داء السل(التدرن)

و

داء السل أو التدرن

من الناحية الطبية :

السل أو التدرن هو انتان مزمن، تسببه العُصيات السّلية الفطرية ، وأحياناً العصيات الفطرية البقرية . وفي معظم الحالات تصاب الرئة في البدء ، ثم يحدث تجرثم الدم العارض ومن ثم تنتشر الجراثيم في كل أنحاء الجسم . وفي حالات نادرة تتم اصابة الجهاز الهضمي  بسبب تناول الحليب الملوث .

إن عُصّيات السل هي جراثيم مقاومة للحموضة ، غير متحركة ، لا مبذرة، بطيئة النمو .

إن طريق العدوى الرئيسي لازال عن طريق الجهاز التنفسي ، ونادرا عن طريق جهاز الهضم ، والأندر عن طريق البول الملوث وخاصة عند الأطفال ، ومن النادر جداً عن طريق الجهاز التناسلي أوعن طريق الجلد .

ان من أهم العوامل التي تساعد على حدوث الإصابة بالسل سوء الحالة العامة وخاصة الغذائية ، والادمان على الخمر ، ونقص المناعة البدنية كما هو الحال في مرضى الإيدز ، أو الاصابة بالأورام الخبيثة  وخاصة اللمفومات ، أوالمعالجة المديدة بالكورتيزون ، أو وجود امراض أخرى مثل تغبرات الرئة ، وداء السكري …

تقدر منظمة الصحة العالمية أنه يصاب بالسل في العالم شخص كل ثانية ويموت كل عام من المرض 2مليون شخص .

إن أهم أعراض السل الرئوي : السعال المزمن ونفث الدم ، ونقص الوزن والتعرق الليلي ، ونقص الشهية ، وضيق النفس والالم الصدري والحرارة والتعب العام والاعياء .

ومن الاعضاء الاخرى التي تصاب غير الرئة السحايا والكلية والعظام والجهاز التناسلي وجهاز الهضم .

من الناحية التاريخية:

يقول الدكتور مرشد خاطر(مجلة الثقافة العدد الرابع بتاريخ الخامس من إيلول عام 1933):

“لن نجد للسل ذكراً إلا في السنة 1800 قبل الميلاد.عند الهنود الأقدمين الذين كانوا يعدون المسلول كالمجذوم خطراً على من يساكنه ويجاوره وكانوا يتجنبونه تجنب الأفعى.غي أننا لم نقف على وصف مسهب للسل ذكرت به أعراضه وبعض عراقيله إلا في زمن اليونانيين منذ 500 سنة قبل الميلاد فقد ورد أن أوريفونوس الكنيدي كان يعالج المسلولين بلبن النساء والكي وكان يظن كالمصريين القدماء أن الامراض مسببة من الإفراط في الغذاء.

وكان السل مرضاً شائعاً فتاكاً في عهد أبقراط أبي الطب .ولم يذكر أبقراط شيئاً عن العدوى ،غير أنه كانمعروفاً أن لطب الهنود أثراً في الطب اليوناني وأن الهنود كانوا يتجنبون المسلول كالمجذوم .وكان يظن أبقراط أن نفث الدم وقياءه سبب المرض وليس عرضاً له.

وجاء بعد أبقراط أرسطو طاليس(382 ـ 332 قبل الميلاد)وكان فيلسوفاً وطبيباً في ىن واحد فلم يضف إلى ما عرفه أبقراط غير شىء واحد وهو قوله أن السل والطاعون يُنقلان بالهواء وهذا قول صحيح أثبته العلم لاحقاً.

نصل الآن إلى عهد جدودنا القدماء من أطباء العرب الذين بنوا لنا ذلك المجد الزاهر.

فالإمام الشيخ ابن سينا(980 ـ 1076) جاء في قانونه عن السل الكثير من الأمور الجديدة.فقد ذكر فيه أن نفث الدم ربما لا يتأخر بل يقع فيه الابتداء إذا كان السل من الجنس الردىء .وقد عرف ابن سينا السوس والزرنيخ والقطران والأفيون المستخرج من الخشخاش والكافور في معالجة السل.

ويتابع الدكتور مرشد خاطر(مجلة الثقافة العدد الخامس بتاريخ الخامس من آب عام 1933م):

“لم تجل عدوى السل جيداً ولم يكتب عنها في التاريخ الطبي شىء صريح إلا في القرن السادس عشر إذ جاء فراكستور من فارونا في إيطاليا وألف ثلاثة كتب أسماها:العدوى والأمراض المعدية ومعالجتها سنة 1546 وهي مؤلفات جزيلة الفائدة حددت بها العدوى وأعلن فيها مبدأ جديد عن أسباب الأمراض السارية.وقال إن كلاً من الجدري والحصبة والطاعون والجرب والرمد الصديدي والكَلب والإفرنجي والسل لها بذور خاصة تنقلها إلى الآخرين,وهو أول من قال عن السل أنه ينتقل بمساكنة المسلول ولبس أثوابه.

وما أن انتصف القرن التاسع عشر حتى بدا إلى الوجود ذلك العلامة الألماني الكبير الذي كشف النقاب عن سبب السل وكان لاكتشافه الضجة الكبيرة في أقطار البسيطة أعني به العالم “كوخ”(1843 ـ 1910) وقد توصل هذا العلامة سنة 1882 إلى كشف عصية السل “.

جاء في كتاب تراث الانسانية المجلد الاول ص279 “في كتابه عن حياة صمويل جونسون يذكر المؤلف جيمس بوزويل (1740_1795ميلادي) أن جونسون اصيب في طفولته بسل العقد اللمفية في العنق وكان يسمى في ذلك الزمان داء الملوك، وكان الشائع ان وسيلة الشفاء من ذلك الداء هي لمسة الملك ، فحمل الى لندن لتلمسه الملكة آن ، ولكن لمسة الملكة في هذه المرة لم تأت بمفعولها المرتقب فشَّوه المرض وجه صمويل جونسون ، وأثر ذلك على قوة إبصارإحدى عينيه تأثيرأ كبيرا حرمه من نور تلك العين مدى عمره . وصمويل جونسون هو أول من وضع القاموس الكبير للغة الانجليزية عام 1755

من الناحية الدينية:.

جاء في فتح الباري كتاب فضائل الصحابة ” مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه بمرض السل على ما قاله الزبير بن بكار، وعن الواقدي : أنه اغتسل في يوم بارد فَحُمّ خمسة عشرة يوماً . وقيل بل سَمتّه اليهود في حريرة أو غيرها وذلك لثمان بقين من جمادى الاخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة فكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وأياماً ، وكان عمره ثلاث وستين عاما .

وجاء في كتاب عبقرية الصديق لعباس محمود العقاد ص153″قيل انه مات بالسم في أكلة أكلها قبل عام من وفاته ، وليس لهذا القول مرجع يميل الباحث الى تصديقه ، وقيل انه مات بالحُمّى لأنه استحم في يوم بارد، وقد مات في شهر قائظ كما يظهر من مضاهاة الشهور العربية من الشهور الشمسية ، فليس لهذا القول سند صحيح ، واغلب الظن أنها حمى المستنقعات (الملاريا)التي أصيب بها بعد الهجرة الى المدينة ثم عاودته في أوانها مرة اخرى وهو شيخ ضعيف ، فجددت الإصابة الثانية عقابيل الإصابة الاولى وانتهت حياة بلغت نهايتها في حيز الجسد ، وفي حيز المجد، وفي حيز التاريخ .

من الناحية الأدبية:

جاء في اختيارات الاغاني ج4 ص 342-343:”يقال أن كُثير عزّة أخذه الهُلاس (داء يصيب الجسم بالهزال وهو مرض السل أيضاً) فَكُشِحَ جنباه بالنار _أي الكوي_فلما اندمل من علته وضع يده على ظهره فإذا هو برَقمتين ، فقال : ماهذا ؟ قالوا : إنه أخذك الهُلاس ، وزعم الاطباء لا علاج إلا الكشح بالنار فَكُشحت بالنار فقال :

عفا الله عن أم الحويرث ذَنبها                علام تعنيني وتكمي دوائيا

فلو آذنوني قبل أن يرقموا بها                لقلت لهم أمُّ الحويرث دائيا .

أبان بن عبد الحميد اللاحقي يهجو جاراً له اسمه أبو الأطول أصيب بالسل (نقلاً عن حديث الاربعاء طه حسين ج2 ص540 ):

أبا الأطولِ طَوَّلتَ                               وما ينجيكَ تطويلُ

بكَّ السُّلُّ ولا والل                               هِ ما يبرأُ مَسلولُ

فلا يغرُركَ مِنْ ظَنِّ                             كَ أقوالٌ أباطيلُ

أرى فيك علاماتٍ                              وللأشياءِ تأويلُ

هُزالاً قد برى جسم                            كَ والمسلولُ مهزولُ

وذِبَّاناً حواليكَ                                  فموقوذٌ ومقتولُ

وحُمَّى منكَ في العظمِ                         فأنت الدهرَ مملولُ

وأعلاماً سوى ذاكَ                             تُواريها السراويلُ

ولو بالفيلِ مما بِ                             كَ عُسْرٌ ما نجا الفيلُ

فما هذا على فِيك                              قُلاعٌ أو دماميلُ

وما بالُ مُناجيكَ                               يُولِّي وهوَ معلولُ

فإن كان من الخوفِ                          فقد سالَ بكَ النيلُ

وذا داءٌ يُزَجِّيكَ                               فلا قالٌ ولا قيلُ

قيل ، فلما أنشده هذا الشعر أرعد واضطرب ، ودخل منزله ، فما خرج منه بعد ذلك حتى مات .

جاء في البصائر والذخائر( ج2 ص209 مقطع 760) :”قال ثعلب : العرب تسمي السُّلَ داء إلياس ، وهو إلياس بن مضر ، كان أصابه السل .

زياد بن أبيه في خطبته البتراء :”إني علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي ، لم أكشف له قناعاً ولم أهتك له ستراً حتى يبدي صفحته لي”.

أحمد حسن الزيات(وحي الرسالة ج1 ص489)” فالفتى من تباريح الجوى أصيب بالسل فمزّق رئتيه، وشفّى جسمه فهو في السرير عظم هامد ينتظر النهاية المحتومة، والأم من هول النكبة أخذها الفالج فهي سطيحة الفراش لاتمرّ ولاتحلى،والأب من فقد الرجاء اعتراه الخبل فمات قتيلاً في حادث محزن”.

المُرار بن المنقذ العدوي:

يسألُ الناسُ : أحُمَّى داؤهُ                       أم بهِ سُلالٌ مُستَسِر(سل مختفي)

وهي دائي ، وشفائي عندها                     منعته فهو مَلوِىّ عَسِرْ(ممطول)

الفرزدق:

يُشَبَّهْنَ من فَرطِ الحياءِ كأنَّها                    مِراضُ سُلالٍ أو هوالكُ  نُزَّفُ(رواية: تراهنَّ من فرط)

ويَبْذُلنَ بعدَ اليأسِ من غيرِ ريبةٍ                أحاديثَ تشفي المُدنفينَ وتشغفُ

زيد بن الحكم الثقفي :

وما بَرِحتْ نفسٌ حَسودٌ حُشيتها                تُذيبكَ حتى قيل هل أنت مكتوى

وقال النِّطاسيون إنكَ مُشَعَرٌ                     سٌلالاً ألا بل أنت من حَسَدٍ جَوِى

أحمد شوقي:

أإلى الحياةِ سَكنْتَ وهي مَصارعٌ                وإلى الاماني يِسكنُ المسلول؟

خليل مطران:

أقولُ لها والداءُ يُنحِلُ جسمها                  عزاءَكِ لا بأسٌ عليكِ فتجزعي

كذبتُ على أن الأكاذيب رُبّما                    أطالت حياةٌ للحبيبِ المودّعِ

ولكن أراها ينفثُ الدمَ صَدرُهَا                  فأشعرُ في صدري بِمثلِ التقطَّعِ

وأحنو عليها حِنيةَالأمِّ مُشفقاً                   وهيهاتَ تحميها من البَينِ أضلعي

وأرنو إليها باسماً مُتكَلِفاً                        فتفشي مِراراً سِرَّ خوفي أدمعي

وما غَرَّها مني افتِرارٌ وإنما                    يَدُّلُّ على اليأسِ انكِشافُ التَصّنعِ

فقد يَبسُمُ البرقُ البعيدُ وإنّهُ                    لذو ضَرْمٍ مُفنٍ ورعد مُرّوعِ

حافظ ابراهيم :

ونعيرُ الأهواءَ حرباً عواناً                    من خِلافٍ والخُلْفُ كالسِلِّ يُعدي

أحمد شوقي :

اليوم أخلفت الوعود حكومة                  كنا نظن عهودها الإنجيلا

دخلت على حكم الوداد وشرعه               مصراً فكانت كالسلال دخولا

أحمد شوقي في مرثيته في مصطفى كامل :

يتساءلون أبِ”السّلال” قضيت أم           بالقلبِ أم هل مت بالسرطان

الله يشهد أنّ موتكَ بالحجا                   والجدِّ والإقدامِ والعرفانِ

بدوي الجبل يرثي ابراهيم هنانو(أبو طارق) بعد ماعانى من مرض عضال قيل انه السل ومات في الثاني عشر من تشرين الثاني عام 1935:

أغفى أبو طارق بعد السهاد به              وخَلَّفَ الهمَّ والبلوى لمن سهدوا

ضاوٍ من السقم ضَجَّت في شمائلهِ         عواصفُ الحقِّ والأمواج والزبدُ

إذا أثير نضا عنا مواجعه                   كما تَفَّلتَ من أشراكه الأسدُ

يروع في مقلتيه بارق عجب              وعالم عبقري السحرِ منفردُ

يغالب البشرَ أسقاماً نزلنَ به               يأبى له الكِبْرُ أن يأسى لها أحدُ

داءٌ مُلِحٌ ونفس لا تذل له                  حرب تكافأ فيها البأس والعُدَدُ

تلك البشاشة أبلى الداء نُضرتها           فراحَ يُلْمَحُ في نعمائها الكمدُ

كالغيم يحجب حسن الشمسِ طالعةً          وما تحوَّل عنها الحسنُ والرأدُ

نعمتُ منكَ بساعات معطرة                 كأنها الحلم:دانٍ وهو مبتعِدُ

وصحبةٍ كقديمِ الراح، لو جُليت             لليائسين حمّيا كأسها سعدوا

مالي أرى الفرس الشقراء عارية           على المرابد، لا تطغى فتنجرد

آب المغيرون جُنَّت خيلهم مرحاً           وآنَ أن يستريح الفارس النجدِ

جميل صدقي الزهاوي:

فيا لها مسلولة يحزنني منها الصموت     هل أحست أنها من بعد ايام تموت

جميل صدقي الزهاوي:

ألا إنما هذا الذي لك أنقل                              له مثلما أرويه أصل مؤصَّلُ

قضى أحد الضباط في الحرب نحبه                   وكان إذا دارت رحى الحرب يبسُلُ

وخَلَّفَ زوجاً قلبها رهن حبه                          وكان له قلب بها متشغّلُ

من اللاء لم ياتين فاحشة ولا                         زُنن بما منه العقائل تخجل

نوار كشخص للعفاف مجسم                          فإن ذكر الناس العفاف تمثل

ترقرق ماء الحسن في وجهها الذي                 هو البدر ليل التِمِّ أو هو أجملُ

فجلَّ لفقدان الولي مصابها                            وباتت تناجي الهم والعين تهمل

وقد كان منها الخد كالورد زاهياً                     فأصبح ذاك الورد بالهم يذبلُ

ولازم حمى الدق ناعم جسمها                       فأمست على رغم الشبيبة تنحلُ

ويعرق منها الجسم في كل ليلة                      وتنفث من سُل دماً حين تسعلُ

وأنشب في أحشائها الداء ظفره                     فظلت له أحشاؤها تتبزلُ

سقام بها أعيا الأطباء برؤه                         إذا لم يعنها الله فالأمر مشكلُ

أمكروب داء السل هل أنت عارف                  لمن أنت تؤذي أو بمن أنت تنكلُ

أرحها فما أبقيت إلا حُشاشة                        بها حكمها عما قريب سيبطلُ

تجنب فقد مزقت احشاء صدرها                   أأنت بها حتى الممات موكلُ

وفسِّح لها في العمر وارحم شبابها                فإنك إن أرجأتها أنت مفضل

لكِ الله من مسلولة حان حينها                     وعما قليل للمقابر ترحلُ

جميل صدقي الزهاوي:

لقد قال ناسٌ شاهدوني أنني                       مصابٌ بداء السل ويلي من السل

وقالوا التمس فيه طبيباً مداوياً                    فعلك تُشفى منه قلت لهم علّي

تجرعتُ كأساُ للتغرب مرةً                         إلى اليوم في بطني مرارتها تغلي

ومن بات مسلولاً بمنزل غربة                     فإن لياليه تُمِرُّ ولا تُحلي

الأخطل الصغير في قصيدته “المسلول”:

سَنَةٌ مَضَتْ، فإذا خرجتَ إلى                       ذاكَ الطريق بظاهرِ البلدِ

وَلفَتَّ وَجهكَ يَمْنَةً، فترى                          وجهاً متى تّذكْرهُ تَرْتّعِدِ :

هذا الفتى في الأمس، صارَ إلى                   رجلِ هزيلِ الجسمِ مُنجَرِدِ

مُتَّلجلِجِ الألفاظِ مضطربٍ،                          متواصلِ الأنفاسِ مُطَّرِدِ

مُتَجَعِّدِ الخدينِ منْ سَرَفٍ                           مُتكَسِّرِ الجفنينِ  منْ سُهُدِ

عيناهُ عالِقتانِ في نَفَقٍ                             كَسِراجِ كوخٍ نِصْفِ مُتَّقِدِ

أو  كالحَباحبِ ، باخَ لا مِعُهُ                        يبدو من الوجناتِ في خَدَدِ

تَهْتَّزُّ أنْمُلُهُ ، فتحسَبُها                            وَرَقَ الخَريفِ أصِيبَ بالبَرَدِ

يمشي بِعّلتهِ على مهل                             فكأنه يمشي على قصدِ

ويكادُ يَحْمِلهُ ، لِما تَركتْ                         منهُ  الصبابة  ، مخْلبُ  الصُّردِ

 

سكرانُ وهي تَمَصُّ من دمهِ                      وتُريهِ قلبَ الأمِ للولدِ

ويَمُجُّ أحياناً دماً , فعلى                         مِنْديلِهِ  قِطَعٌ من الكبدِ

قِطَعٌ  تآبينٌ مُفَجعَّةٌ                               مكتوبةٌ بدمٍ بغيرِ يدِ

قِطَعٌ تقولُ لهُ: تموتُ غداً                       وإذا ترِقُّ،  تقول بعد غدِ

متوحد ، أما الحبيب فمذ                        خاف انتقال الداء لم يَعُدِ

والموتُ أرحمُ زائراً لفتىً                       مُتَزّملٍ بالداءِ مُغتَمِدِ

قد كان منتحراً ، لو أن لهُ                      شِبْهَ القِوى في جسمهِ  الخَضِدِ

لكِنَّهُ ، والداءُ  يَنْهَشُهُ،                          كالشلوِ بينَ مخالبِ الأسدِ

جَلْدٌ على الآلامِ ، يُنْجِدُهُ                         طَللُ الشبابِ ودارسُ الصِّيَدِ

أينَ التي عَلِقتْ بهِ غُصناً                        حُلوَ المجاني ناضِرَ المَلدِ

أين التي كانت تقولُ لهُ                        ضَعْ رأسكَ الواهي على كبدي؟

ماتَ الشَّقيُّ بها وقد سَلِمتْ                     يا للقتيلِ قضى بلا قوَدِ

مات الفتى ، فأقيمَ في جَدَثٍ                    مُستَوْحِشِ الأرجاءِ مُنفَرِدِ

مُتَجَلِّلٍ بالفقرِ، مؤتَزِرِ                           بالنبْتِ من مُتَيَبِّسِ وَنَدي

وتَزورُهُ حِيناً ، فتُونِسُهُ                         بعضُ الطيورِ بصوتها الغَرِدِ

كتبوا على حُجُراتِهِ بِدمٍ                        سطراً بهِ عِظَةً لذي رَشَدِ:

هذا قتيلُ هوىً بِبنتِ هوىً                    فإذا مَرَرتَ بأختها فَحِدِ

عبد الكريم الكرمي “أبو سلمى “وقصيدة المسلول :

ذابت الآمال في كأسِ أساهُ                  وسقاهُ الداء منها ما سقاهُ

فبكت عُوَّادُهُ أمالَهُ                           وحليفُ السقمِ لم يسمعْ بكاهُ

حينَ ضاقَ الجسمُ عن أوصابهِ             حَمَّلَ النفسَ تباريحَ ضناهُ

فذوى الجسمُ وشاختْ نفسهُ                وهو في رَكْبِ ملحَّاتِ صباهُ

عينهُ ترتادُ أحياءَ الفنا                      بعدما ضاعَ من الدنيا رجاهُ

عشقَ اليأسَ فلو كان هوى                رامَ غير الياسِ في النفسِ ثناهُ

قد تمشَّى الداءُ في أرجائهِ                 سارياً كالطيفِ فانهدَّتْ قواهُ

وانزوى في كعبةِ الصمتِ لكي            يندبَ الماضي وأشباحَ مُناهُ

يرقبُ الحَينَ بقلبٍ واجدٍ                   إذ بهِ ينسى جِراحاتِ عَناهُ

إن شكا قبلَ تصاريفِ القضا              حارتِ الأحلامُ في كُنْهِ قضاهُ

رياض المعلوف في وصف المسلول (اعلام الادب العربي الحديث عيسى فتوح ص259):

هو يمشي والموتُ في خطواتهِ         عاثر الحظِّ بانتظارِ مماتهِ

شاحباً يائساً حزيناً كئيباً                 واحتضارُ السرور في بسماتهِ

وجفاهُ الورى فعاشَ وحيداً               بينَ أدوائهِ وبينَ أساتهِ

كلما هاجَ صدرُهُ بسعالٍ                  أطعمَ الموتَ لقمةً من رفاتهِ

كل يومٍ يموتُ فيهِ قليلٌ                   من بقايا أيامهِ لوفاتهِ

جميل صدقي الزهاوي:

عراهُ سقام قبل ستة أشهر              فعهدي به في الداء وهو عليل

أظن نبيلاً مات من داء سُّلهِ             فقد قال بعض إنه لثقيل

عبد الله البردوني:

ما ذا أُحدِّثُ عن صنعاءَ يا اُبيّ؟                     مليحةٌ عاشقاها:السِّلُ والجَربُ

محمود حسن اسماعيل(الرسالة العدد966) في قصيدة بعنوان من دموع اللاجئين:

هنا في كهوة الأقدار بين السيل والويل

وبين عواء شيطان طريد الجن مختل

يقعقع للرعود السود مأخوذا من الهول

سمعت فحيح ثعبان على رئتي منسل

تدفق جسمه المقرور بين حفائر السل

وبين شتاء بستان بدفء الموت مخضل

هنا في خيمة البهتان والطغيان والزور

لدي مأوى كلحد الميت، في النسيان محفور

رُميت كدعوة وقفت على درب المقادير

يصب التيه في خلدي خطا الظلمات في النور

فأشرب حيرتي وبكائي من كف الأعاصير

وأذرف ادمعي الخرساء في صمت الدياجير

وقال نصر سمعان(الرسالة العدد845):

نزيف دم أرقت به شبابك        أصاب الأرض منه ما أصابك

أقبل الموت تنثره وتشقى         به في كلِّ آونة ترابك

ملأت مسامع الدنيا أنيناً          أذعت به على الدنيا مصابك

وما لك يا حليف اليأس إلا         حديث اليأس عن ألم أذابك

تحسّ الكفّ كفّ الموت فيها        إذا لمستك أو مست ثيابك