طول الأمل والغرور الكاذب

بسم الله الرحمن الرحيم

طول الأمل والغرور الكاذب

اللهم هيىء لنا الخير،واعزم لنا على الرشد،وآتنا من لدنكَ رحمة،واكتب لنا السلامة في الرأي،وجنِّبنا فتنةَ الشيطان أن يقوى بها فنضعف،أو نضعفَ لها فيقوى،ولا تدعنا من كوكب هداية منك في كل ظلمة شك منا،واعصمنا أن تكون آراؤنا في الحق البين مكان الليل من نهاره،أو ننزل ظنوننا من اليقين النيّر منزلة الدخان من ناره،نسألك بوجهك،ونتوسل إليك بحمدك وندعوك بأفئدة عرفتك حين كذَّب غيرها فاقرّت،وآمنت بك فزُلزل غيرها واستقرت(مقدمة تحت راية القرآن للكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله)

أما بعد:

وردت لفظة الأمل في القرآن الكريم بلام التعريف في موضع واحد وهو الآية الثالثة من سورة الحجر:{ذَرهُم يأكُلوا ويَتمَتَّعُوا ويُلهِهِمُ الأملُ فسوفَ يعلمونَ}[الحجر3]،أي دع يا محمد المشركين والكافرين يعيشوا هذه الحياة الدنيا،يأكلوا ويتمتعوا،وتلهيهم الآمال الكاذبة المعسولة فسوف تصدمهم الحقيقة السافرة يوماً من الأيام فيعلمون أن آمالهم باطلة وأن معبوداتهم زيف وافتراء وضلال.

والأمل في اللغة(دائرة  سفيرـالمعارف الإسلامية ـ):الرجاء،وأكثر استعماله فيما يستبعد حصوله.وقد ورد في الآية الثالثة من سورة الحجر،وكذلك ورد في السنة النبوية،فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:”خطَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم خطَّاً مربَّعاً،وخطَّ خطّاً في الوسط خارجاً منه،وخطَّ خُططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط،فقال:”هذا الإنسان،وهذا أجله محيط به ـ أو قد أحاطَ به ـ وهذا الذي هو خارجٌ أملَهُ،وهذه الخطط الصغار الأعراض.فإن أخطأه هذا نهشه هذا،وإن أخطأه هذا نهشه هذا“[رواه البخاري].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الآية الثالثة من سورة الحجر:

“ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع.لا تأمل فيها ولاتدبر ولا استطلاع.ذرهم في تلك الدوامة:الأمل يلهي والمطامع تغر،والعمر يمضي والفرصة تضيع.ذرهم فلا تشغل نفسك بهؤلاء الهالكين،الذين ضلوا في متاهة الأمل المغرور،يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع،ويملي لهم فيحسبون أن أجلهم ممدود،وأنهم محصلون ما يطمعون لا يردهم عنه راد،ولا يمنعهم منه مانع.وأن ليس وراءهم حسيب،وأنهم ناجون في النهاية بما ينالون مما يطمعون!

وصورة الأمل الملهي صورة إنسانية حية.فالأمل البراق مايزال يخايل لهذا الإنسان،وهو يجري وراءهنوينشغل به،ويستغرق فيهنحتى يجاوز المنطقة المأمونة،وحتى يغفل عنه اللهنوعن القدر،وعن الأجلنوحتى ينسى أن هناك واجباً،وأن هنالك محظوراً،بل حتى لينسى أن هنالك إلهاً،وأن هنالك موتاً،وأن هناك نشورا.

وهذا هو الأمل القاتل الذي يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعهم له…”فسوف يعلمون”.حيث لا ينفع العلم بعد فوات الأوان…وهو أمر فيه تهديد لهم،وفيه كذلك لمسة عنيفة لعلهم يصحون من الأمل الخادع الذي يلهيهم عن المصير المحتوم”.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع القرضاوي ـ في رحاب سورة الحجر)معلقاً على الآية الثالثة من سورة الحجر :

“فالأمل مطلوب،ولكن طول الأمل هو المذموم،وهو المقصود بقوله تعالى:{يُلههم الأمل}،الأمل المُلهي هو الأمل الطويل،الذي يجعل صاحبه وكأنه مخلَّدٌ في الدنيا،كأنّه لايموت،كأنّ الإنسان خُلق ليخلد،وهو يرى من حوله يسقطون واحداً بعد الآخر ـ الأقارب والجيران والزملاء والأصدقاء والأحباب ـ يختطفهم الموت من حوله،ولكنه ينسى هذا ويقول:في العمر مُتسع ،وفي الزمن بقية.

هذا هو طول الأمل،الذي يقول فيه الحسن البصري رحمه الله:”ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل”،يقول الإمام القرطبي:”وصدق رضي الله عنه!فالأمل يكسل عن العمل،ويورث التراخي والتواني،ويعقب التشاغل والتقاعس،ويخلد إلى الأرض،ويميل إلى الهوى.وهذا أمر قد شوهد بالعيان،فلا يحتاج إلى بيان،ولا يطلب صاحبه ببرهان”.

ويتابع القرطبي رحمه الله:”وطول الأمل داءٌ عضال ومرض مزمن،ومتى تمكّن من القلب فسد مزاجه،واشتدّ علاجه،ولم يفارقه داء،ولانجح فيه دواء،بل أعيا الأطباء،ويئس من برئه الحكماء والعلماء.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الآية الثالثة من سورة الحجر:

“ذرهم يأكلوا ويتمتعوا فيما هم فيه من حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع.لا تأمل فيها ولا تدبر ولا استطلاع.ذرهم في تلك الدوامة .الأمل يلهي والمطامع تغر،والعمر يمضي والفرصة تضيع.ذرهم فلا تشغل نفسك بهؤلاء الهالكين،الذين ضلوا في متاهة الأمل الغرور،يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع،ويملي لهم فيحسبون أن أجلهم ممدود،وأنهم محصلون ما يطمعون لا يردهم عنه راد،ولا يمنعهم منه مانع.وأن ليس وراءهم حسيب،وأنهم ناجون في النهاية بماينالون مما يطمعون.

وصورة الأمل الملهي صورة إنسانية حيّة.فالأمل البراق ما يزال يخايل لهذا الإنسان،وهو يجري وراءه،وينشغل به،ويستغرق فيه،حتى يجاوز المنطقة المأمونة،وحتى يغفل عن الله،وعن القدر،وعن الأجل،وحتى ينسى أن هناك واجباً،وأن هناك محظوراً،بل حتى لينسى أن هناك إلهاً،وأن هنالك موتاًنوأن هناك نشوراً.

وهذا هو الأمل القاتل الذي يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعهم له “فسوف يعلمون”حيث  لا ينفع العلم بعد فوات الأوان…وهو أمر فيه تهديد لهم،وفيه كذلك لمسة عنيفة لعلهم يصحون من الأمل الخادع الذي يلهيهم عن المصير المحتوم”.

وجاء في نفح الطيب للتلمساني(ج6 ص321):

“ما أورد النفس الموارد وفتح عليها باب الحتف إلا الأمل،كلّما قومتها مثاقفُ الحدود فتح لها أركانَ الرخص،كلّما عقدت صوم العزيمة أهداها طُرفُ الغرور في أطباق:حتى،وإذا،ولكن،وربما،فأفرط القلب في تقليبها حتى أفطر”.

وحقيقة الأمل:الحرص على الدنيا والانكباب عليها،والحب لها والإعراض عن الآخرة”

وجاء في الحديث الصحيح:”يهرم ابن آدم ويشبُّ منه اثنتان:الحرص على المال،والحرص على العمر”[متفق عليه رواه الشيخان وأحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس بن مالك]،وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان:حبُّ المال،وطول العمر”[رواه البخاري]،وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنتين:في حبّ الدنيا وطول الأمل”[رواه البخاري]،وفي رواية مسلم”قلب الشيخ شاب على حبِّ اثنتين:العيش والمال”.

يقول الشيخ ىمحمد صالح المنجد ـ الموقع ـ :

“الكبير يهرم،ويتقدم به العمر،ويشيخ،ويتعب،ومع ذلك تبقى فيه خصلتان لا تهرمان ولا تشيخان ولا تضعفان:حب الدنيا،وطول الأمل.والنفس تريد البقاء في الدنيا للاستمتاع واللذات،ومع أن الشيخ بلي جسده،وضعفت قواه،وانحلت،ومع ذلك باق متعلق،مع أن من شأن الشيخ أن يقل حرصه على الدنيا وأمله يقل،بعدما بلي الجسد،ووهنت القوى،واشتعل الرأس شيباً،والعظم واهٍ،وانتظار الموت قائم،ومع ذلك طول الأمل،محبة طول العمر.

والأمل فيه معنى حسن،ومعنى قبيح.فما كان من الأمل يفسح المجال للعمل ،فهو حس،وأما القبيح فهو الاسترسال فيه والغفلة عن الاستعداد لللآخرة،وعندما يصبح الأمل مجالاً لتسويف،أو تأجيل العمل الصالح،أو التأخير فيه…”.

طول الأمل هذا هو الذي يجعل الإنسان ينسى الموت،ينسى الآخرة،ينسى أنَّ كلَّ حيِّ سيموت وكلَّ ميت سيبعث،وكل مبعوث سيحاسب،وكل محاسب سيدخل إما جنة وإما ناراً.

ووردت كلمة أمل بدون لام التعريف في موضع واحد وهو الآية 46 من سورة الكهف:{الباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا}[الكهف 46].

فالأمل:هو مايؤمله الإنسان في يومه وغده ،وآمال الإنسان لا تنتهي ولا تقف عند حد معين.

إن الإنسان مغرور وفي غريزة نفسه طول الأمل كما يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

“لذلك كان الموت أقرب شيء في حواسنا منا وأبعد شيء في أفكارنا عنا،نرى مواكب الأموات تمرُّ با كل يوم ونحس أننا باقون،ونمشي في الجنائز ونحن نفكر في الدنيا،أو نتحدث عنها،ونرى القبور تملأ رحاب الأرض ولا نفكر أننا سنكون يوماً من ساكنيها”.

أسباب طول الأمل:

يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله:

“إن طول الأمل له سببان:الجهل وحب الدنيا.

أما حب الدنيا فهو أنه إذا أنِسَ بها وبشهواتها ولذّاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها،فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها،وكل من كره شيئاً دفعه عن نفسه.

والإنسان مشغوف بالأماني الباطلة فيمنُّ نفسه أبداً بما يوافق مراده،وإنما يوافق مراده البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه،ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء وسائر أسباب الدنيا فيصير قلبه عاكفاً على هذا الفكر موقوفاً عليه،فيلهو عن ذكر الموت فلا يُقدر قربه،فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد له سوَّفَ ووعد نفسه وقال الأيام بين يديك إلى أن تكبر ثم تتوب،وإذا كبر فيقول إلى أن تصير شيخاً،فإذا صار شيخاً قال إلى أن تفرغ من بناء هذه الدار وعمارة هذه الضيعة أو ترجع من هذه السفرة،أو تفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه وتدبير مسكن له،أو تفرغ من قهر هذا العدو الذي يشمت بك ،فلا يزال يسوِّف ويُؤخِّر ولا يخوض في شغل إلا ويتعلق بإتمام هذا الشغل عشرة أشغال أخرى ،وهكذا على التدريج يؤخر يوماً بعد يوم ويقضي به شُغل إلى شُغل بل إلى أشغال إلى أن تختطفه المنيّة في وقت لا يحتسبه فتطول عند ذلك حسرته،وأكثر أهل النار وصياحهم”مَنْ سَوَّف”يقولون:”واحزناه من سوّف”والمُسوِّف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غداً،وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخاً،ويظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا والحافظ لها فراغ قط،وهيهات فما يفرغ منها إلا من طرحها،وأصل هذه الأماني كلها حبُّ الدنيا والأنس بها.

وأما الجهل:فهو أن الإنسان قد يعود على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب ،وليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لو عُدّوا لكانوا أقل من عُشر رجال البلد،وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر،فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب،وقد يستبعد الموت لصحته،ويستبعد الموت فجأة ولا يدري أن ذلك غير بعيد،وإن كان ذلك بعيداً فالمرض فجأة غير بعيد،وكل مرض فإنما يقع فجأة،وإذا مرض لم يكن الموت بعيداً،ولو تفكّر هذا الغافل وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص من شباب وشيب وكهولة،ولكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا دعواه إلى طول الأمل وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب فهو أبداً يظن أن الموت يكون بين يديه ولا يقدر نزوله به ووقوعه فيه،وهو أبداً يظن أنه يُشيّع الجنائز ولا يقدر أن تشيّع جنازته ،لأن هذا قد تكرر عليه وألِفه وهو مشاهدة موت غيره،فأما موت نفسه فلم يألفه ولم يتصوّر أن يألفه ،فإنه لم يقع وإذا وقع لم يقع دفعه أخرى بعد هذه.فهو الأول وهو الآخر وسيلة أن يقيس نفسه بغيره ويعلم أنه لابد أن تحمل جنازته ويدفن في قبره، فتسويفه جهل محض،وإذا عرفت أن سببه الجهل وحب الدنيا فعلاجه دفع سببه”.

 أشكال  من طول الأمل والغرور الكاذب:

1 ـ التسويف والمماطلة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“الجنّة أقربُ إلى أحدكم من شِراكِ نعله ،والنار مثل ذلك”.[رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]

يقول الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله:

“التسويف هو عدو الإنسان الذي يريد الصلاح والارتقاء والتقدم،وهو سلاح من أسلحة الشيطان يصرف به الناس عن الخير،ويقعد بهم في زوايا الخمول.يهمُّ المرء أن يعمل عملاً صالحاً يعود عليه بالخير في الدنيا والآخرة،فيوسوس له الشيطان قائلاً:لماذا لا تؤجل هذا العمل إلى أوّل الأسبوع؟ويستجيب له الإنسان،ويأتي أوّل الأسبوع ويشغل صاحبنا ولا يعمل شيئاً،فيضيع عليه ثواب ذلك العمل الصالح”.

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الفوائد):”كلما جاء طارق الخير صرفه بواب”لعل وعسى”.

ويقول الحسن البصري رحمه الله:”إياك والتسويف،فإنك بيومك ولست بغدك،فإن يكن غد لك فكِسْ فيه(أي اغتنمه واجتهد فيه) كما كِست في اليوم،وإلا يكن الغد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم”.

وقالالإمام ابن الجوزي رحمه الله(صيد الخاطر):”إياك والتسويف ،فإنه أكبر جنود إبليس”.

يقول بلال بن سعد:”يقال لأحدنا:أتحب أن تموت؟فيقول:لا.فيقال:لم؟،فيقول:حتى أعمل،ويقول سوف أعمل،فلا يحب أن يموت،ولا يحب أن يعمل ,احبّ شيء إليه أن يؤخر عمل الله ولا يحب أن يؤخر عنه عرض الدنيا”.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:”إن كل مؤمن يريد أن يتوب ويرجع إلى الله ولكنه يؤجل ويسوّف.أنا كنت أقول:إذا حججت تبت وأنبت،ثم رأيت أني حججت وما تبت.وكنت أقول:إذا بلغت الأربعين تبت،فبلغتها وما تبت،وجاوزت الستين وما تبت،وشبت وما تبت.إن الإنسان يرجو لنفسه الصلاح ولكنه يسوّف،ويظن أن في الأجل فسحة،يحسب أن العمر طويل،فيرى الموت قد طرقه فجأة،وعندما يعرف شعور الميت يندم على كل دقيقة أضاعها في غير طاعة،فإذا نجا بقي فيه هذا الشعور شهوراً صار فيها صالحاً ثم انغمس ثانية في غمرة الحياة ونسي الموت.كلنا ننسى الموت .نرى الأموات يمرون بنا كل يوم،ولكن لا نتصور أننا سنموت.نقف في صلاة الجنازة ونحن نفكر في الدنيا،يظن كل واحد منا أن الموت كتب على الناس كلهم إلا عليه،مع أن الإنسان يعلم أن الدنيا موليّة عنا،وأنه مُوّل هو عنها”.

ويقول في موضع أخر رحمه الله:

“هذا هو الموت الذي أفر من الكلام فيه والحديث عنه،والذي أراه بعيداً عني،ولم يحن حينه،ولم يدن موعده،لذلك كنت أوجل التوبة من يوم إلى يوم،أقول إذا بلغت سن الشباب تبت،فلما بلغتها قلت:أتوب في الأربعين،فلما جاوزتها قلت:أنتظر حتى أتم بناء الدار،فلما أتممتها قلت:أتوب وأتفرغ إلى الله إذا بلغت سن التقاعد،كأني أحدث على ملك الموت عهداً،ألا يطرق بابي حتى أبلغ سن التقاعد فها هو قد جاء على غير ميعاد”.

ويقول أيضاً رحمه الله:

“إني أركض أبداً وراء المستقبل،ففي المستقبل أبلغ آمالي،وفيه أصلح نفسي،وفيه أنيب إلى ربي،وفيه أكتب تلك المعاني التي طالما جاشت بها نفسي،ولم يجر بها قلمي….ولكن المستقبل لن يأتي أبدا،وحين يأتي يصير حاضراً وأذهب فأفتش  عن مستقبل آخر،فأنا كالفرس الذي يعد ويشتد ويكد نفسه ليدرك حزمة الحشيش والحزمة معلقة في عنقه”.

2 ـ الإيمان بلا عمل:

قيل للحسن البصري رحمه الله:إن أناساً يقولون:من قال لا إله إلا الله دخل الجنة.فقال:من قال لا إله إلا الله فأدّى حقّها وفرضها دخل الجنة”.

نعم هناك أناس فهموا الدين خطأ،يظنون أنه من أخلص النيّة ولكن بدون عمل فهذا مغفور له،ويدخل الجنة،ويتأولون بعض الآيات والأحاديث خطأ،ومنها الحديث الشريف:”إن الله لا ينظر إلى صوركم  وأموالكم  وإنما ينظر إلى ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]

وليس معنى هذا الحديث كما يفهمه بعض الجهّال أو المتجاهلين أن من صلحت نيته وصفا قلبه،لم يضره ترك الواجبات والعبادات العملية،بل على العكس إن من صلح قلبه وصفت سريرته لا يمكن أن يكون مقصراً في حقوق الله تعالى،وإنما معنى الحديث الشريف أن التلبس بصور الطاعات والعبادات دون أن يكون لها جذور من صلاح القلب وإخلاصه لايقرب العبد من الله شيئاً،لأن الله تعالى كما يرى ظاهر أعمالك،يرى ماقد استقر في نفسك .

والآية الكريمة:{قُلْ إن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبعُوني يُحبِبكُمُ اللهُ ويَغفِرْ لكُم ذُنُوبَكُم واللهُ غفورٌ رحيم}[آل عمران31]،فهذه الآية هي المشعر والدليل على محبة الله الحقيقية،وما هي محبة الله،إنها في طاعته وطاعة نبيه واتباع مرضاته واتباع تعاليمه.

قال رجل للحسن البصري رحمه الله:أليس من الإيمان أن نحسن الظن بالله عز وجل؟قال:بلى،إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل،وأما المنافق فإنه أساء الظن فأساء العمل،فسددوا وقاربوا فإنما هي ليال،وإنما أنتم في ركب على سفر،وما منكم من أحد إلا يوشك أن يُدعى فيجيب”.

وقيل لوهب بن منبه رحمه الله:أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟قال: بلى،ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان،فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في قصيدته النونية معلقاً على هذه الأسنان:

هذا وفتحُ الباب ليس بممكن                إلا بمفتاح على أسنان

مفتاحه بشهادة الإخلاص والتو            حيد،تلك شهادة الإيمان

أسنانه الأعمال وهو شرائع ال            إسلام،والمفتاح بالأسنان

لا تُلغين هذا المثال فكم به                 من حلِّ إشكال لذي العرفان 

ويقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله:

“وفرقة أخرى من عوام الخلق وأرباب الأموال والفقراء،اغتروا بحضور مجالس الذكر،واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم ،واتخذوا من ذلك عادة،ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ ـ دون العمل ودون الاتعاظ ـ أجراً،وهم مغرورون،لأن فضل مجالس الذكر لكونه مرغباً في الخير،فإن لم يهيج الرغبة فلا خير منه،والرغبة محمودة لأنها تبعث على العمل،فإن ضعفت عن الحمل على العمل فلا خير فيها،وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ من فضل حضور المجلس،وفضل البكاء،وربما تدخله رقة كرقة النساء فيبكي ولاعزم،وربما يسمع كلاماً مخوّفاً فلا يزيد على أن يصفق بيديه ويقول:يا سلام سلم!أو نعوذ بالله،أو سبحان الله،ويظن أنه قد أتى بالخير كله وهو مغرور،وإنما مثاله المريض الذي يحضر مجالس الأطباء فيسمع مايجري أو الجائع الذي يحضر عنده من يصف له الأطعمة اللذيذة الشهية ثم ينصرف ،وذلك لا يغني عنه من مرضه وجوعه شيئاً.فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها لا يغني من الله شيئاً.فكل وعظ لا يغيّر منك صفة تغييراً يغيّر أفعالك حتى تُقبل على الله تعالى إقبالاً قوياً أو ضعيفاً،وتُعرض عن الدنيا،فذلك الوعظ حجة عليك ،فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغروراً”.

ولقد كان السلف الصالح شديد الحذر،وكانوا يقبلون على الطاعات ويقومون بالواجبات وكانوا على حذر وخشية مخافة أن لايقبل منهم.

قال الحسن البصري رحمه الله:

“إني قد أدركت أناساً من صدور هذه الأمة كانوا فيما أحلّ الله لهم أزهد منكم فيما حرّم الله عليكم،وكانوا لحسناتهم ألا تُقبل أخوف منكم لسيئاتكم ألا تُغفر،وكانوا لثواب الآخرة أبصر منكم لمتاع الدنيا بأعينكم،وكانوا عن الدنيا وهي عليهم مقبلة أشدّ إدباراً من إقبالكم عليها وهي عنكم مدبرة”.

3 ـ الغرور بالقرابة والنسب:

هناك العديد من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحذر من اعتبار عامل القرابة أو النسب لبعض الصالحين أو المقربين يسهل دون الجنة من غير أن يعمل الإنسان ويتقرب إلى الله بصادق الأعمال وعظيم الطاعات.

ومن الآيات الكريمة نذكر:

{ومِنهُم أُمِّيُّونَ لا يعلمونَ الكتابَ إلا أمانيَّ وإن هُم إلا يَظُنُّون}[البقرة78]

{وقالوا لن تَمَسَّنا النَّارُ إلا أيَّاماً معدودة قُلْ أتَّخَذتُم عندَ الله عهداً فلن يُخلفَ الله عهدَهُ أم تقولونَ على الله ما لاتعلمون}[البقرة80]

{قُلْ إن كانت لكُمُ الدَّارُ الآخرةُ عندَ الله خالصةً من دُونِ النَّاسِ فَتَمنَّوا الموتَ إن كُنتُم صادقين}[البقرة94]

{ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين}[التحريم11]

يقول الأستاذ أبو اقبال محمد أديب صالح رحمه الله(معقباً على الآية من سورة التحريم):

“يريد الله تبارك وتعالى للمؤمنين أن يتعظوا بهذا المثل ،فنوح ولوط عليهما السلام وكل منهما نبي مرسل،لم يُغنِ واحد منهما عن زوجته شيئاً،وهي من أقرب الناس إليه،وكانت لكفرها وجحودها من أهل النار،أجل لم يكن في ميزان الله تعالى أن يقال:أدخلوا زوجة نوح وزوجة لوط الجنة على كفرهما لأنهما زوجتا نبيين من الأنبياء،لا ولكن عاقبهما الله على خيانتهما ـ وهي خيانة العقيدة ـ حيث سلكتا سبيل الكفر،مع أن زوجيهما من دعاة الهدى والإيمان.وهكذا ترى التعبير القرآني الذي يحدد المسئولية الفردية في هذا المجال أوضح تحديد ـ فخانتاهما ـ أي في الدين فكفرتا فلم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً،وقيل ادخلا النار مع الداخلين”.

{ليسَ بأمَانِيِّكُمْ ولا أمانيِّ أهلِ الكِتابِ من يَعمَلْ سُوءاً يُجزَ بهِ ولايَجِدْ لهُ من دُونِ الله وليَّاً ولا نَصيراً}[النساء 123]

قال قتادة:ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا فقال أهل الكتاب:نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم،فنحن أولى بالله منكم.وقال المسلمون:نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله.فنزلت الآيات السابقة.

وقال مجاهد:قالت العرب:لن نبعث ولن نعذب.وقالت اليهود والنصارى:لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى.وقالوا:{لن تمسنا النار إلا أيامات معدودات}.والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحليِّ ولا بالتمني ولكن ماوقر في القلب وصدقته الأعمال.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله نقلاً عن الشيخ محمد عبده رحمه الله(مجلة المنار العدد325 بتاريخ 17 آيار عام 1912):

“يقال في سبب النزول أنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى:{ليسَ بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب}الآية والمعنى بناء على ذلك:ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول منهم كان ديني أفضل وأكمل،وأحق وأثبت ،وإنما عليه إذا كان موقناً به أن يعمل بما يهديه إليه فإنما الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور،فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطاً بأمانيكم في دينكم،ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطاً بأمانيهم في دينهم،فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي،ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام،بل شرعت للعمل والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح لأن قوله تعالى(يعدهم ويمنيهم) في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غروراً بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة،وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى،وغير ذلك مما يقولون ويدعون،وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات،وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم،فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب ،لا بأعمالهم،فحذرنا الله أن نكون مثلهم،وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى في سورة الحديد:{ألَمْ يَأنِ للذينَ آمَنوا أن تخشعَ قلوبُهُم لذكرِ الله ومانزلَ من الحقِّ ولا يكونوا كالذينَ أوتوا الكتابَ من قبل فطالَ عليهم الأمدُ فقستْ قلوبهم وكثيرٌ منهم فاسقون}[الحديد 16]الآية فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك،ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.وقال الحسن البصري”ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ماوقر في القلب وصدّقه العمل”وقال الحسن:إن قوماً غرّتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.(ملاحظة:المشهور أن الكلام للحسن البصري رحمه الله ولكنه لايثبت مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم)

ثم ذكر الأستاذ الإمام(يعني الشيخ محمد عبده) بعد هذا حال مسلمي هذا العصر في غرورهم وأمانيهم ومدح دينهم وتركهم العمل به وبين أصنافهم في ذلك.ومما قاله:إن كثيراً من الناس يقولون تبعاً لمن قبلهم في أزمنة مضت:إن الإسلام أفضل الأديان،أي دين أصلح إصلاحه؟أي دين أرشد إرشاده؟أي شرع كشرعه في كماله؟ولو سئل الواحد منهم:ماذا فعل الإسلام؟وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟لا يحير جواباً.وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال:أعوذ بالله ،أعوذ بالله.والضال يبقى على ضلاله،والطاعن في الدين يتمادى في طعنه،والمغرور يسترسل في غروره،فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

ويتابع الشيخ رحمه الله:”هذا وأن في هاتين الآيتين (الآية المذكورة والتي تليها)من العبرة الموعظة مايدك صروح الأماني ومعاقل الغرور التي يأوي إليها ويتحصن فيها الكسالى والجهال والفساق من المسلمين الذين جعلوا الدين كالجنسية السياسية وظنوا أن الله العزيز يحابي من يسمي نفسه مسلماً ويفضله على من يسميها يهودياً أو نصرانياً بمجرد اللقب،وأن العبرة بالأسماء والألقاب لا بالعمل والعلم،ومتى يرجع هؤلاء إلى هدي كتابهم الذي يفخرون به،ويبنون قصور أمانيهم على دعوى أتباعه؟وقد نبذوه وراء ظهورهم،وحرموا الاهتداء به على أنفسهم”.

{وإذِ ابتلى إبراهيم َرَبُّهُ بكلماتٍ فأتمَّهُنَّ قال إنِّي جَاعِلُكَ للنَّاسِ إماماً قالَ ومِنْ ذُريَّتي قالَ لاينالُ عهدي الظَّالمينَ}[البقرة124].

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد202 بتاريخ الثاني من نيسان عام 1904):

“قل أتحاجوننا في الله ” بدعواكم الاختصاص بالقرب منه وزعمكم أنكم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى،ومن أين جاءكم هذا القرب والاختصاص بالله دوننا”وهو ربنا وربكم” ورب العالمين فنسبة الجميع إليه واحدة هو الخالق وهم المخلوقون،وهو الرب وهم المربوبون ،وإنما يتفاضلون بالأعمال البدنية والنفسية”ولنا أعمالنا“التي تختص آثارها بنا إن خيراً فخير وإن شراً فشر”ولكم أعمالكم“كذلك وروح الأعمال كلها الإخلاص فهو وحده الذي يجعلها مقربة لصاحبها من الله تعالى ووسيلة لمرضاته”ونحن له مخلصون” من دونكم فأنكم اتكلتم على أنسابكم وأحسابكم،واغتررتم بما كان من صلاح آبائكم وأجدادكم،واتخذتم لكم وسطاء وشفعاء منهم تعتمدون على جاههم،مع انحرافكم عن صراطهم،وما هو إلا التقرب إلى الله تعالى بإحسان الأعمال،مع الإخلاص المبني على صدق الإيمان،وهو ما ندعوكم إليه الآن،فكيف تزعمون أن الإدلاء إلى ذلك السلف الصالح بالنسب والتوسل إليهم بالقول هو الذي ينفع عند الله تعالى وأن الاستقامة على صراطهم المستقيم والتوسل إلى الله تعالى بما كانوا يتوسلون إليه به من صالح الأعمال والإخلاص في القلب لا ينفع ولا يفيد،وما كان سلفكم مرضياً عند الله تعالى إلا به؟هل كان إبراهيم عليه السلام مقرباً من الله تعالى بأبيه آزر المشرك أم كان قربه وفضله بإخلاصه وإسلام قلبه إلى ربه؟فكما جعل الله النبوة في إبراهيم وجعله إماماً للناس في الإسلام والإخلاص جعلها كذلك في محمد صلى الله عليه وسلم فإذا صح لكم إنكار نبوة محمد لأنه لم يكن في سلفه العرب أنبياء فأنكروا نبوة إبراهيم فإن العلة واحدة فكيف لايتحد المعلول؟

ويتابع الشيخ رضا رحمه الله:”وحاصل معنى الآية إبطال معنى شبهة أهل الكتاب أنهم أبناء الله وأحباؤه،وأنه لا ينجو من كان على غير طريقتهم وإن أحسن في عمله وأخلص في قصده،وأنهم هم الناجون الفائزون وإن أساؤا عملاً ونية،لأن أنبياءهم هم الذين ينجونهم ويخلصونهم بجاههم،فالفوز عندهم بعمل سلفهم لا بصلاح ةأنفسهم ولا أعمالهم.وهذا الاعتقاد هدم لدين الله الذي بعث جميع أنبيائه ودرج عليه من اتبع سبيلهم فإن روح الدين الإلهي وملاكه هو التوحيد والإخلاص ،وكل عمل أمر به الدين فإنما الغرض منه إصلاح القلب والعقل بسلامة الاعتقاد وحسن القصد فإذا زال المعنى وحفظت جميع الأعمال الصورية فإنها لا تفيد شيئاً بل إنها تضر بدونه لأنها تشغل الإنسان بما لايفيد وتصده عن المفيد”.

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في الآية 124 من سورة البقرة:

“إن الحق تبارك وتعالى ائتمن ابراهيم عليه السلام ليكون إماماً للبشر..والله سبحانه كان يعلم وفاء إبراهيم عليه السلام ولكنه اختبره لنعرف نحن البشر كيف يصطفي الله تعالى عباده المقربين وكيف يكونوا أئمة يتولون قيادة الأمور.استقبل إبراهيم عليه السلام هذه البشرى من الله وقال كما يروي القرآن الكريم:{قال ومن ذريتي}.

ماهي الذرية؟هي النسل الذي يأتي والولد الذي يجيء..لأنه يحب استطراق الخير على أولاده وأحفاده وهذه طبيعة البشر،فهم يعطون ثمرة حركتهم وعملهم في الحياة لأولادهم وأحفادهم وهم مسرورون.

ولذلك أراد إبراهيم عليه السلام أن ينقل الإمامية إلى أولاده وأحفاده…حتى لا يحرموا من القيم الإيمانية تحرس حياتهم وتؤدي بهم إلى نعيم لا يزول..ولكن الله سبحانه وتعالى يرد على إبراهيم بقضية إيمانية ايضاً هي تقريع لليهود…الذين تركوا القيم وعبدوا المادة فيقول جل جلاله:{لا ينالُ عهدي الظالمين}.

فكأن إبراهيم بأعماله قد وصل إلى الإمامية..ولكن هذا لا ينتقل إلا للصالحين من عباده العابدين المسبحين..وقول الحق سبحانه:{لا ينال عهدي الظالمين}مقصود به اليهود الذين باعوا قيمهم الإيمانية بالمادة،وهو استقراء للغيب أنه سيأتي من ذرية إبراهيم من سيفسق ويظلم.

ومن العجائب أن موسى وهارون عليهما السلام كانا رسولين..الرسول الأصيل موسى وهارون جاء ليشد أزره لأنه فصيح اللسان…وشاءت إرادة الله سبحانه أن تستمر الرسالة في ذرية هارون وليس في ذرية موسى..والرسالة ليست ميراثاً”.

ومن الأحاديث النبوية الشريفة حول هذا الموضوع:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه {وأنذِرْ عشيرتكَ الأقربينَ}[الشعراء214]فقال:”يا معشر قريش،اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً،يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئاً،يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً،يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً،يا فاطمة بنت رسول الله سليني ماشئت من مالي،لا أغني عنك من الله شيئا”[رواه الشيخان].

“ومن بطأ به عمله لم يُسرِع به نسبه”[جزء من حديث شريف أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]فمن كان عمله سيئاً فإن نسبه لايفيده ولا يرفعه،ولو كان من أولاد الأنبياء،وأحفاد الأشراف.فينبغي على الإنسان ألا يتكل على شرف النسب،وفضيلة الآباء،ويقصر في العمل.

يقول الشيخ محمد راتب النابلسي حفظه الله:

“الله جل جلاله ربط الدرجات في الآخرة لا على الأنساب،بل على الأعمال،قال تعالى:{فإذا نُفِخَ في الصُّورِ فلا أنسابَ بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون}[المؤمنون101]،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم”[رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه].

أقوال الصحابة والصالحين:

يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

“إن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيراً ولا يصرف عنه سوءاً إلا بطاعته واتباع أمره،وأنه لا خير بخير بعده النار،ولا شر بشر بعده الجنة”.

عندما ودع عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى القادسية قال له:”لا يغرّنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكنه يمحو السيء بالحسن،وليس بين الله وبين أحد نسب إلا طاعته،فالناس في ذات الله سواء،الله ربهم وهم عباده،يتفاضلون بالعافية ،ويدركون ما عنده بالطاعة،فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند بُعث إلى أن فارقنا يلزمه فالزمه فإنه الأمر.هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين”.

وقال زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم:

“إن الله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً،وخلق النار لمن عصاه ولو كان حراً قرشياً،وتلا قوله تعالى:{فإذا نُفِخَ في الصُّورِ فلا أنسابَ بينهُم يومئذٍ ولا يتساءلون* فَمَن ثَقُلتْ مَوازينُهُ فأولئكَ هُمُ المفلحون *ومن خَفَّتْ موازينُهُ فأولئك الذين خَسِروا أنفُسَهُمْ في جَهنَّمَ خالدونَ}[المؤمنون 101 ـ 103].

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي:

“وقد هدمت عقيدة الإسلام ذلك الطمع الأشعبي والأماني الفارغة التي جعلت صنفاً من الناس يحسبون الجنة حكراً لهم أو عقاراً سيتوارثونه عن الأباء والأجداد،يستحقونه بمجرد الانتساب إلى دين معين أو الدخول تحت عنوان خاص.أبطل الإسلام هذه الدعاوى العريضة ورد الأمر كله إلى صدق الإيمان وحسن العمل:{وقالُوا لن يَدخُلَ الجَنَّةَ إلا من كانَ هُوداً أو نصارى تلك أمانِيُّهُم قُلْ هَاتوا بُرهانَكُمْ إن كنتم صادقين *بلى من أسلمَ وجهَهُ لله وهُوَ مُحسِنٌ فلَهُ أجرُهُ عندَ رَبِّهِ ولاخوفٌ عليهمْ ولاهُم يحزنون}[ البقرة111 ـ 112]وبهذا رسم الطريق إلى الجنة”إسلام الوجه وإحسان العمل”،ولم يكن هذا موقفه من اليهود والنصارى فحسب،فلقد وقف نفس الموقف من الأشعبيين من المسلمين أنفسهم،أولئك الحمقى الذين يتبعون أنفسهم هواها ويتمنون على الله الأماني،ويظنون أن النطق بكلمة الإسلام والتسمي بأسماء المسلمين يكفي ليفتح لهم أبواب الجنة فيدخلوها بسلام آمنين،ولكن القرآن بيّن لهم أن قانون الله في الجزاء عام لعباده قاطبة لا محاباة عنده ولافرق بين طائفة وطائفة:{ليسَ بأمانِيِّكُم ولا أمانيِّ أهلِ الكتابِ مَنْ يَعملْ سُوءاً يُجزَ بهِ ولايجِدْ لهُ مِن دُونِ الله وليَّاً ولا نصيراً *ومن يَعملْ من الصَّالحاتِ من ذَكَرٍ أو أنثى وهُوَ مُؤمنٌ فأولئكَ يدخُلُونَ الجنَّةَ ولا يُظلمونَ نقيرا}[النساء 123 ـ 124].

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم}،وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور ألإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد.إنما هو الإسلام والإحسان،لا الإسم والعنوان.إنها قاعدة واحدة بطرفيها في العقوبة والمثوبة،طرفيها المتقابلين:”من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته”فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة،في معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة المحيطة”.

التحذير من طول الأمل:

الآيات الكريمة:

{ولَأُضِلَّنَّهُمْ ولأُمنّيِنَّهُم ولأَمُرَنَّهُم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذان الأنعام}[النساء 119]،{يَعِدُهُمْ ويُمَنيِّهِمْ وما يَعدُهُم الشَّيطانُ إلا غرورا}[النساء120]

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:

“وهذا يعني أن الشيطان يقدم الوعود الكاذبة لمواليه ويخبرهم بشيء يسرهم،فالوعد هو أن يخبر أحد آخر بشيء يسرّه أن يوجد.

والمثال على ذلك نراه في الحياة العادية فالإنسان منا يحب ماله الذي قد جاء بالتعب،والصدقة في ظاهر الأمر تنقص المال،فيقول الحق تبارك وتعالى:{الشيطان يعدكم الفقر}[البقرة 268].

لماذا؟ لأن الشيطان يوسوس في صدر صاحب المال قائلاً:إنك عندما تتصدق ببعض المال فمالك ينقص.وويل لمن يرضخ لوساوس الشيطان،لأنه يورده موارد التهلكة،والشيطان أيضاً يقدم الأماني الكاذبة في الوساوس:(ويمنيهم).ومثال ذلك ماجاء على لسان المتفاخر على أخيه بلون من الاستهزاء والعياذ بالله: {وما أظنُّ الساعة قائمةً ولئن رُدِدتُ إلى ربي لأجدنَّ خيراً منها منقلباً}[الكهف 36].

المتفاخر يقول:مادام الله قد أعطاني في الدنيا،وما دامت مهمة الله هي العطاء الدائم فلابد أن يعطيني ربي في الآخرة أضعاف مافي الدنيا،ذلك أن سعيد الدنيا هو سعيد في الآخرة،فماذا كان جزاؤه؟

لقد رأى اتهيار زراعته وعرف سوء مصير الغرور،لأنه استجاب لوعود الشيطان،ووعود الشيطان ليست إلا غرورا{ومايعدهم الشيطان إلا غرورا}.

فماهو الغرور؟هناك غُرور ـ بضم الغين ـ وغَرور ـ بفتح الغين ـ والغرور بضم الغين هو الشيء يُصوّر لك على أنه حقيقة وهو في الواقع وهم.والغَرور بفتح الغين هو من يفعل هذه العملية،ولذلك فالغَرور بفتح الغين هو الشيطان،لأنه يزين للإنسان الأمر الوهمي،ويؤثر مثلما يؤثر السراب،فالإنسان حين يرى انكسار الأشعة يخيل إليه أنه يرى ماء،ويقول الحق عن ذلك:{كَسَرابٍ بِقِعةٍ يحسبهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءهُ لم يجدهُ شيئاً}[النور 39].

وكذلك الغُرور،حيث يزين الشيطان للإنسان ويوهمه أنه سيستمتع به.فإذا ذهب الإنسان إليه فلن يجد له حقيقة،بل العكس،ولذلك يفصل لنا الحق أعمال الكفار فيقول عنها:{والذينَ كفروا أعمالُهُم كَسرابٍ بِقِعةٍ يحسبهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءَهُ لم يجدهُ شيئاً ووجدَ الله عندَهُ فوفَّاهُ حسابهُ والله سريع الحساب}[النور 39].

الأحاديث النبوية:

“الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت،والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني”[حديث ضعيف كما جاء في ضعيف الجامع للألباني،وكما قال الإمام السخاوي،وقد جاء في مسند أحمد والمستدرك وابن ماجة والترمذي عن  أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه].

“أربع من الشقاء:جمود العين،وقساوة القلب ،وطول الأمل ،والحرص على الدنيا”[حديث مرفوع عن أنس بن مالك،وقال عنه الشيخ الألباني حديث ضعيف]

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟قال:من طال عمره وحسن عمله.قيل:فأي الناس شر؟قال:من طال عمره وساء عمله.[رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وكذلك أحمد والدارمي والطبراني والحاكم والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه]

وقال صلى الله عليه وسلم:”إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على  معاصيه مايحبُّ فإنما هو استدراج، ثم تلا قوله تعالى:{فلمَّا نَسُوا ماذُكِّروا به فَتحنا عليهمْ أبوابَ كُلِ شيءٍ حتى إذا فَرِحُوا بما أُوتُوا أخذناهُمْ بغتةً فإذا هُم مبلسون”[الآية 44 من سورة الأنعام].[رواه أحمد في المسند عن عقبة بن عامررضي الله عنه،وصححه الألباني].

أقوال السلف الصالح:

قال أحد التابعين:”بغت القوم أمر الله،وما أخذ الله قوماً إلا عند سكرتهم وغرتهم فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون ومصداقه قوله تعالى:{أَفَأمِنَ أهلُ القُرى أن يأتِيَهُمْ بأسُنَا بياتاً وهم نائمون *أو أمِنَ أهلُ القرى أن يأتِيَهُم بأسُنَا ضحىً وهُم يلعبون* افأمِنُوا مكرَ الله فلا يأمنُ مَكرَ الله إلا القومُ الخاسرونَ}[الأعراف97 ـ 99].

وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل :ما الكبائر؟ فقال:”الشرك بالله، والإياس من روح الله والأمن من مكر الله،وهذا أكبر الكبائر”.[قال المحدثون هو حديث مقطوع عن سفيان بن عيينة رحمه الله]

وجاء عن بعض السلف قوله:”من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة”.

وقال لقمان لابنه:”يا بني ارج الله رجاء لا تأمن مكره،وخف الله مخافة لا تيأس فيها من رحمته.قال ابنه:وكيف أستطيع ذلك يا أبت وإنما لي قلب واحد؟قال يابني:إن المؤمن لذو قلبين:قلب يرجو،وقلب يخاف به”.

وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:”إنكم في مَهل،ومن ورائه أجل،فبادروا في مَهلِ آجالكم قبل أن تتقطع آمالكم،فتردكم إلى سوء أعمالكم”.

وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

“ثم اعلموا عباد الله،أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غُيّب عنكم علمه فإن استطعتم أن تنقض الآجال وأنتم في عمل لله فافعلوا،ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله فابقوا في مهل آجالكم،قبل أن تنقض آجالكم فيردكم إلى أسوأ أعمالكم،فإن أقواماً جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم،فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم.النجاء..النجاء”.

وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:”الموت أهوّن مما بعده،وأشدّ مما قبله”.

وقال علي بن أبي طالب لعمر الفاروق رضي الله عنهما:”يا أمير المؤمنين،إن سرّكَ أن تلحق بصاحبيك فأقصِر الأمل ،وكُلْ دون الشبع،وأقصِر الإزار،وارفع القميص،واخصف النعل تلحق بهما”.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:”من جرى في عنان أملهِ عَثرَ بأجله”.

وقال أيضاً:”إياك والاتكال على المنى،فإنها بضائع الموتى”.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:”إن أخوف ما أخاف عليكماتباع الهوى وطول الأمل،فأما اتباع الهوى فصدّ عن الحق،وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة،ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة،وارتحلت الآخرة مقبلة،ولكل واحدة منهما بنون،فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا،فإن اليوم عمل ولا حساب،وغداً حساب ولا عمل”.

وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه(عيون الأخبار  ـ ابن قتيبة ـ كتاب العلم والبيان والعقد الفريد لابن عبد ربه ج4 ص136):

“أما بعد،فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع،وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع،وإن المضمار اليوم و السباق غداً،إلا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل،فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله،نفعه عمله ولم يضره أمله،ومن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله، وضرّه أمله، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة،ألا وإني لم أرَ كالجنة نامَ طالبها،ولم أرَ كالنار نامَ هاربُها،إلا وإنه من لم ينفعه الحقّ ضرّه الباطل ،ومن لم يستقم به الهدى جارَ به الضلال،إلا وإنكم قد أُمرتم بالظعن ودُللتم على الزاد،وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباعُ الهوى وطول الأمل”.

وقال الإمام علي رضي الله عنه:”يا ابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره”.

وقال الإمام علي رضي الله عنه:

“لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل،ويؤخر التوبة لطول الأمل،ويقول في الدنيا بقول الزاهدين،ويعمل فيها بعمل الراغبين،إن أُعطي منها لم يشبع،وإن مُنعَ لم يقنع،يعجز عن شكرِ ما أُوتي،ويبتغي الزيادة فيما بقي،ينهى ولا ينتهي،ويأمرُ بما لا يأتي،يحب الصالحين ولا يعمل أعمالهم،ويُبغض المسيئين وهو منهم،يكره الموت لكثرة ذنوبه،ويُقيم على ما يكره الموت له،إن سَقِم ظلّ نادما،وإن صحّ أمِنَ لاهياً،يُعجَبُ بنفسه إذا عُوفينويقنط إذا أُبتلي،تغلِبهُ نفسهُ على ما يُظن ولا يغلبها على ما يستيقن،ولا يثق من الرزق بما ضُمن له ،ولا يعمل من العمل بما فُرِض عليه،إن استغنى بطِر وفُتن،وإن افتقر قنط وحزن،فهو من الذنب والنعمة مُوقر،يبتغي الزيادة ولا يشكر،يتكلّف من الناس مالم يؤمر،ويُضيع من نفسه ما هو أكثر،ويبالغ إذا سأل ،ويُقصّر إذا عمل،يخشى الموت،ولا يُبادرُ الفَوت،يستكثر من معصية غيره ما يستقلُّ أكثرهُ من نفسه”.

الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

“إن الدنيا ليست بدار قرار،دار كتب الله عليها الفناء،وكتب على أهلها الظعن،فكم عامر موثق،عما قليل مخرّب،وكم مقيم مغتبط،عما قليل يظعن،فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما يحضركم من النقلة،وتزودوا فإن خير الزاد التقوى،إنما الدنيا كفيء ظلال قلص فذهب،بينا ابن آدم في الدنيا ينافس فيها وبها قرير العين إذ دعاه الله بقدره ورماه بيوم حتفه فسلبه دنياه،إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر،إنها تسر قليلاً وتجرُّ حزناً طويلاً”.

وقال أيضاً رضي الله عنه(العقد الفريد ج4 ص175):

“وإن لكل سفر زاداً لا محالة،فتزودوا من دنياكم لآخرتكم بالتقوى،وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله له من ثوابه وعقابه،فَرِهبوا ورغبوا،ولا يطولن عليكم الأمد،فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم،فإنه ما بُسط  أمل من لايدري لعله لا يصبح بعد إمسائه أو يمسي بعد إصباحه،وربما كانت بين ذلك خطرات المنايا وإنما يطمئن إلى الدنيا من أمِن عواقبها،فإن من يُداوي من الدنيا كلما اصابته جراحة من ناحية أخرى فكيف يطمئن إليها.

وفي مراجع أخرى يتابع:”فإعوذ بالله أن أمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتظهر عيبتي وتبدو مسكنتي في يوم يبدد فيه الغنى والفقر،والموازين منصوبة،ولقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت،ولو عنيت به الجبال لذابت،ولو عنيت به الأرض لتشققت،أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة،وإنكم صائرون إلى إحداها”.

عبد الله بن مسعود رحمه الله:”أربعةٌ من ظلمة القلب:بطنٌ شبعان من غير مبالاة،وصحبة الظالمين ،ونسيان الذنوب الماضية،وطول الأمل.وأربعةٌ من نور القلب:بطنٌ جائعٌ من حَذَر(من غير ضرر)،وصحبة الصالحين،وحفظ الذنوب الماضية(لإصلاحها)وقصر الأمل”.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه:”أضحكني ثلاث وابكاني ثلاث:أضحكني مؤمل الدنيا والموت يطلبه،وغافلٌ ولا يُغفل عنه،وضاحكٌ ملء فيه ولا يدري أساخطٌ ربه أم راض.وأبكاني هوّل المطلع(ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت)،وانقطاع العمل،وموقفي بين يدي الله لا يُدرى أيأمر بي إلى الجنة أم النار”.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الفوائد):

“يا مغروراً بالأماني:لعن إبليس وأُهبط من منزل العز بترك سجدة واحدة أمر بها.وأخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها.وحجب القاتل عنها (أي الجنة) بعد أن رآها عياناً بملء كف من دم.وأمر بقتل الزاني أشنع القتلات بإيلاج قدر الأنملة فيما لا يحل.وأمر بإيساع الظهر سياطاً (أي بالجلد) بكلمة قذف أو بقطرة من مسكر.وأبان عضواً من أعضائك بثلاثة دراهم(أي قطع يد السرق بثلاثة دراهم يسرقها( فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه{ولا يخاف عُقباها}[الشمس 15].

دخلت امرأة النار في هرة.وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالأً يهوى بها في النار أبعد مابين المشرق والمغرب،وإن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة،فإذا كان عند الموت جار في الوصية فيختم له بسوء عمله فيدخل النار.العمر بآخره والعمل بخاتمته.

من أحدث قبل السلام بطل ما مضى من صلاته،ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعاً،ومن أساء في آخر عمره لقى ربه بذلك الوجه.لو قدمت لقمة وجدتها ولكن يؤذيك الشره.

كم جاء الثواب يسعى إليك فوقف بالباب فرده بواب”سوف ولعل وعسى”كيف الفلاح بين لإيمان ناقص،وأمل زائد،ومرض لا طيب له ولا عائد،وهوى مستيقظ،وعقل راقد،ساهياً في غمرته،عمهاً في سكرته،سابحاً في لجة جهله مستوحشاً من ربه،مستأنساً بخلقه،ذكر الناس فاكهته وقوته،وذكر الله حسبه وموته،لله منه جزء يسير من ظاهره،وقلبه ويقينه لغيره”.

وقال الخليفة هارون الرشيد(العقد الفريد ج2 ص166):

“وإياكم والأماني،فقد غرّت وأوردت وأوبقت كثيراً حتى أكذبتهم مناياهم فتناوشوا التوبة من مكان بعيد،وحيل بينهم وبين ما يشتهون”.

وقال الخليفة المأمون العباسي(عيون الأخبار ـ ابن قتيبة):

“فاتقى عبدٌ ربّه ،ونصحَ نفسه،وقدّم توبته،وغلب شهوته،فإن أجله مستورٌ عنه،وأملهُ خادعٌ له،والشيطانُ مُوّكلٌ به،يُزيّنُ له المعصية ليركبها،ويُميّه التوبة ليُسوّفها،حتى تهجم عليه منيّته أغفلَ مايكون عنها،فيالها حسرةٌ على ذي غفلة:أن يكون عمره عليه حُجةًنأو تؤديه أيامه إلى شقوةٍ”.

وقال سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله:

“هيهات، هيهات! أهلك الناس الأماني:قول بلا عمل،ومعرفة بغير صبر،وإيمان بلا يقين.مالي أرى رجالاً ولا أرى عقولاً!وأسمع حسيساً ولا أرى أنيساً!دخل القوم والله ثم خرجوا،وعرفوا ثم أنكروا،وحرّموا ثم استحلوا.إنما دينُ أحدكم لعقة على لسانه ،إذا سئل أمؤمن أنت بيوم الحساب قال:نعم!كذب ومالك يوم الدين.إن من أخلاق المؤمن قوّة في دين،وإيماناً في يقين،وعلماً في حلم،وحلماً بعلم،وكيّساً في رفق،وتحملاً في فاقة،وقصداً في غنى،وشفقة في نفقة،ورحمة لمجهود،وعطاء في الحقوق،وإنصافاً في الاستقامة،لايحيف على من يبغض،ولا يأثم في مساعدة من يحب،لايهمز ولايغمز ولايلمز،ولا يلغو ولا يلهو ولا يلعب،ولا يمشي بالنميمة،ولا يتتبع ماليس له،ولا يجحد الحق الذي عليه،ولا يتجاوز في العذر،ولا يشمت بالفجيعة إن حلّت بغيره،ولا يسر بالمعصية إذا نزلت بسواه.المؤمن في الصلاة خاشع،وإلى الركوع مسارع،قوله شفاء،وصبره تقى،وسكوته فكرة،ونظره عبرة،يُخالط العلماء ليعلم،ويسكت بينهم ليسلم،ويتكلم ليغنم،إن أحسن استبشر،وإن أساء استغفر،وإن عُتب استعتب،وإن سفه عليه حلم ،وإن ظلم صبر،ولإن جير عليه عدل،ولا يتعوذ بغير الله،ولا يستعين إلا بالله.وقور في الملأ،شكور في الخلاء،قانع بالرزق،حامد على الضار،صابر على البلاء،إن جلس مع الغافلين كتب من الذاكرين،وإن جلس مع الذاكرين كتب مع المستغفرين.هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،الأول فالأول حتى لحقوا بالله عز وجل،وهكذا كان المسلمون من سلفكم الصالح،وإنما غيّر بكم لما غيّرتم ثم تلا قوله تعالى:{إنَّ اللهَ لايُغيِّرُ مابقومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأنفُسِهم}[الرعد11].

وقال الحسن البصري رحمه الله:”من أراد الدنيا واختارها على الآخرة عاقبه الله بست عقوبات:ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة،أما الثلاث التي هي في الدنيا:فأمل ليس له منتهى،وحرص غالب ليس له قناعة،واُخذ منه حلاوة العبادة،وأما الثلاث التي هي في الأخرة:فهولٌ يوم القيامة،والحساب الشديد،والحسرة الطويلة”.

وقال الحسن البصري:”فساد القلوب عن ستة أشياء:أولها يذنبون برجاء التوبة،ويتعلمون العلم ولا يعملون به،وإذا عملوا لا يخلصون،ويأكلون من رزق الله ولا يشكرون،ولا يرضون بقسمة الله،ويدفنون موتاهم ولا يعتبرون”.

وقال الحسن البصري:”ابن آدم ! إنما أنت أيام،كلما ذهب يوم ذهب بعضك”.

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري:عظني .فكتب إليه،أما بعد،فلو كان لك عمر نوح وملك سليمان ويقين إبراهيم وحكمة لقمان عليهم السلام فإن من وراءك عقبة وهي الموت،ومن ورائها داران،إن أخطأتك هذه صرت إلى هذه والسلام”.

وقال سفيان الثوري رحمه الله:”لا يجتمع في هذا الزمان لأحدٍ مال إلا وعنده خمس خصال:طول الأمل،وحرصٌ غالب،وشح شديد،وقلة الورع،ونسيان الآخرة”.

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:”والله ما اجتمع لأحد أمله،إلا وسعى في تفريقه أجله،وعقارب المنايا تلسع الناس،وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس”.

وقال ابن الجوزي:”يا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد عنه،ليس في أعدائك أشدّ عليك منك”.

وقال ذو النون المصري:”علامة الشقاء ثلاث:متى زيد في عمره،زيد في حرصه،ومتى زيد في ماله زيد في بخله،ومتى زيد في قدره زيد في تجبره وقهره وتكبره”.

وقال سعيد بن جبير:” من الاغترار بالله  المقام على الذنب ورجاء الغفران”.

وقال أبو حازم(البيان والتبيين للجاحظ):

“الدنيا غرّت أقواماً فعملوا فيها بغير الحق،فلما جاءهم الموت خلفوا مالهم لمن لا يحمدهم،وصاروا إلى من لا يعذرهم،وقد خلقنا بعدهم،فينبغي أن ننظر إلى الذي كرهناه منهم فنجتنبه وإلى الذي غبطناهم به فنستعمله”.

وقال يحيى بن معاذ:”المؤمن لا يكون حسوداً ولا حقوداً ولا متكبراً ولا لامعجباً ولا راغباً في الدنيا ولا طويل الأمل،ولا كثير النوم والغفلة”.

وقال داود الطائي:”من خاف الوعيد قصر عليه البعيد،ومن طال أمله ضعف عمله ،وكل ما هو آت قريب”.

وقال إبراهيم بن أدهم:”من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ،ومن أطلق بصره طال أسفه،ومن أطلق أمله ساء عمله ،ومن أطلق لسانه قتل نفسه”.

وقال بلال بن سعد:”أربع خصال جاريات عليكم من الرحمن مع ظلمكم أنفسكم وخطاياكم:أما رزقه فدار عليكم،وأما رحمته فغير محجوبة عنكم،وأما ستره فأسبغ عليكم،وأما عقابه فلم يعجل لكم.ثم أنتم على ذلك لاهون،تجترئون على إلهكم،أنتم تكلمون،ويوشك الله تعالى يتكلم وتسكتون،ثم يثور من أعمالكم دخان تسود منه الوجوه{واتَّقُوا يوماً تُرجَعُونَ فيهِ إلى الله ثم تُوفَّى كُلُّ نفسٍ ماكَسبتْ وهُم لايُظلمون}[البقرة 281].

وقال عون بن عبد الله:”ما أنزل الموت كنه منزلته من عدّ غداً من أجله،كم من مستقبلٍ يوماً لا يستكمله،وكم من مؤمل لغد لا يدركه،إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره لبغضتم الأمل وغروره”.

وجاء في أطواق الذهب للزمخشري(المقالة التسعون):

“قِصرُ أجلٍ،وطولُ أملٍ،وتقصيرٌ في عمل.شدَّ ما أقفلَ السّهوُ قلوبَ القوم،وخاطَ عيونهم كرى النوم،فجفوا عن النظر والاعتبار،وزلُّوا عن الإبصار والاستبصار”.

وقال مصطفى السباعي رحمه الله:”لا يجزع من الموت إلا من ساء عمله وطال أمله ،ولا يخشى من الفقر إلا من ساء بالله ظنه وتقاعست عن السعي عزيمته”.

العلاج:

1 ـ المؤمن بين الرجاء والخوف

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله:

“على المؤمن أن يكون بين الخوف من عقاب الله والرجاء لعفوه،يذكر أن الله سريع الحساب،وأنه شديد العقاب فيغلب عليه الخوف،ويذكر أنه عفو رحيم وأنه أرحم الراحمين فيغلب عليه الرجاء،فإن ملأ قلبه الخوف وحده يكون قد يئس من رحمة الله{إنَّهُ لا ييأسُ من رَّوحِ الله إلا القومُ الكافرون}[يوسف87]وإن ملأ قلبه الرجاء وحده يكون قد أمن مكر الله{فلا يَأمَنُ مَكْرَ الله إلا القومُ الخاسرونَ}[الأعراف99]،والمؤمن ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء إذا وقف في الصلاة فقال الرحمن الرحيم استشعر الرجاء به،وإن قال مالك يوم الدين أحسّ الخوف.وأكثر المسلمين اليوم غلبوا الرجاء على الخوف والأمل بالعفو على توقي العقاب”.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(في رحاب سورة الحجر ـ فتح باب الرجاء والأمل):

“يقول تعالى:{نَبّىءْ عبادي أنّي أنا الغفورُ الرحيم}[الحجر49]،وبهذا يرجي الناس،ويفتح لهم باب الرجاء والأمل ،حتى لا ييأسوا من رَوح الله: {ولا تيئسوا من رَوح الله إنه لا ييئس من رَّوح الله إلا القومُ الكافرون}[يوسف 87]،ولا يقنطوا من رحمة الله:{لا تقنطوا من رحمة الله إنَّ الله يغفر الذنوبَ جميعاَ إنه هو الغفور الرحيم}[الزمر 53]،{ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون}[الحجر56].

فهذا هو الرجاء،ثم يأتي بعد ذلك الخوف،ليجتمع الرجاء والخوف:{نبىء عبادي أنّي أنا الغفور الرحيم*وأنَّ عذابي هو العذابُ الأليم}[الحجر 49 ـ 50].لا يغرنكم مغفرتي ورحمتي،فتتكلوا عليها،وتفعلوا ما فعل اليهود الذين قال الله عنهم:{فَخلفَ مِن بَعدهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكتابَ يَأخذونَ عَرَضَ هذا الأدنى ويقولونِ سَيُغفرُ لنا وإن يأتِهِمْ عَرَضٌ مثلُهُ يأخذوه}[الأعراف169]،لاتتكلوا على المغفرة،لابد أن تخافوا أيضاً من بطشي ومن عذابي.

وعذاب الله ليس عذاباً هيّناً:{وأنَّ عذابي هوَ العذابُ الأليم}،فانظر إلى هذه المؤكّدات:”إنّ”وإضافة العذاب إلى الله عز وجل”عذابي”وضمير الفصل:”هو”،ووصف العذاب بأنه”العذاب الأليم”،أي المؤلم الموجع.فكل هذه مؤكّدات تدل على شدة العذاب.

ويتابع الشيخ القرضاوي حفظه الله:”ولكن نجد فرقاً بين الصفتين،الأولى:{نبىء عبادي أنّي أنا الغفورُ الرحيمُ}،فجعل المغفرة والرحمة من أسمائه وصفاته،أنا الغفور الرحيم ،ولم يقل هنا:وأني أنا المُعذّب.لا يوجد من أسمائه الحسنى:المُعذب.

فهناك ذَكر الأسماء،وهنا ذكر الأفعال،”وأنّ عذابي”،فالعذاب من أفعاله،والمغفرة والرحمة من أسمائه وصفاته،وفرق بين الفعل وبين الاسم والصفة.

وأنّ عذابي هو العذاب الأليم“،وهذا يدلنا على أنّ الرجاء اغلب،وأنّ رحمة الله أثبت،فقد سبق قوله:{أنّي أنا الغفور الرحيم}على قوله:{وأنَّ عذابي هو العذاب الأليم}،وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لماقضى الله الخلق،كتب في كتاب ،فهو عنده فوق العرش:إنَّ رحمتي غلبت غضبي”[متفق عليه رواه الشيخان وأحمد والنسائي].

وبهذا علينا أن نخاف عذاب الله ،ونخشى عذابه،كما نرجو رحمته،ونطمع في جنته،كما وصف الله بعض عباده الصالحين،فقال:{يرجون رحمته ويخافون عذابه}[الإسراء57]،وكما وصف الإنسان المؤمن فقال:{أم مَّن هوَ قانتٌ آناءَ الليل ساجداً وقائماً يحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمة ربه}[الزمر9]،يحذر من ناحية،ويرجو من ناحية أخرى،وبذلك يكون الإنسان في حالة توازن بين الرجاء والخوف،فلا يغلب عليه الرجاء حتى يأمن مكر الله:{فلا يأمن مكرَ الله إلا القومُ الخاسرون}[الأعراف 99]،ولا يغلب عليه الخوف حتى ييأس من رَوح الله{إنّهُ لا ييئسُ من رَوحِ الله إلا القوم الكافرون}[يوسف89]،وإنما يكون دائماً بين الخوف والرجاء،وهذا شأن المؤمن”.

يقول الشيخ عبد الله خياط:

“آيتان من كتاب الله تجمع بين الخوف والرجاء لتشعر بضرورة تلازمهما وعدم انفراد أحدها عن الآخربالنسبة للمسلم في كل حالاته،الخوف من ربّ العزة وسخطه وأليم عقابه،والرجاء في الرب الرحيم في رحمته وعفوه وفيض نفحاته:{وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مغفرةٍ للنَّاسِ على ظُلمِهِم وإنَّ رَبَّكَ لَشديدُ العقابِ}[الرعد6]،{نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم* وأن عذابي هو العذاب الأليم}.[الحجر 49 ـ 50].

فوعد سبحانه بالمغفرة والصفح الجميل عن المذنبين،ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه شديد العقاب في انتقامه من الظالمين ،وقرن بين الخوف والرجاء ليكون العبد على الدوام خائفاً راجياً يعمل المأمور بقدر المستطاع ويتجنب المحظور قياماً بطاعة الله وأملاً في ثوابه.

ويقول داود الطائي رحمه الله:”مايعول إلا على حسن الظن ،فأما التفريط فهو المستولي على الأبدان.ويقول أيضاً:”اليأس سبيل أعمالنا هذه،ولكن القلوب تحن إلى الرجاء”.

أما الرجاء في المغفرة مع عدم الخوف من الذنب والتمادي في المعصية فذلك سبيل المغرورين الذين خدعهم الشيطان بأمانيه وغروره،فأضحوا من الهالكين:{ولقد أرسلنَا إلى أُمَمٍ من قَبلِكَ فأخذنَاهُم بالبأساءِ والضَّرّاءِ لعلَّهُم يَتضرَّعون* فلولا إذ جاءَهُم بأسُنَا تَضرَّعوا ولَكِنْ قَستْ قُلوبُهُمْ وزَيَّنَ لهُمُ الشَّيطانُ ما كانُوا يعملون *فلمَّا نَسُوا ماذُكِّروا بهِ فَتحنا عَليهمْ أبوابَ كُلَ شيءٍ حتَّى إذا فَرِحُوا بما أُوتُوا أخذنَاهُم بغتةً فإذا هم مُبلسون}.[الأنعام 42 ـ 44].

2ـ الإيمان قول وعمل

يقول سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله:

“إن المؤمنين لما جاءتهم هذه الدعوة من الله صدقوا بها،وأفضى يقينها إلى قلوبهم ،خشعت لله قلوبهم وأبدانهم وأبصارهم ،كنت والله إذا رأيتهم رأيت قوماً كأنهم رأي عين ،والله ما كانوا بأهل جدل ولا باطل،ولكنهم جاءهم أمر من عند الله فصدقوا به،فنعتهم الله في القرآن أحسن نعت فقال:{وعِبادُ الرَّحمنِ الذينَ يَمشُونَ على الأرضِ هَوناً وإذا خَاطَبَهُمُ الجاهلونَ قالوا سلاماً}[الفرقان63]والهون:في كلام العرب:اللين والسكينة والوقار{والذينَ يَبيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وقياما* والذين يقولونَ رّبَّنا اصرِفْ عنَّا عذابَ جَهنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غراماً* إنَّها ساءتْ مُستقرَّاً ومُقاما}[الفرقان64 ـ 66],.صدق القوم والله الذي لا إله إلا هو فعملوا،وأنتم تتمنون،وإياكم وهذي الأماني رحمكم الله فإن الله لم يُعط عبداً بأمنيته خيراً في الدنيا والآخرة”.

والأماني (دائرة المعارف الإسلامية سفير)جمع أمنية،وتستعمل بمعنى الرغبة،والبُغية،والغرض،فهي انعكاس لحاجة الإنسان،سواءٌ توجهت إلى مقصد ممكن أو محال،من حيث حكم العقل أو العادة.ويقال:”أمانيٌّ”و”أمانٍ”.

يقول الدكتور حسن هويدي رحمه الله:

“والأماني بدون عمل صالح أي بدون الخضوع لمبدأ المقابلة(التكليف والجزاء،والثواب والعقاب،والجنة والنار)الذي فطر الله عليها الكون والذي يعني مبدأ العدالة لا تأتي بشيء:{ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يُجزَ به}[النساء 123]،وأساس البناء فهو لا ريب على أساس التقابل الذي يستمد وجوده من العدل الإلهي فلاثواب بلا عمل صالح(ورأسه الإيمان){أما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى}[الكهف88]ولاعذاب بلا معصية{ذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون}[السجدة14]،{مايفعل الله بعذابكم إن شكرتم وأمنتم}[النساء147]”.

ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص172):

“سألني بعضهم:أ ليس مصيرنا الجنة نحن المسلمين مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من قال لا إله إلا الله دخل الجنة”[رواه البخاري].فنظرت إليه وقدّرت المسافة بين عمله وأمله فوجدتها بعيدة بعيدة.ورأيتُ أنه لا يحفظ من الإسلام إلا ما يظنُّه عوناً على كسله.كالمتسول الذي تغيب عن ذهنه آيات القرآن كلها،فلا يعي منها إلا آية واحدة:{من جاء بالحسنة فلهُ عشرُ أمثالها}[الأنعام 160]،فهو يقرأ الآية ليستدرّ بها الأكفّ ويجمع المال.قلت:ألا تعرف من سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث وحده؟

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب ما رويت يقول:”لايدخل الجنة قتَّات”[رواه البخاري]ويقول:”لا يدخل الجنّة قاطع رحم”[رواه البخاري]ويقول:”لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كِبر”[رواه الترمذي]،ويقول:”ليس منّا من غشَّنا”[رواه مسلم]ويقول:”ليس منّا من لطم الخدود،وشقَّ الجيوب،ودعا بدعوى الجاهلية”[رواه الترمذي]،ويقول:”ليس منّا من خبَّب ـ أي أفسد ـ امرأة على زوجها“[رواه المنذري]،ويقول:”ليس منّا من لم يوقِّر كبيرنا،ويرحم صغيرنا،ويعرف لعالمنا حقه”[رواه الترمذي].

أفنسيت هذه السنن كلّها لأنها تدلك على ما ارتبط بعنقك من واجبات،ولم تعِ إلا ماحسبته حقاً لك وهو الجنة،فأنت تطلبه بلا ثمن؟!”.

ويقول الشيخ الغزالي رحمه الله أيضاً(عقيدة المسلم ص136):

“ومن الناس من وقع على نصوص لم يفهمها،وحاول أن يشغب بها على القواعد المقررة.

وكم تدور على ألسنة العامة أحاديث شتى.

مثل ما رواه أنس رضي الله عنه:أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال:”يا معاذ،قال:لبيك يا رسول الله وسعديك،ثلاثاً.قال:مامن أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صِدقاً من قلبه إلا حرّمهُ الله على النار.قال:يا رسول الله أفلا أُخبرُ به الناس فيستبشروا؟قال:إذن يتَّكلوا!”[رواه مسلم]

وأخبر بها مُعاذٌ عند موته تأثماً.

بهذا الحديث وأمثاله،تتعلق العامة في نقض بناء الإسلام وهدم أركانه والتهوين من خطر العمل وآثاره،وهو تعلق باطل مردود.

قال الحافظ المنذري:”ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال”لا إله إلا الله دخل الجنة،أو حرم على النار”أو نحو ذلك،ربما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد،فلما فرضت الفرائض،وحدت الحدود،نسخ ذلك.والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة.وإلى هذا ذهب الضحاك،والزهري،وسفيان الثوري وغيرهم.

وقالت طائفة أخرى:لا احتياج إلى ادعاء النسخ في ذلك.فإن كل ماهو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين وتتماته.فإذا أقر،ثم امتنع عن شيء من الفرائض جحداً أو تهاوناً ـ على تفصيل الخلاف فيه ـ حكمنا عليه بالكفر وعدم دخول الجنة.

والواقع أن ما أجمل في نص يفصّل في نص آخر.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:”أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة،فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم بحقِّ الإسلام،وحسابهم على الله”[متفق عليه]

فهذا الحديث أحصى أعمالاً لم تذكر في حديث النطق بالشهادتين،وهو تفسير لقول الله تعالى:{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدِّين}[التوبة11]،وقوله من قبل:{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم}[التوبة5].

إن النطق بالشهادتين بداية لما بعده من اعتقاد وعمل،لا ما تحسب الأبصار الكليلة،والهمم القاصرة من أن مجرد النطق فيه الكفاية والغناء.

ويتابع الغزالي رحمه الله:”وهناك ألوف مزقت المعاصي صلتهم بالله شر ممزق،وظلت أهواؤهم تجمح بهم بعيداً عن الله،حتى نسوا الله أتم نسيان.

فلو قارنت بين ضمائرهم وضمائر أهل الجاهلية الأولى.ما وجدت فارقاً بين جحود وجحود،وكنود وكنود!!

ألا إن هؤلاء نطقوا بكلمة التوحيد ولم يفهموها،وأولئك فهموها ولم ينطقوا بها”.

يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله:”يا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد عنه ليس في أعدائك أشدّ عليك منك”.

يقول محمود الوراق:

يا غافلاً ترنو بعيني راقدٍ              ومُشاهداً للأمرِ غيرَ مُشاهدِ

تَصِلُ الذنوبَ إلى الذنوبِ وترتجي    دَرَكَ الجنانِ وفوزَ العابدِ

ونسيتَ أن الله أخرجَ آدماً            منها إلى الدنيا بذنبٍ واحدِ

3ـ الدنيا دار ممر لامقر ودار فناء لابقاء

عن عبد الله بن الشّخّيرأنه قال:أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ:{أ لهاكم التكاثر*حتى زرتم المقابر}،قال:يقول ابن آدم: مالي!مالي!وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ،أولبستَ فأبليت،أوتصدّقت فأمضيت”.[رواه مسلم].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:”أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي،فقال:كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل،وكان ابن عمر يقول:”إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح،وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء.وخذ من صحتك لمرضك،ومن حياتك لموتك“[رواه البخاري]

وورد في السنة النبوية،قوله صلى الله عليه وسلم:”لو أن لابن آدم وادياً من مالٍ لتمنى واديين،ولو أن له واديين لتمنى ثالثاً”[رواه الإمام أحمد في مسنده].

يقول الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه:

“إن الله عز وجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة،ولم يعطكموها لتركنوا إليها،إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى،فلا تبطركم الفانية ولا تشغلكم عن الباقية،فآثروا ما يبقى على ما يفنى،فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله”.

وورد عن ضرار الصدائي في وصف الإمام علي كرم الله وجهه إذ يقول عنه أنه كان يستوحش من الدنيا وزخرفها،ويأنس بالليل ووحشته،ويقول عنه أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغابت نجومه واقفاً في محرابه ،قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم،ويبكي بكاء الحزين ويقول:”يا دنيا غُرّي غيري.إليَّ تعرضت،أم إليَّ تشوّقت،هيهات هيهات،قد باينتك ثلاثة لا رجعة فيها:فعمرك قصير،وحسابك يسير،وخطرك حقير.آه من قلّة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق”.

ويقول الإمام علي رضي الله عنه:”الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئاً فليصبر على مخالطة الكلاب”.

ويقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:”ارتحلت الدنيا مدبرة،وارتحلت الآخرة مقبلة،ولكل واحدة منها بنون،فكونوا من أبناء الآخرة،ولا تكونوا من أبناء الدنيا،فإن اليوم عمل ولا حساب،وغداً حسابٌ ولا عمل”[صحيح البخاري]

ويقول الإمام علي رضي الله عنه:”من كان يأمل أن يعيش غداً،فهو يأمل أن يعيش أبداً،ومن كان يأمل أن يعيش أبداً يقسو قلبه،ويرغب في دنياه،ويزهد فيما لدى ربه عز وجل(الكشكول للعاملي ج3 ص395]

ويقول الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

“إن لكل سفر زاد لامحالة،فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة،وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله من ثوابه وعقابه ترغبوا وترهبوا.ولا يطولن عليكم الأمل فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم،فإنه والله ما بسط أمل من لايدري لعلّه لا يصبح بعد مسائه،ولا يُمسي بعد صباحه،ولربما كانت بين ذلك خطفات المنايا،فكم رأيت ورأيتم من كان بالدنيا مغتراً وإنما تفرّ عين من وثق بالنجاة من عذاب الله،وإنما يفرح من أمن أهوال يوم القيامة،فأما من لايداوي كَلَماً إلا أصابه جرح في ناحية أخرى فأعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي،وتظهر عيبتي،وتبدو مسكنتي،في يوم يبدو فيه الغنى والفقر والموازين منصوبة،ولقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت،ولو عنيت به الجبال لذابت،ولو عنيت به الأرض لتشققت،أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة،وأنكم صائرون إلى إحداهما”.

يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:

“يا أخي!إن الدنيا دحض مزلة،ودار مذلة،وعمرانها إلى الخراب صائر،وساكنها للقبور زائر،شملها على الفرقة موقوف،وغناها إلى الفقر مصروف،الإكثار فيها إعسار،والإعسار فيها يسار،فافرغ إلى الله وارض برزق الله تعالى،ولا تستلف من دار بقائك في دار فنائك وإن عيشك فيء زائل وجدار مائل،وأكثر من عملك وأقصر من أملك”.

ويقول الشافعي أيضاً:”من غلبته شدّة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها”.

وسئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن الزهد في الدنيا فقال:”قصر الأمل،من إذا أصبح قال لا أمسي”.

وقال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:

“من تفكر في عواقب الدنيا أخذ الحذر،ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر.ما أعجب أمرك يا من يوقن بامر ثم ينساه ،ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه ،وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه.تغلبك نفسك على ماتظنّ،ولا تغلبها على ما تستيقن.أعجب العجائب سرورك بغرورك،وسهوك في لهوك عما قد خُبىء لك.تغترّ بصحتك وتنسى دنو السقم ،وتفرح بعافيتك غافلأً عن قرب الألم”.

ويقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله:

“وأما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد وهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين،علاجه ولا علاج له إلا الإيمان باليوم الآخر بما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب،ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا،فإنّ حبّ الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير.فإذا رأى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها وإن أعطي ملك الأرض من المشرق إلى المغرب،وكيف وليس عنده من الدنيا إلا قدر يسير،مكدر منغص،فكيف يفرح بها أو يترسخ في القلب حبها مع الإيمان بالآخرة”.

ويقول الحسن البصري رحمه الله:”لو رايت الأجل ومروره،لنسيت الأمل وغروره”.

وقال داود الطائي رحمه الله:”من خاف الوعيد قصر عليه البعيد،ومن طال أمله ضعف عمله،وكل ماهو آت قريب”.وقال:”واعلم يا أخي أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤوم،واعلم أن أهل الدنيا جميعاً من أهل القبور،إنما يفرحون بما يقدمون،ويندمون على ما يخلفون عليه أهل  القبور ندموا وعليه أهل الدنيا يقتتلون وفيه يتنافسون وعليه عند القضاة يختصمون”.

وقال داود الطائي يوصي عبد الله ابن إدريس:”أقلل معرفة الناس،وارض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين،كما رضي أهل الدنيا بالدنيا مع فساد الدين،واجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطر على الموت”.

وكتب يوسف بن أسباط إلى أخيه عبد الرحمن كتاباً جاء فيه:

سلام عليك….فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو.

أما بعد:فإني أحذرك من متحوّلك من دار مهلتك إلى دار إقامتك،وجزاء أعمالك،فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها،فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك،فإن يكن الله معك،فلا بأس ولا وحشة ولا فاقة،وإن يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياك من سوء مصرع،وضيق مضجع،ثم يتبعك صيحة الحشر ونفخ الصور،وقد قام الجبار بعد فصل القضاء للخلائق،فخلت الأرض من أهلها،والسماوات من سكانها،فبادرت الأسرار،وسُعرّت النار،ووُضعت الموازين،{وجِيءَ بالنَّبيينَ والشُّهداءِ وقُضيَ بينهُم بالحقِّ}[الزمر 69] فكم من مفتضح ومستور،وكم من هالك وناج،وكم من معذب ومرحوم،فياليت شعري:ما حالي وحالك يومئذٍ!!ففي هذا ماهزم اللذات،وسلا عن الشهوات،وقصر الأمل ،واستيقظ الباغون،وحذر الغافلون،أعاننا الله وإياك على هذا الخطر العظيم،وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعها بين قلوب المتقين،فإنما نحن به وله.خوف…وأمن”.

وقال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

“هل تعرفون السراب؟إن الذي يسلك الصحراء يراه من بعيد كأنه عين من الماء الزلال،فإذا كدّ الركاب وحثّ الصحاب،ليبلغه لم يلق إلا التراب.هذه هي ملذات الحياة إنها لا تلذ إلا من بعيد،يتمنى الفقير المال،يحسب أنه إذا  أعطي عشرة آلاف ليرة، فقد حيزت له الدنيا،فإذا أعطيها فصارت في يده لم يجد تلك اللذة التي كان يتصورها وطمع في مائة الألف،إنه يحس الفقر بها في يده كما يحس الفقر إليها يوم كانت يده خلاء منها،ولو أعطي المائة الألف لطلب المليون،ولو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى له ثانيا،ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب”.

وخطب أحدهم فقال:”أما بعد،فإن الدنيا دار ممر،والآخرة دار مقر،فخذوا من ممركم لمقركم ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم،وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم،ففيها حييتم،ولغيرها خُلقتم،اليوم عمل بلا حساب،وغداً حساب بلا عمل،إن

الرجل إذا هلك قال الناس:ما ترك؟وقالت الملائكة:ما قدّم ؟

يقول أبو العتاهية:

الله أصدقُ والآمالُ كاذبةٌ          وجُلُّ هذى المنى في القلب وَسواسُ

ويقول أبو تمام:

من كان مَرتعُ عزمهِ وهُمومهِ   رَوضَ الأماني لم يزلْ مهزولا

وقال أحدهم:

لا تمنَّ المنى فتغترَّ جهلاً           طالما اغترَّ بالمنى الجهلاء

وقال أحدهم:

كُلنا يأملُ مداً في الأجل              والمنايا هُنَّ آفاتُ الأمل 

وقال أحدهم:

ونستلذُّ الأماني وهيَ مُرديةٌ             كشاربِ السّمِّ ممزوجاً مع العسلِ

وقال أحدهم:

أيُّها السكرانُ بالآ                       مالِ قد حان الرحيلْ

ومَشيبُ الرأسِ والفو                  دين للموتِ دليلْ

فانتبهْ من رَقدةِ الغف                  لة فالعمرُ قليلْ

واطرح(سوف)و(حتى)                فهما داءٌ دخيلْ     

4 ـ تذكر الموت والاعتبار بالموتى وزيارة القبور

حديث شريف:”عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال:كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”[رواه البخاري]

عن أنس رضي الله عنه قال:خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خُطوطاً فقال:”هذا الأمل،وهذا أجله.فبينما هو كذلك إذ جاءه الخطُّ الأقرب”[رواه البخاري].

يقول الدكتور محمد الصباغ رحمه الله:

“هناك خطّان:خطٌّ بعيد وخطٌّ قريب.فبينما يعيش المرء في الآمال العريضة الواسعة يأتيه الخطُّ الأقرب أي الأجل.

وفي حديث آخر:قال بريدة:قال النبي صلى الله عليه وسلم:”هل تدرون ما مثل هذه وهذه؟ورمى بحصاتين.قالوا:الله ورسوله أعلم.قال :هذاك الأمل وهذاك الأجل“[رواه الترمذي].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً”.[رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم،ورواه مسلم وغيره]

وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم غرز بين يديه غرزاً ثم غرز إلى جنبه آخر،ثم غرز الثالث فابعده.ثم قال:هل تدرون ماهذا؟قالوا:الله ورسوله أعلم .قال:هذا الإنسان،وهذا أجله،وهذا أمله.يتعاطى الأمل يختلجه دون ذلك[رواه الإمام أحمد].

(أي:يحول الأجل بينه وبين الأمل)فبين أن الأجل قد يكون حائلاً دون الأمل.

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:”الموت أهون مما بعده وأشدّ مما قبله”.

دخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه المقابر فقال:”أما المنازل فقد سُكنت،وأما الأموال فقد قُسمت،وأما الأزواج فقد نُكحت ،هذا خبر ما عندنا فما خبر ماعندكم؟ثم قال:”والذي نفسي بيده لو أُذن لهم في الكلام لأخبروا أن خير الزاد التقوى(البيان والتبيين للجاحظ).

وعن هانىء مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه قال:”كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر يبكي حتى يبلّ لحيته،قال:فقيل له:تذكر الجنة والنار ولا تبكي،وتبكي على هذا؟فقال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”القبر أول منزل من منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه،وإن لم ينج منه فما بعده أشدّ منه.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه”.[رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني]

ويقول الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:”إن أجل الدنيا في أعناقكم،وجهنم أمامكم،وما ترون ذاهب،وما مضى فكأن لم يكن،وكلكم أموات عن قريب،وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق،وبعد فراغه وقد ذاق الموت والقوم حوله يقولون قد فرغ رحمه الله ،وعاينتم تعجيل خراجه وقسمة تراثه،ووجهه مفقود وذكره منسي،وبابه مهجور،وكأنه لم يخالط إخوان ولم يعمر الديار،فاتقوا هول يوم لاتحقر فيه مثقال ذرة في الموازين”.

ويقول أيضاً رضي الله عنه:”ألا ترون أنكم تجهزون كل يوم غادياً أو رائحاً إلى الله عز وجل تضعونه في صدع من الأرض وقد توّسد التراب،وخلّف الأحباب،وقطع الأسباب”.

ويقول أبو الدرداء رضي الله عنه:”إذا ذكرت الموتى فُعد نفسك كأحدهم”.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:”شرُّ العَذَل(أي الملامة والعتب) عند الموت،وشر الندامة يوم القيامة”.

يقول الحسن البصري رحمه الله:”من علم أن الموت مورده،والقيامة موعده،والوقوف بين يدي الله تعالى مشهده،فحقّه أن يطول في الدنيا حزنه”.

ويقول أيضاً:”ما بَعُدَ أملٌ إلا مُلَّ عمل”.

وقال داود الطائي:”يا ابن آدم ارتحلك الحرص فأنساك أجلك،ونصب لك أملك،ورب حريص محروم،وواجد مذموم”.

وقال الأحنف بن قيس:”كثرةُ الأماني من غرور الشيطان”.

ويقول حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله:

“اعلم أن المنهمك في الدنيا،المحبّ لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره،وإذا ذُكّر به كرهه ونفر منه،أولئك هم الذين قال الله فيهم:{قُلْ إنَّ الموتَ الذي تَفِرُّونَ منهُ فإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالمِ الغيبِ والشَّهادةِ فَيُنبئكُم بما كُنتم تعملون}.[الجمعة 8].

ويقول الغزالي أيضاً رحمه الله:

“وعلاج تقدير الموت في القلب مثل النظر إلى من مات من الأقران والأمثال،وأنهم كيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوا،أما من كان مستعداً فقد فاز فوزاً عظيماً،وأما من كان مغروراً بطول الأمل فقد خسر خسراناً مبيناً،فلينظر الإنسان كل ساعة في أطرافه وأعضائه وليتدبر كيف تأكلها الديدان لا محالة،وكيف تتفتت عظامها،وليتفكر فما على بدنه شيء إلا وهو طعمة الدود،وماله من نفسه إلا العلم والعمل الخالص لوجه الله تعالى”.

ويقول الغزالي أيضاً:

“إن الموت هائل وخطره عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له،ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا فلا ينجع ذكر الموت في قلبه،فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه،كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة أو يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه،فإذا باشر ذكر الموت قلبه فيوشك أن يؤثر فيه وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا،وينكسر قلبه،وأنجع طريق فيه أن يكثر ذكر أشكاله وأترابه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب،ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم،ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم ،وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم،وكيف ضيعوا أموالهم،وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم وانقطعت أثارهم،فمهما تذكر رجل رجلاً وفصل في قلبه حاله وكيفية موته وتوهم صورته وتذكر نشاطه وتردده للعيش والبقاء ونسيانه للموت،وانخداعه بمواتاة الأسباب وركونه إلى القدرة والشباب،وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع”.

يقول أبو حازم:”الدنيا غرّت أقواماً فعملوا فيها بغير الحق،فلما جاءهم الموت خلّفوا مالهم لمن لايحمدهم،وصاروا إلى من لا يعذرهم”.

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله:

“ونحن لا نعرف من الموت إلا ظاهره دون حقيقته،نراه عدما،ونندب القريب والحبيب إن وضعناه في حفرة باردة،وخلّفناه وحيداً،تأكله الدود،وليس حبيبك الذي أودعته الحفرة ولكن جسده،والجسد ثوب يخلع بالموت،كما تخلع الحية ثوبها،فهل يبكي أحد على ثوب خلع،وما الموت إلا انتقال إلى حياة أرحب وأوسع ،إلى النعيم الدائم أو الشقاء الطويل،ولو كان الموت فناء لكان نعمة

ولو أنا إذا متنا تركنا                لكان الموت راحة كل حيّ

ولكنا إذا متنا بُعثنا                  ونُسأل بعدها عن كل شيء

فإذا كان الموت سفرة لابدّ منها فالعاقل من تهيأ لها،وأعدّ لها الزاد والراحة،وذكرها دائماً كيلا ينساها،ونظر في كل شيء،فإن كان مما يستطيع أن يحمله فيها حرص عليه،وإن كان مجبراً على تركه وراءه زهد فيه وانصرف”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي أيضاً:

“الإنسان ينسى الموت ولكن المؤمن يذكره دائماً،ويكون أبداً على استعداد لاستقباله ،يستعد بالتوبة والاستغفار وردّ الحقوق،كلما أصبح وكلما أمسى حاسب نفسه،فشكر الله عما وفقه إليه من خير،واستغفره مما وقع منه من شر،يذكر الآخرة ويخاف يوماً تتقلّب فيه الوجوه والأبصار،يخشى ما بعد الموت من العذاب ويرجو مابعده من المكافأة ويستعين على ذلك بالصبر والصلة وفعل الخير ابتغاء رضى الله واحتساباً لما عنده”.

ويقول أيضاً رحمه الله:

“والموت أبداً،أبعد شيء في أفكارنا عنا،وإن كان أقرب شيء في حقيقته منا،نتناساه وهو عن أيماننا وشمائلنا،نُشيّعُ الجنائز،ونمشي معها ونحن في غفلة عنها،نتكلم كلام الدنيا ونرى مواكب الأموات تمر بنا كل يوم فلا نفكر ولا نعتبر ولا نقدّر أننا سنموت كما ماتوا،ومات من كان اصحَّ منا صحّة،وكان أشدّ منا قوّة،وأكبر سلطاناً،وأكثر أعواناً،فما دفعت عنه الموت لما جاءه صحبه ولا قوته،ولا حماه منه سلطانه ولا أعوانه،نعرف بعقولنا أن الموت كاس سيشرب منها كل حي،لكننا ننسى هذه الحقيقة بشعورنا وعواطفنا وتحجبها عنا شواغل يومنا،وتوافه دنيانا،يقول كل واحد بلسانه:إن الموت حق وأنه مقدّر على كل حي،ويقول بعقله:لن أموت،لقد كتب الموت على كل نفس إلا نفسي،فلا يزال في العمر فسحة لي دائماً،ولن يأتي أجلي أبداً”.

ويقول الإمام الحسن البصري:

“إنكم أصبحتم في أجل منقوص،وعمل محفوظ،والموت في رقابكم والنار بين أيديكم،وما ترون والله ذاهب فتوقفوا قضاء الله في كل يوم وليلة ولينظر امرؤ ماقدّم لنفسه”.

وقيل للحسن البصري:ما بالنا نحب الحياة ونكره الموت؟فقال:لأنكم عمرتم دنياكم بخراب آخرتكم،فأنتم تكرهون الانتقال من العمران إلى الخراب”.

يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر:”

“لقد أراك مصرع غيرك مصرعك،وأبدى مضجع سواك  ـ قبل الممات ـ مضجعك ـ وقد شغلك نيل لذاتك عن ذكر خراب ذاتك:

كأنّك لم تسمع بأخبار من مضى        ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر

فإن كنت لاتدري فتلك ديارهم          محاها مجال الريح بعدك والقبر

وكم رأيت صاحب منزل مانزل لحده حتى نزل!

وكم شاهدت والي قصر وليّه عدّوه لما عزل!

فيامن كل لحظة إلى هذا يسري،وفعله فعل من لا يفهم ولا يدري

وكيف تنام العين وهي قريرة؟         ولم تدر من أي المحلين تنزل؟

قال داود الطائي سألت عطوان بن عمرو التميمي عن قصر الأمل،فقال:مابين تردد النفس.فحدّثت بذلك الفضيل بن عياض،فبكى وقال:يقول:يتنفس،فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه،لقد كان عطوان من الموت على حذر”.

قال لقمان الحكيم لابنه:

“يا بني خذ عني هذه الخصال الثماني:الأولى إذا كنت بين الصلاة فاحفظ قلبك،والثانية إذا كنت بين الناس فاحفظ لسانك،والثالثة إذا كنت بين النعمة فاحفظ خلقك،والرابعة إذا كنت في دار الغير فاحفظ عينك،وأما الأربعة الأخيرة:فكن ذاكراً أبداً لشيئين:الخالق والموت،وكن ناسياً أبداً لشيئين:إحسانك في حق الغير،وإساءة الغير في حقك”.

وقال أحدهم:”من رأى الموت بعين أمله وجده بعيداً،ومن رآه بعين عقله وجده قريباً”.

وقال أحدهم:”الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا”.

5 ـ القرابة والنسب لاتفيد إذا لم يقترن بها العمل الصالح:

سمع الحسن البصري رحمه الله رجلاً يقول:المرء مع من أحب يوم القيامة.فقال له:لا يغرنك يا أخي هذا القول فإنك لن تلحق بالأبرار حتى تعمل بأعمالهم،فإن اليهود والنصارى يحبون أنبياءهم وليسوا معهم في الجنة لتخلفهم عنهم في الأعمال ومخالفتهم لهم.واعجباً من قوم أُمروا بالزاد ونودوا بالرحيل وهم جلوس يضحكون فإن من كان الليل والنهار مطيته فهو يُسار به ولا يشعر”.

ويقول سيد قطب رحمه الله:

“وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد،إنما هو الإسلام والإحسان لا الإسم والعنوان.فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك،بين العقيدة والعمل،بين الإيمان القلبي والإحسان العملي،بذلك تستحيل العقيدة منهجاً للحياة كلها”.

ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{قُلْ إن كُنتُم تُحبُّونَ الله فاتَّبعوني يُحبِبكُمُ اللهُ ويغفرْ لكُم ذُنُوبَكُم والله غفورٌ رحيمٌ*قُلْ أطيعُوا اللهَ والرَّسُولَ فإن تولَّوا فإنَّ اللهَ لايُحِبُّ الكافرينَ}[آل عمران 31 ـ 32].

يقول:”إن حبّ الله ليس دعوى باللسان ولا هياماً بالوجدان إلا أن يصاحبه اتباع كامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة،وإن الإيمان ليست كلمات تقال ولا مشاعر تجيش ولا شعائر تقام،ولكنه طاعة لله وللرسول وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول صلى الله عليه وسلم.

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله عن الآية الأولى:هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله.كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد”.[رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها].

ومن كلام ذي النون المصري:”من علامات المحب لله متابعة حبيب الله في أخلاقه وأفعاله وأمره وسننه”.

وجاء في مجلة المنار العدد130:

“غرّ أمة ممن كان قبلنا دينهم،فحسبوا أن انتسابهم إليه هو كافلهم وضمينهم،وناصرهم ومعينهم،فقصّروا في الأعمال،واستبدلوا النقص بالكمال،فحلّ بهم الخزي والنكال،وما أغنى عنهم الانتساب إلى الأنبياء،والاعتماد على الأصفياء،والاستمداد من الأولياء،ولا أفادهم قولهم نحن شعب الله،الذي فضله على العالمين واصطفاه،وحملة كتابه التوراة:{ألم ترَ إلى الذين أُوتُوا نصيباً من الكتابِ يُدعونَ إلى كتابِ الله لِيَحكُمَ بينهُم ثُمَّ يَتولَّى فريقٌ منهُم وهُم مُعرضون*ذلكَ بأنَّهُم قالوا لَن تمَسَّنا النَّارُ إلا أيَّاماً مَعدوداتٍ وغَرّهُم في دِينهم ما كانُوا يفترون}[آل عمران 23 ـ 24].

الغرور في الدين،هو الجرثومة التي تولدت منها جميع أمراض المسلمين،كما حلّ بمن كان قبلهم،وحذروا أن يكونوا مثلهم،فقد جاء في الحديث المتفق على صحته:”لتتبعنَّ سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع”والمسلمون يعترفون بهذا إجمالاً ولكنهم ينكرونه عند التفصيل.

تولدت جراثيم هذا الغرور بالدين في العصر الأول عندما فتح المسلمون البلاد،ودوخوا العباد،وجلسوا على كرسي السيادة،وضموا عليهم قطري السعادة،فحسبوا أنهم غمروا بهذا الأنعام،لمجرد انتسابهم للإسلام،ثم دلهم القياس الفاسد على أن هذا اللقب(المسلمون)يعطيهم سعادة الآخرة كما أعطاهم سعادة الدنيا وكان لهم من الأحاديث الموضوعة وسوء فهم الصحيحة ما يؤيد القياس،ويمد الوهم والالتباس،فقصروا فيما أمرهم الدين من الإصلاح للدنيا،كما قصروا في عمل الصلاح للأخرى،فأخذهم العذاب من حيث لا يشعرون:{وما كانَ رَبُّكَ لِيُهلِكَ القُرى بِظُلمٍ وأهلُها مُصلحون}[هود 117].

وياليتهم إذا عذبوا بسلب سعادة الدنيا رجعوا إلى قياسهم وخافوا أن يحرموا سعادة الآخرة أيضاً إذا هم استرسلوا في هذا الغرور،ولم يخرجوا من هذا الديجور،ثم رجعوا إلى أنفسهم،وبحثوا عن اسباب سعادة سلفهم،وتبينوا أنها الأعمال،لا الأماني والآمال،ثم استنوا بسنتهم،واستقاموا على طريقتهم،ولم يتكلوا على شفاعتهم،ويجعلوها مناط سعادتهم،واعتبروا بقول خليل الرحمن،عليه الصلاة والسلام إذ قال لأبيه:{لأستغفرنَّ لكَ وما أملِكُ لكَ من الله من شيءٍ}[الممتحنة 4]وبما كان من حرص النبي صلى الله عليه وسلم من إيمان عمه أبي طالب.نعم وإن اعتقاد الخلف أنهم يسعدون في الدنيا بإمداد سلفهم تكذيب للحس والعيان،واعتقاد أنهم ينجون في الآخرة إعراض عن القرآن والسنة،فالاحتجاج بعد هذا بقول فلان وورد فلان جنون:{أمْ حَسِبَ الذين اجترَحُوا السيئاتِ أن نَّجعلَهُم كالذين آمنوا وعَملوا الصالحاتِ سَواءً مَّحياهُم ومَماتُهُم ساءَ ما يحكمون}.[الجاثية 21].

فعلمنا مما تقدم أن أمراض المسلمين الاجتماعية التي جعلتهم وراء الأمم كلها حتى التي كانوا يسودونها ترجع إلى داء واحد وهو الغرور في دينهم وفهمه على غير وجه،وأن شفاء هذا الداء ليس بمحال ولا متعذر وإنما المتعذر إصلاحهم مع بقائه وأن الدواء الذي يذهب به هو السير بالتربية والتعليم على سنن الكون وأصول الأجتماع وإقناعهم بأن ارتقاء المسلمين بدينهم في القرون الأولى لم يكن لسر خفي في الدين ،ولا لحب الله تعالى لذوات الذين تسموا بالمسلمين ،لأن الله منزه عن عشق الذوات والأعيان،وأفعاله لا تعلل بالأغراض كأفعال الإنسان،وإنما ارتقوا به لأنه أرشدهم إلى سنن الارتقاء،وهداهم إلى الصفات والأفعال التي بها السمو والاعتلاء”.

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد:

“ومن تأمل في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له بالشهادة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك وأنه ليس بمجرد المعرفة ولا المعرفة والإقرار فقط،بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهره وباطنه”.

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله(مشاهد يوم القيامة ص121):

“امرأة نوح وهو نبي وامرأة لوط وهو نبي…تأمل قول الحق سبحانه وتعالى:{ضربَ الله مثلاً امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ كانتا تحتَ عبدينِ من عبادِنا صالحينِ فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً وقيلَ ادخُلا النَّارَ مع الدَّاخلين}[التحريم10].

هذه قصة امرأتين كانتا في بيتي نبوة..زولكنهما كفرتا بالله،وارتكبتا الآثام،فكان مصيرهما إلى النار…ولم يشفع لهما أنهما كانتا زوجتي نبيين…لأن أهل الأنبياء هم المؤمنون الذين آمنوا بهم وصدقوا بالرسالة وعملوا بها.

فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى ابن نوح،وقد رفض أن يؤمن،وأصرّ على الكفر،فلم يغن عنه أنه ابن رسول ونبي…وعندما أراد نوح أن يستغفر الله لابنه وقال”{رَبِّ إنَّ ابني من أهلي}[هود 45]،رد الله سبحانه وتعالى عليه:{إنه ليسَ من أهلك إنه عملٌ غيرُ صالح}[هود46]

وإبراهيم حين أراد أن يشفع لعمه آزر:{وما كانَ استغفارُ إبراهيمَ لابيه إلّا عن موعدةٍ وعدها إياهُ فلمَّا تبيَّنَ له أنّهُ عدوٌّ لله تبرأَ منهُ إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حليم}التوبة 114].

وهكذا نرى أن الحق سبحانه وتعالى قد أعطانا أمثلة في القرآن الكريم تؤكد لنا أن الإنسان لا يحمل يوم القيامة إلا ما ارتكب من أوزار أو من معاص…وأن كل إنسان يحاسب على عمله…وأن أي نفس لا تحمل إثم أو ذنب أو عقوبة ذنب اقترفته نفس أخرى..”.

وجاء في البيان والتبيين للجاحظ:روى سعيد بن بشير عن أبيه أن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي قال حين ثَقل وقد رأى غسالاً يلوي ثوباً بيده،وددت لو كنت غسالاً لا أعيش إلا مما أكتسب يوماً بيوم”.فذكر ذلك لأبي حازم فقال:”الحمد لله الذي جعلهم يتمنون ما نحن فيه ولا نتمنى عند الموت ماهم فيه”.

6 ـ المبادرة بالأعمال الصالحات واغتنام الفرص:

{سابقوا إلى مغفرةٍ من رَبّكم وجنّةٍ عرضُها كَعرضِ السّماءِ والأرضِ أُعِدَّت للذينَ آمنوا بالله ورُسُلهِ}[الحديد 21]

{وسارعوا إلى مفغرةٍ من رَبِّكم وجنّةٍ عرضها السّمواتُ والأرضُ أُعدّت للمتقينَ}{آل عمران 133]

حديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:”إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح،وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء،وخذ من صحتك لمرضك،ومن حياتك لموتك“[رواه البخاري والترمذي].

اغتنم خمساً قبل خمس:حياتك قبل موتك،وصحتك قبل سقمك،وفراغك قبل شُغلك،وشبابك قبل هرمك،وغناك قبل فقرك”[حديث صحيح رواه أحمد والحاكم والبيهقي وأبو نعيم]

بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم،يصبح الرجل مؤمناً ويُمسي كافراً،ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل”[رواه مسلم]

“بادروا بالأعمال سبعاً:هل تنتظرون إلا فقراً منسياً،أو غنى مطغيا،أو مرضاً مفسدا،أو هرماً مفندا،أو موتاً مجهزا،أو الدجال فشرُّ غائب ينتظر،أو الساعة فالساعة أدهى وأمر”[رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

جاء في شرح كتاب رياض الصالحين(باب ذكر الموت وقصر الأمل:

“هل تنتظرون إلا فقراً مُنسيا:لأن الإنسان غذا افتقر فقراً شديداً فإن هذا الفقر يُنسيه،يشتغل قلبه بلقمة العيش أين يجدها،فلا يتمكن من كثير من الأعمال،بل لا يتنكن من كثير من لذاته،لأنه مشغول بتوفير شيء يسد جوعته.فالإنسان الذي يتطلب لقمة العيش،ومشغول البال كيف يوفرها أنت لاتجد قلبه فيه محل للمعالي والمطالب في كثير من الأحيان،لأنه مشغول بما يقيم صلبه،بما يبقيه،بما يقيم عيشه.

أو غنىً مطغياً:فإن الغنى مظنة للطغيان،كما قال الله عز وجل:{كلا إنَّ الإنسان ليطغى *أن رآه استغنى}[العلق 6 ـ 7]،فهذه طبيعة في الإنسان إلا من عصمه الله عز وجل وأعانه على نفسه وقليل ما هم،ولذلك تجد في كثير من الحالات أن الغنى يحمل صاحبه على شيء من الفسق والبطر،والتضييع،والتفريط في حقوق الله عز وجل بل والتعالي على الخلق.

أو مرضاً مفسدا:مرض يفسد الأعضاء،يصيبه بالشلل،يقعده على الفراش،فلا يستطيع أن يحج أو يعتمر، أو يقوم الليل،أو يصوم النهار…وحتى صيام رمضان قد لايتمكن منه،وقد يمنعه الأطباء من ذلك.

أو هرماً مُفندا:أي أن يصل الإنسان إلى مرحلة متقدمة في العمر ويحصل عنده شيء من الخلل في عقله،فيفند رأيه،بمعنى:أن هذا الإنسان لا يعتد برأيه،ولا بعقله،ولا بتفكيره،ولا بنظره في الامور.

أو موتاً مجهزا:وهو الموت السريع،حيث تجد الناس في غاية القوة،والنشاط والفتوة،والشباب وبلحظات  قد تكون أقل من الدقائق يموت ويتحول إلى أشلاء.

أو الدجال،فشر غائب ينتظر:يمكن مراجعة ذلك في أحدايث الفتن.

أو الساعة،والساعة أدهى وأمر:يقول تعالى:{يومَ ترونها تذهلُ كلُّ مُرضعةٍ عمّا أرضعت وتضعُ كلُّ ذاتِ حَملٍ حَملها وترى الناس سُكارى وما هم بِسكارى ولكنّ عذابَ الله شديدٌ}[الحج2].

الإمام علي رضي الله عنه:”من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات،ومن أشفق من النار انتهى عن الشهوات،ومن تيقن بالموت انهدمت عليه اللذات،ومن عرف الدنيا هانت عليه المصيبات”.

وقال أيضاً:”من أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله ولم يضره أمله”.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله(نظرات قرآنية في الإنسان والدعوة ـ الأخذ بالأسباب واغتنام الفرص):

“فإلى الذين يعانون  من بعض ماذكرنا وهم ما زالوا في فسحة من الوقت تمكّنهم من علاجه نسوق هذا الحديث لعل الله ينير بصائرهم،ويفتح مغاليق قلوبهم،ويرقق نفوسهم فيرعوون ويرتدعون،وينصاعون ويَنصحون،ويحسنون التصرف ويحزمون…إن عليهم ألا يدعوا الفرصة تفوتهم،فيضيعوا بأيديهم سعادة الدنيا والفوز يوم القيامة…فربما لا تعود الفرصة مرة أخرى”.

ويقول الأستاذ عبد الله الخياط:

“إن المسلم لئن صارعته في عنفوان شبابه الشهوات والصبوات،وكان له مع الشيطان مغامرات وجولات،فإن له في بقية المرحلة فسحة،فعهد الصبوات والشهوات المحرمة يجب أن لا يدوم طويلاً،بل يجب أن يراجع نفسه،ويتوب إلى ربه ويرجع عن غيّه إلى صوابه،سيما إذا أشرف على الكهولة وما بعدها،فإن المعصية منه حينئذ تكون اشد قبحاً وفظاعة،لضعف الدافع إليها.ومن بلغ الستين فقد أعذر الله إليه كما صحّ بذلك الحديث،أعذر الله إليه حيث مدّ له في الأجل،وأقام عليه الحجة بذلك،وترك له الفرحة للتوبة والإنابة فلم يبق له أن يعتذر بضيق الأجل لتدارك مافاته بحسن العمل.يقول تعالى في مصير الظالمين حين يأخذهم بالعذاب بعد إقامة الحجة:{أوَلَم نُعَمِّرْكُم ما يَتذكَّرُ فيهِ من تَذكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذيرُ فذُوقُوا فَما للظَّالمينَ من نَصيرٍ}[فاطر 37].أي أو ما عشتم في الدنيا أعماراً لو كنتم ممن ينتفع،فأخرسهم بإقامة الحجة ولزمهم العذاب،وكذلك كل مجترىء على معصية الله لم ينتفع بالفسحة له في الاجل،ولم يغتنم الفرصة لإحسان العمل،فإن مؤاخذته على التفريط والجرأة على معصية الله أشد وأغلظ لأن الله قد أعذر إليه.جاء في الحديث الشريف:”ثلاثة لا يُكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم،ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم:شيخٌ زانٍ،وملكٌ كذابٌ،وعائلٌ مستكبر”[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.