كيف تقتلُ شعباً مسلماً.. تحت ستار من الشرعية الدولية؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف تقتلُ شعباً مسلماً..

تحت ستار من الشرعية الدولية؟!

لقد عرف العالم قديمه وحديثه مجازر عديدة، ومذابح شنيعة،ارتكبتها بعض الأمم أو القوميات تجاه شعب من الشعوب،أو أمة من الامم،ولكن مايحدث الآن في البوسنة والهرسك من مجازر ومذابح،قد تجاوز البعيد والقريب،لأن هذه المجازر تحدث ولأول مرة في التاريخ تحت سمع العالم وبصره،وتحت ستار من الشرعية الدولية،وتحت رعاية القانون الدولي!!

نعم،مذابح ومجازر تُشارك بها كل شعوب العالم المُسمى بالعالم”المتقدّم”و”المتحضر” ،وتُنفذ هذه المذابح بقرارات من هيئة الأمم المتحدة وبتوقيع الأمين العام للأمم المتحدة.

إنَّ المسلمين في البوسنة والهرسك،شعبٌ مُسلم مُسالم صغير، يعيش في أواسط أوروبا النصرانية والعلمانية،وأراد هذا الشعب كغيره من شعوب أوروبا….أن ينال استقلاله وحريته فماذا كانت النتيجة؟

النتيجة هي أن الإنسان الأوروبي المعاصر،حفيد أجداده الرومان واليونان والسلافيين والجرمانيين ـ وما أدراك بهؤلاء الأجداد ـ والذي رفع حوله شعارات:الديمقراطية،والحرية،والمساواة،وحقّ تقرير المصير،…وجد نفسه أمام شعب مسلم يريد أن يقيم لنفسه كياناً مستقلاً في وسط أوروبا يشترك فيه مع آخرين،في العيش والوئام والسلام المشترك.

وكان جواب هؤلاء الأوروبيين “المتحضرين” كيف السبيل إلى افتراس هذا الحمل الصغير؟والذئب المغطى بقناع الشعارات البراقة،والمربوط إلى الدساتير برسن الديمقراطية والحرية،كيف السبيل إلى الافتراس بدون تأنيب ضمير،أو تأديب كبير؟!

هنا تفتّقت العقول الماكرة،عن أفكار مبتكرة،جمعتها تجارب عديدة في الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي في عهد الشيوعية وستالين،وفي الهند الصينية،وفي الجزائر،وأفغانستان،وفلسطين والعراق…وانصبّت هذه التجارب في بوتقة واحدة،في البوسنة والهرسك فتمّ إبادة شعب مسلم صغير في وسط أوروبا”الحضارة”وأوروبا “العدالة” وتحت سمع العالم وبصره،وبناء على توصيات الأمم المتحدة،وتمّت هذه الجريمة بدون أن يُعاقب الجاني،بل قُلّد أرفع الأوسمة،ومُنح الأراضي والمساعدات،وبدون أن يتأسى أحد على المجني عليه،أو يترّحم عليه أحد.

إن الجريمة،إذا تعدّد الجناة فيها،قلّ فيهم من يشعر بتأنيب الضمير،وإذا كان الجناة يُلاقون دعماً أو حماية من القانون،فإنّهم يظنون أن مايقومون به كان شيئاً ضرورياً ولمصلحة عليا.وهذا يُذّكرني بإخوة يوسف عليه السلام،الذين أرادوا قتله والقضاء عليه،وهم يظنون أنهم يفعلون ذلك لمصلحة عليا وهي أنهم سيكونون من بعده قوماً صالحين{اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم وكونوا من بعده قوماً صالحين}[يوسف 9].فهم من خلال قتل يوسف يحققون حسب ظنهم مصلحة،وقتل الشعب المسلم في البوسنة والهرسك،حسب ظنهم وتقديراتهم مصلحة قومية ومصلحة دينية عليا،وهكذا تتحوّل الجريمة إلى مصلحة عليا،ويتحول الجاني إلى مُدافع عن الحقوق والمصالح،ويتحول المجني عليه إلى متهم ومخرب ومتطرف….نعم،هذه شريعة الديمقراطية والحرية كما يراها أهل الغرب!!

لقد تمّت المجزرة بشتّى الوسائل وأعنف الأساليب،وبكل ماتفتقت عنه عقول الأبالسة والشياطين:

ـ تمّ قتل أكبر عدد ممكن من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ.قلّة قليلة منهم قُتلوا بالنار والرصاص.والأكثرية قُتلت بعد تدمير المساجد والمنازل والمشافي فوق الرؤوس،ومن خلال الذبح والتدمير،طبعاً بعد أن سبق ذلك جدع الأنوف،وتقطيع الرؤوس والأطراف،وبعد أن تعرضوا لأبشع تمثيل،وكل هذا يقع تحت سمع العالم وبصره،وعلى علم وإدراك من هيئاته الدولية!!

ـ وأما من بقي على قيد الحياة من الأطفال والنساء،فلقد شُردوا ووزعوا على كل أنحاء العالم،وحتى هنا لم يسمحوا للأم المسكينة التي فارقت زوجها بمصاحبة أطفالها، فالأمهات وُزعن هنا والأطفال هناك،فلا يجوز الجمع بينهم ،لأن إمكانية الدول المضيفة لا تتحمل هذا.نعم هذا ما تقوله القوانين الدولية والشرعية الدولية!!

ـ وأما من بقي على قيد الحياة من الرجال فأكثرهم قد استوعبتهم معسكرات الاعتقال،حيث التجويع والتعذيب،والموت الزؤام البطيء.وكل هذا يقع تحت سمع العالم”المتحضر” وبصره،وتحت علم وإدراك النظام الدولي الجديد!!

ـ والقلّة القليلة من الرجال المحاربين،سمح لهم بحق اللجوء السياسي في بعض بلدان اوروبا،ولكن بشرط ترك العائلات والزوجات والأطفال،فالرجال يحق لهم اللجوء السياسي لأنهم حاربوا،أما النساء والأطفال فلا يحق لهم ذلك.نعم هذا ماتقوله قوانين الشرعية الدولية والنظام الدولي الجديد!!

ـ وأما البقية الباقية الصامدة التي تدافع عن الأرض والعرض،وتتحمل القصف والتدمير صبحاً مساءً،فهؤلاء تُركوا لرحمة الصرب وأتباعهم،يرمونهم من قريب وبعيد بأسلحة القنص والدمار الشامل،ومن نجا منهم من سلاح القنص والتدمير،استعانوا بالقضاء عليه بالشتاء القارص،والجوع الكافر،وبالطبع لا يمكن إرسال الوقود والغذاء،لأنه يُخشى على رجال”القبعات الزرقاء” من نيران القناصة!!هذا ما تقوله قرارات هيئة الأمم المتحدة وأمينها العام!!

ـ ومن أراد من هؤلاء الأبطال الصامدين الشهادة فوق تراب الوطن الجريح،فليس له حق في هذا،ويُمنع عنه السلاح والعتاد لأنهم لايريدون تصعيداً للقتال وتزميناً للأزمة!!أما المعتدي والجاني فتُسّهل له كل الامكانيات،ويُزود بكل أنواع السلاح،هذا مارتأه القانون الجديد!!

نعم، هذا مايحدث اليوم في البوسنة والهرسك،وما حدث بالأمس في العراق،وغداً،سيكون الدور أيضاً على دولة مسلمة أيضاً،هل هي في أفريقيا مثلاً؟أو في إحدى دول المواجهة في الجهة الشرقية،أو في إحدى “الجمهوريات الإسلامية” التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي المنهار؟!

يا إخواننا في البوسنة والهرسك!

لقد كانت صدمتكم مضاعفة،فلقد صدمكم الأوربيون الذين عشتم معهم،وتعلمتم قوانينهم ودساتيرهم عن الحرية والديمقراطية وحق تقرير المصير،وصدمكم العرب والمسلمون الذين ارتبطتم بهم ديناً وعقيدة،فتنكروا لكم وتركوكم وحدكم لأنياب الذئاب المفترسين.

أما الأوربيون فقد عرفتموهم الآن،كما عرفهم غيركم من عقلاء المسلمين من قبل،يزينون بميزانين،ويقيسون بمقياسين:

ـ فإذا أُسر أو أُختطف أوروبي أو أمريكي أثاروا من أجله العالم ولم يقعدوه،واستنفروا الجيوش،وحرّكوا هيئة الأمم فهذه جريمة لا تغتفر،وأما إذا أبيد شعب مسلم مُسالم يطالب بحقوقه في فلسطين أو كشمير أو البوسنة فليس هناك من مُلبٍ أو مجيب.

ـ وإذا خُرّبت مقبرة يهودية،خرجوا رؤوساء ومرؤوسين،يتوعدون الفاعلين،ويطلبون رضى ومغفرة الصهاينة المجرمين،أما إذا حوّلت قرى مسالمة آمنة إلى مقابر،وامتلأ باطن الأرض وظاهرها بأشلاء الضحايا،وضجّت الأرض بحملهم،فلا من مُلبٍ أو من مجيب.

ـ وإذا خرجت مظاهرة تمنع إقامة مبنى أو منشآت على أنقاض مقبرة يهودية قديمة قد باعها أصحابها واستلموا ثمنها،استنكر العالم وضجت به العواطف لهذا الاستبداد وعدم التسامح الديني،وإذا خرج ألوف من الأطفال المساكين في فلسطين يطالبون بأدنى الحقوق والحريات ويدفعون بالحجارة عنهم ظلم الرصاص والدبابات،ومات منهم العشرات وجرح الألوف منهم…فليس هناك من ملبٍ أو من مجيب.

ـ وإذا خرج بعض الطلبة في الصين ينادون بالحريات،وقفتم معهم،وتوعدّتم الحكام،وقطعتم العلاقات ,وأقمتم الحواجز.وأما إذا خرج مئات الألوف في الجزائر ينادون بالحريات،ويطالبون بالحقوق،وبالسماح لمن انتخبوهم أن يتقلدوا أمورهم،واجههم الحكام بالرصاص وبالتعذيب والسجن في الصحراء حيث البرد القارس ليلاً،ولهيب الشمس نهاراً،كنتم عوناً مع الظالمين على المظلومين.

ـ وإذا طالب الناس بالحريات والاستقلال في سلوفينيا وكرواتيا دعمتوهم بالمال والعسكر،وكنتم يداً على المعتدي،أما إذا أراد نفس الشيء أهل البوسنة والهرسك،كنتم يداً مع المعتدي!!

ـ وإذا ضلّ حوت طريقه في البحر ولم يهتد،تساندتم شرقاً وغرباً لإعادته إلى حوضه ،وحين تُشرد أمّة كاملة من شعوب المسلمين فأنتم أول من يدعم هذا التشريد!!

ـ وإذا مرضت أو تأذت بعض الطيور البحرية من جراء تلوث البيئة  ـ الذي كنتم السبب فيه ـ جمعتم الأموال وطهرتم البحار بأسرع من لمع البرق،أما أن يموت شعب بأكمله في الصومال الجريح،فالإذن بإرسال بعض الإمدادات،يحتاج إلى ترخيص،وهذا لم يوقع عليه الأمين العام لأمم المتحدة!!

وأما صدمتكم بالعرب والمسلمين فكانت أشد من صدمتكم بالأوروبيين:

لقد تركوكم للجراحات والآلام،ولم تجدوا فيهم حزم أبي بكر الصديق يساعدكم في الشدّة،ويمنعكم عن الردّة،ولم تجدوا فيهم نصرة صلاح الدين ،قد حرّكه تهديم المساجد،وتدنيس المعابد،ولم تجدوا فيهم نخوة المعتصم،قد حرّكه صريخ الحرائر المسغيثات،وصراخ المغتصبات.

يا حكام العالم “المتحضر”!

ماذا دهاكم؟

هل ماتت الضمائر،أم تبلدّت المشاعر؟

تتألمون لحوت في البحر قد ضلّ السبيل،ولا تتحركون للصور تُعرض أمامكم صُبحاً ومساءً عن آلاف الجثث المشوهة،وصرخات الرضع يُعانون كل أنواع الآلام،وصيحات النساء الثكالى الحيارى،وذهول الشاردين المُشردين.

ويحكم! هل قست القلوب ،أم جفت المآقي،أم شاهت الفطرة،أم استولت عليكم روح الصليبية والعنصرية،أم اجتمع كل ذلك فيكم؟!

وياحكام المسلمين!

إن كثيرين منكم عملاء مأجورون ،وأذناب جبابرة متكبرون ،وأزلام طواغيت مستهترون ،وطراطير يتقوّل لهم ما يقولون.

ثقوا تماماً: إنكم إن رضيتم بمنزلة الأذناب،فإن سادتكم لا يعاملونكم إلا معاملة الأظلاف،تُستخدمون ثم تُداسون.

ويا إخواننا في البوسنة والهرسك!

فدتكم نفوس المحبين من إخوانكم المسلمين.

لقد خسرتم الأرض….ولكنكم صُنتم العرض.

وكنتم مثلاً للشهامة والبطولة….في عالم ساد فيه الاقزام…وماتت الرجولة.

قدّمتم الشهداء،وقرنتم الأقوال بالافعال ،وقاسيتم الآلام…في زمن عمّت فيه الثرثرة وعلم الكلام.وأحييتم بعض أمجاد الإسلام في أوروبا…بعد أن نُكست أعلامه في أرض مهده.

ويا أخوة الدين والعقيدة في كل مكان:

عودوا إلى الله قلوباً وعقولاً،سلوكاً ومنهاجاً،وانصروا الله ينصركم،ولاتيأسوا،فإنه لا يجتمع يأس وإيمان في قلب مؤمن،وثقوا بوعد الله فهو خير ناصر وخير مُعين.

وثقوا تماماً:أن بغداد التي دمرها المغول…عادت فتحاً في استانبول،وأن بغداد التي دمرها بوش…عادت فتحاً في كابول،وأن البوسنة كالقدس إذا دنستها عبيد العجل والصليب ،فإنها ستُطّهر من جديد،فصلاح الدين قد غفى…ولكنه سيستيقظ من جديد.

(نشر المقال في مجلة الرائد العدد 147 بتاريخ كانون الأول عام 1992)