الشجاعة والإقدام

أحمد شوقي:

أخو النبيِّ ورَوح الله في نُزُلٍ

فوق السماء ودون العرش مُحترمِ

عَلّمتهُم كلَّ شيءٍ يجهلون به

حتى القتالَ وما فيه من الذِمَمِ

دعوتهُم لجهادٍ فيهِ سُؤدُدُهم

والحربُ أُسُ نظامِ الكونِ والأممِ

لولاهُ لم نرَ للدولاتِ في زمن

ما طالَ من عُمُدٍ أو قرَّ من دُهُمِ

تلك الشواهدُ تترى كلَّ آونةٍ

في الأعصرِ الغُرِّ لا في الأعصرِ الدُهُمِ

بالأمسِ مالت عروشٌ واعتلت سُرُرٌ

أشياعُ عيسى أعدوا كلَّ قاصمةٍ

مهما دُعيتَ إلى الهيجاءِ قمتَ لها

على لوائكَ منهم كلُّ منتقمٍ

مُسَبِّحٌ للقاء الله مُضطرمٍ

لو صادفَ الدهر يبغي نقلة فرمى

بيضٌ مفاليلُ من فِعلِ الحروبِ بهم

كم في الترابِ إذا فتشتَ عن رجُلٍ

لولا مواهب في بعض الأنام

لولا القذائف لم تثلم ولم تصُمِ

ولم نُعِدُّ سوى حالاتِ مُنقصمِ

ترمي بأسدٍ ويرمي الله بالرُجُمِ

لله مُستقتِلٍ في الله مُعتزمِ

شوقاً على سابخٍ كالبرقِ مُضطرمِ

بعزمهِ في رحالِ الدهرِ لم يرمِ

من أسيُفِ الله لا الهنديّةُ الخُذُمِ

من ماتَ بالعهدِ أو من ماتَ بالقَسمِ

لما تفاوت الناسُ في الأقدار والقيم

ل

أحمد شوقي:

لم يُنقذِ الإسلامَ أو يرفع لهُ

رأساً سوى النفرِ الألى رفعوكِ

ردُّوا الخيالَ حقيقةً وتطلّعوا

كالحقِّ حصحصَ من وراءِ شُكوكِ

لم أكذبِ التاريخَ حينَ جعلُتُهُمْ

رُهبانَ نُسكٍ لا عُجولَ نسيِك

للِعلمِ والعدلِ والتمدينِ ما عزموا

من الأمورِ وما شدّوا من الحُزُمِ

سُرعانَ ما فتحوا الدنيا لِملتهم

وأنهلوا الناسَ من سَلسالها الشَبمِ

ساروا عليها هُداة الناسِ فهي بِهم

إلى الفلاحِ طريقٌ واضحُ العَظمِ

لا يهدِمُ الدَهرُ رُكناً شادَ عَدلهُمُ

وحائطُ البغي إن تلمسهُ يتهدِمِ

نالوا السعادةَ في الدارينِ واجتمعوا

على عَميمٍ من الرُضوان مُقتَسَمِ

من الذينَ إذا سارت كتائبُهم

تصرفوا بحدودِ الأرضِ والتُخَمِ

ويجلسون إلى علمٍ ومعرفةٍ

فلا يُدانونَ في عقلٍ ولا فهَمِ

يُطأطىءُ العلماءُ الهامَ إن نبسوا

من هيبةِ العلمِ لا من هيبةِ الحُكمِ

ويُمطرونَ فما بالأرضِ من مَحَلٍ

ولا بِمنْ باتَ فوقَ الأرضِ من عُدُمِ

خلائفُ الله جلّوا عن مُوازنةٍ

فلا تقيسنَّ أملاكَ الورى بِهمِ

 

قالوا غزوتَ ورُسلُ الله ما بُعثوا

لقتلِ نفسٍ ولا جاؤوا لسفكِ دمِ

جهلٌ وتَضليلُ أحلامٍ وسفسطةٌ

فَتحتِ بالسيفِ بعدَ الفتحِ بالقلمِ

لما أتى لك عفواً كلُّ ذي حَسَبٍ

والشرُّ إن تلقهُ بالخيرِ ضِقتَ بهِ

تَكّفلَ السيفُ بالجُهالِ والعَممِ

ذرعاً وإن تلقهُ بالشرِّ يَنحسمِ

سَلِ المسيحية الغرّاء كم شربت

طريدةُ الشركِ يُؤذيها ويُوسِعها

بالصابِ من شهواتِ الظالمِ الغَلِمِ

في كُلِّ حين قِتالاً ساطِعَ الحَدمِ

لولا حُماةٌ لها هبّوا لِنصرتها

بالسيفِ ما انتفعت بالرفقِ والرُحَمِ

 

شوقي:

الحربُ في حقٍّ لديكَ شريعةٌ

ومن السمومِ الناقعاتِ دواءُ

 

أحمد شوقي في صلاح الدين الأيوبي:

يا فاتحَ القُدسِ، خَلِّ السيفَ ناحيةً

ليسَ الصليبُ حديداً كان، بل خشبا

إذا نظرتَ إلى أين انتهت يدُهُ

وكيفَ جاوزَ في سلطانهِ القُطُبا

علمتَ أن وراءَ الضعفِ مقدرةً

وأنَّ للحقِّ ـ لا للقوّةِ ـ الغلبا

أحمد شوقي:

وكانَ بيانهُ للهدي سُبْلاً

وكانت خيلُهُ للحقِّ غابا

وعلّمنا بناءَ المجد،حتى

أخذنا إمرة الأرضِ اغتصابا

وما نيلُ المطالبِ بالتَمنّي

ولكنْ تُؤخذُ الدنيا غلابا

وما استعصى على قومٍ منالٌ

إذا الإقدامُ كان لهم رِكابا

وقال شوقي:

 

صلحٌ عزيزٌ على حربٍ مُظفّرةٍ

فالسيف في غمدهِ والحقُّ في النُّصبِ

وأرَّجَ الفتحُ أرجاء الحجاز،وكم

قضى الليالي لم ينعم،ولم يطبِ

هزَّت دمشق بني أيوب،فانتبهوا

يهنئون بني حمدان في حلبِ

ومسلمو الهند والهندوس في جَذلٍ

ومسلمو مصر والأقباط في طَرَبِ

ممالك ضمّها الإسلام في رحمٍ

وشيجة وحواها الشرق في نسبِ

وقال شوقي:

الخيلُ تأبى غيرَ أحمدَ حامياً

وبها إذا ذُكرَ اسمهُ خُيلاءُ

شيخُ الفوارسِ يعلمونَ مكانهُ

من كُلِّ داعي الحقِّ هِمّة سيفهِ

إن هَيَّجت آسادَها الهيجاءُ

فلسيفهِ في الراسياتِ مضاءُ

وإذا تصدّى للِظبُى فَمهندٌ

أو للرماحِ فصعدةٌ سمراءُ

وإذا رمى عن قوسهِ فيمينهُ

ساقي الجريح ومُطعِمُ الأسرى ومن

قَدَرٌ وما ترمى اليمينُ قضاءُ

أمنِت سنابكَ خيله الأشلاءُ

إنَّ الشّجاعة في الرجال غلاظةٌ

ما لم تَزنها رأفةٌ وسخاءُ

والحربُ من شَرفِ الشُعوبِ فإن بغوا

فالمجدُ ممّا يَدّعونَ براءُ

والحربُ يبعثُها القويُّ تَجبُّراً

وينوءُ تحتَ بلائها الضعفاءُ

كم من غُزاةٍ للرسولِ كريمةٍ

كانت لِجندِ الله فيها شِدّةٌ

فيها رضىً للحقِّ أو إعلاءُ

في إثرها للعالمينَ رَخاءُ

ضربوا الضلالةَ ضربةٌ ذهبت بها

دعموا على الحربِ السلامَ وطالما

فعلى الجهالةِ والضلالِ عَفاءُ

حقنت دماءً في الزمانِ دماءُ

الحقُّ عِرضُ الله كلُّ أبيّةٍ

ردّوا ببأسِ العزمِ عنه من الأذى

والحقُّ والإيمانُ إن صُبّا على

بُردٍ ففيه كتيبةٌ خرساء

نسفوا بناء الشركِ فهو خرائبٌ

يمشونَ تُغضي الأرضُ منهم هَيبةً

وبهم حيالَ نعيمها إغضاءُ

حتى إذا فُتحت لهم أطرافُها

لم يُطغِهم ترفٌ ولا نَعماءُ

أحمد شوقي:

ذريني أعبيّ للقتالِ كتائبي

فلي في غد شأنانِ في البرِّ والبحرِ

ذريني أهيء للأحاديثِ في غدٍ

فإن غداً يوم سيبقى على الدّهرِ

ولستُ أخافُ الدارعين وإنّما

أخافُ فُجاءاتِ الخيانةِ والغدرُ

وليس كمين الحربِ ما أنا هائب

ولكن كمين الغدرِ في ظلمةِ الصدرِ

أحمد شوقي:

بِسيفكَ يعلو الحقُّ والحقُّ أغلبُ

ويُنصَرُ دينُ الله أيّا من تَضرِبُ

وما السيفُ إلا آيةُ المُلكِ في الورى

ولا الأمرُ إلا للذي يَتغلَّبُ

فأدِّبْ به القومَ الطغاةَ فإنّهُ

فَنعمَ الحُسامُ الطِبُّ والمُتَطبِّبُ

وداوِ بهِ الدولاتِ من كلِّ دائها

لَنعِمَ المُربي للطغاةِ المُؤدِّبُ

تنامُ خطوبُ المُلكِ إن باتَ ساهراً

وإن هوَ نامَ استيقظتْ تتألبُّ

أمنا الليالي أن نُراعَ بحادثٍ

وأرمينيا ثكلى وحَورانَ أشيبُ

هددتَ أميرَ المؤمنينَ كيانَها

بأسطعَ مثلَ الصُبحِ لا يتكذَّبُ

أحمد شوقي:

بين النفوسِ حِمىً لهُ ووقاءُ

ما لا تردُّ الصخرةَ الصّماءُ

واستأصلوا الأصنامَ فهي هَباءُ

لم يُطغِهم ترفٌ ولا نَعماءُ

أخافُ فُجاءاتِ الخيانةِ والغدرِ

ولكن كمين الغدرِ في ظلمةِ الصدرِ

ولا الأمرُ إلا للذي يَتغلَّبُ

لَنعِمَ المُربي للطغاةِ المُؤدِّبُ

فَنعمَ الحُسامُ الطِبُّ والمُتَطبِّبُ

وإن هوَ نامَ استيقظتْ تتألبُّ

وأرمينيا ثكلى وحَورانَ أشيبُ

أحمد شوقي:

الله أكبر ،كم في الفتحِ من عَجَبِ

صُلحٌ عزيزٌ على حربٍ مُظَفّرةٍ

يا خالدَ التُركِ جدِّد خالدَ العربِ

فالسيفُ في غمدهِ والحقُّ في النُصبِ

يا حُسنَ أمنيةٍ في السيفِ ما كذبت

وطيبَ أمنيّةٍ في الرأي لم تخِبِ

خُطاكَ في الحقِّ كانت كُلّ

لم يأتِ سيفُكَ فحشاءً،ولا هتكتْ

قناكَ من حُرمةِ الرُّهبانِ والصُّلُبِ

سُئلتَ سِلماً على نصر،فَجدُت بها كرما

ولو سُئلتَ بغير النصرِ لم تُجِبِ

مشيئةً قبلتها الخيلُ عاتبةً

أتيتَ ما يُشبهُ التقوى وإن خُلقتْ

وأذعنَ السيفُ مطوياً على عَصَبِ

سيوفُ قومِكَ لا ترتاحُ للِقرُبِ

ولا أزيدُكَ بالإسلامِ معرفةً

منحتهم هُدنة من سيفكَ التم

لا خيرَ في منبرٍ حتى يكونَ لهُ

عودٌ من السُّمرِ أو عودٌ من القُضُبِ

وما السلاحُ لقومٍ كُلُّ عُدّتهم

حتى يكونوا من الأخلاقِ في أُهُبِ

لو كان في النابِ دونَ الخُلق منبهةٌ

تساوتْ الأُسدُ والذؤبانُ في الرُتبِ

كُنَّ الرجاء وكُنَّ اليأسَ ثمَّ محا

نورُ اليقينِ ظلامَ الشكِّ والريبِ

تَلمَّسَ التركُ أسباباً فما وجدوا

كالسيفِ من سُلمٍ للعزِّ أو سببِ

كربٌ تَغشّاهم من رأي ساستهم

وأشأمُ الرأي ما ألقاكَ في الكُربِ

وكيفَ تلقى نجاحاً أمّةٌ ذهبت

حزبين ضدّين عند الحادثِ الحَزبِ

جَدَّ الفِرارُ فألقى كلُّ مُعتقِلٍ

قناتَهُ وتخلّى كلُّ مُحتَقبِ

يا حُسنَ ما انسحبوا في منطقٍ عَجَبٍ

تُدعى الهزيمةُ فيهِ حُسنٌ مُنسحبِ

خيلُ الرسولِ والفولاذِ معدنها

والصّبرُ فيها وفي فُرسانها خُلُقٌ

توارثوهُ أباً في الرّوعِ بعد أبِ

يومٌ كبدرٍ فخيلُ الحقِّ راقصةٌ

على الصعيدِ وخيلُ الله في السُحُبِ

نشوى من الظفرِ العالي مُرنحةٌ

من سكرةِ النصرِ لا من سكرة النصبِ

تحيّةً أيُّها الغازي وتهنئة

بآية الفتحِ تبقى أيةُ الحِقَبِ

وقَيِّما من ثناءٍ لا كِفاء ل

الصّابرينَ إذا حلَّ البلاءُ بهم

كالليثِ عضَّ على نابيهِ في النُوَّبِ

والجاعلينَ سيوفَ الهندِ ألسِنَهُم

والكاتبينَ بأطرافِ القنا السُلبِ

لا الصّعبُ عندَهُمُ بالصّعبِ مركبَهُ

ولا المُحالُ بِمستعصٍ على الطلبِ

ولا المصائبُ إذ يرمي الرِجالُ بها

بقاتلاتٍ إذا الأخلاقُ لم تُصَبِ

قُوّادُ معركةٍ وُرّادُ مهلكةٍ

أوتادُ مملكةٍ آسادُ مُحترَبِ

إلا التعجُّبُ من أصحابِكَ النُخبُ

وسائرِ الخيلِ من لحمٍ ومن عَصَبِ

كلُّ المروءةِ في الإسلامِ والحسَبِ

فهب لهم هُدنةٌ من رأيكَ الضَرِبِ

وأنتَ أكرمُ في حقنِ الدّمِ السَرِبِ