضيق رسول الله جاهك بي
إذا الكريم تحلّى باسم منقمِ
يا نفسُ لا تقنطي من زلّة عظمت
إنَّ الكبائر في الغفران كالِلمِ
لعلّ رحمة ربي حين يقسمها
تأتي على حسب العصيان في القسمِ
يا ربِّ واجعل رجائي غير منعكسٍ
لديك واجعل حسابي غير مُنخرمِ
والطف بعبدك في الدارين إنّ لهُ
صبراً متى تدعه الأهوال ينهزمِ
وأذن لسحب صلاة منك دائمةٍ
على النبيِّ بمنهلٍ ومُنسجمِ
ما رنّحت عذبات البان ريح صباً
وأطربَ العيس حادي العيس بالغنمِ
ثمّ الرضا عن أبي بكرٍ وعن عمرٍ
وعن علي وعن عثمان ذي الكرمِ
والآلِ والصحب ثم التابعين فهم
أهل التقى والنقاة والحلم والكرمِ
يا ربِّ بالمصطفى بلّغ مقاصدنا
واغفر لنا ما مضى يا واسع الكرمِ
واغفر إلهي لكلِّ المسلمين بما
يتلون في المسجد الأقصى وفي الحرمِ
بجاه من بيته في طيبة حرمٌ
واسمه قسم من أعظم القسمِ
وهذه بردة المختار قد خُتمت
والحمد لله في بدء وفي ختمِ
آياتها قد أتت ستين مع مائةٍ
فرِّج بها كربنا يا واسع الكرمِ
البوصيري في قصيدةالهمزية النبوية“:
كيفَ تَرقى رُقِيَّكَ الأنبياءُ
يا سماءً ما طاولتها سماءُ
لم يُساووكَ في عُلاكَ،وقد حالَ
سناً منكَ دونهم وسناءُ
إنما مَثّلوا صفاتك للناسِ
كما مَثّلَ النجومَ الماءُ
أنتَ مصباحُ كلِّ فضلٍ،فما تَص
درُ إلا عن ضوئكَ الأضواءُ
لك ذاتُ العلومُ من عالَمِ الغيبِ
ومنها لآدمَ الأسماءُ
ما مضت فترةٌ من الرُسلِ إلا
بشّرت قومها بكَ الأنبياءُ
تتباهى بكَ العصورُ وتسمو بك
علياءُ بعدها علياء
ثم قامَ النبيُّ يدعو إلى الله
وفي الكفر نجدةٌ وإباءُ
اُمَماً أُشرِبت قلوبُهُمُ الكُفرَ
فداءُ الضلالِ فيهم عَياءُ
فبما رحمةٍ له بنصرٍ وفتحٍ
بعد ذاك الخضراء والغبراءُ
وأطاعت لأمرهِ العَرَبُ العر
باءُ والجاهليةُ الجهلاء
وتوالت للمصطفى الآيةُ الكب
رى عليهم والغارة الشعواءُ
فإذا ما تلا كتاباً من الله
تلته كتيبةٌ خضراءُ
شرف الدين البوصيري:
رحمةٌ كله وحزم وعزم
ووقارٌ وعِصمةٌ وضِياءُ
لا تحلُّ البأساءُ منهُ عُرى الص
بر ولا تستخفّه السّراءُ
كُرُمتْ نفس، فما يخطر السوءُ
على قلبهِ ولا الفحشاءُ
البوصيري:
الله أكبر إنَّ دينَ مُحَمّد
وكتابه أقوى وأقوم قيلا
طلعت به شمس الهداية للورى
وأبى لها وصف الكمال أفولا
والحقُّ أبلجُ في شريعته التي
جمعت فروعاً للهدى وأصولا
لا تذكروا الكتب السوالف عنده
طلع الصباح فأطفئوا القنديلا
البوصيري:
مُحَمَّدٌ حُجّةُ الله التي ظهرت
بِسُنّةٍ مالها في الخلقِ تحويلُ
من كمّل الله معناهُ وصورَتهُ
فلم يفته على الحالين تكميلُ
محمود سامي البارودي:
هيهات يَسلُكُ لومُ العاذلينَ إلى
قلبٍ بِحبِّ رسولِ الله مُمتزجِ
هوَ النبيُّ الذي لولا هدايتُهُ
لكانَ أعلمُ من في الأرضِ كالهمجِ
هاجت بذكراهُ نفسي فاكتست ولهاً
وأيُّ صَبٍّ بذكرِ الشوقِ لم يهجِ
محمود سامي البارودي في قصيدةكشف الغمّة في مدح سيد الأمّة:
يارائدَ البرقِ يَمّمْ دارةَ العَلَمِ
واحدُ الغَمامَ إلى حيٍّ بذي سَلَمِ
أدعو إلى الدّارِ بالسُّقيا وبي ظَمأٌ
حَقٌّ بالرِّيِّ لكنّي أخو كَرَمِ
منازلٌ لِهواها بينَ جانحتي
وديعةٌ سِرُّها لم يتصِلْ بفمي
إذا تَنسّمتُ منها نَفحةٌ لَعِبتْ
بيَ الصَبابةُ لَعِبَ الريحِ بالعَلَمِ
أدِرْ على السَّمعِ ذكراها فإنَّ لها
في القلبِ منزلةً مَرعيّةَ الذِمَمِ
عهدٌ تولّى وأبقى في الفؤادِ لهُ
شوقاً يَفُلُّ شَباةَ الرأي والهِمَمِ
إذا تذكّرتهُ لاحتْ مَخائِلُهُ
للعينِ حتى كأنّي منهُ في حُلُمِ
فما على الدَّهرِ لو رقَّتْ شَمائلُهُ
فعادَ بالوصلِ أو ألقى يدَ السَّلمِ
تَكاءدَنني خطوبٌ لو رَميتُ بها
مناكِبَ الأرضِ لم تثبُتْ على قَدَمِ
في بلدةٍ مثلِ جَوفِ العَيرِ لستُ أرى
فيها سوى أُمَمٍ تحنو على صَنمِ
لا أستقِرُّ بها إلا على قَلَقٍ
ولا ألذُّ بها إلا على ألمِ
إذا تَلّفتُ حولي لم أجد أثراً
إلا خيالي ولم أسمع سوى كَلمي
فمنْ يَرُدُّ على نفسي لُبانتَها
أو من يُجيرُ فؤادي من يدِ السَّقَمِ
مُحَمّدٌ خاتمُ الرُسلِ الذي خضعت
لهُ البريّةُ من عُرْبٍ ومن عَجَمِ
سميرُ وحيٍ ومَجنى حِكمةٍ وندى
سماحةٍ وقِرى عافٍ ورَيُّ ظَمِ
قد أبلغَ الوحيُ عنهُ قبلَ بعثتهِ
مسامعَ الرُسلِ قولاً غيرَ مُنكَتمِ
فذاكَ دعوةُ إبراهيمَ خالِقَهُ
وسرُّ ما قالهُ عيسى من القِدَمِ
أكرِمْ بهِ وبآباءٍ مُحَجَّلةٍ
جاءت بهِ غُرَّةً في الأعصُرِ الدُّهُمِ
قد كانَ في مَلكوتِ الله مُدَّخراً
لدعوةٍ كانَ فيها صاحبَ العَلَمِ
نورٌ تَنَقَّلَ في الأكوانِ ساطِعُهُ
تَنَقُّلَ البدرِ من صُلبٍ إلى رَحِمِ
حتى استقرَّ بعبدِ الله فانبلجت
أنوارُ غُرَّتهِ كالبدرِ في البُهُمِ
واختارَ آمنةَ العذراءَ صاحبةً
لفضلها بين أهلِ الحِلِّ والحَرَمِ
كِلاهُما في العُلا كُفءٌ لصاحبهِ
والكُفءُ في المجدِ لا يُستامُ بالقِيِم
فأصبحت عندَهُ في بيتِ مَكرمةٍ
شِيدت دعائِمُهُ في منصِبٍ سِنِمِ
وحينما حَملتْ بالمُصطفى وضعت
يدُ المشيئةِ عنها كُلفَةَ الوَجَمِ
ولاحَ من جسمها نورٌ أضاءَ لها
قصورَ بُصرى بأرضِ الشّآمِ من أمَمِ
ومُذ أتى الوَضعُ وهو الرَّفعُ منزلةً
جاءت بروحٍ بنورِ الله مُتَسّمِ
ضاءت به غُرَّةُ الإثنينِ وابتسمت
عن حُسنهِ في ربيعٍ روضةُ الحَرَمِ
وأرضعتهُ ولم تيأس حليمةُ من
قولِ المراضعِ إنَّ البؤسَ في اليَتَمِ
ففاضَ بالدَّرِّ ثدياها وقد غَنيت
ليالياً وهي لم تطعم ولم تَنمِ
وانهلَّ بعد انقطاعٍ رِسْلُ شارفِها
حتى غَدَت من رَفيهِ العيشِ في طُعَمِ
فَيَمّمت أهلها مملوءةً فرحاً
بما أُتيحَ لها من أوفرِ النِّعمِ
وقَلَّصَ الجدبُ عنها فهي طاعِمةٌ
من خيرِ ما رَفدتها ثَلّةُ الغَنَمِ
وكيفَ تَمحلُ أرضٌ حلَّ ساحتها
مُحَمّدٌ وهو غيثُ الجودِ والكَرَمِ
فلم يزل عندها ينمو وتكلؤهُ
رعايةُ الله من سوءٍ ومن وَصَمِ
حتى إذا تمَّ ميقاتُ الرَّضاعِ لهُ
حَولينِ أصبحَ ذا أيدٍ على الفُطُمِ
وجاءَ كالغُصنِ مجدولاً تَرِفُّ على
جبينهِ لمحاتُ المجدِ والفَهٍمِ
قد تمَّ عقلاً وما تمّت رَضاعتهُ
وفاضَ حِلماً ولم يبلغ مدى الحُلُمِ
فَبينما هوَ يرعى البَهْمَ طافَ بهِ
شخصانِ من ملكوتِ الله ذي العِظَمِ
فأضجعاهُ وشقّا صدرهُ بيدٍ
رفيقةٍ لم يَبِت منها على ألمِ
وبعدَ ما قضيا من قلبهِ وطراً
تولّيا غسلهُ بالسَّلسلِ الشَّبِمِ
ما عالجا قلبَهُ إلا لِيخلصَ من
شَوبِ الهوى ويعي قُدسيّةَ الحِكَمِ
فيا لها نِعمةً لله خصَّ بها
حبيبَهُ وهو طِفلٌ غيرُ مُحتَلمِ
وقال عنهُ بَحيرا حينَ أبصرَهُ
بأرضِ بُصرى مقالاً غيرَ مُتَهَّمِ
إذ ظَلّلتهُ الغمامُ الغُرُّ وانهصرت
عطفاً عليه فروعُ الضَّالِ والسَّلمِ
بأنّهُ خاتمُ الرُّسلِ الكِرامِ ومنْ
بهِ تزولُ صروفُ البؤسِ والنِّقَمِ
هذا وكمْ آيةٍ سارت لهُ فَمَحتْ
بنورها ظُلمةَ الأهوالِ والقُحَمِ
ما مرَّ يومٌ لهُ إلا وقَلّدَهُ
صنائعاً لم تَزَل في الدَّهرِ كالعَلَمِ
حتى استَتّمَ ولا نقصانَ ياحقهُ
خمساً وعشرينَ سِنُّ البارعِ الفَهِمِ
ولَقَّبتهُ قريشٌ بالأمينِ على
صِدقِ الأمانةِ والإيفاءِ بالذِّممِ
ودّت خديجةُ أن يرعى تجارتها
وِدادَ مُنتهزٍ للخيرِ مُغتَنِمِ
فَشدَّ عَزمتها منهُ بِمُقتدرٍ
ماضي الجنانِ إذا ما همَّ لم يخِمِ
وسارَ مُعتزماً للِشأمِ يصحبهُ
في السَّيرِ ميسرةُ المَرضيُّ في الحشَمِ
فما أناخَ بها حتى قضى وطراً
من كُلِّ ما رامهُ في البيعِ والسَّلمِ
وكيفَ يخسرُ من لولاهُ ما ربحت
تِجارةُ الدِّينِ في سَهلٍ وفي عَلَمِ
فَقَصَّ ميسرةُ المأمونُ قِصّتهُ
على خديجةَ سَرداً غيرَ مُنعَجِمِ
وما رواهُ لهُ كهلٌ بصومعةٍ
من الرَّهابينِ عن أسلافهِ القُدُمِ
في دوحةٍ عاجَ خيرُ المُرسلينَ بها
من قبلِ بعثهِ للعُربِ والعَجمِ
هذا نبيٌّ ولم ينزل بساحتها
إلا نبيٌّ كريمُ النَّفسِ والشِّيمِ
وسيرةَ المَلكينِ الحائمينِ على
جبينهِ لِيُظِلّاهُ من التّهمِ
فكانَ ما قَصّهُ أصلاً لما وصلت
بهِ إلى الخَيرِ من قصدٍ ومُعتَزَمِ
أحسِن بها وصلةً في الله قد أخذت
بها على الدّهرِ عَقداً غيرَ مُنفصمِ
فأصبحا في صفاءٍ غير منقطعٍ
على الزمانِ ووِدٍّ غير مُنصرمِ
وحينما أجمعت أمراً قريشُ على
بنايةِ البيتِ ذي الحُجّابِ والخَدَمِ
تَجَمَّعت فِرَقُ الأحلافِ واقتسمت
بناءَهُ عن تراضٍ خيرَ مُقتَسِمِ
حتى إذا بلغَ البُنيانُ غايتَهُ
من موضعِ الرُّكنِ بعد الكدِّ والجشَمِ
تسابقوا طَلباً للأجرِ واختصموا
فيمن يشدُّ بناهُ كُلَّ مُختَصمِ
وأقسمَ القومُ أن لا صُلحَ يعصمُهُم
من اقتحامِ المنايا أيّما قَسَمِ
وأدخلوا حينَ جَدَّ الأمرُ أيديَهم
للِشرِّ في جفنةٍ مملوءةٍ بِدَمِ
فقالَ ذو رأيهم لا تعجلوا وخذوا
بالحزمِ فهوَ الذي يشفي من الحَزَمِ
لِيرضَ كلُّ امرىءٍ منا بأوّلِ من
يأتي فَيُقسِطُ فينا قِسطَ مُحتَكمِ
فقالَ كُلٌّ رضينا بالأمينِ على
عِلمٍ فأكرِم به من عادلٍ حَكَمِ
فكانَ أوَّلَ آتٍ بعدما اتفقوا
مُحَمّدٌ وهو في الخيراتِ ذو قَدَمِ
فأعلموهُ بما قد كانَ واحتكموا
إليهِ في حَلِّ هذا المُشكلِ العَمَمِ
فَمدَّ ثوباً وحَطَّ الرُكنَ في وسطٍ
منهُ وقال ارفعوهُ جانبَ الرّضَمِ
فنالَ كلُّ امرىءٍ حظاً بما حملَت
يداهُ منهُ ولم يَعتِب على القِسَمِ
حتى إذا اقتربوا تِلقاءَ موضعهِ
من جانب البيتِ ذي الأركانِ والدّعمِ
مدَّ الرَّسولُ يداً منهُ مُباركةً
بَنتهُ في صَدَفٍ من باذخٍ سَنِمِ
فليزدد الرُّكنُ تيهاً حيثُ نالَ بهِ
فخراً أقامَ لهُ الدنيا على قَدَمِ
لو لم تكن يدُهُ مَسّتهُ حين بنى
ما كانَ أصبحَ ملثوماً بِكُلِّ فمِ
يا ليتني والأماني رُبّما صدقت
أحظى بِمُعتَنقٍ منهُ ومُلتَزَمِ
يا حَبّذا صِبغةٌ من حُسنهِ أخذت
منها الشَّبيبةُ لونَ العُذرِ واللَّممِ
كالخالِ في وجنةٍ زِيدت محاسِنُها
بِنُقطةٍ منهُ أضعافاً من القِيَمِ
وكيفَ لا يفخرُ البيتُ العتيقُ بهِ
وقد بنتهُ يدٌ فيّاضةُ النِّعَمِ
أكرِم به وازعاً لولا هِدايتُهُ
لم يظهر العدلُ في أرضٍ ولم يَقُمِ
هذا الذي عصمَ الله الأنامَ به
من كُلِّ هولٍ من الأهوالِ مُختَرِمِ
وحينَ أدركَ سِنَّ الأربعينَ وما
من قَبلهِ مبلغٌ للِعلمِ والحِكَمِ
حباهُ ذو العَرشِ بُرهاناً أراهُ بهِ
آيات حِكمتهِ في عالَمِ الحُلُمِ
فكانَ يمضي ليرعى أُنسَ وحشتهِ
في شاسعٍ ما بهِ للِخَلقِ من أرَمِ
فما يَمُرُّ على صخرٍ ولا شجرٍ
إلا وحَيّاهُ بالتَسليمِ من أَمَمِ
حتى إذا حانَ أمرُ الغيبِ وانحسرت
أستارُهُ عن ضميرِ اللوحِ والقَلمِ
نادى بدعوتهِ جهراً فأسمعها
في كُلِّ ناحيةٍ من كانَ ذا صَمَمِ
فكانَ أوَّلُ من في الدِّينِ تابَعَهُ
خديجةٌ وعليٌّ ثابتُ القَدَمِ
ثمَّ استجابت رجالٌ دونَ أُسرتهِ
وفي الأباعدِ ما يُغني عن الرَّحمِ
ومن أرادَ بهِ الرَّحمنُ مَكرُمةً
هداهُ للِرُّشدِ في داجٍ من الظُّلمِ
ثمَّ استمرَ رسولُ الله مُعتَزماً
يدعو إلى ربِّهِ في كُلِّ مُلتأمِ
والناسُ منهُم رشيدٌ يستجيبُ له
طوعاً ومنهم غَوِيٌّ غيرُ مُحتَشِمِ
حتى استرابت قُريشٌ واستبدَّ بها
جهلٌ تَردّت بهِ في مارجٍ ضَرِمِ
وعذّبوا أهلَ دينِ الله وانتهكوا
محارماً أعقبتهُم لهفةَ النَّدمِ
وقامَ يدعو أبو جهلٍ عشيرَتهُ
إلى الضّلالِ ولم يَجنح إلى سَلَمِ
يُبدي خِداعاً ويُخفي ما تضمنّهُ
ضميرهُ من غَراةِ الحِقدِ والسَّدَمِ
لا يَسلمُ القلبُ من غِلٍّ ألمَّ بهِ
ينقى الأديمُ ويبقى موضِعَ الحَلَمِ
والحقدُ كالنّارِ إن أخفيتهُ ظهرت
منهُ علائمُ فوق الوجه كالحُمَمِ
لا يُبصرُ الحقَّ مَن جهلٌ أحاطَ بهِ
وكيف يُبصِرُ نورَ الحقِّ وهو عَمِّ
كلُّ امريءٍ واجدٌ ما قدّمت يدُهُ
إذا استوى قائماً من هُوَّةِ الأدَمِ
والخيرُ والشرُّ في الدنيا مُكافأةٌ
والنّفسُ مسؤولةٌ عن كلِّ مُجتَرَمِ
فلا يَنم ظالمٌ عمّا جَنت يدُهُ
على العبادِ فعينُ الله لم تَنَمِ
ولم يزل أهلُ دينِ الله في نَصَبٍ
ممّا يُلاقونَ من كَربٍ ومن زأمِ
حتى إذا لم يَعُد في الأمرِ مَنزعةٌ
وأصبحَ الشَّرُّ جهراً غيرَ مُنكَتمِ
ساروا إلى الهجرةِ الأولى وما قصدوا
غيرَ النّجاشيِّ ملكاً صادِقَ الذِّمَمِ
فأصبحوا عندَهُ في ظِلِّ مملكةٍ
حصينةٍ وذِمامٍ غيرِ مُنجَذِمِ
من أنكرَ الضَّيمَ لم يأنس بِصحبتهِ
ومن أحاطت بهِ الأهوالُ لم يُقِمِ
ومُذ رأى المُشركون الدِّين قد وضحت
سماؤهُ وانجلت عن صِمَّةِ الصِّمَمِ
تألّبوا رغبةً في الشرِّ وائتمروا
على الصَّحيفة من غيظٍ ومن وَغَمِ
صحيفةٌ وَسَمت بالغدرِ أوجُهَهُم
والغدرُ يَعلَقُ بالأعراضِ كالدَّسَمِ
فَكشَّفَ الله منها غُمّةً نزلت
بالمؤمنينَ ورَبِّي كاشفُ الغُمَمِ
من أضمرَ السُّوءَ جازاهُ الإلهُ بهِ
ومن رعى البغيَ لم يسلم من النِّقَمِ
كفى الطُّفيلَ بن عَمروٍ لُمعَةٌ ظهرت
في سَوطهِ فأنارت سُدفَةَ القَتَمِ
هدى الله بها دَوساً من ضلالتها
فتابعت أمرَ داعيها ولم تَهِمِ
وفي الإراشيِّ للأقوامِ مُعتَبرٌ
إذ جاء مكّةَ في ذَودٍ من النَّعمِ
فباعها من أبي جهلٍ فماطَلَهُ
بحقِّهِ وتمادى غيرَ مُحتَشِمِ
فجاءَ منتصراً يشكو ظُلامتَهُ
إلى النبيِّ ونعِمَ العونُ في الإزَمِ
فقامَ مُبتدراً يسعى لِنُصرتهِ
ونُصرةُ الحقِّ شأنُ المرءِ ذي الهِمَمِ
فَدَقَّ بابَ أبي جهلٍ فجاءَ لهُ
طَوعاً يجُرُّ عِنانَ الخائفِ الزَّرِمِ
فحينَ لاقى رسولَ الله لاحَ لهُ
فَحْلٌ يَحُدُّ إليهِ النَّابَ من أطَمِ
فهالهُ ما رأى فارتدَّ مُنزعجاً
وعادَ بالنّقدِ بعدَ المَطلِ عن رَغَمِ
أتلكَ أم حينَ نادى سَرْحةً فأتت
إليهِ منشورةَ الأغصانِ كالجُمَمِ
حَنَّت عليهِ حُنُوَّ الأُمِّ من شَفَقٍ
ورفرفت فوقَ ذاك الحُسنِ من رَخَمِ
جاءتهُ طوعاً وعادت حين قال لها
عُودي ولو خُلِّيت للشّوقِ لم تَرِمِ
وحَبّذا ليلةُ الإسراءِ حينَ سرى
ليلاً إلى المسجدِ الأقصى بلا أتَمِ
رأى بهِ من كِرامِ الرُّسلِ طائفةً
فأمَّهُم ثمَّ صلى خاشعاً بهِمِ
بل حَبَّذا نهضةُ المِعراجِ حيَ سما
بهِ إلى مَشهدٍ في العزِّ لم يُرَمِ
سما إلى الفَلكِ الأعلى فنالَ بهِ
قدراً يَجِلُّ عن التشبيهِ في العِظَمِ
وسارَ في سُبُحاتِ النُّورِ مُرتقياً
إلى مدارجَ أعيت كُلَّ مُعتَزِمِ
وفازَ بالجوهرِ المكنونِ من كَلِمٍ
ليست إذا قُرِنت بالوصفِ كالكَلِمِ
سرٌّ تحارُ بهِ الألبابُ قاصرةً
ونِعمةٌ لم تكن في الدهرِ كالنِّعمِ
هيهاتَ يبلغُ فهمٌ كُنهَ ما بلغت
قُرباهُ منهُ وقد ناجاهُ من اَمَمِ
فيا لها وصلةٌ نالَ الحبيبُ بها
ما لم ينلهُ من التَّكريم ذو نَسَمِ
فاقت جميعَ الليالي فهي زاهرةٌ
بِحُسنها كزُهورِ النّارِ في العَلَمِ
هذا وقد فرضَ الله الصَّلاة على
عبادهِ وهَداهُم واضحَ اللّقَمِ
فسارعوا نحوَ دينِ الله وانتصبوا
إلى العبادةِ لا يألونَ من سأمِ
ولم يزل سيّدُ الكونينِ مُنتصباً
لدعوةِ الدِّينِ لم يفتر ولم يَجِمِ
يستقبلُ الناسَ في بدوٍ وفي حَضَرٍ
وينشرُ الدِّينَ في سَهلٍ وفي عَلَمِ
حتى استجابت لهُ الأنصارُ واعتصموا
بحبله عن تراضٍ خيرَ مُعتَصمِ
فاستكملت بهمُ الدنيا نضارَتها
وأصبحَ الدِّينُ في جَمعٍ بهم تَمِمِ
قومٌ أقرّوا عِمادَ الحقِّ واصطلموا
ببأسهم كُلَّ جبّارٍ ومُصطلَمِ
فكم بهم أشرقت أستارُ داجيةٍ
وكم بهم خَمدت أنفاسُ مُختَصمِ
فحينَ وافى قُريشاً ذِكرُ بَيعتهم
ثاروا إلى الشَّرِّ فِعلَ الجاهلِ العَرِمِ
وبادهوا أهلَ دينِ الله واهتضموا
حُقوقَهم بالتمادي شرَّ مثهتَضَمِ
فكم ترى من أسيرٍ لا حِراكَ بهِ
وشاردٍ سارَ من فَجٍّ إلى أكَمِ
فهاجرَ الصّحبُ إذ قالَ الرسولُ لهم
سيروا إلى طَيبةَ المَرعيّةِ الحُرَمِ
وظلَّ في مَكّةَ المختارُ منتظراً
إذناً من الله في سَيرٍ ومُعتزَمِ
فأوجست خيفةً منهُ قريشُ ولم
تقبل نصيحاً ولم ترجع إلى فَهَمِ
فاستجمعت عُصَباً في دارِ ندوتها
تبغي بهِ الشَّرَّ من حقدٍ ومن أضَمِ
ولو دَرَت أنّها فيما تُحاولهُ
مخذولةٌ لم تَسُمْ في مرتعٍ وَخِمِ
أولى لها ثُمّ أولى أن يَحيقَ بها
ما أضمرتهُ من البأساءِ والشَّجَمِ
إني لأعجبُ من قومٍ أولي فِطَنٍ
باعوا النُّهى بالعَمى والسَّمعَ بالصممِ
يعصونَ خالقهم جهلاً بِقدرتهِ
ويعكفونَ على الطّاغوتِ والصَّنمِ
فأجمعوا أمرَهُم أن يبغتوهُ إذا
جَنَّ الظَّلامُ وخَفَّت وطأةُ القَدمِ
وأقبلوا مَوهناً في عُصبةٍ غُدُرٍ
من القبائلِ باعوا النّفسَ بالزَّعَمِ
فجاءَ جبريلُ للهادي فأنباهُ
بما اسَرّوهُ بعدَ العهدِ والقَسَمِ
فَمُذ رآهم قياماً حولَ مأمنهِ
يبغونَ ساحتهُ بالشّرِّ والفَقَمِ
نادى عَليّاً فأوصاهُ وقال له
لا تخشَ والبس ردائي آمناً ونَمِ
ومرَّ بالقومِ يتلو وهوَ منصرفٌ
يس وهي شِفاءُ النَّفسِ من وَصَمِ
فلم يروهُ وزاغت عنهُ أعيُنُهُم
وهل ترى الشَّمس جهراً أعينُ الحَنَمِ
وجاءهُ الوحيُ إيذاناً بهجرتهِ
فَيَمّمَ الغارَ بالصدِّيقِ في الغَسَمِ
فما استقرَّ بهِ حتى تبوأهُ
من الحمائمِ زوجٌ بارِعُ الرَّنَمِ
بنى بهِ عُشَّهُ واحتلّهُ سكناً
يأوي إليهِ غداةَ الرِّيحِ والرَّهَمِ
إلفانِ ما جَمَعَ المقدارُ بينهما
إلا لِسرٍّ بصَدرِ الغارِ مُكتَتمِ
كِلاهُما دَيدبانٌ فوقَ مَربأةٍ
يرعى المسالكَ من بُعدٍ ولم يَنمِ
إن حنَّ هذا غراماً أو دعا طَرَباً
باسمِ الهديلِ أجابت تلكَ بالنَّغمِ
يخالها من يراها وهي جاثمةٌ
في وكرها كُرةً ملساءَ من ادَمِ
إن رفرفت سكنت ظِلاً وإن هبطت
روت غليلَ الصّدى من حائرٍ شَبِمِ
وسجفَ العنكبوتُ الغارَ محتفياً
بخيمةٍ حاكها من أبدعِ الخِيَمِ
وارت فمَ الغارِ عن عينٍ تُلِمُّ بهِ
فصارَ يحكي خفاءً وجهَ مُلتثمِ
فظلَّ فيه رسول الله معتكفاً
كالدُرِّ في البحرِ أو كالشمسِ في الغَسَمِ
حتى إذا سكنَ الإرجافِ واحترقت
أكبادُ قومٍ بنارِ اليأسِ والوَغَمِ
أوحى الرسولُ بإعدادِ الرَّحيلِ إلى
من عِندهُ السِّرُّ من خِلٍّ ومن حَشَمِ
وسارَ بعد ثلاثٍ من مباءتهِ
يؤُمُّ طَيبةَ مأوى كُلّ مُعتَصِمِ
فَحينَ وافى قُديداً حلَّ موكبُهُ
بأُمِّ مَعبدَ ذاتِ الشَّاءِ والغَنَمِ
فلم تجد لِقراهُ غيرَ ضائنةٍ
قد اقشعرّت مراعيها فلم تَسُمِ
فما أمرَّ عليها داعياً يدَهُ
حتى استهلّت بذي شَخبينِ كالدِّيمِ
ثمَّ استقلَّ وأبقى في الزمان لها
ذِكراً يسيرُ على الآفاقِ كالنَّسمِ
فبينما هو يطوي البيدَ أدركهُ
ركضاً سُراقةُ مثلَ القَشعَمِ الضَّرِمِ
حتى إذا ما دنا ساخَ الجوادُ بهِ
في بُرقَةٍ فهوى للسَّاقِ والقَدمِ
فصاحَ مُبتهلاً يرجو الأمانَ ولو
مضى على عزمهِ لانهارَ في رَجَمِ
وكيفَ يبلغُ مراً دونهُ وَزَرٌ
من العنايةِ لم يبلغهُ ذو نَسَمِ
فكفَّ عنهُ رسولُ الله وهو بهِ
أدرى وكم نِقَمٍ تفتَرُّ عن نِعَمِ
ولم يزل سائراً حتى أنافَ على
أعلامِ طَيبةَ ذاتِ المنظرِ العَمَمِ
أعظِم بمقدمهِ فخراً ومنقبةً
لمعشرِ الأوسِ والأحياءِ من جُشَمِ
فخرٌ يدومُ لهم فضلٌ بِذكرتهِ
ما سارت العِيسُ بالزُّوارِ للِحرَمِ
يومٌ بهِ أرَّخَ الإسلامُ غُرَّتهُ
وأدركَ الدِّينُ فيه ذِروةَ النُّجُمِ
ثمَّ ابتنى سيّدُ الكونينِ مسجدهُ
بُنيانَ عِزٍّ فأضحى قائمَ الدَّعمِ
واختصَّ فيه بلالاً بالأذانِ واجتمعت
لهث القبائلُ من بُعدٍ ومن زَمَمِ
قامَ النبيُّ خطيباً فيهمُ فأرى
نهجَ الهدى ونهى عن كُلِّ مُجتَرَمِ
وعَمَّهُمْ بكتابٍ حضَّ فيهِ على
محاسنِ الفضلِ والآدابِ والشِّيمِ
فأصبحوا في إخاءٍ غيرِ مُنصدعٍ
على الزَّمانِ وعِزٍّ غيرِ مُنهدمِ
وحينَ آخى رسولُ الله بينَهُمُ
آخى عَليّاً ونِعمَ العونُ في القُحَمِ
هوَ الذي هزمَ اللهُ الطغاةُ بهِ
في كُلِّ مُعتَرَكٍ بالبيضِ مُحتَدِمِ
فاستحكمَ الدِّينُ واشتدَّت دعائِمُهُ
حتى غدا واضحَ العِرنينِ ذا شَمَمِ
وأصبحَ الناسُ إخواناً وعَمَّهُم
فضلٌ من الله أحياهمُ من العَدَمِ
هذا وقد فرضَ الله الجهادَ على
رسولهِ لِيَبُثَّ الدِّينَ في الأممِ
فكانَ أوَّلُ غزوٍ سارَ فيهِ إلى
ودّانَ ثمَّ أتى من غيرِ مُصطَدَمِ
ثًمَّ استَمَرَّت سرايا الدِّينِ سابحةً
بالخيلِ جامحةً تستَنُّ باللُّجُمِ
سَرِيّةٌ كان يرعاها عُبيدةُ في
صَوبٍ وحمزةُ في أخرى إلى التَّهَمِ
وغزوةٌ سارَ فيها المُصطفى قُدُماً
إلى بُواطٍ بِجَمعٍ ساطعِ القَتَمِ
ومِثلَها يَمَّمت ذاتَ العُشيرةِ في
جيشٍ لُهامٍ كموجِ البحرِ مُلتَطِمِ
وسارَ سعدٌ إلى الخَرَّارِ يقدُمهُ
سعدٌ ولم يلقَ في مسراهُ من بَشَمِ
ويَمَّمت سَفوان الخيلُ سابحةً
بِكُلِّ مُعتَزمٍ للقَرنِ مُلتَزِمِ
وتابعَ السَّيرَ عبدُ الله مُتجهاً
تِلقاءَ نخلةَ مصحوباً بكُلِّ كَمي
وحُوّلت قِبلةُ الإسلامِ وقتئذٍ
عن وِجهةِ القُدسِ نحو البيتِ ذي العِظَمِ
ويَمّمَ المُصطفى بدراً فلاحَ لهُ
بدرٌ من النَّصرِ جلّى ظُلمةَ الوَخَمِ
يومٌ تَبَسَّمَ فيهِ الدِّينُ وانهملت
على الضَّلالِ عيونُ الشِّركِ بالسَّجَمِ
أبلى عَليٌّ بهِ خيرَ البلاءِ بما
حباهُ ذو العَرشِ من بأسٍ ومن هِمَمِ
وجالَ حمزةُ بالصَّمصامِ يكسؤُهُم
كسأً يُفرِّقُ منهم كُلَّ مُزدَحَمِ
وغادرَ الصَّحبُ والأنصارُ جَمعَهُمُ
وليسَ فيهِ كَميٌّ غيرُ منهزمِ
تَقَسَّمتهُم يدُ الهيجاءِ عادلةً
فالهامُ للبيضِ والأبدانُ للِرَّخَمِ
كأنّما البيضُ بالأيدي صوالجَةٌ
يلعبنَ في ساحةِ الهيجاءِ بالقِمَمِ
لم يَبقَ منهم كَمِيٌّ غيرُ مُنجَدلٍ
على الرّغامِ وعُضوٌ غيرُ مُنحَطِمِ
فما مضت ساعةٌ والحربُ مُسعَرَةٌ
حتى غدا جمعُهُم نهباً لِمُقتَسِمِ
قد أمطرَتهم سماءُ الحربِ صائبةً
بالمَشرفيَّةِ و المُرّانِ كالرُّجُمِ
فأينَ ما كانَ من زَهوٍ ومن صَلَفٍ
وأينَ ما كانَ من فخرٍ ومن شَمَمِ
جاؤوا وللِشَّرِّ وسمٌ في معاطِسِهم
فأُرغِموا والرَّدى في هذهِ السِّيَمِ
من عارضَ الحقَّ لم تسلم مَقاتِلُهُ
ومن تعَرَّضَ للأخطارِ لم يَنَمِ
فما انقضى يومُ بدرٍ بالتي عَظُمت
حتى مضى غازياً بالخيلِ في الشُّكُمِ
فَيَمّمَ الكُدرَ بالأبطالِ مُنتحياً
بني سُليمٍ فوَلّت عنهُ بالرَّغمِ
وسارَ في غزوةٍ تُدعى السَّويقَ بما
ألقاهُ أعداؤُهُ من عُظمِ زادِهِمِ
ثمَّ انتحى بوجوهِ الخَيلِ ذا أمرٍ
ففرَّ ساكِنُهُ رُعباً إلى الرَّقَمِ
وأَمَّ فرعاً فلم يَثقف بهِ أحداً
ومن يُقيمُ أمامَ العارضِ الهَزِمِ
ولَفَّ بالجيشِ حَيّيَ قَينُقاعَ بما
جَنوا فتَعساً لهم من معشرٍ قَزَمِ
وسارَ زيدٌ بجمعٍ نحوَ قَردةَ من
مياهِ نجدٍ فلم يثقف سوى النَّعَمِ
ثمَّ استدارت رَحا الهيجاءِ في أُحُدٍ
بكُلِّ مُفتَرِسٍ للقِرِنِ مُلتَهِمِ
يومٌ تَبيّنَ فيهِ الجِدُّ واتَّضحت
جَليّةُ الأمرِ بعدَ الجَهدِ والسَّأمِ
قد كان خُبراً وتَمحيصاً ومغفرةً
للمؤمنينَ وهل بُرءٌ بلا سَقَمِ
مضى عليٌّ به قُدماً فزلزلَهُم
بِحملةٍ أوردَتهُم مَورِدَ الشَّجَمِ
وأظهرَ الصَّحبُ والأنصارُ باسَهم
والبأسُ في الفعلِ غيرُ البأسِ في الكَلِمِ
خاضوا المنايا فنالوا عيشةً رَغَداً
ولذَّةُ النفسِ لا تأتي بلا ألمِ
من يلزَمِ الصَّبرَ يستحسن عواقِبَهُ
والماءُ يَحسنُ وقعاً عند كلِّ ظَمِ
لو لم يكن في احتمالِ الصَّبرِ منقبةٌ
لم يظهرِ الفرقُ بين اللؤمِ والكَرَمِ
فكانَ يوماً عتيدَ البأسِ نالَ بهِ
كِلا الفريقينِ جَهداً واريَ الحَدَمِ
أودى بهِ حَمزةَ الصِّنديدُ في نَفَرٍ
نالوا الشَّهادةَ تحتَ العارِضِ الرَّزِمِ
أَحسِن بها مَيتةً أحيوا بها شَرَفاً
والموتُ في الحربِ فخرُ السَّادةِ القُدُمِ
لا عارَ بالقومِ من موتٍ ومن سَلَبٍ
وهل رأيتَ حُساماً غيرَ مُنثَلمِ
فكانَ يوم جزاءٍ بعدَ مُختَبرٍ
لمن وفا وجفا بالعِزِّ والرَّغَمِ
قامَ النبيُّ بهِ في مأزِقٍ حَرِج
ترعى المناصلُ فيه مَنبِتَ الجُمَمِ
فلم يزل صابراً في الحربِ يفثؤُها
بالبيضِ حتى اكتست ثوباً من العَنَمِ
ورَدَّ عَينَ ابنِ نُعمان قتادةَ إذ
سالت فعادت كما كانت بلا لَتِمِ
وقد أتى بعدَ ذا يومُ الرَّجيعِ بما
فيه من الغدرِ بعدَ العهدِ والقَسَمِ
وثارَ نقعُ المنايا في مَعونةَ من
بني سُليَمٍ بأهلِ الفضلِ والحِكَمِ
ثُمَّ اشرأبَّت لِخفرِ العهدِ من سَفَهٍ
بنو النَّضيرِ فأجلاهم عنِ الأُطُمِ
وسارَ مُنتحياً ذاتَ الرِّقاعِ فلم
تلقَ الكتائبُ فيها كيدَ مُصطَدَمِ
وحلَّ من بعدها بدراً لِوعدِ أبي
سُفيانَ لكنّهُ ولّى ولم يَحُمِ
وأَمَّ دَومةَ في جمعٍ وعادَ إلى
مكانهِ وسماءُ النَّقعِ لم تَغِمِ
ثمَّ استثارت قريشٌ وهي ظالمةٌ
أحلافها وأتت في جَحفلٍ لَهِمِ
تستمرىءُ البغيَ من جَهلٍ وما علمت
أنَّ الجهالةَ مدعاةٌ إلى الثَّلَمِ
وقامَ فيهم أبو سُفيانَ من حَنَقٍ
يدعو إلى الشَّرِّ مثلَ الفحلِ ذي القَطَمِ
فخندقَ المؤمنونَ الدّارَ وانتصبوا
لحربهم كضواري الأُسدِ في الأجَمِ
فما استطاعت قُريشٌ نيلَ ما طلبت
وهل تنالُ الثُّريا كفُّ مُستَلِمِ
رامت بِجهلتها أمراً ولو علمت
ماذا أُعِدَّ لها في الغيبِ لم تَرُمِ
فَخَيّبَ الله مسعاها وغادرها
نهبَ الرّدى والصَّدى والرِّيحِ والطَّسَمِ
فقوَّضت عُمُدَ التَّرحالِ وانصرفت
ليلاً إلى حيثُ لم تسرَح ولم تَسُمِ
وكيفَ تَحمدُ عُقبى ما جَنت يدُها
بغياً وقد سَرَحت في مَرتعٍ وَخِمِ
قد أقبلت وهيَ في فخرٍ وفي جَذَلٍ
وأدبرت وهي في خِزيٍ وفي سَدَمِ
من يركبِ الغيَّ لا يَحمد عواقبهُ
ومن يُطِعْ قلبُهُ أمرَ الهوى يَهِمِ
ثُمَّ انتحى بِوجوهِ الخَيلِ ساهمةً
بني قُريظةَ في رَجراجةٍ حُطَمِ
خانوا الرسولَ فجازاهم بما كسبوا
وفي الخيانةِ مدعاةٌ إلى النِّقَمِ
وسارَ ينحو بني لِحيانَ فاعتصموا
خوفَ الرَّدى بالعوالي كُلَّ مُعتَصَمِ
وأَمَّ ذا قَرَدٍ في جحفلٍ لَجِبٍ
يستَنُّ في لاحبٍ بادٍ وفي نَسَمِ
وزارَ بالجيشِ غزواً أرضَ مُصطَلِقٍ
فما اتّقوهُ بغيرِ البيضِ في الخَدَمِ
وفي الحُديبيةِ الصُّلحُ استتبَّ إلى
عَشرٍ ولم يجرِ فيها من دمٍ هَدَمِ
وجاءَ خيبرَ في جَأواءَ كالحةٍ
بالخيلِ كالسَّيلِ والأسيافِ كالضَّرَمِ
حتى إذا امتنعت شُمُّ الحصونِ على
من رامها بعد إيغالٍ ومُقتَحَمِ
قال النبيُّ سأعطي رايتي رَجلاً
يُحِبُّني ويُحبُّ الله ذا الكَرمِ
ذا مِرَّةٍ يفتحُ الله الحُصونَ على
يديهِ ليسَ بِفرّارٍ ولا بَرِمِ
فما بدا الفجرُ إلا والزَّعيمُ على
جيشِ القتالِ عليٌّ رافِعُ العَلَمِ
وكانَ ذا رَمَدٍ فارتدَّ ذا بَصَرٍ
بِنَفثَةٍ أبرات عينيه من وَرَمِ
فسارَ مُعتزماً حتى أنافَ على
حصُونِ خيبرَ بالمسلولةِ الخُذُمِ
يمضي بِمُنصلِهِ قُدماً فيلحَمُهُ
مجرى الوريد من الأعناقِ واللِّممِ
حتى إذا طاحَ منه التُّرسُ تاحَ لهُ
بابٌ فكانَ لهُ تُرساً إلى العَتَمِ
بابٌ أبت قلبَهُ جَهداً ثمانيةٌ
من الصَّحابةِ أهلِ الجِدِّ والعَزَمِ
فلم يزل صائلاً في الحربِ مُقتحماً
غيابةَ النَّقعِ مثلَ الحَيدرِ القَرِمِ
حتى تَبلّجَ فجرُ النَّصرِ وانتشرت
به البشائرُ بين السَّهلِ والعَلَمِ
أبشِر بهِ يوم فتحٍ قد أضاءَ بهِ
وجهُ الزمانِ فأبدى بِشرَ مُبتَسمِ
أتى بهِ جعفرُ الطَّيارُ فابتهجت
بعودهِ أنفسُ الأصحابِ والعثزَمِ
فكانَ يوماً حوى عيدينِ في نَسَقٍ
فتحاً وعَود كريمٍ طاهرِ الشِّيمِ
وعاد بالنَّصرِ مولى الدِّينِ مُنصرفاً
يَؤُمُّ طَيبةَ في عِزٍّ وفي نِعَمِ
ثًمَّ استقامَ لبيتِ الله مُعتمراً
لِنَيلِ ما فاتهُ بالهدي للِحَرَمِ
وسارَ زيدٌ أميراً نحو مُؤتَةَ في
بعثٍ فلاقى بها الأعداءَ من كَثَمِ
فَعَبَّاَ المسلمونَ الجُندَ واقتتلوا
قِتالَ مُنتصرٍ للِحقِّ مُنتقمِ
فطاحَ زيدٌ وأودى جعفرٌ وقضى
تحتَ العَجاجةِ عبدُ الله في قُدُمِ
لا عارَ بالموتِ فالشَّهمُ الجريءً يرى
أنَّ الرَّدى في المعالي خيرُ مغتنَمِ
وحينَ خاست قُريشٌ بالعُهُودِ ولم
تُنصِف وسارت من الأهواءِ في نَقَمِ
وظاهرت من بني بَكرٍ حليفتها
على خُزاعةَ أهلِ الصِّدٌ في الذِّمَمِ
قامَ النبيُّ لِنصرِ الحقِّ مُعتزماً
بِجَحفَلٍ لِجموعِ الشِّركِ مُختَرِمِ
تبدو بهِ البيضُ والقَسطالُ مُنتشرٌ
كالشُّهبِ في الليلِ أو كالنارِ في الفَحَمِ
لَمعُ السيوفِ وتصهالُ الخيولِ بهِ
كالبرقِ والرّعدِ في مُغدَودِقٍ هَزِمِ
عَرمرمٌ ينسفُ الأرضَ الفضاءَ إذا
سرى بها ويدُكُّ الهضبَ من خِيَمِ
فيهِ الكُماةُ التي ذَلّت لعزَّتها
معاطسٌ لم تُذَلّل قبلُ بالخُطُمِ
من كُلِّ مُعتزِمٍ بالصبرِ مُحتَزِمٍ
للِقِرنِ مُلتزمٍ في البأسِ مُهتَزِمِ
طالت بِهم هِمَمٌ نالوا السِّماكَ بها
عن قُدرةٍ وعُلُوُّ النفسِ بالهِمَمِ
بيضٌ أساورةٌ غُلبٌ قساورةٌ
شُكسٌ لدى الحربِ مِطعامونَ في الأُزمِ
طابت نفوسهم بالموتِ إذ علموا
أن الحياةَ التي يبغونَ في العَدَمِ
ساسوا الجيادَ فظلّت في أعنِتّها
طَوعَ البنانةِ في كَرٍّ ومُقتحَمِ
تكادُ تفقهُ لحنَ القولِ من أدبٍ
وتسبقُ الوحيَ والإيماءَ من فَهَمِ
كأنَّ أذنابها في الكرِّ ألويةٌ
على سَفينٍ لأمرِ الرِّيحِ مُرتَسمِ
من كُلِّ مُنجَرِدٍ يهوي بصاحبهِ
بينَ العَجاجِ هويَّ الأجدلِ اللَّحِمِ
والبيضُ ترجُفُ في الأغمادِ من ظمأٍ
والسُّمرُ تَرعدُ في الأيمان من قَرَمِ
من كُلِّ مُطَّرِدٍ لولا علائقهُ
لسابقَ الموتَ نحوَ القِرنِ من ضَرَمِ
كأنّهُ أرقمٌ في رأسهِ حُمَةٌ
يستلُّ كيدَ الأعادي بابنةِ الرَّقمِ
فلم يزل سائراً حتى أنافَ على
أرباضِ مكّة بالفرسانِ والبُهَمِ
ولفَّهم بخميسٍ لو يَشُدُّ على
أركان رضوى لأضحى مائلَ الدِّعَمِ
فأقبلوا يسألونَ الصَّفحَ حين رأوا
أنَّ اللّجاجةَ مدعاةٌ إلى النَّدمِ
رِيعوا فذَلّوا ولو طاشوا لوَقَّرَهُم
ضربٌ يُفرّقُ منهم مجمعَ اللِّمَمِ
ذاقوا الرّدى جُرَعاً فاستسلموا جَزَعاً
للِصُّلحِ والحربُ مَرقاةٌ إلى السَّلَمِ
وأقبلَ النصرُ يتلو وهوَ مُبتَسِمٌ
المجدُ للسيفِ ليسَ المجدُ للِقَلمِ
يا حائِرَ اللُّبِّ هذا الحقُّ فامضِ لهُ
تَسلَم وهذا سبيلُ الرُّشدِ فاستقمِ
لا يَصرَعنَّكَ وهمٌ بتَّ ترقبُهُ
إنَّ التَّوهمَ حتفُ العاجزِ الوَخِمِ
هذا النبيُّ وذاك الجيشُ مُنتشرٌ
ملءَ الفضا فاستبق للخيرِ تغتنمِ
فالزم حِماهُ تجد ما شئتَ من أرَبٍ
وشِم نَداهُ إذا ما البرقُ لم يُشَمِ
واحلُل رِحالكَ وانزل نحوَ سُدَّتهِ
فإنّها عصمةٌ من أوثقِ العِصَمِ
أحيا بهِ الله أمواتَ القلوبِ كما
أحيا النّباتَ بفيضِ الوابلِ الرَّذِمِ
حتّى إذا تمَّ أمرُ الصُلحِ وانتظمت
به عقودُ الأماني أيَّ مُنتظَمِ
قامَ النبيُّ بِشكُرِ الله مُنتصباً
والشُّكرُ في كُلِّ حالٍ كافِلُ النِّعَمِ
وطافَ بالبيتِ سبعاً فوقَ راحلةٍ
قوداءَ ناجيةٍ أمضى من النَّسَمِ
فما أشارَ إلى بُدٍّ بِمِحجَنهِ
إلا هوى ليدٍ مغلولةٍ وفمِ
وفي حُنينٍ إذ ارتدَّت هَوازنُ عن
قصدِ السّبيلِ ولم تَرجِع إلى الحَكَمِ
سرى إليها ببحرٍ من مُلَملَملةٍ
طامي السّراة بموجِ البيضِ مُلتَطِمِ
حتى استذلّت وعادت بعدَ نخوتها
تُلقي إلى كُلِّ من تلقاهُ بالسَّلمِ
ويَمّمَ الطّائفَ الغَنّاءَ ثمَّ مضى
عنها إلى أجَلٍ في الغيبِ مُكتَتَمِ
وحينَ أوفى على وادي تَبوكَ سعى
إليهِ ساكِنُها طَوعاً بلا رَغَمِ
فصالحوهُ وأدّوا جِزيةً ورضوا
بِحُمهِ وتبيعُ الرُّشدِ لم يَهِمِ
ألفى بها عينَ ماءٍ لا تَبِضُّ فَمُذ
دعا لها انفجرت عن سائغٍ سَنِمِ
وراودَ الغيثَ فانهلَّت بوادِرُهُ
بعد الجمودِ بِمُنهلٍّ ومُنسَجِمِ
وأَمَّ طَيبةَ مسروراً بعودتهِ
يطوي المنازلَ بالوخّادةِ الرُّسُمِ
ثُمَّ استهَلّت وفودُ الناسِ قاطبةً
إلى حِماهُ فلاقت وافِرَ الكَرَمِ
فكانَ عامَ وفودٍ كُلّما انصرفت
عِصابةٌ أقبلت أخرى على قَدَمِ
وأرسلَ الرُّسلَ تترى للملوكِ بما
فيهِ بلاغٌ لأهلِ الذِّكرِ والفَهَمِ
وأَمَّ غالِبُ أكنافَ الكَديدِ إلى
بني المُلَوَّحِ فاستولى على النَّعَمِ
وحينَ خانت جُذامُ فلَّ شوكتها
زيدٌ بجمعٍ لرهطِ الشِّركِ مُقتَثِمِ
وسارَ مُنتحياً وادي القُرى فَمحا
بني فَزارةَ أصلَ اللؤُمِ والقَزَمِ
وأَمَّ خيبرَ عبدُ الله في نَفَرٍ
إلى اليسير فأرداهُ بلا أتَمِ
ويَمّمَ ابنُ أُنيسٍ عُرضَ نخلةَ إذ
طغا ابنُ ثَورٍ فأصماهُ ولم يَخِمِ
ثمَّ استقلَّ ابنُ حصنٍ فاحتوت يدُهُ
على بني العَنبرِ الطُّرّارِ والشُّجُمِ
وسارَ عمرو إلى ذاتِ السَّلاسلِ في
جمعٍ لُهامٍ لجيشِ الشِّركِ مُصطلمِ
وغزوتانِ لعبدِ الله واحدَةٌ
إلى رِفاعةَ والأخرى إلى إضَمِ
وسارَ جمعُ ابنِ عوفٍ نحوَ دَومةَ كي
يَفُلَّ سورةَ أهلِ الزُّورِ والتُّهَمِ
واّمَّ بالخيلِ سيفَ البحرِ مُعتزماً
أبو عُبيدةَ في صُيّابةٍ حُشُمِ
واَمَّ مَدينَ زيدٌ فاستوت يدُهُ
على العَدوِّ وساقَ السَّبيَ كالغَنمِ
وقامَ سالِمُ بالعَضبِ الجُرارِ إلى
أبي عُفيكٍ فأرداهُ ولم يَجِمِ
وانقضَّ ليلاً عُميرٌ بالحسامِ على
عَصماءَ حتى سقاها عَلقمَ العَدَمِ
وسارَ بَعثٌ فلم يُخطيء ثُمامةَ إذ
رآهُ فاحتازهُ غُنماً ولم يُلَمِ
ذاكَ الهُمامُ الذي لبّى بمكّة إذ
أتى بها مُعلناً في الأشهُرِ الحُرُمِ
وبعثَ عَلقمةَ استقرى العدوَّ ضُحىً
فلم يجد في خِللِ الحيِّ من أرمِ
وردَّ كُرزٌ إلى العذراءِ من غَدروا
يَسارَ حتى لقوا بَرحاً من الشَّجَمِ
وسارَ بعثُ ابنِ زيدٍ للشآمِ فلم
يلبث أن انقضَّ كالبازي على اليَمَمِ
فهذه الغزواتُ الغُرُّ شاملةً
جمعَ البُعوثِ كَدُرٍّ لاحَ في نُظُمِ
نَظمتها راجياً نيلَ الشَّفاعةِ من
خيرِ البرايا ومولى العُربِ والعَجَمِ
هوَ النبيُّ الذي لولاهُ ما قُبلت
رَجاةُ آدمَ لمّا زلَّ في القِدَمِ
حسبي بِطلعتهِ الغرّاءِ مَفخرةً
لمّا التقيتُ بهِ في عالَمِ الحُلُمِ
وقد حباني عَصاهُ فاعتصمتُ بها
في كُلِّ هولٍ فلم أفزَع ولم أهِمِ
فهيَ التي كان يحبو مثلها كَرَماً
لمن يَودُّ وحسبي نسبةً بِهِمِ
لم أخشَ من بعدِها ما كنتُ أحذَرُهُ
وكيفَ وهي التي تُنجي من الغُمَمِ
كفى بها نِعمةً تعلو بِقيمتها
نفسي وإن كنتُ مسلوباً من القِيَمِ
وما أبرِّىءُ نفسي وهيَ آمرةٌ
بالسُوءِ مالم تَعُقها خيفةُ النَّدمِ
فيا ندامةَ نفسي في المَعادِ إذا
تَعَوّذَ المرءُ خوفَ النُطقِ بالبَكمِ
لكنَّني واثِقٌ بالعفوِ من مَلِكٍ
يعفو برحمتهِ عن كُلِّ مُجتَرِمِ
وسوفَ أبلُغُ آمالي وإن عَظُمت
جرائمي يومَ ألقى صاحبَ العَلَمِ
هوَ الذي يُنعشُ المَكروبَ إذ عَلِقت
بهِ الرزايا ويُغني كلَّ ذي عَدَمِ
هيهاتَ يخذلُ مولاهُ وشاعرَهُ
في الحشرِ وهو كريمُ النَّفسِ والشِّيَمِ
فمدُحهُ رأسُ مالي يومَ مُفتقري
وحبُّهُ عِزُّ نفسي عندَ مُهتَضمي
وهبتُ نفسي لهُ حُبّاً وتَكرِمة
فهل تراني بلغتُ السُّؤلَ من سَلَمي
إنّي وإن مالَ بي دهري وبرَّحَ بي
ضَيمٌ أشاطَ على جَمرِ النَّوى أدَمي
لثابتُ العهدِ لم يحلُل قُوى أملي
يأسٌ ولم تَخطُ بي في سَلوةٍ قدمي
لم يتركِ الدّهرُ لي ما أستعينُ بهِ
على التَّجُملِ إلا ساعدي وفمي
هذا يُحَبِّرُ مدحي في الرسولِ وذا
يتلو على الناسِ ما أوحيهِ من كَلمي
يا سيّدَ الكونِ عفواً إن أثمتُ فلي
بِحُبّكم صلةٌ تُغني عن الرَّحمِ
كفى بِسلمانَ لي فخراً إذا انتسبت
نفسي لكم مثلَهُ في زُمرةِ الحَشَمِ
وحسنُ ظنّي بكم إن مُتُّ يكلؤني
من هولِ ما أتَّقي في ظُلمةِ الرَّجَمِ
تالله ما عاقني عن حَيِّكم شَجَنٌ
لكنّني مُوثَقٌ في رِبقةِ السَّلَمِ
فهل إلى زَورةٍ يحيا الفؤادُ بها
ذَريعةٌ أبتغيها قبلَ مُختَرَمي
شكوتُ بَثَّي إلى ربِّي لِنصفني
من كُلِّ باغٍ عتيدِ الجَورِ أوهكمِ
وكيفَ أرهبُ حَيفا وهوَ مُنتقمٌ
يهابهُ كلُّ جبّارٍ ومنتقمِ
لا غروَ إن نلتُ ما أمَّلتُ منهُ فقد
أنزلتُ مُعظمَ آمالي بذي كَرَمِ
يا مالكَ المُلكِ هب لي منكَ مغفرةً
تمحو ذنوبي غداةَ الخوفِ والنّدمِ
وامنُن عليَّ بِلُطفٍ منكَ يَعصمني
زَيغَ النُّهى يومَ أخذِ الموتِ بالكَظَمِ
لم أدعُ غيركَ فيما نابني فَقِني
شرَّ العواقبِ واحفظني من التُّهَمِ
حاشا لِراجيكَ أن يخشى العِثارَ وما
بعدَ الرَّجاءِ سوى التوفيقِ للِسَّلمِ
وكيفَ أخشى ضلالاً يعدما سِلكت
نفسي بِنورِ الهُدى في مَسلَكٍ قِيَمِ
ولي بِحُبِّ رسولِ الله منزلةٌ
أرجو بها الصَّفحَ يومَ الدِّينِ عن جُرُمي
لا أدّعي عِصمةً لكن يدي عَلِقت
بِسيِّدٍ من يَرِد مرعاتَهُ يَسُمِ
خدمتهُ بمديحي فاعتلوتُ على
هامِ السِّماكِ وصارَ السَّعدُ من خَدمي
وكيفَ أرهبُ ضَيماً بعد خدمتهِ
وخادِمُ السَّادةِ الأجوادِ لم يُضَمِ
أم كيفَ يخذُلني من بعدِ تَسميتي
باسمٍ لهُ في سماءِ العرشِ مُحترمِ
أبكانيَ الدَّهرُ حتى إذ لجِئتُ بهِ
حنا عليَّ وأبدى ثغرَ مُبتَسِمِ
فهوَ الذي يمنحُ العافينَ ما سألوا
فضلاً ويشفعُ يومَ الدِّينِ في الُمَمِ
نورٌ لِمقتبِسٍ ذُخرٌ لِمُلتمسٍ
حِرزٌ لِمُبتئسٍ كهفٌ لِمعتصمِ
بثَّ الرَّدى والنَّدى شَطرينِ فانبعثا
فيمن غَوى وهدى بالبؤسِ والنِّعَمِ
فالكفرُ من بأسهِ المشهورِ في حَرَبٍ
والدِّينُ من عدلهِ المأثورِ في حَرَمِ
هذا ثَنائي وإن قصَّرتُ فيه فلي
عُذرٌ وأينَ السُّها من كفِّ مُستَلِمِ
هيهاتَ ابلُغُ بالأشعارِ مدَحتهُ
وإن سلكتُ سبيلَ القالةِ القُدُمِ
ماذا عسى أن يقولَ المادحونَ وقد
أثنى عليهِ بفضلٍ مُنزلُ الكَلِمِ
فهاكها يا رسولَ الله زاهرةً
تُهدي إلى النَّفسِ رَيّا الآسِ والبَرَمِ
وسمتُها باسمكَ العالي فألبسها
ثوباً من الفخرِ لا يبلى على القِدمِ
غريبةٌ في إسارِ البَين لو أنسِت
بنظرةٍ منكَ لاستغنت عن النَّسَمِ
لم ألتزِم نظمَ حبّاتِ البديعِ بها
إذ كانَ صَوغُ المعاني الغُرِّ مُلتزمي
وإنّما هيَ أبياتٌ رجوتُ بها
نيلَ المُنى يوم تحيا بَذّةُ الرِّمَمِ
نثرتُ فيها فريدَ المَدحِ فانتظمت
أحسِن بِمُنتَثِرٍ منها ومُنتظِمِ
صَدَّرتها بِنسيبٍ شَفَّ باطنهُ
عن عِفّةٍ لم يَشنها قولُ مُتَّهِمِ
لم أتّخذهُ جُزافاً بل سلكتُ بهِ
في القولِ مَسلكَ أقوامٍ ذوي قَدَمِ
تابعتُ كَعباً وحسّاناً ولي بهما
في القولِ أُسوَةُ بَرِّ غيرِ مُتَّهمِ
والشِّعرُ معرضُ ألبابٍ يُروجُ بهِ
ما نَمَّقتهُ يدُ الآدابِ والحِكَمِ
فلا يَلُمني على التَّشبيبِ ذو عَنَتٍ
فَبلبلُ الرَّوضِ مطبوعٌ على النَّغمِ
وليسَ لي روضةٌ ألهو بزهرتها
في مَعرَضِ القولِ إلا روضةُ الحَرَمِ
فهيَ التي تَيّمت قلبي وهِمتُ بها
وجداً وإن كنتُ عفَّ النَّفسِ لم أهِمِ
معاهِدٌ نقشت في وجنتيَّ لها
أيدي الهوى أسطراً من عبرتي بِدَمِ
يا حاديَ العيسِ إن بَلَّغتني أملي
من قصدهِ فاقترح ما شئتَ واحتكمِ
سِر بالمطايا ولا ترفَق فليسَ فتىً
أولّى بهذا السُّرى من سائقٍ حُطَمِ
ولا تخف ضَلّةً وانظر فسوفَ ترى
نوراً يُريك مدَبَّ الذَّرِ في الاكَمِ
وكيفَ يخشى ضلالاً من يَؤُمُّ حِمى
مُحَمّدٍ وهو مِشكاةٌ على عَلَمِ
هَذي مُنايَ وحسبي أن أفوزَ بها
بِنعمةِ الله قبلَ الشَّيبِ والهَرَمِ
ومن يكن راجياً مولاهُ نالَ بهِ
ما لم ينلهُ بفضلِ الجِدِّ والهِمَمِ
فاسجد لهُ واقترِب بطاعتهِ
ما شئتَ في الدَّهرِ من جاهٍ ومن عِظَمِ
هوَ المَليكُ الذي ذَلّت لِعزّتهِ
أهلُ المصانعِ من عادٍ ومن إرَمِ
يُحيي البرايا إذا حانَ المَعادُ كما
يُحيي النّباتَ بشؤبوبٍ من الدِّيمِ
يا غافرَ الذنبِ والألبابُ حائرةٌ
في الحشرِ والنارُ ترمي الجوَّ بالضَّرمِ
حاشا لِفضلكَ وهو المُستعاذُ بهِ
أن لا تَمُنَّ على ذي خَلّةٍ عَدِمِ
إنّي لمستشفعٌ بالمصطفى وكفى
بهِ شفيعاً لدى الأهوالِ والقُحَمِ
فاقبل رجائي فما لي من ألوذُ بهِ
سواكَ في كُلِّ ما أخشاهُ من فَقَمِ
وصلِّ ربي على المختارِ ما طَلَعت
شمسُ النّهارِ ولاحت أنجُمُ الظُّلمِ
والآلِ والصّحبِ والأنصارِ من تبعوا
هُداهُ واعترفوا بالعهدِ والذِّمَمِ
وامنن على عبدكَ العاني بمغفرةٍ
تمحو خطاياهُ في بَدءٍ ومُختَتمِ
حافظ إبراهيم في العام الهجري الجديد(المنار العدد )285:
أطَلَّ على الأكوانِ والخلقُ تنظرُ
هلالٌ رآهُ المسلمونَ فكبرّوا
تجلّى لهم في صورةٍ زاد حُسنها
على الدّهرِ حُسناً أنها تتكّررُ
فبشرّهم من وجههِ وجبينهِ
وغرّتهِ والناظرين مُبشّرُ
وأذكرهُم يوماً اغرَّ مُحجّلاً
به تُوّجَ التاريخُ والسعدُ مُسفرُ
وهاجر فيه خيرُ داعٍ إلى الهدى
يَحفُّ به من قوّةِ الله عَسكرُ
يماشيه جبريلٌ وتسعى وراءه
ملائكةٌ ترعى خُطاه وتَخفِرُ
بيسراه برهان من الله ساطع
هدى وبيمناه الكتاب المُطّهرُ
فكان على أبواب مكّة ركبه
وفي يثرب أنوارهُ تتَفجّرُ
مضى العام ميمون الشهور مُباركاً
تعدّد أثار له وتسطر
مضى غير مُذموم فإن يذكروا له
هناتٍ فطبعُ الدهر يصفو ويكدرُ
وإن قيل أودى بالألوف أجابهم
مجيب لقد أحيا الملايين فانظروا
وفي عالم الإسلامِ في كلِّ بقعة
لهم أثر باق وذكر معطّرُ
حافظ ابراهيم في عيد الهجرة:
لي فيك حين بدا سناكَ وأشرقا
أملٌ سألتُ الله أن يتحقّقا
أشرِقْ علينا بالسُّعودِ ولا تَكُنْ
كأخيك مشئومَ المنازل أخرقا
هَللّتُ حينَ لمحتُ جَبينه
ورجوتُ فيه الخيرَ حينَ تألقّا
وهزَزتُهُ بقصيدةٍ لو أنّها
تُليتْ على الصخرِ الأصّمِ لأغدقا
فنأى بجانبهِ وخَصَّ بنحسهِ
مِصراً،وأسرفَ في النحوسِ وأغرقا
لو كنتُ أعلمُ ما يُخبئهُ لنا
لسألتُ ربي ضارعاً أن يمحقا
ورمى على أرضِ الكِنانةَ جِرمه
بالنازلات السُّودِ حتى أرهقا
حافظ ابراهيم:
ولو أنّني خُيّرتُ لاخترتُ أن أُرى
لِعيسكَ وحدي حادياً مُتَرِّنما
أسيرُ خِلالَ الرّكبِ نحو حظيرةٍ
على رَبِّها صلى الإله وسلّما
إلى خيرِ خلقِ الله من جاءَ ناطقاً
بآياتهِ انجيلُ عيسى بن مريما
هاشم رفاعي في الهجرة النبوية:
عيدٌ على الوادي أتى مختالاً
يحكي الربيعَ بشاشةً وجمالا
هو يوم ذكرى بصادقِ عزمهم
قهروا فساداً في الورى وضلالا
إنا لنذكرُ بالمُحرَّمفتيةً
بكفاحهم ضربوا لنا الأمثالا
خرجوا ليثربهاربين بدينهم
قد فارقوا أحبابهم والآلا
ولنصرةِ الحقِّ الذي طلعوا به
بذلوا النفوس وقدّموا الآجالا
ومن ابتغى الإصلاح في أرض الورى
ركب الشدائد وامتطى الأهوالا
يا يومَ هجرةِ خيرِ داعٍ للهدى
أحيا قدومكَ بيننا آمالا
ما أنتَ إلا رمزُ كلِ قضيةٍ
فيها القويُّ سقى الضعيف نكالا
يطغى عليه وبينما هو سادرٌ
في الغَيِّ يلقى مجده قد دالا
ما أنتَ إلا عيدُ كلَّ مُعذّبٍ
في الأرضِ قد ذاق العنا أشكالا
يُمسي ويُصبحُ في القيودِ مُكبلاً
وقد ارتدى من بؤسهِ سربالا
فإذا به بعد المذلّة سيّدٌ
تعنو الجباهُ لمجدهِ إجلالا
هاشم رفاعي في المولد النبوي:
مدحُ الرسولِ اليومَ كلُّ مُرادي
فمديحهُ يُطفي لهيبَ الصّادي
طيفُ الرسولِ سرى فهزَّ مشاعري
والشوقُ ألهبَ مُهجتي وفؤادي
يا ناشرَ الإسلام إنَّ قصائدي
نالت بمدحكَ رفعةَ الإنشادِ
في عيدِ مولدكَ السماءُ تَزّينتْ
بكواكبِ الأفراحِ والأعيادِ
يا خيرَ خلقِ الله يا علمَ الهدى
يا شافعاً للناسِ في الميعادِ
اضرع لربّكَ أن يبيد عدونا
ويكفي شرَّ أولئكَ الأوغاد
صلى عليك الله يا خير الورى
مازارَ قبرُكَ رائحٌ أو غادي
هاشم رفاعي نهج البردة“:
هَبّت رياحُ الصّبا فاستكتبت قلمي
مدحَ الرسول كريمِ الخلقِ والشِيّمِ
مالي وللرُسلِ امضي في مدائحهم
إنَّ الرسولَ رفيعُ القدرِ عن كلمي
شوقي إليكَ رسولَ الله أظمأني
والمدحُ يُطفي لهيبَ الظاميءِ النهمِ
إني مدحتك يا خيرَ الورى طمعاً
في أن أنالَ الرِّضى يا واسعَ الكرمِ
فاعطف على عاشقٍ أضناهُ حُبّكم
وكن رحيماً بِصّبٍ ذابَ من ألمِ
فكن شفيعي رسولَ الله، واأملي!
واطلبْ من الله ستراً لي وللأمم
فأنتَ من يَستجب ربُّ العبادِ لهُ
أنتَ الحبيبُ الكريم الكاشف الغمم
إنّ العروبةَ في إبَّانِ محنتها
فكن لطيفاً بنا يا ربِّ وانتقمِ
هذا مديحي رسولَ الله معتذراً
إن كنتُ لم أوفِ حقَّ القولِ والكلمِ
فإنّ مثلي رسولَ الله يعجز عن
صلى الإله على خير الورى كرماً
مديحِ ذاتٍ سرتْ لله في الظّلمِ
مُحَمّدٌ أفضلُ الأعراب والعجمِ
هاشم رفاعي في مولد الرسول صلى الله عليه وسلم:
شهرَ الربيعِ حَللت نورا ساطعاً
يجلو ظلام الكربِ والأتراحِ
فرحَ الأنامُ أما رأيتَ قلوبَهم
سَعدت بنورِ جبينك الوضّاحِ
والكونُ يملؤهُ الضياء كأنّهُ
قد لُفَّ من نور الهدى بوشاحِ
للهدي بابٌ كان أُغلق دوننا
والله أرسلَ فيك بالمفتاحِ
حدِّث أيا شهرَ الربيع،وصِف لنا
يوماً أهلَّ بعطرهِ الفوَّاحِ
يوماً به ولدَ الهدى فضياؤُهُ
قد عَمَّ مكّةَ من رُباً وبطاحِ
يوماً على هامِ الزمانِ مُتوَّجاً
فالكونُ فيه أُنيرَ بالمصباحِ
هذا الذي قد جاءنا برسالةٍ
تهدي وتُرشدنا سبيل فلاحِ
نشرَ الهداية في الجهالة فانطوت
مثل الظلام طواهُ نورُ صباحِ
لم يُثنِ عزمَ محمدٍ قولُ الملا
قد نالهُ مَسٌّ من الأرواحِ
أو يستكنْ لمّا رموهُ لجهلهم
فأُصيبَ من أحجارهم بجراحِ
لك يا ابن عبد الله عزمُ مُثابرٍ
تدعو بجدٍ لم يُشَبْ بمزاحِ
لله أنتَ قاومتكَ عِصابةٌ شريرةٌ
من كلِّ باغٍ مشركٍ سَفّاحِ
إذ قمتَ تبني للمنارِ دعائماً
وتُقيمُ ركن الهدي والإصلاحِ
فأتوا بجمعٍ من شبابٍ طائش
قد دجّجوهُ بِعُدّةٍ وسلاحِ
قالوا له اذهب فأتِينَّ بأحمدٍ
فوقَ السيوفِ وفوقَ سنِّ رماحِ
لن يستطيع شبابُهم نيل المُنى
قَسماً بربيَ فالقِ الإصباحِ
فسلاحهم غدرٌ وبغيُ جهالةٍ
وسلاحهُ نصرٌ من الفَتَّاحِ
في جنة الرضوانِ قوم قد أبوا
إلا الصُّمودَ أمامَ كلِّ رياحِ
قد أُشربوا كأسَ العذابِ فلم تَلِن
منهم قناةُ عزيمةٍ يا صاحِ
وبلالُ مَنْ كبلال قد ذاقَ العنا
في الله عُذبتَ يا ابن رباح؟
ونطقت بالتوحيدِ لم تشكُ الأسى
إذ عذّبوك ولم تفُه بنواحِ
فجزاء مثلك أن يكونَ مُؤذناً
في يومِ كُلِّلَ سعيهم بنجاحِ
ألقت قريشُ،وأيقنت بهلاكها
سيفَ الضلالة،دونَ أيِّ نُباحِ
لما تقدمتِ الكتائبُ نحوها
ما بينَ تكبيرٍ وبين صياحِ
جَزِعَ البُغاةُ من الرسولِ لأنهم
كم أتبعوه بِشدَّةٍ وكفاحِ
فرحوا فما فوهُ أهلَ عداوةٍ
بل أهلَ مغفرةٍ وأهلَ سماحِ
بسط السلامُ على الربوعِ جناحه
لما أضاءَ الكونَ نورُ الماحي
عرفوا الطريق إلى الرشادِ وأدركوا
بالهدي كلَّ مُحرَّمٍ ومُباحِ
الله أكبر قد أعزَّ جنوده
والبطلُ قد أضحى بغير جناح
هاشم رفاعي في ذكرى المولد النبوي:
نبيٌّ فيه للعلياءِ صرحٌ ممنَّعٌ
وأمطرهُ غيثاً من الهدي صَيِّبا
فأنبتَ فيهِ النورَ والحقَّ والسَّنا
بعوةِ صدقٍ بعدما كان أجدبا
أطلَّ بديجورِ الضلالةِ هادياً
ولاحَ بليلِ الإفكِ والزورِ كوكبا
وما زالَ يسعى بالهدايةِ جاهداً
إلى أمّةٍ لم تعرِف الحقَّ مذهبا
إلى أن أضاءَ النورُ دامسَ جهلهم
ورقّقَ طبعاً ساءَ منهم وهذّبا
فأصبحَ دينُ الله في الناسِ قائماً
يعمُّ سناهُ الأرض شرقاً ومغربا
أتى بكتاب فيه للخلق عزةٌ
فساء قريشاً ما أتاهُ وأغضبا
عجبت لهم إذ يركنون لغيِّهم
وأكثرتُ مما قد أتوهُ التعجبا
لقد حاربوا المختارَ فالبعضُ حاقدٌ
عليهِ يثيرُ الناسَ والبعضُ قَطّبا
وكذّبهُ الكفارُ إذ قامَ داعياً
وقد كانَ ذا صدقٍ لديهم مُجرَّبا
وكم حاولوا في الأرضِ إطفاءَ نوره
فلا شمسهُ غابت ولا ضؤوه خبا
يقولونَ داعٍ ينشدُ الملكَ والغنى
لقد كذبوا،ما رامَ بالدينِ منصِبا
ولم يبتغِ الجاهَ العريضَ لدى الورى
ولا شاءَ أن يحيا أميراً مُعصَّبا
ولكنهُ يدعو إلى خيرِ سمْحةٍ
ويمحو ضلالاً أفسدَ الناسَ أحقُبا
ولما أبت إلا الغواية مكةٌ
وآذاهُ من فيها تَيَممَ يثربا
فألفى بها نصراً وعزاً ورِفعةً
وصدراً من الأنصارِ للدينِ أرحبا
هاشم رفاعي في قصيدة من وحي المولد:
نَفِّسْ عن القلبِ أشجاناً تُمزّقهُ
وانشرُ معي ما طوت من قبلنا الحقبُ
واذكر حديثَ الاُلى كانت شريعتهم
سفكَ الدماءِ فكم سالت بها قُضبُ
عاثوا فساداً وباتَ الكلُّ قاطبةً
وبعضهم لحقوقِ البعضِ مُغتصِبُ
جهلٌ ولا شيءَ غير الجهلِ رائدُهم
ظلمٌ ولا شيءَ غيرَ الظلمِ مُنتصبُ
خمرٌ وفسق وأصنام مُؤلّهةٌ
ووأدُ نفسٍ ومالٌ باتَ يُنتهبُ
كانوا حيارى بليل مدَّ ظُلمتَه
فأشرقت شمسُ طه واهتدى العربُ
في ذلكَ الحينِ والفتيانُ سادرةٌ
في الغيِّ لم يثنِهم لومٌ ولا عتبُ
كان الأمينُ بحبلِ الهدي مُعتصماً
لا يعرف الرجس بل واللهو يجتنبُ
وسلْ خديجةَ لما راحَ يخطُبُها
قومٌ بمكّةَ فيها كلُّهم رغبوا
لكنّها أعرضت عنهم وما رضيت
غيرَ الأمينِ لها زوجاً وإن عجبوا
وما الأمينُ سوى راعي تجارتها
وكلُّهم أغنياءٌ سادةٌ نُجُبُ
لكنَّ أخلاقَهُ فاقت شمائلَهم
وطيِّبُ النفسِ للأخلاقِ يصطحبُ
وينظرُ الصادق الأحجارَ آلهةً
والقومُ في مركبِ الخسرانِ قد ركبوا
فينثني عن ضلالِ الشركِ يدفعهُ
رأيٌ سديدٌ وعقل زانهُ الأدبُ
أيصنعُ المرءُ أصناماً ويعبُدها
هذا هو الزور والبهتانُ والكذِبُ
لا بُدَّ من مُنشيءٍ للكونِ أبدعهُ
خَلقاً وما دونه شكٌ ولا ريبُ
وقامَ في الغارِ حتى جاءه مَلَك
وهَزُّ ثمَّ حتى نالهُ التَّعبُ
ونوديَ اقرأ تعالى الله قائلُها
قد أشرقَ الهدي فانجابت به السحبُ
وقام يدعو إلى الرحمن أفئدةً
لم يرضَها قطُّ للأوثانِ مُنقلَبُ
وما استجابَ له منهم سوى نفرٍ
في الله ما عُذّبوا في الله ما ضُربوا!!
ر
باتوا وباتَ الردى منهم بمقربةٍ
ومن كؤوسِ العذابِ المُرِّ كم شربوا؟!
ذاقَ الهوانُ على الرمضاءِ منبِطحٌ
وهامَ ليلاً إلى الأقطارِ مغتربُ
أوذوا فما فُتنوا والصبرُ رائدهم
والمجدُ للدِّينِ بالأرواحِ قد كتبوا
جادوا بأموالهم طُراً وما بخلوا
ومن نفيسِ الدماءِ الطُّهرِ كم وهبوا
وهل أتاكَ حديثُ القومِ إذ وقفوا
بالبابِ حتى إذا لاحَ الهدى وثبوا
فأوحي اخرجْ لئن كادوا مَكيدتهم
فالله يعظمهم كيداً،لهُ الغلبُ
وراحَ للغارِ والصدِّيقُ يصحبُهُ
وفتيةُ القوم أغشت عينهم حُجبُ
وأقبلَ الصُّبحُ في طيَّاتهِ نبأٌ
هزَّ الجميعَ فعمَّ السُّخطُ والغضبُ
لقد نجا أحمدٌ يا للشقاءِ!! فمنْ
يأتي بهِ فلهُ الأموالُ والذهبُ
فَجدَّ في إثرهِ الفتيانُ طامعةً
في الال حتى دنوا للغارِ واقتربوا
فأيقنَ الطاهرُ الصدِّيقُ تهلكة
وما رأى القومَ حتى راحَ ينتحِبُ
وقالَ للمُصطفى ماذا سنصنعهُ
والقومُ بالبابِ والأسيافُ والعطبُ
فصاحَ طهَ ونورُ الحقِّ يكلؤهُ:
فيمَ النحيبُ؟وفيمَ الخوفُ والهبُ؟
لا تحزننَّ فإنَ الله ثالثُنا
وليسَ من يرعَهُ الرحمنُ يكتئبُ
واستقبلت يثربُ الهادي وصاحبهُ
بالبشرِ من بعد ما أضناهما السَّغبُ
آخى الرسولُ هناكَ القومَ قاطبةً
فالدِّينُ بينَ الجميعِ الودُّ والنسّبُ
وشيّدَ المسجدَ الأعلى بساحتها
تُتلى به الآيُ والأحكامُ والخُطُبُ
وراحَ يغزو قريشاً والذين رضوا
بالشركِ مُعتنقاً،يا بئس ما ارتكبوا
حتى أتى النصرُ خفاقاً برايتهِ
كما أشارت إليه الىيُ والكتبُ
ونال طه الذي يبغيه من وطرٍ
طُراً وما فاتهُ قصدٌ ولا أربث
يا ربِّ أرسلتهُ للعالمين هدى
فالطفْ لقد عَصفتْ من حولنا النُّوبُ
هذا الفسادُ الذي أبدى نواجِذهُ
نار لها اليومَ من إيماننا حَطبُ
فاعطف على أمةِ الإسلامِ قد رضيت
بالذلِّ عيشاً وماتَ الجدُّ والدأبُ
واغفر لأجل إمام المرسلين لنا
في يومِ لا تنفعُ الأموالُ والنشبُ
هاشم رفاعي في قصيدة مولد النور:
هوَ نفحةُ الرحمنِ للكونِ الذي
كادت تحيطُ بأهلهِ الظَّلماءُ
قد شاءَه لِهدى النبوة إنّهُ
يضعُ الهدى والمُلكَ حيثُ يشاءُ
لمّا تأذّنَ بالرسالةِ أشرقت
أرضٌ وضاعت بالعبيرِ سماءُ
وبدا على الصحراءِ يزحفُ مُشرقاً
فجر لهُ من فوقها لألاءُ
هذا اليتيمُ الفذُّ ما عهدتُ لهُ
من مُشبِهٍ في وصفهِ البيداءُ
سبحانَ مُحيي البيدَ حتى أنّها
نَبتت عليها الزهرةُ الفيحاءُ
أما الوليدُ:فكانَ مُنقذَ أمّةٍ
وثنيةٍ لعبت بها الأهواءُ
جاء الضياءُ لِمن مضوا في غيِّهم
وعلى العيون غِشاوةٌ سوداءُ
هذا النهارُ تطاحنٌ وتشاحنٌ
والليلُ كأسٌ ثرةٌ ونساءُ
أما القلوبُ فقد تنافرَ ودُّها
حتى تفشَت بينها البغضاءُ
ونفوسُ قومٍ ما تولّدَ ميلُها
للخيرِ لمّا ذاعت الفحشاءُ
الله أكبرُ إذ أرادَ شِفاءَها
بهدىً حكيمٍ دونهُ الحكماءُ
فأعدَّ للأمرِ الجليلِ مُحمداً
إنَّ العظائمَ كفؤُها العظماءُ
من أرشدَ الساري إلى سُبلِ الهدي
فطواهُ في الليلِ البهيمِ حِراءُ
عهدي بمن قد فاضَ ماءُ شبابهِ
يقظُ المطامعِ لفَّهُ الإغواءُ
قد كانَ في شرخِ الشّبابِ فمالهُ
لا يستجيبُ إذا دعا الإغراءُ
ما بالهُ لم يعرفِ اللُّهوَ الذي
يلهو بهِ مَنْ حولهُ القُرناءُ
تركَ الحياةَ عريضةً من خلفهِ
ومضى إلى الصلواتِ وهيَ خلاءُ
يستلهمُ العقلَ الطريق إلى الذي
في الكائناتِ بدت لهُ آلاءُ
هذي البسيطةُ قد أمدَّ فِجاجَها
فغدت عليها يخطرُ الأحياءُ
هذا الفضاءُ وما بهِ ن كوكبٍ
ضُربت عليه القُبّةُ العلياءُ
هذي الحياةُ وما بها من مُعجزٍ
يعدو عليها في الزمانِ فناءُ
هذي الزروعُ وغرسُها حَباً له
في الأرضِ،فرعٌ باسقٌ ونماءُ
هذي المياهُ وقد تَفجّرَ نبعُها
حتى تدفّقَ في الصخورِ الماءُ
والليلُ يتبعُهُ النهارُ عليهما
يتعاقبُ الإصباحُ والإمساءُ
مَنْ سخرَّ الأرياحَ تلك لواقحاً
سارت ومنها عاصفٌ ورُخاءُ
لِمنِ الجواري الُمنشئاتُ مواخراً
يجري بها فوق العُبابِ هواءُ
حَسبُ العقولِ فتلكَ صنعةُ مُبدعٍ
دَلّت عليهِ فليسَ فيه خفاءُ
لا غَروَ إن هجر الضلال مُحمدٌ
فَبمثلِ هذا يهتدي العقلاءُ
الليلُ معتكرُ الجوانبِ ساكنٌ
والسهلُ قَفرٌ والحُزونُ فضاءُ
سكتت ربوعُ البيدِ إلا من صدىً
قد ردّدت رنَّاته البطحاءُ
وهناكَ في غارِ الهداية عابدٌ
قد طالَ منهُ على الرمالِ ثَواءُ
ما زالَ يضربُ في الليالي راجياً
للحقِّ حتى جاءَهُ الإيحاءُ
حتى سرى في البيدِ ذات عشيةٍ
صوتٌ لهُ من فوقها أصداءُ
إقرأ فإنَّ الحقَ ضاحٍ قد بدا
للناسِ مِنْ بعدِ الرّدى إحياءُ
وصحا الأنامُ على صياحِ مُبشّرٍ
هو للشريعةِ رنَّةٌ ونداءُ
وغدا بِمكّةَ أهلُها في كَربهم
يتخبطونَ وللنذيرِ دعاءُ
صوتٌ هو الإرشاد يطرقُ سمعهم
آذانهم عن رجعهِ صمَّاءُ
نورٌ كرابعةِ النهارِ بدا لهم
أبصارهم عن فجرهِ عمياءُ
والشمسُ إن بهرَ الأنامَ ضياؤها
أنّى تراها مُقلةٌ عشواءُ
عصبيةٌ تُذكي أوارَ عنادهم
وحميَّةٌ من باطلٍ وشقاءُ
ما صيّرَ الأوثانَ رباً كونُها
سجدت لها الأجدادُ والآباءُ
هم يعرفون الحقَّ إلا أنها
إحنٌ لها في صدرهم بُرجاءُ
قد أنكروا أن قام يدعوهم إلى
دينٍ فقيرٌ حولهُ فقراءُ
السادةُ الأمجادُ كيف يقودهم
فردٌ قد استمعت لهُ الضعفاءُ
تلكَ النبوةُ كيف تتركهم إلى
هذا الفقيرِ وهم لها أكفاءُ
لولا تَنزَّلَ ذاك بينهم على
رجلٍ لهُ في القريتينِ ولاءُ
الله أعلمُ حيثُ يجعل وحيَه
لكنّهم في غيّهم شُركاءُ
ومضى ابنُ عبدِ الله ينشرُ هديَهُ
ما نالهُ من كَيدهم إعياءُ
وقفوا لهُ مُتكتِّلين يمسُّهُ
أنّى تَوجه بينهم إيذاءُ
ومشى ابنُ عبد اله يصرخُ حوله
ويرنُّ في أُذنيهِ الاستهزاءُ
لم يثُنِهِ ما قدموهُ وهكذا
بين العواصفِ تحملُ الأعباءُ
ظنُّوا بهِ كلَّ الظنونِ وإنُّ
من كل هاتيكَ الظنونِ براءُ
زعموهُ لما أن تكاملَ حِقدهم
ذا جِنّةٍ يطغى عليه الداءُ
قالوا:حسودٌ قد أرادَ سيادةً
وفقيرُ قومٍ هَمّهُ الإثراءُ
طوراً أخو سحرٍ وطوراً شاعرٌ
يا إفكَ ما نادت به السفهاءُ
إن كان حقاً ما أتوهُ فكيفَ لم
تنطِقْ بمثلِ حديثهِ البلغاءُ
قد جاء معجزة النبيِّ وغايةٌ
في القولِ يكبو دونها الفُصحاءُ
ما بالُ أقصرِ سورةٍ من مثلهِ
أعيتهمُ تَراجع الفصحاء
ما أدركَ القومُ الذين تجمَّعوا
وقلوبُهم من غَيظهم رمضاءُ
إن العناية في السماءِ تحوطُهُ
ومن العنايةِ في الخطوبِ وقاءُ
سل من على باب الرسول تربصوا
والبيتُ فيه عليٌّ الفدَّاءُ
هل أبصروهُ وقد تخطى جَمعهم
ومضى له تحتَ الدُّجى إسراءُ
نثرَ الترابَ على الوجوهِ فأصبحوا
حتى كأنَّ عيونهم رمداءُ
ومشى إلى الصدِّيقِ يصحبهُ إلى
وطنٍ كريمٍ أهلُهُ كُرماءُ
ما دارَ في خلدِ اللئامِ ولوجُهُ
في الغارِ لما باضت الورقاء
وبداخلِ النفقِ الأمينِ عليهما
سارا وللصدِّيقِ فيهِ بُكاءُ
ما من طعامٍ يُرزقان به سوى
ذاكَ الذي جاءت به أسماءُ
قِفْ يا سراقةُ حيثُ أنتَ فإنّما
أدركتهُ لو تدركُ العنقاءُ
كيفَ الوصولُ إلى الرسولِ ودونه
تأبى المسيرَ كأنّها شلَّاءُ
تلكَ القوائمُ من جوادك مالها
من رحمةِ الله القديرِ كَساءُ
أتريدُ نيلَ محمدٍ،وبقاؤُهُ
للحقِّ والدينِ الحنيفِ بقاءُ
حيّا الإلهُ من المدينةِ معشراً
آوَوهُ حينَ أرادهُ الأعداءُ
قومٌ همُ الأنصارِ أما ذكرهم
فندٍ،وأما عهدهم فَوفاءُ
الآخذينَ من الرسول مواثقاً
سارَ الزمانُ وهم لها أُمناءُ
والباذلينَ لمن إليهم هاجروا
إخلاصَ قلبٍ ليسَ فيه رياءُ
والمشركينَ القومَ في أموالهم
لا المشركينَ ودينهم وضَّاءُ
والمؤثرينَ على نفوسهم وإنْ
نزلت بهم من حاجةٍ ضَرَّاءُ
مدُّوا إليهم في مدينتهم يداً
لمّا بدا في الأقربين جفاءُ
جمعتهم في الله خيرُ أخوةٍ
فالدينُ ودٌّ بينهم وإخاءُ
يا سيد الرُسلِ الكرامِ ومن بهِ
قد قامَ للدينِ العظيمِ بناءُ
الحقُّ نورٌ أنتَ مُظهرُ فجرهِ
والشركُ ليلٌ أنتَ فيه ذُكاءُ
والعدلُ أنتَ وضعتَ ثابت رُكنهِ
فمضى عل سَنَنٍ لهُ الخلفاءُ
والسلمُ دأبُكَ ما ركبتَ كريهةً
حتى بدا للمشركين عَداءُ
لولا اجتراءُ الزُّورِ لم يُسفك دمٌ
صُبغت بِحٌمرةِ لونهِ الحَصباءُ
الرائدُ الاُميُّ علّم قومَهُ
حتى سما مجدٌ لهم وسناءُ
نظمُ العدالةِ من رسالتكَ التي
لا تستبين بهديها أخطاءُ
بالسيف والدم قد شققت طريقها
ولكُلِّ أمرٍ حادثٍ شهداءُ
مُهَجٌ من الأبطالِ في يوم الوغى
سالت عليها في الزمانِ ثناءُ
باعوا نفوسهم بجنة ربِّهم
فالبذلُ بيعٌ عندَهُ وشراءُ
يا مُرسلاً بالحقِّ يحملُ وحيَهُ
فجراً لدينٍ ليسَ فيه مِراءُ
إن المُشرِّعَ قدوةٌ في شرعهِ
إن لم يَكُنها فالجهودُ هَباءُ
الجودُ عندكَ دَيدنٌ وغريزةٌ
والصبرُ منكَ شجاعةٌ وإباءُ
والظلمُ قد اُخِذت عليه سبيلُهُ
هذي الهدايةُ فالقلوبُ صفاءُ
ليسَ الغنيُّ على الفقيرِ بسيدٍ
فهما أمامَ الحقِّ منكَ سواءُ
ر
أما الزكاةُ فتلكَ حقٌّ ثابتٌ
لا يعتري من يبتغيه حياءُ
والمسلمون جميعهم جسدٌ إذا
عضوٌ شكا سهرت له الأعضاءُ
كم من يدٍ لك لست أملكُ حَصرها
جلّت فليسَ يضمُّها إحصاءُ
يا سيد الشفعاءِ هذي مدحتي
مني إليكَ فريدة عصماء
الله قد أثنى عليكَ فهل لمن
فاقبل تحية شاعرٍ لو أنَّ من
أثنى عليه إلههُ إطراءُ
مثلي لمثلكَ يَجمُل الإهداءُ
هاشم رفاعي في قصيدة الذكرى العاطرة“:
هذا هو الكونُ في ديجورِ ظلمتهِ
يحكي ذئاباً وشاةً نامَ راعيها
فذو العشيرةِ والأنصارِ ترهبهُ
كلُّ البريةِ:قاصيها ودانيها
يسطو على الحقِّ لا قانون يمنعهُ
ولا شريعةَ يخشى باسَ قاضيها
أما الضعيفُ فمغبونٌ وليسَ لهُ
في الأرضِ عونٌ يقيهِ شرَّ باغيها
والكُلُّ يشربُ كأسَ الإثمِ في طربٍّ
وينثني حينَ يأتي منكراً تيها
كانت مآثمهم في عُرفهم مَرَحاً
والقتلُ في شرعهم قد كان ترفيها
هذي مبادؤهم أيامَ دولتهم
الزورُ ينشرُها والإثمُ يُمليها
حتى أضاءت بمولودٍ لآمنةٍ
أرجاءُ مكّة وانجابت دياجيها
ومن تتبّعَ تاريخ الهداةِ رأى
فيهِ الجلالة في أسمى معانيها
ففي الطفولةِ يلقى ما يمجدُها
وفي الرجولةِ يلقى ما يزكيها
وخذ حديثَ الألى في مكة احتكموا
إلى الأمينِ قويِّ النفسِ عاليها
لما أتوا كعبةً بالبيتِ واجتمعوا
كي يودِعوا الحجرَ الأزكى مبانيها
وكلُّ طائفةٍ قد قال قائلها:
أن ليسَ ترفعهُ إلا أياديها
وأوشكت أن تقومَ الحربُ بينهم
والويلُ للقومِ إن هبَّت سوافيها
فأرسلَ الله حقناً للدماءِ فتىً
أنعِم بحكمتهِ إذا كانَ يُبديها
ر
فما مضى عنهُ فردٌ كانَ مُكتئباً
إلا مضى مُطمئن النفسِ راضيها
من ذا الذي قد سعى ليلاً إلى جبلٍ
ببطنِ مكّةَ لما نام ساريها
وقرَّ في غارِهِ عيناً بوحدتهِ
يستلهمُ الله إرشاداً وتنبيها
هذا الأمين رأى أن الضلالة قد
أعمت لحاضرها قلباً وباديها
فراح ينشد في كهف الرشاد سنىً
من حكمةِ الله يُولي القلبَ توجيها
حتى أتى الوحيُ بالإسعادِ مُقترناً
يدعو الشعوبَ إلى التقوى ويهديها
وجاءَهُ الذكرُ تباناً ومُعجزةً
مُنوِّهاً بجلالِ الله تنويها
ما بالُ قومٍ بدارِ الندوة اجتمعوا
وجوهُهم شُوِّهت بالكفرِ تشويها
يقول قائلهم ـ والغيظ يقتله ـ :
يا قومِ قد قام للأوثانِ مُخزيها
يَسبُ آباءنا جهراً ويلعنُها
ويُوسِعُ اللاتَ تقبيحاً وتسفيها
لا بُدَّ من قتلهِ في عُقرِ منزلهِ
حتى يعودَ لدِّينِ العُربِ صابيها
هم للشريعةِ كادوا كيدهم ونسوا
أن الإله من الآفاتِ حاميها
الله أكبرُ قد شاء النجاةَ لها
لما نجا في ظلامِ الليل مُحييها
من بعدِ ذلك قالَ السيفُ قولته
في يوم بدرٍ فباتَ الشركُ واعيها
وأصبحت دولةُ الأوثانِ عاجزةً
عن النضالِ وقد دُكَّت أعاليها
والحقُّ إن صنتهُ بالرمح تسمعهُ
كل الشعوب وتصحو عينُ غافيها
حتى إذا كانَ يومُ الفتح واكتسبت
فيه الشريعةُ نصراً قالَ داعيها:
قُمْ يا بلال على البيتِ الحرام وقُلْ:
إنّ الضلالةَ أشقت فس أهليها
أذِّن فقد جاءَ نصرُ الله وانعِ لنا
جندَ الفسادِ،فأنت اليوم ناعيها
يا ربّش أرسلتَ طه بالرشادِ لنا
كذي يستقيمَ شقيُّ النفسِ غاويها
وجاء للناسِ والأفهامُ مجدبةٌ
لينبتَ الهديُ نوراً في أراضيها
فاخذل قوى الشرِّ، إنَّ الشرَّ مضيعةٌ
لبهجةِ الكونِ يأتينا فيفنيها
يا ربِّ هَب من لدنكَ الخيرَ واقض لنا
برحمةٍ منكَ عند البأسِ نُلقيها
إنّ الحنيفة قد باتت مُهددَّةً
بالموتِ صبراً،وعطفٌ منكَ يُنجيها
فاكتب لنا النصرَ حتى نستعين به
في جعلِ حاضرها يسمو كماضيها
وصلِّ يا ربّنا أزكى الصلاة على
من جاءَ بالحقِّ للآثامِ يُرديها
محمدٍ سيدِ الكونينِ شافعِنا
يومَ القيامةِ إن نادى مناديها
هاشم رفاعي في قصيدةميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم:
أعد ذكراهُ في الكونِ شدواً مرنماً
فلله ما أحلاهُ ذكراً وأكرما
وطِفْ بحديثٍ في فمِ الدهرِ عاطرٍ
أضاءَ لهُ وجهُ الورى وتبسّما
فما الكأسُ إذ تأتيكَ من يدِ كاعبٍ
مخضبةِ الأطرافِ معسولةِ اللّمى
تدورُ بها والعينُ فاضت بمثلها
فلم تدرِ أياً قد تَصبّتك منهما
بأطربَ من ذكرِ الرسولِ إذا جرى
وفاضَ فلم يترك فؤاداً ولا فما
ألا ليت شعري أي نورٍ مقدسٍ
بدا وظلامُ الليلِ قد كانَ أسحما
أضاءَ ضياءَ الفجرِ،والفجرُ ساطعٌ
وفاضَ على البيداءِ كالغيثِ إذ همى
وأيُّ وليدٍ ذاك من أشرقت لهُ
ربوعٌ عليها الجهلُ رانَ وخيّما
أتى حاملاً للكونِ نوراً ورحمةً
ففاضَ هناءً بعدما فاضَ مأثما
وقرَّتْ به عينان: عينٌ لجدهِ
وعينٌ لأمٍّ قد بكت زوجها دما
كذلكَ شاءَ الله أن الذي بهِ
تَردَّت بقاعُ الكونِ للهدي معلما
يُطِلُّ على الدنيا وحيداً بلا ابٍ
وتأتي به الأقدارُ طفلاً ميتّما
وجَمّلهُ الرحمنُ إذ كان أمرهُ
خَفيِّاً بظهرِ الغيبِ لم يبدُ،مبهما
فما كانَ بالإثمِ الذي عمَّ مولعاً
ولا كانَ باللهوِ الذي شاعَ مغرما
وجاوزَ إغراء الشبابِ وقد أبى
له الله إلا أن يُصانَ ويُعصما
فما ذاقَ في طورِ الطفولةِ لينَها
ولا عاشَ في طورِ الشبابِ منعَّما
وما ذاك ضنٌ بالهناءِ على الفتى
فما كانَ من نيلِ الهناءِ لِيُحرما
ولكنّهُ أمرٌ يُعدُ لحملهِ
صغيراً،فكانَ الهدى أجدى وأحزما
لهذا رآهُ القوم إذ قام داعياً
قوياً،صبوراً،ما اشتكى أو تبرم
بنفسيَ من قد قامَ للدِّينِ بانياً
وكشَّفَ ليلاً للغوايةِ مظلما
وجاءَ بنورِ الحقِّ،والحقُّ أبلجٌ
فبدَّدَ غيماً للجهالةِ غَيّما
يقوِّمُ جهالاً،وينشرُ رحمةً
ويرفعُ أغلالاً،ويُوقظُ نُوّما
وفي نُصرةِ الإيمان لما دعا لهُ
تَكبَّدَ أهوالَ الأذى وتَجَشمّا
لقد باتَ ما يدعو إليهِ محمدٌ
شجاً في حلوقِ القومِ بل كانَ علقما
فمدَّ يد الإرهاب كل مُضلِّلٍ
غويٍ بأحضان الشقاء قد ارتمى
يُريدُ لدين الحقِّ وأداً وضَيعةً
ألا بُترت يُمناهُ كفاً ومعصما
عقولٌ يُريها الحقدُ في الهدي سُبةٌ
ويُملي عليها أن تثورَ وتنعما
قلوبٌ عليها للضلالِ غشاوةٌ
فأنّى لها أن تستجيبَ وتفهما
أتى بكتاب الله أصدقِ آيةٍ
فأعجزَ أربابَ البيانِ وافحما
وما اسطاعَ إتياناً بأقصرِ سورةٍ
من المِثلِ من قد كانَ في القولِ مُلهما
وجادلهم كي يستميلَ قُلوبهم
فكانَ كذي حِلمٍ بليلٍ توهما
هُمُ قد أجابوا قولَهُ ودعاءَهُ
إذا كان يشفي الآلُ من غِلَّة الظمأ
وقالوا فقيرٌ ينشدُ الجاهَ والغنى
ومهملُ قومٍ شاءَ أن يتزعَّما
خُرافاتُ مجنونٍ،وأوهامُ شاعرٍ
بهِ من رئيِّ الجنِّ داءٌ تحكّما
هُمُ أوغلوا لو أنهم سمعوا لهُ
و كان الذي قالوهُ وهماً مرَّجما
فما ضرَّهم لو أنهم سمعوا لهُ
وما كانَ في صدقِ الحديثِ مذمما
أتاهم بنورِ الله والصدقِ والهدى
فما بالُ وجهِ الكُفرِ منهم تَجهّما
هو الحقُّ لكن كيف يهدي لنوره
وإن كانَ مثلَ الشمسِ من بات ذا عمى
أبى الكفرُ إلا شقوةً وسفاهةً
فباتَ امتشاقُ السيفِ أمراً محتما
وذو الحلم إن يغضب فغضبةُ ثائرٍ
رأى العارَ في أن يستكين ويكظما
ولما أرادَ الله نصراً لدينه
أهابَ بسيفِ الحقِّ أن يتكلّما
فأذّنَ داعٍ للجهادِ:أن انفروا
ألا فليُجب من كانَ لله مسلما
فبادرَ نَبَّالَ فراشَ سِهامهُ
وأسرعَ قتَّال فجرّدَ مَخذما
أجابت نداءَ الحقِّ في الله إذ دعا
نفوسٌ ترى الإيمانَ أن تتقدما
وسلَّت ببدرٍ للجهادِ بواترٍ
أبت في سبيل الله أن تتثلّما
على صفحة البيداءِ والسيفُ قائمٌ
تبدَّى مثارُ النقعِ كالليلِ أقتما
قدِ التحمَ الجيشان:جيشُ ضلالةٍ
وجيشٌ على الإيمانِ بالحقِّ صَمما
هنا وقفَ التاريخُ وقفةَ شاهدٍ
وقد أمسكت كفاهُ لوحاً ومرقما
وقامَ رسولُ الله،لله ضارعاً
يُسائلهُ الوعدَ الذي كان أبرما
وراحَ إليهِ والقنا تضربُ القنا
يناديه:راشَ الكفرُ للدِّينِ أسهما
وداءَ إلينا في عتادٍ وعدّةٍ
يريدُ لهذا الدينِ أن يتحطّما
تباركتَ:إن تهلك لدينكَ عُصبةٌ
فلن يعبدوا في الأرضِ رباً معظَّما
فما هي إلا كرّةٌ عادَ بعدها
وقد أوردوا القومَ اللئامَ جهنما
وقوّمها بالسيفِ والرُمحِ والقنا
نفوساً أبتْ باللينِ أن تتقوَّما
فيالكَ من جيشٍ حماهُ إلههُ
ودينٍ رعاهُ الله أن يتهدَّما
فلمْ يرمهم رامٍ بنافذِ سهمِهِ
ولكنَّ ربَّ الدينِ من فوقهم رمى
وحدِّث عن الفتحِ المبينِ وما بدا
لِاُمِّ القرى لما إليها تيمّما
ألم يُقبلُ الداعي الفقيرِ بجحفلٍ
يَشقُّ هضابَ البيدِ سيلاً عرمرما
بكُلِّ فتىً أمضى من السيفِ عزمهُ
إذا ما بدتْ للحربِ نارٌ تَقحّما
تراهُ إذا ما لَفّهُ الليلُ قانتاً
ويبدو إذا ما كرّتِ الخيلُ ضيغما
ألم يدخُلِ البيتَ المُمنّعَ فاتحاً
وكانَ عليهِ البيتُ قبلاً مُحرّما
فكم من إلهٍ تحتَ أقدامِ جُندهِ
همُ نصبوهُ قد وهى وتهشما
ألا سائلِ القومَ الذين مشوا لهُ
وساقوا إليهِ الكيد كالحقدِ مؤلما
وصبوا عليه السوط ـ سوط عذابهم
إلى أن رأى في هجرةِ الدارِ مغنما
وإن كانَ ظُلمُ الناسِ للمرءِ مؤلماً
فقد كانَ ظلمُ الأهلِ أنكى وآلما
أما جمعوا بالبيتِ من كلِّ ناقمٍ
إلى ذلك الغازي أساءَ ,اجرما
أما أطرقوا رأساً مخافةَ بأسهِ
وقد شربوا كاسَ المذلَّةِ مفعما
أما قدّروا أن يبطشَ البطشةَ التي
جنوها وهم كانوا أعقَّ وأظلما
فمالَ إلى الصفحِ الجميلِ عن الأذى
ولو قد أتاها كانَ للعدلِ محكما
ولكنه داعٍ إلى الخير،شأنهُ
إذا ما أساؤوا أن يقيلَ ويرحما
أقامَ يتيمَ البيدِ أركانَ دولةٍ
ووطَّدهُ في الأرضِ ديناً ودّعما
هو الحقُّ قد أرسى الإله بناءَهُ
وأكملهُ القرآنُ نوراً وتَمّما
دعامتهُ الشورى،وشِرعتهُ الهدى،
بهِ منَّ رحمن السماءِ وأنعما
لديه استوى من لم يُزنهُ نِجارهُ
ومن لقريشٍ في الأنامِ قد انتمى
فلا فضلَ إلا بالتقى ولو أنهُ
يكونُ لمن قد عاشَ بالفقرِ مُعدما
لقد أخذَ الاُميُّ يسعى بقومهِ
إلى ذروةِ العلياءِ حتى تَسنّما
وقادَ رعاةُ الضأنِ شامخَ دولةٍ
كما لم يَقدْ من قبلُ من كان قيِّما
هُمُ ملكوا الدنيا فنالت بظلهم
عدالةَ تشريعٍ،وحكماً مُنظَّما
وسارت على الأيامِ يزدادُ بأسُها
وتصعدُ للعلياءِ والمجدِ سُلّما
فلما استقامَ الملكُ وانتظمَ الورى
وشارفَ في العلياءِ بالأفقِ أنجما
أضعناهُ عن ضعفٍ وذلٍ ولم نقمْ
عليه وقد أودى حِداداً ومأتما
فما عرف الإسلام من بعدهم سوى
ذليلٍ عن الإسراعِ للمجدِ أحجما
فعادَ عزيزُ الدينِ يندبُ عِزّةً
ويلعقُ جرحاً في الفؤادِ مُكتَّما
فيا ربِّ إن يُصبح بنا الغربُ هازئاً
فقد كانَ منا من غزاهُ وعَلّما
ندمنا على ما ضاعَ لو كانَ مُجدياً
لطالبِ مجدٍ ضاعَ أن يتندّما
هاشم رفاعي:
صدقَ الرسولُ ومن سواهُ مُصدّقٌ
إذ قالَ حينَ دنا من السّكراتِ
إني تركتُ لكم كتاباً جامعاً
هو خيرُ دستورٍ لخيرِ قُضاةِ
قسماً بربّي لن تَضلّوا طالما
هو بينكم بمثابةِ المِشكاةِ
ومضى الرسولُ فليتنا من بعدهِ
كنّا لِنُصحِ حديثهِ بِوعاةِ
علي محمود طه في العام الهجري الجديد
غَنِّ بالهجرة:عاماً بعد عام
وادعُ للحقِّ،وبشِّر بالسّلام
وتَرسَّلْ،يا قصيدي،نغماً
وتَنقّل بين موجٍ وغمام
صوتُكَ الحقّ،فلا يأخذُكَ ما
في نواحي الأرضِ من بَغيٍ وذامِ
كُنْ بشيرَ الحُبِّ والنورِ إلى
مُهجٍ كلمى،وأكبادٍ دوامي
هجرت أوطانها واغتربت
في مثاليِّ من المبدأ سامِ
أنِفتْ عيشَ الرقيقِ المُجتبى
وأبت ذُلَّ الضمير المُستضامِ
آبَ بالخيبةِ من غايته
وهو فوقَ الأرضِ ملعونُ المقامِ
صفحاتٌ من صراعٍ خالدٍ
ضُمّنت كلَّ فخارٍ ووسامِ
يا دعاة الحقّ! هذي محنة
تشغل الروح بمشبوب الضّرامِ
هذي حرب حياة أو حِمام
وصراع الخير والشرِّ العقامِ
خاضها الإسلامُ فرداً، وهدى
بيراع،وتحدّى بحسامِ
هجرةٌ كانت إلى الله،وفي
خُطوِها:مولدُ أحداثٍ جسامِ
أخطأ الشيطانُ مسراها،فيا
ضَلّةَ الشيطانِ في تلك المَوامي
آبَ بالخيبةِ من غايته
وهو فوقَ الأرضِ ملعونُ المقامِ
صفحاتٌ من صراعٍ خالدٍ
ضُمّنت كلَّ فخارٍ ووسامِ
لم تُتحْ يوماً لجبّارٍ طغى
أو لباغٍ فاتكِ السّيفِ عُرامِ
بل لداعٍ أعزلٍ في قومهِ
مُستباحِ الدّمِ مهدورِ الذِّمامِ
زلزلَ العالم من أقطارهِ
بقوى الرُّوحِ على القومِ الطّغامِ
وبنى أوّلَ دنيا حُرّةٍ
بَرِئت من كُلِّ ظلمٍ وآثامِ
تَسعُ الناسَ على ألوانهم
لم تُفرِّق بين أريٍّ وسامي
علي محمود طه في العام الهجري الجديد:
حاطِمَ الأصنامِ:هل منكَ يدٌ
تَذَرُ الظُلمَ صديعاً من حُطامِ؟
لم تُطقها حجراً أو خشباً
ويُطاقُ اليومَ أصنامُ الأنام!
وعجيبٌ صُنعُهم في زمنٍ
أبصرَ الأعمى به والمتعامي!
وتُرجى عودةَ المجدِ الذي
أعجزَ الباني،وأعيا المتسامي
من بيوتٍ هاشمياتِ البنى
وعروشٍ أموّياتِ الدعامِ
ونتاجٍ من نُهىً جبّارةٍ
وتراثٍ من حضاراتٍ ضخامِ
قل لها، يا عامُ:لا هُنْتِ ولا
كنتِ إلا مهدَ أحرارٍ كِرامِ
ذاكَ مجدٌ لم ينلهُ أهلهُ
بالتمني،والتغنّي، والكلامِ
بل بآلام، وصبرٍ وضنىً