داء العشق

بسم الله الرحمن الرحيم

داء العشقّ والهوى

داء الهوى والعشق:

ابن القيم رحمه الله وداء العشق:

“وهذا  داء أعيا الأطباء دواؤه ،وعزّ عليهم شفاؤه،وهو والله الداء العضال والسم القتال الذي ما علق بقلب إلا وعزّ على الورى استنقاذه من أساره، ولا اشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره . وهو أقسام:

تارة يكون كفرا،كمن اتخذ معشوقه ندا، يحبه كما يحب الله ،فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه ؟ فهذا عشق لا يغفره الله لصاحبه ،فإنه من أعظم الشرك والله لا يغفر أن يشرك به وانما يغفر بالتوبة الماحية ما دون ذلك ،وعلامة هذا العشق الشركي الكفري ،أن يقدم العاشق رضاء معشوقة على رضاء ربه،وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحق ربه ،وطاعة ربه ،قدم حق معشوقه على حق ربه وآثر رضاه على رضاه ،وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه ،وبذل لربه –ان بذل- أردأ  ما عنده ،واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته  والتقرب إليه ،وجعل  لربه-ان أطاعه- الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته .

فتأمل حال أكثر عشاق الصور ،هل تجدها إلا مطابقة لذلك ؟ ثم ضع  حالهم في كفة وتوحيدهم وإيمانهم في كفة ،ثم زِنْ وزنا يرضى الله ورسوله ويطابق العدل ،وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحبّ إليه من توحيد ربه .

ولا ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك ،وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه ،بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله ،فصار عبدا مخلصا من كل وجه لمعشوقه ،فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبوديته لمخلوق مثله ،فإن العبودية هي كمال الحب والخضوع ،وهذا قد استغرق قوة حبه وخضوعه وذله لمعشوقه ، فقد أعطاه حقيقة العبودية .

ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة ،فان تلك ذنب كبير لفاعله حكم أمثاله ،مفسدة هذا العشق مفسدة الشرك ،وكان بعض الشيوخ من العارفين يقول: لأن أبتلى بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلي من أن ابتلى فيها بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن الله .

ويتابع ابن القيم رحمه الله فيقول من آفات العشق:

الأولى : الإشتغال بذكر المخلوق وحبّه عن حبّ الربّ تعالى وذكره ،فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه ،ويكون السلطان والغلبة له .

الثانية:عذاب قلبه بمعشوقه ،فإن من أحبّ شيئاً غير الله عذبّ به ولابد كما قيل:

فما في الأرض أشقى من محبٍّ                    وإن وجد الهوى حلو المذاقِ

تراه باكياً في كل حين                                  مخافة فرقة أو لإشتياق

فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم                            ويبكي إن دنوا خوف الفراق

فتسخن عينه عند الفراق                             وتسخن عينه عند التلاق

والعشق وإن استلذَّ به صاحبه ،فهو من أعظم عذاب القلب .

الثالثة: أن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه يسومه الهوان ،ولكنه  لسكرة العشق لا يشعر بمصابه ،فقلبه كالعصفور  في كفّ الطفل يورده حياض الردى ،والطفل يلهو ويلعب ، فيعيش العاشق عيش الأسير الموثوق ويعيش الخلي عيش المسيب المطلب ،والعاشق كما قيل:

طليق برأي العين وهو أسير                         عليل على قطب الهلاك يدور

وميت يرى في صورة الحيِّ غاديا                 وليس له حتى النشور نشور

أخو غمرات ضاع فيهن قلبه                          فليس له حتى الممات حضور

الرابعة: أنه يشتغل عن مصالح دينه ودنياه ،فليس شئ أضيع لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور ،أما مصالح الدين فانها منوطة بلمّ شعث القلب واقباله على الله ،وعشق الصور أعظم شئ تشعيبا وتشتيتا له ،وأما مصالح الدنيا فهي تابعة في الحقيقة لمصالح الدين ،فمن انفرطت عليه مصالح دينه وضاعت عليه ،فمصالح دنياه أضيع وأضيع .

الخامسة : ان آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في يابس الحطب ، وسبب ذلك ،أن القلب كلما قرب من العشق وقوي اتصاله به بعد من الله ،فأبعد القلوب من الله عشاق الصور ،وإذا بعد القلب من الله طرقته الآفات من كل ناحية ،فإن الشيطان يتولاه ، ومن تولاه عدوه واستولى عليه لم يأبه وبالا،ولم يدع أذى يمكنه إيصاله إليه إلا أوصله،فما الظنّ بقلب تمكّن منه عدوه  وأحرص الخلق على عيبه وفساده وبعده من وليه : ومن وليه، ومن لا سعادة له ولا فلاح ولا سرور إلا بولايته؟

السادسة :أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهن وحدث الوساوس،وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها ،وأخبار العشاق في ذلك موجودة في مواضعها ،بل بعضها يشاهد بالعيان ،وأشرف ما في الإنسان عقله ،وبه يتميّز عن سائر الحيوانات ،فإذا عدم عقله التحق بالبهائم ،بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله ،وهل أذهب عقل مجنون ليلى وأضرّ به إلا العشق ؟ وربما زاد جنونه على جنون غيره ،كما قيل:

قالوا: جُننت بمن تهوى ،فقلت لهم :                      العشقُّ أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه                          وإنما يصرع المجنون بالحين

السابعة:أنه ربما أفسد الحواس أو أنقصها ،إما افسادا معنويا أو صوريا،أما الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب ،فإن القلب اذا فسد فسدت العين والأذن واللسان ،فيرى القبيح حسناً منه ،ومن معشوقه كما في المسند مرفوعاً”حبك الشئ يعمي ويصم” فهو يعمي عين القلب عن رؤية مساوئ المحبوب وعيوبه فلا ترى العين ذلك ،ويصمّ أذنه عن الإصغاء إلى العدل فيه ،فلا تسمع الأذن ذلك ،والرغبات تستر العيوب ،فإن الراغب في شئ لا يرى عيوبه حتى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه ،فشدة الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشئ على ما هو عليه .

والداخل في الشئ لا يرى عيوبه ،والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه ،ولا يرى عيوبه إلا من دخل فيه ثم خرج منه ،ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيراً من الذين ولدوا في الاسلام ،قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه “إنما تنقض عرا الإسلام عروة عروة إذا ولد في الإسلام من لا يعرف الجاهلية” .

وأما إفساده للحواس  ظاهراً فانه يمرض البدن وينهكه ،وربما أدى إلى تلفه ،كما هو معروف في أخبار من قتله العشق .وقد رفع الى ابن عباس وهو بعرفة شاب قد نحل  حتى عاد جلدا على عظم ،فقال : ما شأن هذا؟ قالوا : به العشق، فجعل ابن عباس يتعوّذ بالله من العشق عامة يومه .

الثامنة :أن العشق كما تقدم هو الإفراط في المحبة  بحيث يستولي المعشوق على القلب من العاشق ،حتى لا يخلو من تخيله وذكره والتفكر فيه ،بحيث لا يغيب عنخاطره وذهنه ، فعند ذلك تشتغل النفس بالخواطر  النفسانية فتتعطل تلك القوى ،فيحدث بنعطيلها من الآفات على البدن والروح ما يعسر دواؤه ويتعذر ،فتتغير أفعاله وصفاته ومقاصده ،ويختل جميع ذلك فيعجز البشر عن صلاحه ،كما قيل:

الحبُّ أول ما يكون لجاجة                              يأتي بها وتسوقه الأقدار

حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى                 جاءت أمور لاتُطاق كبار

والعشق مبادئه سهلة حلوة ،وأوسطه همّ وشغل قلب وسقم ،وآخره عطب وقتل ،إن لم تتداركه عناية من الله .

والعاشق له ثلاث مقامات :مقام ابتداء ،ومقام توسط ،ومقام انتهاء.

فأما مقام ابتدائه: فالواجب عليه مدافعته بكل ما يقدر عليه إذا كان الوصول إلى معشوقه متعذرا قدراً وشرعاً،فإن عجز من ذلك وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه ،وهذا مقام التوسط والإنتهاء –فعليه كتمان ذلك وأن لا يفشيه الى الخلق ،ولا يشمت بمحبوبه ولا يهتكه بين الناس ،فيجمع بين الظلم والشرك . فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم . وربما كان أعظم ضرراً على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله ،فإنه يعرض المعشوق بهتكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه وانقسامه الى مصدق ومكذب ،وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة ،واذا قيل : فلان فعل بفلان أو بفلانة ،كذبه  واحدة ،وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعون ،وخبر العاشق المتهتك عن غير المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع واليقين ،بل اذا أخبرهم المفعول به عن نفسه كذبا وافتراء على غيره جزموا بصدقه جزما لا يحتمل النقيض . بل له جمعهما مكان واحد اتفاقا ،جزموا أن ذلك عن وعد واتفاق بينهما ،وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتييل والشبهة والأوهام والأخبار الكاذبة  كجزمهم  بالحسيات المشاهدة ،وبذلك  وقع أهل الإفك في الطيبّة المُطيّبة ، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،المُبرأة من فوق سبع سموات ،بشبهة مجئ صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكر ،حتى هلك من هلك ،ولولا أن تولى الله سبحانه براءتها والذب عنها وتكذيب قاذفها لكان أمراً آخر .

والمقصود :أن في اظهار المبتلى عشق من لا يحل له الإتصال به من ظلمه وأذاه ما هو عدوان عليه وعلى أهله ،وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه ،فإن استعان عليه بمن يستميله إليه ،أما برغبة أو رهبة تعدى الظلم وانتشر ،وصار ذلك الواسطة ديوثا ظالما  واذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن الرائش-وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي لإيصال الرشوة- فما الظن بالديوث الواسطة بين العاشق والمعشوق في الوصلة المحرمة ؟فيساعد العاشق على ظلم  المعشوق مع غيره ممن يتوقف حصول غرضهما على ظلمة في نفس أو مال أو عرض ،فإن كثيرا ما يتوقف حصول غرضه المطلوب على قتل نفس يكون حياتها  مانعة من غرضه ،وكم قتيل طل-أهدر- دمه بهذا السبب من زوج وسيد وقريب ، وكم خببت امرأة على بعلها وجارية على سيدها ،وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك وتبرأ منه ،وهو من أكبر الكبائر ،واذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يخطب  الرجل  على خطبة أخيه ،وأن يسوم على سومه ،فكيف بمن يسعى بالتفريق بينه وبين امرأته وأمته حتى يتصل بهما ؟ وعشاق الصور ومساعدوهم من الديثة لايرون ذلك ذنبا ،فإن في طلب العاشق وصل معشوقه مشاركة الزوج والسيد ،ففي ذلك من اثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن إثم  الفاحشة ، إن لم يرب عليها ،ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة،فإن التوبة وان اسقطت حق الله فحق العبد باق له المطالبة به يوم القيامة ،فان من ظلم الوالد بإفساد ولده  وفلذة كبده  ومن هو أعز عليه من نفسه ،وظلم الزوج بإفساد حبيبته والجناية على فراشه –أعظم ممن ظلمه بأخذ ماله كله –ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله  ولا يعدل ذلك  عنده إلا سفك دمه ،فياله من ظلم أعظم اثماً من فعل الفاحشة ،فإن كان ذلك حقاً لغاز في سبيل الله أوقف له الجاني يوم القيامة ، وقيل له “خذ من حسناته ما شئت” كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال صلى الله عليه وسلم “فما ظنكم “أي فما تظنون يبقى له من حسناته؟ فإن انضاف الى ذلك أن يكون المظلوم جاراً ،أو ذا رحم محرم ،تعدد الظلم وصار ظلماً مؤكداً لقطيعة الرحم وأذى الجار ،ولا يدخل الجنة قاطع رحم ولا يأمن جاره بوائقه”.

وجاء في زاد المعاد لإبن القيم أيضاً رحمه الله ما مختصره :

والمقصود: أن العاشق لما كان مرضاً من الأمراض ،كان قابلاً للعلاج ،وله أنواع من العلاج، فان كان مما للعاشق سبيل الى وصل محبوبه شرعاً وقدراً ،فهو علاجه ،كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فانه له وجاء“، فدل المحب على علاجين : أصلي ،وبدلي . وأمره بالأصلي ،وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء ،فلا ينبغي العدول عنه الى غيره ما وجد اليه سبيلا”.

وجاء في كتاب الأمالي للقالي(ص205):

“الشّغف:حُرقة يجدها الرجل مع لذّة في قلبه.قال امرؤ القيس:

أيقتلني وقد شَغفتُ فؤادها               كما شغفَ المهنوءة الرجلُ الطالي

لأن المهنوءة تجد للِهناء لذةً مع حرقة.

والشّغف أن يبلغ الحبُّ شَغاف القلب،والشّغاف أيضاً داء يكون في أحد شقيِّ البطن.قال النابغة:

وقد حالَ همٌّ دون ذلكَ والجٌ              ولوجُ الشّغافِ تبتغيه الأصابع

يعني أصابع الأطباء يلمسنه،هل وصل إلى القلب أم لا،لأنه إذا اتصل بالقلب تلف صاحبه.

المتنبي:

كُفِّى،أراني،ويكِ،لومَكِ ألوما            همٌّ أقامَ على فؤادٍ أنْجَما

وخيالُ جسمٍ لم يُخَلِّ له الهوى          لحماً فيُنحلهُ السّقامُ ولا دما

وخفوقُ قلبٍ لو رأيتِ لهيبَهُ               يا جنّتي،لظننتِ فيه جهنّما

وإذا سحابةُ صدِّ حُبٍّ أبرقت               تركت حلاوة كلُّ حبٍّ علقما

أبو تمام:

سقيمٌ لا يموتُ ولا يُفيقُ                              قد أقرح جفنه الدمعُ الطليقُ

شديد الحزن يحزن من يراهُ                        أسيرُ الصبر ناظرهُ أريقُ

ضجيع صبابةٍ وحليفُ شوقٍ                      تَحّمل قلبهُ مالا يطيقُ

يظلُّ كأنه مما اجتواهُ                               يُسَعّرُ في جوانبه الحريقُ

أبو تمام:

أما وأبيها لو رأتني لأيقنت                          بطولِ جوى ينفضُ منه الحيازمُ

رأت قسماتٍ قد تَقَسّمَ نَضرها                    سُرى الليل والإسادُ فهي سَواهِمُ

وتلويحَ أجسامٍ تَصَّدعُ تحتها                        قلوبٌ رياحُ الشوقِ فيها سمائمُ

بشار بن برد:

وإنّي لصّرافٌ لقلبي عن الهوى                       وإن حنَّ تحنانَ المخاضِ الضواربِ

تكلفّني من حبِ”عبدة” زفرةٌ                          وفي زفراتِ الحبِّ كربٌ لكاربِ

وللحبُّ حُمّى تعتريني بزفرةٍ                          لها في عظامي نافِضٌ بعد صالبِ

فويلي من الحُمّى وويلي من الهوى             لأيهما أبغي دواء الطبائبِ

بشار :

وأعينا امرأً جفا ودُّهُ الحيُّ                           وأمسى من الهوى في عناء

اعرضا حاجتي عليها وقولا:                         أنسيت السَّرار تحت الرداء

ومقامي بين المصلّى إلى المنبرِ                أبكي عليك جهد البكاء

ومقال الفتاةِ: عودي بحلمٍ                          ما التجني من شيمة الحلماء

فاتقي الله في فتىً شَفَّهُ الحب                وقولُ العدى وطولُ الجفاء

أنت باعدته فأمسى من الشو                  قِ صريعاً كأنَّهُ في الفضاء

فاذكري وأيهُ عليك وجودي                     حسبُكِ الوأيُ قادحاً في السَّخاءِ

قد يسئُ الفتى ولا يُخلفُ الو                  عد فأوفي ما قلت بالرَّوحاء

إنَّ وعد الكريم دَينٌ عليه                        فاقضِ واظفرْ به على الغرماء

فاستهلَّتْ بعبرةٍ ثم قالت                        كان ما بيننا كظلِّ السَّراء

يا سليمى قومي فروحي إليه                  أنتِ سُر سُورتي من الخلطاء

بلغيه السلام مني وقولي:                       كلُّ شئٍ مصيرهُ لفناء

فتسلَّيتُ بالمعازفِ عنها                          وتعزَّى قلبي وما من عزاء

بشار :

إذا ما ذكرتكَ العي                                نُ لم تملِك لها غَربا

كأنّي بك مطبوبٌ                                  وما أحدثتَ لي طِبّا

ولكن حُبُّكَ الداخ                                    لُ في الأحشاء قد دَبّا

أفي شوق ترى جسمي                      صببتَ الهَمَّ لي صَبَّا

وهبني كنتُ أذنبتُ                               أما تغفرُ لي ذنبا

تركتَ القلبَ قد ماتَ                             وما أبقيتَ لي لُبَّا

أبيتُ الليلَ محزوناً                                 وأغدو هائماً صَبَّا

كذي الوسواس لا يُعتِ                         بُ من عاتبَ أو سبَّا

وطِفلُ الحُبِّ أضناني                            فويلٌ لي إذا شَبَّا

فإنّي ليسَ لي قلبٌ                              وإن كنت ترى قلبا

كذا نُمسي وما يُمسي                         لنا سِلماً ولا حربا

فحدّثني  بما أدعو                                كَ طولَ الليلِ مُنكَبَّا

أتشفيني من الأسقا                            مِ أم توردُني نحبا

فإنَّ الموتَ قد طابَ                             لمن أوردتهُ جَدبا

يُلبي قِبلة  الأزدِ                                 ولولا أنت ما لبّى

بشار بن برد:

يا عبدَ حُبُّكِ شَفنَّي شفَّاً                      والحُبُّ داء يورثُ الحتفا

ابن الرومي:

حليفُ سُهادٍ ليلهُ كنهارهِ                       يبيتُ شِعارُ الهَمِّ دُونَ شعاره

ألا مات من ماتَ السماح بموتهِ            فأعوزَ من يوفي بذمةِ جارهِ

بنفسي من لم يؤذِنا بأنينهِ                  ولم يؤذ جاري بيتهِ بجوارهِ

حبيبٌ دعاه مُستزيراً حبيبُهُ                 فخَفَّ لهُ مستبشراً بمزارهِ

وقصَّرَ شكواه فكانت كأنها                  طريقٌ أراهُ كيف وجهُ احتضارهِ

ولم تَطُلِ البلوى عليهِ لعلمهِ                بتسليمهِ فيما مضى واصطبارهِ

تبلج عند الموت وابيضَّ وجههُ             تبلُّجَ ضوء الفجر عند انفجارهِ

فشككَّنا في موتهِ غير أنّهُ                    أبانَ لنا في طرفهِ وانكسارهِ

فلو كان يدري قَبرُهُ من يحلُّهُ               تفرَّجَ بالترحيبِ قبلَ احتفارهِ

ابن الرومي:

شكا قلبي جناية طرفِ عيني                  وقال: رأى فأغرى بي غراما

فقلتُ وقد جنى شراً عليه:                     ألست تراه قد هجر المناما؟

فقال الجسم: اشكو ذا وهذا                فإنهما اعاراني سقاما(يشكو قلبه ونظره)

فقلت : ثلاثةٌ كلٌّ جناه                           أقام بكم بلاؤكم وداما

فطرفي ساهرٌ والجسمُ مُضنىً            وقلبي ليس يبرحُ مُستهاما

البحتري:

لولا الرجاءُ لمتُّ من ألمِ الهوى           لكنَّ قلبي بالرجاءِ موكل

ولقد قال طبيبي                               وطبيبي ذو احتيال

اشكُ ما شئتَ سوى ال                    حبِّ ، فإنّي لا أبالي

سقمُ الحبِّ رخيصٌ                          ودواءُ الحبِ غالي

الفرزدق:

ولقد ضَنيتُ من النساءِ ولا أرى              كضنىً بنفسي منكِ أُمَّ الهيثمِ

كيفَ السلامةُ بعدما تَيمتنّي                 وتركتِ قلبي مثلَ قلبِ الأيهمِ

(المصاب بمس في عقله)

قطعّتِ نفسي ماتجئُ سريحةً               وتركتني دَنفاً ، عُراقَ الأعظُمِ

الفرزدق :

فقل لطبيبِ الحُبِّ إن كان صادقاً            بأيِّ الرُّقى تشفي الفؤادَ المتيَّما

فقال الطبيبُ: الهجرُ يشفي من الهوى    ولن يجتمع الهجرانُ قلباً مقسماً

أبو نواس:

أظُنني ذائِقاً حِمامي                             وأنَّ  إلمامَهُ قريبُ

إذا فؤادٌ شجاهُ حُبٌّ                            فقلّما ينفعُ الطبيبُ    

الشريف الرضي:

داءُ غَرامٍ مالَهُ من إفراقْ                     قد كَلَّ ىسيهِ، وقد ملَّ الراقْ

مهيار الدّيلمي:

لكنَّ شوقاً حَرَّهُ في أضلعي                       جنايةٌ لا يُملَكُ اغتفارُها

ولوعةٌ إذا تنفسَّتُ لها                                 عن كبدي حَرَّقني أوارُها

فهل لهذا الداء من راقيةٍ                             ينفِثُ في عُقدتِهِ  سَحَّارُها

أم هل يكونُ من لطيف برِّكم                      زيارةٌ تقضى بكم أوطارُها

أبو العتاهية:

قالَ لي أحمدٌ،ولم يدرِ ما بي                     أتُحبُّ الغداةَ(عُتبةَ) حقاً؟

فتنفّستُ،ثم قلت:نعم،حبّاً                       جرى في العروق، عرقاً فعرقا

لو تَجسِّينَ يا(عُتيبةُ) قلبي                      لوجدتِ الفؤاد قرحاً..تفقّا

قد لعمري ملَّ الطبيبُ وملّ ال                 أهلُ منّي،ممّا أقاسي وألقى

ليتني متّ فاسترحتُ،فإني                     أبداً ـ ما حييتُ ـ منهُ ملقّى

عمر بن أبي ربيعة:

قد كنتُ أحسَبُني جليداً عنكُمُ                  فإذا فؤادي غيرُ ذي عَزمِ

ما كنتُ أحَسبُ أنَّ حُبَّاً قاتلي                 حتى بُليتُ مما برى جسمي(بما)

أورثتني داءً أخامِرُهُ                                 أسماءُ بَزَّ اللحمَ عن عظمي

لو كُنتِ أنتِ قسمتِ ذاكَ لهُ                     مِني عليه لجُرتِ في القسمِ

لكنَّ ربي كان قدَّرَهُ                                فقضاءُ ربي أفضلُ الحُكمِ

ابن أبي ربيعة :

يقولُ عَتيق إذ شكوتُ صَبابتي                   وَبَيَّنَ داءٌ من فؤادي مُخامِرُ

أحقاً لئن دارُ الربابِ تباعدتْ                        أو انبتَّ حبلٌ أن قلبكَ طائرُ

أفِقْ قد أفاقَ العاشقونَ وفارقوا ال            هوى واستَمرَّتْ بالرجالِ المرائِرُ

زَعِ القلبَ واستبقِ الحياءَ فإنما                  تُباعِدُ أو تُدني الربابَ المقادِرُ

فإن كنتَ عُلِّقتَ الربابَ فلا تكنْ                  أحاديثَ من يبدو ومن هو حاضِرُ

أَمِتْ حُبَّها واجعل قَديمَ وصالها                  وعِشرتها أمثالَ من لا تُعاشِرُ

وهَبها كشئٍ لم يكن أو كنازحٍ                 بهِ الدارُ أو من غَيبَّتهُ المقابرُ

فإن أنتَ لم تفعلِ ولستَ بفاعلٍ                  ولا قابلِ نصحاً لمن هو زاجرُ

فلا تَفتضحْ عيناً أتيتَ الذي ترى                وطاوعتَ هذا القلبَ إذ أنت سادرُ

وما زلتُ حتى استنكرَ الناسُ مَدخلي             وحتى تراءتني العيونُ النواظرُ

الطغرائي:

لعمرك ما يرجى شفائي والهوى             له بين جسمي والعظام دبيب

أجلك أن أشكو إليك وأنطوي                  على كمدي إن الهوى لعجيب

وآمل برءاً من هوى خامر الحشا              وكيف بداءٍ لا يراه طبيب

نصيبك من قلبي كما عهدته                   وما لي بحمد الله منك نصيب

وما أدعي إلا اكتفاءً بنظرة                     إليك ودعوى العاشقين ضروب

وما بحت بالسرِّ الذي كان بيننا              ولكنما لحظ المحب مريب

الطغرائي:

ياليلُ طوبى لمعشرٍ رَقدوا                       إلامَ هذا السهادُ والكَمدُ

قد قالت الريحُ إذ رأت سَقمي                 بالله ما تحتَ ثوبهِ جسدُ

وقالت النارُ إذ رأت كَبدي                        تذوبُ عنّي إليكِ يلكبدُ

رقّتْ ليَ النارُ والنسيمُ ولا                     يَرِقُّ ليَ مَنْ إليهِ أستندُ

الطغرائي:

خليلي هل من مسعد أو معالج            فؤاداً به داء من الحب ناكسُ

وهل ترجو البرءَ مما أكنه                     فإني وبيت الله منه لآيسُ

هوى لا يديل القرب منه ولا النوى        ولا هو من طول التقادم دارس

جميل بثينة :

ارحميني ، فقد بليتُ ، فحسبي                  بعضُ ذا الداء ، يابثينةُ ، حسبي

لامني فيك ، يابثينة ُ، صحبي                      لا تلوموا ، قد أقرحَ الحبُّ قلبي

زعمَ الناسُ أن دائي طبيّ                           أنت ، والله ، يابثينةُ، طِبيّ

علي بن الجهم :

تنكرَّ حالَ عِلّتي الطبيبُ                          وقالَ أرى بجسمكَ ما يَريبُ

جَسسَتُ العِرقً منكَ فَدَّلَ جَسّي            على ألمٍ لهُ خَبرٌ عجيبُ

فما هذا الذي بكَ هاتِ قُلْ لي                فكان َ جوابهُ مني النحيبُ

وقلتُ أيا طبيبُ الهجر دائي                   وقلبي ياطبيبُ هو الكئيبُ

فَحَرَّكَ رأسَهُ عجباً لقولي                     وقالً الحُبُّ ليسَ له طبيبُ

فأعجبني الذي قالَ جدّاً                       وقلتُ بلى إذا رضيَ الحبيبُ

فقالَ هو الشفاءُ  فلا تُقَصِّرْ                   فقلتُ أجل ولكن لا يجيبُ

ألا هل مُسعِدٌ يبكي لشجوي               فإني هاِئمٌ فردٌ غريبُ

قيس بن ذريح:

سقيمٌ لا يُصابُ له دواءٌ                                 أصابَ الحُبُّ مقلتهُ فناحا

وعَذّبهُ الهوى حتى براه                               كبري ألقين بالسَّفن القداحا

وكاد يُذيقهُ جرعَ المنايا                                ولو سقاه ذلك لاستراحا

قيس بن ذريح:

ألا يا طبيبَ الجنِّ ويحكَ داوني                        فإنَّ طبيبَ الإنسِ أعياهُ دائيا

أتيتُ طبيبَ الإنسِ شيخاً مداوياً                      بمكة يعطي في الدواء الأمانيا

فقلتُ له يا عم حكمكَ فاحتكم                      إذا ما كشفتَ اليومَ ياعم مابيا

فخاضَ شراباً بارداً في زجاجة                      وطرَّح فيه سلوةً وسقانيا

فقلتُ ومرضى الناس يسعون حوله               أعوذُ بربِّ الناس منك مداويا

فقال شفاءُ الحُبِّ أن تُلصِقَ الحشا              بأحشاء من تهوى إذا كنت خاليا

العرجي:

إني امرؤٌ لجَّ بي حُبٌّ فأحرضني                  حتى بليتُ وحتى شَفَّني السَّقَمُ

(أمالي ابن الشرجي ج2 ص141: الحَرَض:الذي أذابه الحزن أو العشق ،قال تعالى : {قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حَرَضا}”[ يوسف 85]

(قال الزجاج:الحَرَض: الفاسد في جسم. وقال الفراء:الفاسد في جسمه وعقله)

المؤمل:

حلمتُ بكم في نومتي فغضبتم                   ولاذنب لي إن كنت في النوم أحلمُ

سأطرد عني النوم كيلا أراكم                      إذا ما أتاني النوم والناس نُوّمُ

تُصارمني والله يعلم أنني                          أبرُّ بها من والديها وأرحمُ

وقد زعموا لي أنها نذرت دمي                    ومالي بحمد الله لحمُ ولادمُ

برى حبها لحمي ولم يُبقِ لي دماً               وإن زعموا أني صحيحٌ مُسلمُ

فلم أرَ مثل الحب صح سقيمهُ                   ولا مثل من لم يعرف الحب يسقم

ستقتل جلداً بالياً فوق أعظمٍ                   وليس يبالي القتل جلدٌ وأعظمُ

المؤمَّل بن أميل المحاربي:

وصفتُ الذي بي للطبيبِ من الهوى          فما كان من جهلٍ بما قلتُ يفهمُ

وما وصفَ الأوجاعَ قبلي مُتّيمٌ                   فيعرف ذاك الوصف إلا مُتَّيمُ

كما أن هذا موجعُ القلبِ مُغرَمٌ                  كذلك هذا موجَعُ القلبِ مُغرَمُ

صفي الدين الحلي:

ظنّ قومي أنّ الأساةَ ستبري                   داءَ وجدي وذاك شئٌ بعيدُ

فأتوا بالطبيب وهو لعمري                        في ذوي فنه مُجيدٌ مجيد

مذ رأى عِلّتي وقد لاح للمو                     تِ عليها أدلة وشهود

جسَّ نبضي وقال ما أنت شاكٍ                قلتُ ناراً لم يُطفها التبريدُ

فغدا يُخلصُ الدواء فألفى                      نار وجدي مع الدواء تزيد

قال ما كان أصل دائك هذا                    قلتُ طرفي وذاك حالٌ شديد

قال إن الهواء أحدث بلوا                        ك فقلتُ المقصور لا الممدود

فانثنى حائراً وقال لقومي                  ما دواء العشاق إلا بعيد

ابن الفارض:

برى أعظمي من أعظمِ الشوق ضِعْفُ ما         بجفني لنومي أو بضعفي لقوتي

وأنحلني سُقْمٌ لهُ بجفونكمُ                              غرامُ التياعي بالفؤادِ وحرقتي

وهى جسدي مما وهى جَلدي لذا                 تحملُّهُ يبلى وتبقى بليتي

وعدتُ بما لم يُبقِ مني موضعاً                        لِضُّرِ لِعُوّادي حضوري كغيبتي

كأنّي هِلالُ الشكِّ لولا تأوهّي                         خَفيتُ فلم تُهْدَ العيونُ لرؤيتي

فجسمي وقلبي مستحيلٌ وواجبٌ                وخدّي مندوبٌ لجائزِ عبرتي

ابن الفارض:

أمالكِ عن صَدِّ أمالكِ عن صّدٍ                         لِظلمكِ ظُلماً منكِ مَيلٌ لعطفة

فَبَلَّ غليلٌ من عليلٍ على شفا                       يُبِلُّ شِفاءً منهُ اعظمُ مِنّةِ

فلا تحسبي أني فنيتُ من الضنى                 بغيركِ بل فيكِ الصبابة ابْلَتِ

العباس بن الأحنف :

كَتبَ المُحِبُّ إلى الحبيبِ رسالةً              والعينُ منهُ ما تَجِفُّ منَ البُكا

والجِسمُ منهُ قد أضرَّ به البِلى                 والقلبُ منهُ ما يُطاوِعُ مَن نهى

قد صارَ مثلَ الخيطِ من ذكراكمُ               والسَّمعُ منهُ ليسَ يسمعُ مَن دعا

هذا كِتابٌ نَحوكم أرسلتهُ                      يبكي السَّميعُ لهُ ويبكي من قرا

فيه العجائبُ من مُحِبٍّ صادقٍ                 أطفأهُ حُبُّكِ يا حبيبةُ فانطفا

العباس بن الأحنف:

أزوّار بيت الله مُرُّوا بيتربٍ                              لحاجةِ مبتول الفؤادِ كئيبِ

وقولوا لهم يا أهل يثرب أسعدوا                    على جلبِ للحادثات جليب

فإنا تركنا بالعراقِ أخا هوىً                          تنشّب رهناً  في حبال شعوب

بهِ سَقَمٌ أعيا المُداوينَ عِلمُه ُ                   سوى َظنَّهمْ من مُخطئ ومُصيبِ

إذا ما عَصرَنا الماءَ في فيهِ مَجَّهُ                وإن نحنُ نادَينا فغيرُ مُجيبِ

تأنوا فبكّوني صراحاً بنسبتي                   ليعلم ما تعنون كُلّ غريب

فإنّكمُ إن تفعلوا ذاك تأتكم                        اُمنية خود كالمهاةِ لعوبِ

عزيز عليها ما وعت غير أنها                      نأت وبنات الدهر ذات خطوبِ

فقولوا لها: قولي لفوزٍ تعطّفي                     على جسدٍ لا روحَ فيهِ سليبِ

خذوا ليَ منها جُرعةً في زجاجةٍ                  ألا إنها لو تعلمونَ طبيبي

وسِيروا فإن أدركتُمُ بي حُشاشَةً           لها في نواحي الصَّدرِ وَجْسُ دبيبِ

(وجس: صوت خفي)

فَرشُّوا على وجهي اُفِقْ من بَليِّتي             يُثيبكمُ ذو العرشِ خيرُ مُثيبِ

فإن قال أهلي ما الذي جئتم به                    وقد يحسن التعليلُ كُلّ اريبِ

فقولوا لهم جئناهُ من ماءِ زَمزمٍ                   لنشفيهِ من داءٍ بهِ بِذَنُوبِ

وإن أنتم جئتمْ وقد حِيلَ بَينكُمْ                    وبيني بيومٍ للمنُونِ عَصيبِ

وصِرتُ من الدنيا إلى قَعرِ حُفرةٍ               حليفَ صَفيحٍ مُطْبَقٍ وكثيبِ

فرشُّوا على قبري من الماءِ واندُبُوا               قتيلَ كِعابٍ  لا قتيلَ حُروبِ

العباس بن الأحنف:

يا لائمي في العشقِ مِه                          لا خيرَ فيمن ليسَ يعشقْ

أتلُومُني فيمن أنا                                   من حُبّهِ مثل المُعَلّقْ

وكأنَّ قلبي من هواهُ                              في وَثاقِ ليس يُطلقْ

يا من رأى مثلي فتىً                             يسعى طليقاً وهو مُوثق

من حُبِّ خَوْدِ طَفْلَةٍ                                كالشمسِ حُسناً حينَ تُشرقْ

فإذا يُنادى باسمها                               ظَلّتْ مدامعهُ ترقرقْ

وإذا يَمرُّ ببابها                                       لَثَمَ الجدارَ وظلَ يُصعقْ

وإذا تذكرها بكى                                حتى تكادُ النفس تَزهقْ

فتراهُ من وجدٍ بها                              مُتوجعاً يبكي ويشهق

هذا البلاءُ بعينيهِ                                 يا أخوتي يغدو ويَطرُق

العباس بن الأحنف :

كم ذي هوىً ليس إلا الله يعلمه                قد مات شوقاً ولم يعلم به الناس

اعتلّ عبد الله بن المعتز فأتاه أبوه عائداً وقال له ماعراك يابني فأنشا يقول:

أيها العاذلون لا تعذلوني                   وانظروا حُسنَ وجهها تعذروني

وانظروا هل ترونَ أحسنَ منها ؟           إن رأيتمُ شبيهها فا عذلوني

بي جنونُ الهوى ومابي جنونٌ               وجنونُ الهوى جنونُ الجنونِ

فتتبع ابوه الحال حتى وقع عليها فابتاع الجارية التي شغف بها ووجهها اليه (نقلا عن نوادر وطرائف ص244)

ابن المعتز:

ما بالُ قلبِكَ لا يقَرُّ خفوقاً                         وأراكَ ترعى النْسرَ والعَيوقا

وجفونُ عينك قد نثرنَ من البكا                 فوقَ المدامعِ لؤلؤاً وعقيقاً

لو لم يكن إنسانُ عينكَ سابحاً                 في بحر دمعته لمات غريقاً

اسماعيل بن يسار النسائي:

وكيف تناسى القلب سلمى ،وحُبُّها       كَجمرِ غضىً بين الشراسيف مُوقِدِ

(أطراف أضلاع الصدر التي تشرف على البطن)

كعب بن زهير :

بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ                 مُتَيَّمٌ إثرها لم يُفدَ مكبولُ

(متبول : اسقمه الحب وأضناه ، المتيم : ذليل مستعبد ، مكبول : مقيد)

جاء في نوادر وطرائف ص250-251-نقلا عن الأمالي للقالي:

” روى النعمان بن بشير قال : استعملني معاوية بن أبي سفيان على صدقات عُذرة ،فإني لفي بعض مياهم إذا أنا ببيتٍ منجردٍ (منفرد) ناحية وإذا بفنائه رجل مستلق وعنده امرأة وهو يقول أو يتغنى بهذه الأبيات :

جعلتُ لعراف……….

فقلتُ لها ما قصته؟ فقالت: هو مريض ما تكلم بكلمةٍ ولا أنَّ أنةً منذ وقت كذا وكذا إلى الساعة ثم فتح عينيه وأنشأ يقول :

من كان من اُمهاتي باكياً أبداً                      فاليومَ إني أراني اليومَ مقبوضاً

يُسمعنيهُ فإني غيرُ سامعِه                           إذا حُمِلَتُ على الأعناقِ معروضا

ثم خَفَتْ فمات فغمضته وغسلته وصليت عليه ودفنته ،وقلتُ للمرأة من هذا؟ فقالت: هذا قتيل الحب ! هذا عروة بن حزام.

عروة بن حزام:

أفي كلِّ يوم أنت رام بلادها                     بعينين إنساناهما غرقان؟

ألا فاحملاني ،بارك الله فيكما                 إلى حاضر الروحاءِ ثم دعاني

ألمّا على عفراء إنكما غداً                       بشحط النوى والبين معترفان

أغَرّكما مني قميص-لبسته-                     جديدٌ وبُرداي منةِ زهيان

متى ترفعا عنيّ القميص تبينَّا                 بيَّ الُّضَّر من عفراءَ يا فَتيانِ

(رواية:تكشفا)

إذن تريا لحماً قليلاً وأعُظما                       بَلينَ وقلباً دائم الخفقان

على كبدي من حُبِّ عَفراءَ قُرْحَةٌ             وعينايَ منْ وجدٍ بها تكِفانِ

يقول لي الأصحابُ إذ يعذلونني :            أشواقُ عراقيٌ وأنت يماني

جَعلتُ لِعرَّافِ اليمامةِ حُكمَهُ                  وعَرَّافِ نجدٍ إن هما شفياني

فقالا : نعم ،نشفي من الداءِ كُلِّهِ            وقاما مع العُوَّادِ يبتدرانِ

نعم وبَلى قالا: متى كنتَ هكذا                ليسخبراني قلتُ: منذ زمانِ

فما تركا من رُقْيةٍ يعلمانِها                     ولا  شَربةٍ إلا وقد سقياني

(رواية: من حيلة)

ورشّا على وجهي من الماء ساعةً         وقاما مع العُوّادِ يبتدرانِ

وما شفيا الداءَ الذي بيَ كُلَّهُ                ولا ادَّخرا نصحاً ولا ألواني

فقالا: شفاكَ اللهُ ، واللهِ مالنا               بما حُملَّت منكَ الضلوعُ يدانِ

(رواية: بما ضُمنَّت)

فويلي على عفراء ويلاً كأنَّهُ                على الصدرِ والاحشاءِ حَدُّ سِنانِ

عروة بن حزام:

وما بيَ من خَبْلٍ ولا بيَ جِنةٌ                       ولكن عميّ يا أخي كذوب

أقول لعرافِ اليمامة داوني                       فإنكَ إن داويتني لطبيب

فوا كبدا أمست رفاتا كأنما                        يُلذِّعها بالموقدات طبيب

عشية لا عفراء  منك بعيدةٌ                     فتسلو ولا عفراءُ منك قريب

فوالله لا أنساكِ ما هبّت الصَّبا                  وما عقبتها في الرياح جَنوب

وإني لتغشاني لذكراكِ هِزةٌ                     لها بين جلدي والعظام دبيبُ

يزيد بن معاوية :

قالتْ لِطيفِ خَيالٍ زارني ومضى                باللهِ صِفهُ ولا تَنقُصْ ولا تَزِدِ

فقال: خَلَّفتهُ لو ماتَ من ظَمأٍ                    وقُلتِ: قِفْ عن ورودِ الماءِ لمْ يَرِدِ

واسترجعتْ سألتْ عنِّي فقيلَ لها              ما فيهِ منْ رَمَقٍ، دَقَتْ يَداً بيدِ

وأمطرتْ لؤلؤاً من نَرْجسٍ وسَقَتْ               ورداً وعَضَّتْ على العُنَّابِ بالبَرَدِ

وأنشدَت بِلسانِ الحالِ قائلةً                       من غيرِ كَرْهٍ ولا مَطْلٍ ولا مَدَدِ

واللهِ ما حَزِنتْ أختٌ لِفقدِ   أخٍ                     حُزني عليهِ ولا أمٍ على ولدِ

فأسرعتْ وأتتْ تجري على عَجَلٍ                فعندَ رؤيتها لم أستطِعْ جَلَدي

وَجرَّعتني بريقٍ منْ مراشفها                     فعادتْ الرُّوحُ بعدَ الموتِ في جسدي

هُمْ يَحسِدوني على موتي فوا أسفي      حتى على الموتِ لا أخلو منَ الحَسَدِ

داود بن سلم:

وقد شَفَّني شوقي وأبعدني الهوى         وأعيا الذي بي طبّ كلّ طبيبِ

وأعجبُ أني لا أموت صبابةً                       وما كمدُ من عاشقٍ بعجيبِ

وكلُّ مُحبٍ قد سلا غير أنني                  غريبُ الهوى يا ويح كلُّ غريبِ

وكم لام فيها من أخٍ ذي نصيحةٍ               فقلتُ لهُ أقصِرْ فغيرُ مُصيبِ

أتأمرُ إنساناً بفرقةِ نفسهِ                          أتصلحُ أجساماً بغيرِ قلوبِ

من كتاب الأغاني  (باب سلامة القس) :

سلامة إنها همّي ودائي                    وشَرُّ الداءِ ما بَطَنَ العظاما

فقلتُ لها ودمعُ العينِ يجري               على الخدّينِ أربعة سِجاما

(اللحاظين والموقين)

عليكَ لها السلامُ فمن لِصّبٍّ              يبيتُ الليلَ يهذي مستهاما

أحدهم :

يلومنني في حبِّ ليلى عواذلي           ولكنني من حبِّها لعميدُ

(المعمود بالوسائد لمرضه)

أحدهم :

قال الطبيبُ لأهلي حين أبصرني           هذا فتاكمُ وحقِ الله مسحورُ

فقلتُ: ويحكَ قد قاربت من صِفتي         وجهَ الصوابِ فهلا قلتَ مهجورُ

فقال: مالي بعلمِ الغيبِ معرفةٌ                فقلتُ: إنَّ دليلَ الحبِّ مشهورُ

فيضُ الدموعِ وأنفاسٌ مصعدَةٌ               وضربةُ في الحشا والقلبُ مأسورُ

جاء في مجمع الأمثال للعسكري (ج1 ص284-285 ):”

يقال : أتيَهُ من فقيد ثقيف : وهو رجل من أهل الطائف عشق امرأة وهام بها حتى مرض ، وسقطت قوته ،فحضره الحارث بن كَلَدة  ليداويه من علته ،فلم يجد به علة ،فسقاه خمراً فلما سكر غنى :

ألمّا بي على الأبيا                                تِ بالخَيفِ أزُرْهُنّهْ

غزالٌ ثَمَّ يحتلُّ                                     بها دارَ بني كُنّهْ

غزالٌ أحورُ العي                                   نينِ في مَنطقه عُنّهْ

فأعاد عليه الخمر فقال:

أيّها الجيرةُ أسْلَموا                                   وقفوا كي تُسَلموا

خرجتْ مُزْنةٌ من ال                                   بحرِ رَيّاً تحمحمُ

هي ما كنتّي وتز                                    عمُ أني لها حَمُ

فعرف أخوه ما في نفسه فطلقها ليتزوجها ،فخاف العار ،وهام على وجهه ففقد.

ابن أبي مرة الملكي:

إن وصفوني فناحل الجسد              أو فتشوني فأبيض الكبد

أضعف وجدي وزاد في سقمي      أن لست أشكو الهوى إلى أحد

آه من الحب آه من كمدي                إن لم أمت في غدٍ فبعدَ غدِ

جعلتُ كفّي على فؤادي من          حرّ الهوى وانطويت فوق يدي

كأنّ قلبي إذا ذكرتكم                      فريسة بين ساعدي أسدِ

يدي بحبل الهوى معلقة                فإن قطعت الهوى قطعت يدي

أحدهم:

وللحبِّ آفاتٌ إذا هي صرّحت            تبدّت علاماتٌ لها غُررٌ صُفر

فباطنهُ سُقمٌ وظاهره جوىً               وأولهُ ذكرٌ وآخره فِكر

أحمد شوقي :

يمدُّ الدُّجى في لوعتي ويزيدُ                      ويبدئُ بثي في الهوى ويُعيدُ

إذا طالَ واستعصى فما هي ليلة                ولكن ليالٍ مالهنَّ عديدُ

أرقتُ وعادتني لذكرى أحبتي                      شجونٌ قيامٌ بالضلوعِ قعودُ

ومن يحملِ الأشواق يتعب، ويختلف           عليه قديمٌ في الهوى وجديدُ

لقيتُ الذي لم يَلقَ قلبٌ من الهوى            لكَ اللهُ يا قلبي، أأنتَ حديدُ؟

ولم أخْلُ من وجدٍ عليك، ورِقَّةٍ                   إذا حلَّ غِيدٌ ، أو ترحلَّ غِيدُ

ونحكم حتى يقبلَ الدهرُ حُكمنا                  ونحنُ لسلطان الغرام عبيد

شوقي:

مُضناكَ جفاهُ مَرقدُهُ                                     وبكاهُ ورَحَمَّ عُوَّدُهُ

حَيرانُ القلبِ مُعذَّبُهُ                                     مَقروحُ الجَفنِ مُسهَّدُهُ

أودى حُرَقاً إلا رَمَقاً                                       يُبقيهِ عليكَ وتُنفِدُهُ

يستهوي الوُرْقَ تأوّهُهُ                                 ويُذيبُ الصخرَ تَنهّدُهُ

ويناجي النجمَ ويُتعبهُ                                  ويُقيمُ الليلَ ويُقعِدُهُ

ويُعلّمُ كلَّ مُطوَّقةٍ                                       شَجناً في الدَّوحِ تُرَدِدُهُ

كم مدَّ لطيفكَ من شَركٍ                             وتأدبَّ لا يتصيَّدُهُ

فعساكَ بغمضٍ مُسعِفُهُ                             ولعلَّ خيالك مُسعِدُهُ

بيني في الحبِّ وبينك ما                           لا يقدرُ واشٍ يُفسِدهُ

ما بالُ العاذِلِ يفتح لي                             بابَ السُّلوانِ وأوصدهُ

ويقولُ: تكاد تُجَنُّ به                                فأقولُ: واُوشِكُ  أعبدهُ

مولايَ ورُوحي في يدهِ                           قد ضَيَّعها سَلِمتْ يَدهُ

ناقوسُ القلبِ يَدُقُّ لهُ                             وحنايا الأضلعِ مَعبَدهُ

ما خُنتُ هواكَ ، ولا خطرتْ                    سلوى بالقلب تُبَرِّدهُ

شوقي:

هل تَيّمَ البانُ فؤادَ الحمامْ                              فناحَ واستبكى جفونَ الغمامْ؟

أمْ شَفَّهُ ما شَفَّني فانثنى                             مُبلبَلَ البالِ،شريدَ المنامْ

يهزُّهُ الأيكُ إلى إلفِهِ                                        هزَّ الفراشِ المُدْنفَ المُستهامْ

وتوقِدُ الذكرى بأحشائِهِ                                  جمراً من الشوقِ حثيثَ الضِّرامْ

كذلكَ العاشِقُ عندَ الدّجى                             يا للهوى مما يثيرُ الظلامْ

لهُ إذا هَبَّ الجوى صرعةٌ                               من دونها السِّحرُ وفِعْلُ المُدامْ

محمود سامي البارودي :

هل من طبيبٍ لداءِ الحُبِّ أو راقي؟         يشفي عليلاً أخا حُزنٍ وإيراقِ

قد كان أبقى الهوى من مهجتي رمقاً     حتى جرى البَينُ فا ستولى على الباقي

حُزنٌ براني وأشواقٌ رعَتْ كبدي           يا ويحَ نفسي من حزنٍ وأشواقِ

حافظ ابراهيم:

هَجعتَ ياطيرُ ولم أهجعِ                         ما أنتَ إلا عاشِقٌ مُدّعي

لو كنتَ ممِن يعرفونَ الجَوى                  قضيتَ هذا الليل سُهداً معي

يا مَنْ  تحاميتُمْ سبيلَ الهوى                  أُعيذكُم من قلقِ المَضجعِ

وحَسرةٍ في النفسِ لو قُسّتْ                 على ذواتِ الطوقِ لم تَسجعِ

ويا بني الشوقِ وأهلَ الأسى                 ومن قضوا في هذه الأربُعِ

عليكم من واجدٍ مُغرَمٍ                             تحيةُ  المُوجَعِ للمُوجعِ

للهِ ما أقسى فؤادَ الدُّجى                       على فؤادِ العاشقِ المُولَعِ

هذا غليظٌ لم يَرضُهْ الهوى                        مابينَ جَنبي أسودٍ أسفعِ

(شديد السواد)

وذاكَ في جنبي فتىً مُدْنَفٍ                    على سوى الرِّقةِ لم يُطبَعِ

وأغيدٍ أسكنتهُ في الحشا                       وقلتُ: يانفسُ به فاقنعي

نِفارهُ أسرعُ من خاطري                         وصَدُّهُ أقربُ من مدمعي

وخَدُّهُ  لا تنطفي نارهُ                             كأنّما يَقبِسُ من أضلعي

تساءلت عني نجومُ الدُّجى                    لما رأتني داني المَصرعِ

قالت: نرى في الأرضِ ذا لَوعةٍ               قد باتَ بينَ اليأسِ والمطمَعِ

يئنُّ كالمفئودِ أو كالذي                           أصابهُ سَهمٌ ولم يُنزَعِ

إن كان في بدرِ الدُّجى هائماً                 أما لهذا البدرِ من مَطلَعِ؟

أو كان في ظبي الحمى مُغرماً              أما لهذا الظبي من مرتعِ؟

حافظ ابراهيم:

أهرمتني يا ليلُ في شَرْخِ الصِّبا             كم فيكَ ساعاتٌ تُشيبُ وتُهرِمُ

لا أنت َ تقصُرُ لي ولا أنا مُقصرٌ                أتعبتني وتعِبتَ ،هل من يحكمُ؟

للهِ موقِفنا وقد ناجيتُها                            بعظيمِ ما يُخفي الفؤادُ ويكتمُ

قالت:من الشاكي؟ تسائِلُ سِربَها          عني ؟ ومن هذا الذي يتظّلمُ

فأجبنها وعَجِبنَ كيف تجاهلت:                هو ذلك المتوجِّعُ  المتألِمُ

أنا من عرفتِ ومن جهلتِ ومن له           لولا عُيونكِ  حُجَّةٌ لا تُفحَمُ

أسلمتُ نفسي للهوى وأظّنُها                مما يُجَشّمها الهوى لا تسلمُ

وأتيتُ يحدو بي الرجاءُ ومن أتى            مُتَحَرِماً بفنائِكمْ لا يُحْرَمُ

أشكو لذاتِ الخالِ ما صنعتْ بنا            تلكَ العيونُ وما جناهُ المِعصَمُ

لا السّهمُ يَرْفُقُ بالجريحِ ولا الهوى        يُبقي عليه ولا الصبابةُ تَرحَمُ

لو تنظرينَ إليهِ في جوفِ الدُّجى           مُتململاً من هولِ ما يَتَجَشَّمُ

يمشي إلى كَنَفِ الفِراشِ مُحاذراً           وَجِلاً يُؤخِرُّ رِجْلَهُ ويُقَدِّمُ

يرمي الفِراشَ بناظريه وينثني             جَزِعاً ويُقْدِمُ بعد ذاكَ ويُحْجِمُ

فكانَّهُ –واليأسُ يُنْشِفُ نفسه-              للقتلِ فوقَ فِراشهِ يتقَّدمُ

رُشقَتْ به في كُلِّ جَنبٍ مُدْيةٌ               وانسابَ فيه بكلِّ رُكنٍ أرقَم

(أخبث الحيات وأطلبها للاذى)

فكأنَّهُ في هَولهِ وسَعيرهِ                    وادٍ قد اطَّلعتْ عليه جهنمُ

هذا وحَقِّكَ بعضُ ما كابدتهُ               من ناظريكَ،وما كتمتكَ أعظمُ

قالوا: اهذا أنتَ! وَيْحَكَ فاتئِدْ             حَتامَ تُنجِدُ في الغرامِ وتُتِهِمُ؟

كم نَفْثَةٍ لكَ تستثيرُ بها الهوى         (هاروت) في أثنائها يتكلمُ

إنَّا سمعنا عنكَ ما قد رابنا              وأطالَ فيكَ وفي هواكَ اللُّومُ

فاذهبْ بِسحرِكَ قد عَرَفتُكَ واقتصدْ    فيما تُزَيِّنُ للحِسانِ وتُوهِمُ

أصغتْ إلى قولِ الوُشاةِ فأسرفتْ     في هجرها وجَنتْ عليَّ واجرموا

حتى إذا يئِسَ الطبيبُ وجاءها            أنِّي تَلِفتُ تَنَدَمتْ وتندَّموا

وأتتْ تعودُ مريضها لا بل أتتْ         منِّي تُشِّيعُ راحلاً لو تَعلَمُ

حافظ ابراهيم:

فيا ويحَ قلبكَ ماذا ألحَّ                          عليه من الداء حتى انفطر

أيَخفِقُ تحت الدّجى وحدَهُ                   لذكرى أليفٍ سلا أو هجر

زكيُّ المشاعرِ عَفُّ الهوى                  شهيُّ الأحاديثِ حُلوُ السَّمر

خلعتَ الشباب فلم تَبكه                   وساءكَ أنك لم تُحتضَر

وكم ساعةٍ بين ساعِ الحياة                سقتكَ المُرارَ بكأسِ الضّجر

فَرُحتَ إلى أختها شاكياً                    أذاتكَ منها فكانت اَمّر

ففتشتَ أثناءها جاهداً                       بعيني بصيرٍ بعيدِ النّظر

فلم ترَ فيها على طُولِها                      هُنيهة صفوٍ خَلَتْ من كَدَر

وما زِلتَ تشكو إلى أن أتت                 كما تشتهي ساعةٌ لم تَذَر

فلا صدَّ تخشاه بعد الوصال                 ولا ضَعْفَ تشكوهُ بعد الأَشَر

أرِيحَ فؤادكَ مما ضناه                         وصَدرُكَ  مما عليه انكدر

تمنيتَها خُطوةً للممات                         تُفَرِّجُ عنك كُروبَ الغِيَر

وها قد خَطاها ونِلتَ المُنى                  فهل في الممات بُلوغُ الوَطَر

صَدقتَ ففي الموتِ نصرُ الأبيِّ             على الدهرِ إن هو يوماً غَدَر

مَللِتَ الثواءَ بدارِ الزوالِ                         فماذا رأيتَ بدارِ المَقّر

أتحتَ التُرابِ يُضامُ الكريم                     ويشفى الحليمُ ويخفى القمر

ويُهضَمُ حَقُّ الأديب الأريب                   ويُطمَسُ فضلُ النبيهِ الأغَرّ؟

خليل مطران:

لم تطيقي بعدَ الأليفِ البقاء              وكرهتِ الحياة أمستْ شقاء

فوهى قلبكِ الكسيرُ المُعّنى              وتعجّلتِ للرحيلِ القضاء

ما الذي يفعلُ الدواء إذا لم              يبقَ في الجسمِ ما يعينُ الدواء

خِيْلَ أن الوفاءَ أكدى إلى أن           شهد الناس منكِ هذا الوفاء

كم رجونا لكِ الشفاءَ واختار           اللهُ في غير ِ ما رجونا الشفاء

هكذا شاءَ المصيرُ إليهِ                  ولهُ الأمرُ فليكن ما شاء

خليل مطران:

يا قلبُ ماتَ بكَ الغرامْ                            فعلى بقيّتُكَ السلامْ

ما تنفعُ الكأسُ التي                              بقيتْ وقد فَنيَ المُدامْ؟

ولّى شبابُ النّفسِ إنَّ                             شبابَها لَهُوَ الهُيامْ

وعَفا الرّجاءُ فلا السُّها                            دُ إذَنْ يطيبُ ولا المنامْ

أسفي على عهدٍ مضى                        وليسقِهِ صَوْبَ الغَمامْ

فأحَرُّهُ في حَببٍ ما                                أنا فيه شافٍ للأوامْ

اسفي على حُبٍ بَرى                          هذا الفؤادَ المستهامْ

فعذابهُ عَذبٌ ونا                                   رُ أسَاهُ بَرْدٌ في سلامْ

أسفي على جُرحي القدي                  مِ وليتَ ذاكَ الجُرحِ دامْ

فلقد شفُيتُ ومُنيتي                           لو ظلَّ قلبي وهو دام

لا كان لي هذا الشفا                         ءُ وحبذّا ذاكَ السّقامْ

اللهَ في صّدْرٍ وَهى                             وتَقَوّستْ منهُ العِظامْ

خاوٍ كجوفِ الغارِ تم                           لؤهُ المخاوفُ والظّلامْ

إلا سِراجاً حائلاً                                  فيهِ يُنيرُ بلا ابتسامْ

روحٌ تَضئُ على ضري                        حٍ في صميمِ القلبِ قامْ

تحنو عليهِ كأنّهُ                                 مهدٌ لطفلٍ فيه نام

وبهِ تَحُفُّ ملائكٌ                               للذكرِ حفاظٌ الذمام

محمود سامي البارودي:

سقيماً تَظَلُّ العائداتُ حوانياً              عليهِ بإشفاقٍ ، وإن كان لا يُجدي

يَخَلْنَ بهِ مسَّاً أصابَ فؤادَهُ                وليسَ بهِ مَسٌّ سِوى حُرَقِ الوَجْدِ

بهِ عِلَّةٌ إن لم تُصبها سلامةٌ           منَ اللهِ كادتْ نَفْسَ حاملها تُردي

ومن عجبِ الأيامِ أنّي مُولَعٌ            بِمَنْ ليسَ يعنيهِ بكائي ولا سُهدي

محمود سامي البارودي :

عليلٌ أنت مُسقِمهُ                         فما لك َ لا تُكلمهُ

سرى فيه الضنى حتى                 بدتْ للعينِ أعظمهُ

فلا إن باحَ تعذِرهُ                            ولا إن ناحَ ترحمُهُ

إذا كان الهوى ذنبي                    فقل لي كيفَ أكتمهُ؟

ودمعي أنت مُرسِلُهُ                      وقلبي أنت مُؤلِمهُ

اسماعيل صبري:

هل من راقٍ لصريعِ هوىً             هل من آسٍ يتعهَّدهُ

علي الجارم:

عطفت عليَّ النيِّراتُ وساءلت           مذعورةً قمَر السماءِ أخاكِ

قالت نرى شبحاً يروحُ ويغتدي         ويبثُ في الأكوانِ لوعة شاكي

أنّاتُ مجروحٍ يُعالجُ سَهمهُ                وزفيُر ماسورٍ بغير فَكاكِ

يقضي سوادَ الليل غير مُوَسَّدٍ           عينٌ مُسَّهدةٌ ، وقلبٌ ذاكي

حتى إذا ما الصبحُ جرَّدَ نَصلهُ            ألفيتهُ جسماً بغيرِ حراكِ

إنّا نكادُ أسىً عليه ورحمةً               لشبابهِ ، نهوي من الأفلاكِ

ولي الدين يكن:

لولا الغرام وعهدهُ الأوفى                  ما سهّدَ الهجران لي طرفا

أرمى كما يرمي العدوّ  وكم                 أقصى وكم أقلى وكم أجفى

وضنى لبست ثيابه زمناً                     فلبثتُ لا أقضي ولا أشقى

حول تكامل  في مرارتهِ                   قد خلتهُ من طُولهِ الفا

إستلّ نصف الجسم حين مضى        ورمى إلى عوادهِ النصفا

تنبو النواظر عن ملابسهِ                    ويكاد إن طلبته يخفى

هجر المضاجع خيفة وغدا                  متبوئاً كرسيّهُ كهفا

يُمسي ويصبح فوقهُ أبداً                   لم يغتمض سِنةً ولا أغفى

فإذا سها فامتدَّ مضطجعاً                   عصفت بهِ أهواله عصفا

وتخاذلت أنفاسه فمشت                     في صدره موقورة ضعفا

وإذا استعدَّ لوقفة رجفت                     أعضاؤهُ من ضعفها رجفا

وأمال هامته الدؤار فلم                       يعلم أأرضاً مسَّ أم سقفا

أحلامهُ كثرت مخاوفها                       فإذا رأى حلماً رأى الحتفا

لم يبق منهُ غير خاطره                      فبهِ يجيد لهمهِ وصفا

وسجية تملى قوافيهُ                         هي كالزلال العذب أو أصفى

سقت النفوس فأثمرت ثمراً                 لا ينتهي جنياً ولا قطفا

ظنوا الظنون بها لدن سكتتْ              لم يعلموا ما سرها الأخفى

الله في محن بها امتحنت                  لقد اكتفت ولعلها تكفى

ابراهيم ناجي :

يا هاته الأقدار! عينك  لا ترى          تحت الدجى سأمان ممتنع الكرى

ظمآن ،لو باع الأحبةُ قطرةً              بالعمرِ والدنيا جميعاً لاشترى

أخفى جراحك واستغر بفتكها         غريدك الشادي المحلق في الذرى

يرنو إليك على البعاد ويعتلي        فيجره الجرحُ المميتُ إلى الثرى

قد عاش وهو مُعَذّبٌ بإبائهِ             ولقد يلاقي يومه مستكبرا

ابراهيم ناجي:

أمسي يُعذبني ويضنيني                       شوقٌ طغى طغيان مجنون

أينَ الشفاء ولم يعد بيدي                       إلا أضاليلٌ تداويني

أبغي الهدوء ولا هدوء وفي                    صدري عِبابٌ غير مأمونِ

يهتاج إن لجَّ الحنين به                            ويئن فيه أنينَ مطعون

ويظل يضربُ في أضالعهِ                       وكانّها قضبان مسجون

ويحَ الحنين وما يجرّعني                    من مُرِّهِ ويبيت يسقيني

محمود حسن اسماعيل:

مالي أراكِ اليومَ؟.. نارُ الضَّنى                     تكادُ مِنْ عينيكِ تلقي الشَّرَرْ!

رُفاتُ نورٍ فيهما للِمُنى                                 رَغْمَ المآسي عَبقريُّ الحَورْ

ونَعشُ أحلامٍ طواهُ السَّنا                              وسارَ .. لا يعلمُ أينَ المَفرْ

أين؟ ولم تبق الليالي بنا                            من رحمةٍ تأسو جِراح القدر

لا تندبيه عندنا… إنّنا                                   أقسى قلوباً من صَفاةِ الحَجر!

والصوتُ…. ماذا في صَدى نَبْرِهِ؟                أنينُ ثُكلٍ ام تشاجي يتيم؟

شاكٍ أذابَ الرُّوحَ في حَمْرِهِ                       لكنّهُ رَغمَ التَشكّي رخيمْ

ساق مضى بالدّمعِ في دهرهِ                  يسقي الحَزانى من شرابِ الجحيم

لو طافتِ الدنيا على خَمرهِ                     لما صحا في البؤسِ منها نديم

لكنّها صَمّاءُ عن سِحرهِ                          ما يفعلُ الشاكي لِسَمْعِ لئيم؟

وهذهِ الكَفُّ التي ما برى                       مِعْصمها الباري لِغيرِ السِّوارْ!

بيضاءُ كالزّنبق فوقَ الثرى                     ألفتهُ رِيحٌ في هجيرِ القِفارْ

الدُّلُّ سَوَّى حُسْنها مِنْبرا                         يهتزُّ بالليلِ فيُبكي النهارْ

والناسُ مَلُّوا شَدوهُ.. يا تُرى                    لِمن يُنادي يا تُرابَ الدِّيار؟

سائِلةُ القوتِ بهذا الورى                        كُفِّي … فما تلقين إلا الخَسارْ

الثغرُ رَفرافُ الهوى للِقُبلْ                       لكنّها ذابتْ على بؤسهِ

والصّدرُ نامتْ في أساهُ الشُّعلْ              واهتاجَ للِقوتِ لظى حِسِّهِ

والسِّحرُ في الأجفانِ ينعى الأملْ           ويسالُ الخَيبةَ عَنْ رَمسهِ

بنتَ الطوى! دوبي بُكاءً وهلْ                  يومُكَ إلا من صدى امسهِ

سالتها : مابالُ هذا الجمالْ                     أسيانُ في الدّنيا ،حزينٌ ، لهيف؟

ماتَ الهوى في ظِلّهِ والدلالْ                  وفِتنةُ اللمحِ، وسِحْرُ الرّفيفْ

واصفرَّ حتى عادني في الخيالْ              رَيحانة أبلى شذاها الخريفْ

قالت: محا سِحري دُلُّ السُّؤالْ               وخيبةُ الحظِّ  لِحسني العفيف

إن قلتُ: فوتاً! قالَ إثمُ الرِّجال:               بالعِرض لا نَبخَسُ حَقَّ الرَّغيف!

أحمد فتحي ( الرسالة العدد 265):

لاح لي من لِحاظِ عينيكَ سِحرٌ                       بابليٌّ، يستضعِفُ الأقوياء

ودعاني هواكَ فانطلقَ القل                         بُ على وجههِ يُلبِّي النداء

فرَّ من بين أضلعي ينشدُ الحُبَّ                     كما ينشدُ الظماءُ رَواء

وأتاك المسكينُ حالاً من اللو                        عةِ تشكو فصيحة خرساء!

ظنَّ في صمتكَ الرِّضى عن غرامٍ                 كان فيه ،غِواية شنعاء

شفّني الوجدُ والنحولُ وكابد                       تُ غرامي داءً دويَّاً عَياء

وعفا الصبرُ عن لقائكَ حتى                         عَلّمَ العينَ  أن تذوبَ بُكاء

سلك الدّمع من مآقيَّ سُبْلاً                      كنَّ من مَسْلكِ الدّموع خَلاء

زهِدتْ نفسي الصواحبَ طُّراً                     ومَللتُ الحياةَ والأحياء!

وتمنيتُ لو لقيتُكَ يوماً                              وافتقدتُ المعاشرَ الخلصاء

عَلِمَ اللهُ كم سهدتُ الليالي                     أتشهّى الرُّقادَ والإغفاء

يقظاً للخيال،إن طرقَ الطّي                    فُ  رآني بقية وذِماء

ولقد طالما تعللّتُ بالقر                           ب ، فكانت عثلالة حمقاء

كيف أنساكَ يومَ قيلَ مُوافٍ                    يحملُ البُرء قربهُ والشفاء؟!

قلتُ للنفس ها أنعمي بعد بؤسي        جَرّعتكِ النّوى صباحَ مساء

والتقينا أشكو الذي صنعَ الشّو              قُ بقلبٍ تنفسَ الصّعداء

وترتمت على يديكَ دموعي                   قطراتٍ كبيرة حمراء!

وتوسَّلتُ أن تُنهنهَ منها                        فإذا أنتَ لا تجيبُ الرّجاء!

فتهاوت مع المدامع آما                        لٌ تُسامي صُروحها الجوزاء!

وتناثرنَ ،في الأعاصير نقعاً                  حملتهُ ، قويَّة ، هوجاء

عاتبتْ  نفسيَ الحزينة قلبي               في هواكَ الذي أضرَّ وساء

هتفتْ ،ايُّها  المعذّبُ بالخَف                 ق ،تَجشّم هزيمة نكراء

قد حملتَ الغرامَ زَيفاً من الوه               م أضاعَ الشباب عُمراً هَباء

خدعتكَ المُنى اللعوبُ ،وكانت           قِصّةُ الحبِّ ، كذبة بيضاء

شغفتكَ الحياةُ بالحُسنِ ،حُبّاً               فتعشّقتَ دُميَةً حسناء!!

عبد الرحمن شكري:

نفد الدمع على طول البكا                    فاستعار الحب لحمي ودمي

انا والآلام تستهدفني                         نادم لو كان يغني ندمي

قد كرهتُ النوم حتى إنني                    لو أتاني طيفكم لم أنمِ

أحمد رامي :

الصَبُّ تفضحهُ عيونه                وتَنمُّ عن وجدٍ شئونه

إنّا تكّتمنا الهوى                      والداءُ أقتلهُ دفينه

يهتاجنا نوحُ الحمام                وكم يحركنا أنينه

أحمد الزين:

من لقلب بين الجوانح عاني                                 جمع اليأس والمنى في مكانِ

شاعر في الضلوع يخفق بالمع                              نى فيعيا عنه بيانُ اللسانِ

كم خيال له يضيق به اللف                                  ظُ فيسمو إليه بالخفقانِ

وأمانيَّ فيه كالزهر منها                                      ماذوى والقليل في ريعانِ

فهو راث لما ذوى من أماني                                ه، ومستبشرٌ بباقي الأماني

باكياً شَجوه وآنا نراه                                           يتغنى بأعذبِ الألحانِ

قطع العيش بين خوف وأمن                              ورجاء ناء وآخر دانِ

فتراهُ حيناً يلجّ به الوج                                       د وحيناً يلوذ بالسلوان

وتراه يسيل كالماء لطفاً                                    وتراهُ كالنارِ في الثورانِ

صامتٌ وهو لا ينى عن حديثٍ                            مطمئنٌ في ثورةِ البركانِ

يا لسلطانهِ القوي ولا شئَ                               عليه في الأرض ذو سلطان

لا تلمني إذا تبعتُ هواه                                    هو بعضي وآخذ بعناني

كم حداني إلى هوىً لم يدعني                           فيه أصغي لفكرتي وجناني

قادني للهوى ولو كان يدري                              ما يلاقيه في الهوى لنهاني

لَجَّ فيه فكان شراً عليه                                       ليتني قد عصيته إذ عصاني

عصف الحب بالقلوب  فقلب الل                         يث في حربه كقلب الجبان

مضغةٌ في الضلوع يؤلمها المسُّ                        غدت نهبةً لصرف الزمانِ

فوق موج الآلام تذهب حيرى                               كسفين تسرى بلا ربان

فهي بين الأحزان تفنى ويحي                             يها خيالُ التعليل والنسيان

جَلَّ من صاغها ميولاً وأهوا                             ء ولم يعد طينة َ الإنسان

وبراها من المائك نوراً                                      تتراءى في صورة الجثمان

فهي بين الضلوع لا تملأ الكف                             وفيها صحيفة الأكوان

هاشم رفاعي:

قِفا حدِّثاني هل أصابكما وجدُ                   وهل أسهدت في الحبِّ عينكما هندُ

وهل ذُقتما نارَ الهوى ولهيبهُ                     كما ذاقها صبٌ أضرَّ بهِ السُّهدُ

فإن لم تكونا تعرفان من الهوى                 سوى لفظه،بشرى فذاك هو السعدُ

فإنَّ الهوى داءٌ إذا ملك الفتى                    أمسى وأضحى وما من قتلهِ بدُّ

خليليَّ رِفقاً لا تلوما فإنّني                       جُننتُ بها حباً وأهلكني الصدُّ

أبيت بليلٍ لا أذوق منامَهُ                          وأصحو فلا أدري إلى أيها القصدُ

إذا مرّتِ النسماتُ خلتُ عواصفاً               وإن غرّدَ العصفورُ أحسبهُ الرعدُ

مصيري وربّي مثلُ قيس بن عامرٍ              لمّا نأتْ ليلاهُ أهلكهُ البُعدُ

سأقتلُ نفسي إن أبت هي وصلها           وإن هي جادتْ كان عيشي إذاً رغدُ

وما للفتى ذنبٌ إذا هزّهُ الهوى                وأضناهُ من يهوى وأرهقهُ الوجدُ

سلامٌ على قلبي إذا طالَ هجرُها          سيفنى ويمضي حيثُ يجمعنا اللّحدُ

مختار الوكيل(الرسالة العدد 57):

لا تقل يا طبيب إنكَ ماضٍ                      بشحوبي ولوعتي وذبولي

حبذا الضعف والهزال دواءً                   لفؤاد المُشرّد المتبول

إيه يا لحظة الوداع لقد جُرتِ              على المُدنف الطريد العليلِ

قبلاتٌ مسكوبةٌ في سكون                وعناقٌ في ضجّةٍ وعويل

ودموعٌ ممزوجةٌ بدمٍ يجري                من القلب مستفيض الهطول

وزفيرٌ يكاد يحرقُ أحشاءَ المُعنّى          من وقدهِ والغليل

وذراعٌ هوت تعانق خصراً                 صِيغَ من تربة الضّنى والنحول

ويدٌ في يدٍ تسرّان أشياء                  بضغطٍ مُحبَّبٍ وذهول

وعيونٌ تقصُّ بالنظرِ الفاترِ               أقصوصة الغرامِ الجميل

وتنض الآمال تاجاً من السحر          على مفرق الزمان الجهول

حين سار القطار طارَ صوابي          وتمايلتُ في ذهولٍ طويل

وطغت عِلّتي وجُنَّ جنوني            ووهت قوّتي وضلَّ سبيلي

لا تقل يا طبيبُ إنك ماضٍ             بشحوبي ولوعتي وذبولي

ثغرها يا طبيب طِبّي فعجّل           ببواكير ريقهِ المعسولِ

ايليا أبو ماضي:

سَلوها لماذا غَيَّرَ السُّقمُ حالها؟                       تُرى شُغِفَتْ حُبَّاً وإلا فما لها

تبدَّلَ ذاكَ الوردُ بالوَرس،وانطفئ                     سناها ، ورَقَّتْ فهي تحكي خيالها

أظِنُّ هوى الغزلان قد هَدَّ حَيلها                       فإني رأيتُ الرّيمَ يوماً حِيالها

تُناجيهِ سِرَّاً وهي في زيّ والهٍ                        فخلتُ أخاها كان أو كان خالها

فيا حُبُّ غَلغِلْ في صميمِ فؤادِها                     وياربِّ لا تُعطِفْ عليها غَزالها

ولكن أرِحها بعضَ حين فإنني                         شمتُّ بها والقلبُ يأبى زوالها

ومنْ حَبَّ لم يُبغِض ولو حَبَّ هاجراً                  فقد رَقَّ قلبي مذ رأيتُ هِزالها

عسى أنّها من بعد أن ذاقتِ الهوى                 تنوحُ على من كانَ يهوى جمالها

وتذكرُ إذ كانت وللِحسن عزَّةٌ                        نرى مُهَجَ تاعُشَّاقِ صرعى قِبالها

فتبكي زماناً فيهِ أبكت بصدِّها                        عُيوناً تولاها الأسى فأسالها