العدوى بين الطبّ والإسلام

العدوى بين الطبّ والإسلام

عناصر الموضوع :

تعريف علم الوبائيات

شروط العدوى : العوامل الممرضة

الثوي (المُضيف)

طرق الانتقال

سبل الانتقال

الإسلام والقواعد الصحية في التقليل من حدوث العدوى:

اولاً: العدوى عن طريق الجهاز التناسلي

ثانيًا :عن طريق جهاز الهضم

ثالثاً: عن طريق الحيوانات

رابعاً:  عن طريق الجهاز التنفسي

خامساً: عن طريق الجلد

مفهوم العزل الصحي

مفهوم الحِجر الصحي

مشيئة الله شرط في حدوث العدوى

الإعجاز الطّبي  في السّنة النبوية: مثال مرض الطاعون

(يراجع بشكل مفصل في بحث أمراض موصوفة بين الطب والدين في الموقع)

عيادة المريض بين السّنة النبوية الشريفة  والطب

(يراجع بشكل مفصل في الموقع في مكان آخر)

التوعية الصّحية

 

علم الوبائيات:

وله تعريفات عديدة ومنها:

انّهُ الفرع من العلوم الطّبية الذي يعُالج الأوبئة كما جاء في قاموس اوكسفورد، أو أنّهُ الفرع من الطّب الذي يَستقصي أسباب وطريقة السيطرة على الأوبئة كما جاء في قاموس ويبستر، أو انّهُ العلم الذي يَدرس ظاهرة الأمراض الإنتانية في المجتمع ، وبالتالي فإنَّ هذا العلم له ثلاثة أهداف رئيسية:

أولاً: وصف لتوزعِ  ولأهميّة المشكلات المتُعلقة بالصّحة والمرض في المجتمع

ثانياً: تحديد العوامل والأسباب التي تؤدي لحدوث الأمراض والأذى في المجتمع

ثالثاً: تقديم مايتُطلب على مستوى السريريات في كل مايتعلق بالوقاية والتشخيص والمعالجة والإنذار

مقدمة:

يقول الأستاذ عادل البكري(مقال بعنوان الطب الوقائي عند العرب نشره في أحد أعداد مجلة المجمع العلمي بدمشق):

“وكان العرب قد توصلوا إلى اكتشاف العدوى وذكروها في كتبهم بعد دراسة وتجربة.فابن سينا أشار إليها في كتاب”القانون”وإلى انتقال الأمراض بالماء والتراب,وذكر العدوى في مرض السلّ الرئوي.كما أن الرازي ذكر العدوى ووصف دائي الجدري والحصبة والعدوى بهما.

وتعرض محمد بن أبي بكر بن القيم لعدوى السلّ أيضاً وقال بأنه يعدي إذا كانت الطبيعة سريعة الانتقال قابلة للاكتساب من أبدان تجاوره وتخالطه.وهو يقسم العدوى إلى ثلاثة أقسام:عدوى بالتماس وعدوى بالهواء وعدوى بالوهم.

أما ابن الخطيب الأندلسي فقد جزم بوجود العدوى ،فقد لاحظ مراراً أن من خالط المرضى المصابين بمرض سارٍ ابتلي به،ومن لم يخالطهم نجا من العدوى.

ووضع الطبيب العربي ابن البيطار رسالة دعاها(مقنعة السائل عن المرض الهائل) دافع فيها عن نظرية العدوى بمناسبة انتشار مرض الطاعون في أوربا في منتصف القرن الرابع عشر،ووقوف أوروبا حياله مكتوفة الأيدي.

وقد وضع العرب أول نظام للحجر لمنع انتشار الأوبئة.(وهذا ما سنتكلم عنه لاحقاً بإذن الله)”.

وقد قال الشيخ الطبيب ابن سينا في كتاب”القانون”:

“ومن الأمراض أمراض معدية مثل الجذام والجرب والجدري والحمى الوبائية والقروح العفنة،وخصوصاً إذا ضاقت المساكن، والرمد…”.

شروط العدوى:

إنَّ العدوى هي إتصال العوامل المُمرِضة: ونعني بها الجراثيم أوالفيروسات (الحُمّات الراشحة) أوالطُفيليات مع الإنسان الصحيح السليم المعافى وإحداث الإصابة المرضية لديه، أو أن يحمل هذه العوامل الممرضة في جسمه وينقل الأمراض لغيره بدون أن تظهر عليه أعراض المرض وهو مايسمى طبّياً بحامل المرض .

ماهي العوامل الممرضة؟

هي قد تكون جراثيماً: مِثلَ عُصياتِ كوخ المُسببة للسل الرئوي أو عُصّيات يرسين المسببة لمرض الطاعون، أو ضُمات الهيضة التي تُسبب داء الهيضة (الكوليرا) أو المزدوجات الرئوية التي تُسبب ذات الرئة، أو مُحبات الدم للنزلة الوافدة التي تسبب الألتهابات الرئوية والقصبية الحادة، وغيرها من الجراثيم …

أو قد تكون حُمّات راشحة أي  فيروسات تُسبب أدواءً مثل النزلة الوافدة (أي الانفلونزا ) أو الفيروسات الأخرى التي قد تسبب أدواءً أخرى مثل الجُدري أو الحُماق (جدري الماء) أو الحصبة أو شلل الأطفال وغيرها من الامراض الفيروسية الأخرى .

اوقد تكون من الطُفيليات التي تُسبب أمراضا: مثل داء الجرب او داء الإسهال المسمى بالزحار المتحولي (الأميبي) تمييزاً له عن الزحار الجرثومي، أو أدواء الديدان بمختلف أشكالها  وأنواعها .

وهناك عوامل مُمرضة أُخرى ومنها مايُسمى المتدثرات (أي الكلاميديا) وتسبب داء الحُثار أي التراخوما، وداء الببغاء، وبعض اشكال التهاب الإحليل والمجاري البولية..

وهناك مايسُمى المتُفطرات (أي الميكوبلاسما) وتُسبب ذات الرئه اللانموذجية، أو التهاب الاحليل اللابُني (تمييزاً له عن التهاب الإحليل البني أو مايُسمى بداء السيلان).

وهناك مايسُمى الريكتسيا والتي تُسبب الحمى النمّشية..

الثوي أو المضيف:

وهو الذي يَحفظ العوامل الممرضة ويسُمى ايضاً المُضيف، وفي جسمهِ تتكاثر هذه العوامل الممرضة وتنمو .

والثوي: قد يكون فقط الإنسان: كما في داء الُجذام أو قد يكون الحيوان ويُصاب الإنسان عَرضاً كداء الكيسات المائيه أي داء المُكورات الشّوكية) حيث الثوي هنا الكلب ويُصاب الإنسانُ عَرضاً بالتماس مع هذه الكلاب الحاملة للعوامل المُمرضة، أو قد يكون الثوي القط والذي ينقل إلى الإنسان داء المُصورات القوسية (اي مايُسمى التوكسوبلاسما)، وقد يكون الثوي الإنسان والحيوان معاً  كما في داء السل

طرق الانتقال:

يتم انتقال العامل الممُرِض الى المُضيف الجديد عن عدة طرق:

مُباشرةً من إنسانٍ مريض، أو حاملٍ للمرض إلى إنسانٍ سليم بالإتصال المباشر مثلا عن طريق اللمس، أو الإحتكاك أو التقبيل، وغيرها وهذا مايُشاهد في الأمراض الجنسية  والصدرية مثل الانفلونزا  والتهابات الرئة..

أوغير مُباشر عن طريق الماء الملوث كما في داء الكوليرا، أو الغذاء الملوث كما في الحمى التيفية (التيفوئيد) والتسممات المعويه، أو عن طريق الحوائج الملوثة كما هو الحال في داء الجرب والقمل، أو عن طريق الإفرازات أي البول والبراز والبصاق والقشع ، أو عن الحشرات وهذه تَنقل العوامل الممرضة بما يسُمى بالنقل الآلي الفيزيائي حيث تكون العوامل الممرضة مُعلقّة مثلا بأجنحتِها ، أو أرجلها ، أو فمها، وتضُعها على الأشياء التي تمَسّها أو ياكل أو يشرب منها الإنسان ، وهذا ينطبق بشكل خاص على الذُباب، أو أنَ الحشرات تَنقل العوامل الممرضة في معدتها أو غُدّدها وتُوصِلُها إلى الجسم البشري عن طريق القرص او اللدغ وهذا مايُشاهد خاصة بأمراض الملاريا  (البرداء )عن طريق البعوض، وداء الطاعون عن طريق البراغيث.

سبل الانتقال:

أولاً: عن طريق الهواء: وهذا مايُشاهد في أدواء الفيروسات المُسببة لبعض الأمراض التنفسية مثل الإنفلونزا والرشح والحصبة والنكاف، وبعض أمراض الجراثيم مثل السل والتهاب السحايا والدفتريا (أي مرض الخناق) وداء السعال الديكي ، أوالتهابات الرئة الجرثومية أو الفيروسية…

ثانياً : عن طريق البراز الملوث: وهذا مايُشاهد في الاصابة بأمراض مثل الحُمّى التيفية والكوليرا (الهيضة)، والزحار بنوعيهِ: الجُرثومي والمتُحّولي (الأميبي) ، وادواء الديدان، وشلل الاطفال، والتهاب المعدة والأمعاء ، والحُمّات المِعوية، والتهاب الكبد الإنتاني ..

ثالثُا: عن طريق الغذاء الملوث: ويُسبب الإصابة بالحُمّى  التيفيه ونظائرها،  وداء الشيغيللا الزحاري (الزحار الجرثومي)، وسل البقر، وأدواء الديدان .. وهنا يَذكر التاريخ الطّبي ما يُسّمى حادثة ماري الطباخة، وكانت تعمل وتخدم في بيوت الناس وتحُضّر لهم الطعام، وكانت حاملةً لجرثوم التيفوئيد في برازها (بدون أن تظهر عليها الأعراض السريرية)، ولعدم سلامة نظافتها نقلت المرض الى أربعين شخصا ممن كانت تُعِدُّ لهم الطعام !!

رابعاً: عن طريق التماس الجلدي: كما هو الحال بالإصابة بأمراض القمل والجرب والجمرة والحُماق (جدري الماء)، والجدري وغيرها…

خامساً: عن طريق الإتصالات الجنسية: كما هو الحال في الأمراض الجنسية: مثل الإفرنجي(داء الزهري)  والسيلان، والإيدز، وبعض اشكال التهاب الكبد الفيروسي ..

سادساً: عن طريق البول الملوث : كما هو الحال في داء البلهارزيا ، والتيفوئيد..

سابعاً: عن طريق الحشرات: كما هو الحال في امراض البرداء أي الملاريا، والداء الاسود، ودُمّل الشرق أي أدواء اللايشمانيا، وداء النوم الإفريقي، وحُمّى الضَنك، والحُمّات النمشية… فالبعوض ينقل مثلاً: الملاريا والُحمّى الصفراء وحُمّى الضنك . والحشرات المُسماة الفواصد تنقل الداء الاسود ودمل الشرق (أدواء اللايشمانيا). واللواسن تنقل داء النوم وهي من أنواع الذُباب .

كما أن القمل ينقل داء القمل بانواعه المختلفة، وأدواء الحُمّات النمشية أي أدواء الريكتسيا.

والبق ينقل داء شاغاس والقُراد ينقل الحُمّيات النَمشية والحُميّات الراجعية

ثامناً: عن طريق الحيوانات:

فالكلاب: تنقل مثلاً داء السُّعار( اي داء الكَلب) وتنقل داء العدر(أي الكيسات المائية الشوكية) وتنقل ايضا الداء الأسود (أي الكالازار )، وتنقل التوكوبلاسما، ودُمّل الشرق، والامراض الجلدية الفطرية…

وأما الخنازير فتنقل داء الشعرية الحلزونية (أي التريشونيات ) وداء الشريطية المُسلسلة (اي أدواء التينيا)، والزقيّات القولونية (أي أدواء البالاتيدا)، وربمُّا الحُمّى المالطية..

وأما البقر: فيمكن أن ينقل أدواء الشريطية المنجعة (أي ادواء الديدان الساغيتا ) والحُمّى المالطية، والسل الهضمي ..

واما القطط: فتنقل أدواء مثل: داء المصورات القوسية (التوكسمو بلازما)، ودُمّل الشرق  وداء خمشة القطة ، والكيسة المائية ، وبعض الأمراض الجلدية الفطرية..

وأما العواشب مثل الخيل والماشية: فإنها تنقل الجمرة الخبيثة، وداء الكُزاز عن طريق روث الخيل، وداء الرعام (المسمى غلاندر)

وأما القواضم : فإنَ الجرذان تنقل الطاعون، وداء وايل (أي التهاب الكبد النزفي) وحُمّى عضة الجرذ..

وأما الارانب : فتنقل أدواء التولاريميا

والطيور: تنقل أدواء الطيور أو ما يسمى داء الببغاء

والقرود تنقل شلل الاطفال، والحُمّى الصفراء..

تاسعاً: عن طريق نقل الدم الملوث : حيث تحدث الإصابة بأمراض مثل الإيدز، الملاريا والتهاب الكبد الفيروسي، والافرنجي

الانسان ونقل الامراض:

يلعب الإنسان الدور الرئيسي والبارز في نقل معظم الأمراض الأنتانية ولا ينازعه في هذا أي مَعين أخر وهذا ذو اهميه خاصة إذ أن مُكافحة الامراض التي يُشكل الإنسان المَعين الرئيسي لها والوحيد فإّنه يعني إمكانية القضاء عليها، ومن هذه الأمراض نذكر مرض الجدري حيث لم تعد تُشاهد اصابات فيه منذ تطبيق اللقاح  المناسب،  ومن الامراض التي يشارك الانسان وحده في نقلها بين ابناء جلدته نذكر الأمراض الجنسية، والحصبة والوردية الوافدة (أي الحميراء أو مايسمى الحصبة الألمانية)، والنكاف، والحماق  والشاهوق (أي السعال الديكي)، والحُمّى القرمزية والخانوق(اي الدفتريا ) والتيفوئيد..

وتدل الإحصائيات أن بعض الامراض قد تراجعت تماما في العالم الصحي المتقدم وان بعضها قد انقرض تماما فيه مثل الطاعون والكوليرا والحُمّى النمشية والجدري والخانوق  وشلل الاطفال والتيفوئيد  والحصبة..

الإسلام والقواعد الصّحية في تحديد نشر العدوى:

الأمراض التي تنتقل عن طريق الجهاز التنفسي :

إنَ هناك الكثير من الأمراض يتم انتشارها عن طريق الجهاز التنفسي وهذا اما أن يكون مباشرةً او غير  مباشر.

فالمباشر : يعني وجود تماس مباشر مابين الإنسان المريض المصاب والآخر السليم القابل للعدوى، والإصابة هنا تحدث إمّا بالعطاس،  وهذا مايشاهد خاصة بأمراض الرشوحات  والاتفلونزا، أو بالسعال وهذا يشاهد خاصة في السل ، والشاهوق (السعال الديكي) أو باللعاب وهذا يشاهد خاصة في النكاف وذات السحايا بالمكورات السحائية، أو التقبيل مباشرة من الفم للفم .

وأمّا  غير المباشر: فإنّهُ يتم: عن طريق البصاق واللعاب، وخاصة في داء السل .. وقد أتت التعاليم الصحية من خلال القرآن الكريم والسّنة النبوية المطّهرة إلى الحض على إتباع التعاليم الصحيّة وتطبيقها وهذا له دور كبير في التخفيف من حدوث تلك الأمراض وانتشارها  نذكر منها:

عن أنسٍ رضي الله عنه  أنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: “البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها “[ متفق عليه رواه الشيخان].

وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : “عرُضت عليّ أعمالُ أُمتي حَسنُها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها  الأذى يمُاط عن الطريق ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن” [رواه مسلم]

(والمراد بدفنها إذا كان المسجد تراباً او رملاً او نحوه فيواريها تحت التراب ، وأما إذا  كان المسجد مبلطا أو مجصّصاً فدلكها عليه بمداسه أو بغيره كما يفعله كثير من الجهال فليس بدفن، وانما تكثيرُ للقذارة في  المسجد ، والأصل ان يمسح ذلك بواسطه منديل او بغيره أو يغسل موضع البصاق).

وقوله صلى الله عليه وسلم دفنها فيه كثير من الإعجاز لأنَ الكثير من الجراثيم والفيروسات وخاصة جراثيم عصيات السل تحتاج الى الهواء ، ودفنها اي منع الاوكسجين عنها يُقلّل من تكاثرها ونموها .

وفي حديث أخر لاُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم  رأى في جدار القبلة  مُخاطا او بُزاقا  او نخامة  فحكّه” [متفق عليه ].

(النخامة: اي القشع مايخرج من الصدر )

وعن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر وإنّما هي لذكرِ الله تعالى وقرآءة القرآن” [رواه مسلم].

ونهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن العطس في وجوه الناس وكان صلى الله عليه وسلم  إذا عطس غطّى وجههُ بكفيهِ أو بطرف ثوبه .

وعن أبي ذرّ جُندب بن جنادة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: “عُرِضَتْ عليَّ أعمالُ اُمتّي حَسنها وسَيئها فوجدتُ في محاسنِ أعمالها الأذى يمُاط عن الطريق ، ووجدتُ من مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد ولا تُدفن “[ رواه مسلم وعن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه] قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم من  إختناث الأسقية” [متفق عليه ].

( واختناث الأسقية: يعنيأن تُكسر أفواهها ويشُرب منها، والحديث الشريف يُبين كراهية الشرب من فم الإناء مباشرة) .

وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال :نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم “أن  يشرب من فيّ السقاء او القربة “[متفق عليه].   (في : فم)

وعن أبي سَعيدٍ الخُدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشرب فقال رجل : القَذاة أراها في الإناء ؟ فقال أهرقها ، قال إني لا أروى من نفَس واحد ، قال فابِنْ القدح  إذاً عن فِيك” [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].

(معنى أبِنْ القدح: أي أبعد الكاس عن فمك إذا أردت  الشرب أكثر من جرعة،والقذاة:مايسقط في الإناء من أوساخ، فإذا وجد الإنسان قذاة ونحوها في الماء فليرقه ولايزيلها بالنفخ حتى لايزيل الضرر بضرر أخر).

وعن إبن عباس رضي الله عنهما أنَ النبي صلى الله عليه وسلم“نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه “[ رواه الترمذي وقال حسن صحيح .

وفي الحديث الشريف: “إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء ثم ليعد إن كان يريد”رواه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه ورمز السيوطي لحسنه في الجامع الصغير].

إن هذه الأحاديث تنهي عن التنفس في الإناء وعن النفخ فيه لمنع تغير رائحة الإناء، ووصول لعاب الإنسان ورذاذ فمه وما يمكن أن يحمله من جراثيم وفيروسات ممرضة وربما كان حاملها صحيحاً غير مريض، فإذا كان الشارب شديد العطش لايرتوي بتنفس واحد فليبعد الإناء عن فيه ليتنفس خارجه ثم ليعد للشرب من جديد.

ومن المفيد صحياً أن يعتاد الإنسان الشرب على ثلاث دفعات ، يتنفس في نهاية كل دفعة خارج الإناء مقتدياً بالسنة النبوية الطاهرة، وإن هذا أفضل للمرء حيث يكون الشرب أمرأ أي أسهل انسياغاً فلا يشرق بالماءن وأكثر رياً للشارب مما لو تجرع جرعة واحدة، وهو أفضل من الناحية الصحية والطبية، عن أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثاً ويقول إنه أروى وأبرأ وأمرأ، قال أنس : فأنا أتنفس في الشراب ثلاثاً. [رواه الشيخان واللفظ لمسلم]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدنى الإناء إلى فيه يُسمي الله، فإذا أخره حمد اله، يفعل ذلك ثلاثاً.[ أخرجه الطبراني في الأوسط بسند حسن كما في فتح الباري] .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله”وفي هذا الشرب حِكم جمّة، وفوائد مهمة، وقد نبّه صلى الله عليه وسلم على مجامعها بقوله:إنه أروى وأمرأ وأبرأ”، فأروى: أشدّ رياً وأبلغه وأنفعه،وأبرأ:افعل من البرء وهو الشفاء، أي يبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة دفعات فتسكن الدفعة الثانية ماعجزت الأولى عن تسكينه، وأيضاً فإنه أسلم لحرارة المعدة وابقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة،وأيضاً فإنه اسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع مايُروي دفعة واحدة، وقوله هو أمرا هو أفعل من مرئ الطعام والشراب في بدنه: إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع ومنه” فكلوه هنيئاً مريئاً”، هنيئاً في عاقبته، مريئاً في مذاقه.

الأمراض التي تنتقل عن طريق جهاز الهضم :

إنّ هناك الكثير من الأمراض المُعدية التي يتم انتشارها عن طريق الجهاز الهضمي وهذا اما ان يكون :

أولاً: بواسطة التماس المبُاشر مع مفرغات المريض أي البراز أو غير المباشر عن طريق تلوث الغذاء والشراب بالبراز والتلوث بالبراز يكون غالبا بسبب تلوث اليدين وخاصة عدم الاعتناء بنظافتهما بعد التغوط مثلا.

إذًا أهمُ الأسباب لإنتقال العدوى إلى الجهاز الهضمي هو عن طريق تلوث اليدين.

ثانياً: تلوث الطعام

ثالثاً: تلوث الشراب

رابعاً: عن طريق الحشرات وخاصة الذباب والصراصير.

وجاءت السنة النبوية  المطّهرة قولاً وفعلاً وتقريراً للحدِّ من انتشار هذه العدوى

أولاً: نظافة اليدين وخاصة في الحالات التالية:

عند  الإستيقاظ من النوم : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:”إذا استيقظَ أحدُكمْ من نومه فلا يغمسُ يدهُ في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً  فإنَّهُ لا يدري أينَ باتتْ يده“. [رواه الشيخان عن ابي هريره رضي الله عنه ].

قبل تناول الطعام وبعده: قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم: “بركةُ الطعام الوضوءُ  قبله والوضوءُ بعده”.   [رواه أحمد وأبو داوود والترمِذي ورمز السيوطي لحسنه ].

(والوضوء هنا بالمعنى اللغوي اي غسل اليدين)

عند ملامستهما لاي شئ قذر:  وخاصة بعد التّبول والتبرّز  (وسوف نتكلم عن هذا مفصلًا عند الحديث عن الاستنجاء)

أما القواعد الصحية  فيما يتعلق بنظافة الطعام والشراب ومصادر المياه:يأمر الإسلام بنظافة إناء الطعام وغسله عدة مرات، وكان العرب لايعرفون الصابون، فيأمرهم باستعمال التراب في دعك الإناء لإزالة بقايا المواد الدهنية من جوانبه،كما يأمر الإسلام بعدم ترك الطعام والشراب مكشوفاً حتى لايتعرض للغبار أو الذباب أو الحشرات ،ونذكر من الأحاديث الشريفة هنا:قال صلى الله عليه وسلم :”غَطُّوا الإناء وأوكّوا السّقاء ، فإنَ في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لايمرُ بإناء ليس عليه غماء ، أو سقاء ليس عليه وكاء ، إلا نزل فيه من ذلك الوباء”. [رواه مسلم].

إن في هذا الحديث من الإعجاز العلمي في قوله صلى الله  عليه وسلم “إن في السنة ليلة ينزل فيها وباء”وهذا ما نشاهده حالياً حيث تحدث بعض الأوبئة في مواسم معينة من السنة وربما تحدث بعض الأوبئة في دورات معينة من السنين وهذا ما لاحظناه أخيراً في داء الانفلونزا وكذلك ادواء بعض الفيروسات الموسمّية والفصلية

وحديث “ اوكّوا قربكم واذكروا اسم الله وغطوا آنيتكم  واذكروا اسم الله”،وحديث ثالث “ أطفئوا المصابيح إذا رقدتم وغلقوا الأبواب وأوكّوا الأسقية وخمرّوا الطعام والشراب ” [رواه البخاري] .

(وخمروا هنا بمعنى غطوا)

وحديث جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “غطوا الإناء ، وأوكّوا السقاء ، وأغلقوا الأبواب، واطفئوا السراج ، فإنَ الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح بابا ، ولا يكشف إناء ، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عوداً ويذكر اسم الله فليفعل  فان الفويسقه تضرم على اهل البيت بيتهم  “[رواه مسلم ].

و(الفويسقه الفار)

ويجب بشكل خاص على أصحاب ومحلات بيع اللحوم والبقالة والمطاعم وبيع الخضروات والفواكه أن يستجيبوا بشكل خاص لهذه التوجيهات النبوية الشريفة، ولكن مانشاهده وللأسف أن كثيراً من الباعة يتركون الطعام والشراب مكشوفاً إما جهلاً أو كسلاً معرضين حياة الناس للإصابة بالأمراض والتي قد تكون وخيمة وذات عقابيل مرضية خطيرة وخاصة على الأطفال والمسنين

وحديث “اتقوا الملاعنَ الثلاثة البراز في الموارد وقارعة الطريق والظِّل ” [رواه ابو داوود عن معاذ بن جبل].

وحديث” اتقوا اللاعنين قيل: وما اللاعنان ؟قال: الذي يتخلى في طريق الناس او ظِلّهم“.[ أخرجه مسلم وابو داوود عن ابي  هريرة رضي الله عنه] .

(  ومعنى اللاعنين أي الأمر الذي  يجلب لعنة الناس)

وحديث “لا يُبولّن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه ” [رواه الشيخان عن ابي هريره] .

وحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم “نهى أن يُبال في الماء الراكد “[رواه مسلم ].

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لايغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب، قالوا كيف يفعل يا ابا هريرة قال يتناوله تناولا. [أخرجه مسلم والنسائي]، وقال صلى الله عليه وسلم:لايبولن أحدكم في الماء الدائم ولايغتسل فيه من الجنابة” [رواه أبو داود].

فهذه الأحاديث جميعها تُحرِّم التبول والتغوط في الموارد وخاصة الماء الراكد ، الذي هو أنسب بيئة لنمو الجراثيم والطفيليات وخاصة المتعلقة بداء البلهارزيا والذي تنتقل الطفيليات فيه عن طريق الجلد وتسبب داء البلهارزيا الذي ينتشر في كثير من الدول العربية وخاصة مصر، كما نهى عن التبول والتغوط في الظِّل ، وهي أماكن استراحة الناس، وهذه الأماكن ولأنها لاتتعرض لأشعة الشمس فإنه يسهل فيها نمو الجراثيم والطفيليات وتكاثرها.

إن تلوث الماء ببراز الإنسان يكون واسطة للعدوى ببعض الأمراض عن طريق شرب هذا الماء أو تلوث طعام الإنسان وشرابه بهذا الماء الملوث، أو عن طريق السباحة في هذا الماء ودخول العوامل الممرضة عن طريق جلد الإنسان كالبلهارزيا وإحداث الإصابات والأمراض، وأهم الأمراض المنقولة هنا الأنتانات المعوية مثل الحمى التيفية والزحار والهيضة.. وكذلك الإسهالات الطفيلية مثل الزحار الأميبي وداء اللامبليا وأدواء الديدان المعوية مثل حيات البطن وشعرية الرأس والحرقوص..وكذلك فإنه يمكن لبعض الطفيليات كالبلهارزيا أن تدخل عن طريق الجلد ولذا الحذر من السباحة أو الاغتسال في الماء الراكدوالنهي عن التبول فيه كما جاء في الأحاديث السابقة.

الأحاديث النبوية المتعلقة بمنع اقتناء الكلاب :

ذكرنا أنَ الكلاب قد تكون مصدراً لنقل الكثير من الامراض الخطيرةوخاصة داء السُّعار اي داء الكَلَب وأدواء الكيسة المائيه التي تنتشر في الرئة  والكبد والدماغ، وغيرها من الامراض الأخرى .

وهناك كثير من الاحاديث التي  تنهي عن اقتناء الكلاب ولعلَّ من أشهرها ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لاتصحب الملائكة رفقة فيها  كلب أو جرس “[رواه مسلم] .

والحديث الاخر المشهور” إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات إحداها بالتراب

إن الأحاديث النبوية توضح تحريم اقتناء الكلاب لغير حاجة، وإنما يجوز ذلك في حالات خاصة كالصيد ، أو الحراسة للمواشي والزرع والبيوت اذا لزم الامر ، وإن اقتناء الكلاب لغير حاجه  ينقص الثواب ويعُرِّض للعقاب .

وفيما يتعلق بحديث”إذا ولغ الكلب في إناء احدكم” يقول الإمام الأكبر الدكتور محمود شلتوت أحد أئمة الأزهر الشريف رحمه الله “فهم كثير من العلماء أن العدد في الغسل مع الترتيب مقصودان لذاتهما فاوجبوا غسل الإناء سبع مرات، كما أوجبوا أن تكون احداهنّ بالتراب، ويتابع: ” ولكن الذي نفهمه هو الذي فهمه غيرهم من العلماء وهو أن المقصود من العدد مجرد الكّثرة التي يتطلبها الإطمئنان من زوال أثر لعاب الكلب من الأنية،وأن المقصود من التراب استعمال ماده مع الماء من شأنها تقوية الماء في ازالة ذلك الإثر، وإنما ذُكرَ التراب في الحديث لانه الميسور لعامة الناس، ولأنه كان هو المعروف في ذلك الوقت كمادة قويّة في التطهير واقتلاع ما عساه يتركه لعاب الكلب في الإناء ،ومن هنا  نستطيع أن نقرّر الاكتفاء في التطهير المطلوب بما عرفه العلماء بخواص الاشياء من المطهرات القوية وإن لم تكن ترابا”. انتهى كلام الشيخ رحمه الله .

ولا باس من أن نعرِّجَ قليلاً على أهمّ ماتُسببه الكلاب من أمراض :

اولًا : داء السُّعار ويُسّمى أيضاً داء الكَلَب:

هو داءٌ تُسبّبه حُمّى راشحة أي فيروس يُصيب بشكل خاص الحيوانات ذات الدم الحار وخاصة  الكلاب ، والثعالب ، والخفاش .

وهو ينتقل للإنسان عن طريق عضّ هذه الحيوانات له او عن طريق لعاب هذه  الحيوانات ، اذا لامس جلداً مَسحوجاً او مرضوضاً،وهولا ينتقل عن طريق الغذاء أوجهاز الهضم .

يكون الفيروس مستقراً عند الحيوان في الغُدد اللعابية وبالتالي يكون اللعاب مُلوثًا به ويكون الحيوان المصاب بالمرض عُدّوانيا  مَسعوراً يميل لمهاجمة الناس والحيوانات الاخرى.

ومن أهّم الأعراض عند الإنسان المصاب :

الخوف من الماء  بسبب تشنج عضلات البلعوم والمري عند ملامسة الماء لها . والمرض إن لم يعالج سريعا ينتهي بالوفاة.

ثانياً: داء الكيسة الشوكية وتُسمى أيضًا الكيسات المائية:

تُسببُه دودةٌ من نوع الشريطيات تُسمى الشوكاء الحُبيبية،تعيش عادة في أمعاء الكلاب والذئاب،وعن طريق البراز الملوث لهذه الحيوانات وخاصه في الحقول والخضار فاذا تناول الإنسان أوالحيوان هذه الأطعمة الملوثة فإنَ أجنة هذه الديدان تجتاز جدار الأمعاء لتتوضع في الكبد أو والرئة والدماغ والعظام، أو أي مكان آخر في البدن ، وهذه الكيسات تسبب اعراضا موضعية حسب مكان توضعها ولا بد من استئصال هذه الكيسات جراحياً .

أضِفْ إلى ذلك ماتُسببهُ الكلاب من أمراض جلدية فطرية، وكذلك تسبب الكلاب امراضاً تحسسية وخاصه داءالربو التحسّسي  والتهابات الأنف التحسسية…

أضف إلى ذلك إصابة الآلاف وخاصة في اوروبا وامريكا من عضَّات الكلاب وتذكر بعض التقارير اصابة مالا يقل عن نصف مليون فرنسي بعضّات الكلاب سنويا وثلث هذا العدد من الأطفال الصغار وقد تكون اصابات خطيرة، وخاصة اذا كانت في ناحية الوجه، أضف إلى ذلك ماتسُببه هذه الكلاب من الأوساخ حيث تقول مثلاً احدى الصحف الالمانيه أن عدد الكلاب في برلين يتجاوز المائه الف وهي تترك من البراز والفضلات مايزيد وزنه عن ستة عشر طنا يوميا

العزل الصحّي والحِجر الصِحّي

العزل الصحيّ:

ونعني به عزل المريض المصاب بمرض معدي عن غيره من الأصّحاء ، أي منع كل اتصال بين المريض المُصاب بمرضٍ سارٍ مُعدي وبين المحيط الذي يعيش به حتى يزول خطر العدوى.

ويجب أن يكونَ العزلُ صارمًا شاملًا للمريض، وكل مايمكن أن يكونَ وسيلةً للعدوى، كحاجيات المريض وملابسه وفراشه وأدواته .

الحجر الصحيّ:

تحديد حرية الأنتقال لكُلِّ حيٍّ حيوان أو إنسان تَعرّضَ للعدوى بمرضٍ سارٍ، وحجره مدّة من الزمان تُعادِل أطول حدٍّ لمدّة حضانة ذلك المرض، فإذا ثَبتت سلامته رُفِعَ عنه الحِجر، وإلّا عُزِل في حال تأكد إصابته . وقد يكون الحجر بريّاً أو بحريّاً ، والغاية منه على كل حال دفع خطر العدوى بمنع دخول عوامل المرض الساري ، والحدّ من انتشارها على الأقل في البلاد المتعرضة لذلك بالوسائل التي لا تعرقل السياحة والتجارة .

ولقد جاءت السّنة النبوية الطاهره بأحاديثَ هي بمثابة الإعجاز في زمنٍ لم تُكنْ المعلومات الطبية لتعرف أدنى شيء من هذا فيما يتعلق بالعزل والحجر الصحّي.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الطاعون بقية رجز أو عذاب أُرسل على طائفة من بني إسرائيل ، فإذاوقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها “. [أخرجه الشيخان والترمذي عن أسامة]، وقال صلى الله عليه وسلم: “الطاعون كانَ عذاباً يبعثه الله على من يشاء ، وإن الله جعله رحمة للمؤمنين ، فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً ويعلم أنه لا يصيبه إلا ماكتب الله له ، إلا كان له مثل أجر شهيد“. [أخرجه البخاري عن عائشة وأحمد في مسنده].

وقال صلى الله عليه وسلم : “الطاعون غُدّة كغُدّة البعير، المقيم بها كالشهيد ، والفار منها كالفار من الزحف “. [أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها] .

وقال صلى الله عليه وسلم “لا يُورِدُ مُمرِضٌ على مُصِّح” [اخرجه الشيخان عن ابي هُريرة رضي الله عنه ].وفي رواية البخاري:”:لا يوردنَّ مُمرضٌ على مصح”.وقد ذكر الحديث كما قال الإمام النووي رضي الله عنه بأن الممرض هنا هو المجذوم.ولكن المُمرض سواء كان إنساناً أو حيواناً هو من ينقل العدوى لغيره.

وقد عرّفَ الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله(فتح الباري ـ كتاب الطب) لفظ الممرض فقال:المُمرض هو الذي له إبل مرضى،ثم ذكر أن أهل اللغة قد قالوا إن المُمرض هو اسم فاعل من أمرضَ الرجل،إذا أصاب ماشيته مرضنوالمُصح اسم فاعل من أصح إذا أصاب ماشيته عاهة ثم ذهب عنها وصحت.

وهذا الحديث وإن قيل في معرض الحديث عن البعير المريضة الجرباء والبعير الصحيحة إلا أنه ينطبق أيضاً على الإنسان، فالإنسان المريض بمرضٍ معدي عليه أن يتجنب التماس مع الناس غير المرضى ، وخاصة إذا كان مصاباً بأحد الأمراض شديدة العدوى مثل التهاب السحايا، أو ذات الرئة، أو الكوليرا، أو الحمى التيفية، أو مرض السل، أو الدفتريا، وغيرها من الأمراض شديدة العدوى .

ويأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الأصّحاء بعدم مخالطة المرضى بمرض معدي يقول صلى الله عليه وسلم””إنَّ من القَرفِ التلف”،(والقرف هو مقارفة المريض: أي مُلامسته، والتلف: الهلاك، ولذا يقال في الأمثال  “أخشى عليه  القَرف” أي مداناة المريض).

ويقول صلى الله عليه وسلم”  اجعل بينكَ وبين المجذوم قدرَ رُمحٍ او رمحين”

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه أنه قال كان في وفد ثقيف رجلٌ مجذوم  فأرسل اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم “إنّا قد بايعناك فارجع “.

وقد ذكر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أن الفقهاء نصُّوا على انّه لايجوز للمجذوم ومن به مرض معدي أن يدخل المسجد.

هذا ويوصي الاسلام أن  تكون زيارةُ المريض بعد ثلاثة أيام من مرضه، ولقد بيّنَ العلم الحديث أنَّ الكثير من الأمراض الشائعة، وخاصةً الانفلونزا ونَزلات البرد تكون شديدة العدوى في بداية المرض ولذا فانه ينُصح أن تكونَ عِيادة المرضى في تلك الامراض بعد هذه الايام الثلاثه مالم  يكن هناك حالات خاصة تستدعي الزياره قبل ذلك .

وفي بعض الامراض المُعدية لابد أحيانا لبعض أهل المريض من أن يكونوا جانبه وهذا ممكن  مع تطبيق بعض التعاليم الوقائية الصّحيه والرجوع الى أهل العلم في ذلك .

هذا وإن كان يفوت بعض الدول مراقبة عزل بعض المرضى بأمراض معدية وتهّربِ بعض المصابين من الإِعلام عن إِصابتهم حتى لايتعرضوا للعزل أو الحجر الصحي فإنَّ الاسلام جعل من المسلم مُحاسباً ورقيباً على نفسه، وأرادَ منه أن يتبّعَ الاُصول الصّحية ورغَّبهُ بالطاعة وحذّرهُ من العصيان.

لقد منحَ الإسلام ثوابَ المُرابط لمن التزم بالحِجر الصّحي فأقام والتزم ، ومنحهُ ثوابَ الشّهادة إن ماتَ متُمسكاً بتعاليم الاسلام الصّحية، وجعل عقوبة المتُهرِّبِ منها  كعقوبة الفار من الزحف عن عائشه رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا تفنى اُمتّي إلا بالطّعنِ والطاعون، قلُتُ: يارسولَ الله إنَّ هذا الطّعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال  غُدّةٌ  كُغُدّةِ البعير، المُقيمُ فيها كالشهيد ، والفار منها كالفار من الزحف “[رواه احمد وابو يعلى والطبراني في الاوسط قال في مجمع الزوائد ورجال احمد ثقات وبقيه الأسانيد حسان] .

إنَّ الحِجرَ الصّحي من أهم وسائل مقاومة انتشار الأمراض الوبائية، وكما ذكرنا فإن الأحاديث النبوية السابقة قد حددت مبادئ الحجر الصحي بشكل يدعو إلى الإعجاز في زمن لم يكن الطب ولا علماء الغرب يُدركون أبسط المعاني فيما يتعلق بمعنى العدوى ولم يكن عندهم أبسط وأدنى المعلومات عن الأمراض المُعدية ولم يُعرف مبدأ العزل الصحي ومبدأ الحجر الصحي إلا في السنوات الماضية .

وقد يسأل البعض إنَ منع السليم من الدخول إلى أرض الوباء قد يبدو أمراً مفهوماً ولكن ماهي الحكمة من منع الأصحاء من سكان البلدة الموبوءة من الخروج منها ؟.

إن الطبَّ والعلم الحديث يبُينان أنَ الشخص السليم الذي يعيش في منطقة الوباء قد لا يبدو عليه ظاهرياً أنه مصاب بالمرض ولكنه قد يكون حاملاً للعامل الممرض للمرض ويمكن أن ينقل العدوى إلى الأخرين بدون إصابته بأعراض المرض وهم مايُسّمون طبياً “بحملة المرض” أو أنه قد تظهر عليه أعراض المرض بعد انتهاء فترة الحضانة والتي تختلف من مرض لأخر ولهذا عندما يطبق مبدأ الحجر الصحي فإنه يتم احتجاز الناس الأسوياء الذين لا يَظهر عليهم أعراض المرض عدة أيام حتى انتهاء فترة الحضانة للمرض .

مشيئة الله شرط في العدوى

اذا اجتمعت كلُّ العوامل والشروط لحدوث العدوى كوجود العامل الممرض ووجود الثوي سواء الإنسان أو الحيوان ووجود واسطة انتقال العامل الممرض الى السليم واستعداد البدن للإصابة فهل تحدث العدوى دائما مع توفر كل هذه الشروط؟

إنَّ النصوص الشرعية تدّل على انَ المشيئة الّربانية هي ركن أصيل في نجاح أي سبب للوصول الى المُسبب  وقد جَرت سُنّة الله تعالى في خلقه أن تؤدي الأسباب إلى مُسبباتها ولكنَّ مشيئه الله قد تمنع انساناً من الإصابة رغمَّ توفر كلِّ الشروط العلم لإصابته بالعدوى، فالقاعدة أن تحدث الإصابة مع توفر شروط العدوى، ولكن في بعض الحالات ولحكمة ربانية قد لا يتم هذا الأمر.

نعم إنَّ الله خلق الأسباب ويعلم المُسببات، وأنَّ الكون محكوم وفقَ سُننٍ مُعينة ثابتة وهذه هي القاعدة، ولكنّهُ قد يُسلَبُ السبب خاصيته ،وهذا هو الاستثناء، كسلب النار خاصّيةِ الإِحراق كما حدث لسيدنا ابراهيم عليه السلام.

معنى لا عدوى:

هناك أحاديثٌ نبويةٌ شريفةٌ وصحيحة قد ينفي ظَاهرُها العدوى نذكر منها : “لاعدوى، ولا هَامة ، ولا صَفر، ولا نوء “[رواه مسلم].

عن أبي هريره رضي الله عنه “لا عدوى، ولا طِيرة، ولا هَامة ، ولا صَفر ” [رواه البخاري عن ابي هريره رضي الله عنه] “لا عدوى، ولا صفر، ولا غول” [رواه مسلم].

عن جابر رضي الله عنه وعن أبي هريره رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : “لا عدوى، ولا صَفر، ولا هَامة . فقال أعرابي يارسول الله فما بال إبلي تكون في الرمل كأنهّا الظباء فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها ؟ فقال: فمن أعدى الاول؟” [رواه الشيخان].

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا عدوى، ولا طِيرة، ويعجبني الفال . قالوا : وما الفال ؟ قال كلمة طيبة” [متفق عليه]

(والمعنى بالفال ان تسمع كلاما حسنا فتستبشركأن يكون مريضا يسمع كلاما طيَّبا فيقوِّي من معنوياته)

وهناك أحاديث في نصِّها نفي العدوى وإثباتها في نفس الوقت ومنها حديث “لاعدوى ولا طيره ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد” [رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وحديث “لا عدوى واذا رأيت المجذوم ففر منه كما تفر من الأسد ” [أخرجه ابن خزيمه عن عائشه رضي الله عنها] .

وأما وجهُ الجمعِ والتوفيقِ بين الاحاديث السالفه فقد عرّجَ عليها الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري عند شرحه لحديث لا عدوى في باب الجذام ونلخصها في ثلاث أمور، وهي تتوافق مع ماتوصل اليه العلم الحديث:

أولاً:  انَّ المُراد بنفي العدوى انَّ الشئ لا يُعدي بطبعه ، نفياً لما كانت الجاهليه تعتقده بأن الأمراض تعُدي بطبعها من غير إضافه لله تعالى فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم هذا وبينَّ أنَّ الامور والمُسببات لا تفعل إلا  بمشيئةِ الله عز وجل وإرادته .

ثانياً: أنَّ المُراد بذلك نفي كون العدوى في كل الامراض فنفيه صلى الله عليه وسلم بقوله: “لا عدوى” عام، وامّا قوله” فر من المجذوم ” فإنّهُ يثبتُ العدوى لبعضِ الامراض كالجذام والطاعون، فإنّهُ تخصيص ذلك العام ، والمعُتمد عند علماء الاُصول ان العام قطعي ولكنه يصير بالتخصص حجه ظنيه. وبالتالي فإن هذا المسلك يبين خطأ الاعتقاد بعدوى كل الامراض الذي يؤؤل الى الوسوسة وتجنّب كافة المرضى.

ويذكر الدكتور محمود ناظم النسيمي قولاً سمعه من أحد العلماء فيقول أنَّ النفي بقوله صلى الله عليه وسلم لا عدوى هو نفي بمعنى النهي على غرار قوله لا ضرر ولا ضرار

فإنَّ الضرر بين الناس أمر واقع ، وليس هذا المقصود هنا ، وإنَّما المرُاد النهي عن ايقاع الاذى  بالناس، وأن ايراد النهي بطبيعة النفي يدل على المبالغة في النهي ، فقولك لا ضرر أبلغ من قول لا تضر ، فمعنى لا عدوى هنا النهي عن مباشره الاسباب التي تؤدي الى سِراية المرض الى الاخرين ، فعلى المصاب بالجرب مثلاً أن لا يلمس الآخرين  وأن لا ينام في فراش غيره  وأن يعالج نفسه.

وأما معاني المفردات التي جاءت في الأحاديث :

الطِيرَة: التفاؤل بالطير والتشاؤم بها ، كانوا يجعلون العبرة في ذلك بالأسماء وتارة بالأصوات وتارة بالسنوح والبروج أما السانح فهو الصيد الذي يمر من مياسرك إلى ميامنك والبارح عكس ذلك نقلاً عن أدب الدين والدنيا للماوردي ص303

الهامة : هي خرافة اعتقدها عرب الجاهلية وهي أن القتيل إذا لم يُؤخذ بثاره تدور حول قبره هامة أي بوم.

الصَفَر: فهو كالحيّة يكون في الجوف ويصيب الماشية والناس وهو أعدى عندهم من الجرب. قال الشاعر:

لا  يمسك الساق من أَيْنٍ ولاوَصَبٍ                ولا يَعَضّ على شرسوفه الصَفَرْ

وقال ابو خراش الهذلي:

ارد شجاع البطن قد تعلمينه                وأوثر غيري من عيالك بالطعم

أي أصبر على أذى الجوع وأحمل مضضه ،وشجاع البطن  كناية عن الجوع  لأن أذاه يشبه بحّية الصفر كما كانوا يزعمون .

وجاء في لسان العرب: الصَفَرْ: داء في البطن يصّفر منه الوجه. والصَفر: حية تلزق بالضلوع فتعضّها، وقيل دابة تعضّ الضلوع والشراسيف قال أعشى باهلة يرثي أخاه:

لا يتأرَّى  لما في القِدِر يرقبه         ولا يَعَضّ على شرسوفه الصَفَرْ

وقيل الصفر هنا الجوع

النوء: هو تكذيب المعتقد الجاهلي حيث كانوا يقولون مُطرنا بنوء كذا فابطله صلى الله عليه وسلم لأن المطر يقع بإذن الله تعالى لا بفعل الكواكب

الغول : هو زعمهم أن الغول من الشياطين وقد يتراءى للناس ويتغّول لهم أي يتلون لهم ليضلهم عن الطريق ليهلكهم وقد كثر في كلامهم غالتهُ الغُول أي أهلكته أو أضلته فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .

الوقاية والتوعية الصحية:

إن الوقاية من حدوث الأمراض بمختلف أشكالها من الفروع الهامة التي تطرق إليها أطباء العرب والمسلمين،وكانوا على قدر كبير مما يسمى في المصطلح الطبي”الطب الوقائي“،وقد قالوا:”إن درهماً من الوقاية خير من قنطار من العلاج”.وقد توصلوا بالتجربة ومن خلال تعاليم الدين الحنيف والإرشادات النبوية المشرفة إلى كثير من الأمور سبقوا فيها علماء الغرب وأطباؤه،وخاصة فيما يتعلق بتأثير النظافة في الوقاية والشفاء من بعض الأمراض،وعرفوا العدوى وانتقالها،واهتموا بحفظ الصحة والدعوة إلى الحركة وممارسة الرياضة وخاصة السباحة وركوب الخيل والفروسية،وتجنب البدانة،…..

روى ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء أن عضد الدولة عندما دخل بغداد كان أول من لقيه من الأطباء اثنان هما سنان بن ثابت وأبو الحسن الحراني،وهما طبيبان فاضلان،فلما دخلا عليه في مجلسه قال:من هؤلاء؟قالوا هؤلاء الأطباء.قال نحن في عافية وما بنا حاجة إليهم.فانصرف الطبيبان خجلين.فلما خرجا إلى دهليز القصر قال سنان لأبي الحسن:هل يجمل بنا أن ندخل إلى الملك فيردّنا ونحن شيخا بغداد؟فقال أبو الحسن:فما الحيلة؟قال نرجع إليه وأنا أقول ما عندي وننظر ماذا يكون الجواب.قال افعل.فاستأذنا ودخلا ثانية إليه فقال سنان:أطال الله بقاء مولانا الملك إن موضوع صناعتنا حفظ الصحة لا مداواة الأمراض.والملك أحوج الناس إليه.فقال له عضد الدولة:صدقت.وقرر لهما راتباً وصارا ينوبان مع أطبائه.

وذكر علي ابن المجوسي في أحد مؤلفاته أن الرياضة ذات دور هام في حفظ الصحة،وأعظمها منفعة إذا كانت قبل الغذاء،وكلما كانت الرياضة أقوى كان الهضم أجود وأسرع،وذكر صحة أبدان أصحاب الكد والتعب وقلّة ما يَعرض لهم من الأمراض.وهو يوصي بعدم اللجوء إلى الرياضة بعد الأكل مباشرة عندما يكون الطعام في المعدة .

ومما قاله الأطباء العرب عن الاستحمام أن يكون بعد الرياضة ولا أن يكون بعد الطعام.وأوصوا بعدم الأكل بعد الاستحمام.