رسالة إلى الأحبّة في تل الزهور

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة إلى الأحبّة في تل الزهور

مرت على إبعاد الإخوة الأحبّة إلى تل الزهور عدة شهور،ولقد حدثت عُقيب إبعادهم ضجّة كبيرة على المستوى العربي والإسلامي والعالمي،وتناولت قضيتهم معظم صحف العالم بالاستنكار والتنديد،ثمّ بدأت هذه الضجّة تتراجع تدريجياً حتى اختفت تماماً وتلاشت،مع أن الواقع الأليم لم يتغيّر فالظلم واقع،والظالم غير مبالٍ ولا سامع،ولكن هذا ليس بالغريب علينا فيما يتعلق بقضايا الإسلام والمسلمين،فعهدُنا بحكامنا وحكام عالمنا بالنسبة لقضايا المسلمين”أذنٌ من طين وأخرى من عجين”!!

أيها الأخوة الأحبّة في تل الزهور:

ـ يا منْ أحييتُم الأرض البوار بصلاتكم وسجودكم،فاهتزّت وربّت،عندما خالطت تُربتها دموع خشيتكم،فأورقت وأينعت بعد سنوات عِجاف من البوار والموات من جراء دوس أقدام رجال الاحتلال،الذين عُرفوا بقساوة القلوب فكيف الحال بأقدامهم!!

ـ يا من ذرفت عليكم السماء أمطاراً وثلوجاً بعدما وصلتها دعواتكم وصلواتكم،فإذا الأرض تطهر من دَنس الغاصبين وإذا بالاجسام والأبدان تُطهّرأجسام العابدين المُرابطين.

ـ يا من عانيتم قرَّ البرد،فدعوتم ربّكم كما دعا الخليل من قبلكم،فإذا به يتحوّل قُرّة لاعينكم ،ويثلج صدوركم ويُقوّي برد يقينكم.

ـ يامنْ قاومتم العدوّ الغاصب،وتغلّبتم عليه بحرارة إيمانكم،ونور عزائمكم،وشعلة اليقين المُتقدة في قلوبكم.

ـ يا من سكنتم الخيام،والتحفتم السماء،وافترشتم الأرض،ولكنكم صنعتم ما عجز عنه سكان القصور من الحكام الذين باعوا الأرض واستباحوا العرض.

ـ يامن بثباتكم وصبركم صفعتم الذل في جبين زعمائكم وحكامكم،وصفعتم الصلف والغرور في جبين أعدائكم.

ـ يامن أرسلتموها دعوات مظلومين عقب صلوات الأسحار في ليالي رمضان فإذا بها تتحوّل إلى حجارة وزخات رصاص تنهلّ على الأعداء.

أيها الأحبّة في تل الزهور:

ـ لقد هزمتم،أنتم الفئة القليلة المؤمنة،جيش الغرور والصلف والعدوان،وبدأ لأول مرة مذ احتل الأرض بالتراجع والتنازل،وكان عهدنا فيه أنه لايعرف التنازل والتراجع إلا من قبل حكام المسلمين الذين وجهتم إليهم الصفعات،تلوّ الصفعات،وكان قد اعتاد أن يُرسل الصفعات إلى حكامكم،الذين كانوا يواجهونها بالتنازلات عقب التنازلات!!

ـ نعم،بدأ الباطل بالتراجع،بدأ العدّ التنازلي له..لأنه لأول مرة منذ احتلال الأرض أخذ الحقّ يواجه الباطل…وقبل ذلك كان هناك باطلٌ ضعيف يواجه باطلاً أضعف منه{وقُل جاء الحقُّ وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً}.

أيها الغرباء في تل الزهور:

ـ أبعدوكم عن الأرض…فأصبحت كل الأرض ترنو إليكم

ـ أبعدوكم عن الأهل….فإذا بكل المسلمين أصبحوا أهاليكم

وأرادوا بإبعادكم قتل الانتفاضة،فإذا بها تتحوّل إلى شرارة غضب ونار،ولهيب جهنم و إعصار،يقتلع جذور الظالمين،ويُمزّق نفوس الشامتين،ويُنذر بقرب رحيل الغاصبين.

أيها الغرباء في تل الزهور:

تذكّروا ….أنه ليس لكم إلا الله ناصراً ومعيناً.

فلا تتوجهوا بالنداء إلى حُكامكم…فإن كثيرين منهم،حكام مَحكُومين،أمرهم ليس إليهم،والأوامر تُملى عليهم ،بينهم وبين نور الحق أكنّة فوقها أكنّة،أحاطت بالقلوب إحاطة السوار بالمعصم،فلا ينفذ إليها نور الحق ولا يجد إليه سبيلاً.

ولا تتوجهوا بالنداء إلى حُكام هذا العالم…فمن وراء قناع الديمقراطية والمساواة والعدالة والحرية الذي يتستّرون به تجدون نفوساً قد اشرأب الظلم خلايا أبدانها ،وعَشّشَ الفساد في قلوبها، وسار فيها مجرى الدم في العروق،تُحرّكها المطامع والعصبيات العرقية والقومية والدينية،وهم حربٌ على الإسلام والمسلمين وما تُخفي قلوبهم أكبر.

تذكّروا…أنه ليس لكم إلا الله ناصراً ومُعيناً

تذكّروا…وأنتم تدّقون أوتاد الخيام…أنه مع كلِّ شررٍ يتطاير من كل ضربة فأس على صخرة كؤود أو حجر جلمود،سترون فيها تباشير فتح القدس والأقصى الحبيب،كما أرُيَت رسولكم وحبيبكم تباشير فتح المدائن والشام والقسطنطينية.

تذكّروا…أن حصار الشِعَب في مكة استمر عدّة شهور(ثلاث سنوات)…ولكن عاد المحاصرون بعد عدّة سنوات بالفتح العظيم يُحطّم الأوثان البشرية والحجرية.

وتذكروا قول الله تعالى:{إنّ الله يُدافعُ عن الذينَ آمنوا إنّ الله لايُحبُّ كل خوان كفور*أذنَ للذين يُقاتلونَ بأنّهم ظُلموا وإنَّ الله على نصرهم لقدير*الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربّنا الله….}

فاصبروا فالعاقبة للمتقين.

(نشر هذا المقال بمجلة الرائد العدد 151 في شهر آيار عام 1993).