رمضان حزين يا أُمَّة الحقّ

 

رمضان حزين يا أُمَّة الحقّ

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلامضلَّ له، ومن يُضلل فلاهادي له، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:

ها نحن إزاء دورة جديدة من دورات الفلك، نستقبل شهر رمضان المبارك من جديد، شهر القرآن والجهاد، شهر الصيام والقيام، شهر الجود والعطاء، شهر المحبة والتسامح والإحسان، شهر الصحة والعافية.

ومن فضل الله علينا أن تأتينا مواسم تتلوها مواسم من الخير والبركات نتعرض فيها لنفحات من الله عزَّ وجلّ كما جاء في الحديث الشريف: ” ألا إنّ لربكم في دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها“.

يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله:

“ورمضان نفحة إلهية تهبُّ على العالم الأرضي في كل عام قمريّ مرّة،وصفحة سماوية تتجلّى على أهل الأرض فتجلو لهم من صفات الله عطفه وبرّه،ومن لطائف الإسلام حكمته وسرّه، فلينظر المسلمون أين حظّهم من تلك النفحة، وأين مكانهم في تلك الصفحة” .

لقد أظلَّكُم شهر الصيام والقيام، شهر العبادة والسيادة، شهر سمو الروح ونقاء العقيدة،شهر المغفرة والرحمة للمسلمين ولكل البشرية. جاء في حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في المسلمين في آخر يوم من شعبان فقال: “أيُّها الناس، قد أظلّكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً. من تقرّب فيه بخصلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه. وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يُزاد في رزق المؤمن فيه، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وأخره عتق من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لاغناء لكم عنهما. فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لاغناء لكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار” . [أخرجه ابن خزيمة في صحيحه].

وفي حديث آخر رواه الطبراني: “أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحطّ الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء. ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويُباهي بكم ملائكته، فأرُّوا الله من أنفسكم خيراً، فإنّ الشقي من حرم فيه رحمة الله عزّ وجلّ” .

هو أكرم وأعظم شهر عند المسلمين، وهو جدير بأن يتخذوا أيامه مواسم لعبادة الله، وشكر الله ، والبرّ بعباد الله، والتراحم والتعاطف والتعاون بينهم.

هو شهرٌ فضلّه الله على كل الشهور، وفيه ليلةٌ من خير الليالي، يؤجر فيه الصائم المحتسب أجراً لاحدَّ له .قال قتادة: “إن الله اصطفى صَفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رُسُلاً ومن الناس رُسُلاً، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحُرُم،واصطفى من الايام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعَظِّموا ماعظّم الله” .

فرضه الله تعالى في السنة الثانية من الهجرة، وقد صام النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنوات، لأنه فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتُوفي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي شهر رمضان قبل البعثة يخلو بنفسه في غار حراء ويتحنّث ـ أي يتعبّد ـ فيه قبل بعثته عليه أفضل الصلاة والسلام.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام رمضان ولياليه كحاله في غيره من الشهورمليئة بالطاعات والقربات، ويزيد فيها في هذا الشهر المبارك لأنه شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وقد كان رغم أنه قد غفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر أشدّ الأمة اجتهاداً في عبادة ربه وقيامه بحقه.

يقول الشيخ محي الدين الخطيب في مقال له بأحد أعداد مجلة الحديقة تحت عنوان” رمضان يتكلم” يقول رحمه الله:

“رمضان ضيف قديم من ضيوف الإسلام: شهد عصر السعادة، وفيه هبط الوحي بكلام ربّ العزّة على قلب الهادي الأعظم، فغيّر به وجهة التاريخ،ومازال هذا الضيف الكريم القديم يغادي المسلمين ويراوحهم شهراً كاملاً في كل عام، ليرى موضع الأمانة المحمدية من نفوسهم،وليراقب قيامهم عليها” .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبل هذا الشهر المبارك عند رؤية هلاله بالدعاء قائلاً: ” اللهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان  والسَّلامة والإسلام، رَبِّي وربُّك الله، هلالَ رُشدٍ وخير” . [رواه الترمذي وقال حديث حسن].

يقول الاستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله:

“وفي ترائي الهلال ووجوب الصوم لرؤيته معنى دقيق آخر، وهو ـ مع إثبات رؤية الهلال وإعلانها ـ إثبات الإرادة وإعلانها، كأنما انبعث أول الشعاع السماوي في التنبه الإنساني العام لفروض الرحمة والإنسانية والبر.وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهو عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الاسلوب العملي الذي يدّرب الصائم على أن يتمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته ويبقيه مصراً على الامتناع، متهيأ له بعزيمته، صابراً عليه بأخلاق الصبر، مزاولاً في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة، ترسخ لاتتغيرولاتتحول، ولاتعدو عليها عوادي الغريزة” .

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله :

“ونحن نردِّدُ الآن ماكان يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله عزَّ وجلَّ أن يُهلَّ هلالَ هذا الشهر المبارك على المسلمين أجمعين بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام،وأن يجعله لهم هلال رُشدٍ وخير،فقد فقدوا الأمن والسلامة، والحرية والكرامة، والبصيرة والرُّشد،وتشعَّبت بهمُ الأهواء، وتفرّقت بهمُ السبلُ، وضلَّ كثيرٌ منهم الطريق، وجَرَت دماؤهم، بأيديهم وأيدي غيرهم، وماتزال تجري، وصرخت فواجعهم ومواجعهم وماتزال تصرخُ وتصرخُ وتستغيثُ في كلِّ مكان من الأرض، فلابُدَّ لهمُ الآن من انتفاضةٍ حقيقيةٍ صادقة شاملة تردُّهم إلى الله عزّ وجلّ، وإلى منهج الله عزّ وجلّ، وتُخرجهم من هذه الحالة الزَّرية البائسة اليائسة، فتُحييهم بعد موت،وتجمعهم بعد فرقة، وتُقويّهم بعد ضعف،وتُعزُّهم بعد ذُلّ، وتتقدّم بهم بعد تخلف،وتضعهم على خريطة العالم كرَّة أخرى رادّة للحقِّ والعدل والهداية والخير.. وأين تكونُ بداية ذلك كلّه إن لم تكن في هذا الشهر المبارك:شهر رمضان الذي أنُزل فيه القرآن، وبدأت به مسيرة الإسلام الخالد العظيم؟!.

وجاء في الحديث الشريف الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا جاء رمضان: فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبوابُ النار، وصُفّدت الشياطين“، وفي رواية لمسلم” فُتّحت أبواب الرحمة، وغُلِّقت أبواب جهنم، وسُلسلت الشياطين” . وفي رواية لابن خزيمة في صحيحه: ” إذا كان أول ليلة من شهر رمضان: صُفدت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقت أبواب النار، فلم يُفتح منها باب، وفُتّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادي منادي: ياباغي الخير أقبل، وياباغي الشر أقصر. ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة”. [رواه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان وصححه الألباني].

وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً، وقد حضر رمضان: أتاكُمْ رمضانُ، شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأرُوا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حُرم فيه رحمة الله عز وجل”.[ رواه الطبراني في مسند الشاميين، وقال المنذري في الترغيب: رواه الطبراني ورواته ثقات].

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع القرضاوي محاضرات عامة: أتاكم رمضان):

“يُرغب النبي صلى الله عليه وسلم أمته في استقبال هذا الشهر الكريم بأفضل مايكون الاستقبال، كما يستقبل الإنسان ضيفه العزيز عليه، الحبيب إليه، الغائب عنه، كذلك يستقبل المؤمن رمضان… يستقبلون هذا الشهر المبارك كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم ورغب فيه” شهر بركة، يغشاكم الله فيه” أي يحوطكم برعايته وعنايته. ومن مظاهر هذه الرعاية والعناية أن ينزل فيه الرحمة، ويحط فيه الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء.تنزل رحمات الله في هذا الشهر، فيَغفر الذنوب، ويُكّفر السيئات،فرصة للمسلم يتطّهر فيها من أدرانه، ومن غفلات قلبه، ومن أرجاس حسّه، ومن هواجس نفسه، ومن آثار خطاياه، طوال أحد عشر شهراً مضت عليه.ويتابع الشيخ القرضاوي:

ـ فهو فرصة لتكفير الذنوب:والله سبحانه وتعالى، من فضله وكرمه، جعل للمسلم فرصة يومية، بالصلوات الخمس، يغتسل فيها كما يغتسل الإنسان في النهر الجاري، خمس مرات، فإذا بقي بعد ذلك من دّرَنه، تأتي فرصة أسبوعية، هي فرصة الجمعة، وصلاة الجمعة، ولقاء الجمعة، الذي جعله الله عيداً اسبوعياً للمسلمين، فإذا بقي بعد ذلك من أدرانه شيئ، تأتي الفرصة السنوية، الموسم الدوري، شهر رمضان، فيحطّ الله به الخطايا عن عباده، ويخرجهم من هذا الشهر طاهرين مطهّرين. يقول صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيماناً واحتساباً: غفر له ماتقدم من ذنبه” وقال صلى الله عليه وسلم” من قام رمضان إيماناً واحتساباً :غفر له ماتقدم من ذنبه“. وجاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم:”الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ مابينهن إذا اُجتنبت الكبائر” [رواه مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه].

ـ ودعوة الصائم فيه لاتُرّد:جاء في الحديث النبوي الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لاتُردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يُفطر،ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول: وعزتي، لأنصرنَّك ولو بعد حين”. [رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وصححه الألباني].وقال صلى الله عليه وسلم:“إن للصائم عند فطره دعوة لاتردّ” وكان عبد الله بن عمرو راوي هذا الحديث يجمع أولاده عند الإفطار ويدعو الله عز وجل وكان من دعائه أن يقول:اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شئ أن تغفر لي” رواه ابن ماجه والحاكم في المستدرك  والبيهقي.ويتابع الشيخ القرضاوي”يحط الله في هذا الشهر الخطايا، ويستجيب الدعاء، وينظر الله سبحانه وتعالى إلى تنافسنا في الخيرات ، وتسابقنا في الطاعات، فيباهي بعباده المؤمنين ملائكة السماوات، يقول: انظروا إلى عبادي كيف تركوا شهواتهم ولذائذهم، وكل مايرغبون فيه؟ تركوا ذلك من أجلي.يباهي الله بنا ملائكة السماوات فأرُوا الله من انفسكم خيرا، فإن الشقي من حُرم في هذا الشهر رحمة الله عز وجل.روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقد حضر رمضان: ” إن هذا الشهر قد حضركم، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم”. [رواه ابن ماجه والطبراني وقال الألباني حسن صحيح].

ويتابع الشيخ القرضاوي: “إن الذي يمر عليه رمضان وهو لازال غارقاً إلى أذنيه في شهواته، لازال سادراً في معاصيه، لازال مطموس البصيرة، محجوب القلب عن الله عز وجل، مُغلق الباب بينه وبين ربه، مثل هذا الإنسان المسكين، هيهات هيهات أن يُغفرله.. إذا لم يُغفر له في رمضان فمتى يُغفر له؟! لقد صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر يوماً فسمعه الصحابة يقول: ” آمين. آمين. أمين. فلما نزل، قالوا: يارسول الله إنك حين صعدت المنبر قلت: آمين. آمين. آمين. قال: ” إن جبريل أتاني فقال” من أدرك شهر رمضان ولم يُغفر له دخل النار، فأبعده الله، قل: آمين. فقلت: آمين“.[رواه أبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والطبراني عن أبي هريرة وصححه الألباني].وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: “رَغِمَ أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يُغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة” . [رواه أحمد والترمذي وابن حبان وصححه الألباني].

فيا خيبة هذا المحروم البائس، الذي دعا عليه أمين الوحي جبريل، وأمَنّ على دعائه محمد صلى الله عليه وسلم.انتهى كلام الشيخ القرضاوي.

ويقول الأديب الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 936 بتاريخ 11 حزيران عام 1951م):

“استقبل المسلمون في أقطار الأرض شهرهم العظيم رمضان. استقبلوه بعد أحد عشر شهراً قضوها في صراع المادة وجهاد العيش،تكدر فيها القلب، وتبلد الحس،وتلوث الضمير.فهو يجلو صدورهم بالذكر،ويطهر نفوسهم بالعبادة،ويزود قلوبهم من قوى الجمال والحق والخير بما يمسكها العام كله على فتنة الدنيا ومحنة الناس”.

ويقول الشاعر الكبير محمود حسن اسماعيل في استقبال شهر رمضان:

أضيفٌ أنت حلَّ على الأنام                           وأقسمَ أن يُحيّا بالصيام؟   

قطعتَ الدهرَ جواباً وفيّاً                              يعود مزاره في كلِّ عام

تُخيم لايحدّ حماك ركنٌ                               فكلِّ الأرض مهدٌ للخيام

نسختَ شعائر الضيفان، لمّا                         قنعتَ من الضيافة بالمقام

ورحتَ تسُنُّ للأجوادِ شرعاً                         من الإحساس عُلويّ النظام

بأنَ الجود حرمان وزهدٌ                            أعزُّ من الشرابِ أو الطعام

أشهرٌ أنت أم رُؤيا متابِ                            تألق طيفها مثل الشّهاب؟

تمرّغّ في ظلالك كلَّ عاصٍ                         وكلّّ مُرجَس دنس الإهاب

فأنت مُحيّرُ الآثام.. تجري                          فتلحقها بأحلام العذاب

تراك شفيع توبتها، فتخزى                       وتوأدُ تحت أجنحة الشباب!

وأنت منارةُ الغفران، يأوي                       إليك اليائسون من المتاب

وعند الله سُؤلكَ مُستجابٌ                         ولو حُمِلّت أوزارَ التراب

وقفتَ خطاكَ عند البائسينا                       فكنت لليلهم فلقاً مُبينا

تُساقُ إليك أمواجُ التحايا                        فتدفعها لباب المُعوزينا

فكم آهات محروم حداها                         إليك البؤس، فانقلبت رنينا

فأنت مُفزّعُ البخال، تجري                     خُطاكَ على حجارتهم معينا

وأنت مُلقنُ الأيدي نداها                      ومُكسبها التراحمَ والحنينا

يخافك كلَّ قارون شحيح                      فيخجل أن يردَّ السائلينا

ومنذ تهلَّ ترهبُكَ الذنوبُ                     وتختشع السرائرُ والقلوبُ

وتفزع أن تقابلك المعاصي                  فتُهرع، أو تُقنع، أو تذوبُ

ويُجفل أن يراك اخو هواها                  ولو قتلت مشاعرهُ العيوبُ

كأنك فارسُ الأيام، تبدو                      فيصعقها مُهنّدكَ الغضوبُ

كأنّ بكفك البيضاءُ سِرّاً                    من النجوى تكتمهُ الغيوبُ

تُجابهُ كلَّ غيّان عنيدٍ                       فيكتتمُ الغواية، أو يتوبُ

جعلت الناس في وقت المغيبِ            عبيد ندائك العاتي الرهيبِ

كم ارتقبوا الأذان كأنّ جُرحاً              يُعذبهم تلفتَ للطبيبِ

وأتلعت الرقاب بهم، فلاحوا               كركبانٍ على بلدٍ غريبِ

عُتاةُ الإنس، أنت نسخت منهم           تذللِ أوجهٍ، وضنى جُنوبِ

فيا من لقمةٍ وحفيفِ ماءٍ                 يقلبُ روحه فوق اللهيبِ

علام البغيُ والطغيان؟ إني               كفرتُ بمنطق الدنيا العجيب!

وهذا المُعجز العالي الرّخيمُ              أذانُ الله، والذكرُ الحكيمُ

تلاهُ في سكون الليل تالٍ                 فكاد لهولهِ تهوي النجومُ

نداء تفزعُ الأفلاكُ منهُ                  ويخشعُ في مساربه السّديمُ

على سمع الهداة يضوعُ عطراً          وتُقذفُ منه للغاوي رجومُ

أصاخ الكونُ مسحوراً إليه              وخرّ لبأسهِ الأزلُ القديمُ

تنزّل فوق صدرك من عُلاهُ           بشيرُ الوحي، والدّينُ القويمُ

ويقول الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(مجلة المنارالعدد 149):

فديتك زائراً في كلِّ عام               تحيي بالسلامة والسلام

وتُقبل كالغمام يفيضُ حيناً            ويبقي بعده أثر الغمام

وكم في الناس من كلفٍ مشوق      إليك وكم شجيٍّ مستهام

رمزتَ له بألحاظ الليالي             وقد عيَّ الزمان عن الكلام

فظل يعدُّ بعد يوم                      كما اعتادوا لأيام السقام

ومدَّ له رواقُ الليل ظلاً           ترفُّ عليه أجنحة الظلام    

فبات وملءُ عينيه منامٌ              لتنفض عنهما كسل المنام

ولم أرَ قبل حبك من حبيب        كفى العشاق لوعات الغرام

فلو تدري العوالم مادرينا         لحنّت للصلاة وللصيام

وما كلُّ الأنام ذوي عقول        إذا عدّثوا البهائم في الأنام

بني الإسلام هذا خير ضيف      وقد يغشى الكريم ذرى الكرام

يلمُّكمُ على خير السجايا         ويجمعكم على الهمم العظام

فشدُّوا فيه أيديكم بعزم            كما شدَّ الكميُّ على الحسام

وقوموا في لياليه الغوالي         فما عاجت عليكم للمقام

وكم نفر تغرهم الليالي             وما خلقوا ولاهيَ للدوام

وخلو عادة السفهاء عنكم           فتلك عوائد القوم اللئام

يحلون الحرام إذا أرادوا            وقد بان الحلالُ من الحرام

ومن روته مرضعة المعاصي        فقد جاءته أيامُ الفطام

ويقول الشاعر عبد الكريم الكرمي(أبو سلمى):

رمضان السّمح الكريم يد الله على العالمين عذب النمير

أنت من علم المساواة فالناس سواء في بردك المنشور

أنت وحدّتهم فلا فرق ما بين يتيم وبين ربِّ سرير

وقال الشاعر محمد الأسمر:

رعى الله شهر الصوم،أما نهارهُ        فعافٍ وأما ليلهُ فهو ساهرُ

وحيّا رجالاً حين لاح هلاله             مشت بينهم مشيّ النسيم البشائرُ

بطان ،إذا ما الشمس أرخت قناعها        خماص،إذا ما أقبلت وهي سافرُ

خضوعاً لمن فوق السماوات عرشهُ        ويعلمُ منهم ما تُكّنُ السرائرُ

هو الله،فاعبدهُ العبادة كلّها                   إذا راح يلهو بالعبادة فاجرُ

وعندما ننظر كيف كان السلف الصالح يستقبلون هذا الشهر العظيم، وننظر إلى ماحولنا ونشاهد كيف ينظر قسم كبير من الخلف المتخلف إلى هذا الشهر المبارك، فإننا نجد أن هناك بوناً شاسعاً واختلافاً صارخاً بين فهم كل منهما لحلول شهر رمضان .

يقول الشيخ محي الدين الخطيب رحمه الله(نفس المرجع السابق):

“سمعت رمضان يقول: إن فرق مابين مسلمي اليوم ومسلمي العصر الذي نزل به القرآن يرجع إلى أمر واحد قريب المدى، ولكن الوقوع في هذا الأمر يبعد مابين المسلم والإسلام إلى أقصى مدى. كان مسلمو عصر القرآن إذا اعتقدوا العقيدة: امتزجت بدمائهم،وجرت في دمائهم مع أنفاسهم، وكانت معيار تصرفاتهم في الغضب والرضا، والفاقة والغنى، والحرب والسلم، والعسر واليسر..إن الآية الواحدة من كتاب الله عزّ وجلّ كانت تكفي الواحد منهم لإنارة بصيرته وإيقاظه مما هو فيه،وتغير مجرى حياته تغييراً عملياً،فيخرج إلى قومه مبشراً بالهدى الذي ملأ قلبه، ولم يكن يبشر بما نعرفه من صنوف الجدل، ولابمانلقيه على منابر مساجدنا وجمعياتنا من خطب كثيرة ومحاضرات طويلة، بل كان يبشر بأخلاقه الكريمة ووفائه الصادق وسيرته المثلى وفضائله المحمدية..وأما الآن فتسمع من المسلم كلاماً كثيراً في محاسن الإسلام، وبراهين كثيرة على صحة الإسلام، وأخباراً كثيرة عن أمجاد الإسلام، ثم لاتلبث أن تراه يخون ذلك لمصلحة حقيرة من مصالح الدنيا، أو لدرجة وضيعة من درجات الجاه القذر،أو لرآسة ذليلة على عشرات قليلة من الناس يخدعهم بأنه يرشدهم إلى الله وهو لايبتغي منهم إلا أن ينعم بهم في دنياه.ويتابع رحمه الله” لقد ترك أهل الصدر الأول أمانة الإسلام بين أيدي الأجيال الآتية،فخلفهم عليها في هذا العصر خلف اتخذوا من هذه الأمانة صندوقاً لأمانة أخرى هي المصالح الذاتية، فأمانة الإسلام وسيلة إليها، وصندوق يراد منه حفظ تلك المصالح،فهم يحرصون على صندوق الدين مادامت فيه أمانة الدنيا، فإذانقلتها يد القوة من صندوق الدين إلى صندوق آخر من صناديق الشيطان، رمى القائمون على صندوق الدين هذا الصندوق في الفرن ليكون وقوداً، وعكفوا على أمانتهم الدنيوية في صندوقها الجديد مهما كان نوعه”.انتهى كلام الشيخ الخطيب.

نعم هناك فئة من الناس ولكنها وللأسف بالمقارنة مع الملياري مسلم الذين يعيشون على البسيطة في هذا الزمن من يرون في رمضان شهراً لتجديد الإيمان وتصفية النفس وشحذ الأخلاق وتهذيب العقيدة… ولكن الغالبية من الناس ـ وللأسف ـ من لايرى في هذا الشهر كما يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(مقالة أصناف الناس في رمضان):

“من لايرى فيه أكثر من حرمان لافائدة منه، وتقليد ديني لامبرر له،وقد تقدمت الحضارة وتطور الفكر الإنساني بحيث لايسيغ ـ في زعمه ـ هذه القيود الدينية الثقيلة، فهو عازم على الإفطار فيه ، مجاهر بذلك، مستهزئ من الصائمين، ساخر بعقولهم وتفكيرهم وسلوكهم.

“ومنهم من لايرى فيه إلا جوعاً لاتتحمله أعصاب معدته، وعطشاً لاتقوى عليه مجاري عروقه، فهو عازم على الإفطار، مستخف فيه بالناس، متظاهر بالصيام أمام من لايعرفه، مجاهر به أمام من لاينكر عليه.

“ومنهم من يرى في رمضان موسماً سنوياً للموائد الزاخرة بالطعام والشراب، وفرصة جميلة للسمر واللهو إلى بزوغ الفجر، والنوم العميق في النهار حتى غروب الشمس، فإن كان ذا عمل برِم بعمله،وإن كان ذا معاملة ساءت معاملته، وإن كان موظفاً ثقل عليه أداء واجبه”.انتهى كلام السباعي رحمه الله.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله:

“اما إذا كان في دنيا الإسلام من يستقبل رمضان بالوجه الكالح والصدر الضيق واللسان الطويل والغيظ الحانق فهم ثلاثة: الخمّار الرومي، والشيطان المُغوي، والمسلم المزيف.

“فالرومي صاحب القهوة أو الحان يستقبل في رمضان الكساد المحزن لأن القهوة في النهار يكثر فيها الجلوس ويقل الطلب، والحان في الليل تهجره الكئوس ويفارقه الطرب، ورمضان هو المسئول.

” والشيطان يستقبل في رمضان حصناً من الخير لايدخله الشر ولاتفتحه الرذيلة. فإذا حاول ابليس أن يدنو منه ردّه الذكر بالنهار. وصدّه القرآن بالليل فيظل كما يعتقد مصفداً بالأغلال مُقيّداً بالسلاسل حتى ينطلق من إساره في آخر يوم من أيام رمضان.

“والمسلم المزيف يجد في رمضان فطاماً لشهواته، ولجاماً لغرائزه، وقيداً لحريته،فهو يرميه بما يرميه به الأوربيون من قلة الإنتاج، وكثرة الإهلاك وشلّ الحركة، وقتل الصحة، فيشيح بوجهه عنه، ويتخذ لنفسه رمضان آخر رقيق الدين خفيف الظل باريسي الشمائل، يبيح النظرة الآثمة والكلمة العارية والأكلة الدسمة والكأس الدهاق والسيكار الغليظ. ولايكلفه إلا أن يجعل عشاءه من باب المجاملة عند الغروب وبعد طلقة المدفع” .

ويقول في مقال آخر(وحي الرسالة ج4 ص174):

“على أن هؤلاء الصوامين القوامين قد انقرضوا فلم يعد يستقبل رمضان منهم أحد.إنما يستقبله اليوم أقوام بعد عهدهم عن الإسلام الصحيح، فيستقبلونه لاباعتباره ركناً من أركان الدين الخمسة يقيم الدين من أقامه ويهدمه من هدمه،ولاباعتباره طهوراً للنفس ونوراً للقلب وجلاء للمشاعر،ولكنهم يستقبلونه باعتباره تقليداً من التقاليد الموروثة وعيداً من الأعياد المقررة، فيتمتعون فيه بنعيم العيش، ويتفننون في الطعام والشراب، ويتأنقون في الثياب والزينة،ويتدفقون في الأنس واللهو، ويسرفون على بطونهم بالأكل حتى تمرض، وعلى جيوبهم بالبذل حتى تفرغ، وينفقون على هذا الشهر وحده مايكاد يقرب من نفقة العام كله.وفي الإفراط في اللهو والأكل والنوم، تضيع حكمة الإسلام في الصوم”.

وهناك من يبدي امتعاضه من شهر الصوم الذي يمنع عنه اللذات والحرام،ويمنع عنه موبقات النفس وما اعتاد عليه من فساد وإفساد فيعلنها صريحةً واضحة لا أهلاً بك ياشهر الصيام،وهؤلاء نحيلهم إلى ربِّ العالمين.ومن هؤلاء :

قال شوقي غفر الله له:

رمضانُ ولّى هاتها يا ساقي                               مشتاقةً تسعى إلى مشتاقِ

البحتري:

فتروَّ من شعبان!إنَّ وراءهُ                              شهراً يُمانعنا الرحيقَ السّلسلا

وشاعر المجون والفسق أبو نواس قبل أن يعلن توبته آخر حياته:

وإني بشهر الصوم إذ بان شامتٌ                           وإنك يا شوالُ لي لصديقُ

وقال أيضا:

ولّى الصيام وجاء الفِطر بالفرجِ                          وأبدتِ  الكأس ألواناً من الملحِ

نعم هناك فرق كبير مابين السلف الصالح وكثير من الخلف المتخلف في رؤيتهم لشهر الصيام ومافيه من حكم وعبر وأحكام:

أولاًـ إن شهر رمضان هو شهر نزول القرآن الكريم،في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، حيث أنزل القرآن الكريم من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وجعله الله في بيت العزّة، ثم نزل به جبريل عليه السلام على قلب الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وسلم منجماً على حسب الوقائع والمناسبات على فترة 23 سنة .

يقول الاستاذ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد217):

“أما معنى إنزال القرآن في رمضان مع أن المعروف باليقين أن القرآن نزل منجماً متفرقاً في مدة البعثة كلها فهو أن ابتداء نزوله كان في رمضان وذلك في ليلة منه سميت ليلة القدرأي الشرف والليلة المباركة كما في آيات أخرى وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه على أن لفظ القرآن يطلق على هذا الكتاب كله ويطلق على بعضه.وقد ظن الذين تصدوا للتفسير منذ عصر الرواية أن الآية مشكلة ورووا في حلها أن القرآن نزل في ليلة القدر من رمضان إلى سماء الدنيا وكان في اللوح المحفوظ فوق سبع سماوات ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم منجماً بالتدريج وظاهر قولهم هذا أنه لم ينزل على النبي في رمضان خلافاً لظاهر الآيات ولا تظهر المنة علينا ولا الحكمة في جعل رمضان شهر الصوم على قولهم هذا لأن وجود القرآن في سماء الدنيا كوجوده في غيرها من السماوات أو اللوح المحفوظ من حيث أنه لم يكن هداية لنا ولاتظهر لنا فائدة في هذا الإنزال ولا في الإخبار به إلا زادوا على هذا روايات في كون جميع الكتب السماوية أنزلت في رمضان كما قالوا أن الأمم السابقة كلفت بصيام رمضان ،قال الأستاذ محمد عبده ولم يصح من هذه الأقوال والروايات شئ وإنما هي حواشي أضافوها لتعظيم رمضان ولا حاجة لنا بها إذ يكفينا أن الله تعالى أنزل فيه هدايتنا وجعله من شعائر ديننا ومواسم عبادتنا، ولم يقل تعالى أنه أنزل القرآن جملة واحدة في رمضان ولا أنه أنزله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا بل قال بعد إنزاله{هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} فهو محفوظ في لوح بعد نزوله قطعاً.وأما اللوح المحفوظ الذي ذكروا أنه فوق السماوات السبع وأن مساحته كذا وأنه كتب في كل ماعلم الله تعالى  فلاذكر له في القرآن،على أن اللوح المحفوظ الذي يذكرونه من عالم الغيب فالإيمان به إيمان بالغيب يجب أن يوقف فيه عند النصوص الثابتة بلا زيادة ولانقص ولاتفصيل وليس عندنا في هذا المقام نص يجب الإيمان به، ومن خصه الله بشئ من علم الغيب التفصيلي فذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم”.انتهى كلام المنار.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 936):

“كان نزول القرآن في رمضان فرقاناً بين عهدين متغايرين:عهد ذل فيه الإنسان حتى عبد الحجر، وضل فيه العقل حتى استحب العمى،وفجر فيه الطغيان حتى أنكر الإنسانية،وعهد تدارك الله فيه عباده بلطفه، فهدى بنور دينه ضلال الفكر، وأقام بدستور شرعه ميزان العدل،ورفع سلطان خلافته معنى الإحسان |.

إن نزول القرآن الكريم هو الحادث الأكبر الذي غيّر مجرى التاريخ العالمي، ورفع الإنسانية من الحضيض إلى أعلى درجات السمو والسناء.

 أنزله الله هدى للناس، ورحمة وشفاء للمؤمنين، وأنزله الله روحاً يُحيي، ونوراً يهدي، وصراطاً مستقيماً للسالكين، وهو أي القرآن الكريم الغيث العميم الذي أحيا الله به موات العقول والنفوس بعد جدب شديد، وهو النور الذي أضاء الله به الوجود بعد الظلام المديد، يقول تعالى: {شهرُ رمضانَ الذي أُنزلَ فيه القرآنُ هدىً للناسِ وبيناتٍ من الهدى والفُرقان} [البقرة 185]،ويقول تعالى : {وكذلكَ أوحينا إليكَ رُوحاً من أمرنا ماكنتَ تدري مالكتابُ ولا الإيمان ولكن جعلناهُ نوراً نهدي به من نشاءُ من عبادِنا وإنّكَ لتهدي إلى صراطٍ مستقيم}[ الشورى 53].

وإن شهرأ ينزل فيه كتاب يملأ العقول حكمة والقلوب طهارة، لذو طلعة مباركة ومقدم كريم (كما يقول الشيخ محمد الخضر حسين)، فكان السلف الصالح يقبلون على قراءة القرآن وتدبر آياته،وتفجير مكنوناته،والعمل بأحكامه،ومذاكرة معانيه الشريفة، والاعتبار بحكمه، والإتعاظ بمواعظه، والتأدب بآدابه، وأن يكون حجة لهم ولا يكون حجة عليهم.

وجاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود مايكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن،فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة” [رواه البخاري] .

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع مع جبريل عليه السلام في شهر رمضان من كل عام يدارسه القرآن، وكان يعرض عليه القرآن في كل شهر مرة وفي السنة الأخيرة عرضه عليه مرتين، فقرأ القرآن كله،واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخصص المسلمون قراءة جزء من القرآن في كل يوم من هذا الشهر المبارك بحيث يتم ختم القرآن في نهايته،وجاء في الحديث الشريف: ” الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، فيقول الصيام يارب منعته الطعام والشراب في النهار والقرآن يقول يارب منعته النوم في الليل”.

وأماالقسم الأعظم من الخلف المتخلف فهجروا القرآن قراءةً وتدبراً وترتيلاً وعملاً..ويمكن الرجوع إلى مقال” إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً” في هذا الموقع.

ثانياً ـ وشهر رمضان هو شهر الجهاد والغزوات في سبيل الله:

ففي يوم الجمعة في السابع عشر من رمضان  من السنة الثانية للهجرة كانت غزوة بدر الكبرى، والتي سماها رب العالمين “غزوة الفرقان“، حيث كانت فيصلاً بين الذلّ والعزّة  {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة}، والضعف والقوة، وانتصر فيها الحقّ على الباطل،وأنزل الله الملائكة لنصرة المؤمنين” إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني مُمدّكم بألف من الملائكة مُردفين”،وفي هذه الغزوة المباركة توجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء إلى ربِّ العالمين” اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لاتعبد”. وبعدها رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنده متهلّل الوجه جاهراً بتلاوة الآية الكريمة” سيهزم الجمع ويولون الدبر” وكان النصر العظيم، حيث استشهد من المسلمين 14 شهيداً ،

وقتل فيها من رؤوس الكفر وطواغيت قريش أمثال أبي جهل وأمية بن خلف، والعاص بن هشام بن المغيرة..قُتل منهم سبعون، وأُسِر سبعون آخرون.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(مجلة الرسالة العدد128 بتاريخ 16 كانون الأول عام 1935):
“كان الإسلام المهاجر من مكة الجاهلية لايزال خافض الجناح في يثرب،وكان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار لايزالون تحت البلاء:يمتحن الله صبرهم بالألم، ويختبر إيمانهم بالفتنة،ليمحص الذين يجتبيهم لنشر الدعوة،ويَعلم الذين يصطفيهم لجهاد الرسالة،فالقرشيون يُوثبون عليهم القبائل،واليهود ينصبون لهم الحبائل،والمنافقون يدسون لهم الغدر في الملق.فلما أذن الله لدينه أن يعود ولمجده أن يسود ولنوره أن يتم،أرسل جنوده الثلثمائة إلى وادي بدر، يتعاقبون على سبعين نِضواً من أباعر المدينة،ويستعينون بصبر المجاهد على القلة،وبعزة المؤمن على الذلة،وبعفة الزاهد على الفاقة،ويسيرون في استغراق الصوفي المدَلّه إلى ما وعدهم الله من إحدى الطائفتين:العِير أو النفير،وإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، ولكن العير الذي يفهق بالثراء الضخم نجا به أبو سفيان على الساحل،فلم يبق إلا مكة الغاضبة لثروتها وسطوتها ودينها قد نزلت بالعُدوة القصوى من الوادي مع أبي جهل!تسعمائة وخمسون من فلذات كبدها أرسلتهم في الخيل والحديد يجيشون على محمد بالغِل،ويفورون على صحبه بالحفيظة،ويرون الإسلام في هذا العدد القليل والمظهر الهزيل قد أمكنهم من نفسه،ودلهم على مصرعه.

التقى الجمعان في صبيحة اليوم السابع عشر من شهر رمضان،وكان المسلمون على فقرهم وضعفهم ثلث المشركين، وكان المشركون على كثرتهم وعُدّتهم صفوة قريش،فموقف الإسلام من الشَّرك كان يومئذ موقف محنة.كان بين العُدوتين في بدر مفرق الطرق،فإما أن يقود محمد زمام البشرية في سبيل الله فتنجو،وإما أن يردها أبو جهل إلى مجاهل التيه والضلال فتهلك.وقفت مدينة الإنسان بأديانها وعلومها وراء محمد على القليب،ووقفت همجية الحيوان بأصنامها وأوهامها وراء أبي جهل على الكثيب!!فكان طريق وعَقبة، ونور وظلمة،وإله وشيطان!فأما أن يتمزق ثراث الإنسانية على هذا الصخر، ويتبدد نور الله في هذا القفر،وإما أن تتم المعجزة فتفيض الحياة على الناس من هذه البئر،ويتصل الماضي بالمستقبل من هذه الطريق، ويبدأ التاريخ عهده الجديد بهذه الموقعة!

(اللهم هذه قريش قد أتت بخُيلائها تحاول أن تكذب رسولك! اللهم فنصرك الذي وعدتني! اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبد في الارض!) ذلك كان دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم أمام العريش ووجهه إلى القبلة،ويداه إلى السماء، ورداؤه من الذهول في الله يسقط عن منكبيه فيرده الصِّديق ويقول: بعض هذا يا نبي الله فإن ربك منجز وعده!وماهي إلا خفقة من خفقات الوحي حتى نزل الوعد بالنصر،وجاءت البشرى بالجنة،فغاب المسلمون في إشراق عجيب من الإيمان،لا يرسم في أخيلتهم إلا الحُور،ولا يصور في عيونهم إلا الملائكة، وقذف الله في قلوب المشركين الرعب فانهار السد الغليظ أمام النبع النابض من صخور بدر،وانجاب القَتَم الكثيف عن النور الوامض من ربوع يثرب،وانكشفت المعجزة الغلهية عن انتصار ثلثمائة على قرابة ألف!!

موقعة بدر الكبرى لاتذكر بخطتها وعدتها ونفقتها وعديدها في تاريخ الحرب،فلعلها في كل ذلك لاتزيد على معركة بين حيين في المدينة،إنما تذكر بنتائجها وآثارها في تاريخ السلم ،لأنها كانت حكماً قاطعاً من أحكام القدر غيّر مجرى التاريخ،وعدَّل وجهة الدنيا،ومكّن للعرب في دورهم أن يُبلغوا رسالة الله، ويؤدوا أمانة الحضارة،ويصلوا ما انقطع من سلسلة العلم.

لم يكن النصر فيها ثمرة من ثمار السلاح والكثرة،ولكنه كان ثمرة من ثمار الإيمان والصدق،والإيمان الصادق قوة من الله فيها الملائكة والروح، وفيها الأمل والمثل،وفيها الحب والإيثار،فلا تبالي العَدد ولا ترهب السلاح ولا تعرف الخطر!

بهذا الإيمان الصادق خلق الله من الضعف قوة في بدر والقادسية واليرموك،وبهذا الإيمان الصادق جعل الله من البادية الجديبة والعروبة الشتيتة عمرانا طبق الأرض بالخير،وملكاً نظم الدنيا بالعدل،وديناً الّف القلوب بالرحمة.

إن اليوم السابع عشر من رمضان سيظل يوماً مشهوداً في تاريخ الأمة العربية بنزول القرآن وغلبة الحق”.

وقد اعتبر هذا النصر معجزة وتأييداً من الله عزّ وجلّ للدين الجديد،وقال صلى الله عليه وسلم شاكرأ أنعم الله عليه بهذا النصر العظيم” الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده ونصرعبده وهزم الأحزاب وحده“.

وقال أيضاً(الرسالة العدد936):

“وكانت معركة بدر في رمضان حكماً قاطعاً من أحكام القدر،غيّر مجرى التاريخ، وعدّل وجهة الدنيا،ومكّن للعرب في دورهم أن يبلغوا رسالة الله،ويؤدوا أمانة الحضارة،ويصلوا ما انقطع من سلسلة العلم.كان المسلمون في بدر على ضرهم وفقرهم ثلث المشركين.وكان المشركون على كثرتهم وعدتهم صفوة قريش. فموقف الإسلام من الشرك كان يومئذ موقف محنة.كان بين العدوتين في بدر مفرق الطريق،فإما أن يقود محمد صلى الله عليه وسلم زمام البشرية في سبيل الله فتنجو،وإما أن يردها أبو جهل إلى مجاهل التيه والضلال فتهلك.وقفت مدنية الإنسان بأديانها وعلومها وراء محمد صلى الله عليه وسلم على القليب،ووقفت همجية الحيوان بأصنامها وأوهامها وراء أبي جهل على الكثيب.فكان طريق وعقبة،ونور وظلمة،وإله وشيطان،فإما أن يتمزق تراث الإنسانية على هذا الصخر، ويتبدّد نور الله في هذا القفر،وإما أن تتم المعجزة فتفيض الحياة على الناس من هذه البئر،ويتصل الماضي بالمستقبل من هذه السبيل،ويبدأ التاريخ عهده الجديد بهذه الوقعة.ولقد أراد الله أن تتم المعجزة فانتصر ثلاثمائة مسلم على قرابة ألف مشرك”.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي عن غزوة بدر:”احتفل بها الله سبحانه وتعالى في كتابه، وذكر اسمها بالنص، فقال تعالى:{ولقد نصرَكُم اللهُ ببدرٍ وأنتُم أذلة}[آل عمران123]، وسمّى يومها يوم الفرقان:{وما أنزلنا على عبدنا يومَ الفرقانِ يومَ التقى الجمعان}[الأنفال 41]، وأنزل في شأنها سورة تتلى هي سورة الأنفال.

احتفل الله سبحانه وتعالى ببدر، واحتفلت بها الملائكة، فإن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:”ماتعدون أهل بدر فيكم؟قال: من أفضل المسلمين” أو كلمة نحوها، قال جبريل: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة”.

واحتفل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحينما ارتكب أحد الصحابة خطيئة كبيرة، تعد في عصرنا نوعاً من الخيانة العظمى، حين أراد أن يُفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أراد فتح مكة وغزو مكة، وأرسل إلى قريش بخبره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يباغتهم بالفتح، فيجبرهم على التسليم بأقل الخسائر الممكنة، أو بدون خسائر، وقال: “اللهم خذ العيون والأبصار عن قريش”. ولكن هذا الصحابي الجليل”حاطب بن أبي بلتعة ضعفت نفسه،ووسوست له الوساوس، فأراد أن يتخذ يداً عند أهل مكة، ويقدم لهم خدمة، لأنه لم يكن من ذوي عصبية معروفة، وليس له عشيرة قوية، فأراد أن يخدم أهل مكة،وقال في نفسه:مادام إن الله سينصر نبيه فلن يضره هذا..وهكذا.ولما اكتشف أمره، أراد عمر بن الخطاب أن يقتله، وقال: يارسول الله دعني أضرب عنقه فقد نافق.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر:”ياعمر، ومايدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر، فقال:اعملوا ماشئتم، فإني قد غفرت لكم”.

واحتفى الصحابة رضوان الله عليهم بأهل بدر،فكانوا يقولون: فلاناً بدرياً،يعني ممّن شهد بدرا، ويقولون:كان أبوه بدرياً،أو كان جده بدرياً،يعني كابراً عن كابر. فيمس الأبناء والأحفاد خير بدر وفضل بدر.ويتابع الشيخ القرضاوي حفظه الله:”ماالسر في تمجيد بدر، وتكريم بدر، وتعظيم بدر وأهل بدر إلى هذا الحد، فماهي بدر؟

إن بدراً من حيث الزمن هي ضحوة نهار،يعني لم تستمر كما استمرت حرب البسوس عند العرب، لمدة أربعين سنة،ولامثل الحرب العالمية الأولى أو الثانية لمدة خمس سنوات،وإنما هي ضحوة نهار. فهي من حيث الزمن بسيطة جدا.وأما بدر من حيث الأعداد الذين اشتركوا، فليس عدداً كبيراً، ليس مثل الحرب العالمية، التي اشترك فيها ملايين،وعشرات الملايين،ومئات الملايين،بل كان عدد المقاتلين من المسلمين نحو310 رجلا، والمشركون ثلاثة أضعاف المسلمين، يعني حوالي الألف.ومن حيث عدد الضحايا فليست بالملايين كما الحرب العالمية، بل لم يتجاوز عدد الشهداء من المسلمين 14 شهيدا، وكان عدد قتلى المشركين 70 قتيلاً ومثلهم من الأسرى.هذا يدل على أن هذه المعركة كانت بسيطة، فما سر هذا الاهتمام بهذه الغزوة؟

إن سر الاهتمام بهذه الغزوة، أنها كانت أول معركة يلتقي فيها الإسلام والكفر،يلتقي فيها التوحيد والوثنية،يلتقي فيها معسكر الرحمن ومعسكر الشيطان، معركة بين الله والطاغوت.

كان هؤلاء بالعدوة الدنيا،وهؤلاء بالعدوة القصوى، ولكن فرق مابين هؤلاء وهؤلاء، هو فرق مابين الحق والباطل، فرق مابين أبي جهل ومحمد صلى الله عليه وسلم، فرق كبير جداً.

وكانت أول مرة يلتقي هذان الفريقان وجهاً لوجه، فلو هُزم الإسلام في هذه المرة،لكانت كارثة، ثم هناك أمر آخر، هو أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، والقرآن آخر كتب الله نزولاً،والإسلام آخر شرائع السماء، وهذه الأمة آخر الأمم، ليس هناك أمة بعدها.

فلو هُزم المسلمون والرسول فهذا يعني أنه لم يعد هناك أحد يعبد الله وحده،وينتهي التوحيد من الأرض،ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم في بدر، بحرارة وحُرقة شديدة، يقول:” اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم أنجز لي ماوعدت، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، فلن تُعبد في الأرض بعد اليوم” وظل يلحّ على ربه، وسيدنا أبو بكر رضي الله عنه يربت على كتفيه، ويقول: هوّن عليك يارسول اله، فوالله لينصرنّك الله، وليُبيضن الله وجهك.

فهذه هي قيمة هذه المعركة، النتيجة المترتبة عليها،وهي بقاء التوحيد في الأرض، فلو ذهب محمد وأصحابه، سينتهي بذلك دور التوحيد في الأرض.

ولذلك كان نصر بدر، نصراً له قيمته في التاريخ،وكان جديراً أن يحتفي به القرآن، وتحتفي به السنة، ويحتفي به الصحابة، ويحتفي به المسلمون إلى يومنا هذا.ويتابع الشيخ القرضاوي:”هل نطمع في نصر كنصر بدر؟

لم لا نطمع أيها الأخوة في نصر كنصر بدر؟ الله هو الله، ولكن بشرط أن نكون مؤمنين كإيمان اهل بدر، نمشي على أقدامهم.أما أن نطمع في نصر كنصر بدر، ونحن جالسون لانقدم شيئا، ولانبذل شيئاً، ونقول : يارب انصرنا!

لابد أن ندعو ونحن نستعد للمعركة، وندعو ونحن في المعركة، في الميدان، كما جاء في القرآن:{ولما برزوا لجالوتَ وجنودهِ قالوا ربنا أفرِغ علينا صبراً وثَبت أقدامنا وانصرنا على القومِ الكافرين* فهزموهم بإذن الله}[البقرة 250 ـ 251].

النصر ممكن جداً، والملائكة التي نزلت في بدر، موجودة، جبريل عليه السلام وأعوانه موجودون، ولكنهم لايتنزلون إلا على المؤمنين{إذ يُوحي ربُّكَ إلى الملائكةِ أنّي معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوبِ الذين كفروا الرُّعبَ فاضربوا فوق الأعناقِ واضربوا منهم كُلّ بنان}[الأنفال12].

يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله(كلمة ألقاها من إذاعة صوت العرب بالقاهرة في 15 أيار عام 1955):

“وقعة بدر هي أمُّ الوقائع في تاريخ الإسلام الحربي لأنها أول غزوة شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، بعد غزوات الاستطلاع. ويوم بدر هو يوم الفرقان لأنه أول يوم انتقلت فيه الدعوة الإسلامية من اللسان والحجة والنظر إلى السيف والدّم. وهي أول وقعة تقررت فيها قواعد الحرب وأحكامه وآدابه، وللحرب في الإسلام معنى غير المعنى الذي يعرفه الناس، وأحكام لم تحد عن العدل وآداب لم تخرج عن الرحمة، فالحرب في نظر الإسلام مفسدة لاترتكب إلا لدفع مفسدة أعظم منها، وأكبر المفاسد هي الوثنية التي هي آفة العقل والفكر وحجر عثرة في سبيلهما،ويليهما في الفساد والضرر الوقوف في وجه دعوة الحق وسدّ سبيلها إلى العقول والأفكار.وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمضى خمسة عشر عاماً في الدعوة باللسان الذي ينفذ الحكمة ويمد الرحمة، ويخاطب من الإنسان أشرف مافيه وهو العقل، فلاعجب بعد ذلك إذا التجأ إلى السيف الذي ينطف بالدم ويخطف الأرواح ويخاطب الأعناق والهامات.وفي غزوة بدر مواقع للعبر، ومكامن للعظات، ومآخذ للتشريع الحربي لسنن الله في الأسباب. ويتابع الشيخ رحمه الله:”والعبرة البليغة لقومنا العرب في زماننا هذا من وقعة بدر هي نصر الله للفئة القليلة على الفئة الكثيرة فلايقول المتوسمون في آيات الله وسننه: ان النصر كان خارقة غيبية وان كانوا يعتقدون ان النصر من عند الله يهبه لمن شاء، ولكنه لايهبه إلا بأسبابه وأحكم ماقال الحكماء الربانيون: إذا أراد الله شيئاً هيأ اسبابه.إن انتصار نيف وثلاثمائة على ثلاثة اضعافهم ليس خارقة غيبية الأسباب، وإنما هو جار على السنن المعتادة.هذا في الماديات ومثله في المعنويات، علمنا بانتصار الفئة القليلة على الكثيرة بإحسان التدبير، وإحكام الرأي، ولطف التحيل، فلماذا نغفل عن الإيمان والعقيدة،وأثرهما في انتصار أصحاب بدر على ثلاثة أضعافهم؟إن المسلمين انتصروا يوم بدر بالإيمان الصحيح القوي الذي ثبت العقائد فثبتت الإرادات فاندفعوا اندفاع من يريد أن يموت ليحيا دينه وقومه وبلاده.كانوا يعتقدون أن مايقاتلون عليه هو الحق من ربهم،وأن محمداً الداعية إلى هذا رسول الله الصادق الأمين،وأن موتهم في سبيل دعوته طريق إلى الجنة التي وعدوها، فتصوروا خلودها كرأي العين،ووعد الله بها كقبض اليد، وأنه ليس بينهم وبين دخولها إلا فراق الروح للجسد، وأن الموت لافرار منه، وأنه ملاقيهم ولابد،وأن هذه الأرواح ودائع أو بضائع، والودائع مسترجعة، والبضائع لها سوق ولها قيم،فاختاروا السوق ميدان الجهاد، والبيع لله، والقيمة رضاه وجواره.ويتابع رحمه الله: “ذلك اللقاء يوم بدر لم يكن بين طائفتين قليلة وكثيرة، وإنما كان بين عقيدتين حقّ وباطل، وإرادتين مصممة وواهنة،وحسب الحق في عالم الظهور أن يجد من يمثله، فإذا وجد سقطت معه مقاييس اللغة والكثرة والقلة من الحساب والاعتبار،ومثاله في عالم الشهود قطعة من الحديد توازن بأضعاف حجمها من القطن،ولما ظهرت هذه السنة عملياً في بدر، جاء القرآن بتقريرها علمياً في سورة الأنفال: {إن يَكُن منكُم عِشرونَ صابرونَ يَغلبوا مائتينِ وإن يَكُن منكُم مائةٌ يغلبوا الفاً من الذين كفروا بأنَّهم قوم لايفقهون* الآن خفَّفَ اللهُ عنكُم وعَلم أنَّ فيكُم ضَعفاً فإن يكُن منكُم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكُن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذنِ الله والله مع الصابرين}.[الأنفال 65 ـ 66].

يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:

” أفترون المسلمين يوم بدر، أفترونهم يومئذ خاضوا المعركة في قلة من العدد والعُدد ثم انتصروا على أقرانهم من أبناء عمومتهم ومواطنيهم نصراً مؤزراً خلّده القرآن الكريم في مُحكم آياته، أفترونهم استطاعوا أن يحرزوا هذا النصر لولا أن الصيام بثّ فيهم من القوة ونصرة الحق والحرية الروحية الكاملة ما جعلهم يخوضون المعركة أقوياء أحرارا؟إن بطشوا بطشوا بقوة الله، وإن رَموا رموا بعزّة الله، وإن صالوا وجالوا كانت قوة الحقّ وإشراقة الروح هي التي تسدد لهم الهدف وتدلهم على مقاتل الأعداء. ويتابع رحمه الله: ” ثم هل ترون معاركنا التي انتصرنا في اليرموك والقادسية وجلولاء وحطين وغيرها، هل كانت تتم بهذه الروعة المعجزة التي لاتزال تذهل كبار الباحثين في أسرارها، لولا أن أهلها كانوا يتخلّقون بخلق الصائمين، من عفة وسمو، وتضحية وفداء، وتحمل للشدائد، وخضوع لله واستعلاء على كل ماسواه، واستهزاء بقوى الباطل مهما كثرت؟ ذلك أنهم وصلوا أرواحهم بقوة الله، ومن ذا الذي يغلب الله؟ انتهى كلام السباعي .

ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 734):

“في يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وفي السنة الثانية للهجرة كانت غزوة بدر الكبرى،وهي الواقعة العظيمة التي فرّق الله فيها بين الحق والباطل،وأعزّ الإسلام ودمغ الكفر وأهله ،وكانت فيصلاً في تاريخ الإسلام.

كانت بدر الكبرى هي المنّة العظمى على البشر جميعاً،إذ أتاح الله يومئذ للمسلمين أن يسيحوا في الارض،وأن ينصروا الله وأن يجعلوا كلمته هي العليا،وأن يردوا العرب إلى شريعة أبيهم إبراهيم عليه السلام  وهي الحنيفية السمحة،فانكشفت خلائق العرب بنبلها وكرمها وعدلها وصفائها حتى لم يبق على ظهر الأرض من بلغته الدعوة،أو من رأى هؤلاء الأحرار المؤمنين حتى تبع قبلتهم وآثرهم بالحب،فمكّن الله للعرب أن يفتحوا الأرض ويثلوا العروش ويملكوا ما أظل ملك كسرى وقيصر في ثمانين عاماً،وأقاموا حضارة قامت على العدل والمساواة والإنصاف والتسامح،وعلى رعاية أهل الأديان وحياطتهم،وعلى ردّ بغي الباغين وعدوان المعتدين من أي مِلة كانوا”.

ويقول الأستاذ محمد سعيد الطنطاوي (رسائل مسجد الجامعة ـ المجموعة الثالثة ـ مقال:صور ومواقف قبيل معركة بدر):

“وبدر هي الفيصل بين عهدين ،وفيها من الصور المثيرة والمعاني الرفيعة ما يتعذر حدّه وحصره.

ومن أوائل الصور التي نصادفها فيها،صورة الكتيبة المؤمنة،يزيد أفرادها قليلاً على ثلاثمائة،ليس لهم إلا سبعين بعيراً،يعتقبونها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنهم يعتقبون بعيراً.أبى عليه الصلاة والسلام إلا أن يواسي أصحابه بنفسه ،ويكون فيهم كأحدهم ،حتى يبين الشكل الصحيح للأمير الأمين في المجتمع السليم.

ونسير مع كتيبة الإيمان فنرى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم،يستشير الناس ويخبرهم عن قريش،فيقوم أبو بكر الصديق فيقول فيحسن ،ثم يقوم عمر بن الخطاب فيقول فيحسن،ثم يقوم المقداد بن عمرو فيقول:”يا رسول الله إمض لما أراك الله فنحن معك،والله لانقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:{فاذهبْ أنتَ وربِّكَ فقاتلا إنا هَهُنا قاعدون}ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون،فوالذي بعثكَ بالحق لو سرت بنا إلى بَرك الغِماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ويدعو له به.ثم يقول:أشيروا علي أيها الناس.إنما يريد الأنصار،الذين كانوا معظم الجيش،يتعرف إلى نواياهم أيرون نصرته في كل وجه وكل مسير،أم يقتصرون في نصرهم له على الدفاع عنه أمام من يدهمهم في المدينة؟والجيش الذي يعتمد عليه في المعركة هو الذي يؤمن أفراده بهدفهم ويندفعون إلى بذل نفوسهم في سبيله،لا أن يساقوا سوقاً ويدفعوا إليه دفعاً.

وينتبه سعد بن معاذ ـ حامل راية الأنصار ـ لهذا فيقول:والله لكأنك تريدنا يا رسول الله! قال: أجل.قال:فقد آمنا بك وصدقناك،وشهدنا أن ما جئت به هو الحق،وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة،فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك،فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك،وما تخلّف منا رجل واحدنوما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غداًنإنا لصبرُ في الحرب صُدق في اللقاء لعلَّ الله يريك منا ما تقرّ به عينك فسرْ بنا على بركة الله.

فيُسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد وينشّطه ذلك فيقول:سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم.

ويرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج مع أبي بكر الصديق ليتحسس أخبار العدو،يرى شيخاً من العرب،يقال إنه سفيان الضّمري،فيسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم،فيجيب الشيخ لا أخبركما حتى تُخبراني ممن أنتما،فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا أخبرتنا أخبرناك،ويستقصي الشيخ فيقول:أو ذاك بذاك؟فيجيبه :نعم.فيقول الشيخ:فإنه بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا،فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا،وللمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم،وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا،فإن كان الذي أخبرني صدق فهم اليوم بمكان كذا وكذا،للمكان الذي به قريش،فلما فرغ من خبره قال:من انتما؟فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:نحن من ماء،ثم انصرف عنه،ويأخذ الشيخ يقول:ما من ماء،أمن ماء العراق؟.

ونعجب ممَّ نعجب؟أمن مواساة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لأصحابه بنفسه،إذ يذهب هو والصديق لتسقط الأخبار،لا يخلد إلى راحة،ولا يجد الفزع إلى قلبه طريقاً،أم من هذا الجواب المحكم الذي أجاب فيه الرجل ـ دون اللجوء إلى الكذب ـ عما سأل،بغير أن يعرّض المسلمين إلى الخطر،بكشف أمرهم،وتسرّب خبرهم إلى قريش،فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب…

ولا يكتفي الرسول الحكيم بهذا،فيعلمنا كيف نعدّ للأمور عدتهانونستقصي في ذلك جهدنا،ونستفرغ وسعنا،وذلك حين يبعث في أمسية اليوم ذاته ،علي بن أبي طالب،والزبير بن العوام ،وسعد بن أبي وقاص،في نفر من اصحابه،إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه.ويطيع هؤلاء النفر الأبطال،بدون تردد،وبغير مناقشة فيجدون على الماء غلامين لقريش،يقال لأحدهما أسلم،وللآخر عريض،أبو يسار،أرسلوهما ليحملا إليهم من الماء.فأتوا بهمانوسألوهما ـ ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي ـ فهذا من الإعداد أيضاً،بل من أهم الإعداد،فقالا:نحن سقاة قريش،بعثونا نسقيهم من الماء.فكره القوم خبرهما،ورجوا أن يكونا لأبي سفيان  ـ للقافلة التي خرجوا في طلبها،ليوهنوا بأخذها قريشاً ويرهبوهم ،ويقووا المسلمين بها على حربهم ـفضربوهما،فلما اشتدّوا في ضربهما قالا:نحن لأبي سفيان فتركوهما!فلما أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته،وسلّم قال:إذا صدقاكم ضربتموهما،وإذا كذباكم تركتموهما؟صدقا والله،إنهما لقريش،أخبراني عن قريش.قالا:هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:كم القوم؟قالا:كثير.قال: ماعدّتهم؟قالا: لاندري.قال: كم ينحرون كل يوم؟قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراًزفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:القوم فيما بين التسعمائة والألف.ثم قال لهما:فمن فيهم من أشراف قريش؟قالا:عتبة بن ربيعة،وشيبة بي ربيعة،وأبو البختري بن هشام،وحكيم بن حزام،ونوفل بن خويلد،والحرث ابن عامر،وطعيمة بن عدي بن نوفل،والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود،وأبو جهل بن هشام ،وأمية بن خلف،ونُبيه ومُنبه ابنا الحجاج،وسهيل بن عمرونوعمرو بن عبد ودّ…فأقبل رسول الله صلى الله على الناس،فقال:”هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها”.

وها نحن أيضاً في موقف جديد،نرى فيه فراسة المؤمن،وصفاء نظر النبوة،وآثار الصلاة في النظر إلى الأمور،في ذلك الموقف الذي ظهر فيه الإصرار على البغي،والتعنت فيه،ومغبة ترئيس الجهلة البغاة،وسوء المنقلب في طاعتهم واتباعهم.وذلك حين ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت،فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تنحدر من الكثيب،قال:“اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها،تحادُّك وتُكذِّب رسولك،اللهم فنصركَ الذي وعدتني،اللهم أحِنُهُم الغداة“ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر،فقال:”إن يكن في أحد من القوم خير،فعند صاحب الجمل الأحمر،إن يطيعوه يرشدوا”.

وقام عتبة بن ربيعة خطيباً في قومه فقال: يا معشر قريش،إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً،والله لئن أصبتموه،لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه،قتل ابن عمه،أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته،فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب،فإن أصابوه فذاك الذي أردتم،وإن كان غير ذلكنألفاكم ولم تعرّضوا منه ما تريدون”.

قال حكيم بن حزام:فانطلقت حتى جئت أبا جهل،فوجدته قد نثَل درعاً من جرابها(أي أخرجها منه)فهو يهيئها،فقلت له:يا أبا الحكم،إن عتبة قد أرسلني إليك بكذا وكذا،فقال:انتفخ والله سَحره(أي رئته يعني خاف وفزع )حين رأى محمداً وأصحابه،كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد،وما بعتبة ما قال،ولكنه رأى أن محمداً وأصحابه أكلة جزور،وفيهم ابنه فقد تَخوَّفكم عليه.ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال:هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس،وقد رأيت ثأرك بعينك،فقم فانشد خُفرتك(أي عهدك ومقتل أخيك)فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف ثم صرخ:واعمراه!واعمراه! فحميت الحرب،واشتدّ الأمر،وأجمع الناس على ماهم عليه من الشر فأفسد على الناس ال{اي الذي دعاهم إليه عتبة”.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد بن لطفي الصباغ رحمه الله(مقال:غزوة بدر في القرآن الكريم):

“إن غزوة بدر كانت فرقاناً بين الحقّ والباطل ،وكانت المعركة التي تحققت بها العزة للإسلام ولحملته وأتباعه،لقد انتصرت فيها القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة بإذن الله، وينطبق عليها مضمون ما ذكرته الآية الكريمة:{قُلْ للّذينَ كفروا سَتغلبونَ وتُحشرونَ إلى جهنَّمَ وبئسَ المِهادُ*قد كانَ لكم آيةٌ في فئتينِ التقتا فِئةٌ تُقاتِلُ في سبيل الله وأخرى كافرةٌ يَرونهم مِثليهم رأيَ العَينِ والله يؤيدُ بِنصرهِ من يشاءُ إنَّ في ذلكَ لَعبرةً لأُولي الابصارِ}[آل عمران 12 ـ 13].

فلننظر خبر هذه الغزوة العظيمة في كتاب الله عز وجلّ .

قال الله تعالى:{ولقد نَصَركُمُ اللهُ ببدرٍ وأنتُم اذِلَّةٌ فاتَّقوا الله لعلَّكم تشكرونَ*إذ تقولُ للمؤمنينَ ألَن يَكفيَكُمْ أن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بثلاثةِ ىلافٍ من الملائكةِ مُنزَلينَ*بلى إن تصبروا وتَتَّقوا ويأتوكُم من فَورِهمْ هذا يُمدِدكمْ رَبُّكم بِخمسةِ آلافٍ من الملائكةِ مُسَوِّمينَ*وما جعلهُ الله إلا بشرى لكُم ولِتطمئنَّ قُلوبُكُم بهِ وما النَّصرُ إلا من عندِ الله العزيزِ الحكيم}[آل عمران 123 ـ 126}.

وقد ذكر الله سبحانه مسير القوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرف القوم أن قريشاً قد ساروا إليهم يريدون الحرب والقضاء على الرسول ودينه،وهم خرجوا يريدون العير طمعاً في الغنيمة،فقال تعالى:{وإذ يَعِدُكُمُ اللهُ إحدى الطَّائفتينِ أنَّها لكُم وتَودُّونَ أنَّ غيرَ ذاتِ الشَّوكةِ تكونُ لكُم ويُريدُ اللهُ أن يُحِقَّ الحقَّ بِكلماتهِ ويقطعَ دابرَ الكافرينَ}[الأنفال 7].

وتصور السورة حال المسلمين في قوله تعالى:{إذ تستغيثونَ رَبَّكُمْ فاستجابَ لَكُم أنِّي مُمِدُّكُمْ بالفٍ من الملائكةِ مُردِفينَ*وما جَعلهُ اللهُ إلا بُشرى ولِتطمئنَ بهِ قُلوبُكمْ وما النَّصرُ إلا من عندِ الله إنَّ الله عزيزٌ حكيمٌ}[الأنفال 9 ـ 10].

وجاء في السورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى المشركين بالحصباء من يده فقال تعالى:{وما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ الله رمى}[الأنفال 17].

وفي السورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أن الكفار قليلون،وهذا من لطف الله بنبيه:{إذ يُرِيكَهُمُ الله في منامِكَ قليلاً ولو أراكَهُم كثيراً لَفشلتُم ولتنازعتُم في الأمرِ ولكنَّ اللهَ سَلَّمَ}[الأنفال 43].

ومرة أخرى أراكهم عند اللقاء قليلين،ليقضي الله أمراً فيه الخير،قال تعالى:{وإذ يُريكُمُهُم إذ التقيتُم في اعينِكُمْ قليلاً ويُقَلِّلُكُم في أعينُهِم ليقضيَ الله أمراً كان مفعولاً}[الأنفال 44].

يقول الشاعر عمر أبو ريشة في غزوة بدر:

وقفَ الحقُّ وقفةً عند بدر                                   شحذتْ في الغيوبِ سيفَ القضاءِ

ووراءَ التلالِ ركبُ أبي سف                                يان يحمي سريّة الفيحاء

وقريشٌ في جيشها اللجب تسعى                           بين وهجِ القنا وزهو الحداءِ

بلغت منحنى القليب ولفّتْ                                  مَنْ عليهِ ببسمةِ استهزاءِ

وأرادت أكفاءها فتلقّا                                      ها عليٌّ ذؤابةُ الأكفاءِ

جَزَّ بالسيفِ عنقَ شيبة وارتدَّ                            إلى صحبهِ خضيبَ الرداءِ

وعيونُ النبيِّ شاخصةً تر                                قصُ في هُدبها طيوفُ الرجاءِ

ودنتْ منهُ عصبة الإثمِ والموتِ                         على راحها ذبيح عياءِ

فرماها بحفنةٍ من رمال                                 ورنا ثائر المنى للعلاءِ

ودعا”شاهت الوجوه” فيا أر                          ض اقشعري على اختلاج الدعاءِ

قضى الأمر يا قُريشُ فسيري                          للحيِّ واندبي على الأشلاءِ

واحذري الطيب أن يمس غلاماً                        في ندىً أو غادةً في جناءِ

يومُ بدر يومٌ أغرُّ على الأيامِ                           باقٍ إن شئتِ أو لم تشائي

ركزَ اللهُ فيهِ أسمى لواءٍ                               وجثا الخلدُ تحتَ ذاكَ اللواءِ

وقال حسان بن ثابت:

سرنا وساروا إلى بدر لحينهمو                      لو يعلمون بعين العلم ما ساروا

دلاهمو بغرور ثم أسلمهم                            إن الخبيثَ لمن والاهُ غرارُ

وقال: إني لكم جار،فأوردهم                       شرّ الموارد،فيه الخزي والعارُ

وقال حسان بن ثابن معيراً فرار الحارث بن هشام وتركه أخاه أبا جهل يقتل في ميدان القتال:

إن كنت كاذبة الذي حدثتني                        فنجوت منجى الحارث بن هشام

ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم                        ونجا برأس طمرة ولجام

وبنو أبيه ورهطه في معرك                        نصر الإله به ذوي الإسلام

وقال حسان بن ثابت ايضاً في غزوة بدر:

وخَبّرْ بالذي لا عيبَ فيه                         بصدقٍ غيرَ أخبارِ الكذوبِ

بما صنعَ المليكُ غداةَ بدرٍ                        لنا في المشركينَ من النصيبِ

يُناديهم رسولُ الله لمّا                            قذفناهمْ كباكبٌ في القليبِ

ألم تجدوا كلامي كان حقاً                       وأمرُ اللهِ يأخذُ بالقلوبِ

فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا                     صدقتَ وكنتَ ذا رأيٍّ مُصيبِ

وقال كعب بن مالك الأنصاري:

عجبت لأمر الله، والله قادر                         على ما أراد ليس لله قاهر

قضى يوم بدر أن نلاقي معشراً                    بغوا،وسبيل البغي بالناس جائر

وقد حشدوا واستنفروا من بليهم                    من الناس،حتى جمعهم متكاثر

بهن أبدنا جمعهم،فتبددوا                           وكان يلاقي الحين من هو فاجر

قخرّ أبو جهل صريعاً لوجهه                     وعتبة قد غادرنه وهو عائر

وشيبة والتيمي غادرن في الوغى                وما منهم إلا بذي العرشِ كافرُ

فأمسكوا وقود النار في مستقرها                وكل كفور في جهنم صائرُ

تلظى عليهم ،وهي قد شبّ حميها                بزبرِ الحديدِ والحجارة ساجر

يقول الشاعر محمود حسن اسماعيل في غزوة بدر(الرسالة العدد180):

خَفقَ العرشُ بالنشيدِ المطهرْ                             فدع الشعرَ والأغاني…وكَبِّرْ

رجفتْ في الجنان كالزعزع القصَّ                      افِ تدوي بجانبيَّ وتزأرْ

من فجاجِ الغيوبِ هاجت صباحاً                         ثورةٌ في الرمالِ هبّتْ تُزمجرْ

قيل بدرٌ فزلزلت هدأة النأي                             وكاد النشيدُ بالدمِّ يقطر

أقبلت كالعجاجِ في هبوة الحرْبِ                        (قريشٌ) على الحياضِ تُنَفِّرْ

حشدوا موكبَ المنايا وخفَّوا                            لضياءِ الإلهِ غاوينَ فجّرْ

يتراءونَ كالصواعقِ في الرمال                       ووجهُ الضحى من الروعِ أغبرْ

كالشياطينِ جلجلت في دجى الليلِ                    وهاجت في البيد تعوى وتُصفرْ   

أرزمت فوقهم سيوفهم،وريعت                       من تناديهمُ أضاءةٌ ومغفرْ

زلزلوا راسي الجبال ،وراحتْ                        منهمُ البيدُ تقشَّعر وتذعرْ

ومضى الشركُ بينهم مزعج الهي                    جة طيشانَ كاللّظى المتسعِّرْ

جمَّع الهول كلّه في يديه                               ومضى بالحِمامِ في الهولِ يزفرْ

إن يكن كبرهُ أجنَّ البلايا                               لنبيِّ الإسلام…فالله أكبرْ

وعلى التلِّ خاشع في عريشٍ                          قُدسيِّ الظلالِ زاكٍ مُنوَّرْ

كاد من طيبهِ الجريدُ المُحنَّى                         من ذُبولِ البِلى يميس ويُزهرْ

هالةٌ تسكبُ الجلال،وتندى                           بوميض الهدى يُفيق ويسحرْ

لو رمتْ كاسف البصيرة أعمى                     عاد منها مُبلج القلب أحورْ

باسطٌ كفّهُ إلى الله يدعو:                             رَبِّ حُمَّ القضا لدينكَ فانصرْ

إن أجناديَ البواسلَ قُلٌّ                              وخميس العدو كالموج يَزخرْ

خفقةٌ من كرى تجلّتْ عليه                          مال من طهرها الرِّداءُ المُحبَّرْ

وإذا الوحيُ بارقٌٌ مُستهلٌّ                            من سماء الغيوب هَنَّا وبَشّرْ

فانتضى سيفهُ وهبَّ على الغا                         رةِ بالسّرمد القويِّ مُؤَزّرْ

ينفح القوم بالحصا فتدوِّى                             أسلاتُ الإسلامِ في كل مِنحرْ

وجنود السماء من كلِّ فجٍّ                             غُيّب للعيان في القلبِ حُضّرْ

تُشعل النار في قلوب المذاكي                        وتؤُج الرجال ناراً تَسعَّرْ

قوّةٌ من جوانبِ العرش هبّتْ                         ذابَ من بأسها الحسامُ المُشهّرْ

و(بلالٌ) يلقى(أمية) غضبان                        فيشفى الغليل منه ويثأرْ

أمس كم حمل الصخورَ الذّواكي                   من لهيبِ الرمضاء تغلي وتسعرْ

ضجّ من هولها الآذان وكادت                     تتهاوى لها أواسي المنبر

وهو اليوم قاذفٌ صخرةَ الموت                   عليه تهوى فتردى وتقبرْ 

وأبو جهل جندلته قناةٌ                              فهوى تحت جندل البيد يزحر

وقف الكفر فوقه يندبُ الكفر                     ويهذي على الرُّفاتِ ويهذرْ

يا عدوّ الإسلام خذها من الإسلام                ردّتكَ كالقنا المتكسّرْ

طعنةٌ من معاذ أخرس فُوها                     فاكَ بعدما كنت تنهي وتأمرْ

لكأني بعظمك الآن يصطكُّ                     ويغلي من الأسى والتحسُّرْ

وشظايا اللسان ندمانة كا                         دت لنور الهدى حنيناً تُكبِّرْ!

تمرات في كفِّ أعزل جوعان                 هضيم بين الوغى متعثِّرْ

عربيّ من شيعة الله وإن                       عن صراع الهيجاء قهراً تأخرْ

حينما شاهد النبيَّ تلظت                        جمرة النصر في حشاه المفتّرْ

هاج كالعاصف المدمِّر في الجيش             وأهوى كالموت يبلى ويدحرْ

سلَّ من روحه حُساماً ومن إس               لامه في مسابح الروع خِنجرْ

هكذا نجدة السماء أحالتْ                      واهِن الجسم كالعتيِّ المدمرْ

فإذا النصر صيحة هزّت الدنيا                وراعت بروج كسرى وقيصر

وإذا(بدر) خفقة في لسان الش                 رق يزهى على صداها ويفخر 

وقال الشاعر أيضاً محمود حسن اسماعيل(الرسالة 268):

وقف المغني في حماك مجلجلا                باللحن تخفق في الورى أصداؤه

فيه من الأقدار وهلة غيبها                     خبأته عن لمع الحجا أطواؤه

ومن الكتائب أرزمت أسلاتها                 صخب يزمجر بالفتوح نداؤه

ومن المواكب هولها من فيلق                 نشوان في يوم الفخار لواؤه

ويقول الشاعر هاشم رفاعي في غزوة بدر:

ويومٌ ببدرٍ جَنَّدَ الشركُ جُندَهُ                  وجَمَّعَ أنصارَ الضلالِ وألَّبا

ونادى”أبو جهلٍ” أيا قومِ شمروا             لإضرامِ حربٍ تجعلُ الطفلَ أشيبا

أقيموا على بدرٍ ثلاثاً فمثلنا                   أخافَ جنودَ المسلمينَ وأرعبا

وجاءَ رسولُ الله في موكبِ الهدى          يقودُ خميساً من قوى الحقِّ أغلبا

يقولُ لهُ سعدٌ:إذا خُضتَ لجّة                من البحرِ خُضناها ولن نتهيبا

وينطقها المقدادُ قولةَ مؤمنٍ                 ترى الصدقَ في عزمٍ له قد توّثبا

إلى نصرةِ الإيمانِ لسنا كأمةٍ               لموسى رأت عند النضالِ التهربا

ويلتحمُ الجيشانِ جيشٌ على هدىً           وجيشٌ لأوثانِ الضلالِ تعصّبا

هناكَ أمدَّ الله بالنصرِ جُندهُ                  وأخلفَ ظنَّ المشركينَ وخيّبا

ويقول هاشم رفاعي أيضاً:

ومضت ببدرٍ للقتالِ ضياغمٌ                قد غُطِّيتْ بغبارِها الصّحراءُ

بكرتْ خيولٌ للوغى وتدافعتْ            إبلٌ لها عند الرحيلِ رُغاءُ

وعلى رمالِ البيدِ شبَّ لهيبُها              إذ شمَّرتْ عن ساقها الهيجاءُ

بينَ الضلالِ وبينَ حقٍّ مُشرقٍ            قامَ اصطدامٌ عارمٌ ولقاءُ

الفتيةُ الأبرارُ يخفقُ فوقهمْ                يومَ الكريهةِ للرسولِ لِواءُ

همْ للشريعةِ نَبتُها أن يُقتلوا               فعلى الشريعةِ في الأنامِ عَفاءُ

يا يومَ بدرٍ قد شهدتَ لِقاءهم             إذ أنتَ فصلٌ بينهم وقضاءُ

يا يومَ بدرٍ قد رأيتَ صِراعهم           وعرفت كيف تنائر الأشلاءُ

كيف اندحارُ الشركِ يلعقُ جُرحهُ         قد صُبَّ فوق الرأسِ فيه بلاءُ

هذا أبو جهلٍ لديكَ مُجندلٌ               سالتْ على البيداءِ منهُ دماءُ

فلعلّهُ عَرَفَ الحقيقةَ ميتاً                إنَّ الحياةَ غِشاوةٌ وغِطاءُ   

وقال هاشم رفاعي في غزوة بدر أيضاً:

ولما أرادَ الله نصراً لدينهِ                أهابَ بسيفِ الحقِّ أن يتكلّما

فاذّنَ داعٍ للجهادِ :أن انفروا             إلا فلُجبْ من كانَ لله مسلما

فبادرَ نَبَّالٌ فراشَ سِهامهُ                وأسرعَ قتَّالٌ فجرَّدَ مَخْذَما

أجابتْ نداءَ الحقِّ في الله إذ دعا        نفوسٌ ترى الإيمانَ أن تتقدما

وسلَّتْ ببدرٍ للجهادِ بواترٌ              أبتْ في سبيلِ الله أن تتثلّما

على صفحةِ البيداءِ والسيفُ قائمٌ      تبدَّى مثارُ النقعِ كالليلِ أقتما

قد التحمَ الجيشانُ:جيشُ ضلالةٍ        وجيشٌ على الإيمانِ بالحقِّ صمما

هنا وقفَ التاريخُ وقفةَ شاهدٍ           وقد أمسكتْ كفاهُ لوحاً ومرقما

وقامَ رسولُ الله،لله ضارعاً            يسائلهُ الوعدَ الذي كانَ أبرما

وراحَ إليهِ والقنا تضربُ القنا          يناديه:راشَ الكفرُ للدِّينِ أسهما

وجاءَ إلينا في عتادٍ وعدَّةٍ              يريدُ لهذا الدينِ أن يتحطَّما

تباركتَ:إن تهلك لدِينكَ عُصبةٌ          فلنْ يعبدوا في الأرضِ رباً معظَّما

فما هي إلا كرَّةٌ عادَ بعدها             وقد أوردوا القومَ اللئامَ جهنما

وقوّمها بالسيفِ والرُمحِ والقنا           نفوساً أبتْ باللينِ أن تتقوّما

فيا لكَ من جيشٍ حماهُ إلهُهُ             ودينٍ رعاهُ الله أن يتهدّما

فلمْ يرمهم رامٍ بنافذِ سهمِهِ             ولكنَّ ربَّ الدينِ من فوقهم رمى

وقال الشاعر عمر أبو ريشة:

وقفَ الحقُّ وقفةً عند بدرٍ              شحذت في الغيوبِ سيف القضاء

ووراء التلال ركبُ أبي سفيان           يحمي سرية الفيحاء

وقريش في جيشها اللجب تسعى         بين وهج القنا وزهو الحداء

بلغت منحنى القليبِ ولفّت                 من عليه ببسمة استهزاء

وأرادت أكفاءها فتلقاها                    عليٌّ ذؤابة الأكفاء

جزَّ بالسيف عنق شيبة وارتدّ             إلى صحبه خضيبَ الرداء

فطغى الهول والتقى الند بالندِّ            وماجا في لجّة هوجاء

وعيونُ النبيِّ شاخصةٌ ترقص          في هدبها طيوفُ الرجاء

ودنت منه عصبةُ الإثمِ والموتِ         على راحها ذبيح عياء

فرماها بحفنةِ من رمال                   ورنا ثائر المنى للعلاء

ودعا”شاهت الوجوه” فيا أرض          اقشعرِّي على اختلاج الدعاء

قُضيَ الأمرُ يا قريشث فسيري           للحمى واندبي على الأشلاء

واحذري الطيب أن يمس غلاماً          في نديٍّ أو غادةً في خباء

وأعدّي للثأرِ حُمرَ السرايا                  واحشديها للوثبة الرعناء

يوم بدرٍ يومٌ اغرُّ على الأي             امِ باقٍ إن شئتِ أو لم تشائي

ركز الله فيه أسمى لواء                     وجثا الخلد تحتَ ذاكَ اللواء

وقال الشاعر محمود سامي البارودي:

ويَمَّمَ المصطفى بدراً فلاحَ لهُ               بدرٌ من النَّصرِ جَلّى ظُلمةَ الوَخَمِ

يومٌ تبسَّمَ فيهِ الدِّينُ وانهملتْ                على الضّلالِ عيونُ الشِّركِ بالسَّجمِ

أبلى عليٌّ بهِ خيرَ البلاءِ بما                  حباهُ ذو العرشِ من بأسٍ ومن هِمَمِ

وجالَ حمزةُ بالصَّمصامِ يكسؤُهُم           كسأً يُفرِّقُ منهم كُلَّ مُزدحمِ

وغادرَ الصَّحبُ والأنصارُ جَمعَهُمُ           وليسَ فيهِ كَميٌّ غيرُ منهزمِ

تَقَسَّمتهم يدُ الهيجاءِ عادلةً                    فالهامُ للبيضِ والأبدانُ للرَّخَمِ

كأنّما البيضُ بالأيدي صَوالجةٌ               يلعبنَ في ساحةِ الهيجاءِ بالقِمَمِ

لم يبقَ منهم كَميّق غيرُ مُنجدلٍ              على الرّغامِ وعضوٌ غيرُ مُنحطمِ

فما مضت ساعةٌ والحربُ مُسعرةٌ          حتى غدا جَمعُهم نهباً لِمقتسمِ 

قد أمطرتهم سماءُ الحربِ صائبةً            بالمشرفيّةِ والمُرّانِ كالرُّجُمِ

فأينَ ما كانَ من زهوٍ ومن صَلَفٍ            واينَ ما كانَ من فخرٍ ومن شَمَمِ

جاؤوا وللشرِّ وسمٌ في معاطسهم               فأُرغموا والرَّدى في هذهِ السِّيَمِ

من عارضَ الحقَّ لم تسلم مقاتِلُهُ               ومن تعرضَ للأخطارِ لم ينمِ

فما انقضى يومُ بدرٍ بالتي عَظُمت              حتى مضى غازياً بالخيلِ في الشُّكُمِ

فَيَمَّمَ الكُدرَ بالأبطالِ مُنتحياً                      بني سُليمٍ فولّت عنهُ بالرَّغمِ

وفي يوم الحادي والعشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة كانت غزوة الفتح، حيث فُتحت مكة المكرمة، وزالت دولة الكفر والعدوان، وشمخت دولة الحق والإيمان، وانطوت صفحة الوثنية والشرك من جزيرة العرب،  وتوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة المشرفة، ليطهرها من الأوثان والأصنام، وتوجه إلى  الناس الذين طغوا وبغوا، والذين علوا واستكبروا، ليسمعهم نداء الإسلام العظيم يردّده بلال الحبشي مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم من على ظهر الكعبة الشريفة: الله أكبر، الله أكبر. ودخل الناس في دين الإسلام أفواجاً أفواجاً.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:

“في أوائل العشر الأواخر منه…كان فتح مكة..البلد الحرام، الذي جعله الله داراً للتوحيد، فجعله المشركون عاصمة للوثنية ومركزاً لعبادة الأصنام،حتى كان حول الكعبة وحدها ثلاثمائة وستون صنما، فعاد هذا البلد بالفتح للتوحيد والإسلام.كان فتح مكة مرحلة حاسمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، ونقطة فاصلة دخل بها الإسلام طور جديد من القوة والتوسع، والانتشار غير المحدود.وفي هذا يقول القرآن: {لايستوي منكم من أنفقَ من قبلِ الفتح وقاتلَ أولئك أعظمُ درجةٌ من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا} [الحديد10].

ويتابع الشيخ: ” وإنني محدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في يوم الفتح، يوم نصره الله على عدوه،وحقق له أمله،وأنجز وعده، فهاهي مكة العتيدة العاتية، تسقط أمام كتائب الرحمن وجنود القرآن … مكة التي خرج منها الرسول ليلا، فهاهو يعود إليها نهارا،وخرج منها خفية، فهاهو يعود إليها جهارا… وخرج منها مُضطهدا، فهاهو يعود إليها فاتحا منتصرا.ويتابع حفظه الله: “ومن الناس من يثبت في الشدائد والأزمات، ويصبر في البأساء والضراء،حتى إذا انزاحت الغمة، وجاءت النعمة، وأقبل الرخاء والسعة، ركبهم الغرور، وسيطر عليهم العُجب والكِبر،وأعمتهم نشوة الظفر والنصر، وغرَّهم بالله الغرور.ولكن موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الفتح الأعظم هو أحد الدلائل على أن الله قد اصطنعه لنفسه، وصنعه على عينه، وبعثه ليتمَّ مكارم الأخلاق.لقد دخل مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح مُرجِّعاً، وقد حنى رأسه تواضعاً لله عز وجل، حتى قال أنس رضي الله عنه: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكة يوم الفتح، وبطنه على راحلته متخشعا.[رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم].ولأول مرة، ترى الدنيا فاتحاً ينتصر على أعدائه، وتدين له عاصمة بلاده، يدخلها في مثل هذا التواضع والإخبات والخشوع لله رب العالمين.ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد الحرام، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت وفي يده قوس، والبيت عليه ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بالقوس ويقول:  {جاءَ الحقُّ وزهقَ الباطل إنَّ الباطلَ كان زهوقاً}[الإسراء 81]، {جاء الحقُّ وما يُبدئُ الباطلُ ومايُعيد}[ سبأ 49]،والأصنام تتساقط على وجوهها..وأمر ب”هبل” أعظم هذه الأصنام، فكسر وهو واقف عليه، وأبو سفيان يشهد بعينه نهاية” هبل” الذي وقف يوم ” أحد” يخاطبه ويقول: أعل هبل، ولهذا ذكره الزبير بذلك فقال: يا أبا سفيان، قد كسر ” هبل” فإنك كنت منه في يوم ” أحد” في غرور.ويتابع: ” ثم دار في البيت وكبر في نواحيه، ووحد الله تعالى، ثم فتح الباب، وقريش قد ملأت المسجد صفوفاً ينتظرون، ماذا يصنع محمد؟ إنهم هم الذين طالما آذوه وعذبوا أصحابه،طالما امتزجت سياطهم بدماء المؤمنين ولحومهم.إنهم الذين أخرجوه من أحبِّ بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إليه.

مكة..هم الذين أخرجوا أصحابه من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.إنهم الذين قاتلوهم في بدر وأحد، وحاصروهم في الخندق، وقتلوا العشرات والمئات من جنده المؤمنين.إنهم هم العتاة القُساة الطغاة، وقد أمكنت منهم الفرصة، وحان الموعد للنقمة والقصاص…لابد أن يُحاكم إذن هؤلاء الخصوم، فتُضرب منهم الأعناق، وتطيح الرؤوس، أو تعمل السهام في رقابهم دون محاكمة ولامقاضاة.هذا مايتوقعه الناس في مثل هذا الموقف الرهيب، وهذا مايفغله المنتصرون في القديم والحديث.ولو انتقم النبي منهم ماكان ظالماً لهم… ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صنع غير هذا، لقد نادى قريشاً وهم ناكسوا رؤوسهم، ينتظرون الكلمة الفاصلة، تخرج من بين شفتيه فقال: “ يامعشر قريش، ماتظنون أني فاعل بكم” قالوا: خيراً، أخ كريم، وإبن أخ كريم.هناك قال: إني أقول ماقال يوسف لأخوته”لاتثريب عليكم اليوم” اذهبوا فأنتم الطلقاء.

وهكذا بكلمة واحدة، أطلقهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصدر هذا العفو العام، وضرب المثل الأعلى في تسامح القادرين على الانتقام والاقتصاص.ويتابع القرضاوي حفظه الله: “عرف الناس الفاتحين المنتصرين تشمخ أنوفهم، وتتمايل بنشوة النصر رؤوسهم، وينسبون النصر والفضل في نجاحهم لكفايتهم وبراعتهم ومهارتهم وحسن حيلتهم وتدبيرهم، ولذلك يُوعزون إلى أتباعهم وأنصارهم أن يهتفوا بأسمائهم، ويُشيدوا بذكرهم، ويرفعوا صورهم في كل مكان.ولكن النبي صلى الله عليه وسلم، نسب الفضل في هذا النصر كله إلى الله وحده، فكان هتافه ونشيده الدائم في هذا اليوم العظيم” لاإله إلا الله ، وحده لاشريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده”.ودخل دار أم هانئ بنت عمه فاغتسل وصلى ثماني ركعات في بيتها، وكان الوقت ضحى، فظنها من ظنها صلاة الضحى، وإنما هي كما قال الحافظ ابن القيم    :صلاة الفتح. ولهذا قالت أم هانئ:مارأيته صلاها قط قبلها ولابعدها.وكان أمراء الإسلام إذا فتحوا بلدا أو حصنا، صلوا عقيب الفتح هذه الصلاة اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.ويتابع الشيخ حفظه الله: “ذلكم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، في يوم الفتح. استمساك بالحق إلى أبعد مدى،وسماحة وعفو، وخشوع وتواضع، وصلاة واستغفار،وإنابة إلى الله عز وجل، وصدق الله العظيم:  {إذا جاءَ نصرُ الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا* فسبِّح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا}انتهى كلام الدكتور القرضاوي.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات في فتح مكة(وحي الرسالة الجزء الثاني ـ ص262ـ مقال بعنوان:يومان من أيام الرسول):

“يومان من أيام الرسول صلى الله عليه وسلم تضمنا سر النبوة كما تتضمن النواة سر النخلة،ولخصا تاريخ الإنسانية كما يلخص الجنين تاريخ الإنسان.ذانك يومه الخائف المجهود وقد خرج مهاجراً إلى المدينة،ويومه الآمن المشهود وقد رجع ظافراً إلى مكة.

كان يومه الأول لثلاثة عشر عاماً من المحن الشداد والآلام الفواتن تظاهرت على الإيمام والصبر حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يلوذ بحائط من حوائط ثقيف:”اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلّة حيلتي وهواني على الناس“.

وكان يومه الآخر فاتحة لثلاثة عشر قرناً من النصر المؤزر والفتح المبين ،خنس فيه الشرك واستخذت الجهالة وذلت قريش حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو واقف بباب الكعبة:”لا إله إلا الله ،صدق وعده ،ونصر عبده ،وأعزّ جنده ،وهزم الأحزاب وحده”.

وإذا كان للرسول صلى الله عليه وسلم يومان لا تزال العقول تقع منهما كل يوم على سر،فإن مصدر هذه الأسرار معجزتان لله لا تزال الأفهام تكشف فيهما كل حين عن آية:معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم في خلقه،ومعجزة القرآن في بيانه.وقد انكسر القرن الرابع عشر على هاتين المعجزتين والأذهان البصيرة الموالية والمعادية تدرس آثارهما وتستبطن أسرارهما،فما بلغت من ذلك كنهاً ولا غاية.

ويتابع:”وافتن شياطين مكة في أذى الرسول،فعذبوه في نفسه وفي قومه وفي أصحابه ليحملوه على ترك هذا الامر فما استكان ولا لان ولا تردد.وانطلق محمد وصاحبه ودليله وخادمه على عيون المشركين في الطريق الموحش الوعر إلى يثرب.وكأن هؤلاء الناجين بدين الله لم يكادوا يدخلون في غيب الطريق حتى انشقت الصحراء عنهم فإذا هم عشرة آلاف من جند الله يجرّون الحديد على النياق الكُوم والخيول الجرد،والرسول صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار لا يظهر منهم وراء الدروع غير الحدق،وإذا أبو سفيان زعيم قريش قد اشترى حياته بإسلامه،ثم وقف مع العباس بمضيق الوادي يشهد جيش الفتح وهو زاحف إلى مكة ويقول:هذا والله ما لا طاقة لنا به!لقد أصبح ملك ابن أخيك يا أبا الفضل عظيماً.فقال له العباس:يا أبا سفيان إنها النبوة!

ثم نجا أبو سفيان إلى مكة فصاح بأعلى صوته:يا معشر قريش،لقد أتاكم محمد بما لا قِبل لكم به،فسلموا تسلموا.

أهذه مكة الطاغية التي لبثت إحدى وعشرين سنة تفور بالسفه والحقد والإفك والضغينة والمعارضة على محمد ودين محمد وأصحاب محمد؟ما بالها خشعت خشوع الجناح الكسير،وسكنت سكون المقبرة المهجورة؟لقد باتت ليلة من ليالي يناير الباردة الطويلة وقلبها يرجف من هول الغد وانتقام الفاتح.ثم أصبحت مكة الساهدة فإذا أهلها بين قابع في منزله،أو عائذ ببيت الله،أو لائذ بدار أبي سفيان،وإذا فرق الجيش المحمدي الظافر تنحدر من (ذي طوق)مكبرة مهللة إلى جهات مكة الأربع.فلما ارفضّت المخاوف عن الناس خرج القائد الأعظم من قبته المضروبة بأعلى مكة يؤم المسجد الحرام،وعلى جوانب الطرقات ألسنة المسلمين تذكر،ومن وراء الحجرات عيون المشركين تنظرنوالرسول الكريم قد طأطأ رأسه على رحله حتى كاد أن يمس قادمته،فلم يجر على باله أن هذه الأرض التي طورد فيها وسال دمه عليها قد أصبحت ملكه،وأن هؤلاء الناس الذين قذفوه بالأحجار ورموه بالأقذار قد أصبحواأسراه،حتى دخل المسجد فطاف،ثم أقبل على الأرستقراطية الصاغرة وهي تتطامن من القلق والفرق وقال لأهلها الذين أفرطوا عليه في البذاء والإيذاء:يا معشر قريش،اذهبوا فأنتم الطلقاء!

ذانك يومان من أيام الرسول صلى الله عليه وسلم تضمنا أسرار نفسه ولخصا أطوار حياته.فهل تطمعون يا من تظنون أن الزعامة تجوز من غير صدق،والجهاد يفوز من غير صبر،والحياة تصلح من غير إيمان،أن تكون لكم في رسول الله أسوة حسنة؟”.

ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله في مقال له بعنوان:أربع صفحات متتابعات:

“هذا يوم العشرين من رمضان سنة ثمانٍ من الهجرة،وقد أخذت مكة صولة الجيش الإسلامي ،ودهمها جند التوحيد من أعلاها وأسفلها:خالد بن الوليد،قائد الميمنة،يدخل من الليط أسفل مكة يقود جموعاً من غِفار وأسلم ومُزينة وغيرها،والزبير بن العوام،قائد الميسرة،يدخل من كُدَى أعلى مكة،وأبو عبيدة بن الجراح،في صف من المسلمين،يدخل من أذاخر بين يدي رسول الله.

وقريش وألفافها حائرة،منها من يعد للقتال،ومنها من يدعو إلى السلم،ومنهم من ترددت به الفجاءة بين القتال والاستسلام،فناوش قليلاً ثم سكن.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته مطاطئاً رأسه كأنه ساجد على الرَّحل تواضعاً وشكراً،قد غضّ بصره عن هذا الجيش الكثيف،وهذا الجند المطيع،وهذه السطوة المحيطة،ليفتحه على الحق الذي يدعو إليه،والعدل الذي يقوم به،والسلام الذي يبغيه،والالفة التي يريدها.

هذه القرية التي أخرجت الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه قبل ثماني سنين،القرية التي هاجر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه يلوذان بالغار،ليختفيا عن الأبصار،القرية التي أبت على المسلمين الإقامة فيها والخروج منها،القرية التي آذت محمداً في دينه ونفسه وصحبه عشر سنين،ثم أتبعته العداوة والحرب حيثما كان،وهذه قريش التي سخرت بمحمد ودينه وآذت أصحابه،وعذبت المستضعفين منهم،وألجأتهم أن يهاجروا إلى الحبشة ثم إلى يثرب،ثم حاربتهم في بدر وأحد،وألّبت عليهم القبائل في غزوة الأحزاب ،فأحاطت بالمدينة تبغي استئصال المسلمين،ثم ردّت المسلمين عن دخول مكة معتمرين عام الحديبية.

ليس في هذه البقعة جبل ولا شِعب ولا وادٍ،ولا طريق إلا شهد بطش الباطل الكثير بالحق القليل،والشرك العاتي بالتوحيد الناشىء،واستهزاء الجهلة الجفاة بالحكماء البررة،وضوضاء اللغو تطغى على ترتيل القرآن ،وأضواء السخرية تحيط بتكبير الصلاة.

واليوم قد أخذت سَورة الحق تهاويل للباطل،وزُلزل الجبابرة لسطوة المستضعفين،وخرّت الأصنام بكلمة التوحيد.إنه ليوم جزاء وانتقام وقصاص لمن يريد،وقد قال سعد بن عبادة وهو يحمل راية من رايات المسلمين داخلاً إلى مكة:اليوم يوم الملحمة،اليوم تستحل الحرمة”.

كلّا!كّلا! إن محمداً لا ينتقم لنفسه،ولا يقتص لأصحابه،ولكنه رسول توحيد،وداعية ألفة وسلام،فقد لقي الجهل بالحلم،والذنب بالعفو،والإساءة بالإحسان،والبغضاء بالمودة.

رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم بباب الكعبة يخطب ليعلّم هذه الجاهلية شرائع الدين ومكارم الأخلاق،ويحطم في نفوسها أصنام الجهل ولهوى والمعصية،كما أنزل عن الكعبة هذه الاصنام الذليلة،يقول:”يا معشر قريش،إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظُّمها بالآباء.الناس من آدم، ,ىدم خُلق من تراب.

ويقول: يا معشر قريش،ويا أهل مكة،ماترون أني فاعل بكم؟فيقولون:خيراً،أخ كريم وابن أخ كريم،فيقول:اذهبوا فأنتم الطلقاء.

وما أجمل هذه الأبيات الشعرية التي قالها الشاعر عزيز أباظه في غزوة الفتح:

واذكرِ الفتحَ كيف قرَّ بهِ الدين          وعزَّت بعزِّه السمحاء

حقَّقَ اللهُ وعدَه لرسولِ الله              والوعدُ من لَدُنْهُ وفاءُ

ربَّ فتح تومي له الأرضُ عُجباً        وافتناناً وتستطيلُ السماءُ

قد تحلَّت أمُّ القرى واشرأب البيت      زهواً وازدانت البطحاءُ

أقبل الفاتحون في الجحفل المجر       يَزينُ الاباء فيه المضاءُ

وعليهم من السماحة والعفةِ            والدينِ والهدى رُقباءُ

لاهوىً يَغْلبُ النفوسَ على القَصدِ      ولاخَيْلةَ ولابغضاء

لا ولانشوةُ المشيَّعِ بالنصرِ             وللنصر نشوةٌ حمقاءُ

الأشداءُ في الجهادِ وفي الحقِّ          وفيما عداهما الرُّحماءُ

وقفَ الدهرُ خاشعا حين وافت         تتهادى بربِّها القُصواءُ(ناقة النبي)

الهدى والوقارُ والنبلُ والسَّرو        عليها والعزَّةُ القعساءُ

ثم أفضى إلى العتيقِ فقال الناس      قد حاق بالعُصاةِ البلاءُ

قد عَتونا عليهم وبغينا                فانظروا اليومَ مايكونُ الجزاءُ

قال يا أهل مكةٍ ماتقولون             فقالوا الأسجاحُ والإغضاءُ(العفو)

قال في حكمةٍ وبارعِ رأيٍ            لا عليكم فأنتمُ الطُّلقاءُ  

وقال الشاعر هاشم رفاعي في غزوة الفتح:

وقضى الإلهُ بفتحِ مكةَ فانبرى        حادٍ لهُ عندَ المسيرِ حداءُ

وتَدفَّقَ الوادي بخيلٍ فوقها            أُسدُ اللقاءِ أنوفُها شَمّاءُ

مهلاً ابا سُفيانَ ذاكَ مُحمّد           سُدَّت بخيلِ جنودهِ الأرجاءُ

طَلعتْ عليكَ فوارسٌ لا تُتَّقى        تكبيرُهم لحنٌ لهم وغِناءُ

يا قائدَ الأشرارِ في أحدٍ ويا      من أشبهتهُ الحيّةُ الرَّقطاءُ 

ماذا لقيت من الرسول وقد أتى      من بعد ما خرجت به الشّحناءُ

ما كانَ ضرَّ محمداً لو أنّهُ            نالتكُمْ من بطشهِ بأساءُ

أنتم من اضَّطهدوهُ حتى أنَّهُ          عن أرضِ مكّةَ كانَ منه جلاءُ

لو أنّهُ صبَّ الجزاء مضاعفاً         كانَ المصيبَ وما لكم شُفعاءُ

أو ليسَ قد رسم الطريق إلى الهدى     فيكم فكانَ الصفحُ والإغضاءُ؟

نظروا إليهِ ذَليلةً أعناقُهُم               ملءُ العيونِ ضراعةٌ ورجاءُ

ناداهم ماذا تروني فاعلاً:             قالوا له:ما يفعلُ الرُّحماءُ

فأجابهم:إنّي عفوتُ عن الذي         قدّمتموهُ فأنتمُ الطُّلقاءُ 

وقال هاشم رفاعي في غزوة الفتح أيضاً:

وحدِّثْ عن الفتحِ المبينِ وما بدا       لأُمِّ القرى لما إليها تيمَّما

ألمْ يُقبلُ الداعي الفقيرُ بجحفلٍ        يَشقُّ هضابَ البيدِ سيلاً عرمرما

بكُلِّ فتىً أمضى من السيفِ عزمهُ     إذا مابدتْ للحربِ نارٌ تَقحّما

تراهُ إذا ما لفَُّ الليلُ قانتاً             ويبدو إذا ما كَرّتِ الخيلُ ضيغما

ألمْ يدخلِ البيتَ الممنَّعَ فاتحاً         وكانَ عليهِ البيتُ قبلاً مُحرّما

فكم من إلهٍ تحتَ أقدامِ جُندهِ          همُ نصبوهُ قد وهى وتهشما

ألا سائلِ القومَ الذينَ مشوا لهُ         وساقوا إليهِ الكيدَ كالحقدِ مؤلما

وصبوا عليه السوط ـ سوط عذابهم ـ      إلى أن رأى في هجرةِ الدارِ مَغنما

وإن كانَ ظلمُ الناسِ للمرءِ مؤلماً           فقد كانَ ظلمُ الأهلِ أنكى وآلما

أما جمعوا بالبيتِ من كلِّ ناقمٍ            إلى ذلكَ الغازي أساءَ وأجرما

أما أطرقوا رأساً مخافةَ باسهِ             وقد شربوا كاسَ المذلّةِ مفعما

أما قدّروا أن يبطشَ البطشةَ التي         جَنوها وهم كانوا أعقَّ وأظلما

فمالَ إلى الصفح الجميلِ عن الاذى       ولو قد أتاها كانَ للعدلِ محكما

ولكنّهُ داعٍ إلى الخيرِ،شأنهُ                  إذا ما أساؤوا أن يقيلَ ويرحما

أقامَ يتيمَ البيدِ أركانَ دولةٍ                  ووطّدهُ في الأرضِ ديناً ودّعما

هو الحقُّ قد أرسى الإلهُ بناءهُ              وأكملهُ القرآنُ نوراً وتِمّما

ويقول الشاعر عمر أبو ريشة:

طوي الحول وانطوى أحدٌ فيه               ولم تحملي سوى الضراء

أيّ ذلٍّ على جفونكِ يعوي                    وركابُ النبيِّ ملء العراء

حلَّ في مكة ووجهك في التربِ               خضيبٌ ووجهه في السماء

ومشى للصلاة والكعبة  السمحة              في غمرة من النعماء

وتعالى التكبيرُ يا سدّة الأصنام              ميدي ويا علوج تنائي

واشهدي يا سماء أن رسول الله            أوفى بالعهدِ خير وفاء

وفي يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان من عام 658 للهجرة كانت معركة عين جالوت  (وهي مدينة قرب مدينة الناصرة في فلسطين) حيث تمكّن القائد المملوكي قطز(اسمه الحقيقي محمود بن ممدود) والظاهر بيبرس قائد القوات ومن ورائهم شيخ الإسلام العزّ بن عبد السلام من هزم التتار وقائدهم كيتوبوتا، الذين أحرقوا بغداد، ونكّلوا بالعباد،واحتلوا بلاد الشام وأرادوا احتلال مصر، فأوقف قطز والظاهر بيبرس ومن معهم من جند المسلمين من زحف التتار وانتشارهم وأطلقوا النداء الخالد في هذه المعركة وكان شعارها” وإسلاماه” والذي تحول إلى سيوف ورماح تطعن صدور الطغاة وتسحق جماجم العتاة، وإذا براية القرآن ترتفع عالية من جديد بعد أن ظن رؤوس الكفر أنها لن ترتفع أبداً!!

وفي السادس والعشرين من شهر رمضان 584 هجري والموافق للسابع عشر من شهر تشرين الثاني للعام 1188م، كانت موقعة حطين الشهيرة بقيادة الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته والتي أنهت الوجود الصليبي في المشرق العربي.وقد كانت معركة حطين نصراً كبيراً للمسلمين وعاد المسجد الأقصى الحزين إلى عهدة وحماية المسلمين، وعادت القدس الشريفة مطهرة وخالية من أرجاس وأنجاس الصليبيين، وكانت هزيمة كبيرة للصليبيين فقدوا فيها زهرة فرسانهم، وقتل العديد منهم، ووقع في الأسر من تبقى من قواتهم وقوادهم، حتى قيل: إن من شاهد القتلى قال: ماهناك أسير، ومن عاين الأسرى قال: ماهناك قتيل.وغدت فلسطين عقب حطين في متناول قبضة صلاح الدين فشرع يفتح البلاد والمدن والثغور الصليبية واحدة بعد الأخرى، حتى توج جهوده بتحرير بيت المقدس في ليلة الإسراء والمعراج أي في 27 رجب 583هجري الموافق 12 تشرين الأول 1187م.

وفي الثامن والعشرين من رمضان عام 92 من الهجرة  والموافق للتاسع عشر من تموز 711م كان فتح الأندلس على يد موسى بن نصير وقائده المسلم طارق بن زياد، حيث استطاع جنود طارق وكان عددهم سبعة آلاف مجاهد أبحروا من طنجة في أربع سفن وتجمعوا عند جبل كالبي والذي عرف فيما بعد باسم  جبل طارق، والتقى جيش طارق مع جيش القوط بقيادة “لذريق” ، وكان عدد جيش المشركين حوالي المائة ألف، وانتصر جيش المسلمين وغرق “لذريق ” في البحر، وتمكن المسلمون أن يفتحوا بلاد الأندلس وينشروا الإسلام في ربوع أوروبا وأقاموا حضارة عالية راقية وبشهادة الأعداء قبل الأصدقاء واستمرت أكثر من ثمانية قرون.وقد وقف القائد العظيم طارق زياد يحث جنوده على الصمود في الميدان قبل المعركة وخطب فيهم خطبته المشهورة، التي بدأها بقوله:”أيها الناس، اين المفر، البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر.واعلموا أنكم في هذه الجزيرة اضيع من الأيتام في مأدبة اللئام.وقد استقبلكم عدوكم بجيوشه وأسلحته وقواته، وهي موفورة.وأنتم لاحول لكم إلا سيوفكم ولاأقوات لكم، إلا ماتستخلصونه من أيدي عدوكم وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمراً ذهبت ريحكم وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطاغية،مافعلت من شئ فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، ولإن وقفت فقفوا ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال، وها أنا حاملٌ حتى أغشاه فاحملوا حملتي”.

وفي السادس من رمضان من عام 223هجري كان فتح عمورية، حيث توجه الخليفة العباسي المعتصم بجيشه بعد أن وصل إلى مسامعه استغاثة إحدى نساء المسلمين بعد أن تعرّض لها أحد علوج الروم، وذهب الخليفة إلى عمورية مسقط رأس الزعيم الروماني توفيل الذي قتل الآلاف من المسلمين وحرق البيوت والمساكن وسبى النساء، فانتقم هذا الخليفة وثأر لكل هؤلاء وأحرق عمورية وانتصر للإسلام والمسلمين.

وفي رمضان من السنة 15 للهجرة كانت معركة القادسية والتي انتصر فيها المسلمون بقيادة “سعد بن أبي وقاص” رضي الله عنه على جيش فارس، وكانت مقدمة لفتح ” المدائن” عاصمة دولة كسرى الذي ولى هارباً فاراً وقُتل قائد الفرس” رستم” وكانت نقطة تحول عظيمة حيث استطاع المسلمون من القضاء على الأمبراطورية الفارسية التي كانت تحكم العالم في ذلك الوقت وتتقاسم النفوذ مع امبراطورية البيزنطيين في روما.

وفي يوم الجمعة 25 رمضان عام 479 هجري كانت معركة” الزلاقة” والتي انتصر فيها جيش المسلمين بقيادة يوسف بن تاشفين على الفرنجة،بقيادة الفونس السادس وجيشه الذي تجاوز 80 ألف مقاتل، وكانت المعركة في سهل يقع في مايسمى الآن “البرتغال”.وقد نجا الفونس مع تسعة فقط من أفراد جيشه.

وفي العاشر من رمضان عام 1973م تمكنت القوات المصرية  ـومعظم أفرادها كانوا من الصائمين ـ من عبور أكبر الموانع المائية وهي قناة السويس وتمكنوا من تحطيم أقوى التحصينات العسكرية وهو خط بارليف، وقد سمعت الشاعرة العراقية نازك الملائكة أن فرقة من الجيش المصري في سيناء كان أفرادها صائمين، وحان موعد الإفطار وقد نفد الماء عندهم فراحوا يتضرّعون إلى الله، فجاءت طائرات إسرائيلية وقصفت المعسكر فتفجر الماء من الأرض حيث كانت مواسير الماء اليهودية مدفونة فقالت:

الله أكبر

الله أكبر

هتافة الآذان في سيناء تبحر

من موجها تسيل في الصحراء أنهر

الله أكبر

ياصائمون أفطروا

من شفة المؤذن الخاشع يهمي المطر

والله باسط عليكم أجمل الظلال

تسبيحة معطرة

ورحمة من السماء انحدرت معسولة مقطرة

يشرب تهويماتها المعسكر القابع في الظلماء

عطورها منهمرة

على جنود مصر في سيناء

تجمعوا وخيموا فوق قفار محرقات الرمل في الصحراء

وهم عطاش لم يذوقوا منذ أمس الماء

شفاههم منعصرة

صيامهم من عطش حناجر مستعرة

لكن في وجوههم ضراوة الصاروخ والمدافع المزمجرة

و(الله أكبر) على شفاههم غناء

بنورها بسرها يزحزون القلعة الشماء

ومن لهاث العطش القاتل باتوا يشربون حرقة الهواء

عيونهم تستمطر السماء

ربّاه فجِّر بين أيدينا عيون الماء

هات اسقنا ياربّ من لدنك كأس رحمة مطهرة

ياواعد المؤمن بالصحو وبالظل الندي الظليل

هات اسقنا كما سقيت الطفل إسماعيل

كما رويت أمه الوالهة المنكسرة

بعد هيام ضائع طويل

في مدن العويل

الله أكبر

ياصائمون ربكم قد سمع الدعاء

والطائرات أقبلت تهدر في الفضاء

تقذفكم صواعقاً وتمطر

على روابيكم لظى حرائق

تريد أن تغرقكم في برك الدماء

والله في سمائه يقدر

يدبر

يمطر فوق صومكم أنداء

يسقيكمو من يد أعدائكم أحلى كؤوس الماء

والله للمؤمن ثلج مغدق في لهب الصحراء

ووجهه الغامر في شراسة النيران كوثر

وطوق ورد أحمر

وبلسم وماء

الله أكبر

وانبجس الماء النمير حيث عسكروا

ونام طفل الضوء إسماعيل حول وجهه يضوع عنبر

وأشرق عالم بالضياء

سبحان معطي الماء

مُفجِّر الندى من الصحراء

ومنبت الزنبق، معطينا نهور الشعر والغناء

الله أكبر

هذا غيض من فيض من معارك الجهاد والنصر  التي قام بها المسلمون في شهر رمضان شهر الجهاد،أما اليوم فروح الجهاد عند المسلمين ومن يحكمهم أصبحت معدومة خامدة إن لم نقل ميتة، وإننا نعيش في هذا الزمان أهوالاً رهيبة، وأوضاعاً عصيبة، حيث يذبح المسلمون في كل مكان، وصريخ المغتصبات من المسلمات يملأ الآفاق والآذان،ولكن لانجد من حكامنا من لديهم نخوة المعتصم، أو نُصرة صلاح الدين، أو حزم أبي بكر الصديق، أو شجاعة خالد ابن الوليد، أو دهاء عمرو بن العاص، بل الأنكى من كل هذا والأمرّ أن هؤلاء الحكام يرفعون رايات الاستسلام والخذلان والهوان، ويرتمون على أقدام الطواغيت ،ويحققون لهم كل الرغبات، من غير نظر إلى مصالح شعوبهم وبلادهم، بل ولابأس أن تداس حقوقهم وكرامتهم!!

ثالثاً ـ وشهر رمضان هو شهر الصيام والقيام:

 فالسلف الصالح كانوا يصومون النهار ، ويقومون الليل صلاة واعتكافاً وقراءة للقرآن مقتدين بذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: ” من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه“[ حديث صحيح].

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في مقالة له بعنوان “فلسفة الصيام”:”تجتاح الناس بين الحين والحين أزمات حادة، تقشعرُّ منها البلاد، ويجفُّ الزرع والضرع، ماعساهم يفعلون؟ إنهم يصبرون مُرغمين، أو يصومون كارهين، وملء أفئدتهم السخط والضيق. وشريعة الصوم شئ فوق هذا، إنها حرمان الواجد، ابتغاء ماعند الله، إنها تَحمل للمرء منه مندوحة ـ لو شاء ـ ولكنه يُخرس صياح بطنه، ويُرجئ إجابة رغبته، مدخراً أجر صبره عند ربه، كيما يلقاه راحة ورضا في يوم عصيب..{ذلك يومٌ مَجموعٌ لهُ الناسُ وذلكَ يومٌ مشهود}[هود 103]، وربط التعب بأجر الآخرة هو ماعناه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ” من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه” ويتابع رحمه الله : ” إن كلمتي” إيماناً واحتساباً” تعنيان جهداً لايُستعجل أجره، ولايُطلب اليوم ثمنه، لأنَّ باذله قرّرَ حين بذله أن يُجعل ضمن مدخراته عند ربه.. نازلاً عند قوله {ذلك اليومُ الحقُّ فمن شاء اتخذَ إلى ربِّهِ مآبا}[النبأ  39]انتهى كلام الشيخ الغزالي.

وقيام الليل والتهجد هي من أعظم مايتقرب به المرء إلى ربه في هذا الشهر الكريم شهر الصيام والقيام والاعتكاف والتهجد.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهجد في ليالي السنة بأسرها،وكان يزيد من عبادته وقيامه واستغفاره في شهر رمضان المبارك وخاصة في العشر الأخير منه،وقد جاء في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم” كان إذا دخل العشر الأواخر شدّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله”، فشدّ المئزر كناية عن النشاط  واعتزال النساء، وأحيا ليله بالطاعات والعبادات من صلاة وذكر وتسبيح وتلاوة للقرآن …وكان لايكتفي بذلك وحده بل يشرك أهله من نسائه أمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ أجمعين، كما قال تعالى:  {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}.

وورد في الصحيح: أنه خرج في إحدى ليالي رمضان من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، جرى هذا ثلاث ليال، ولم يخرج في الليلة الرابعة، وقد ضاق المسجد على الحاضرين . حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس، ثم قال: ” أما بعد:فإنه لم يَخْفَ عليَّ مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم، فتعجزوا عنها“[ متفق عليه] .

وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن الناس يجتمعون في صلاة القيام برمضان على إمام واحد، وبقوا على هذا الحال إلى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأقام أبيّ بن كعب رضي الله عنه إماماً لهذه الصلاة، وجمع الناس على الائتمام به بعد أن كانوا يصلونها فرادى وجماعات في المسجد متفرقة.وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من قام فيه مع الإمام حتى ينصرف من صلاته كُتب له قيام ليلة كاملة، لقوله صلى الله عليه وسلم: ” من قامَ مع الإمام حتى ينصرف فإنه يعدل قيام ليلة” [رواه ابن ماجه]، وقال الإمام أحمد رضي الله عنه: ” يعجبني أن يُصلى مع الإمام ويوتر معه”.

ويستحب الاعتكاف في رمضان(وغيره من أيام السنة)،وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عزّ وجلّ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان”[ رواه مسلم].

وفي العشر الأواخرمن رمضان ليلة القدر وهي ليلة جعل الله العمل فيها والعبادة خيراً من ألف شهر والمحروم من حُرم خيرها، قال تعالى :{ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألفِ شهر} ا[لقدر 3]،وقال صلى الله عليه وسلم: “إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولايحرم خيرها إلا محروم” [رواه ابن ماجه]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه“[ رواه البخاري].

فالعبادة في هذه الليلة المباركة أفضل من ألف شهر، وهذه ليست بالزمن القصير، ولابالشئ الهين، ألف شهر تعني ثلاثة وثمانون عاماً وأربعة أشهر ، ليلة واحدة يستطيع الإنسان أن ينال ثواب هذه الفترة الزمنية الطويلة الأمد.

هذه هي ليلة القدرالتي {تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلِّ أمر* سلام هي حتى مطلع الفجر} [القدر 4 ـ 5].ليلة رحمة وليلة سلام وليلة بركة وليلة مضاعفة الأجر والحسنات.شرفها الله تعالى بإنزال القرآن الكريم {إنا أنزلناه في ليلة القدر}[القدر1].

وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ أرأيت إن وافقت ليلة القدر يارسول الله ، ماذا أقول؟ قال لها: قولي، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني” .فيسأل الداعي من الله العفو والعافية والمعافاة في الدين والنيا والآخرة.

يقول الكاتب الإسلامي العظيم عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد 22 ص576):

فهي ليلة القدر لأنها ليلة التقدير والتمييز بين الخير والشر والتفريق بين المباح والمحظور، والأمر بالدعوة والتكليف،وهو أشرف ما يشرف به الإنسان لأنه هو المخلوق المميز بالتكليف والمخصوص بالتمييز بين جميع المخلوقات،ومن أجل هذا فضل على الملائكة لأنها لاتتعرض لما يتعرض له الإنسان من فتنة التمييز بين المباح والمحظور وفضيلة الوصول إلى الخير والامتناع عن الشر بمشيئة الحي المكلف المسؤول،وقد افتتحت دعوة محمد عليه الصلاة والسلام بالأمر بالقراءة واقترن تمييز آدم على الملائكة بفضيلة العلم كما جاء في سورة البقرة.

وهكذا ينبغي أن نفهم معنى القرآن ومعنى الفرقان ومعنى التقدير والتمييز الذي خص به الإنسان، ومعنى الأمر الحكيم الذي يفرق في ليلة القدر، بأمر العليم الحكيم.

فالشرف الذي فضلت به ليلة القدر إنما هو شرف التقدير والتمييز،وشرف القرآن والفرقان،وشرف التكليف الذي رفع به الإنسان إلى منزلة أشرف المخلوقات وحق عليه أن يذكره لأنه محاسب عليه،فيذكر في كل يوم وليلة أنه مسؤول عما يفعل،وأنه مشرف بين الخلائق جميعاً لأنه مناط السؤال والحساب.وعلى هذا المعنى وحده ينبغي أن نفهم التقدير الذي يرتبط بنزول القرآن وبأمر القراءة والعلم الذي يفرق به كل أمر حكيم”.

وأما القسم الأعظم من الخلف المتخلف فإنهم يستعدون لاستقبال رمضان ولياليه بإحياء مايسمى” السهرات الرمضانية”، حيث المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية  والأفلام السينمائية الرخيصة، ومايسمى ” حزازير رمضان” ، والاحتفالات الغنائية، وسهر الليل في القهوات والنوادي و”الخيمات الرمضانية”، على مدار الساعة منذ ساعة الإفطار وحتى أذان الفجر، ويساعدهم في ذلك وسائل الإعلام الخبيثة في كثير من بلادنا العربية والإسلامية، والتي تملأ الأوقات مابين الإفطار إلى الإمساك بما يعجز اللسان عن وصفه من ميوعة، وخلاعة ولهو، ومن برامج مكتظة بما يقتل الشرف والمروءة من الأدب الرخيص والفن الخبيث، وبحيث تعجز الأجسام المترهلة بعد وجبة الإفطار الثقيلة عن النهوض لأداء الفرائض من صلاة وعبادة مخافة أن يفوتها نكتة جميلة، أو لفتة رشيقة، أو حزورة مفيدة!!والأعجب من ذلك أن تنشر بعض الصحف والمجلات في صفحة الإعلانات أن الملهى الفلاني يعلن استعداده لتوفير وجبات الإفطار والسحور ضمن جو غنائي راقص تشارك فيه كوكبة من الفنانين والراقصات!!!

رابعاً ـ وشهر رمضان هو شهر الجود والعمل والعطاء:

فالسلف الصالح كانوا يجودون بالمال ويكثرون العطاء في هذا الشهر المبارك مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود مايكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن”[ حديث صحيح رواه البخاري].

فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو أجود الناس، ولكن أعلى مراتب جوده وعطائه في هذا الشهر المبارك.وهذا يدل على أن للإنفاق في هذا الشهر فضلاً على الإنفاق في بقية الشهور،وأن بسط اليد وإعطاء المساكين والمحرومين والعطف عليهم يساعد على زرع الألفة والمحبة والتعاون في هذا الشهر فهو شهر المحبة والرحمة والإيثار والجود والعطاء.ومن مظاهر الجود والعطاء إطعام المساكين في هذا الشهر المبارك، ومن أجل هذا كان من أفضل مايثاب عليه الصائم تفطير الصائم وفي الحديث الشريف: ” من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير انه لاينقص من أجر الصائم شيئاً” [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان].

إن هؤلاء المساكين إن كانت الرحمة لهم واجبة في غير رمضان فإنها في هذا الشهر المبارك شهر الرحمة والألفة والمحبة أوجب وألزم، وعلى المسلم أن يبرَّ هؤلاء المساكين وخاصة ذوي القربى والجوار منهم وأن يرى سعادته بإسعادهم ومواساتهم، وأن يتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم

ومن مظاهر الجود والعطاء في شهر رمضان المبارك زكاة الفطر،وقد  جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم” فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان، طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من ادّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات” [رواه أبو داود وابن ماجة والدارقطني، وحسنه الألباني].وتدفع قبل صلاة العيد لكي تساعد المساكين والفقراء والمحتاجين على مشاركة إخوانهم في المسّرة يوم العيد وإغنائهم عن السؤال.يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:”إن الصائم لايخلو من أن يشوب صيامه بلغو أو رفث، بكلام يخوض فيه، بباطل، يتورط فيه، بكلمة يقولها او يسمعها، أو نظرة ينظرها غير مباحة له… أو شئ من ذلك… والله تعالى يريد حياة الصائم أن تكون زاكية طاهرة… لالغو فيها ولا تأثيم… يريد الحياة في رمضان كأنما هي قطعة من الجنة عُجّلت للناس في الدنيا، فإذا شوتم أو قوتل فلا يرد الشتم بالشتم، والسيئة بالسيئة، بل يقابل السيئة بالحسنة، ويقول: إني صائم، لإني صائم.هذا مايريده الله من الصائم، ولكن مَن من الصائمين يرقى إلى هذه المرتبة.إن الصائم كثيراً مايلغو، وكثيراً مايصخب ويجهل… فجاءت هذه الزكاة في ختام الصيام، تطهيراً للصائم مما عسى أن يكون قد كدّر صيامه أو شابه من تلك الشوائب”.

وكان السلف الصالح يقضون نهار رمضان في العمل والقيام بالواجبات، وأداء الحقوق المترتبة عليهم، ولا يضيعون الساعات في توافه الأمور، وكانوا يعرفون حق رمضان وماينبغي فيه من غض البصر وحفظ اللسان عما يغضب الله، وكفّ السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه…

وأما الخلف المتخلف فنجدهم يتخذون حجة الصيام وسيلة للتراخي في العمل، وتعطيل مصالح الناس، ومن كان منهم ذا عمل برم بعمله، وساءت معاملته، وثقل عليه واجبه، فإذا ماسألته عن السبب في ذلك؟ أجابك: إنه الصيام!!وللأسف أن كثيراً من هؤلاء أصبحوا على ديدنة أهل الغرب الماديين يتبرمون بالصيام ويعتبرونه شهر إرهاق وإزعاج فهم يريدون أن تنفلت شهواتهم بدون رقيب ولاحساب .

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في مقالة له بعنوان” فلسفة الصيام”:

” الصيام عبادة مستغربة أو منكورة في جوِّ الحضارة المادية التي تسود العالم. إنها حضارة تؤمن بالجسد، ولاتؤمن بالروح، وتؤمن بالحياة العاجلة، ولاتكترث باليوم الآخر.ومن ثمَّ فهي تكره عبادةً تُقيِّد الشهوات ولو إلى حين، وتؤدِّب هذا البدن المدلّل، وتلزمه مثلاً أعلى.ويتابع رحمه الله” إن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يعرف مايضرّه، ويقبل عليه برغبة… إنها الرغبة القاتلة!!على أن النفس التي تشتهي مايؤذي يمكن أن تتأدب، وتقف عند حدود معقولة، كما قال الشاعر قديماً:

والنفسُ راغبةٌ إذا رغّبتها               وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تقنعُ

وهنا يجئ أدب الصيام: إنه يردُّ النفس إلى القليل الكافي، ويصدّها عن الكثير المؤذي! ذاك يوم نصوم حقاً، ولايكون الامتناع المؤقت وسيلة إلى التهام مقادير أكبر كما يفعل سواد الناس!!.ويتابع” لعلَّ أهم ثمرات الصوم إيتاء القدرة على الحياة مع الحرمان في صورة ما. كنت أرمق النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسأل أهل بيته في الصباح، أثمَّ مايفطر به؟ فيقال: لا! فينوي الصيام، ويستقبل يومه كأنَّ شيئاً لم يحدث..إنها لعظمة نفسية جديرة بالإكبار أن يواجه المرء البأساء والضراء مكتمل الرشد، باسم الثغر.والأفراد والجماعات تقدر على ذلك لو شاءت”.

والأدهى من ذلك والأمرّ أن بعض البلدان الإسلامية تخفف عن الصائمين ساعات العمل المقررة، مما يؤدي إلى ضياع عشرات الملايين من ساعات العمل دون حاجة، وتعطيل حاجات الناس، وتجد الكثير من هؤلاء المسلمين يقطعون النهار في بعض الأعمال المكروهة وربما المحرّمة، فنجد المقاهي وقد امتلأت بالصائمين حيث ألعاب النرد والورق، وحيث مجالس اللغو واللهو، ومعاكسة النساء والبنات على أرصفة الشوارع وفي الطرقات،ناسين أو متناسين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم” من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه”  وقوله صلى الله عليه وسلم” إذا كان يوم صوم أحدكم فلايرفث ولايصخب” ، وافضل هؤلاء الكسالى الذين يقضون ساعات النهار بالنوم العميق حتى ساعة الإفطار!!

خامساً ـ وشهر رمضان هو شهر الصبر والتحمل:

يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله في مقال له بعنوان” أثر الصوم في النفوس نشر عام 1948م:

“في كل فريضة من فرائض الإسلام امتحان لإيمان المسلم، ولعقله، وإرادته، ودع عنك الأركان الخمسة، فالامتحان فيها واضح المعنى بيِّن الأثر، وجاوِزها إلى أمُهات الفضائل التي هي واجبات تكميلية، لايكمل إيمان المؤمن إلا بها، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في القول والعمل، والصبر في مواطنه، والشجاعة في ميدانها،والبذل في سبله، فكلُّ واحدة، أو في كلُّ واحدة منها امتحان تكميلي للإيمان، تعلو فيه قِيَمٌ،وتهبط قِيَمٌ،وفي التوحيد امتحان لليقين، واليقين أساس السعادة، وفي الصلاة امتحان للإرادة، والإرادة أصل النجاح، وفي الحج امتحان للهمم بالسير في الأرض، وهو منبعُ العلم، وفي الصوم امتحان للصبر، والصبر رائد النصر.ويتابع رحمه الله : “غير أن الصوم أعسرها امتحاناً، لأنه مقاومة عنيفة لسلطات الشهوات الجسمية، ومقاوم الشهوات في نفسه أو في غيره قلّما ينتصر،فإن انتصر فقلّما يقف به الانتصار عند حدِّ الاعتدال،بل كثيراً مايجاوزه إلى أنواع من الشذوذ والتنطع،تأباها الفطرة والعقل، وهذه الروح المقاومة في الصوم هي التي راعتها الأديان والنِّحل، فجعلت الصوم أحدى عبادتها، تروض عليه النفوس المطمئنة، وتروض به النفوس الجامحة، ولكن الصوم في الإسلام يزيد عليها جميعاً في صوره ومدته، وفي تأثيره وشدته،فمدته شهر قمري متتابع الايام،وصورته الكاملة فطم عن شهوات البطن والفرج واللسان والأذن،وكل مانقص من أجزاء ذلك الفطام فهو نقص في حقيقة الصوم،كما جاءت بذلك الآثار الصحيحة عن صاحب الشريعة، وكما تقتضيه الحكمة الجامعة من معنى الصوم، فلا يتوهمنَّ المسلم أنّ الصوم هو ماعليه العامة من إمساك تقليدي عن بعض الشهوات في النهار، يعقبه انهماك في جميع الشهوات بالليل،فإن الذي تشاهده من آثار هذا الصوم العرفي إجاعة البطن، وإظماء الكبد، وفتور الأعضاء، وانقباض الأسارير،وبذاءة اللسان، وسرعة الانفعال،واتخاذ الصوم شفيعاً فيما لايحب الله من الجهر بالسوء من القول، وعذراً فيما تبدر به البوادر من اللجاج والخصام والأيمان الفاجرة!!كلا، إن الصوم لايكمل، ولاتتم حقيقته، ولاتظهر حكمته ولاآثاره إلا بالفطام عن جميع الشهوات الموزَّعة على الجوارح،وللأذن شهوات في الاستماع، وللعين شهوات في امتداد النظر وتسريحه على الجوارح كلها،وإنّ له لضرواة بتلك الشهوات لايستطيع حبسه عنها إلا الموفَّقون من أصحاب العزائم القوية، وأنّ تلك الضراوة هي التي هوّنت خطبه حتى على الخواص، فلم يعتبروا صوم اللسان من شروط الصوم، وأعانهم على ذلك التهوين تقصير الفقهاء في تعريف الصوم،وقصرهم إياه على الإمساك عن الشهوتين، وافتتانهم بالتفريعات المفروضة، وغفلتهم عما جاء في السنة المطهرة من بيان لحقيقة الصوم وصفات الصائم.ويتابع رحمه الله : “صوم رمضان محكٌّ للإرادات، وقمع للشهوات الجسمية، ورمزٌ للتعبُّد في صورته العليا، ورياضة شاقة على هجر اللذائذ والطيبات،وتدريب منظم على حمل المكروه من جوع وعطش وسكوت، ودرس مفيد في سياسة المرء لنفسه،وتحكُّمه في أهوائها، وضبطه بالجدِّ لنوازع الهزل واللغو والعبث فيهان وتربية عملية لخلق الرحمة بالعاجز المعدم، فلولا الصوم لما ذاق الأغنياء الواجدون ألم الجوع ولما تصوروا مايفعله الجوع بالجائعين وفي الإدراكات النفسية جوانب لايغني فيها السماع عن الوجدان،ومنها هذا، فلو أنّ جائعاً ظلَّ وبات على الطوى خمساً، ووقف خمساً أخرى يصوِّر للأغنياء البِطان مافعل الجوع بأمعائه وأعصابه، وكان حاله أبلغ في التعبير من مقاله، لما بلغ في التأثير فيهم ماتبلغه جوعةٌ واحدةٌ في نفس غنيٍّ مترفٍ.لذلك كان نبيُّنا إمام الأنبياء، وسيد الحكماء، أجود ما يكون في رمضان.انتهى كلام الشخ الإبراهيمي.

والشيخ مصطفى السباعي رحمه الله في مقال له بعنوان” رمضان شهر القوة”:

“المسلم في رمضان يصبر على وطأة الجوع والعطش، ويترك كل مااعتاده في النهار من ملذات ومرطبات ومنعشات، يصبر على الحرمان من ذلك كله بطواعية واختيار، لاخوفاً من سجن ولارهبة من عقاب في جسمه أو ماله،والصبر الاختياري على ملذات النفوس وأهوائها أكثر فائدة للنفس وللأمة من الصبر الذي تحمل عليه الفاقة،أو يُلجئ إليه الحرمان، أو تبعث عليه الرهبة من العقاب أو العذاب.إن الجندي الذي يتعلم الصوم اختياراً في أيام السلم، لن يكون أكثر صبراً على الجوع في قلب المعركة حين يحيط به العدو وينقطع مابينه وبين قيادته، كذلك الجندي المسلم الذي تحمل الصبر على الجوع شهراً من كل سنة، وبضع عشرة ساعة من كل نهار، حتى صار الصبر عنده على الدخان والشاي والقهوة ـ إن كان من المستهترين بها ـ أمراً اعتيادياً في شهر الصوم.إن الصبر على الشدائد قوة معنوية من أقوى الأسلحة التي تتسلح بها الأمم في كفاحها وحروبها، والصبر على الحرمان في قلب المعركة من أهم ماينتصر به الجيش على أعدائه، ونحن نعلم أن من أكبر مشكلات القيادة الحربية في العصر الحديث، تموين الجيوش بالطعام والغذاء” .

سادساً ـ وشهر رمضان هو شهر إصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق:

القصد من الصيام وأداء فريضته : الإصلاح والتهذيب،وحسن الأخلاق، لاتعذيب النفوس بنحو الجوع والعطش ، وكبح شهوات البطن والفرج، أضف إليها كبح الشهوات التي تصدر عن الحواس وخاصة السمع والبصر واللسان.وكفُّ الجوارح كلها عن المحرمات وتجنب الانهماك في الشهوات المحرمة، كالخوض في الباطل من كذب وغيبة وفحش..والصيام أظهر عبادة في مقاومة الغريزة الحيوانية في كفِّ النفس عن الطعام والشراب وكل الشهوات.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 217 بتاريخ التاسع من نوفمبر عام 1904):

يقول تعالى:{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، ذكر الله تعالى حكمة إيجاب الصيام علينا فقال(لعلكم تتقون)، ومعنى (لعل)  الإعداد والتهيئة، وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأناً، وأنصعها برهاناً، وأظهرها أثراً،وأعلاها خطراً،(شرفا)أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لارقيب عليه فيه إلا الله تعالى، وسرٌّ بين العبد وربه لايشرف عليه أحد غيره سبحانه،فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة ملاحظاً عند عروض كل رغيبة له من أكل نفيس وشراب عذب بارد وفاكهة يانعة وغير ذلك أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها  لاجرمَ أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه وتعالى أن يراه حيث نهاه.وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لسعادة الروح في الآخرة.

كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضاً.انظر هل يقدم من تلابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم؟هل يسهل عليه أن يراه الله آكلاً لأموالهم بالباطل؟هل يحتال على الله تعالى في منع الزكاة وهدم هذا الركن الركين من أركان دينه؟هل يحتال على أكل الربا؟هل يقترف المنكرات جهاراً؟هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين الله ستارا؟كلا، وإذا نسي وألمّ بشئ منها يكون سريع التذكر قلايب الفيئ والرجوع بالتوبة الصحيحة{إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} فالصيام أعظم مرب للإرادة وكابح لجماح الأهواء فأجدر بالصائم أن يكون حراً يعمل مايعتقد أنه خير لاعبداً للشهوات.

ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لايجد قوتاً فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوف رحيم ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه صلى الله عليه وسلم ولذلك أمرهم بالتأسي به بل وصف المؤمنين بقوله(رحماء بينهم).

ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي أديب العربية الأول رحمه الله في مقالة له بعنوان” مدرسة الثلاثين يوماً” يقول:

“هذا الصوم فقر إجباري تفرضه الشريعة على الناس فرضاً ليتساوى الجميع في بواطنهم، سواء منهم من ملك الملايين من الدنانير، ومن ملك القرش الواحد،ومن لم يملك شيئاً. كما يتساوى الناس جميعاً في ذهاب كبريائهم الإنسانية بالصلاة التي يفرضها الإسلام على كل مسلم، وفي ذهاب تفاوتهم الإجتماعي بالحج الذي يفرضه عليه من استطاع.فقر إجباري يراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية واضحة كل الوضوح، أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لافيها،وأنها إنما تكون على أتمها حين يتساوى الناس في الشعور لاحين يتنازعون بإحساس الأهواء المتعددة.ولو حققت رأيت الناس لايختلفون في الإنسانية بعقولهم، ولابأنسابهم ولابمراتبهم، ولابما ملكوا، وإنما يختلفون ببطونهم وأحكام هذه البطون على العقل والعاطفة، فمن البطن نكبة الإنسانية، وهو العقل العملي على الأرض.وإذا اختلف البطن والدماغ في ضرورة، مدّ البطن مدّه من قوى الهضم فلم يبق ولم يذر.ومن ههنا يتناوله الصوم بالتهذيب والتأديب والتدريب، ويجعل الناس فيه سواء: ليس لجميعهم إلا شعور واحد وحسّ واحد وطبيعة واحدة، ويحكم الأمر فيحول بين هذا البطن وبين المادة، ويبالغ في إحكامه، فيمسك حواشيه العصبية في الجسم كله يمنعها تغذيتها ولذتها حتى نفثة من دخينة.وبهذا يضع الإنسانية كلها في حالة نفسية واحدة تتلبس بها النفس في مشارق الأرض ومغاربها، ويطلق في هذه الإنسانية كلها صوت الروح يعلم الرحمة ويدعو إليها،فيشبع فيها بهذا الجوع فكرة معينة،وهي التي يكون عنها مساواة الغني للفقير من طبيعته، واطمئنان الفقير إلى الغني بطبيعته، ومن هذين(الاطمئنان والمساواة) يكون هدوء الحياة بهدوء النفسين اللتين هما السلب والإيجاب في هذا المجتمع الإنساني.ويتابع رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه: “من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ عن الألم، وهذا بعض السر الاجتماعي العظيم في الصوم،إذ يبلغ اشد المبالغة، ويدقق كل التدقيق، في منع الغذاء وشبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدة آخرها آخر الطاقة،فهذه طريقة عملية لتربية الرحمة في النفس، ولاطريقة غيرها إلا النكبات والكوارث، فهما طريقتان، كما ترى، مبصرة وعمياء، وخاصة وعامة، وعلى نظام وعلى فجأة.ومتى تحققت رحمة الجائع الغنيّ للفقير أصبح للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانها النافذ، وحكم الوازع النفسي على المادة، فيسمع الغني في ضميره صوت الفقير يقول ” أعطني” ثم لايسمع منه طلباً من الرجاء، بل طلباً من الأمر لامفر من تلبيته والاستجابة لمعانيه، كما يواسي المبتلى من كان في مثل بلائه” .ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنارالعدد43):

“أما الصوم الذي هو عبادة الشهر فرياضة بدنية،وتأديب للشهوة البهيمية،وإشعار للغني المنعم، بحاجة الفقير المعدم،بحيث تتحرك عاطفة الشفقة بالإحسان إليه، ويعظم في نفسه مقدار الله عليه،لأن الأشياء تدرك قيمتها بفقدها،والأمور تعرف بضدها، فمن غلبته الشهوة على نفسه، وملكت عليه أمره،فلم يصم فهو حيواني الطبع يزاحم الخنزير والقرد في خاصيتيهما وإن من الحيوانمايمسك عن الطعام والشراب لعلة الشرف فيقال إن الأسد لايأكل من فريسة غيره

وتجتنب الأسود ورود ماء           إذا كان الكلاب ولغن فيه

ومن آداب الصيام كف الجوارح كلها عن المحرمات وأي اعتبار للكف عن الشهوات المباحة كالأكل والوقاع في الحل مع الانهماك في الشهوات المحرمة كالخوض في الباطل من كذب وغيبة وفحش، وقد ضرب الإمام الغزالي للصائم المنهمك في المعاصي مثل من يبني قصراً ويهدم مصراً “.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(وحي الرسالةج1 ص81، والرسالة العدد 25 بتاريخ 25 ديسمبر 1933) في مقال له بعنوان ” رمضان” :

“نعم رمضان! ولابد من رمضان بعد أحد عشر شهراً قضاها المرء في جهاد العيش مستكلب النفس مستأسد الهوى متنمر الشهوة، ليوقظ رواقد الخير في قلبه، ويرهف أحاسيس البر في شعوره،ويرجع روحه إلى منبعها الأزلي الأقدس فتبرأ من أوزار الحياة، وتطهر من أوضار المادة، وتتزود من قوى الجمال والحق والخير مايمسكها العام كله على فتنة الدنيا ومحنة الناس.فرمضان رياضة للنفس بالتجرد، وثقافة للروح بالتأمل، وتوثيق لما وهى بين القلب والدين،وتقريب لما بعد بين الرقة والمسكين، وتأليف لما نفر من الشمل الجميع، وتندية لما يبس من الرحم القريبة، ونفحة من نفحات السماء تفعم دنيا المسلمين بعبير الخلد وأنفاس الملائكة.ورمضان ثلاثون عيداً من أعياد القلب والروح، تفيض أيامها بالسرور، وتشرق لياليها بالنور، وتفتر مجالسها بالأنس.ويتابع رحمه الله: “ورمضان بعد ذلك كله رباط اجتماعي وثيق. يؤكد أسباب المودة بين أعضاء الأسرة بالتواصل والتعاطف، وبين أفراد الأمة بالتزاور والتآلف، وبين أهل الملة بذلك الشعور السامي الذي يغمرهم في جميع بقاع الأرض بأنهم يسيرون إلى غاية الوجود قافلة واحدة ممتزجة الروح، متحدة العقيدة، متفقة الفكرة، متشابهة النظام، متماثلة المعيشة”.

ويتابع رحمه الله:”ولكن رمضاننا الأول وا اسفاه لم يخفَّ على طبع المدينة الحديثة!فرمته بقلة الإنتاج وكثرة الإهلاك وشل الحركة وقتل الصحة،ونفته إلى أحياء العمال وقرى الفلاحين، واتخذت لنفسها من بقايا رمضان آخر رقيق الدين، خفيف الظل،باريسي الشمائل، يبيح النظرة المريبة والكلمة العارية والأكلة الدسمة والسيجار الغليظ،ولا يسالهم من ظرفه إلا أن يجعلوا العشاء عند الفروب وبعد طلقة المدفع!وإذا كان في بيوت المحافظين قارئ يقرأ القرآن، وذاكر يذكر الله،فليكن في بيوت المتجددين(راديو)يرجّع اصوات الغناء،وحاك يردد أهازيج الرقص!

وهكذا تجدُّ الليالي ونحن نلعب!كأنما كتب علينا أن نأخذ الحياة من جانبها الفضولي العابث فنتأثر بها ولانؤثر فيها،وكأنما همنا أن نعيش صعاليك على تقاليد الأمم دون أن تميزنا خصيصة من قومية،ولا شعيرة من عقيدة!

ويقول في مقال آخر (وحي الرسالة ج1 ص406) بعنوان “الصيام بين عهدين نشره عام 1937م:

“كان عهدنا بالصوم قبل اليوم أن يكون عصياناً للنفس في طاعة الله، وحرماناً للجسم في مبرّة الروح،ونكراناً للذات في معرفة الناس فالجوارح مغلولة عن الأذى، والمشاعر مكفوفة عن الشهوة، والخواطر مستغرقة في الدعاء،بين نهار كله إحسان وتأمل وتصدق، وليل كله قرآن وتواصل وتهجد. فلا الغني يهيج به البطر، ولاالقوي تفرط عليه القدرة، ولاالفقير يتجهم له الحرمان، وكأنما زالت الفروق بين الناس فأصبحوا سواسية في نعمة الدين وسعادة الدنيا. ويتابع رحمه الله: “كان الرجل الدنيوي الشهوان إذا أقبل عليه رمضان تاب وتطهر، فلايفتح فمه لهجر، ولاعينه لفحش، ولاأذنه للغو، ولاقلبه لخطيئة.يقضي يومه مضطرباً في المعاش على أفضل مايكون الخلق. فإذا كان تاجراً لايدلس، أو صانعاً لايزور أو عاملاً لايفرط، أو معاملاً لايخون. ويحيي ليله في استماع القرآن ومواصلة الأخوان وموادة ذوي القربى. فإذا ماانقضى بعض الشهر بدا عليه شحوب الصوم وذبول الصلاة وكلال السهر وخشوع الورع”.

ويقول في مقال آخر(وحي الرسالة ج4 ص171):

“رمضان هو التمرين الرياضي السنوي للنفس،يشترك فيه المسلمون في جميع أقطار الأرض،يصومون في وقت واحد،ويفطرون في وقت واحد، وينصرفون عن اللذات الحسية والنفسية ليتجهوا بالتأمل والتعبد والخشوع إلى الله،فيغضوا أبصارهم عن المنكر،ويكفوا ألسنتهم عن الفحش، ويصموا آذانهم عن اللغو،ويغلوا أيديهم عن الأذى،ويصدوا أهواءهم عن السوء، وتلك هي العناصر الجوهرية لعقيدة الصوم.

إذا لم يكن في السمع مني تصاون  وفي بصري غض وفي منطقي صمت

فحظي من صومي هو الجوع والصدى  وإن قلت صمت يوماً فما صمت

ويتابع رحمه الله: ”

وهذه القيود والحدود التي تضمنها معنى الصوم هي المجاهدة التي تعود الإنسان  ضبط النفس وقوة الإرادة.وضعف الإرادة إنما يقوى برياضة النفس على الحرمان المؤلم، كما يقوى الجسم برياضة البدن على الجهد العنيف، وكما يقوى العقل برياضة الذهن على التفكير العميق.والرياضة الروحية هي حكمة الصيام في الأديان كلها{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، وتقوى الله ومجاهدة النفس هما الغاية من هذه الحكمة وقد اجتمعا في قوله تعالى {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} فالخوف من الله هو التقوى، ونهي النفس عن الهوى هو المجاهدة.

ويقول أيضاً (مجلة الرسالة العدد 936):

“ويستقبل المسلمون في رمضان ثلاثين عيداً من أعياد القلب والروح، تفيض أيامها بالسرور،وتشرق لياليها بالنور،وتفتر مجالسها بالأنس.ففي المدن يغمر الصائمين فيض من الشعور الديني اللطيف يجعلهم بين صحوة القلب ونشوة الجسد في حال استغراق في الله،يتأملون أكثر مما يعملون،ويستمعون أكثر مما يتكلمون. فإذا أمسى المساء وفرغوا من الطعام انتشروا في المدينة بالبهجة والزينة،فالرجال يحضرون محافل القرآن أو السمر في البيوت أو في المنديات،والنساء يوزعن الوداد على منازل القريبات والصديقات،والأطفال يفرحون باناشيدهم ومصابيحهم الميادين والطرقات،والدور الباقية على العهد تتقرب إلى الله بالذكر والصدقات، والمساجد المقفرة طول العام تعج بالوعظ والصلوات،والمآذن الحالية بالمصابيح، الشادية بالتسبيحنترسل في أعماق الأبد نور الله وكلمته.

وفي القرى يرجع الفلاح في رمضان نقياً كقطرة المزن،طاهراً كفطرة الوليد،فلا يقتل ولا يسرق ولا يشهد الزور ولا يقول الهجر ولا يأتي المنكر.ثم تعتريه حال من الصوفية الشاعرة فيعف لسانه ويخشع قلبه وتلين يده،فلا تسمع منه لغواً في حديث،ولا عنفاً في جدل،ولا بغياً في خصومة،فإذا أذهله الغضب فرفع صوته ندم عجلان واستغفر وقال: اللهم إني صائم! وما أجمل أن ترى فاتك الأمس وقد أصبح ناسك اليوم يمشي من البيت إلى المسجد في ثوبه النظيف وئيد الخطو،غضيض الطرف،لا يترك السبحة،ولا يفتر عن التسبيح لسانه. حتى إذا قضيت صلاة العصر جلسوا على المصاطب يستمعون القصص أو الوعظ إلى أن تؤذن الشمس بالمغيب،فيمدوا الموائد في الطريق أمام بيوتهم ويدعوا إليها عابري السبيل وطالبي الصدقة،ثم لا يلبث الإخاء المحض أن يجعل الموائد المتعددة مائدة واحدة،يصيب منها من يشاء ما يشاء”.

ويقول أيضاً رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 228 بتاريخ 15 نوفمبر عام 1937م):

“كان عهدنا بالصوم قبل اليوم أن يكون عصياناً للنفس في طاعة الله،وحرماناً للجسم في مَبرّة الروح،ونكراناً للذات في معرفة الناس،فالجوارح مغلولة عن الاذى،والمشاعر مكفوفة عن الشهوة،والخواطر مستغرقة في الدعاء، بين نهار كله إحسان وتأمل وتصدّق، وليل كله قرآن وتواصل وتهجُّد،فلا الغني يهيج به البطر، ولا القوي تفرط عليه القدرة،ولا الفقير يتجهم له الحرمان،وكأنما زالت الفروق بين الناس فأصبحوا سواسية في نعمة الدين وسعادة الدنيا!”.

ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد السادس ص 65):

“إن الحكمة الكبرى في الصيام هي القدرة على النفس، فهي الحكمة التي يحتاجها الغني والفقير، ويستفيد منها المجدود والمحروم. فالقدرة على النفس هي كل شئ في مقاييس الأخلاق والفضائل، بل هي مناط الأخلاق والفضائل جميعاً في كل حالة وكل معيشة،أيا كان حظها من الغنى والفقر،ومن السعادة والشقاء.وليس في وسعنا أن نتخيل فضيلة تخلو من قدرة الإنسان على نفسه، بل ليس في وسعنا أن نتخيل تكليفاً يقوم به الإنسان من غير تطويع نفسه،ولافرق في التكليف بين فرائض الدين وفرائض الدنيا، أو بين العبادات ونظام الاجتماع ونظام الحياة الفردية الذي يفرضه الإنسان على نفسه لأداء عمل من الأعمال.هذه القدرة على النفس هي حكمة الصيام الكبرى، وهي جزاء واف لصيام الصائم، يساوي بل يزيد على مافاته من حظ الطعام والشراب” .

ويقول أيضاً رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد22 ص588):

“الإرادة هي فضيلة الفضائل في الصيام.ومتى عرفت هذه الحكمة فآداب رمضان كلها محصورة فيها مستفادة من معناها،ولا حاجة بالصائم إلى أدب غير أن يذكر أنه يريد الصيام وأنه يقوم بفريضة يطلبها ويعلم نفعها ويحمل جهدها،وإن لم تكن مفروضة عليه.

فليس من أدب رمضان أن يتململ الصائم وأن يتجهم لمحدثيه وأن يبدو منه ما يدل على الضيق بالفريضة كأنه مكره عليها مطيع لها بغير رضاه.

وليس من أدب رمضان أن يهرب الصائم من إرادته بقضاء النهار كله في النوم تاركاً للطعام،لأنه غافل عن مواعيده غير متنبه إليه.

وليس من أدب رمضان أن يفلت زمام الإرادة بعد غروب الشمس فلا يعرف الصائم له إرادة تصده عن الإفراط في الطعام والشراب إلى موعد الإمساك.

وليس من أدب رمضان أن يصوم الإنسان وهو معرض للتهلكة بصيامه فإن من كان مريضا لم تجب الفريضة عليه ولا معنى لأداء الفريضة إذن إلا أنه يريد لنفسه الهلاك، وهذا محرم عليه.

كلمة (الإرادة) وحدها تلخص آداب رمضان ولا تحتاج إلى إسهاب في تفسيرها وتعديد أنواعها|.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد368):

“الصيام عبادة روحية جسدية،قد شرع لما فيه من المنافع الشخصية والاجتماعية،فهو يروض الأجساد، كما تعطش الزروع وتضمر الجياد،فيفني الرطوبات والمواد الرواسب فيها، التي تصلب الشرايين وتعيق حركة الدم فيها،ويعيد المعد المصابة بالتمدد إلى تقلصها وتغضنها، حتى قال بعض الأطباء أن صيام شهر واحد(كرمضان) يصلح ما أفسده التمدد طول العام، ويمرّن المرء على احتمال الجوع والعطش بالاختيار، فيسهلان عليه إذا الجأه إليهما الاضطرار،في سفر أو سجن أو مجاعة أو قتال،ويشعر الأغنياء المترفين بحاجة الفقراء المعوزين،ويساوي بينهم في هذه العبادة وآثارها كما يساوي بينهم في سائر شعائر الدين.

وهو فوق ذلك المربي الأعظم للإرادة، وإنما يتفاضل أعاظم الرجال بما في الإرادة من قوة العزيمة، فلولاها لما استسهل صعب،ولا ثبت شجاع في الحرب،ولما أقدم المصلحون على تغيير المنكرات،ولا سيما مقاومة الظلم والاستبداد،ولما ثبت عامل على عمل حتى يتقنه،ولما صبر ذو مصاب على مصابه حتى يأمن خطره،ولما احتفظ أمين بالأمانة،إلا بقدر ما يخاف في الدنيا من عقوبة الخيانة،وناهيك بأمانة الأعراض،والمحافظة على شرف النساء.

وهو فوق ذلك مراقبة لله عز وجل، وتقرب إليه بما يرضيه من تزكية النفس،وتوجه إلى الكمال الأعلى،والحياة الروحية الفضلى،حياة النبيين والصديقين، بل الملائكة المقربين.

إن الصائم المسلم هو الذي يحكم سلطان الإرادة بقانون الإيمان على هوى النفس فيمنعها من التمتع بأعظم الشهوات شأناً عندها،فينال منه الجوع والطعام بين يديه،ويبرح به الظما والماء البارد أمام عينيه،ويشتد شوقه إلى ملامسة زوجه وهي منه على طرف الثمام وحبل الذراع،فيعرض عن ذلك ويتركه بوازع الإيمان،ابتغاء لمرضاة الله تعالى وتحصيلاً للفوائد التي شرعها الصيام.

ألم تر أن الذي يربي إرادته ويحكمها في أشد شهواته وأقواها مدة شهر كامل في كل عام على الأقل جدير بأن لا تنازعه نفسه أكل شئ من أموال الناس بالباطل ولا العبث بشئ من أعراضهم؟أو ليس الذي يقدر على ترك أعظم ضروريات الحياة مما أحلّ الله له وقرب منه متناوله يكون أقدر على ترك ما حرّم الله عليه من جنسها ومما هو أدنى منها،وأجدر بأن يغلب هوى النفس الذي يغريه بها؟

يقول تعالى:{كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}وإنما التقوى ملكة يقدر صاحبها بوازعها النفسي على اتقاء كل مايدنس نفسه ويدسيها من ترك واجب، أو اقتراف محظور، وهذه الملكة كسائر الملكات، تكتسب بالأعمال النفسية والبدنية التي يقوى بها سلطان الإرادة على نزعات الأهواء.

إن أحقّ الناس بتحصيل هذه الملكة وبسائر فوائد الصيام الروحية والاجتماعية والجسدية من جمعوا بين حكم الله وحكمته فيه ورعوا ذلك حق رعايته،فالإسلام علم وتربية بنيا على أساس الحكمة والفلسفة،ذلك نص قوله تعالى{كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون}وقد يستفيد كثير من الناس حكمة العبادة ويجنون ثمرتها،وإن لم يتلقوا بالتعليم أن ذلك هو المصلحة التي شرعت لأجلها،كما يستفيد بعض الناس من شئ يأكله أو يشربه، فيكون من حيث لايدري شفاء من مرض ألم به، أولئك هم الذين أخلصوا دينهم لله فكان لهم من العلم بكل عبادة أنها ترضي الله تعالى وأن تركها يؤدي إلى سخطه واستحقاق عذابه.

ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(مجلة الرسالة العدد986 بتاريخ26 آيار عام 1952م):

“ورمضان الحلو الجميل، الذي يقوم فيه الناس من هدآت الأسحار، وسكنات الليالي، حين يرق الأفق ،وتزهر النجوم،ويصفو الكون ويتجلى الله على الوجود يقول:ألا من مستغعر فأغفر له؟ ألا من سائل فأعطيه؟ ألا من تاب فأتوب عليه؟ يسمعون صوت المؤذن يمشي في جنبات الفضاء،مشي الشفاء في الأجسام،والطرب في القلوب،ينادي: يا أرحم الراحمين. فيسري الإيمان في كل جنان، ويجري التسبيح على كل لسان، وتنزل الرحمة في كل مكان.

رمضان الذي ينيب فيه الناس إلى الله ويؤمون بيوته،ففي كل بلد من بلاد الإسلام مساجد، حفل بالعباد والعلماء،ليس يخلو مجلس فيها من مصل أو ذاكر،ولا أسطوانة من تال أو قارئ،ولا عقد من مدرس أو واعظ،قد ألقوا عن عقولهم أحمال الإثم والمعصية،والغل والحسد،والشهوات والمطامع ،ودخلوا بقلوب صفت للعبادة،وسمت للخير،قطعوا أسبابهم من عالم الأرض ليتصلوا بعالم السماء.تفرقوا في البلدان،واجتمعوا في الإيمان،وفي الحب،وفي هذه القبلة يتوجهون كلهم إليها،لا عبادة لها،ولا التجاء إليها،فما يعبد المؤمن إلا الله.

ويتابع الطنطاوي رحمه الله:”رمضان الذي تتحقق فيه المساواة، فلا يجوع واحد ويتخم الآخر،بل يشترك الناس كلهم في الجوع وفي الشبع، يفطرون جميعاً في لحظة واحدة،ويمسكون جميعاً في لحظة واحدة،كأن المسلمين كلهم طلاب مدرسة داخلية، يجتمعون على مائدة واحدة.

فإذا فرغ الناس من طعامهم، أموا المساجد، فقاموا بين يدي الله صفاً واحداًن لا غني ولا فقير، ولا صغير ولا كبير، متراصة أقدامهم، ملتحمة أكتافهم،وجباهمم جميعاً على الأرض، فأين في الوجود مساواة مثل هذه المساواة؟

رمضان الذي تشيع فيه خلال الخير،ويعم الحب والوئام،فإذا أردتم أن تصوموا حقاً فصوموا عن الأحقاد،واذكروا ما في أعدائكم من خلال الخير، فأحبوهم لأجلها،واغفروا لهمنوادفعوا بالتي هي أحسن،فإذا الذي بينكم وبينه عداوة كأنه ولي حميم.وليس يخلو أحد من خلة خير، وليس في الدنيا شر مطلق، حتى الموت! فإنها قد تمر بنا ساعات نرتجي فيها الموت.

وإذا جعتم هذا الجوع الاختياري، فاذكروا من يتجرع غصص الجوع الإجباري،واشكروا ربكم على نعمه.وليس الشكر أن ترددوا ألف مرة باللسان: الحمد لله! الحمد لله! ولكن شكر الغني البذل للفقراء،وشكر القوي إسعاد الضعفاء، وشكر السلطان إغاثة اللهفان.وأعطوا من نفوسكم كما تعطون من أموالكم، فرُبّ بسمة مع العطاء، تنعش السائل أكثر من العطاء،وكلمة خير لجار تحيي الجار، وبش في وجه ذي الحاجة والاعتذار عنها خير من قضائها مع الترفع عليه عند السؤال،والمن عليه بعد النوال.

هذا رمضان يا أيها الأخوان،فخذوا منه الصحة لأجسامكم، والسمو لأرواحكم،والحب لقلوبكم، والقوة والنبل، والبذل والفضل، وخذوا منه ذخراً للعالم كله يكن لكم ذخراً”.

ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله  في مقال له بعنوان” عبادة الأحرار” يتكلم عن رمضان :

“الصيام هو طاعة خالصة بين العبد وربه، يأتيها الفقير الهالك ابتغاء رضوان الله، ويأتيها الغني الواجد ابتغاء رضوان الله، ويأتيانها جميعاً في شهر رمضان، ويأتيانها فرادى في غير شهر رمضان، لاليعيشا في معاني المعدة بالبذل أو بالحرمان، بل ليخرجا معاً سواء عن سلطان الطعام والشراب، وليخرجا معاً سواء من سلطان الشهوات بل ليخرجا معاً سواء من سلطان كل نقيصة: من سلطان الخوف فلا يخاف أحدهما إلا الله،ومن سلطان الرياء فلايعمل إلا لله. وليس بين الصائم وبين ربه أحد، ولايحول بينه وبين الاستجابة لربه شئ من أشياء الدنيا، أو حاجات البدن، أو داعيات الغرائز أو نزوات العقول.ويتابع رحمه الله: ” فتأمل معنى الصيام من حيث نظرت إليه: هو عتق النفس الإنسانية من كل رق: من رق الحياة ومطالبها، ومن رق الأبدان وحاجاتها في مآكلها ومشاربها،من رق النفس وشهواتها ومن رق العقول ونوازعها، ومن رق المخاوف حاضرها وغائبها، حتى تشعر بالحرية الخالصة، حرية الوجود، وحرية الإرادة، وحرية العمل.فتحرير النفس المسلمة هو غاية الصيام الذي كتب فرضاً وتأتيه تطوعاً.ولتعلم هذه النفس الحرة أن الله الذي استخلفها في الأرض، لتقيم فيها الحق، ولتقضي فيها بالحق، ولتعمل فيها بالحق، لايرضى لها أن تذل لأعظم حاجات البدن لأنها أقوى منها،ولا لأعتى مطالب الحياة لأنها أسمى منها، ولا لأطغى قوى الأرض لأنها أعز سلطاناً منها”..

يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله في مقالة له بعنوان” حكمة الصوم في الإسلام:

“أما شهر رمضان عند الأيقاظ المتذكّرين، فهو شهر التجليات الرحمانية على القلوب المؤمنة، ينضحها بالرحمة،وينفح عليها بالرّوح، ويخزها بالمواعظ، فإذا هي كأعواد الربيع جدّةً ونضرة، وطراوة وخضرة. إن رمضان يحرّك النفوس إلى الخير، ويسكّنها عن الشر، فتكون أجود بالخير من الريح المرسلة، وأبعد عن الشر من الطفولة البلهاء، ويطلقها من أسر العادات، ويحرّرها من رقّ الشهوات، ويجتثّ منها فساد الطباع، ورعونة الغرائز، ويطوف عليها في ايامه بمحكمات الصبر،ومُثبّتات العزيمة، وفي لياليه بأسباب الاتصال بالله والقرب منه.ويتابع رحمه الله: “وينفرد الصوم من بين العبادات بأنه قمعٌ للغرائز عن الاسترسال في الشهوات التي هي أصل البلاء على الروح والبدن،وفطم أمهات الجوارح عن أمهات الملذات،ولامؤدب للإنسان كالكبح لضرواة الغرائز فيه، والحدّ من سلطان الشهوات عليه، بل هو في الحقيقة نصر له على هذه العوامل التي تبعده عن الكمال، وكما يحسن في عرف التربية أن يؤخذ الطفل بالشدة في بعض الأحيان، وأن يعاقب بالحرمان من بعض ماتميل إليه نفسه،يجب في التربية الدينية للكبار المكّلفين أن يؤخذوا بالشدة في أحيان متقاربة كمواقيت الصلاة” ولإنها لكبيرة إلا على الخاشعين” ، أو متباعدة كشهر الصوم، فإنه لايأتي إلا بعد أحد عشر شهراًن كلها انطلاق في المباحات، وإمعان فيها واسترسال مع دواعيها،وإن شهراً في التقييد الجزئي بعد أحد عشر شهراً في الأنطلاق الكلي لقليل، فهو يسر في الإسلام مابعده يسر، وسماحة مابعدها سماحة”. انتهى كلام الشيخ الإبراهيمي.

وشهر رمضان هو فرصة لأن يكتسب الإنسان الصفات الصالحة والاخلاق الحسنة وخاصة منها عون المستعينين وغوث المستغيثين وإصلاح ذات البين، وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يارسول الله، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة” [كما جاء في حديث الترمذي]، وقال في بعض الروايات” لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين” .فالإصلاح بين الناس والمتخاصمين والتقريب بينهم من أعظم الصلات وأفضل القربات عند الله عز وجل وخاصة في شهر الصيام.

ويقول الشيخ محمد عبد الله دراز رحمه الله:

“الصوم في الإسلام لايكفي فيه هذا المظهر السلبي المادي الذي يقوم على اجتناب المفطرات لأي باعث كان ـ ولأي هدف اتفق ـ وإنما هو قبل كل شئ عمل روحي أيجابي، يتحرى فيه الهدف الذي حدّدته الشريعة، ويجعل الصائم فيه نيته وفقاً لإرادة ربه منه. إن الله الرحيم لاتغنيه من صومك مرارته وحرارته، ولايناله من جسمك ذبوله وهزوله، وأنه إذا كانت هناك اديان ونِحل ترى في ألم الجسم مقصداً يُطلب، وترى في الارتفاق بالطيبات عدواً يحارب، فليس الإسلام من بين هذه الأديان، وكيف وهو الذي يقول” لاتحرموا طيّبات ما أحلّ الله لكم”المائدة، ويقول{ يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر} البقرة.ويتابع رحمه الله: “ليس هدف الصوم إذاً هو الألم البدني ـ وإن كان هذا الألم يقع في طريقه ـ إن الله عزّ وجلّ يقول في سورة البقرة”كتب عليكم الصيام” ولم يقل لعلّكم تتألمون، كما أنه لم يقل لعلّكم تصحون، أو لعلّكم تقتصدون، وإنما قال :”لعلّكم تتقون”، فجعل الصوم اختباراً روحياً وتجربة خلقية، وأراد منه أن يكون وسياتك إلى نيل صفة المتقين، واكتساب ملكة التقوى.ويتابع رحمه الله: “إن منزلة الصيام هي أسمى مراتب التقوى وأكرمها عند الله تعالى، فلأن سائر العبادات جوانب تحببها إلى النفس الكريمة وتقرّبها من مقتضى الطباع السليمة، ففي الصلاة مثلاً حلاوة المناجاة، وفي الزكاة أريّحية الجود والكرم، وفي الجهاد عزّة الحميّة وإباء الضيم، وأما الصيام فإنه ليس فيه معاونة من الطباع بل فيه من العكس معاندته ومقاومته، فكان أقرب الأعمال إلى الخلوص من الشوائب، ولعلّه من أجل ذلك كانت الأعمال يثاب عليها بأضعاف معلومة من العشرة إلى السبعمائة ضعف إلا الصوم فإن تضعيف جزائه لايدخل تحت حصر ولاحدّ” .

ويقول الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله :

“من فوائد الصيام كسر النفس، فإن الشبع والرّي ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة، ومنها تخلي القلب للفكر والذكر، فإن تناول هذه الشهوات قد يُقسّي القلب ويعميه،وتحول العبد عن الذكر وتستدعي الغفلة، وخلو الباطن من الطعام والشراب يُنوّر القلب ويُوجب رقّته، ويزيل قسوته ويُخليه للذكر والفكر. ومنها أن الصيام يُضيّق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من بني آدم، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان وتنكسر سورة الشهوة والغضب، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الصوم وجاءً لقطعه شهوة النكاح”.

يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله في مقالة له بعنوان” معنى الصوم” نشرت عام 1373 هجري:

” الصوم في الإسلام عبادة سلبية، بمعنى أنها إمساك عن عدة شهوات نفسية في اليوم كله لمدة شهر معين، فليس فيها عمل ظاهر للجوارح كأعمال الصلاة وأعمال الحج مثلاً.ولكن آثار الصوم في النفوس جليلة، وفيهِ من الحكم أنه قمع للقوى الشهوانية في الإنسان، وأنه تنمية للإرادة،وتدريب على التحكم في نوازع النفس، وهو في جملته امتحان سنوي يؤدِّيه المسلم بين يدي ربه، والنجاح في هذا الامتحان يكون بأداء الصوم على وجهه الكامل المشروع، ولكن درجة النجاح لايعلمها إلا الله، لتوقف الأمر فيه على أشياء خفية لاتظهر للناس، ومنها الإخلاص “.

وبهذا كلّه يتحقق الهدف السامي والأساسي من الصيام وهو التقوى بجميع ماتعنيه من معاني مادية ومعنوية على مستوى الروح والجوارح، وبهذا ينتصر الإنسان، ويكون الصيام له جُنّة ووقاية، يقول تعالى: ” {يا أيُّها الذين أمنوا كُتب عليكمُ الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتقون}” البقرة

يقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله: “لعلّكم تتقون”، أي تصيرون اتقياء، فإن الصوم يقهر النفس ويخطمها عن مألوفاتها، وذلك مما يورث التقوى،وقد فسرت “الجنة” في حديث”الصيام جنة” بالوقاية والسترة من المعاصي رعاية لهذا المعنى، وقد كنى عليه الصلاة والسلام عن طهارة نفوس الصائمين من رجس المعاصي وتخلصها من البواعث على الفواحش بغلق أبواب النار وتصفيد الشياطين، كما كنى عن تنزيل الرحمة وحسن القبول للأعمال بفتح أبواب الجنة”.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، وقد قال الله تعالى عنه:  {وإنّكَ لعلى خُلقٍ عظيم} ا[لقلم4] وقد حذرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سوء الأخلاق بوجه عام وخاصة في رمضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم”الصيامُ جُنّة، فإذا كان أحدكم صائماً فلايرفث، ولايجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم” [رواه أبو داود].

فهو جنة له من الآثام، وجنة له من سوء الأخلاق،وجنة له من المعاصي، وجنة له من فحش القول والأعمال، وجنة له من قول الزور والعمل به.

(الرفث: الكلام في الأمور الجنسية وكل كلام قبيح، الصخب: الصياح ورفع الصوت والشجار والقتال مع الناس)

إذا لم يكن في السمعِ مني تصامم                             وفي مقلتي غَضٌّ وفي منطقي صمتُ

فحظي إذن من صومي الجوع والظمأ                        وإن قلت:إني صمتُ يوماً فما صمتُ

(أبو بكر بن عطية الأندلسي)

يقول الشيخ القرضاوي حفظه الله:

الصيام جُنّة”، والجنّة: هي الدرع والترس، الذي يستتر به الإنسان في الحروب، حتى لاتتناوشه السهام والنبال، فهو يقي صدره، ويحفظ نفسه بهذه الجُنّة. كذلك الصيام، كما جاء في الحديث: “ الصيام جنة أحدكم من النار كجنة أحدكم من القتال“[رواه أحمد في المسند والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان وقال الأرناؤوط اسناده صحيح على شرط مسلم].وفي حديث آخر: “الصيام جنة، وحصن حصين من النار” [رواه أحمد والبيهقي وقال الهيثمي في مجمع الزوائد اسناده حسن].

ويتابع الشيخ القرضاوي” فهو درع يقي صاحبه من الإثم والمعاصي في الدنيا، ويقيه من النار في الآخرة وهذا .. مالم يخرق هذه الجنة.. كما جاء في الحديث: ” والصوم جنة مالم يخرقها” [رواه أحمد في المسند واسناده حسن]. يخرق هذه الدرع بالغيبة، بالكذب، بالمعاصي التي تخدش الصيام وتجرحه وتزيل آثاره.

و قد قال صلى الله عليه وسلم : ” من لم يَدَع قولَ الزُّور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” [رواه البخاري وأصحاب السنن].وقال صلى الله عليه وسلم: ” رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع“[ رواه ابن ماجه واللفظ له والنسائي وابن خزيمة والحاكم].

يقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله في مقال له بعنوان” الصيام نشر عام 1322هجري:

“يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم” لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك”، كيف تكون رائحة فم تقذر بتناول الأعراض، والتمضمض بنحو الكذب والهذيان والمراء أطيب عند الله من ريح المسك؟ وكيف يستاهل صيام تجهم وجهه بسماجة المعاصي أن يضاف إلى ملك الملوك جل جلاله، ويتولى جزاءه بنفسه؟وكيف يكون الصيام جنة ووقاية من عذاب الله وقد انخرق سياجه وتدنس ذيله بقول الزور، والتلبس بالآثام التي تهيئ له في نار جهنم وطاء وغطاء؟

(الخلوف: هي رائحة فم الصائم المتغيرة من ترك الطعام والشراب طول النهار، هذه الرائحة التي قد ينفر منها بعض الناس، هي أطيب عند الله من ريح المسك)

ويقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في مقال له بعنوان ” اثر الصوم في النفوس” نُشر في العدد43 من جريدة البصائر في 12 تموز سنة 1948:

“صوم رمضان محك للإرادات النفسية، وقمع للشهوات الجسمية، ورمز للتعبد في صورته العليان ورياضة شاقة على هجر اللذائذ والطيّبات، وتدريب منظم على حمل المكروه من جوع وعطش وسكوت،ودرس مفيد في سياسة المرء لنفسه، وتحكّمه في أهوائها،وضبطه بالجِدِّ لنوازع الهزل واللغو والعبث فيها، وتربية عملية لخلق الرحمة بالعاجز المعدم”.

وشهر رمضان هو شهر الطاعة والنظام، فالمسلم الصائم إنما يمتنع عن طعامه وشرابه وعاداته امتثالاً لله تعالى وطاعة لله ورسوله، وهو شهر النظام فهو كما يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:

“يأكل بنظام وينام بنظام ويستيقظ بنظام، والمجتمع الإسلامي في رمضان مجتمع يتجلى فيه النظام بأروع مظاهره، جوعٌ واحدٌ في النهار، تحفزٌ لإفطار واحد قبيل المغرب،إفطارٌ واحدٌ عند الغروب، صلاةٌ واحدة في العشاء والتراويح والفجر، إنه نظام لامثيل له في أمة من الأمم، نظام يستوي فيه الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والحاكم والرعية،والغني والفقير، لاتمتاز فيه طبقة عن طبقة، ولافرد عن فرد، يالها من روعة ما أجلّها في أعين الباحثين عن أجدى الوسائل لتربية الأمم على الطاعة والنظام”.

وفي شهر رمضان المبارك تتلاقى النفوس وتجتمع الأرواح وتزول الخصومات، وما أجملها من لحظات عندما تجتمع الأسرة الواحدة أو مجموعة من الأسر على مائدة الإفطارفي جو من الروحانية العميقة والألفة والمودة، وما أصعب هذه اللحظة على الوالدين وخاصة الأم إذا لم يكن أحد أبنائها معهم يشاركهم فرحة الإفطار.يقول الشيخ علي الطنطاوي في مقال له بعنوان” صديقي رمضان “يصف لنا روح التعاون والمحبة والتآخي والألفة التي كانت تسود الحياة الاجتماعية في دمشق في هذا الشهر المبارك، وقد نشر المقالة في مجلة الرسالة العدد331 بتاريخ 24 رمضان عام 1358هجري فيقول:

“صديق عزيز لقيته وأنا طفل في دمشق ثم افتقدته وأنا شاب أذرع الأرض وأضرب في بلاد الله.ففرحت بلقائه وأحببته، وألمت لفقده وازداد حنيني إليه. فاين أنت ياصديقي رمضان؟

“كنت أرقب قدومه، وأحسب له الأيام والليالي على مقدار مايحسن طفل من الحساب. فإذا جاء فرحت به وضحكت له روحي التي كنت أرى الدنيا تضحك له وتفرح بقدومه.

“كنت أبصره في المدرسة، فالمدرسة في رمضان مسجد، وفيها تلاوة وذكر. وأهلوها أحبة.مافيهم مدرس يقسو على طلاب وطلاب يكرهون المدرس.لأن رمضان وصل النفوس بالله. أشرق عليها من لدنه النور فذاقت حلاوة الإيمان. ومن ذاق حلاوة الإيمان لم يعرف البغض ولا الشرّ ولا العدوان.

“كنت أراه في الأسواق. فالأسواق تعرض بضاعة رمضان وتفيض عليها روح رمضان فتمحو الغش من نفوس أهلها محواً ويملؤها خوف الله ورجاؤه وتقف ألسنتهم عن الكذب لأنها عمرت بذكر الله واستغفاره ، وهانت عليهم الدنيا حين أرادوا الله والدار الآخرة فغدا الناس آمنين أن يغشّهم تاجر أو يخدعهم في مال أو متاع. ويمضي النهار كله على ذلك. فإذا كان الأصيل ودنا الغروب تجلّى رمضان على الأسواق بوجهه فهشّت له وجوه الناس وهتفت بإسمه ألسن الباعة، فلا تسمع إلا أمثال قولهم” الصايم في البيت بركة” ” الله وليك ياصايم” ” الله وليك ومحمد نبيك”.ثم لاترى إلا مسرعاً إلى داره حاملاً طبق الفول” المدمس” أو ” المسبحة” أو سلال الفاكهة أو قطع ” الجرادق” ثم لاتبصر إلا مراقباً المنارة في دمشق أو منتظراً المدفع.فإذا سمع آذان المؤذن أو طلقة المدفع دخل داره. والأطفال يجتمعون في كل رحبة في دمشق ليسمعوها فيصيحون: أذن.. أذن.. أذن ثم يطيرون إلى منازلهم كالظباء النافرة.

“وكنت أبصر رمضان يؤلف بين القلوب المتباينة، ويجلو الأخوة الإسلامية، فتبدو في أكمل صورها فيتقابل الناس عند الغروب تقابل الأصدقاء على غير معرفة متقدمة فيتساءلون ويتحدثون ثم يتبادلون التمر والزبيب، ويقدمون الفطور لمن أدركه المغرب على الطريق فلم يجد مايفطر عليه، تمرة أو حبة من زبيب، هينة في ذاتها، تافهة في ثمنها، ولكنها تنشئ صداقة وتدل على عاطفة، وتشير إلى معنى كبير.

“وكنت أنظر إلى رمضان وقد سكنت الدنيا ساعة الإفطار وأراح أهلها من التكالب على الدنيا والازدحام على الشهوات، وضمّ الرجل إلى أهله، وجمع الأسرة على أحلى مائدة وأجمل مجلس وانفع مدرسة.فإذا انتهت ساعة الإفطار بدا رمضان يظهر في جلاله وجماله وعظمته المهولة في المسجد الأموي. وكنت أذهب إلى المسجد بعد المغرب وأنا طفل فأراه عامراً بالناس ممتلئاً بحلق العلم كما كان عامراً بهم ممتلئاً بها النهار بطوله. فأجول فيه مع صديقي سعيد الأفغاني خلال الحلقات نستمع مايقوله المدرسون والوعاظ، وأشهد ثرياته وأضواءه وجماعاته، ومن صنع الله لهذا المسجد أن صلاة الجماعة لاتنقطع فيه خمس دقائق من الظهر إلى العشاء الآخرة في أيام السنة كلها، وقد بقي ذلك إلى اليوم على ضعف الدين في النفوس وفساد الزمان.ثم يكون العشاء وتقوم من بعده التراويح ولها في الأموي منظر ما رأيت أجلّ منه ولا أعظم إلا صلاة المغرب حول الكعبة في مسجد الله الحرام فإن ذلك يفوق الوصف، ولايعرف قدره إلا بالعيان، وليس يقل من يصلي التراويح في الأموي عن خمسة آلاف، وقد يبلغون في الليالي الأواخر الخمسة والعشرين ألفاً، وهو عدد يكاد يشك فيه من لم يكن عارفاً بحقيقته ولكنه الواقع، يعرف ذلك الدماشقة ومن رأى الأموي من غيرهم.

“وحدث عن الليالي الأواخر في دمشق ولاحرج، وبالغ ولاتخش كذبا فإن الحقيقة توشك أن تسبقك مبالغة . تلك هي ليالي الوداع يجلس فيها الناس صفوفاً حول السدة بعد التراويح ويقوم المؤذنون والمنشدون فينشدون الأشعار في وداع رمضان بأشجى نغمة وأحزنها ثم يردد الناس كلهم:

“ياشهرنا ودعتنا عليك السلام. ياشهرنا هذا عليك السلام”.

ويتزلزل المسجد من البكاء حزناً على رمضان.

وسحر رمضان ـ إنه السحر الحلال ـ إنه جنّة النفس ونعيمها في هذه الدنيا.

فأين ذهب رمضان؟ وأنّى لي بأن تعود أيامي التي وصفت لأعود إليه؟

إني لا أشتهي شيئاً إلا أن أعود طفلاً صغيراً لأستمتع بجو المسجد في رمضان وأنشق هواءه، وأتذوق نعيمه، لم أعد أجد هذا النعيم وما تغيرت أنا أفتغيرت الدنيا؟

إني لأتلفت أفتش في غربتي عن رمضان فلا ألقاه في المسجد ولا في السوق ولا في المدرسة. فهل مات رمضان؟إذن فإنا لله وإنا إليه راجعون

لقد فقدت أنس قلبي يوم فقدت أمي، وأضعت راحة روحي يوم افتقدت رمضان، فعلى قلبي وأمي ورمضان وروحي رحمة الله وسلامه!”.

ويقول في مقال آخر هو في الأصل حديث إذاعي ألقاه الشيخ رحمه الله من إذاعة دمشق يقارن فيه بين شهر رمضان قديما وحديثاً(تاريخ إذاعة الحديث عام 1975م) يقول رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه:

“هذا الحديث عن رمضان، وفي رمضان النور والعطر. وفي رمضان الخير والطهر. وفي رمضان الذكريات الكثر. ففيه نزل الذكر. وفيه ليلة القدر. وكان فيه نصر بدر. وفي آخره عيد الفطر.ورمضان نور على المآذن ونور في القلوب. ورمضان صوم عن الطعام وصوم عن الحرام.إن كانت الحياة تنازعاً على الحياة، فهذا الشهر إدراك لسر الحياة.وإن كان العمر كله للجسم، فهذا الشهر للروح. وإن كانت الدنيا للتناحر والخصام، فهذا الشهر للحب والوئام.

“رمضان القديم كان يغمر أرجاء دمشق كلها، فكنت تحس به حيثما سرت. تراه في المساجد الممتلئة بالمصلين والقارئين والمتحلقين حول كراسي المدرسين. وتراه في الأسواق، فلاتجد عورة بادية، ولامنكراً ظاهراًولامطعماً مفتوحاً ولامدخناً ولاشارباً.وتشتري البضاعة وأنت آمن من الغش والغبن، لأن أفسق البائعين لايغش في رمضان. والمرأة تعمل مطمئنة لأنها مهما أخطأت فلن تسمع من زوجها كلمة ملام لأن المسلم الصائم لايشتم ولايلوم في رمضان. والرجل يجئ إلى بيته وهو آمن من أن يجد من زوجه نكداً أو إساءة ، لأن المرأة الصائمة لاتؤذي زوجها في رمضان. ولو تركت بابك مفتوحاً لما دخل المنزل لص، لأن اللصوص يضربون عن العمل ويتوبون عن السرقة في رمضان.

“أما رمضان الجديد ، فلا تعرفه هذه الشوارع الجديدة والأحياء الحديثة، ولم يعرف بعد الطريق إليها. ودمشق القديمة لم يعد يستطيع أن يسيطر عليها. فالمساجد مملوءة بالمفطرين. والصائمون تسوء أخلاقهم في رمضان من الجوع وشهوة الدخان. والشياطين تصفد في رمضان، لكن الفساق ينطلقون عاملين فيه كما كانوا يعملون قبل رمضان.

“ولقد كان أشد الناس بعداً عن الدين إذا سمع مدافع رمضان تاب وأناب إلى الله، ونزع نفسه الآثمة واستبدل بها نفساً زكية متعبدة، كما ينزع ثوبه الوسخ ويستبدل به ثوباً نظيفاً. والبيوت التي كان يسودها الخصام تتحول في رمضان إلى دور أمن وسلام ، والمدينة تصير كلها أسرة واحدة أو مدرسة داخلية يأكل الناس فيها في وقت واحد، وينامون في وقت واحد، ويقومون في وقت واحد.

“إذا دنت ساعة الغروب رأيت الناس جميعاً مسرعين إلى بيوتهم، وهذا يحمل صحن الفول المدمس، وهذا يحمل الجرادق، والبرازق، وتكون المائدة منصوبة حتى أفقر الناس يجد في رمضان فطوراً شهياً لأن كل صائم في رمضان يتفقد جيرانه ومن حوله، فلا يأكل هو الطعام الطّيب، والألوان الكثيرة، وجاره لايجد الخبز والجبن.

“وتصطف الأسرة كلها حول المائدة، يجمعها شعور واحد. شعور يجمع الغني والفقير،والأمير والأجير،هو الجوع.أغنى الناس يشتهي قبل المغرب ملعقة من حساء أو رشفة من شراب. والأولاد يقفون على الشرفات، أو على جوانب الطريق، فإذا رأوا مصباح المنارة، أو سمعوا المدفع صاحوا بنغمة موزونة ولحن موقع: أذن، أذن، أذن.وطاروا إلى بيوتهم كما تطير العصافير إلى اعشاشها إذا رأت طلائع الليل. وتخلوا الطرق وتهدف الأصوات ثم ترتفع من كل مكان: من الكوخ ومن القصر على السواء، كلمة واحدة: الحمد لله، كلهم شبع، وكلهم رضي، وكلهم شكر. الذي أكل السبعة الألوان، والذي أكل الخبز والمسبحة والفول.

“ثم يمضي الرجال إلى المساجد ليصلوا التراويح، أو يصلوها مع أهليهم وأولادهم. وتكون الأسواق مضاءة والأولاد مزدحمين فيها، على بائع المثلجات إن كان الوقت صيفاً أو بائع الفول النابت.ومن أراد لهواً لم يجد إلا الحكواتي يقص قصة عنتر ـ وكلها بطولة ونبل ـ لاكهذه القصص الآثمة الداعرة التي تغضب الكلاب.

“فإذا مضت ساعة بعد صلاة العشاء انطفأت الأضواء وخلت الأسواق وانصرف الناس إلى دورهم ليناموا. والمسحر لايجئ إلا في وقت السحور، لايجئ نصف الليل ليوقظك من نومك ويقرع بطبلته رأسك كما يفعل الان، وأنت مجبر أن تقول له  أشكرك، وتدفع له أجرته على أنه كسر دماغك وحطم أعصابك.ولم تكن هذه الإذاعات التي لاتسكت لحظة في رمضان، ولاكانت في البيوت هذه الأجهزة الشنيعة، مصيبة المصائب الراد(الراديو) الذي تستطيع كل امرأة جاهل وكل ولد لعاب أن يزعج به مئة بيت، ولايكلفه ذلك إلا أن يمد اصبعه وهو نائم فيدير زره أنملة فيدخل الداء العصبي على كل ماسكن هذه البيوت ويهرب رمضان المسكين بتأمله وخشوعه وطهره.

“وكيف يشعر بوجود رمضان من يركب الترام فيرى أمامه من يدخن وينفخ في وجهه الدخان، ويرى المطاعم مفتوحة والأكلة يأكلون، ويرى الناس إن صاموا عن الشراب وعن الطعام لاصوم إلا القليل منهم عن الكذب والغش والغيبة والبذاءة والحلف بغير الله، أو الحلف كاذباً بالله. ولايصوم إلا القليل عن الغضب والبطش والأذى.

” وليس الصيام ـ في الحقيقة ـ إلا تدريب خلقي. ليس الصوم جوعاً وعطشاً فقط. خلق الله ملائكة وخلق شياطين وخلق وحوشاً وسباعاً، فالمَلك خير كله، والشيطان شر كله، والسبع طبيعته البطش، لولاه ماعاش. وخلق الإنسان من الثلاثة جميعاً. ففي الإنسان ملك وشيطان وسبع. الملك له الإيمان والرحمة والطاعة والخشوع والسمو النفسي. والشيطان له الشهوة المحرمة والكذب والاحتيال والإفساد.والسبع له الغضب والبطش والقهر. والصيام في الحقيقة صيام عن السبعية والشيطانية، لتخلص النفس في هذا الشهر للمَلكية. فإذا لم تظهر على الصائم أخلاق الملائكة، وإذا بقي يغضب ويبطش كالسبع، ويشتهي ويفسد كالشيطان فإنه لم يعرف حقيقة الصيام.

“لقد كان رمضان الذي يجئ دمشق من أربعين سنة رمضان حقيقياً. وما أدري أمات وجاء غيره؟ أم قد شاخ وعجز أن يطوف دمشق كلها فصار يثبت وجوده في المفكرة والتقويم وفي أضواء المآذن ومدافع القلعة فقط لاغير.

“وكان أهل دمشق في مثل طهارة الأطفال، لم تشوه أصباغ الحضارة طبيعة الحسن في نفوسهم، ولم تفسد الشبه والعصبيات جمال الأخوة بين أفرادهم، ولم تكن قد هتكت أستار الصيانة ولامزقت براقع الحياء.كانت المرأة لزوجها وولدها وربّها، والرجل لزوجته وولده وربّه، فكانوا يرون رمضان كلهم، يرون هلاله في الأفق، ونوره في القلوب، وأثره في البيوت والأسواق والمدارس والمساجد ، يشعرون حقاً أن قافلة العمر كانت تمشي بهم في صحراء مجدبة، فإذا كان رمضان مشت في الواحة التي تعقب برّيا الأزاهير وترقص على أنغام الشحارير، فيكون من ذلك انس للنفس وراحة للروح.

“فأين ذلك الرمضان؟أين هو؟دلوني عليه دلوني عليه أجد فيه ماضيّ الذي فقدته، وأنسى الذي أضعته. رمضان الذي يتوب فيه كل عاص، ويتصل فيه كل منقطع، ويشهد فيه كل محجوب، وتسطع فيه الأنوار في كل قلب، حتى لتمتلئ بالرضا والاطمئنان والحب.ويقوم الناس في الأسحار ساعة يتجلى الله على الوجود تجلي الرحمة والغفران وينادي المنادي من السماء: ألا من سائل فأعطيه ألا من مستغفر فأغفره، فيهتفون من أعماق قلوبهم: يا أرحم الراحمين، ويسألون الله ويستغفرونه، فيحسّون أن قد صعدوا بأرواحهم إلى حيث يرون الأرض كلها ومن عليها ذرة تجول في هذا الفضاء، الدنيا كلها بأطماعها وأحقادها ومغرياتها، ويتذوقون أعظم اللذات، اللذة التي لاتقاربها لذة، لذة الاتصال بالله، ومناجاته في سكنات الليل، وهدأة الأسحار، فتسطع أنوار الإيمان في كل قلب ويمتلئ بالرضا والاطمئنان والحب، والقلب كالنسر الذي يضرب بجناحه في طباق السماء ولكنا قيدناه بقيود المادة، ثم أغرقناه في حمأة المطامع والشهوات، فكيف يطير نسر مقيد الجناح غارق في الطين؟

هذا هو رمضان؟ فحّلوا القيود عن قلوبكم واغسلوها من أوضار الحمأة التي غمستموها فيها ودعوها ترتفع لتطلع على جمال الوجود،وترى من هذا المرقب العالي جمال رمضان”.

سابعاً :وشهر الصيام هو شهر الصحة والعافية:

والسلف الصالح كانوا يتناولون من الطعام مايسد رمقهم، ويقيم صلبهم، اقتداء بقوله صلى الله عليه وسلم: “بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه” فكانوا لايكثرون من الطعام عند الإفطار، لأن امتلاء البطن والكظّة يمنع ويحول من أداء الفرائض والسنن،وكان مطعمهم ومشربهم حلالاً، فلا معنى للإمساك عن الطعام والشراب ثم الإفطار على الحرام!!وسوف أفرد موضوعاً كاملاً ومفصلاً عن تأثير الصيام على الصحة إن شاء الله.

وأما الخلف المتخلف فقد تصوروا شهر رمضان على أنه شهر المآدب والولائم والحفلات، والاهتمام بشتى أنواع المأكولات، ولقد اعتاد هؤلاء على أن يدخروا لشهر رمضان بدائع المأكولات وغرائب الطيبات، واعتدنا أن نرى موائد الإفطار وقد امتلأت بالأطباق الملونة والمزينة بكل مالذّ وطاب،وكأنما نحن مقبلون حقاً على مسابقة حقيقية لإتخام البطون، فلايكاد يُسمع أذان المغرب حتى يعبَّ أحدهم الماء أو العصير أو المشروبات الأخرى كالعرقسوس أو التمر هندي عبّاً ظناً أنه سبيل الارتواء ، ثم يباشر أكل والتهام ماعلى المائدة فيلتهم الطعام التهاماً، ويتابع ذلك بتناول أقداح الماء أو العصير الواحد تلو الآخر،فتمتلئ المعدة بالماء والطعام، والعيون مازالت ترمق بين الفينة والأخرى أنواع الحلوى اللذيذة عديدة الأشكال، والفواكه المبردة متنوعة الصفات، والأقداح المعطرة من الشاي أو القهوة أو باقي أنواع المشروبات الساخنة!!

وهكذا فإننا بعد الفراغ من الإفطار نكون قد أصبنا بالتخمة والاكتظاظ، ثم تتحرك الآلام في المعدة والأمعاء، ومايصاحبها من تشنج وإقياء، فيصبح الصوم وبالاً مع أن الأصل فيه الشفاء، والسبب في ذلك جهل بعض المسلمين وتحكم الشهوة والبطنة في العقول والأهواء.

وإن كنت أنسى فلن أنسى عندما كنت أعمل في قسم الإسعاف الداخلي في مستشفى المواساة بدمشق، حيث يقبل علينا وبعد سويعات قليلة من مدفع الإفطار العشرات من المصابين بالآلام المعدية والإقياء والإسهال والتشنجات البطنية.. بسبب الإفراط في تناول الطعام والشراب عند الإفطار، ونظرات المكيدة والمكر والسخرية  تنبعث من بعض الأطباء من غير الديانات تطاردنا ونحن نحاول إسعاف هؤلاء الناس الذين جلبوا الآلام لأنفسهم والسخرية والتشفي من شهر رمضان من أعداء الإسلام.

ثامناً :رمضان شهر المغفرة والرحمة والأجر العظيم:

لقد أولى الشارع العظيم الصيام عناية خاصة ومنزلة عالية، فكان من ذلك أن للصائم أجراً عظيماً ومغفرة واسعة لم نشاهدها في العبادات الأخرى، حيث جاء في الحديث القدسي: ” كل عمل ابن آدم يُضاعف له، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام  فإنه لي وأنا أجزي به“، وقد أضاف الله تعالى صيام العبد إلى نفسه، وذلك لأن الصيام هو العبادة الوحيدة والشعيرة الدينية الوحيدة التي لايصاحبها الرياء ،لأن في وسع البشر أن يطلعوا على أدائك للصلاة والزكاة والحج ونطق الشهادتين، ولكن كيف تثبت لواحد فقط من الناس أنك صائم؟!

وجاء في الحديث النبوي الشريف” للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه” [متفق عليه].

وفي الحديث الشريف: ” إن في الجنة باباً يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لايدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لايدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلن يدخل منه أحد” [متفق عليه عن سهل بن سعد].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ماتقدم من ذنبه” [رواه أحمد وأصحاب السنن].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه” [رواه الجماعة].

وفي الحديث الشريف: ” إن الله تبارك وتعالى فرض صيام رمضان عليكم، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وأقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه” [أخرجه النسائي وأحمد].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعنّي فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعنّي فيه، فيشفعان”.[ رواه أحمد بسند صحيح].

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لايصوم عبد يوماً في سبيل الله إلا باعدَ الله بذلك اليوم النار عن وجهه سبعين خريفاً”. [رواه الجماعة إلا أبو داود].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر” [رواه مسلم].

يقول الشيخ الدكتور القرضاوي حفظه الله:

“وإنما كرّم الله الصوم فنسبه إلى نفسه، دون العبادات كلها، لما لهذه الفريضة من خاصّة لاتوجد في غيرها.هذه العبادة لم يعبد بها غير الله سبحانه… كل العبادات قد عبدت بها الآلهة المزيفة، والأصنام التي عبدها المشركون على مرّ العصور.الصلاة، كم جُعلت لغير الله، فرُكِع وسُجد لغير الله! الدعاء، كم دُعي غير الله! القرابين، والصدقات، كم قدمت لغير الله تعالى؟! ولكنه لم يُعرف أنه قد صِيم لغير الله تعالى.

“وفي الصوم خصيصة لاتوجد في غيره، وهو أنه لارياء فيه، أي أن فعل الصوم لارياء فيه، حيث إنه مجرد إمساك وكفّ، وامتناع.والإمساك والامتناع لايُرى، فهو شئ سلبي، لايراه الناس، ولهذا لاتدخل المراءة في الصوم، إلا إذا أخبر الإنسان عن نفسه أنه صائم.أما عمل الصوم نفسه، فليس مما يُرى ومما يُحسّ.

ويتابع حفظه الله : “فالصوم عبادة خالصة لله عز وجل، فاستحق أن يُنسب إليه سبحانه، ثم هناك أمر آخر، وهو: مافي هذه العبادة من مشقة، حيث يُجيع الانسان كبده، ويُظمئ نفسه، ويَدَع شهواته كلها لله سبحانه.

“إن الله عز وجل هو الذي يتولى جزاء الصائمين بنفسه، هو الذي يُعطيهم بيده، والكريم إذا أخذ على نفسه أنه هو الذي يعطي فإنه يجزل،ولايدع ذلك لوكلائه،ولالخزانه، وإنما يتولى الأمر بنفسه، وعطاء الله لاحدّ له،فهو أكرم الأكرمين، والغني الذي له ملك السماوات والأرض ومابينهما.. “.  انتهى كلام القرضاوي.

ولذلك كان جزاء الإخلاص وحسن النية في عبادة الصوم أعظم الجزاء ووافر المغفرة عند الله تعالى.ولذلك قرن الله تعالى الصيام بحسن النية والإخلاص”إيماناً واحتساباً” فالصوم الذي يأمر به الإسلام ويثيب عليه، ويفتح لصاحبه أبواب المغفرة والرحمة والعتق من النار هو ماكان لوجه الله تعالى ، وتصديقاً بوعد الله، وطلباً لما عند الله، قال تعالى:{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء}[ البينة 5 ]،وليس أن يصوم الإنسان حمية من مرض، أو سعياً إلى صحة، أو بقصد الرياضة ونقص الوزن، أو احتجاجاً على مظلمة كما يفعل أحياناً المضربون عن الطعام في السجون والمعتقلات ، أو خضوعاً لتقاليد وأعراف، أو اتباعاً لعادة، أو نحو ذلك من البواعث والأغراض.

وحين تكثر الطاعات في رمضان، فإنه يكثر الثواب، وحين تقل المعاصي، يقل فيه العقاب وإلى هذا يشير قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا جاء رمضان، فُتحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفدّت الشياطين”، ففتح أبواب الجنة دليل على كثرة الثواب، وإلى مايفتحه الله للناس في هذا الشهر من الطاعات، كما أن تغليق أبواب النار، وتصفيد الشياطين إشارة إلى قلة المعاصي والذنوب ومايترتب عليها من قلة العقوبات.

وبعد:

فإن شهر رمضان كما يقول الاستاذ الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله : “هو مدرسة لتجديد الإيمان، وتهذيب الخلق، وتقوية الروح، واستئناف حياة أفضل وأكمل.. هؤلاء هم الذين يجدون في نهاره لذّة الأبطال في المعركة، قد اصطلوا بنارها وغبارها، ويجدون في مسائه وفي ليله وفي سَحَره وفجره لذة المعركة في ساعاتها الأخيرة، قد أغذوا السير يقتلون ويأسرون ويغنمون.. هؤلاء هم الذين تفتح لهم أبواب الجنة في رمضان وتُغلق عنهم أبواب النيران وتتلقاهم الملائكة ليلة القدر بالبشرى والسلام، هؤلاء هم الذين ينسلخ عنهم رمضان مغفورة لهم ذنوبهم، مكفرة عنهم سيئاتهم ومجلوة بنور الله قلوبهم”.

ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:

“إن رمضان(محطة) لتعبئة القوى النفسية والروحية والخلقية التي تحتاج إليها كل أمّة في الحياة، ويحتاج إليها كل فرد في المجتمع، إنه يمنحنا فيما يمنح، تذكيراً بالحق الذي تقوم السماوات والأرض عليه، وتخلقاً بالقوة التي لاتنتصر أمة بدونهان وشغفاً بالحرية التي لاتتم الكرامة الإنسانية إلا بها(حق، وقوة، وحرية) هذا هو بعض مايمنحنا رمضان في أيامه الجائعة، قوياً في حلبة الصراع لاينهزم منه، خلق حراً بأكرم معاني الحرية، لاتعلق به ذلة ولاعبودية. إن المسلم الصائم طواعية واختياراً وعبودية لله، وخضوعاً لجلاله، ورجاء للقرب منه والأنس بحضرته، يرى الأنانية والأثرة والعزلة والانقطاع عن مشاركة المجتمع في آلامه وأحزانه، يرى في ذلك باطلاً ما أحراه أن يترفع عنه وينتصر عليه.ويرى الأهواء والشهوات والظلم والبغي والعداوة والبغضاء ضعفاً يقتل روح الأمة ما أجدر به أن يثور عليه ويقف دونه، ويرى في لذة المناجاة مع الله، وتنفيذ شرعه فيما نهى وأمر، حرية تنأى به عن العبودية لغير الله من طعام وشراب ولذة وطمع وأماني كاذبة، فهو الحر دائماً وأبداً،وهو الحر الذي لاتتجلى حريته في القدرة على الانتقال من مكان إلى مكان بل في القدرة على أن يتحكّم في عواطفه وميوله،فيحبس عنها مايشاء ويطلق منها مايشاء.

ويتابع رحمه الله : ” بهذا الفهم الدقيق لرمضان وفلسفته، وبهذا التخلق الكامل بالصيام وأدابه، سجل تاريخنا القديم والحديث من النصر في معارك الحق آيات بينات، وترك للإنسانية من أبطال الإصلاح والفتوح والحكم والعلم أعلاماً شامخات.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

“يغدو الناس كأنهم إخوة في أسرة واحدة،أو رفاق في مدرسة داخلية، يفطرون جميعاً في لحظة واحدة، فتراهم المساء مسرعين إلى بيوتهم، أو قائمين على مشارف دورهم أو على أبواب منازلهم، ينظرون في ساعاتهم ويتطلعون إلى المآذن بعيونهم،وإلى المدفع بآذانهم، فإذا سمعوا ضربة المدفع، أو أبصروا ضوء المنارة، أو رنَّ في أسماعهم صوت المؤذن، عمّت الفرحة الكبار والصغار، فانطلقت وجوه الكبار، وصاح الصغار بنغمة موزونة(اذّن، اذّن، اذّن) وطاروا إلى دورهم كعصافير الروض، يرضى كلٌّ بما قُسم له، ويحمد الله عليه،وقد راضهم الجوع على أن يتقبلوا كل طعام، فكل طعام هو في أذواقهم تلك الساعة أطيب طعام..فإذا فرغوا من طعامهم أمّوا المساجد فقاموا بين يدي ربهم وخالقهم صفاً واحداً، متراصة أقدامهم، ملتحمة أكتافهم،وجباههم جميعاً على الأرض، الغني والفقير، والكبير والمتواضع،والصعلوك والأمير،يذّلون لله، يضعون له وجوههم عند مواطئ الأقدام،فيعطيهم الله بهذه الذلة له عزّة على الناس كلهم،فتنخفض لهم رؤوس الملوك والجبارين حتى تقع عند أقدامهم، ومن ذلّ لله أعزّه الله،ومن كان لله عبداً جعله الله في الدنيا سيداً، ومن كان مع الله باتباع شرعه والوقوف عن أمره ونهيه، وإتيان فرائضه واجتناب محرّماته كان الله معه بالنصر والتوفيق والغفران، وبذلك ساد أجدادنا الناس، وفتحوا الأرض من مشرقها إلى مغربها، وحازوا المجد من أطرافه، وأقاموا دولة ماعرف التاريخ أنبل منها ولا أفضلن ولا أكرم ولا أعدل.

ويتابع رحمه الله : “رمضان الذي يجمع للصائم صحة الجسم وصحة الروح، وعظمة النفس، ورضا الله. رمضان الذي نجتلي فيه أجمل صفحات الوجود، وماكنا لنجتليها قبل رمضان، لأن الحياة سفر في الزمان، يحملنا قطار الأعمار فإذا قطع بنا أجمل مراحل الطريق حيث يولد النور، وتصفو الدنيا، ويسكن الكون، مرحلة السحر، قطعها بنا ونحن نيام لانفتح عليها عيوننا ولانبصر فتونها.رمضان الذي تتحقق فيه معاني الإنسانية وتكون المساواة بين الناس، فلا يجوع واحد ويتخم الآخر،بل يشترك الناس كلهم في الجوع والشبع، غنيّهم وفقيرهم، فيحسّ الغني بألم الجوع، ليذكره من بعد إذا جاءه من يقول له: أنا جوعان، ويعرف الفقير نعمة الله عليه، حين يعلم أن الغني يشتهي على غناه رغيفاً من الخبز أو كأساً من الماء، ويعلم الجميع حين يجلسون إلى مائدة الإفطار أن الجوع يسوّي بين المطاعم كلها، وليس الذي يطيب الطعام غلاء ثمنه، ولاجودة صنعه، ولا حسن مائدته، ولكن الجوع الذي يشهيّه، والصحة التي تهضمه، وأرخص طعام مع الصحة والجوع الذّ من موائد الملوك لمن كان مريضاً أو شبعان” .

يقول الاستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله:

“أما والله لو عمَّ هذا الصوم الإسلامي أهل الأرض جميعاً، لآل معناه أن يكون إجماعاً من الإنسانية كلها على إعلان الثورة شهراً كاملاً في السنة لتطهير العالم من رذائله وفساده، ومحق الأثرة والبخل فيه، وطرح المسألة النفسية ليتدارسها أهل الأرض دراسة عملية مدة هذا الشهر بطوله، فيهبط كل رجل وكل امرأة إلى أعماق نفسه ومكامنها، ليختبر في مصنع فكره معنى الحاجة ومعنى الفقر، وليفهم في طبيعة جسمه ـ لا في الكتب ـ معاني الصبر والثبات والإرادة وليبلغ من ذلك وذلك درجات الإنسانية والمواساة والإحسان، فيحقق بهذه وتلك معاني الإخاء والحرية والمساواة” .

ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:

“فهذا هو ـ أيها المسلمون ـ موسم المغفرة. هذا هو موسم المتقين، ومتجر الصالحين، وربيع المؤمنين، هذا هو الموسم، موسم تجار الآخرة. وللدنيا تُجار، وللآخرة تجار.تجار الدنيا يركبون الأخطار، ويجوبون الفيافي والقفار، ويركبون الأجواء والبحار، ويواصلون سهر الليل بعناء النهار، كل ذلك في سبيل ربح مادي، قد يكون وقد لايكون. وإذا كان هذا الربح، فقد ينتفعون به وقد لاينتفعون..وإذا انتفعوا به حيناً، فقد يدوم لهم النفع وقد لايدوم.. وإذا دام لهم، فإنهم أنفسهم لايدومون..فهذا هو شأن الحياة، وتلك هي سنة الله في هذه الدنيا.. هب الدنيا تُساق إليك عفواً أليس مصير ذلك إلى انتقال؟ وما دنياك إلا مثل ظل أظلّك ثم آذن بالزوال..وصدق الله العظيم: {اعلموا أنّما الحياة الدنيا لعِبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتفاخرٌ بينكم وتكاثرٌ في الأموالِ والأولادِ كمثلِ غيثٍ أعجبَ الكفارَ نباتهُ ثمّ يهيجُ فتراهُ مُصفراً ثمّ يكونُ حُطاماً} [الحديد 20].تجار الدنيا يفعلون ذلك، أما تجار الآخرة: {رجالٌ لاتُلهيهمْ تجارةٌ ولابيعٌ عن ذكرِ الله وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة يخافونَ يوماً تتقلّبُ فيه القلوبُ والأبصار} [النور 37]. إن تجارتهم ليست في اللحم ولا الأرز ولا في التمر، ولا في البُر، ولا في الثياب، ولا في المتاع، إن تجارتهم إنما هي في الطاعات والقربات.. أسواقهم المساجد، وفرصهم ساعات السّحر، وأيام رمضان ولياليه.هؤلاء هم تجار الآخرة، الذين يجدون في هذا الشهر موسماً يُقبلون فيه على الله، يصومون فيحسنون الصيام، ويقومون فيحسنون القيام.لايصومون صيام البطن والفرج فحسب،بل صيام الجوارح عن كل مايغضب الله.ويقومون القيام، الذي تخشع فيه القلوب، وتطمئن فيه الأصلاب، وتستقر فيه الجبهات، فإنما يقبل الله الصلاة الخاشعة المطمئنة، هؤلاء هم تجار الآخرة، الذين يجدون في هذا الشهر ربيعاً، وموسماً،ومتجراً، فيتزودون منه، لقلوبهم وأرواحهم وأنفسهم، زاداً يُمدّهم وينفعهم لأحد عشر شهراً”.

وشهر رمضان كما يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله :

“ليس صياماً فحسب، ولكنه صيام وقيام واعتكاف وقراءة للقرآن وجُود وعطاء وجهاد في سبيل الله، وإن من واجبنا أن نستفيد في هذا الشهر من كل مافي هذا الشهر، لنخرج منه أوثق صلة بالله عز وجل وأقوى رابطة بكتابه وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأكثر تجسيماً لتعاليم الإسلام في حياتنا وعملاً به وله في سائر الشؤون والمجالات..

ويتابع حفظه الله” يجب أن نجعل هذا الشهر المبارك في حياتنا شهر تغيير عميق، وشهر بناء جديد لأنفسنا، أفراداً وجماعات، وشهر تزود واستعداد للإنطلاق الحقيقي في العمل الإسلامي، والخروج من الروتين المميت والاستمرار التاريخي العفوي الأعمى، إلى الحياة الغنية الواعية والإبداع المتجدد المبصر والمستوى الذي يؤهل للنصر في هذا العصر، فإن علينا ان نربح معركة الإسلام أو نموت” .

وفي مقالة له بعنوان” رمضان يودع..فماذا يقول” يقول الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله:

“تودون استعادة ماكان لآبائكم من مجد كللوا به جبين الدهر شرفاً وفخاراً، و لكن أين أنتم من آبائكم بالأمس؟ فأولئك قوم جعلوا رضا الله تعالى فوق أهوائهم، وإطاعته فوق شهواتهم، أولئك قوم فهموا الإسلام قانوناً كلياً لايتجزأ فأذعنوا لكل صغيرة وكبيرة فيه برضا وطيب نفس، أولئك قوم كانوا يتوّقون الذنوب كما تتوّقون أنتم اليوم جراثيم المرض، أولئك كانوا قوماً يرون الحياة وسيلة لنيل الدرجات العلى في الآخرة، فكانوا يردون حياض المنايا ونفوسهم ظمأى إلى ارتشاف كأس الشهادة، يدعون الله صباح مساء أن لايردهم إلى بلادهم ولا إلى أهلهم ولا إلى أولادهم.أولئك قوم كان لهم من خشية الله تعالى ماكفل لهم انتظام الأمور في مجتمعهم، فكان الأمير منهم أشد حنواً على رعيته من الأم على ولدها، وكان العالم منهم لايألو جهداً في إرشاد العامة إلى مناهج الحق، ولو ناله في ذلك اذى أو عذاب، وكان الغني منهم يجود بالمال راضية به نفسه، لايبغي بذلك إلا رضا الله تعالى،وكان التاجر منهم صادقاً أمينا عفيفا في بيعه وشرائه، وكانت المرأة فيهم عَفَّة الفؤاد طاهرة الذيل على آداب وانقياد لأحكام الله تعالى.

“أما أنتم فكباركم ظالمون، وعلماؤكم نائمون،وأغنياؤكم ضنينون، وشبابكم مفتونون، وتجاركم غشاشون كذابون،ونساؤكم متبرجات منصرفات عن هدى الله تعالى. أما أنتم اليوم ففي غرور يملأ أدمغتكم، وفي شهوات تستولي على أفئدتكم، وفي غفلة غشت على أبصاركم، ترون الدنيا أعزّ مايطلبه الرجال،والترف أسمى ماتطمح إليه الأنظار، والمال والجاه الكاذب أحق مايقتتل عليه الأبطال،فلا غروأن تخضع لآبائكم الدنيا وأن تخضعوا أنتم إلى الدنيا، ولاغرو أن يعطيهم الله تعالى ما أرادوا إذ كانوا معه كما أراد، وأن يسلب منكم ما أعطاكم إذ كنتم مع الأهواء كما تريد، ولاغرو أن يُملوا إرادتهم على العالم وأن يُملي عليكم إرادته شذاذ العالم{أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله} ، {أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم}.

ويتابع رحمه الله وأسكنه فسيح جناته: “يقول رمضان:ذلك هو الفرق بينكم وبين آبائكم، وذلك هو السبب الحقيقي لفشلكم في نهضتكم، بينته لك على حقيقته،والآن وقد أزمعت على الرحيل اليوم، فلي إليكم رجاء في إبلاغ كلماتي هذه إلى أسماع المسلمين:

“أيها المسلمون: كيف ترضى أمة لها دين وعقل وذكاء، أن يغلبها أقوام في أطباعهم جفوة، وفي قلوبهم قسوة،وفي خلقهم نبوة، تتنافى آدابهم مع آدابها، ولاتلتئم أذواقهم مع أذواقها، ثم هم على إشراك بالله وكفر بدينه؟

“أيها المسلمون:إن كان أعداؤكم ملكوا الدنيا وهم على إشراك بالله، فما أحراكم بالملك وأنتم على إيمان به.وإن كانوا سادوا العالم وهم على مجون ودعارة فما أحراكم بالسيادة وأنتم على تقوى وطهارة.

“أيها المسلمون:إن الحياة نعمة لايستحقها إلا الشاكرون، وما الشكر عليها إلا صمود لنوائب الدهر ويقظة لدسائس العدو، وعمارة للأرض بنشر دين الله في أرجائها.

وداعاً أيها المسلمون، فقد أضنى الأسى كبدي، وقرّح البكاء جفوني.

وداعاً أيها المسلمون، فسألقى اليوم ربي أشكو إليه ذلّ التوحيد، وعزّ الشرك، واضطهاد الهدى وموت الضمائر.

ثم قال لي رمضان: وأنت استودعك الله.

ثم مضى في طريقه وكأنما تقطّعت نفسي على فراقه حسرات”.

وأخيراً والمسلمون يودعون شهر الصيام شهر الرحمة والمغفرة والإيمان، شهر المواساة والتواصل والتآلف والغفران، شهر الصبر وشهر النصر وشهر غزوة بدر غزوة الفرقان،ويهتفون وينشدون ويرتلون:

لا أوحش الله منك ياشهر الحسنات

لا أوحش الله منك ياشهر الخيرات

لا أوحش الله منك ياشهر الرضوان

لا أوحش الله منك ياشهر الرحمن.

ومن القصائد الجميلة في توديع شهر رمضان:

شهر رمضان لقد كَرُمتَ نزيلاً                          ونويت من بعد المقام رحيلا

وأقمت فينا ناصحاً ومؤدباً                               وشفيت منا بالفؤاد غليلا

نبكيك يا شهر الصيامٍ بأدمعٍ                             تجري فتحكي في الخدود سيولا

أسفاً على الإنس الذي عوّدتنا                           وصنيع فعل لا يزال جميلا 

شهر الأمانة والصيانة والتقى                          والفوز فيه لمن أراد قبولا

تبكي المساجدُ حسرةً وتأسُّفاً                           إذ عطلّت من أنسه تعطيلا

فيه الجنان تَفتّحت لقدومهِ                              وتّزيّنت ولدلانها تجميلا

وتفيأت أشجارها بظلالها                             وقطوفها قد ذُلّلت تذليلا

والشاعر الأندلسي ابن زيدون يُعزي أحدهم بذهاب شهر الصوم:

نُعَزِّيكَ عن شهرِ الصيام الذي انقضى                  فإنّكَ مفجوعٌ به فَمُصابُ

هُوَ الزَورُ لو تُعطى المنى وضعَ القصا               ليزدادَ من حسن الثوابِ مُتابُ

شهدتُ لأدّى منكَ واجبَ فرضهِ                      عليمٌ بما يُرضى الإلهَ نقابُ

وجاورتَ بيتَ الله أنساً بمعشرٍ                        خشوهُ فخرّوا رُكعاً وأنابوا

لقد جَدَّ إخباتٌ وحَقَّ تَبتلٌّ                             وبالغَ إخلاصٌ وصحَّ متابُ

يقول الشيخ أبو سعيد فرج بن لب(نفح الطيب ج5 ص512)في وداع شهر رمضان:

أأزمعتَ يا شهرَ الصيامِ رحيلا                      وقاربتَ يابدرَ الزمانِ أُفولا

أجِدَّكَ قد جَدتْ بك الآنَ رحلةٌ                        رويدكَ أمسكْ للوداعِ قليلا

نزلتَ فأزمعتَ الرحيلَ كأنّما                       نويتَ رحيلاً إذ نويتَ نزولا

وما ذاكَ إلا أن أهلكَ قد مضوا                     وتفانوا فأبصرتَ الديار طلولا

تفكّرت في الأوقاتِ ناشئةَ التُّقى                  أشدَّ به وطأً وأقومَ قيلا

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(وحي الرسالة ج4  ص372:

“أما أنتم معاشر الذين خرجوا من رمضان بزاد من التقوى للقلب والروح، وذخيرة من الخير للوطن والأمة، وعدة من الصبر للجاد والعمل، فإنكم أحرى أن تهنأوا بحزنكم في توديع شهر الصوم، وبفرحكم في استقبال يوم الفطر، فإن الحزن على رمضان تقوى وبر، لأنه حزن على خير مضى وأنس فات، وأن الفرح بالعيد عبادة وشكر، لأنه فرح ببشرى نزول الوحي وذكرى يوم بدر” .

ويقول شيخ الأزهر محمد أبو زهرة رحمه الله:”قال تبارك وتعالى{قُل بِفَضل اللهِ وبِرَحمتهِ فبذلكَ فليَفرحوا هُوَ خَيرٌ ممَّا يجمعون}[يونس 58]، إذا أسباب الفرح نلخصها فيما يلي:

دخل علينا رمضان فصمناه ولله الحمد لذا حُقّ لنا أن نفرح.

ختمنا القرآن، أو ختمنا عدة ختمات متتالية، وراجعنا تفاسيره، حُقَّ لنا أن نفرح.

أزلنا الخصام والمشاحنة بيننا وتصافحنا وتعانقنا حباً وعفواً عن بعضنا ،فحُقّ لنا أن نفرح.

تناولنا طعام الإفطار مع ضعفاء المسلمين من الأيتام والمساكين وجالسناهم، فحُقَّ لنا أن نفرح.

بكينا الدموع، وذرفناها على مامضى من تقصير وتفريط في جنب الله، فحُقَّ لنا أن نفرح.

انتحبنا في المحاريب دعاء لنصرة الإسلام وعزّه بصدق وإخلاص وثقة ويقين، فحُقّ لنا أن نفرح.

واصلنا الأرحام وتزاورنا في الله، ونسينا ماكان من جفاء وقطيعة، فحُقّ لنا أن نفرح.

توجهنا بِكُلّيتنا إلى الله تبارك وتعالى حباً وإخلاصاً وسمعاً وطاعة، فحثقّ لنا أن نفرح.

أخرجنا زكاة أموالنا، وأخرجنا زكاة الفطر،فمسحنا الدموع من على جبين الضعفاء، فحُقّ لنا أن نفرح.

ابتعدنا عن الظلم، وأكل أموال المسلمين الضعفاء وظلمهم والتعدي عليهم، فحُقّ لنا أن نفرح.

اعتكفنا بالمساجد، وتفكرنا في آخرتنا ومعادنا وراجعنا أنفسنا، فحقّ لنا أن نفرح.

ابتعدنا عن العادات السيئة من التدخين ومشاهدة المحرمات في التلفاز، فحقّ لنا أن نفرح.

ويتابع رحمه الله:”فرحتنا الكبرى يوم نحرر قدسنا من يد عدونا، وتعود إلى رحابنا فنصلي في محرابنا ونعتكف في جنباته أو نستشهد على أعتابه.

فرحتنا الكبرى يوم نرى بلاد المسلمين محررة من كل طاغوت ملحد أو صليبي كافر أو مسلم فاجر.

فرحتنا الكبرى حينما نرى كل من حبس ظلماً وقد تم الإفراج عنه.

فرحتنا الكبرى حينما تكون كلمة الله هي العليا في الأرض، فلاحكم إلا حكمه ولاتشريع إلا تشريعه، التشريع الكامل العادل الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

فرحتنا حينما تفتح الدنيا أمامنا فتزال الحواجز بين الدول، ويسير الراكب على دابته في أرض الله لايخش إلا الله والذئب على غنمه.

فرحتنا الكبرى حينما نرى المنهج التعليمي الإسلامي منتشر في ربوع الأرض:ليملأها نوراً وبهاءً وعدلاً،وسعادة فلاخصام ولاحروب ولامشاحنات، بل يضع الإنسان اللقمة في فم أخيه فيتلّذذ بطعمها في فمه.

هذه ليست أحلام، بل وقائع إن شاء الله، وما وقائع اليوم إلا أحلام الأمس، وأحلام اليوم وقائع الغد.{ولاتيأسُوا من رَّوحِ الله إنّه ُلاييأسُ من رَّوحِ الله إلا القومُ الكافرون} [يوسف 87]

وبعد:

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: “ثلاثة لاتُرد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الربّ: وعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حين“.

إننا لنتوجه إلى الله تعالى في شهر رمضان بالدعاء إلى الله عز وجل ونحن الصائمون المظلومون، وخاصة في  ماتعيشه الأمة العربية والإسلامية في هذا الزمان حيث تكالبت عليها قوى الشر من كل حدب وصوب ومن كل بقاع الأرض، وما تتعرض له من صنوف الأذى والتعذيب والتدمير والاستصال والتهميش الذي لم تشهد له البشرية مثيلاً على كرّ العصور ومرّ الدهور إننا ندعو الله الجبار القهار، الرحمن الرحيم وبكل أسمائه وصفاته الحسنى أن يرفع عن المسلمين المحن والبلاء والتعذيب والتدمير، وأن يُلهمهم وخاصة على مستوى قياداتهم وزعمائهم السّداد والرشد وحسن التدبير، وأن يعينهم أفراداً وجماعات، حركات ودويلات، على العودة الصادقة إلى إسلامهم ودينهم وقرآنهم وأن يستمدوا منهم القوة الربانية والحكمة الإلهية التي تمكنهم أن يحولوا ضعفهم قوة، وذلتهم عزة، وتناحرهم تعاونا،وتفرقهم وحدة .

اللهم إنا  نسألك في هذا الشهر المبارك شهر الخير والرحمات، شهر الصبر والنصر ، شهر العزة والكرامة، شهر الحرية من قيود ابالسة أعداء الدين، وشهر العبودية الخالصة لك يارب العالمين، نسألك يارب العالمين، وياناصر المستغيثين أن ترفع عنا البلاء وأن تقبلنا ولاتردنا، أن تنظر لنا بعين رحمتك وأن تمد لنا يد العون.

اللهم فرج عن الإسلام والمسلمين، وفرج عن المكروبين والمحرومين والمسجونين والأيامى واليتامى والحائرين.

اللهم ردنا إلى إسلامنا رداً جميلاً، واعل راية الحق والدين عالية  فوق كل أرض وتحت كل سماء.

أنت وحدك الملجأ والمعين، وبك وحدك القوة، وعليك المعتمد، ومنك العون والفرج والنصر الأكيد ولاحول ولاقوة إلابك ، والحمد لله رب العالمين.

رمضان… شهر الصيام والصحة

المعنى الشرعي للصيام:

الامتناع عن الطعام والشراب وغشيان النساء وسائر المفطرات من طلوع الفجر وحتى غروب الشمس مع النية.قال تعالى:{وكُلُوا واشرَبُوا حتَّى يتبيَّنَ لكُمُ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصيامَ إلى الليل}[البقرة187].

المعنى اللغوي:

الصيام لغة: هو الإمساك عن أي شئ والامتناع عن الانتقال من حال إلى حال، فمن امتنع عن الطعام أو الكلام أو الارتحال كان في اللغة العربية صائما. يقول تعالى على لسام مريم البتول { نذرتُ للرَّحمنِ صوماً فلن أُكَلِّمَ اليوم إنسيّا}[مريم 26].وهذا يدل على أن الصيام كان يتمثل عند السيدة مريم بالإمساك عن الكلام، ولذا اقتصر تفاهمها مع قومها على لغة الإشارة يقول تعالى:  {فأتت بهِ قومَها تحمِلُهُ قالوا يامريمُ لقد جِئتِ شيئاً فرِيّاً * يا أختَ هارونَ ماكانَ أبُوكِ امرأَ سَوءٍ وما كانت أمُّكِ بَغيّاً* فأشارت إليه قالوا كيفَ نُكَلِّمُ من كانَ في المهدِ صبيّا}.[مريم 27 ـ 29].

وأما المعنى اللغوي لشهر رمضان:

ورد في لسان العرب: قال ابن دريد: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي هي فيها، فوافق رمضان أيام رَمَض الحر وشدته فسُمي به، وكان رمضان يسمى في الجاهلية ناتقا. والرَمض: شدّة وقع الشمس على الرمل. قال الشاعر:

المستجير بعمرو عند كربته              كالمستجير من الرمضاء بالنار

وقال الفراء: رمضان مأخوذ من رَمِض الصائم يَرْمض: إذا حرّ جوفه من شدّة العطش.

وشهر رمضان هو الشهر الوحيد الذي جاء ذكره في القرآن الكريم قال تعالى: “{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن}[ البقرة 185].

يقول العلامة الجزائري الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى: “ومن عظم منزلة الصوم عند الله أن شرّعه عقوبة وكفارة عن ارتكاب بعض المخالفات :كالحنث في اليمين، والتمتع بالعمرة إلى الحج، والظهار، وقتل الخطأ، وفطر العمد في رمضان.ولم يجعل هذا لغيره من العبادات والأركان فلاتكفير عن ذنب بصلاة ولاحج ولامال من جنس الزكاة.

فرض الصيام وتاريخ الصوم:

لما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشقّ الأمور وأصعبها تأخر فرض الصيام إلى السنة الثانية من الهجرة، بعدما توطّنت النفوس على التوحيد والصلاة(التي فرضت في السنة العاشرة من البعثة بعد حادثة الإسراء والمعراج)، وألفت أوامر القرآن.قال تعالى: {شهرُ رمضان الذي أُنزِلَ فيهِ القرآنُ هدىً للناسِ وبيّناتٍ من الهدى والفُرقانِ فَمَن شهِدَ منكُم ُالشَّهرَ فليَصُمه} [البقرة 185] وقال تعالى:{ يا أيُّها الذين أمنوا كُتِبَ عليكُمُ الصِّيامُ كما كُتِبَ على الذينَ من قَبلكُم لعلّكم تتَّقون}[البقرة 183].

ووجوب الصيام ثابت في الكتاب والسنة والإجماع. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: ” فُرض الصيام أولاً على وجه التخييربينه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم، وجعل للشيخ الكبير إذا لم يطيق الصوم أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ورخصّ للمريض والمسافر أن يفطرا ويقضيا، وللحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما كذلك، فإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم لإن فطرهما لم يكن لخوف مرض وإنما كان مع الصحة فجبر بإطعام المسكين كفطر الصحيح في أول الإسلام”.

ولم يكن الصيام معروفاً فقط عند المسلمين، بل عند الأمم السابقة أيضاً، وإنه وإن كان ليس في التوراة التي بين أيدينا مايدل على فرضية الصيام على اليهود، بل جاء فيها الترغيب فيه ومدح من يؤديه، وقد ثبت أن موسى عليه السلام صام أربعين يوماً، وينقل أن التوراة فرضت عليهم صوم اليوم العاشر من محرم  وأنه يصومونه بليلته ولعلهم كانوا يسمونه عاشوراء ولهم أيام أخر يصومونها نهارا(كما جاء في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله).كما أن الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة تدل على أن سيدنا داود كان يصوم يوماً ويفطر يوما.

وأما النصارى فليس في أناجيلهم المعترف بها اليوم نص في فريضة الصوم وإنما فيها ذكره ومدحه واعتباره عبادة، وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير قبل عيد الفصح وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى عليهما السلام، وكذلك الحواريون ، ثم وضع رؤساء الكنيسة ضروباً أخرى من الصيام وفيها خلاف بين المذاهب والطوائف، ومنها صوم عن اللحم، وصوم عن السمك، وصوم عن البيض واللبن. وكان الصوم المشروع عند الأولين منهم كصيام اليهود يأكلون في اليوم والليلة مرة واحدة، فغيروه من بعد وصاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار.

أما عند الأمم الأخرى فإن الصوم لم يقتصر على الناحية التي فرضتها الأديان المختلفة، بل إنه قاعدة صحية درج عليها الأقدمون لحفظ أجسامهم وسلامتها، إذ كانوا يعدون الصوم أنجع طريقة للوقاية من العدوى، وخاصة عند انتشار الأوبئة، لأن الصوم تنظف الأجهزة وتزال بواسطته الأطعمة الراكدة في الأمعاء وغيرها.وفي مصر القديمة كان يفرض على الراغبين في الالتحاق بخدمة معابد ايزيس وازوريس أن يصوموا سبعة أيام كاملة لايتناولون فيها غير بضع جرعات من الماء، وكانت مدة الصوم تمتد أحياناً إلى 42 يوماً.

وأما اليونانيون فقد فرضوا الصوم في دياناتهم على انواع متعددة، فكان سقراط وأفلاطون يصومان عشرة أيام من كل بضعة شهور، كما كان بعض اليونانيين ينقطع عن الطعام يومين أو ثلاثة، غير أن الشعب كان يصوم في بعض المواسم استرضاء للآلهة وطلباً لعفوها.

أما سكان اسبارطة فلم يدخروا وسعاً في تدريب أبنائهم على الصوم رغبة في أن يكونوا أقوياء أشداء يستطيعون أن يواصلوا القتال من الصبح إلى المساء دون اكتراث لما يصادفهم من الجوع والعطش.وقد نهج الفرس منهج اليونان في ترويض أبنائهم على الصوم منذ نعومة أظفارهم ليكونوا أشد وأقوى على تحمل المشاق.وفي أمريكا الشمالية كان الهنود الحمر ولايزالون إلى اليوم رغم اختلاطهم بالسكان البيض يقدسون الصوم ويعدونه من أنواع الرياضة البدنية النبيلة، ولذا يلجؤون إلى ترويض أبنائهم على هذا النوع من الرياضة منذ صغرهم.وأما الهنود وخاصة منهم”اليوجا” أو فقراء الهنود فإنهم ضربوا الرقم القياسي في تحمل الجوع بين الأمم جميعاً إذ توصل بعضهم إلى صوم شهرين كاملين.

وأما عند العرب قبل الإسلام فقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها مايفيد أن العرب قبل الإسلام كانت تصوم عاشوراء، واستنتج ابن اسحق من تعبد النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء في رمضان قبل البعثة على أن العرب كانت تعرف الصوم وسيلة من وسائل العبادة والتفكر.

هذه نبذة موجزة نفهم منها أن الأمم جميعا قد جاءت في شرائعها السماوية والوضعية بطلب الصوم من أتباعها، وأنها كانت تمارسه وتقوم به .

الصوم والصحة

تتردد هنا بعض الأسئلة حول علاقة الصيام بالصحة البدنية والنفسية، ومن أجل الجواب على هذه التساؤلات نُقسّم الموضوع إلى ثلاث نقاط رئيسية:

! ـ هل للصيام تأثير إيجابي على الصحة البدنية والنفسية بشكل عام؟

2 ـ هل الصيام ينفع في علاج كل الأمراض الجسمية أو بعضها؟ وماهي الأمراض التي ثبت فائدة الصيام بها؟

3 ـ هل الصيام على العكس وكما يدّعي البعض له تأثيراته الضارة على الجسم والصحة كما يردّد بعض المستشرقين أو المتحاملين على الإسلام؟ وهل هناك أمراض لايفيد فيها الصوم ، بل قد يكون ضاراً لها؟

أولاً: الصوم والصحة بشكل عام:

جاء في مقال في مجلة العربي(التي تصدر في الكويت) بتاريخ الاول من أذار(مارس) عام 1992م ، وفي موقع “بيروت كوم ” تحت عنوان  “الصوم ضرورة”مايلي:

“لم يعد هناك أي شك لدى الباحثين المنصفين من أن الصوم هو ضرورة من ضروريات الحياة.وقد أثبتت الحقائق التاريخية والدينية والعلمية هذه المقولة.لقد عرف الإنسان الصوم ومارسه منذ فجر البشرية. وأقدم الوثائق التاريخية مانقش في معابد الفراعنة وما كتب في أوراق البردي من أن المصريين القدماء مارسوا الصوم وخاصة أيام الفتن حسب ماتمليه شعائرهم الدينية.

“إن الصوم ومنذ عدة قرون هو أحد الوسائل العلاجية المعروفة عند معظم الحضارات القديمة والحديثة على حد سواء.ويذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت(450 قبل الميلاد) أن المصريين القدماء كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، ولاحظ هيرودوت أنهم كانوا ـ أيامها ـ وربما بسسب الصوم أحد أكثر الشعوب صحة.

وفي اليونان القديمة صام الفيلسوف أبيقور(القرن السادس قبل الميلاد) أربعين يوماً قبل أن يؤدي الامتحان الكبير في جامعة الاسكندرية، لشحذ قواه العقلية وطاقة الإبداع عنده.

أما سقراط(470 ـ 399 قبل الميلاد) فإنه كان يصوم عشرة أيام كلما طمح إلى حسم أمر يستحق ذروة التفكير.

وأبو قراط، وهو أبو الطب اليوناني القديم(460 ـ 370 قبل الميلاد)، كان يصف للمرضى في أحرج المراحل أن يصوموا.وهو أول من قام بتدوين طرق الصيام وأهميته العلاجية.

ثم جاء الروماني جالينوس، في القرن الثاني الميلادي، وأوصى بالصوم كعلاج لكل أعراض” الروح السالبة” وكان يعني بذلك حالات الحزن وفقد الحب وفرط التوتر.

وأما الشيخ الطبيب العالم ابن سينا(980 ـ 1037م)، فإنه لم يتنازل عن الصوم كدواء، بل كان مفضلاً لديه ويقول: ” إنه الأرخص ويصفه للغني والفقير “.

“والحقيقة أن الإنسان لايصوم بمفرده، فقد تبين لعلماء الطبيعة أن جميع المخلوقات الحية تمر بفترة صوم اختياري مهما توفر الغذاء من حولها.

ويعتبر العلماء الصوم ظاهرة حيوية فطرية لاتستمر الحياة السوية والصحة الكاملة بدونها.وإن أي مخلوق لابد وأن يصاب بالأمراض التي يعاف فيها الطعام إذا لم يصم من تلقاء نفسه،وهنا تتجلى المعجزة الإلهية بتشريع هذه العبادة. فالصيام يساعد العضوية على التكيف مع أقل مايمكن من الغذاء مع مزاولة حياة طبيعية، كما أن العلوم الطبية العصرية اثبتت أن الصوم وقاية وشفاء لكثير من أمراض العصر.

إن الصيام الذي فرضه سبحانه وتعالى على المسلمين هو صيام سهل ويسير، لامشقة فيه ولاضرر، قال تعالى: {يريدُ اللهُ بكمُ اليُسرَ ولايريدُ بكمُ العُسرَ} [البقرة 185].

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات(وحي الرسالة ج4 ص 172):

“وإن للجوع أثراً شديداً في تصفية النفوس وتلطيف الطباع، لأن كدر النفس يكون في الأكثر من كدر الجسد.وقد قالوا: إن البِطنة تُذهب الفطنة”، ولذلك اتخذ كثير من أئمة الدين ورجال التصوف الجوع سبيلاً إلى تهذيب النفس وتقوية العقل وإذكاء الروح.قال الإمام علي رضي الله عنه يصف العارف بالله: “قد أحيا عقله وأمات نفسه، حتى دقّ جليله ورقّ غليظه” يريد بجليله بدنه الضخم وبغليظه طبعه الكثيف.وقال إبراهيم ابن أدهم: ” لن ينال الرجل درجة الصالحين حتى يغلق عن نفسه باب النعمة، ويفتح عليها باب الشدة”. وقال يحيى بن معاذ: ” الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزاهدين سياسة، وللعارفين تكرمة”.

وتشير كثير من الدراسات العلمية إلى أن الصيام في شهر رمضان الكريم هو صيام سهل ميسور للأصحاء المقيمين، لامشقة فيه ولاضرر. إن الصيام أثناء النهار يترافق مع عملية تقويض للغليكوجين(مولد السكر) وخاصة في الكبد، ويترافق مع تحلل الشحوم والمواد الدهنية وخاصة المتراكمة تحت الجلد بحيث توفر الطاقة والنشاط ومايحتاجه الجسم من الحريرات أثناء نهار الصوم وهذا مايسمى “انتقال الجسم إلى التغذية الداخلية”، وبعد تناول وجبتي الإفطار والسحور يتم تعويض الجسم جزئياً بما فقده من هذه المدخرات.كما أنه يحدث أثناء الصيام وهذا مهم جدأ استمرار وزيادة عملية تخلص الجسم من تراكم الفضلات والسموم.حيث تبين أن القناة الهضمية تتخلص من فضلاتها ومافيها من عناصر مرضية وخاصة الجراثيم، كما يتم التخلص من السموم والفضلات المتراكمة ، وخاصة حمض البول والبولة الدموية والأمونياك …عن طريق اللعاب والعصارات الهضمية والعرق والبول والافرازات المخاطية.

وتحصل أثناء الصيام عملية تجدد للأنسجة بعد أن تخلصت من سمومها وفضلاتها، وهذا يشاهد بشكل خاص على مستوى عناصر الدم حيث تتشكل كريات حمراء نشيطة وشابة، ويصبح الجلد أكثر نضارة وحيوية، كما أن القناة الهضمية تعود أكثر نشاطاً على مستوى الإفرازات والعمليات الهضمية.

والصيام في رمضان يستمر لعدة ساعات، وإن أجهزة وأنسجة وخلايا الجسم تعمل في هذه الساعات بكل نشاط وحيوية لأنه يأتيها ماتحتاج إليه من المدخرات التي ذكرناها سابقاً والتي تكفي حتى في حالات الصيام الشديد الذي يستغرق عدة أيام بل أسابيع، وهذا لايحدث في شهر رمضان فالأمر مقصوراً على عدة ساعات وحتى في حالة الصيام في أشهر الصيف الطويلة.

إنَّ الصوم من الناحية الحيوية مفيد للبدن عامة، وللجهاز الهضمي خاصة، وهناك شهادات لكثير من علماء وأطباء الغرب في هذا الموضوع.

يقول الدكتور “ماك فادون” وهو من علماء الصحة الكبار في أمريكا في كتابه الذي ألفه عن الصيام: “إن كل إنسان يحتاج إلى الصيام، وإن لم يكن مريضاً، لأن سموم الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم فتجعله كالمريض، فتثقله وتُقل نشاطه. فإذا صام خفّ وزنه، وتحّللت هذه السموم من جسمه، فيصفو صفاءً تاماً، ويُحسّ بنشاط وقوة لاعهد له بهما من قبل” .ولقد عالج هذا الطبيب بالصوم كثيراً من الأمراض، فوجد أن أكثر الأمراض تحسناً بالصيام أمراض جهاز الهضم وخاصة المعدة ثم أمراض الدم والعروق الدموية”.

وكان العالم “هنريك تانر” وكتابه ” الصوم إكسير الحياة” ممن أشار إلى فائدة الصيام كعلاج وعمرّ حتى التسعين.

ويقول البروفسور نيكولايف بيلوي من موسكو في كتابه”الجوع من أجل الصحة”:” أن على كل إنسان وخاصة سكان المدن الكبرى أن يمارس الصوم بالامتناع عن الطعام لمدة 3 ـ 4 أسابيع كل سنة كي يتمتع بالصحة الكاملة طيلة حياته؟.

ويقول الدكتور العالمي المشهور”الكسيس كاريل” والحائز على جائزة نوبل في الطب والجراحة، في كتابه الذي يُعتبر حجّة في الطب” الإنسان ذلك المجهول” يقول: “إن كثرة وجبات الطعام ووفرتها تُعطّل وظيفة أدت دوراً عظيماً في بقاء الأجناس البشرية وهي والتكيف مع قلّة الطعام، ولذلك كان الناس يلتزمون الصيام في بعض الأوقات” ويتابع قائلاً: “إن الأديان كافة لاتفتأ تدعو الناس إلى وجوب الصوم والحرمان من الطعام. ويحدث أول الأمر الشعور بالجوع وأحياناً التهيج العصبي، ثم يعقب ذلك شعور بالضعف، بيد أنه إلى جانب ذلك تحدث ظواهر خفية أهم بكثير من ذلك، فإن سكر الكبد سيتحرك ويتحرك معه أيضاص الدهن المخزون تحت الجلد، وبروتينات العضلات.. وتُضحّي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة للإبقاء على كمال الوسط الداخلي وسلامة القلب، فالصوم ينظف الأنسجة ويُبدّلها” .

ويقول الدكتور ” بول براج” الحائز على الدكتوراه في فلسفة العلوم في كتابه ” معجزة الصيام”: “إنني لا أصوم وحدي بل إن عائلتي تشاركني الصيام، وفي كل اسبوع أمتنع عن الطعام 24 أو 36 ساعة، ولم أتخلف عن هذا مرة واحدة. بالإضافة إلى أنني أصوم مابين 7 ـ 10  أيام أربع مرات في كل عام، وطوال هذه السنين التي عشتها ـ وكان عمره وقتئذ 85 عاما ـ كنت ملتزماً بهذا البرنامج الذي جعلني حيويا فالذي أنجزه في يوم واحد قد لاينجزه غيري في عدة أيام”.

وأنني أشعر عند الصيام بحدّة البصر، ووفرة الحيوية، وتوقدّ الذهن” .”

ثم إن الصيام في رأي الشخصي هو الوسيلة الفعالة لتخليص الجسم من أعبائه وسمومه وقيوده”.

وفي كتاب” الصيام .. الغذاء الأمثل” للدكتور الإنجليزي ” الان كوت” والحائز على الدكتوراه في علم التغذية يقول ويتسائل: لماذا الصوم وماهي ميزاته؟ وهو يضع من هذه التساؤلات 27 إجابة مقتضبة نذكر منها:

ـ إن الصوم يباعد بينك وبين العادات غير المستحبة

ـ الصوم يقلل من حدوث البدانة

ـ الصوم يشعرك بأنك أقدر ذهنيا واكفأ جسمياً

ـ الصوم يجعلك تنام أهدأ

ـ الصوم يشحذ الحواس ويُقوّي الإرادة ويمنح صفاءً روحياً

ـ الصوم يفيد في مداواة بعض الأمراض

ـ الصوم يجعلك متعاطفاً مع الجائعين والمحرومين ويقوّي صلتك بالله، ويجعلك سباقاً لخدمة الناس وتلبية احتياجاتهم.

وعندما سئل المعمّر الشيخ “ميشييل أنجلو” عن سرّ حيويته رغم تقدمه بالسن أجاب: ” إنني أرجع ما أتمتع به في شيخوختي إلى ممارسة الصيام من حين لآخر،فمن كل عام أصوم شهراً، ومن كل شهر أصوم اسبوعا،ومن كل اسبوع أصوم يوماً، ثم إنني في أيامي العادية لا أتناول غير وجبتين من الطعام، وإن أكلت لا أشبع” .

وأخيراً وبسبب فائدة الصوم فإنه قد أنشئت في بعض الدول الأوروبية مصحات عديدة ودور للإستشفاء يقوم العلاج الرئيسي فيها على الصيام، وخاصة لمعالجة أمراض جهاز الهضم والدوران والبدانة وأمراض الغدد الصماء..

ثانياً: هل الصوم يفيد في علاج كل الأمراض؟:

إن هناك ـ وللأسف ـ بعضاً من المسلمين يرّوجون وينشرون بين الناس ـ جهلاً أو عن غفلة ـ أن الصوم هو علاج العلاجات لكل الأمراض والأدواء، كما يروّجون أن العسل فيه الشفاء لكل داء، وهؤلاء ينسون أو يتناسون أن الله عزّ وجلّ ذكر في كتابه الكريم أن العسل فيه “شفاء” ولم يذكر أن فيه ” الشفاء”، فالعسل قد يفيد في علاج بعض الأمراض وليس كلّها، بل قد يكون ضرراً في بعضها، والصوم هو علاج ودواء وشفاء لبعض الأمراض ولكنه قد لايفيد في بعضها، بل قد يكون له أحياناً أشدّ الضررويكون الصيام في هذه الحال حراماً ولايجوز للمريض بمثل هذه الأمراض أن يصوم لأنه يحصل لديه الضرر الأكيد في مثل هذه الحالات، والله عزّ وجلّ يقول في محكم كتابه: {ومن كانَ مريضاً أو على سفرٍ فَعِدّةٌ من أيامٍ أُخَر} [البقرة 185] فالآيات تبين وتوضّح أن الله عزّ وجلّ رخصّ بالفطر في بعض الأمراض.ولهذا لابد من التنبيه إلى هذا الأمر والتحذير منه لأن هذا لايجلب نفعاً ولافائدة للإسلام، بل قد يتخذ بعض المستشرقين وأصحاب الميول والأهواء هذا الأمر حجّة أحياناً للطعن بهذا الدين القويم، ونحن ننبّه المسلمين الذين يروجّون لهذا الأمر وإن كان بعضهم يفعل ذلك عن حسن قصد وسلامة نيّة، ولكن الله عزّ وجلّ لايقبل من أعمالنا إلا إذا تحرّينا فيها بالإضافة إلى سلامة وحسن النيّة أن تكون صواباً، والصواب هنا يتطلب العلم والمعرفة،وسؤال أهل العلم والاختصاص.

ومما لاشك فيه أن هناك الكثير من الامراض والأدواء التي ثبت فائدة الصيام في علاجها،وليس هناك خلاف بين الأطباء مهما تشعبت مواردهم ودياناتهم ومشاربهم أن الصيام يعتبر أحد وسائل العلاج الرئيسي في الأمراض التالية:

! ـ البدانة(السمنة):

وهي تؤّهب للعديد من الأمراض، والتي قد تكون خطيرة أحياناً، ومنها تصلب شرايين البدن عامة، وبخاصة أوعية القلب فتؤهب لإحتشاء عضلة القلب، ونقص التروية الإكليلي ومايسببه من خناق الصدر(الذبحة الصدرية)، وقصور عضلة القلب، واضطرابات النظم…كما أنها تصيب أوعية الدماغ وتؤهب للفالج الشقي، ونقص التروية الدماغية…وتسبب تصلب شرايين الساقين وما ينجم عن ذلك من نقص التروية المحيطية وآلام الساقين وخاصة أثناء المشي والجهد..

كما أن البدانة تؤهب لأمراض العمود الفقري والمفاصل وخاصة مفاصل الوركين والركبتين.

والبدانة تؤهب للإصابة ببعض الأمراض الغدية وخاصة داء السكري.

والبدانة تساعد على حصول ارتفاع التوتر الشرياني، وارتفاع حمض البول وما قد يسببه من داء النقرس.وارتفاع شحوم الدم(الكولسترول، والشحوم الثلاثية)

كما أن البدانة تؤهب للإصابة بدوالي الساقين، والفتوق(المغبنية وفتوق السرة).

كما تبين أن اختلاطات العمل الجراحي ( أثناء أو بُعيد العمل الجراحي) تزداد حدوثاً عند المرضى البدينين بالمقارنة مع النحيفين.

والبدانة تعجّل بصاحبها إلى القبر، والمثل الإنجليزي يقول: “الفئران النحيفة تدفن الفئران البدينة” .

2 ـ اضطرابات المعدة والأمعاء:

إن الصيام يفيد جداً في علاج اضطرابات المعدة والامعاء المزمنة والناجمة عن اضطرابات الهضم، وذلك بسبب عدم الانتظام في تناول وجبات الطعام، أو بسبب التخمة والكِظّة، وبسبب تعقيدات الطعام، وهذه وللأسف منتشرة وخاصة في البلاد الشرقية ، وكذلك الإكثار من الطعام، وإدخال الطعام على الطعام…وبحيث يمكن القول أن أيام هذا الشهر المبارك والصيام فيها هي كما يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله:” إن هي إلا ثلاثون حبة تؤخذ في كل سنة مرة لتقوية المعدة وتصفية الدم وحياطة أنسجة الجسم” .

3 ـ اضطرابات الدورة الدموية:

وخاصة ارتفاع الضغط الشرياني ، وقصور القلب..

4 ـ بعض أشكال الداء السكري:

وخاصة منه مايسمى ” السكري المترافق مع البدانة” ويسمى أيضاً السكري من النموذج الثاني، والذي يعالج بصورة رئيسية بالحمية وانقاص الوزن.

5 ـ محاربة ومعالجة العادات السيئة والمحرّمة:

فشهر الصيام يفيد في الامتناع وتجنب لبعض العادات السيئة بل والمحرّمة أيضاً وخاصة مايتعلق بالتدخين(سواء اللفائف(السجائر)  أو الشيشة(الأرجيلة)، وأيضاً تناول الخمر والمسكرات، والمخدرات.

وقد بلغ ببعض الأفراد سلطان العادات إلى حد الأستعباد فلو تأخر عنهم الطعام عن موعده فأصابه الجوع ساءت أخلاقهم، وقد يكون سلطان المكيفات(القهوة والشاي)والدخان أشد على بعضهم من سلطان الطعام، وكثير من هؤلاء أول مايبدأون الإفطار بعدغروب الشمس على الدخان أو شرب القهوة قبل أن يتناولوا الماء أو الطعام!!إن هؤلاء الأشخاص يعتبرون مُستعبدين لعاداتهم، فإذا اضطروا في حين من الزمان إلى تغيير نظام حياتهم ـ كما يحدث أثناء الحروب أو الأزمات ـ لم يستطيعوا أن يصمدوا في وجه هذا التغيير وتبعاته.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(زاد المعاد ج1 ص188):

“لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب مافيه غاية سعادتها ونعيمها وقبول ماتزكو به مما فيه حياتها الأبدية ويكسر الجوع والظمأ من حدة سورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكّن كل عضو منها. ويتابع رحمه الله : “فإن الصائم لايفعل شيئاً وإنما يترك شهوته ةطعامه وشرابه من أجل معبوده. فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته”.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله في مقال له بعنوان” مقومات الصيام”:

” إن للصوم ركنين اساسيين هما: الإمساك والنية، ونعني بالأول : الإمساك عن شهوات الطعام والشراب والمباشرة وما في حكمها طوال يوم الصوم. والمراد بما في حكم الطعام والشراب: الشهوات التي اعتادها بعض الناس وإن لم تكن طعاما، ولاشراباً، مثل التدخين، الذي يراه المبتلون به أهم من الأكل والشرب، فهو ممنوع في الصوم سواء كان عن طريق السيجارة، أو الشيشة، أو المضغ، أو النشوق،أو غيرها، وهذا بإجماع علماء المسلمين في أقطار الأرض، لأنه من أشد الشهوات التي يجب فطام الأنفس عنها في الصيام” .

6 ـ محاربة شهوات النفس:

وخاصة شهوات النكاح، فالصيام علاج لمن اشتدّت عليه شهوات النكاح ولاقدرة له عليه..عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء” .[أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك].

7 ـ أمراض أخرى:

يفيد الصيام في علاج بعض أمراض العين وخاصة داء الزَرق(ارتفاع الضغط داخل العين)، وأمراض المفاصل ومنها داء المفاصل الرثياني، وكذلك في علاج بعض الأمراض النفسية.

ثالثاً : ماهي الأمراض التي قد يضر بها الصيام؟:

قد يزعم بعض الناس ـ  الذين لايفقهون حكمة الصوم على وجهها الحقيقي ـ أن الصوم فيه مشقة على الإنسان، حيث يمنعه عن الطعام والشراب لمدة تجعله يشعر بالتعب والإرهاق، وفي هذا خطأ كبير، لأن الإسلام هو دين الفطرة، وليس فيه من التكاليف إلا ماتطيقه النفس البشرية، قال الله تعالى: {لايُكَلِّفُ الله نفساً إلا وُسعَها} [البقرة 286]، والله تعالى يريد بعباده اليسر ولايريد بهم العسر.

ولكن من جهة أخرى فإن الصيام قد يكون فيه الضرر في حال وجود بعض الأمراض، ومن هنا رخصَّ الشارع الحكيم لأمثال هؤلاء المرضى رخصة  الفطر يقول تعالى:{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر} [البقرة 185 ].

يقول الشيخ محمود شلتوت رحمه الله :

” فرض الله صوم رمضان وجعل الناس بالنسبة إليه واحداً من ثلاثة:

1 ـ مقيم سليم قادر عليه دون ضرر يلحقه أو مشقة ترهقه،والصوم واجب محتم عليه. وهذا هو الأصل الذي نظر فيه إلى السلامة من العوارض، وهو المذكور بقوله تعالى: { يا أيُّها الذين آمنوا كُتِبَ عليكمُ الصيامُ} وقوله:{فمن شَهدَ منكمُ الشهرَ فليصمهُ}.

2 ـ مريض أو مسافر، وقد أبيح له الإفطار مع وجوب القضاء يوم بيوم عند الصحة أو الإقامة، وهو المذكور بقوله تعالى: { فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدَّةٌ من أيامٍ أخر}.

3 ـ من يشق عليه الصوم لسبب لايرجى زواله، ومنه ضعف الشيخوخة، والمرض المزمن، والحمل والإرضاعات المتواليات إذا خيف على الحامل أو المرضع أو الرضيع، وقد أبيح لهؤلاء وأمثالهم الإفطار دون قضاء، واكتفى منهم أن يطعموا بدلاً عن كل يوم مسكيناً واحداً بما يشبعه في وجبتين من طعام متوسط، ويقوم مقام الإطعام بدل ثمنه على حسب التقدير المتعارف بين الناس، وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين}، وإنما يقال: طيق حمل هذه الصخرة. وإذن فهي تدل على العسر ومشقة الاحتمال.ويتابع رحمه الله:”وإذن..فحيث كان اليسر كان الصوم، وحيث كان العسر كان الإفطار، هذا هو شرع الله ودينه.وتقدير اليسر والعسر يرجع المؤمن فيه إلى إيمانه ومايحسّه من نفسه، ومفتيه في ذلك ضميره،و”البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ماحاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس“.ويتابع رحمه الله: “ومما يجب التنبيه عليه هنا أن المراد بخوف الضرر المبيح للإفطار هو تيقنه أو غلبة ظنه، وواضح أن ذلك يستدعي التجربة الشخصية، أو إخبار الطبيب الأمين الذي لايعرف بالتهاون الديني.أما الخوف الناشئ عن مجرد الوهم أو التخيل فإنه لاوزن له عند الله ولايبيح به الإفطار.انتهى كلام الشيخ شلتوت رحمه الله.

ولقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن المرض المبيح للفطر هوالمرض الشديد الذي يؤدي إلى:

ـ ضرر في النفس

ـأو زيادة في العلّة

ـ أو يخشى معه تأخر البرء والشفاء

واستدّل جمهور الفقهاء على أن المرض اليسير الذي لاكلفة معه لايبيح الإفطار  لقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر} وأن الحكمة التي من أجلها رخصّ للمريض الإفطار هي إرادة اليسر، ولا يراد اليسر إلا عند وجود المشقة، فأي مشقة في وجع الإصبع، أو الصداع الخفيف، أو المرض اليسير الذي لاكلفة معه أو مشقة؟

ثم إن من الأمراض مالايكون شفاؤه إلا بالصيام كما ذكرنا سابقاً فكيف يباح الإفطار لمن كان مرضه في الصيام دواءه؟

يقول الإمام القرطبي رحمه الله: ” للمريض حالتان: إحداهما ألايطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجباً. والثانية: انه يقدر على الصوم بضرر ومشقة فهذا يستحب له الفطر ولايصوم إلا جاهل.

وهناك بعض الأمراض قد يزيد الصيام من شدتها وعواقبها واختلاطاتها وضررها فهنا يتوّجب الإفطار ولايصّح فيها الصيام، ولكن بشرط استشارة الطبيب المسلم الحاذق الماهر الأمين ، وهو الذي يقرر في هذا الأمر، وليس كما يجري في بعض البلدان حيث تكون الإستشارة لبعض الأطباء من أهل الكتاب أو لبعض الأطباء من المسلمين الذين ليس لديهم العلم الكافي شرعاً أو مهنة أو اختصاصاً، وقد يكون البعض منهم يحمل أسماءً إسلامية ولكنه في قلبه يحمل أشد مشاعر الكراهية والحقد على الإسلام وتعاليمه وفرائضه!!

وبشكل عام نذكر من الأمراض التي قد تشتدّ وطأتها في الصيام مايلي:

ـ الأمراض المدنفة الشديدة: مثل الأمراض الخبيثة السرطانية وخاصة في مراحلها المتقدمة

ـ الأمراض الحموّية الشديدة: والتي تترافق بترفع حروري شديد مستمر مع تعرق شديد واضطرابات دورانية

ـ حالات فقر الدم الشديد

ـ بعض أشكال الداء السكري :وخاصة المترافق بالنحافة ونقص الوزن الشديد والمعتمد على الإنسولين في المعالجة

ـ القرحة الهضمية(المعدية أو العفجية): وخاصة إذا كان هناك في سوابق  المريض إصابات بالنزوف الهضمية أو انثقاب القرحة.وبالنسبة لما يقال عن أن الصوم قد يكون سبباً في إحداث القرحة الهضمية فهذا الكلام طبياً وعلمياً مردود وليس له أي دليل يدعمه، فالصوم لايسبب القرحة الهضمية، وليس له علاقة مباشرة في حدوثها، ولكن إذا كان الإنسان مصاباً بالقرحة فإن القرحة قد تتفاقم أو قد تنكس نتيجة للصيام.وفي البلاد الغربية والتي لاتعرف الصيام فإن نسبة حدوث القرحات الهضمية هو أضعاف أضعاف مايشاهد في البلاد الإسلامية.

ـ الحالات الالتهابية  الشديدة: مثل ذات الرئة، أو السل الشديد، أو التهابات الكبد الفيروسية الشديدة الحادة…

ـ مرضى الحصيات الكلوية والذين يصابون بالحصيات المتكررة والمعاودة، فهؤلاء وخاصة في أشهر الصيف الحارة جداً حيث تطول ساعات الصيام ويتعرق الجسم بغزارة وتنقص سوائل الجسم وهذا قد يؤهب لتشكل الحصيات وحدوث آلام القولنجات الكلوية يمكن لهم الإفطار والقضاء فيما بعد بعد مراجعة الطبيب المسلم الحاذق الأمين صاحب الاختصاص.

ـ فيما يتعلق بالحامل أو المرضع:إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما افطرتا لان حكمهما حكم المريض.وعليهما القضاء والفدية إذا كان الخوف فقط على ولديهما، أما إذا كان الخوف على نفسيهما فعليهما القضاء فقط.

ـ أصحاب الأعمال الشاقة:إن مزاولة بعض الأعمال الشاقة المجهدة والمتعبة وخاصة إذا رافقها طول النهار الشديد كما يحدث في شهور الصيف يمكن أن تبيح لأصحابها الإفطار في شهر رمضان بعد استشارة الطبيب المسلم الحاذق الأمين كما ذكرنا سابقاً.وهناك من الفقهاء من يقول أن عليه إن أمكن أن يغير دوامه أو يأخذ إجازة إن أمكن له في شهر رمضان، فإن لم يتمكن فعليه أن يستعين بالله وينوي الصوم وعندما تحصل المشقة ولايتمكن من متابعة الصيام فعليه بالفطر ثم القضاء .

وقد جاء في الحديث الشريف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من أصابه جهد في رمضان فلم يفطر فمات دخل النار“. ذكره الإمام ابن الجوزي في كتاب” تلبيس إبليس” وقال رجاله ثقات.

واما الذين يرخصّ لهم الفطر ويجب عليهم الفدية دون القضاء فهم:

ـ المريض المزمن الذي لايرجى برؤه: قال الفقهاء إن الشخص الذي غلب على ظنه بأمارة أو تجربة أو إخبار طبيب حاذق مسلم أمين أن صومه يؤدي إلى زيادة المرض أو شدته أو طول مدته فإنه يجوز له الإفطار ، وإذا تمكن من القضاء فيما بعد فعليه ذلك، إما إذا كان المرض شديداً مزمناً لايرجى معه الشفاء أو البرء، ولايتمكن من الصيام فيما بعد فحكمه حكم الشيخ الفاني وتجب عليه الفدية فقط دون القضاء، فإن برئ من مرضه في وقت من الأوقات عليه القضاء وصيام الأيام التي أفطرها بقدر استطاعته، ولاتعتبر الفدية في هذه الحالة مجزية ولو كان قد أخرجها، لأن شرط اجزائها استمرار العجز عن الصوم إلى وقت الوفاة.  ـ الشيخ الفاني:يباح للشيخ الكبير الذي يشقّ عليه الصيام مشقة شديدة الإفطار ودفع الفدية وليس عليه القضاء. روى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} . قال ابن عباس:” ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لايستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا”.

يقول الشيخ القرضاوي حفظه الله: “يجوز للشيخ الكبير الذي يجهده الصوم ويشق عليه مشقة شديدة، ومثله المرأة العجوز طبعاً، يجوز لهما أن يفطرا في رمضان، ومثلهما كل مريض لايرجى شفاؤه من مرضه.والمريض مرضاً مزمناً، والذي قرر الأطباء أنه مستعص على العلاج أو أنه مزمن معه، يجوز له أن يفطر، وهؤلاء إذا أفطروا عليهم فدية طعام مسكين عن كل يوم، رخصة من الله وتيسيرا.قال تعالى: { يريد الله بكم اليس ولايريد بكم العسر}[ البقرة 185]، وقال تعالى: {وماجعل عليكم في الدين من حرج} [الحج 78.]

ملاحظة: الفدية فيما ذكر: هي إطعام مسكين عن كل يوم يفطره وجبتين من أوسط مايأكل عادة.

ولابد من أن نذكّر هنا أن الإسلام ليس متحمساً لمطلق الصوم كما يظن بعض المتحاملين على الدين أو المغالين من أبنائه، ولكن الإسلام فرض نوعاً معيناً من الصيام في زمن معين ومدة معينة، وشروط معينة، وإنه لخطأ كبير أن ننادي بالصوم علاجاً لكل مرض صوماً مديداً لعدة أيام عديدة مع الامتناع عن الطعام مطلقاً وتناول الماء فقط!!

كما لابد من التذكير مرة أخرى أنه لابد من سؤال أهل العلم والتقوى في أمور الصيام والإفطار وأن لانلجأ إلى أدعياء الطب والدين وقد قال صلى الله عليه وسلم: “من تطبب ولم يعلم منه الطب فهو ضامن”.

بعض الحكم الصحية في آيات وأحاديث الصيام

أولاً: تعجيل الإفطارـ والإفطار على التمر أو الماء:

جاء في الحديث الشريف: ” لايزال الناس بخير ماعجلوا الفطر“.[رواه مسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه.]

عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يجد فالماء  فإنه طهور“[ رواه الشيخان].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتمرات ، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء” [ثبت في الصحيح].

وكان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إفطاره: “ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله” [أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما. واللفظ لأبي داود].

وقال الإمام النووي رحمه الله: وروينا في سنن أبي داود عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر يقول: ” اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت”.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: ” اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم”.

وعن عمرو بن ميمون قال: “كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعجل الناس إفطاراً وابطأهم سحورا“.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” إن للصائم عند فطره دعوة ماترد”. وكان عبد الله إذا أفطر يقول: ” اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شئ ان تغفر لي” . [رواه ابن ماجه].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل . ثم قال صلى الله عليه وسلم: ” أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة “ [رواه أبو داود بإسناد صحيح].

من الناحية الطبية:

إن أبرز الأعراض التي تشاهد لدى الصائمين وخاصة الصداع أو الدوار أو الضعف العام وخاصة في الأيام الأولى من شهر رمضان تنجم بشكل خاص عن نقص سكر الدم وعن نقص سوائل البدن، وهنا تأتي الحكمة الكبرى من تناول الرُطبّ أو التمر عند الإفطار، فالتمر يحتوي نسبة عالية جداً من السكريات المولدة للحرارة والباعثة على النشاط والقدرة وإعطاء الحيوية للجسم،، فالتمر هو من أغنى المواد الغنية بالسكريات،  وتبلغ نسبتها حوالي 70 ـ 87 بالمائة،وهو متوفر على مدار السنة، وغالباً بأسعار مقبولة.

أضف إلى ذلك فإن المواد السكرية الموجودة في التمر ـ أو الرطب ـ تتميزبسرعة الامتصاص من الأمعاء الدقيقة في انبوب الهضم، وخاصة إذا كانت المعدة فارغة،وذلك لأن السكريات الموجودة في التمر والرطب هي من السكريات الأحادية أو الثنائية وخاصة الغلوكوز وهو سكر سريع الامتصاص من انبوب الهضم وخلال دقائق معدودة، وخاصة إذا كانت المعدة والأمعاء خالية من الطعام كما هو الحال أثناء الصيام.والغلكوز سكر هام جداً للدماغ، بل إن الدماغ لايقبل في الواقع إلا هذا السكر كغذاء من أجل وظائفه وتجديد نشاطه وقوته.

والتمر غني بالأملاح المعدنية وخاصة أملاح الصوديوم والبوتاسيوم والمغنزيوم، وهذه يشاهد نقصها عادة عند الصائمين، وتترافق مع نقص ماء الجسم.

وإن تناول بعض التمرات أو حسوات من الماء عند الإفطار ثم الصلاة ثم الإفطار ذو فائدة صحية كبرى جداً، وذلك لأن المعدة الخاوية كما يحدث في شهر الصيام يجب أن تؤخذ بالحسنى ولاتُحشر بالطعام حشراً وإلا كان ذلك وبالاً على صاحبها، فإن تناول بعض التمرات ودخولها على المعدة الخاوية الفارغة لعدة ساعات يجعل المعدة تستعد وبشكل طبيعي لأن تتقلص عضلات جدارها ويقوم الغشاء المخاطي بإفراز العصارات الهاضمة بشكل تدريجي ومنتظم، وبالتالي يجعل المعدة تستعد لإستقبال وجبة الإفطار ـ وخاصة بعد أن يسبقها أداء الصلاة ـ على أحسن وجه، وبدون أن يترافق ذلك مع اضطرابات هضمية أو حدوث آلام بطنية. وعلى العكس من ذلك فإنه إذا أُثقلت المعدة الفارغة مباشرة عند الإفطارـ وهذا مايشاهد وللأسف عند غالبية الصائمين ـ بوجبة ثقيلة ومعقدة من الطعام مع تناول جرعات كبيرة من الماء أو السوائل أو العصائر أو المرطبات فإن هذا يسبب اضطرابات هضمية وآلام شديدة في المعدة ،أضف إلى ذلك فإن أعراض نقص سكر الدم التي ذكرناها سابقاً والتي تنجم عن الصيام لا تتراجع بسرعة وذلك لأن امتلاء المعدة السريع بالطعام والسوائل يؤخر امتصاص المواد السكرية من انبوب الهضم.

نعم لقد فهم السلف الصالح حقيقة الصيام ولم يذهبوا فوائد الصيام بالإكثار من الطعام والشراب عند الإفطار، ولكن الكثير وللأسف من الخلف المتخلف، قد تصور شهر رمضان على أنه شهر المآدب والحفلات، وطرح العديد من المأكولات، فلايكاد يسمع أذان المغرب إيذاناً بانتهاء الصيام حتى يعبَّ أحدنا الماء عباً،ويلتهم الطعام زرداً وبلعاً،ويقاطع ذلك ومابينهما بتناول أقداح العصير والمرطبات قدحاً قدحاً، فتمتلئ المعدة بالطعام والماء، ولم يعد فيها أي متنفس بعد أن قضى المفطر على الثلاثةـ الطعام ـ الشراب ـ النفس، وعيونه لازالت ترمق الألوان المرتبة من الفواكه المبردة والحلويات المرتبة والأقداح المعطرة من الشاي، مردداً في نفسه وربما بلسانه القول العامي المأثور” إنّ في المعدة لخلوة لاتملأها إلا الحلوى”. وهكذا وبدلاً من أن يتحول الصيام عند أمثال هؤلاء إلى نعمة وصحة وعافية يتحول إلى نقمة وبلاء بسبب الجهل وتحكم الهوى واستعباد الطعام والشهوات للعقول والإرادات. وكم من المؤسف والمحزن أن نجد أن أكثر المشافي يزداد مراجعي المرضى بآلام المعدة والأمعاء بعد سويعات قليلة من الإفطار!!

يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله في مقال له بعنوان” حكمة الصوم في الإسلام” يقول:

“لو أن مسرفاً في تعاطي الشهوات،يطاوع بطنه في التهام ماحلا من المطاعم وما مرّ،ومابرد منها وما حرّ،ويطاوع داعيته الأخرى باستيفاء اللذة إلى أقصى حد،لكانت عاقبة أمره شقاءً ووبالاً،ونقصاً في صحته واختلالاً،ولكانت الحمية منه في بعض الأوقات واجباً مما يأمر به الطبيب الناصح،تخفيفاً على الأجهزة البدنية، وادّخاراً لبعض القوّة إلى الكبر، وإبقاءً على اعتدال المزاج،وتدبيراً منظماً للصحة، بلى… وإن ذلك لهو الحكمة البارزة في الصوم، تطبيقاً للتدبير في شهر، وإرشاداً إليه في بقية الأشهر: وإذا كان كثير من المسلمين قد أفسدوا اليوم هذه الحكمة بالإفراط في التمتع بالشهوات في ليالي رمضان حتى كأنها واجبات فاتتهم،فهم يقضونها مضاعفة مع واجبات الليل، وأفسدوا أجر التعب فيه بنوم نهاره، وسهر ليله في غير طاعة، فإن ذلك لايقدح في الحكمة الدينية، لأن من كمال هذه الحكمة أن يقتصد المسلم في كل شيئ وفي كل وقت، وأن يجمع بين سنّة الدين وبين سنّة الكون في جعل الليل لِباساً والنهار معاشاً.ويتابع رحمه الله :

“إن هذا الاستعداد المتناهي الذي يستعده مسلمو اليوم لرمضان بالتفنّن والاستكثار من المطاعم والمشارب مخالف لأوامر الدين، منافٍ لحفظ الصحة، مناقض لقواعد الاقتصاد.ولو كان هؤلاء متأدّبين بآداب الدين لاقتصروا على المعتاد المعروف في طعامهم وشرابهم، وأنفقوا الزائد في طرق البر والإحسان التي تناسب رمضان،من إطعام الفقراء واليتامى والأيامى، والغالب أن يكون لكل غنيّ مسرف في هذا النوع جارٌ أو جيران من الفقراء والأيامى واليتامى،وهم أحقّ الناس ببرّ الجار الغني، ولو فعل الأغنياء والمسرفون ذلك لأضافوا إلى قربة الصوم قربة أخرى ذات قيمة عظيمة عند الله، وهي الإحسان إلى المعدمين، وذات مزية في المجتمع، لأنها تقرّب القلوب في الشهر المبارك، وتشعر الصائمين كلّهم بأنه شهر إحسان ورحمة وتوكيد للأخوة الإسلامية” . انتهى كلام الشيخ الإبراهيمي.

إن الفائدة من الصيام تتحقق عندما يخفف الإنسان الوارد من الطعام والشراب، ويقوم بالإعتدال، وإلا فما الفائدة من الصوم في النهار، إذا أفرط الصائم في الطعام والشراب عند الإفطار،بل قد تكون هناك الفاجعة وقد ينقلب الصيام من صحة وعافية ويصبح مجلبة لأمراض جديدة أو وسيلة لنكس أمراض كامنة، وقد لوحظ وللأسف أن بعض الأمراض ولاسيما أمراض انبوب وجهاز الهضم تشتدّ سورتها وتقوى حدّتها في شهر رمضان، ولكن من السخف والغباء أن يعزى ذلك إلى الصيام، بل يعزى إلى سوء السلوك والجهل وتحكم الشهوات في تدبير الشراب والطعام في شهر الصيام، ولابد للصائم أن يستحضر في صيامه وفي غير شهر رمضان قوله تعالى : {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين}[ الأعراف 31]،و قوله صلى الله عليه وسلم” ماملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه”[ رواه الترمذي]. وقول عمر الفاروق رضي الله عنه” إياكم والبطنة فإنها ثقل في الحياة ونتن في الممات” ولابد ان يتذكر عند إفطاره وعند حضور الطعام قول الإمام أبو حامد الغزالي صاحب الإحياء رحمه الله” من أداب الطعام ألا يمد الإنسان يده للطعام إلا وهو جائع، ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع، ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب” وكذلك الحكمة الكبيرة والنصيحة الهامة” قم عن الطعام وبك خصاصة فإن الابتداء من الامتلاء”.

ملاحظة: يمكن مراجعة الصحة الغذائية بين الطب والإسلام في هذا الموقع .

ثانياً : تأخير السحور:

جاء في الحديث الشريف عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم” تسحرّوا فإنّ في السحور بركة” [متفق عليه]. وفي رواية” تسحروا ولو بجرعة ماء”.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر السحور إلى قرب طلوع الفجر بمقدار قراءة خمسين آية.

وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم رضي الله عنهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن بلال يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا”. وهذا يدل على أن من السنة تأخير السحور.

لقد سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم السحور وحضّ عليه،والسحور أمر مهم يعين على حصول الفائدة الحقيقية المتوخاة من الصيام، وذلك أفضل من أن يقتصر الصائم على وجبة واحدة عند الإفطار فقط.ثم أن السحور يكون عوناً على النشاط والتحمل أثناء نهار الصيام، ويكون درءاً ومانعاً لما قد يحدث من أعراض كالصداع والدوار والضعف العام. وينصح أن يكون طعام السحور غنياً بالسكريات وأن يتناول فيه الإنسان قدراً معقولاً من السوائل وخاصة الماء.

ثالثاً : صلاة التراويح:

هي سنة مؤكدة للرجال والنساء، بعد صلاة العشاء، ولاتقضى إذا فات وقتها، وسميت بالتراويح لأن المصلي يجلس للإستراحة بعد كل أربع ركعات.

إن من فوائد الصلاة البدنية بشكل عام أنها رياضة بدنية يؤديها كل مسلم مكلف خمس مرات يومياً بلا إجهاد ولا إرهاق، فتنشط بدنه وتحرك عضلاته وتلين مفاصله. وإذا تأملنا حركات الصلاة وجدنا شبهاً بينها وبين النظام السويدي في الرياضة، فالنظام السويدي لايزيد عمره عن عشرات السنين، في حين أن الصلاة تجاوز عمرها 1400 سنة ونيف،ولاجدال في علم حركة والرياضة أن خير الرياضات اليومية هي الرياضة المستمرة غير المجهدة والتي تتحرك بها أغلب عضلات الجسم ومفاصله والموزعة على أوقات النهار.

وإن صلاة التراويح في رمضان وما يصاحبها من هذه الحركات البسيطة المتكررة وخاصة عضلات البطن والظهر تساعد على هضم الطعام وتفريغ المعدة وبالتالي يكون لها الأثر الصحي الجيد وخاصة أنها تكون بعد عدة ساعات من الإفطار حيث يسمح المجال في البدء للمعدة بالقيام بإفرازاتها وتقلصها وهضم الطعام فيها، ثم يأتي نوع من العون الخارجي البسيط لها  والمستمر اللطيف والمتمثل في صلاة التروايح وهذا يساعد على تفريغ المعدة والسماح بامتصاص الطعام وهضمه بسرعة أكبر.

ملاحظة: أنا فقط أتحدث عن الفائدة البدنية من الصلاة ولكن الفائدة العظمى والتي لاتقدر بثمن هي الفائدة الروحية.

أمور لاتفطر في مجال التداوي والتشخيص

عقد مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي دورة مؤتمره العاشر بجدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من 23 إلى 28 صفر 1418 هجري الموافق 28 حزيران(يونيو) إلى 3 تموز(يوليو) 1997م وذكر فيما يتعلق بالمفطرات وغير المفطرات في شهر رمضان مايلي:

المفطرات في كتاب الله عز وجل، وفي السنة الصحيحة ثلاثة، هي الأكل والشرب والجماع، فكل ماجاوز الحلق وكان ينطبق عليه اسم الأكل والشربن كما وكيفا، يعد مفطراً. وبناء على ذلك اتفق المجتمعون على أن الأمور الآتية لاتعتبر من المفطرات:

ـ قطرة العين، أوقطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع مانفد إلى الحلق

ـ قرص النيتروغليسرين ونحوه من الأقراص العلاجية   التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع مانفد ألى الحلق.

ـ مايدخل المهبل من  تحاميل (لبوس)أو بيوض دوائية مهبلية أو غسول أو منظار مهبلي أو أصبع الطبيب، أو قابلة فاحصة.

ـ مايدخل الإحليل ـ إحليل الذكر والأنثى ـ أي مجرى البول الظاهر، من قثطرة أو منظار أو مادة ظليلة على الأشعة أو دواء أو محلول لغسل المثانة.

ـ حفر السن أو قلع الضرس أو تنظيف الأسنان أو السواك وفرشاة الأسنان، على أن يتجنب الابتلاع.

ـ الحقن الجلدية أو العضلية أو المفصلية أو الوريدية باستثناء السوائل الوريدية المغذية.

ـ غاز الاكسجين وغازات التخدير(البنج) مالم يعط المريض سوائل(محاليل) مغذية

ـ مايدخل الجسم امتصاصاً من الجلد كالدهونات والمروخات واللصقات الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.

ـ إدخال قثطرة في الشرايين لتصوير أوعية القلب أو غيره من الأعضاء.

ـ إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها.

المضمضمة والغرغرة وبخاخ العلاج الموضعي للفم على أن يتجنب الابتلاع

ـ إدخال المنظار أو اللولب إلى الرحم

ـ أخذ عينات(خزعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء مالم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل.

ـ دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي

ـ القيئ غير المتعمد بخلاف المتعمد(الاستقاءة)

ورأت أكثرية المجتمعين أن الأمور الآتية يجب تأجيل إصدار قرار فيها للحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة في أثرها على الصوم، مع التركيز على ماورد في حكمها من أحاديث نبوية وأثار عن الصحابة:

ـ  بخاخ الربو، واستنشاق أبخرة المواد.

ـ الفصد، والحجامة.

أخذ عينة من الدم المخبري للفحص، أو نقل دم من المتبرع به، أو تلقي الدم المنقول.

ـ مايدخل الشرج من حقنة شرجية أو تحاميل(لبوس) أو منظار أو اصبع طبيب فاحص

ـ العمليات الجراحية بالتخدير العام إذا كان المريض قد بيت الصيام من الليل، ولم يعط شيئاً من السوائل(المحاليل) المغذية.

ـ الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقناً في الصفاق(الباريتوان) أو بالكلية الاصطناعية.

ـ منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل أو مواد أخرى.

وينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض بتأجيل مالا يضر تأجيله إلى مابعد الإفطار من صور المعالجات المذكورة فيما سبق.

والحمد لله رب العالمين