الجُذام

من الناحية الطبية :

داء مزمن ، تُسبِبهُ العُصّيات الفطرية الجذامية ، يُصيبُ الجلد والأعصاب السطحية ، وقد يُصيبُ الأحشاء .وهو من أخطر الأمراض الجلدية المعدية .تختلف فترة الحضانة للمرض وهي غالباً تتراوح مابين ثلاث إلى خمس سنوات.وهو مرض شديد العدوى وخاصة منه الشكل المسمى الجذام الدرني أو التورمي والذي يترافق مع مايسمى السحنة الأسدية.

أهم الاعراض :

الإصابات العصبية : الخَدرْ ، وخاصة في اليدين والقدمين، بسبب إصابة النهايات العصبية مما يجعل المريض يفقد الاحساس ، فيفقد حس الألم والحرارة والبرودة مع الوهن والضمور العضلي مع سقوط الأصابع ومن هنا تسمية المرض بالجذام

الإصابات الجلدية : وأهمها سقوط أشعار ذنبي الحاجبين ، ووجود الدّرنات والعُقيدات الجلدية  وخاصة في الوجه مما يُسبب مايسمى السُّحنة الاسديّة ،مع وجود نقص الصباغ الجلدي ،ووجود بقع جلدية باهتة مختلفة الأشكال والأحجام وتتميز بفقدان الاحساس والعرق ،ومن هنا حدوث البرص ولذا سمي الداء ايضا بالبرص الوخيم ..

من الناحية التاريخية:

جاء في مجلة الرسالة العدد670:

“إن الجذام من أخبث الأمراض التي مُني بها الإنسان في هذه الدنيا، ويرجع تاريخ نشأته إلى العصور الخالية.وقد حاول بعض علماء أوروبا أن يثبتوا أن مصر من عهد الفراعنة كانت مهد هذا الداء الوبيل مستشهدين على ذلك بما وجد من نقوش في هياكل لأناس لابد أن يكونوا قد أصيبوا بهذا المرض وهم على قيد الحياة، وخلّدوا إما لسمو مكانتهم أو لأغراض أخرى وخلدت معهم أمراضهم لا عن تعمد بل عن براعة في فن النحت في ذلك العصر الغابر.إلا إن هناك فريقاً آخر يقيم الحجة، ويؤكد أن الصين والهند وبطاح آسيا هي منبته الأصلي،وهو إنما جاء إلى مصر عن طريق العدوى بالتنقل والاختلاط.وأنه انتقل إلى أوروبا من مصر في القرون الأخيرة قبل الميلاد، وقد ذكره الشاعر الفيلسوف(تيتوس لو كيتيوس كاروس) في شعره والذي عاش من سنة 99 إلى سنة 55 قبل الميلاد.ووصفه الكبيب الروماني(سلزوس) والذي عاش من سنة 53 إلى سنة 7 قبل الميلاد. وقد وصفه وصفاً دقيقاً .

وما جاء القرن الثاني عشر حتى شمل الجذام انجلترا والدانمارك والبلاد الاسكندنافية وسائر أرجاء أوروبا.ثم استمر في الانتشار والازدياد حتى القرن الرابع عشر إذ بلغ ذاك أوج ازدهاره،فلما أفاقت أوروبا من غفوتها وأدركت خطره، ومن ثم أخذت في مكافحته،ابتدأ في الهبوط والزوال إلى أن جاء القرن السابع عشر فاختفى من بعض الأقطار تماماً.

ويعزى اكتشاف جرثوم الجذام إلى العالم النرويجي(أرماور هانزن) في عام 1873م،وأما الذي درس حياته بالتفصيل ووضع الاسس الحديثة البكتريولوجية، فهو العالم الألماني(نايسر)، وخاصة في مدة حضانة المرض وهي الفترة منذ دخول الجرثوم المرض وظهور الأعراض على المريض والتي تقدر بعدة سنوات”.

أول مشفى للجذام في الإسلام أنشأه الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي عام 707م ، بينما بنُي في أوروبا في القرن الثاني عشر م .حيث أن هذا الخليفة الأموي اثناء حكمه(705-715) أنشأ  عدداً من المشافي  للامراض العادية والعقلية والمُعدية ، وأمر بمنع المجذومين من التسول وجهّز لهم  وللمصابين بالأمراض المزمنة مستشفيات خاصة يعيشون فيها على نفقة خزينة الدولة .وبنى في دمشق بيت الجذام والذي كان عبارة عن قصر محاطا بالحدائق الجميلة لعلاج المرضى .والجذام كان يطلق عليه قديماً اسم البرص الخبيث تمييزاً له عن داء البرص العادي الذي ينجم عن نقص في الخلايا الصباغية في أماكن محددة من الجلد .

من الناحية الدينية :

قال تعالى {ورَسُولاً إلى بني إسرائيلَ أنّي قد جِئتُكُم بأيةٍ من ربِّكُم أنّي  أخلُقُ لكُم من الطِّينِ كَهيئةِ الطَّيرِ فأنفُخُ  فيهِ فيكونُ طَيراً بإذنِ الله واُبرِئ الأكمَهَ والأبرَصَ  وأُحي الموتى  بإذنِ الله وأُنبّئكُم بما تأكلونَ وما تدَّخرونَ  في بيوتِكُم إنَّ في ذلك  لآيةً لكُم إن كُنُتم مؤمنين} [آل عمران 49].

وقال تعالى :{ إذ قالَ اللهُ ياعيسى ابنَ مَريمَ  اذكُر نعمتي عليكَ وعلى والدتِكَ إذ أيَّدتُّكَ  بِرُوحِ القُدُسِ تُكلِّمُ الناسَ في المهدِ وكهلا  وإذ علَّمتُكَ الكتابَ والحِكمةَ والتَّوراةَ والإنجيلَ  وإذ تخلُقُ من الطِّينِ كهيئةِ الطَّيرِ  بإذني فتنفُخُ فيها فتكونُ طيراً بإذني وتُبرئُ الأكمَهَ والأبرص بإذني}[ المائدة 110].

قال الإمام المراغي “إن عيسى عليه السلام فاق الاطباء في عهده بقوة المعجزات المبرئة للبرص أو الجذام ”

جاء في الحديث الشريف : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولاصفر.و فرمن المجذوم كما تفر من الأسد “[رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وجاء في الحديث الشريف عن عمرو بن الشريد قال : كان في وفد ثقيف رجل مجذوم ،فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم إنا قد بايعناك فارجع” .[ أخرجه مسلم].

وجاء في الحديث الشريف :”لا تُديموا النظر  إلى المجذومين فإذا كلمتموهم فليكن بينكم وبينهم حجاب قيدَ رمح”[اخرجه البخاري] .

وقد أتبت علم النفس الحديث أن المجذوم إذا رأى صحيح البدن يديم النظر إليه تعظم مصيبته وتزداد حسرته ، ومن ثم جاء النهي عن اطالة النظر إليهم رعاية لمشاعرهم

جاء في الحديث الشريف : “من احتكر على المسلمين طعاماً ضربه الله بالجذام والإفلاس.” [سنن ابن ماجة].

وجاء في الحديث النبوي:”اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيء الأسقام[رواه النسائي والترمذي وأبو داود وأحمد بغسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه]

وجاء في مجموعة السفير رقم 29-30 ص3 “يقول أحمد بن صالح العجلي : لم يُبتل أحدٌ من الصحابة إلا رجل، مُعَيقيب كان به الجذام .

عن ابن أبي مليكة قال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرّ على امرأة مجذومة وهي تطوف بالبيت ، فقال : يا أمة الله  اقعدي في بيتك ولا تؤذي الناس، فلما توفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتت مكة ، فقيل لها : هلك الذي كان ينهاك عن الخروج . قالت: والله ما كنت  لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً .رواه الامام مالك في الموطأ في باب الحج .

من الناحية الادبية :

أحدهم :

إذا ما تاجرٌ لم  يُوفِ كيلاً                       فَصُبَّ على أنامله الجذام

يحيى بن نوفل يخاطب بلال بن أبي بُردة وكان مجذوماً:

وأما بلالٌ فإنَّ الجُذا                             مَ جللّ ما جاز منه الوريدا

فأنقَعَ في السَّمنِ  أوصالَهُ                 كما أنقع الآِدمونَ الثريدا

فأكَسدَ سَمْنَ تجار العراق                علينا فأصبح فينا كسيدا

جاء في كتاب قول على قول للكرمي ج2 ص110-111 “يقال أن بلال بن أبي بردة حفيد أبي موسى الأشعري كان مجذوما فقال فيه يحيى بن نوفل الشعر أعلاه

حافظ ابراهيم:

سرى داء التواكل فيه  حتى               تخطَّفَ رزقه ذاك الزحامُ

قد استعصى على الحكماءِ  منا         كما استعصى على الطَبِّ الجُذامُ

محمد مهدي الجواهري:

من كُلِّ مُعدٍ في الصَغارِ كأنهُ               جَرَبٌ تخافُ شُذاتهُ وجذام

ويمكن الرجوع إلى بحث العدوى بين الطب والإسلام ففيه شرح مفصل لمرض الجذام والعدوى فيه.