إنَّ نصرَ الله قريب

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ نصرَ الله قريب

منذ عدّة شهور ومأساة ـ بل مجزرة ـ البوسنة والهرسك لاتجد لها نهايةً أو حلاً.وهذه المجزرة قاربت ـ بل تجاوزت ـ في شدّتها وقسوتها ووحشيتها ما ارتكبه كل من الدكتاتور ستالين في الاتحاد السوفييتي سابقاً،والدكتاتورهتلر أثناء الحرب العالمية الثانية من مجازر ومذابح.

والأنكى من هذا والأشدّ أن العالم”الحر” وقف يومئذ ضد هتلر وستالين،أما العالم”الحر” اليوم،فأنه يُشاهد ولا يَنفعل،ويَسمع الصريخ ولا يصخي السمع،ويسمع والصراخ ولا يُصغ السمع،بل ربما بارك أعمال المُعتدي وأيدّها معنوياً ومادياً،وهذا مايجعل وقع الماسأة على النفوس أشدُّ إيلاماً وأكثر تبريحاً.

إنّ هذه الماساة تركت،ولا بُدّ أن تترك انعكاسات قريبة وبعيدة على المستوى المحلي،والإسلامي،والعالمي.

ـ على المستوى المحلي:

إنّ هذه المأساة  أدّت إلى ضياع أراضي المسلمين،واغتصاب حرياتهم وحرماتهم،وهتك أعراض نسائهم وفتياتهم وبناتهم،وهدم مساكنهم ومساجدهم،وذبح رجالهم وأطفالهم،والتنكيل بشيوخهم،وتشريد أطفالهم.ويقوم بتنفيذ هذه الجرائم جنود الصرب الذين عرفهم التاريخ بوحشيتهم وعنصريتهم،ويقف من ورائهم قوى دولية وعالمية ودينية،يُباركون خطاهم جهاراً نهاراً،أو من وراء الكواليس وخلف الأبواب المغلقة.

هذا هو الجانب المظلم من المأساة،ولكن هناك جانب آخر تظهر من خلاله خيوط الضياء والإشراق،فالشعب المسلم في البوسنة والهرسك الذي كان ارتباط معظم  أفراده ،ـ قبل المأساة ـ ارتباطاً رمزياً،وارتباط الأعراف والتقاليد،شعر هذا الشعب المسلم بأن العالم كله قد تخلّى عنه،وسلّم عنقه لمدية الجزار،ليقطع أوداجه،ويفصد دماءه،وسلّمه للذئب الصربي الجائع ينهش لحمه،ويدّق عظامه،فإذا بهذا الشعب المسلم يزداد ارتباطاً بالإسلام،ويرى فيه الحل الوحيد للخروج من هذه المأساة،وإذا بنا نسمع ونرى كيف تحولّت شعلة الإيمان في القلوب إلى أعمال بطولة وتضحية وشجاعة،وحب للجهاد،يعجز اللسان عن وصفها،والقلب عن تصديقها،ووجدنا رجالاً مثال الشهامة والبطولة والرجولة،يدافعون عن الأرض شبراً شبراً،ويحمون أعراضهم ولو على حساب أرواحهم،ويقفون موقف العزّة والبطولة والرفض لقرارات الذل والاستسلام،رغم التهجير والتذبيح،ورغم قلّة الموارد والمساعدات،ورغم قسوة الظروف وندرة السلاح.

إنه الإيمان صانع المعجزات،وإنه الارتباط بالله القويِّ العزيز الذي لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

نعم،لقد خسرنا بقعة أرض،ولكننا شهدنا مولد شعب،وأيّ شعب!!

ـ على المستوى العربي والإسلامي:

لقد كانت صدمة العرب والمسلمين بحكامهم صدمة كبيرة،لقد أدركوا أن أكثر من خمسين دولة مسلمة عاجزة عن تقديم أبسط يد العون والمساعدة لإخوانهم الذين يُذبحون ذبح النعاج،ولأخواتهم اللاتي يُغتصبن على قارعة الطريق بالأفواج،ولأطفالهم الذين شُردوا في كل البلاد والفجاج،وأدركنا جميعاً أن معظم هؤلاء الحكام هَمهم الوحيد البقاء في كراسي الحكم،مهما كان الثمن وأنهم أحرص الناس على حياة،ولو كانت حياة مقترنة بالذل والتبعية والهوان،ولو أنها كلّفتهم أن يكونوا خونةً لأمتهم ولأمانتهم!!

نعم،اجتمع هؤلاء الحكام،وياليتهم لم يجتمعوا!!

اجتمعوا وخرجوا بقرارات وتوصيات،وما أكثر قراراتهم وتوصياتهم!!…ولكنها قرارات مكتوبة بمداد من ماء الخيانة،وتوصيات لا تحقن الدماء بل تزيدها!!

وأطلقوا النداءات تلو النداءات،ولكنها نداءات لا تصغي لها الآذان،ولا تستجيب لها القلوب،بل هي صدى يتردد بين الجبال الصامتة،ويضيع في مهبّ الرياح العاصفة!!

نعم، هم حكامٌ ….ولكنّهم محكومون…

وعودهم لأبناء المسلمين…وعيد وتهديد

ووعيدهم لأعداء المسلمين…وعود وورود

نتاج أعمالهم…قبض الرياح وحصاد الهشيم

ووسائل علاجهم…تُودي بالصحيح فكيف الحال بالسقيم!!

ولكن من خلال هذا الوضع المأساوي الذي يعيشه العالم الإسلامي بسبب ظلم حكامه،وذلِّ أبنائه،تظهر حركات البعث الإسلامي في كل أنحاء الأرض الإسلامية تريد أن تعود بالإسلام إلى ينابيعه الأصلية،وإلى جذوره المُستمدة من الكتاب والسنة.

ـ على المستوى الدولي والعالمي:

لقد بان الصبح لكُلِّ ذي عينين،وتبيّن للمسلمين خاصة،وللعالم أجمع دخائل النفوس وخبايا الضمائر لساسة الغرب،وما تحمله من ذبذبة الضمائر،وتقلبات المشاعر،تارة تظهر بكل وضوح وصراحة،وتارة أخرى في خفاء ومواربة،وتبيّن للجميع أن لسان حال هؤلاء الساسة لا يعكس لسان أفعالهم،وأنهم يتحركون بين هذا وذاك جيئة وذهاباً بين النقيضين المتباعدين،مُحكّمين في ذلك أهواءهم ومصالحهم،وتبيّن للمسلمين أن هذا العالم”المتحضر”الغربي كما يقول عنه الأستاذ الحبيب عصام العطار:”يتحرك بمنافعه ومصالحه أكثر مما يتحرك بعقله وضميره،وكم داس هذا العالم أسمى المبادىء والقيم من أجل أحقر المنافع والمصالح(كتاب كلمات ص65].

نعم، تبيّن للمسلمين أن الإيمان بهذا الغرب”الصديق” إن هو إلا وهم يتبعه وهم،وحلم لا تفيق منه إلا على حلم،وأن من يشكو إليهم آلامه وأوجاعه من المسلمين كالجريح الذي يشكو آلامه وجراحه إلى الرُّخم والعقبان!!

ومع هذا فقد ظهرت في هذا الغرب الظالم نداءات وانتقادات واحتجاجات على المستوى الشعبي والرسمي،وتبيّن لعدد ليس بالقليل من عقلاء الغرب وحكمائه أنهم أمام ساسة يقيسون الأمور بمقياسين،ويزنون الأمور بميزانين،ولكن وللأسف فإن هؤلاء القلّة من العقلاء عاجزون أن يقتحموا هذه الأسوار العالية التي أقامتها هذه الحضارة الغربية حول عقولهم وقلوبهم وطاقاتهم،فهم صرعى هذه الحضارة وهم سجناؤها أيضاً.

إن مأساة البوسنة والهرسك لإحدى الفواقر التي تندّك لهولها الجبال،فما أحراك بالأجسام التي كُسيت لحماً وعصباً ودماً،وإنها لمأساة تتفّطر من أجلها القلوب،وتتقرّح لها الجفون،هذا إن كان في الرؤوس عقولٌ تتدّبر،وفي النفوس ضمائرٌ تتذكّر،وفي الصدور قلوبٌ تتفطّر،وفي المحاجر مآق تتأثر!!

ونقول للأخوة في البوسنة والهرسك كما قال الأستاذ عصام العطار مخاطباً كل المعذبين من أبناء المسلمين في كل أرجاء الأرض:”إن دماءكم الجارية تتفجّر من قلبي،وإنّ دموعكم الساكبة تتحدّر من عيني،وإن مآسيكم الفاجعة ترافقني في يقظتي ونومي…وإن الله لبالمرصاد لكلِّ الظالمين من الأعداء السافرين أو المُقّنعين،وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون”(كتاب كلمات ص56).

ونقول لهم:إن هذه المأساة سوف تنتهي إن شاء الله،وسوف يأتي الفرج والنصر الأكيد من الله عز وجل،وإنّ صرخة الألم الشديدة التي تُرافق عُسرة المخاض،وآلام الوضع،وشدّة المعاناة،غالباً ما تنتهي مع سماع صرخة ميلاد أمل جديد،يحمل معه الرجاء والأمل،ويُنهي تباريح الألم…

(نُشرت في مجلة الرائد العدد 154 في آب عام 1993)