عرب القرن العشرين

 

عرب القرن العشرين

إن الذي يُتابع الأحداث التي يمر بها العالم العربي والإسلامي في السنوات الأخيرة ليشعر بالتمزق يعصف بقلبه وبالأسى يعصف بوجدانه للواقع المؤلم والحزين الذي وصل إليه العرب والمسلمون من الغثائية،والتمزق والخضوع لطواغيت القرن الحالي وخاصة الطاغوت المُتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية.

لقد حاول البعض أن يُشّبه هذا الوضع الذي تعيشه أمتنا ويقيسه على وضع عرب الجاهلية قبل الإسلام،ويقول :إننا عدنا إلى الجاهلية الأولى ،ولو كان الأمر كما يقول لهانت المصيبة، ولسهل وقعها على النفس،ولكن من يستقرىء وضع عرب الجاهلية الأولى قبل الإسلام وعرب القرن العشرين يجد أن البون شاسع والفرق كبير مابين هؤلاء وأولئك،فجاهلية عرب القرن العشرين أشدّ بلاءً وأكثر فتكاً وأصعب علاجاً من الجاهلية الأولى.

ـ فعرب الجاهلية الأولى كانوا على الرغم من كثرة المثالب والمساوىء التي كانوا يتصفون بها،كانوا أهل كرامة ونخوة وإباء،يأبون الضيم والظلم على أنفسهم وعلى من استجار بهم،وكانت صفة النخوة والكرامة لا تفارقهم على مرِّ الأوقات وتباعد المسافات.ويكفي أن نضرب مثالاً على ذلك:إن النعمان بن المنذر قَبِلَ الموت وأن يُداس تحت أقدام فيلة كسرى أبرويز على أن يُسلّم أسرته وأهله وبناته إلى كسرى الذي أرادهم لنفسه.

أما عرب القرن العشرين فهم يُنعتون في كل مكان بأقبح الألفاظ وأبشع المُسميات وأردأ الصفات،ولانجد حاكماً من حكامهم ولا مسؤولاً من مسؤوليهم يُدافع عنهم أو يدفع عنهم هذه الاتهامات،وهذه الافتراءات،وقد وصل الأمر أن إحدى الصحف البريطانية نشرت كاريكاتوراً شبّهت العرب به بالخنازير! فلم يحتج على ذلك أحد من العرب وحكامهم،بل إن الذين احتجوا على ذلك هم الخنازير!حيث نشرت الصحيفة في اليوم التالي كاريكاتوراً يحتجُ فيه الخنازير على تشبيههم بالعرب!!!فأيّ هوان بعد هذا الهوان؟..إنه إذلال مابعده إذلال وإحتقار ما بعده إحتقار!!

ـ وعرب الجاهلية الأولى كانوا يغيرون على القبائل والديار،يقتلون الرجال ويسبون النساء والأطفال،ولكننا لم نسمع عنهم أنهم في غاراتهم كانوا يقتلون النساء والأطفال،أو أنهم كانوا يُجوِّعون أو يُعطشون خصومهم وأسراهم.وعرب القرن العشرين يُغيرون على بني جلدتهم ودينهم ويقتلون ويُمثلون ويغتصبون،ويُظهرون عليهم البطولة والشجاعة والبطش،ولكنهم أمام أعداء أمتهم جبناء كل الجبن،يُظهرون الاستسلام والخضوع والركوع لهم ولأسيادهم،بل الأدهى من هذا أنهم يحاصرون بني جلدتهم ودينهم ويجوعونهم ويعطشونهم وحتى يضطرونهم لأكل الحشائش والجرذان ولحوم الجثث المتفسخة”طبعاً بعد أن أفتى لهم وسمح بأكلها بعض علماء المسلمين”!!!

ـ وعرب الجاهلية الأولى كانوا يتصفون بالكرم ويُغدقون المال والنفس والنفيس ليس على الأهل والأصدقاء،بل على الضيوف والغرباء،بل إن أحدهم وهو حاتم الطائي ذبح حصانه وهو ماله الوحيد والثمين الذي كان يملكه من أجل أن يقدّم لحمه لضيف أو جار جائع ولم يكن عنده غيره ليقدمه إليه.

أما عرب القرن العشرين وخاصة من تملّك منهم المال الوفير كبعض أمراء وشيوخ النفط فهم والحق يقال:كرماء يقدّمون المال والولاء!! ولكن ليس لبني جلدتهم ودينهم بل إلى أسيادهم الحقيقين في أمريكا وأوروبا، ويقدّمون هذا المال طلباً لابتسامة الرضا،ولاينالونها ولو ظاهراً!!ومن أجل أن ينعم عليهم أسيادهم بالرعاية والحماية،وهم يمنحونها إياهم مقابل الأتاوة و”البلطجة” لاحباً فيهم ولا بأمثالهم.وهم من جانب آخر يمنعون المال والمساعدات البسيطة عن أهل فلسطين المحتلة وعن كل الشعوب العربية والإسلامية التي يعاني أكثرها من الجوع والفقر والمرض وهم يعيشون ولايدرون ماذا يفعلون بهذا المال الوفير الذي استودعهم الله إياه،وإذا بهم يقررون أن يقدموا جزءاً منه إلى رئيس روسيا من أجل مساعدته في رفع مستوى بلده الحاقد على الإسلام والمسلمين،بينما الملايين في الجمهوريات السوفيتية الإسلامية لا يجدون من يقدم لهم رغيف الخبز،والملايين من المسلمين في البوسنة والهرسك لايجدون من يقدم لهم العون والمساعدة ويدافع عن أرواحهم وأعراضهم تجاه الحاقدين من المتعصبين والعنصريين من الصرب وأتباعهم.

ـ وعرب الجاهلية الأولى كانوا إذا استُنصروا نصروا،وإذا وعدوا أوفوا،ولو على حساب المال والروح،لقد وقفوا في معركة ذي قار تجاه إحدى أقوى القوتين في ذلك العصر،تجاه الفرس،لأنهم رفضوا أن يسلموا أسرة النعمان بن المنذر لكسرى الفرس،فقد كانت أمانة عندهم وخاضوا الحرب ضد الفرس وانتصروا.أما عرب القرن العشرين فهم أتباع للطاغوت الأمريكي يفعل بهم مايريد ويتبعونه حتى ولو دخل جحر ضب دخلوا وراءه لا يسألونه لماذا دخل!!

هذه أمثلة بسيطة عمّا يعيشه عرب القرن العشرين،لا أقولها داعياً لليأس والقنوط ـ معاذ الله ـ ولكن من أجل وضع اليد على الجرح،ومن أجل معرفة الأسباب،لأنه إذا عرف السبب سهل التشخيص ومعالجة الداء.

وأنا لا أقول هذا حقداً على العرب ،فأنا عربي أعتز بعروبتي،وقبل هذا أنا مسلم أشفق على أمتي.

أقول هذا وأدعو الله من قلب جريح أن يُخرج من أصلابهم من يُعيد للدين عزّته وللمسلم كرامته،وسوف يخرج هذا الجيل من الغرباء،سوف يخرج ليس في هذا شك فهو وعد الله ورسوله بأن هذا الدين سوف يعود،وسوف تعود راية الحقّ مجدداً تنشر الحق والعدل والمحبة والمساواة في كل ربوع العالم رغم الطاغوت ورغم الجبروت ورغم الظلام وظلم الأنام{واللهُ مُتمُّ نوره ولو كره المشركون}.

(نشر المقال في مجلة الرائد العدد 143 بتاريخ آيار عام 1992)