تأنّق الذلُّ حتّى صار غُفراناً

بسم الله الرحمن الرحيم

تأنّق الذلُّ حتّى صار غُفراناً

لقد قُسمت فلسطين ـ بعد تقسيم فرنسا وبريطانيا بلاد الشام إلى أربع دول ـ وتمَّ احتلال كل أجزائها،وأجزاء من دول عربية أخرى من قبل بني صهيون وذلك على مدار عشرات السنين،ومن خلال عدّة حروب،تمّت بين جيوش بعض الدول العربية وجيش البغي والعدوان،وخسرنا الحرب بعد الحرب،والمعركة تلو المعركة،ولم يكن سبب الهزائم و”النكسات”قوّة العدو ولا شجاعته،فهم قوم ضُربت عليهم الذلّة والمسكنة،وهم أحرص الناس على حياة،ولكنها هزائم حصلت بسبب ضعفنا وتفرقنا سفاهةً،وتبعية حكامنا قيادةً،واستهتار أبنائنا جهالةً،ولأننا لم نمكّن الفئة المؤمنة من مواجهة الفئة الباغية،ولعدم تمكين الإسلام من مواجهة البغي والعدوان…وهكذا تمّ زرع دولة العدوان في قلب العالم العربي،رغم أنف العرب والمسلمين،ووسط جبال الأشلاء وأنهار الدماء.

وأدى مسلسل الهزائم العسكرية،وما تلاه من التدليس الثقافي،والتشويه الإعلامي،والتيئيس من إمكانية الجهاد والتحرير،أدى كل هذا مع تبعية حكام العرب وقادة فلسطينيين…إلى القبول بالتنازلات بعد التنازلات،وتوقيع اتفاقيات الذل والاستسلام،وتُوّج مسلسل التنازلات والهوان والذل بزيارة فرعون مصر السادات يوم 21 تشرين الثاني 1977 لمدينة القدس،وتوقيع مايُسمى معاهدة”السلام والصداقة المصرية ـ الإسرائيلية” في 26 آذار عام 1979 بين فرعون مصر السادات وسفاح دير ياسين”بيغن” وبمباركة ورعاية الطاغوت الأمريكي،ونالا من المجتمع الدولي جائة نوبل للسلام!!

إذا أنتَ حمّلت الخؤون أمانة          فإنّكَ قد أسندتها شرّ مسند

نعم،ذهب فرعون مصر،المتكبر على شعبه،المُستهتر بقومه،والذليل أمام أعدائه من بني صهيون والأمريكيين…ذهب إلى المسجد الأقصى يزوره،وإذا بأبواق الإعلام الذليلة المنافقة الخائنة،وإذا بأذناب السلطة وأظلافها من بطانة السوء..يقارنون بين ذليل الأمة الذي دخل القدس تحت حِراب وأعلام بني صهيون راكعاً مستسلماً،وبين صلاح الدين الأيوبي الفاتح الناصر الذي دخل القدس والمسجد الأقصى راكعاً لله رافعاً راية التوحيد والإسلام،وحقّ في زيارة السادات للأقصى الشريف ماقاله أحد الشعراء قبل عشرات السنين:

المسجد الأقصى! أجئتَ تزوره         أم جئتهُ قبل الضياع تودّعه؟!

وإنَّ المُدقق في حقيقة حكام العرب،يعلم أنهم تولّوا شؤون الحكم بقوة البغي والعدوان،وسلطان الظلم والطغيان،وكانوا عندما يسيطرون على الحكم ويصعدون المنابر، يرفعون الشعارات البراقة ويرسلون التهديدات المتكررة،وإن كانوا في واقعهم وفعلهم أقزاماً وطراطيراً ليسوا أهلاً لحمل الأمانة

إذا صعدوا “الأعواد” قالوا فأحسنوا        ولكنَّ حُسنَ القولِ كذّبهُ الفعل

وبمرور الأيام وعلى كرِّ الأعوام تغيّرت المقاييس عند الساسة العرب،وشوّهت الحقائق…وإذا بنا أمام حكام يرون الشجاعة الحقيقية في ترك التحرير والجهاد والقبول بالاستسلام،وإذا بنا أمام حكام يرون الحنكة والدهاء السياسي في قبول “الأمر الواقع” والخضوع لمتغيراته والرضوخ لمتطلباته،وقد وصل الأمر بأحد هؤلاء الزعماء المعاصرين أن يقول وبكل وضوح واستخفاف بالشعوب واستهتار بالقيم:”إنّ الحل العسكري لايمكن أن يوصل للسلام،إن الذين يتكلمون ويقولون بإعداد جيوش لفتح القدس ،هل منهم أحد؟والذي يريد أن يجمع جيوشه ويذهب لتحرير القدس فليتفضل،وعلينا أن نرى ماذا سيفعل،كلنا نريد القدس محررة،إن القدس للأديان الثلاثة ولا أحد يعترض على هذا،والمسألة ليست مسألة كلام ،لقد مضى 40 عاماً ونحن نتكلم…”!!

نعم، وبكل صفاقة ووقاحة،يردد حاكم عربي هذه الكلمات،ويقرر أن قبول الأمر الواقع أمر لا غنى عنه،وأن الشجاعة الحقيقية هي الاعتراف بالعدو والرضوخ لمطالبه

يرى الجبناء أن العجزَ عقلٌ             وتلكَ خديعةُ الطبع اللئيم

وفي هؤلاء الزعماء يصدق قول الشاعر:

يُغضي على الذُلِّ غفراناً لظالمهِ        تأنّقَ الذُلُّ حتى صارَ غفراناً

فما السبب في هذا الذل الفظيع،وفي هذا العبث الرهيب ب”ثوابت”الأمة؟

والجواب نجده في تنحية الإسلام عن الحكم والتشريع،وفي مطاردة دعاته،وفي حملة التغريب الرهيبة…وهذا الذي مكّن لعصابات الشر من الانتصار على الإسلام والمسلمين

مُحَمدٌ! هل لهذا جئت تسعى؟             وهل لكَ ينتمي هَمل مشاعُ

أإسلام وتغلبهم يهود؟                     وآسادٌ وتقهرهم ضباعُ

شرعتَ لهم سبيل المجد لكن            أضاعوا شرعكَ السامي فضاعوا

نعم،لقد تحوّلت خير أمّة أخرجت للناس إلى أمة ضعيفة ذليلة،هانت على كلِّ الناس،وزُرع في أوصالها الهوان،وضرب الذل أطنابه،وإذا بالمسلم…مثال النخوة والشهامة يصبح مثالاً للجبن والخيانة والهزيمة

إنَّ الأسودَ إذا تولّى أمرها                 راعٍ فقد حُشرت مع الأغنام

فالحذار،الحذار من مواجهة الحكام،وانتقادهم،أو نصحهم فهم وإن كانوا أذلّ الناس أمام أعداء الأمة وأسيادهم من الأمريكان وبني صهيون،إلا أنهم شديدو البأس والشدة على بني جلدتهم وأبناء أمتهم

جهلاً علينا وجُبناً من عدوهم              لبئست الخلتان الجهل والجبن

وتحوّلت الشعوب بسبب الذل والاستعباد،والقهر والاستبداد،إلى أموات تلبس لباس الأحياء،وتسعى وراء لقمة عيشها اليومي،وقد غرقت بمشاكل الحياة اليومية والمعيشية

قالوا:السعادة في السكون وفي الخمول وفي الخمود

في المشي خلف الركب في دعةٍ وفي خطوٍ وئيد

في أن تقول كما يُقال فلا اعتراض ولا ردود

في أن تسير مع القطيع وأن تُقادَ ولا تقود

في أن تصيح لكلِّ والٍ عاشَ عهدكم المجيد

وتُوّجت الهزيمة بتاج آخر عند توقيع مايسمى”اتفاق إعلان المبادىء”الذي تمَّ في 13 إيلول عام 1993 بين منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات ورئيس الطغمة الصهيونية الحاكمة السفاح إسحاق رابين،وتحت رعاية ومباركة أمريكية.

وهكذا وصلنا إلى عهد جديد،تقرر فيه بشكل نهائي تحويل الهدف،من تحرير أرض فلسطين من البحر إلى النهر،إلى القبول بالحكم الذاتي المشروط المُقيّد في قطاع غزة وأريحا،وتحول هدف الجهاد وتحرير الأرض من العدو الصهيوني الغاصب،إلى الاعتراف به والصلح معه،وتحوّل شايلوك المرابي مصّاص الدماء إلى شالوم الإسرائيلي الباحث عن السلام،والذي يريد الخير ويمد يد العون والمساعدة لجيرانه العرب!!!

ولا أريد أن أفصّل الكلام عن هذا الاتفاق،ولكنني أوجز فأقول:إن هذا الاتفاق يعني الاعتراف بإسرائيل،وفتح الحدود وإقامة العلاقات معها،وهذا يعني:الهيمنة الاقتصادية والسياسية والتقنية،وزرع الفساد والوباء من خلال أجهزة المخابرات الإسرائيلية،ومؤسسات الدعارة والرذيلة،وتسخير أجهزة الدول العربية وخاصة المؤسسات الإعلامية لخدمة العدو،وإثارة النعرات الطائفية والإقليمية والفتن في الدول العربية،وازدياد الفرقة والتناحر بين الأنظمة والشعوب العربية،كما يعني:محاولة القضاء على الروح الجهادية في قلوب المسلمين..بإسم القضاء على التطرف والأصولية.

أمامك أيُّها العربيُّ يومٌ               تشيبُ لهولهِ سودُ النواصي

وأنتَ كما عهدتُكَ لا تُبالي           بغير مظاهر العَبثِ الرخاصِ

مصيرُكَ باتَ يلمسهُ الأداني         وسارَ حديثهُ بينَ الأقاصي

لنا خصمان:ذو حولٍ وطَول         وآخرُ ذو احتيالٍ واقتناصِ

تواصوا بينهم فأتى وبالاً            وإذلالاً لنا ذاك التواصي

مناهجُ للإبادة واضحات             وبالحسنى تُنفذُ والرصاص

إننا نوّجه نداءنا لحكام العرب ولقادة منظمة التحرير قائلين لهم:إن المسجد الأقصى حُرِّرَ بعد قرابة قرن من الزمان من الصليبيين،ولم تكن هناك أية لحظة استسلام واحدة للصليبيين،لأنه إذا استسلمت أمّة من الأمم لليأس والقنوط، وقبلت حلول الذل والاستسلام،فإن نهايتها تكون عند بداية لحظة يأسها.

ونقول لهم:دعوا المسلمين يواجهوا بني صهيون،ودعوا الإيمان يواجه الكفر،ودعوا الحقَّ يواجه الباطل،وفُكّوا أسر المجاهدين،وأطلقوا سراح المناضلين،وتنحوا جانباً عن الحكم لأننا:

ما جحدنا “أفضالكم”غير أنا          لم تزلْ في نفوسنا أُمنيّه

في يدينا بقية من بلاد                 فاستريحوا كيلا تطير البقيّه

ونوجه نداءنا إلى الأخوة الأحبّة في الأراضي المحتلة ونقول لهم:تحلّوا بالصبر،واستعينوا بالله،وحذار أن توجهوا الحراب والسهام نحو صدور الأخوة والاصدقاء،مهما فعلوا،ومهما ارتكبوا،وثقوا تماماً أننا سندخل المسجد الأقصى مُحرراً كما دخله صلاح الدين ومن قبله عمر الفاروق ولو طال الأمر عشرات السنين،وثقوا تماماً يا أطفال الحجارة،أنه سوف يأتي اليوم الذي تناديكم فيه الحجارة وتقول لكم:يا عبد الله ،يا مسلم،هذا يهودي خلفي،تعال فاقتله.

{ويقولونَ متى هوَ قُلْ عَسى أن يَكونَ قريباً}[الإسراء 51]

(نشر المقال في الرائد العدد 156 بتاريخ تشرين الثاني عام 1993)