الصحة الغذائية بين الطب والاسلام

الصحة الغذائية بين الطب والاسلام

عناصر الموضوع:

أولاٍ:أداب تناول الطعام

ثانياً:القواعد الصحية

ثالثاٍ:تحريم الخبائث

رابعاٍ:تحليل الطيبات

خامساً:تحريم المذاهب النباتي

سادساً :أثر الغذاء في الطباع

أولاً :أداب تناول الطعام والشراب:

1-التسمية:

فإن من السنة ذكر اسم الله عند بدء الطعام ،وفي حال نسي الإنسان فإنه يذكر اسم الله عند تذكره، فإن التسمية تطرد الشيطان وتبارك في الطعام،جاء في الحديث النبوي الشريف:عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى،فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل بسم الله أوّله وأخره”.[رواه الترمذي والنسائي وأبو داود واللفظ له] .

وجاء في حديث أخر : حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن هشام عن عروة عن أبيه عن عمر بن سلمة أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده طعام فقال:“ادنُ بُنيَّ وسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك ” [رواه الشيخان والنسائي وابن ماجه وأبو داود واللفظ له].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”إذا دخل الرجل بيته ، فذكر اسم الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإن لم يذكر الله عند طعامه قال : أدركتم المبيت والعشاء” [رواه مسلم والنسائي وابن ماجه وأبو داود واللفظ له ].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل طعاماً في ستة نفر من أصحابه فجاء أعرابي فأكل بلقمتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”أما إنه لو سمّى كفاكم” [رواه الترمذي].

ومعنى أكل بلقمتين: اي أكل وكل لقمة منه تعدل لقمتين فعل الأكول ولعل ذلك من جوع ألم به حتى شغل بالطعام عن التسمية ويشير الحديث إلى أن الطعام قد نفد دون أن يشبع الحاضرون ، وأن عدم التسمية من الأعرابي استحل بها الشيطان من الطعام ونزعت البركة منه ،وفرغ القوم منه دون أن يشبعوا ، ولو أن الاعرابي سمّى عند الطعام لبورك فيه وكفى الآكلين.

وعن أبي حذيفة عن حذيفة رضي الله عنهما : قال: كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرة طعاماً فجاءت جارية كأنها تُدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ، ثم جاء اعرابي كأنما يُدفع فأخذ بيده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :“إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه وأنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها ، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها “وفي رواية لمسلم بزيادة”ثم ذكر اسم الله وأكل” [رواه مسلم والنسائي وأبو داود] .

(ملاحظة:إن من أدب الجماعة والصحبة يقتضي أن يتقدم الكبير ثم يتبعه من بعده سواء كان الكبر في السن أو في المنزلة لاسيما منزلة العلم والرشد).

وأكمل التسمية أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم ، ويكفي أن يقول بسم الله ، والافضل في أكل الجماعة أن يسمي كل إنسان بذاته ، ولا مانع ان يسمي أحدهم عن الجميع .

2-الأكل باليمين والأكل مما يلي:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه ، وإذا شرب فليشرب بيمينه ، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله” [رواه مسلم].

عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذكروا اسم الله ، وليأكل كل رجل مما يليه”[رواه البخاري].

عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :”يا غلام سم الله وكل بيمينك ، وكل مما يليك، فما زالت تلك طِعمتي بعد” [رواه الشيخان واللفظ للبخاري].

وعن عمر بن أبي سلمة –وهو ابن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم-قال : أكلت يوماً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أكل من نواحي الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مما يليك” [رواه الشيخان وفي رواية لمسلم “فجعلت آخذ من لحم حول الصحفة].

وجاء في عيون الأخبار لابن قتيبة (كتاب الطعام) يقال: سَمُّوا إذا أكلتم ودّنوا وسَمتّوا(دنوا: كلوا مما بين أيديكم وما يليكم وما قرب منكم, سمتوا: الدعاء بالخير والبركة)

3-عدم ذمّ الطعام الذي لايحبه:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ماعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط، إن اشتهاه أكله ، وإن كرهه تركه”[رواه الشيخان والترمذي وأبو داود وابن ماجه ].

جاء في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله ج1:

” كان هديه صلى الله عليه وسلم لا يردُّ موجوداً ، ولا يتكلف مفقوداً ، فما قرب إليه شئ من الطيبات إلا أكله،إلا أن تعافه نفسه فيتركه من غير تحريم ، وما عاب طعاماً قط ، إن اشتهاه اكله ، وإلا تركه، كما ترك أكل الضب ، لمّا لم يعتده، ولم يحرمه على الأمة ، بل اكل على مائدته وهو ينظر ، وأكل الحلوى والعسل وكان يحبهما، وأكل لحم الجزور والضأن والدجاج ولحم الحُبارى ولحم حمار الوحش والأرنب، وطعام البحر وأكل الشواء وأكل الرُطب والتمر ،وشرب اللبن خالصاً ومشوباً ، والسويق والعسل بالماء ، وشرب نقيع التمر ، وأكل الخزيرة وهي حساء يتخذ من اللبن والدقيق ،واكل القِثّاء بالرُّطب واكل الأَقِط ، وأكل التمر بالخبز ، وأكل بالخل، وأكل الثريد وهو الخبز باللحم ، وأكل الخبز بالودك(الشحم المذاب) وأكل الكبد المشوية ، وأكل القديد ، وأكل الدُّباء المطبوخة وكان يحبها ، وأكل الثريد بالسمن وأكل الجبن ، وأكل الخبز بالزيت ، وأكل البطيخ بالرطب ، وأكل التمر بالزبد وكان يحبه ، ولم يكن يردّ طيباً ولا يتكلفه ، بل كان هديه أكل ما تيسر فإن أعوزه صبر حتى إنه ليربط على بطنه الحجر من الجوع ، ويرى الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيته نار.

لقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الطعام لعدم موافقته طبعه ولا مألوفه، تركه واجتنبه معتذراً بأنه يعافه أو أنه لا يألفه كما ذكرنا بالنسبة للضب ،وكما قال في الجراد لا أكله ولا أحرمه ، وكما قال في الثوم والبصل إني أخاف أن أوذي صاحبي أي جبريل عليه السلام ، وقال فيه لأخر: كله فإني أناجي ولا تناجي(-يريد جبريل عليه السلام)-وذلك من حسن الأدب لأن مالاتشتهيه أو تكون في غنى عنه قد يشتهيه غيرك ، وربما كان في حاجة إليه ، فينبغي أن لا تذمه له حتى لا ينفر منه فيتركه وينفر منه لذمه وتنقصه متقززا له ،بل ربما تركه مجاراة لمن كرهوه فعابوه، وكل ما أذن فيه الشرع لا عيب فيه . والمطعومات تتبع الالف والعادة فمن اشتهى أكل ومن كره ترك اقتداء بسنته عليه الصلاة والسلام .

4- عدم مراقبة الضيف أثناء الطعام:

جاء في عيون الأخبار –ابن قتيبة-كتاب الطعام :”أجلس هشام بن عبد الملك على مائدته رجلاً يؤاكله ، فأبصر في لقمته شعرة فقال: خذ الشعرة من لقمتك  فقال له الرجل: من يُبصر الشعرة في لقمتي ، والله لا أكلت معك ابداً ثم خرج  وهو ينشد شعرا ل:

قيس بن المنقري:

وللموتُ خيرٌ من زيارةِ باخلٍ                          يُلاحظُ اطرافَ الأكيلِ على عَمدِ

5-اطعام الطعام :

روى أبو داود عن وحشي بن حرب أن الصحابة قالوا يارسول الله إنا نأكل ولا نشبع ، قال: فلعلكم تفترقون؟ قالوا : نعم ، قال فاجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه .[ رواه ابن ماجه وأبو داود واللفظ له ].

وهو حديث يحث على الجود واستضافة الفقراء . وهذا الحديث يبين للمسلمين أن الله يبارك لهم في الطعام لأمرين :

-أن يجتمعوا على الطعام

-أن يذكروا اسم الله عند بدء الطعام فإن التسمية تطرد الشيطان

ولا يجوز أن يفهم من الحديث تحريم الأكل من غير جماعة ، يقول تعالى:{ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً}[النور 61].

والسنة النبوية الشريفة تحض وتحث على الضيافة وإطعام الطعام وعلى من يُدعى أن يُلبي إن كان قادراً على التلبية. عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ، فإن كان مفطراً فليطعَم ، وإن كان صائماً فليدع” [رواه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه].

والوليمة تعريفاً: ما يقام من المآدب في دواعي الخير والمسرة كالزواج والختان وولادة ولد،أوالعودة من السفر ..

وفي حديث أخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عُرساً كان أو غيره”[ رواه مسلم وابو داود ].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”من دُعي فليُجب، فإن شاء طعم ، وإن شاء ترك” [رواه مسلم والنسائي وابن ماجه وأبو داود واللفظ له ].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”شر الطعام طعام الوليمة ، يدعى إليها ألاغنياء ، ويترك المساكين، ومن لم ياتِ الدعوة فقد عصى الله ورسوله” [رواه الشيخان والنسائي وابن ماجه وأبو داود واللفظ له].

وقوله قد عصى الله : أي ترك الإجابة كسراً لخاطر الداعي واشعاراً له بالاستهانة ، ويأثم إذا كان الحضور ميسراً وليس لديه عذر من مرض أو غياب..

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أطعموا الجائع،وعودوا المريض،وفكوا العاني” [رواه البخاري]. قال سفيان الثوري: العاني: الأسير.

واطعام الجائع:أي بما يكفيه ويشبعه فإنه ان لم يشبع يسمى جائعاً ، واطعام الجائع فرض كفاية يطالب به كل مسلم حتى يقوم به بعضهم فيسقط عن الباقين.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أفشوا السلام، وأطعموا الطعام،واضربوا الهَامَ تورثوا الجنان” [رواه الترمذي] .

(واضربوا الهام:أي الرؤوس في الحرب تحريضا على الشجاعة والشدة في لقاء العدو) .

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام،وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام”.

ومن أداب الدعوة إلى الطعام أن لا يأتي المدعو بشخص أخر معه إلا بإذن الداعي إن لم يعلم رضاه . عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال:”دعا رجل النبي صلى الله عليه وسلم لطعام ، صنعه له ، خامس خمسة ، فتبعهم رجل ، فلما بلغ الباب قال له النبي صلى الله عليه وسلم :”إن هذا تبعنا ، فإن شئت أن تأذن ، وإن شئت رجع، قال: بل آذن له يا رسول الله ” [متفق عليه] .

روي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: يؤكل الطعام بثلاث: مع الإخوان بالسرور، ومع الفقراء بالإيثار، ومع ابناء الدنيا بالمروءة.

قال أبو بكر الهذلي :” إذا جمع الطعام أربعاً كَمُل، إذا كان حلالاً، واجتمعت عليه الأيدي ، وسُميّ الله في أوله ،وحُمد في أخره”

6-ذم تناول الطعام والشراب واقفا:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زَجرَ عن الشرب قائماً“[رواه مسلم] .

وعن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً . قال قتادة فالأكل؟ قال: ذاك أشرُّ أو أخبث. [رواه مسلم والترمذي ].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يشربن احدكم قائماً فمن نسي فليستقي” [رواه مسلم]

وجاء في حديث أخرعن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائماً وقاعداً.

وجاءت مرويات شتى فيما يتعلق بأن يشرب المرء قائماً أو قاعداً . صح عن الخمسة –ماعدا أبو داود-عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ماء زمزم فشرب وهو قائم . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ، ونشرب ونحن قيام ” [أخرجه الترمذي وصححه] . وعن مالك أنه بلغه أن عمر وعثمان وعلياً كانوا يشربون قياماً.

ويقول الفقهاء: إن الشرب عن قيام مباح،وإنه عن قعود أفضل ، ولا حرمة فيما لو شرب قائماً.

ويقول الإمام محمد الغزالي رحمه الله في كتاب هموم داعية:

“ويخيل إليَّ أن الأحوال التي تكتنف المرء هي التي تحدد طريقة شربه فلا غريمة في القعود ولا جريمة في القيام”.

وما الحكمة من عدم تناول الطعام والشراب وقوفاً ؟ يقول الدكتور ابراهيم الراوي (– مجلة حضارة الإسلام حزيران-تموز-1967م)-:

“إن الإنسان في حالة الوقوف يكون متوتراً من الوجهة الفسيولوجية،حيث أن جهاز التوازن في الدماغ يكون في حالة فعالية شديدة يسيطر فيها على جميع عضلات الجسم لوضعها في الإنذار لتقوم بمهمة توازن الجسم ووقوفه على قدميه منتصباً فوق الأرض بارتفاع كبير ، وليست هذه العملية بالأمر السهل أو اللين .والإنسان عندما يكون واقفاً لاتحصل لديه الطمأنينة العضوية التي هي من أهم الشروط المرجوة عند الطعام أو الشراب . أما إذا جلس الإنسان وحدث له الارتخاء والهدوء العصبي والعضلي والنفسي نتيجة زوال العبء الثقيل الوظيفي على جهاز التوازن والعضلات والمفاصل والأربطة المفصلية ، ففي هذا الجو من الهدوء والارتخاء والطمانينة تنشط الأحاسيس وتزداد فاعليات الجهاز الهضمي لتقبل الطعام والشراب.هذا وإن الجسم في حالة الجلوس يهئ للجهاز الهضمي وضعية صحيحة سليمة لتقبل الطعام والشراب ، وقبول مروره من خلال البلعوم والمري والمعدة بسهولة . أما في حالة الوقوف،فإن الطعام والشراب يولد صدمات عنيفة على جدران المعدة فينبهها تنبيهاً ضاراً قاسياً يؤدي إلى حدوث انعكاسات عصبية شديدة  على جدران المعدة تقوم بها شبكة من الأعصاب العائدة للعصب المبهم ، وهذه الانعكاسات العصبية الشديدة قد يكون لها تأثيراً انعكاسيا سيئاً على عضلة القلب”.

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل الإنسان متكئاً. عن علي بن الأقمر قال سمعت أبا جُحيفة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إني لا أكل متكئاً . [رواه البخاري بلفظه والترمذي والنسائي وأبو داود] .

وعن عبد الله بن عمرو قال : ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل متكئاً قط ، ولا يطأ عَقِبه رَجْلان .[رواه أبو داود وابن ماجه]

(عقبه: اي يدوس قدم من الخلف،رجلان: الماشي على رجليه يقابله الراكب)

ومعنى الشق الثاني من الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقدم أصحابه بحيث يكونون خلفه متزاحمين متدافعين عليه فعل الملوك وذوي السلطان.

وعن أنس رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعت فوجدته يأكل تمراً وهو مقْعِ .[ رواه مسلم بلفظه والترمذي والنسائي] .

(المقعي: من يجلس على مقعده ناصباً ساقيه وهي أيضاً جلسة النشط المتقلل من الطعام) .

7- الأكل من صحفة واحدة:

عن عبد الله بن بُسر قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة يقال لها”الغَرّاء” يحملها اربعة رجال ، فلما أصبحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة –يعني وقد ثُرد فيها- فالتقوا عليها ، فلما كثروا جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أعرابي: ماهذه الجلسة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم:إن الله جعلني عبداً كريماً ، ولم يجعلني جباراً عنيداً . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يُبارك فيها” [رواه أبو داود وابن ماجه] .

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” إذا أكل أحدكم فلا يأكل من أعلى الصّحفة ، ولكن ليأكل من أسفلها ، فإن البركة تنزل من أعلاها” [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة] .

ومن أداب الطعام إذا كان العدد كبيرا أن يبدأ الأيمن فالأيمن .

عن أنس رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن عشر سنين ومات وأنا ابن عشرين ، وكن أمهاتي يحثنني على خدمته ، فدخل علينا دارنا ، فحلبنا له من شاة داجن ، وَشِيبَ له من بئر في الدار ، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عمر وأبو بكر عن شماله يا رسول الله أعط ابا بكر ، فأعطاه أعرابياً عن يمينه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الأيمن فالأيمن” [رواه مسلم] .

وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بإناء فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ ،فقال للغلام: أتأذن أن أعطي هؤلاء ، فقال الغلام : لا ، والله لا أوثر بنصيبي منك أحداً . قال: فتلّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده.[ رواه مسلم ].

(ملاحظة: الغلام : قيل هو عبد الله بن عباس) .

وفي هذه الأحاديث بيان لسنة التيامن في مناولة الشراب ودورانه على الجلوس ، وفيها تأكيد لما تظاهرت عليه الدلائل قولا وفعلا من هذه السنة فالأيمن أحق ولإن كان صغيراأو مفضولا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم الأعرابي والغلام على أبي بكر رضي الله عنه وأما تقديم الأفاضل والكبار فإنما يكون عند التساوي في سائر الصفات ولهذا يقدم الأعلم والأقرأ على الأسن النسيب في الإمامة في الصلاة

8-إذا فرغ من الطعام:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين“.

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول: “الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، غير مودع ولا مستغنى عنه ربنا “.

وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :“إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها “.

كان سعيد بن جبير رضي الله عنه إذا فرغ من الطعام قال:”اللهم أشبعتَ وأرويتَ فهنئنا ، وأكثرت وأطبت فزدنا (عيون الاخبار)

ومن السنة النبوية الكريمة أن يلعق يده بعد الانتهاء من الطعام .

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إ ذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسه يده حتى يَلعقها أو يُلعِقُها”[ متفق عليه ].أي يلعقها بنفسه أو يلعقها زوجته أو ولده ..( واللعق تتبع ما عليها من طعام بلسانه) .

ومن السنة النبوية الشريفة أنه إذا وقعت اللقمة على الأرض أن يمط عنها الأذى ويأكلها .

عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان “، وأمرنا أن نَسْلُتَ الصحفة، وقال: إن أحدكم لا يدري في أي طعام يُبارك له ” [رواه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود واللفظ له ].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إذا أكل أحدكم طعاماً فسقطت لقمة، فليمط ما رابه ثم ليطعمها ، ولا يدعها للشيطان ” [رواه مسلم والنسائي والترمذي واللفظ له].

ومن أداب الضيافة والطعام نذكر أيضاً:

-يقول الإمام أبو حامد الغزالي: على المضيف أن لايمسك عن الأكل قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون من الأكل بعده،بل يمد اليد ويقبضها ويتناول قليلاً إلى أن يستوفوا ، فإن كان قليل الأكل توقف في الابتداء وقلّل الأكل حتى إذا توسعوا في الطعام أكل معهم أخيراً ، فإن امتنع لسببٍ فليعتذر إليهم دفعاً للخجلة عنهم .

وقال بعضهم : إذا وضعت المائدة فليجلس كلٌّ حيث أجلسهُ صاحب المنزل ، وليأكل ويشرب بيمينه، ولا يُقّلب نظره في ألوان الأطعمة ، ولا يُتبع اللقمة باخرى قبل أن يُسيغها ، ولا يشرب والطعام في فمه .

وتقول العرب: من تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة ، وإطالة الحديث عند المواكلة .

وجاء في ثمر الأداب للقيرواني (ج2 ص341):

-لا يطيب حضور الخِوان إلا مع الإخوان

-البخل بالطعام من أخلاق الطغام

-الكريم لا يحظر، تقديم ما يحضر  انتهى القيرواني

جاء في عيون الأخبار –ابن قتيبة-كتاب الطعام:” تقول العرب:العاشِيةُ تهيجُ الآبية: فالعاشية التي ترعى بالعشي من المواشي وغيرها . والآبية : التي لا تريد العشاء . أي إذا رأت الأبية الإبل العواشي تبعتها فرعت معها . يريدون :ان الذي لا يشتهي أن يأكل إذا نظر إلى من يأكل هاجه ذلك الأكل .

ومن أداب المُضيف:أن يخدم أضيافه بنفسه وأهله ، وأن يحدثهم بما تميل إليه نفوسهم ، ولا يشكو الزمن بحضورهم، ويبش عند قدومهم ، ويتألم عند وداعهم ، ولا يُظهر نكداً ، ولا ينهر أحداً.

وجاء في وصية أب لأبنه:إذا أكلت فلا تلتفتنّ يميناً ولا شمالاً ، ولا تنفخ في الطعام والشراب، ولا تتبع بصرك لقمة اخيك ، ولا تراقب الجلساء على المائدة ، وأعرض عن البِطنة.

ومن أداب الضيف: أن لا يحضر معه للضيافة غيره بغير إذن ، ويقبل خدمة صاحب المنزل فإنها من الكرامة  ، ولا يستعجل بإحضار الطعام ، ولا يشكو الجوع ، ولا يحلف على صاحب الضيافة أن لا يشتري شيئاً ، ولا يهن أولاده ، ولا يتأمر على غلمانه، ولا يتصّدق من مال صاحب الوليمة إلا بإذنه ، ولا يردّ سائلاً من تلقاء نفسه، وبعد الطعام يدعو له بالبركة.

-قيل لعلي بن الحسين رضي الله عنهما: إنك من أبرّ الناس بأمك ، ولسنا نراك تأكل مع أمك في صحفة ؟ فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها

أداب الطعام عبادات وعادات:

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله (ملخص ماجاء في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 22نيسان عام 1989م):

“لا بد من التفريق بين أداب الطعام كعبادات وكعادات، وعدم الخلط بين العادات والعبادات ومنها اي من العادات: يجب أن يوضع الطعام على الأرض لا على الطاولة، أو يجب على الأكل ان يجلس متربعاً أو على ساق أو جاثماً على الساقين ، ولا يتناول الطعام أبداً مستنداً غلى كرسي، فالأكل جائز على الأرض وعلى المنضدة ، ويجوز الجلوس على الكرسي اثناء الأكل ، وله أن يأكل وحده في إنائه أو يأكل مع أخرين .وقد وردت أحاديث شتى في أداب المآكل بعضها صحيح وبعضها موضوع وبعضها من عادات العرب ، ومن الأحاديث الباطلة الموضوعة :لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنع الأعاجم ، وانهشوه نهشاً فإنه اهنأ وأمرأ ، وهو حديث باطل وموضوع، فقد ثبت في الصحاح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستخدم السكين في تقطيع اللحم وهو يأكل، ولم يجئ امر بالأكل على الأرض ، أو نهى عن الأكل فوق طاولة ، وما سكت الشارع عنه فهو في دائرة العفو ، ولا مكان لوجوب أو حرمة” .

وجاء في حديث الأربعاء لطه حسين (ج3 ص)612:

“فلو أنك طلبت إلى الذين يسرفون في نصر القديم ، ويمقتون أنصار الجديد، ويصفونهم بالكفر، أن يأكلوا ويشربوا ويجلسوا على نحو ما كان يأكل اجدادهم منذ قرون، وعلى نحو ما كانوا يشربون ويلبسون ويجلسون لما سمعت منهم إلا إنكاراً ، ولما رايت منهم إلا ازوراراً ، ولقد أريد أن أرى بين أنصار القديم من أولئك الذين لا يزالون يأكلون أو يشربون في الصحاف والأكواب من النحاس والفخار ، وقد جلسوا على حصير ورفضوا الكراسي رفضاً وابوا أن يستمتعوا بكل ما أتاحت لهم الحضارة الحديثة من أدوات الترف واللذة البريئة ، وأريد أن أرى هؤلاء ولكني يائس من رؤيتهم ، ولست أشك في أن من بينهم من يستمتعون في حياتهم الخاصة بأحدث  ما اخترعت الحضارة من هذه الأدوات على حين لا يظفر من ذلك أنصار الجديد الملحّون في الدعوة إليه إلا بالشئ القليل”.

القواعد الصحية في تناول الطعام والشراب:

1-الاعتدال في الطعام والشراب وعدم الاسراف:

إن الإسراف في التغذية بصورة عامة وفي كل أمر من أمور الحياة مدعاة للتلف والضررالبدني تلحق بالمسرف عاجلاً أو أجلاً، قال تعالى:{يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}[الأعراف 31.]وقال تعالى: {كُلوا من طيباتِ مارزقناكم ولا تطغوا فيه} [طه 81].

فهنا الأمر بالاعتدال والنهي عن الإسراف في الطعام والشراب ، وهذه قاعدة صحية ثابتة ودائمة ومادة دستورية صحيحة لاتتغير ولا تتبدل على مر الدهور وكر العصور .

وجاء في الحديث النبوي الشريف عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”ما ملأ آدَميٌّ (رواية ابن أدم)  وعاءً شراً من بطنٍ، بحسب ابنِ أدمَ  اُكُلاتٌ يُقمِن صُلبَهُ فإن كان لامَحالةَ: فثلثٌ لطعامِه وثُلثٌ لِشرابهِ  وثُلثٌ لنَفَسه” [رواه الترمذي وقال حسن   صحيح.] ورواه أيضاً ابن حبان وابن ماجة والحاكم وصححه الذهبي واخرجه احمد والنسائي وابن السني.كما رواه ابن ماجه في سننه عن نفس الصحابي”ماملا آدميٌّ وعاءً شراً من بطنٍ حسبُ الآدميّ لُقيماتٌ يُقِمنَ صُلبَهُ فإن غلبتِ الآدميَّ نفسهُ فثلثٌ للطعام وثلثٌ للشراب وثلثٌ للنفس“.وقال صلى الله عليه وسلم: “إن أكثر الناس شِبعاً في الدنيا، أطولهم جوعاً يوم القيامة” [رواه ابن ماجة عن سلمان رضي الله عنه].

قال ابن القيم رحمه الله :

“ومراتب الغذاء ثلاثة :مرتبة الحاجة ، ومرتبة الكفاية ، ومرتبة الفضلة . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه ، فلا تسقط قوته ولا تضعف معها ، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه ويدع الثلث الأخر للماء والثالث للتنفس . وهذا من أنفع ما للبدن والقلب ، فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب  فإذا أورد عليه الشراب ضاق عن النفس وعرض له الكرب والتعب وصار محمله بمنزلة حامل الحمل الثقيل . هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب ، وكَلِّ الجوارح عن الطاعات ، وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع “-(الطب النبوي لابن القيم)-.

ويقول ابن القيم ايضاً:

“والأمراض نوعان:أمراض مادية تكون عن زيادة مادة افرطت في البدن حتى أضرت بأفعاله الطبيعية،وسببها ادخال الطعام على البدن قبل هضم الأول،والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن،والسبب الثاني تناول الأغذية القليلة النفع البطيئة الهضم.فإذا توسط في الغذاء وتناول نته قدر الحاجة، وكان معتدلاً في كميته وكيفيته كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير”.

وجاء في الحديث الشريف:”كل ماشئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة”

وفي حديث جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”طعامُ الواحدِ يكفي الاثنين ، وطعامُ الاثنين يكفي الأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية “[ رواه مسلم].

إن الإفراط في تناول الطعام وحدوث التخمة لها مضارها الصحية والنفسية وتؤثر في سلوكيات العبد وتمنعه من القيام بواجباته الحياتية والدينية بشكل تام ومناسب ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة الحسنة والمنار الذي ينير لنا الطريق لكل الأجيال وفي كل الأزمان وعلى مدى الزمان .عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:”ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيامٍ حتى قُبِض” وفي رواية ثلاثة أيام تباعاً. [أخرجه البخاري] .

وعن عاشة رضي الله عنها قالت:”ما شبع آل محمد منذ قَدِمَ المدينة من طعام البُر ثلاث ليالٍ تباعاً حتى قُبض” [رواه الشيخان والنسائي وابن ماجة] .

يقول الامام ابن القيم-الطب النبوي-:

“الأمراض نوعان :أمراض مادية تكون عن زيادة مادة أفرطت في البدن  حتى أضرت بأفعاله الطبيعية ، وهي الأمراض الأكثروسببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول ، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن ، وتناول الأغذية القليلة النفع البطيئة الهضم “.

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد-(عبقرية محمد ص149-150)-:

“وليس أولى بالحب والتعجيل ممن يطلب خير الناس ويزهد في نعمة العيش وهي بين يديه ، فقد ثبت أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يستمتع بدنياه ، ولم يشبع ثلاثة أيام تباعاً حتى مضى لسبيله . وقالت عائشة رضي الله عنها :”لقد كنت أبكي رحمة له مما أرى به وامسح بيدي على بطنه مما أرى به من الجوع، وأقول : نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقوتك” فيقول يا عائشة: مالي وللدنيا.إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشدّ من هذا . وقالت زوجته أم سلمة رضي الله عنها تصف ما وجدته في بيته ليلة عرسها:”فإذا جرة فيها شئ من شعير ، وإذا رحى وبرمة وقدر وكعب ، فأخذت ذلك الشعير فطحنته ثم عصدته في البرمة ، وأخذت الكعب فأدمته ، فكان ذلك طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أهله ليلة عرسه” انتهى حديث العقاد .

وجاء في الحديث الشريف عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم :”الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحدة(أي يأكل دون الشبع) . [رواه مسلم]. وفي رواية للشيخين وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه”المؤمنُ يأكلُ في مِعَىً واحدٍ والكافر يأكلُ في سبعة أمعاء”.

وأما القول المأثور “المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء” فهو للطبيب العربي المشهور الحارث بن كلدة وليس حديثاً نبوياً كما يجري على ألسنة الكثيرين من الناس كما جاء في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد للإمام ابن القيم رحمه الله .

وكذلك القول المأثور”البطنة اصل الداء والحمية أصل الدواء وعودوا كل جسم ما اعتاد” هو حديث باطل ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم وقد أورده الإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال العراقي:لم أجد له أصلاً وأقره الإمام السخاوي في المقاصد الحسنة.

وكذلك ماينسب للرسول صلى الله عليه وسلم “الفكر نصف العبادة، وقلة الطعام هي العبادة ” وهو حديث باطل أورده الغزالي في الإحياء ، وقال العراقي لا أصل له .

كان يوسف الصديق على خزائن مصر وخيراتها، ولكنه ما ملأ بطنه قط ، وعندما سئل في ذلك قال كلمته المشهورة:”اخشى أن أشبع فأنسى الجائع“.

وقد حذر عمر الفاروق رضي الله عنه من الإكثار من اللحوم فقال:”إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر”.

(ضراوة بالشئ: ولع به)

وقال الفاروق رضي الله عنه:”إياكم والبطنة !! فإنها ثِقلٌ في الحياة ، ونتن في الممات”.

وقال الفاروق أيضاً:”إياكم والبطنة فإنها مكسلةٌ عن الصلاة، ومفسدةٌ للجسم ، ومؤديةٌ إلى السَّقم ، وعليكم بالقصد في قُوتِكم  فإنّه أبعدَ من السّرف وأصحُّ للبدن وأقوى على العبادة ، وإنّ العبدَ لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه(عبقرية عمر للعقاد ص69)

وكتب عمر الفاروق إلى أبي موسى الأشعري :”وإياك أن ترتع فيرتع عمالك ، فيكون مثلك عند الله عز وجل مثل البهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض ، فرعت فيها تبتغي بذلك السمنة ، وإنما حتفها في سمنها والسلام عليك”.

وقال الإمام علي رضي الله عنه:”كثرة الطعام تميت القلب، كما تميتُ كثرةُ الماءِ الزرع”.

وقال الحسن رضي الله عنه:”والله لقد أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليأكل غداءً فما عسى أن يقارب شبعه فيمسك ” وقال:”والله لأن ينبذ رجلٌ طعامه للكلب خيرٌ له من أن يأكل فوق شبعه”.

وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “لقد رأيتني وإني لأَخِرُّ فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة رضي الله عنها مغشياً علي ، فيجئ الجائي فيضع رجلهُ على عنقي ويرى أني مجنون ، ومابي من جنون ، مابي إلا الجوع ” رواه البخاري.

(كانت العادة لمن يظن أنه وقع من جنون أن توضع الرجل في عنقه حتى يفيق)

وقال لقمان الحكيم ينصح ابنه:”يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة”.

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله :”من مفسدات القلب: الطعام ، والمفسد له من ذلك نوعان :

أحدهما: مايفسده لعينه وذاته كالمحرمات وهي نوعان:

محرمات لحق الله: كالميتة والدم ،ولحم الخنزير ، وذي الناب من السباع والمخلب من الطير .

وحرمات لحق العباد : كالمسروق والمغصوب والمنهوب ، وماأخذ بغير رضا صاحبه، إما قهرا وإما حياء وتذمما

والثاني: ما يفسده بقدره وتعدي حده، كالإسراف في الحلال ، والشبع المفرط، فإنه يثقله عن الطاعات، ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة ومحاولتها حتى يظفر بها ، فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها ،والتأذي بثقلها ، وقوى عليه مواد الشهوة ، وطرق مجاري الشيطان ووسعها ،فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم , فالصوم يضيق مجاريه ويسد طرقه ، والشبع يطرقها ويوسعها . ومن أكل كثيراً شرب كثيراً فنام كثيراً فخسر كثيراً “.

ويقول الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس:

“واعلم أن المذموم من الأكل إنما هو فرط الشبع، وأحسن الأداب في المطعم أدب الشارع صلى الله عليه وسلم عن المقداد بن معد يكرب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما ملأ ابن أدم وعاءً شراً من بطنه ، حسب ابن أدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لابد فثلث طعام وثلث شراب وثلث لنفسه ، ويتابع ابن الجوزي: ولو سمع ابقراط هذه القسمة في قوله ثلث وثلث وثلث لدهش من هذه الحكمة لأن الطعام والشراب يربوان في المعدة فيتقارب ملئها فيبقى للنفس من الثلث قريب ، فهذا أعدل الأمور ، فإن نقص منه قليلاً لم يضر وإن زاد النقصان أضعف القوة وضَيّق المجاري من الطعام” .

ويقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:”الشبع يعقل البدن ويقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة”.

وقال الشافعي رضي الله عنه:”ما شبعت منذ ست عشرة سنة لأن الشبع يثقل البدن ، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة ، ويجلب النوم ، ويضعف صاحبه عن العبادة”

يحيى بن معاذ الرازي:”من كثر شبعه كثرَ لحمه، ومن كثر لحمه كثرت شهوته، ومن كثرت شهوته كثرت ذنوبه ، ومن كثرت ذنوبه قسي قلبه، ومن قسي قلبه غرق في آفات الدنيا وزينتها “.

الفضيل بن عياض:”شيئان يُقسيان القلب:كثرة الكلام وكثرة الأكل”.

قال ابراهيم بن أدهم :”من ضبط بطنه ضبط دينه ، ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة ، وإن معصية الله بعيدة من الجائع قريبةٌ من الشبعان ، والشبع يميت القلب ومنه يكون الفرح والمرح والضحك”.

قال أبو سليمان الداراني:”لأن أترك لقمةً من عشائي احبُّ إليَّ من قيام ليلةٍ إلى الصبح”.

عبد الله بن المقفع:”أصل الأمر في صلاح الجسد ألا تحمل عليه من المآكل والمشارب والباه إلا خفافاً ، ثم إن قدرت على أن تعلم جميع منافع الجسد ومضاره والانتفاع بذلك كله فهو أفضل”.

جاء في أدب المملي:”ثلاثة تورث ثلاثة: النشاط يورث الغنى،والكسل يورث الفقر ، والشراهة تورث المرض”.

قال أكثم بن صيفي:”رُبَّ أكلةٍ تمنعُ أكلات(جمهرة الأمثال للعسكري ج2 ص266).

ثابت بن قرة:”راحة الجسم في قلة الطعام”

وجاء في العقد الفريد لابن عبد ربه:”الدواء الذي لا داء معه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه ، وتقوم عنه وانت تشتهيه”.

محمد إقبال(روائع إقبال):”عبادة البطن قتل للروح، وإذا شئت اخترت القلب ، وإذا شئت اخترت البطن”.

وجاء في مجمع الأمثال للميداني يقال:”إنّ مما يُنبِتُ الرّبيعُ ما يقتلُ حَبَطاً أو يُلمُّ: الربيع ينبت العشب فتستكثر منها الماشية حتى تنتفخ بطونها إذا جاوزت حد الأحتمال فتنشق أو تهلك “(الحبط: انتفاخ البطن)

وجاء في مجمع الامثال للعسكري (ج2 ص)193:”يقولون: ليسَ الرِّيُّ عن التَّشافِّ: يضرب مثلاً للقناعة ببعض الحاجة . اي ليس قضاء الحاجة أن تدركها إلى أقصاها ، بل في معظمها مَقْنَعٌ . والتشاف:هو استقصاء الشرب حتى لا يبقى في الإناء شئ . والشُّفافة: بقية الشراب في الإناء.

وجاء في نفس المرجع للعسكري (ج2 ص)193:يقولون : لم يُحرم من فُصِدَ له : أي لم يُحرم من نال بعض حاجته . وأصله أن يُملأ المصيرُ دماً من أوداج البعير أو الفرس ثم يُشوى فيؤكل .

قالوا:”من غرس الطعام أثمره الأسقام ”

قالوا:”ثلاثة تضر بأربابها:”الإفراط في الأكل إتكالاً على الصحة ، والتفريط في العمل اتكالاً على القدر، وتكلف ما لا يطاق اتكالاً على القوة”

وجاء في جمهرة الأمثال للعسكري (ج1 ص 122) :” العرب تذم الشهوان الرّغيب (الطامع في الطعام) ولهذا قال أعشى باهلة يمدح المنتشر بقلة الأكل:

تكفيه حُزَّةُ فِلْذٍ إن ألمَّ بها                            من الشَّواءِ ويُروي شُربه الغُمَرُ

(الحزة:القطعة من اللحم اذا كانت مقطوعة طولا,الغمر: القدح الصغير)

وجاء في عيون الأخبار لابن قتيبة (كتاب الحوائج ص 135):

كان شبيب بن شيبة رجلاً شريفاً يفزع إليه أهل البصرة في حوائجهم ،فكان إذا أراد الركوب تناول من الطعام شيئاً ثم ركب ، فقيل له : إنك تباكر الغداء؟ فقال: اجل أطفئ به فورة جوعي ، وأقطع به خُلوف فمي ، وأبلغ في قضاء حوائجي ، فخذ من الطعام ما يذهب عنك النهم ، ويُداوي من الخوى “.

وفي نفس المرجع  أحدهم ينصح ابنه:

“أي بني ، لأمرٍ ما طالت أعمار الهند ، وصَحّت أبدان الأعراب ، فلله در الحارث ابن كَلَدة حيث يزعم أن الدواء هو الأزَم(ألا تدخل طعاما على طعام)وأن الداء إدخال الطعام إثر الطعام” .

أي بني ، لِم صغت أذهان الأعراب ، وصَحّت أبدان الرهبان ، مع طول الإقامة في الصوامع حتى لم تعرف النِّقرِس ولا وجع المفاصل ولا الأورام إلا لقلة  الرُّزْءِ وخفة الزاد(الرزء: مايصيب الانسان من قلة الطعام)، وكيف لا ترغب في تدبيرٍ يجمع لك صحة البدن وذكاء الذهن  وصلاح المِعي(الامعاء) وكثرة المال ، والقرب من عيش الملائكة !

أي بني ، لم صار الضّب أطول شئ ذَماءً(طول حياة) إلا لأنه يتبلغ بالنسيم ، ولم قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن الصوم وجاء إلا ليجعله حجاباً دون الشهوات . افهم تأديب الله ، فإنه لم يقصد به إلا مثلك .

أي بني ، قد بلغتُ تسعين عاماً ما نَغَض  لي سن ، ولا انتشر لي عصب (نغض:قلق وتحرك، انتشر:انتفخ) ولا عرفتُ ذنين أنف(المخاط الرقيق يسيل من الأنف)ولا سيلان عين ، ولا سلس بول ، ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد ، فإن كنت تحب الحياة فهذه سبيل الحياة ، وإن كنت تريد الموت فلا يُبعد الله إلا من ظلم نفسه ”

وجاء في نفس المرجع كتاب الطعام :سأل عبد الملك بن مروان أحدهم فقال: هل أتخمت قط؟ قال: لا ، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنا إذا طبخنا أنضجنا ، وإذا مضغنا دّققنا ، ولا نَكُظُّ المعدة ولا نخليها”.

وجاء في عيون الأخبار لابن قتيبة كتاب الطعام :” قال عبد الملك لاعرابي : إنك حَسَنُ الكِدْنه(غلظ الجسم وكثرة اللحم) قال: إني أدفئ رجليَّ في الشتاء ، وأُغفل غاشية الغمِّ، وآكل عند الشهوة”

وفي نفس المرجع عن شُرَحبيل بن مسلم قال : قال أبو الدرداء : بئس العون على الدِّين قلبٌ نخيب(جبان) وبطنٌ رغيب(واسع الجوف كناية عن كثرة الأكل وشدة النهم) ونعظٌ شديد

الحسن البصري: إن ابن أدم أسير الجوع ، صريع الشبع(عيون الاخبار –ابن قتيبة)

وفي نفس المرجع: الاصمعي قال: بلغني أن أقواماً لبسوا المطارفَ العِتاق ، والعمائم الرِّقاق ، وأوسعوا دورهم ، وضيقوا قبورهم ، وأسمنوا دوابهم ، وهزلوا دينهم ، طعام أحدهم غصب،وخادمه سُخرة، يتكئ على شماله ، وياكل من غير ماله ، حتى إذا أدركته الكِظّة قال : ياجارية هاتي حاطوماً(الهاضوم وكل ما يهضم الطعام)، ويلك ، وهل تحطم إلا دينك ! أين مساكينك ! أين يتاماك ! أين ما أمرك الله به ، أين أين !؟

قال العتبي : قلت لرجل من أهل البادية : يا أخي ، إني لأعجب من أي فقهاءكم أظرف من فقهائنا ، وعوامكم أظرف من عوامنا، ومجانينكم أظرف من مجانينا !! قال: أوما تدري لم ذاك؟ قلت: لا قال: من الجوع ، ألاترى أن العود إنما صفا صوته لخلو جوفه .

وقيل لجالينوس(ونسب لأ بقراط في العقد الفريد): إنك تُقِلّ من الطعام ؟ قال: غرضي من الطعام أن آكل لأحيا ، وغرض غيري من الطعام أن يحيا ليأكل (عيون الاخبار)

كان كسرى أنو شروان يمسك عما تميل إليه شهوته ولا ينهمك عليه ، ويقول: تركنا ما نحبه لنستغني عن العلاج بما نكرهه .

ويقال: اقلل طعاماً تَحمدْ مناماً(نفس المرجع)

يقال: نِعمَ الإدامُ الجوعُ، ما ألقيت إليه قَبله

قالوا : راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة النفس في قلة الآثام، وراحة القلب في قلة الاهتمام ، وراحة اللسان في قلة الكلام(عيون الاخبار-ابن قتيبة-)

ومن النصائح التي جاءت في كتاب القانون لابن سينا فيما يتعلق بصحة الغذاء مايلي:

ـ واعلم أنه لا شىء أردأ من شبع في الخصب،يتبعه جوع في الجدب،والعكس أردأزوقد رأينا خلقاً ضاق عليهم الطعام في القحط فلما اتسع الطعام امتلؤوا وماتوا.

ـ على أن الامتلاء الشديد في كل حال قتال،كان من طعام أو شراب،فكم من رجل امتلأ بإفراط فاختنق ومات.

ـ أضر شىء بالبدن إدخال غذاء على غذاء لم ينضج وينهضم،ولا شر من التخمة،وخصوصاً ما كان تخمة من أغذية رديئة.

ـ الأعراض النفسانية الفادحة والحركات البدنية الفادحة يمنعان الهضم.

2- عدم ادخال الطعام على الطعام وأداب الشراب الصحية:

جاءت السنة النبوية مبينة وجوه الشرب السليمة ومنها استحباب التنفس ثلاث مرات خارج الإناء. جاء في الحديث الشريف عن أنس رضي الله عنه “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الشرب ثلاثاً: [متفق عليه ]. والحديث يعني : يتنفس خارج الإناء . وفيه استحباب أخذ الماء على ثلاث جرعات ، والتنفس بعد كل جرعة ، وهذا مايؤيده الطب والصحة .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”لا تشربوا واحداً كشرب البعير ، ولكن اشربوا مثنى وثلاث ، وسموا إذا أنتم شربتم ، واحمدوا إذا أنتم رفعتم ” [رواه الترمذي] .

وفي حديث أخر متفق عليه عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم” نهى أن يُتنفس في الإناء“.

ومن أداب الشرب أيضاً كراهة الشرب من فم القربة ونحوها كراهة تنزيهية . عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية ، (يعني أن تكسر أفواهها ، ويشرب منها) ” [متفق عليه] .وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشرب من فِي السِقاء أو القِربة“[متفق عليه].

ومن أداب الشرب أيضاً كراهية النفخ في الشراب ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب ، فقال رجل: القذاة أُراها في الإناء ؟ فقال : أهرقها ، قال: إني لا أروى من نَفَس واحد؟ قال : فأبن القدح إذن عن فيك ” [رواه الترمذي وقال حسن صحيح ].

(أي أزل الكأس وأبعده عن فمك إذا شربت أكثر من جرعة .)

جاء في جمهرة الأمثال للعسكري (ج1 ص484):”يُقال: الرَّشفُ أنْقَعْ: واصله أنّ الشراب إذا رُشف قليلاً قليلاً كان أقطع للعطش وأجلبَ للرّي “.

سئل الحارث بن كلدة طبيب العرب: مالدواء الذي لا داء فيه ؟ قال: الا يدخل بطنك طعام وفيه طعام(بهجة المجالس ج1 ص378)

وفي نفس المرجع السابق : ثلاثة تقتل:”الحمام على الكِظّة، والجماع على البطنة، والإكثار من أكل القديد اليابس”.

جاء في جمهرة الأمثال للعسكري( ج1 ص200):يقال: آكلُ من حوت: لبلعه الاشياء من غير مضغ ، وإنما يُسرعُ الشَّبعُ مع المضغ ، ويُبطئ مع البلع من غير مضغ ، فالماضغ يشبعه القليل والبالع لا يشبعه الكثير ، وهكذا سبيل الماء في الرّشف والعبّ.

جاء في عيون الاخبار (–ابن قتيبة –كتاب الطعام ص270):

“قال الحجاج لمتطببه تياذوق(طبيب مشهور في صدر الاسلام والدولة الاموية وكان الحجاج يثق به ويعتمد على مداواته): صف لي صفةً آخذ بها في نفسي ولا أعدوها ؟ قال تياذوق: لا تتزوج من النساء إلا شابة، ولا تأكل من اللحم إلا فتياً ، ولا تأكله حتى يُنعَم طبخه ، ولا تشربن دواءً إلا من علةٍ ، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها ، ولا تأكل طعاماً إلا أجدتَ مضغه، وكل ما أحببت من الطعام واشرب عليه ، وإذا شربت فلا تأكل عليه شيئاً ، ولا تحبس الغائط والبول، وإذا أكلت بالنهار فنم ، وإذا أكلت بالليل فتمشى ولو مائة خطوة “.

ومن نصائح تياذوق للحجاج : أربع خصالٍ يهدمن العمر وربما قتلن: دخول الحمام على بِطنةٍ ، والمجامعة على الامتلاء ، وأكل القديد الجاف(اللحم المجفف) وشرب الماء البارد على الريق ، وقيل مجامعة العجوز”.

وجاء في عيون الأخبار لابن قتيبة كتاب الطعام  قال جعفر : كنا نأتي فرقداً السَّبخيَّ ونحن شببة(شباب) فيعلمنا : إن من ورائكم زماناً شديداً ، فَشدُّوا الأزُرَ عل أنصاف البطون، وصَغِرّوا اللقم ، وشَددّوا المضغ، ومُصوّا الماء مصاً ، وإذا أكل أحدكم فلا يَحُلنَّ إزاره فتتسع أمعاؤه،وإذا جلس أحدكم ليأكل فليقعد على أليتيه ، وليلزق بطنه بفخذيه ،وإذا فرغ فلا يقعد وليجئ وليذهب ، واحتموا(من الحمية) فإن من ورائكم زماناً شديداً”.

وجاء في نفس المرجع أحدهم ينصح ابنه: يا بنيّ عَوِّد نفسك الأُثرة(المكرمة) ومجاهدة الهوى والشهوة ، ولا تنهش نهش السباع ، ولا تُدمن الأكل إدمان النعاج، ولا تَلقَم لقمَ الجمال ، فإن الله تعالى جعلك إنساناً وفَضّلك ، فلا تجعل نفسك بهيمةً ولا سبعاً ، واحذر سرعة الكِظّة (الامتلاء من الطعام) وسَرَف البطنة”.

3- النهي عن البدانة والسمنة:

عن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”خيركم قرني ثم الذين يلونهم  ثم الذين يلونهم . قال عمران: فما أدري قال النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثا –ثم يكون من بعدهم قوم ….ولا يسُتشهدون ، ويخونون ولا يُؤتمنون ، ويندرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السِّمن” [متفق عليه].

روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة . وقال اقرؤوا: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا}.

وجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا أخبركم باهل الجنة؟ قالوا: بلى ، قال صلى الله عليه وسلم: كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ثم قال: الا أخبركم بأهل النار؟قالوا: بلى،قال: كل عتل جواظ مستكبر“.

جاء في لسان العرب:الجواظ: كثير اللحم الجافي الغليظ الضخم المختال في مشيته.وقال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم:أما الجَوّاظ فهو الجموع المنوع. وقيل كثير اللحم المختال في مشيته. وقيل : القصير البطين

جاء في البصائر والذخائر ج3 :” قال ابن عباس : خطب عمر فقال:”إياكم والبطنة فإنها مكسلةٌ عن الصلاة ، مفسدةٌ للجسم ، مؤديةٌ إلى السقم ، وعليكم بالقصد في قوتكم ، فإنهُ أبعد من السّرف وأصَحُّ للبدن وأقوى على العبادة، وإنّ العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه”.

عمر الفاروق رضي الله عنه:”إياكم والسمنة فإنها عقله(أي أنها تقيد الإنسان في عمله وفكره).

عائشة رضي الله عنها : “أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشِبَعْ ، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم ، فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم ” [رواه البخاري].

جاء في كتاب القانون لابن سينا:”إن السمن المفرط قيد للبدن عن الحركة والنهوض والتصرف،ضاغط للعروق ضغطاً مضيقاً لها،فينسد على الروح مجاله فيطفا كثيرا.وكذلك لا يصل إليهم نسيم الهواء،فيفسد بذلك مزاج روحهم،ويكونون على حذر من أن يندفع الدم منهم أيضاً إلى مضيق،فربما انصدع عرق بغتة انصداعاً قاتلاً،وفي مثل هذا الحال والحال التي قبلها يحدث بهم ضيق نفس وخفقان،فليتدارك حينئذ حالهم بالفصد، وهؤلاء بالجملة معرضون للموت فجأة،فإن الموت إلى العيال الباغين فيه أسرع،وخصوصاً الذين عبلوا في أول السن فهم دقاق العروق مضغوطوها وهم معرضون للسكتة والفالج والخفقان والذرب ولسوء التنفس والغشي والحميات الرديئة،ولا يصبرون على جوع ولا على عطش بسبب ضيق منافذ الروح وقلة الدم ،ولن يبلغ الإنسان المبلغ العظيم من العبالة إلا وهو بارد المزاج،ولذلك هم غير مولدين ولا منجبين،ومنهم قليل،وكذلك العبلات من النساء لا يعلقن،وإن علقن أسقطن…

جاء في عيون الأخبار لابن قتيبة –كتاب الطعام :

“قيل لأحدهم : ما أسمنك؟ قال: قِلّة الفكرة ، وطُولُ الدّعة ، والنومُ على الكِظّة”

وفي نفس المرجع قال أحدهم : إذا كنت بطيناً فَعدَّ نفسك من الزمنى”

وفي نفس المرجع: قال أحدهم: اعلم أن الشبع داعية البَشَم، وأن البشم داعية السقم ، وأن السقم داعية الموت ، فمن مات بهذه الميتة فقد مات ميتةً لئيمةً، وهو مع هذا قاتل نفسه ، وقاتل نفسه ألام من قاتل غيره .

يابني ، والله ما أدى حقّ الركوع والسجود ذو كِظّة ، ولا خشع لله ذو بطنة ، والصومُ مصحة، والوَجبات عيش الصالحين “(الوجبات: جمع وجبة، وهي الأكلة في اليوم والليلة)

وجاء في الأمثال للعسكري (ج1 ص78):” رأى أعرابي أحدهم وكان جَيّدَ الكُدْنة(وفرة الشحم واللحم) فقال له:أرى عليك قميصاً صفيقاً من نَسجِ ضِرسك.”

وفي عيون الأخبار لابن قتيبة : قيل لرجل: ما أسمنك؟ قال: أكلي الحار ، وشربي القار(البارد)، واتكائي على شمالي ، وأكلي من غير مالي. وقيل لأخر: ما أسمنك؟ قال: قلة الفكرة، وطول الدّعة ، والنوم على الكِظّة.

صام أبو موسى الأشعري رضي الله عنه حتى عاد كأنّه خلال ، فقيل له: لو أجممت نفسك ؟ فقال: هيهات ، إنما يسبق من الخيل المضمرة . وربما خرج من منزله فيقول لأمرأته:شدي رحلك فليس على جسر جهنم معبر.

ومن الناحية الطبية فإن البدانة تترافق مع كثير من الأمراض المزمنة والخطيرة على صحة الجسم وخاصة ارتباط البدانة والسمنة مع أمراض القلب والدوران مثل أدواء القلب الإكليلي ومنها ذبحة الصدر واحتشاء عضلة القلب وارتفاع ااضغط الشرياني، وانسداد الشرايين المحيطية، وأمراض الجملة العصبية المركزية وخاصة نقص التروية الدماغي والفالج والحادث الوعائي الدماغي، وامراض الإستقلاب وخاصة منها داء السكري وداء النقرس، وارتفاع كولستول الدم والشحوم الثلاثية،وأمراض الجهاز الحركي وخاصة اصابة المفاصل في الركبة والورك وأمراض العمود الفقري،وأمراض الجهاز الهضمي وخاصة الإصابة بالحصيات المرارية والتهاب المرارة، وتشحم الكبد، وكذلك الإصابة بمايسمى انقطاع النفس أثناء النوم وهو مرض يترافق مع التعب الشديد والميل الشديد للنوم اثناء النهار وهذا مايسبب حوادث السيارات للمصابين بهذا المرض كما أنه يسبب اضطرابات قلبية ودماغية وقد يكون أحد اسباب الاكتئاب والعنّة الجنسية…ومايسمى أيضاً المتلازمة الاستقلابية

ورغم أن أكثر الدهون يتراكم في الأرداف والأفخاذ إلا أن الدراسات تشير إلى أن الدهون المتراكمة في البطن تعتبر الأخطر وهي التي تترافق غالباً مع الأمراض المذكورة سابقاًولذلك فإن الدراسات الحديثة توجه لقياس الخصر ومعرفة حجم البطن وقطره

4- الحمية:

التعريف:الاقلال أو الامتناع عن بعض الغذاء لقصد وقائي أو علاجي

وفي أحد أعداد مجلة حضارة الإسلام هناك بحث في موضوع الحمية من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الناحية الطبية وأنقل الكلام المدرج أدناه من هذا البحث وإن كان غاب عني رقم العدد وصاحب المقال :

والحمية العلاجية: هي التدبير الغذائي الخاص بالمريض من الزامه منهاجاً معيناً من التغذية لايتعداه أو منعه عن بعض أنواع الأغذية مما يزيد المرض أو يؤخر برءه أو يسبب اختلاطات له .

ويتابع صاحب المقال:”لقد قضت حكمة الله تعالى أن يكون في الجسم الإنساني مدخرات كبيرة يستفيد منها في أوقات الحرمان أو نقص الوارد الغذائي . فلذلك لا ينبغي للمريض ولا لذويه أن يغتموا بسبب الحمية المشددة أو بسبب القمه العارض خلال فترة المرض.فإن المعدة في كثير من الأمراض لا تحتمل الطعام الزائد أو لا تحتمله مطلقاً فإذا أجبر المريض على تناوله تقزز منه أو سبب له غثياناً أو قيئاَ .والطبيب هو الذي يحدد طريقة التغذية بحسب نوع المرض ، وهو الذي يدرك سبب القمه الحادث ويعرف ما إذا كان يجب احترامه وتركه ريثما تمر المرحلة المرضية بسلام أم يجب رسم تدابير دوائية وغذائية  لتحريك الشهية إلى الطعام .ولذا لا يجوز لذوي المريض أن يجبروا مريضهم على الطعام  وقد عافته نفسه وخاصة إذا لم يعرفوا  نوع الحمية الخاصة بمرضه . وإلى هذه الناحية التي أشار إليها الطب الحديث أشار سابقاً رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:”لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم“[رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وأخرجه ابن ماجة في الطب واخرجه الحاكم وابن السني ].

ويتابع الكاتب:وفي الحمية العلاجية ورد في هدي النبوة مايلي:

  • لقد كان من هدي الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلم أن يغذي المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ أهله الوعك أمر بالحساء فصنع ُم أمرهم فحسوا منه ، وكان يقول:إنه ليرتو فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسرو احداكن الوسخ بالماء عن وجهها “رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح واخرجه ابن ماجة .(يرتو: يشد ، يسرو: يكشف ويجلو). وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تأمر بالتلبين للمريض وللمحزون على الهالك وتقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:”إن التلبينة تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن ” [رواه البخاري].
  • (تجم:تريح الفؤاد وتزيل عنه الهم وتنشطه)، وفي رواية :”عليكم بالبغيض النافع التلبينة فوالذي نفسي بيده إنه ليغسل بطن أحدكم كما يغسل الوسخ عن وجهه بالماء “[ رواه ابن ماجة والحاكم وهو حديث صحيح ].
  • (وسميت بالبغيض النافع لأن نفس المريض تعافه وهو نافع له)
  • التلبينة والتلبين –كما في النهاية لإبن الأثير-حساء يعمل من دقيق أو نخالة وربما جعل فيها عسل سميت به تشبيها باللبن لبياضها ورقتها .
  • وفي الأحاديث النبوية إشارة إلى أهمية الحمية في الأمراض وإلىضرورة مراعاتها حتى دور النقاهة فلا يدعها فجأة .فعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت:”دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي، ولنا دوال معلقة، قالت فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل وعلي معه يأكل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: مه مه ياعلي فإنك ناقه، قالت فجلس علي والنبي صلى الله عليه وسلم يأكل ، قالت فجعلت لهم سلقاً وشعيراً فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا علي من هذا فأصب فإنه أوفق لك ” رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب ورواه ابن ماجة في الطب وباب الحمية .(دوالي : جمع دالية وهي العذق من البسر يعلق حتى إذا أرطب أكل)
  • لامبالغة في الحمية: لقد شدد الأقدمون في الحمية تشديدا مفرطاً نظراً لضعف وسائل التشخيص والتفريق بين كثير من الأنواع المرضية التي كانت تحشر في زمر من التناذرات المرضية ونظراً لندرة الأدوية النوعية ، ولذا قال طبيب العرب الحارث بن كلدة:”المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء”. وقد يتطوع اهل المريض وزواره بوصف حميات حسب معارفهم دون أن تكون موصوفة من قبل الطبيب المعالج ، وقد يبالغون في تطبيق الحمية بدافع الحرص على صحة وسلامة المريض فيمنعونه حتى عن القليل من الغذاء الذي يشتهيه ولم يحظره الطبيب حظراً مطلقاً. انتهى الحديث من حضارة الاسلام .

تحريم الخبائث

أذكر هنا مقالأ رائعاَ للدكتور محمود ناظم النسيمي في مجلة حضارة الإسلام عدد أيار عام 1973وهو موضوع طويل ومفصل أنقله بنصه لأهميته :

” كلما أمعن المسلم في دراسة تعاليم الإسلام كلما ازداد إيماناً بانها ربانية ، ويقيناً بصلاحيتها لكل زمان ومكان، وبأنها تعاليم تتماشى مع العقل السليم والمنطق القويم والحقائق العلمية التي يراد لها الصواب . والواقع أن أحكام الشريعة الغراء إنما جاءت لحفظ مصالح الناس الدينية والدنيوية ودرء الاختلال فيها . وتضم تلك المصالح : حفظ الدين ، والنفس، والنسل ، والمال ، والعقل. وقد سماها الفقهاء الأصوليون بالضروريات الخمس .

ولقد أشار القرأن العظيم إلى ذلك المقصد الحق في أحكام الأطعمة حيث أباح الله تعالى أن يأكل الناس مما في الأرض حلالاً طيباً  مستلذاً ، غير مستقذر ولاضار ، ولا خالياً من ملابسات الإعتقادات الباطلة  وغير معتدى في تناوله على حق الغير ، وحرّم عزّ وعلا أن يتناول الإنسان المطعومات والمشروبات الضارة  والمستقذرات ،وكل ما فيه خبث مادي أو معنوي فقال تعالى:{يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} [البقرة168]، وقال عز وعلا :{يا أيها الذين أمنوا كلوا من طيبات مارزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله  فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} ” [البقرة172-173]  .

أيتان : أولاهما تبيح كل الطيبات والثانية تفصل المحرمات مشيرة إلى أنها ليست من الطيبات ، وضح خبثها للإنسان أم لا ، وبعد أن ذكر الله تعالى تلك المحرمات في الأية الرابعة من سورة المائدة قال ::{ يسألونك ماذا أحل لهم قل اُحل لكم الطيبات }.. كأنما يقول لهم وما حرمته عليكم خبائث لا يليق بالعاقل أن يتناولها وأن يحيد عن الطيبات إليها . ولولا أن اليهود قوم طغت عليهم المادة والشهوات منذ القديم ، فأسرفوا في الذنوب والظلم والبغي  لما حرّم الله عليهم بعض الطيبات التي كانت مباحة لهم وصدق الله العظيم {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً} وقال تعالى:{قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم *وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} [ الأنعام 145-146].

ولقد شاءت رحمة الله تعالى أن يرفع ذلك التشديد ويضع تلك الأغلال التي كانت على من قبلنا من أهل الكتاب بإتباعهم خاتم المرسلين المبعوث رحمة للعالمين  فقال عز وعلا :{والذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم  في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين أمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف 156]. فالمحرمات من المطعومات والمشروبات إنما حرمت في الإسلام لضرر أو خبث فيها ، مادي أو معنوي ، وإن تحريم الخبائث هي إحدى الأسس الدستورية القرانية والقواعد العامة الإسلامية وإحدى فقرات التخطيط الصحي في الإسلام”.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي (كتاب الحلال والحرام ):

“من محاسن الإسلام ومما جاء به من تيسير على الناس أنه ما حرّم شيئاً عليهم إلا عوضّهم خيراً منه مما يسدّ مسّده ، ويغني عنه ، كما بين ذلك ابن القيم رحمه الله . حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه دعاء الإستخارة . وحرم عليهم الربا وعوضهم التجارة الرابحة . وحرم عليهم القمار ، وأعاضهم عنه أكل المال بالمسابقة النافعة في الدين بالخيل والإبل والسهام . وحرم عليهم الحرير ، وأعاضهم عنه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن .وحرم عليهم الزنا واللواط، وأعاضهم عنهما بالزواج الحلال . حرم عليهم شرب المسكرات ، وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن . وحرم عليهم الخبائث من المطعومات ، وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات . وهكذا إذا تتبعنا أحكام الإسلام كلها، وجدنا أن الله جل شأنه لم يضيق على عباده في جانب إلا وسّع عليهم في جانب أخر من جنسه ، لإنه سبحانه لا يريد بعباده عنتاً ولا عسراً ولا إرهاقاً ، بل يريد اليسر والخير والهداية والرحمة كما قال تعالى :”{يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً* يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً} [النساء 26-28] .

الطيب والخبيث لغة وشرعاً:

وردت ألفاظ الطيب والخبيث في النصوص الإسلامية وأريد في بعضها أصل المعنى اللغوي أو ما تفرع عنه ، وأريد في بعضها الأخر المعنى الاصطلاحي الشرعي ، ويجوز في بعضها المعنيان.

-أصل الطيب ما تستلذّه الحواس وما تستلذّه النفس . والخبيث هو ما يكره رداءة وخساسة محسوساً كان أو معقولاً . وذلك يتناول الباطل في الأعتقاد والكذب في المقال ، والقبيح في الفعال ، كما جاء في المفردات في غريب القران للراغب الأصفهاني .

وبأصل المعنى اللغوي لكلمتي الطيب والخبيث قال المفسرون في الأيات المتعلقة بالأطعمة والأشربة في قوله تعالى{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف].وقوله تعالى{حرمنا طيبات أحلت لهم}وقوله سبحانه:{أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}  [فاطر 46]، وقوله تعالى:{ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث}[الأنبياء74]،. اي الأعمال المكروهة المستقبحة .

ويقال في الشئ الكريه الطعم والرائحة خبيث مثل الثوم والبصل والكرات كما جاء في لسان العرب لابن منظور فعن انس بن مالك رضي الله عنه قيل له ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم في الثوم قال: “من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربنَّ مسجدنا” [رواه الشيخان ].

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ياأيها الناس إنكم تأكلون من شجرتين –ما أراهما إلا خبيثتين –هذا البصل وهذا الثوم ، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحها من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع ، فمن أكلها فليمتها طبخاً ” أخرجه النسائي واسناده حسن . فالمراد في الخبيث في أحاديث البصل والثوم المعنى اللغوي أي مايكره لا الاصطلاح الشرعي الذي هو المحرم.

والطيب من كل شئ أفضله ، ولذا يطلق الطيب على الجيد، والخبيث على الردئ ، لأن الجيد يستلذ والردئ يكره . ورد هذا المعنى في قوله تعالى:{يا أيها الذين أمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد} [البقرة 267].

والمعنى انفقوا في زكاتكم وصدقاتكم من أفضل وأجود أموالكم ولا تقصدوا الردئ منه الذي أنتم لا تأخذونه من غيركم إلا أن تغمضوا الطرف عن رداءته لحاجتكم إليه .

أما في الاصطلاح الشرعي :

فالطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام . قال الأصفهاني في المفردات في غريب القران : الطعام الطيب في الشرع: ما كان متناولاً من حيث ما يجوز وبقدر ما يجوز ومن المكان الذي يجوز ، فإنه متى كان كذلك كان طيباً عاجلاً أو أجلاً . وقال ابن منظور في لسان العرب : الحرام البحت يسمى خبيثاً مثل الزنا والمال الحرام وما أشبهها مما حرمه الله تعالى .

إن الاصطلاح الشرعي في كلمتي الطيب والخبيث هو المراد في قوله تعالى :{يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعلمون عليم }[المؤمنون 52].ومن قوله سبحانه:{قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو اعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} [المائدة 103 ]. فما يحرم الشارع الحكيم من الأطعمة والأشربة يدعى خبيثاً ، ولاشك أن فيه خبثاً مادياً أو معنوياً تصديقاً لقوله تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}.

وبما أن الطيب من كل شئ أفضله وأجوده ، وأن المؤمن الصالح افضل من الكافر والفاسق ، فإن كلمة الطيب قد تأتي في الشرع ويراد منها المؤمن التقي الصالح ، كما أن كلمة الخبيث قد يراد منها الكافر . قال في لسان العرب : الطيب من الإنسان من تعرّى من نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال وتحلّى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال . قال تعالى:{الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} وقال سبحانه:{ ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} []الأنفال 38] .وقال عز وعلا : {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات}[ النور26 ].

وقد ورد في الشرع الطيب بمعنى الطاهر لأن الطاهر فضل حساً وشرعاً . قال تعالى :{فتيمموا صعيداً طيباً } [المائدة 5 ]. أي تراب طاهر . إنما قد لاتفيد الحصر : قال الإمام الفخر الرازي في تفسيرقوله تعالى”{إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله}  : واعلم أن إنما على وجهين :أحدهما أن تكون حرفاً واحداً كقوله تعالى :{إنما الله إله واحد} واختلفوا في حكمها على هذا الوجه ، والأكثر على أنها تفيد الحصر ، واحتجوا عليه بالقرآن  والشعر والقياس . والثاني: أن تكون منفصلة من أن وتكون بمعنى الذي كقولك ان ما أخذ مالك وقوله تعالى : {إنما صنعوا كيد ساحر}  . إن القائلين بأن كلمة إنما للحصر اتفقوا على أن ظاهر الأية يقتضي أن لا يحرم سوى هذه الاشياء ولكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات ، فتصير كلمة إنما متروكة الظاهر في العمل . ومن قال إنها لا تفيد الحصر فالإشكال زائل .

تصنيف الخبائث :

أولاً:المحرمات لخبث مادي في ذاتها :أي أنها تؤدي في الغالب إلى ضرر على صحة الإنسان الجسمية أو العقلية . ولا يعني تغلب الخبث المادي فيها أنها تخلو من خبث معنوي ، وتشمل الفئات التالية:

  • الميتة :ومافي حكمها كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع
  • الدم المسفوح
  • لحم الخنزير
  • النجاسة : فيحرم النجس والمتنجس بما لا يعفى عنه .

قال الإمام الفخر الرازي في قوله تعالى:{أو لحم خنزير فإنه رجس} ، ومعناه أنه تعالى إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجساً ، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل ،فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله ، ثم إنه تعالى قال في أية أخرى :{ويحرم عليهم الخبائث}وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث ، والنجاسات خبائث فوجب القول بتحريمها ، ثم إن الأمة مجتمعة على حرمة تناول النجاسات.

إن تحريم النجس والمتنجس كما يقتضيه الدليل الشرعي فإن الطب وفن الصحة يؤيدان ذلك لأن ما يحكم عليه الشرع بالنجاسة هو غالباً من مصادر العدوى والأمراض لما يحتويه من جراثيم أو طفيليات أو لأنه وسط صالح جداً لتكاثرها .

  • المسكرات والمخدرات والمرقدات :فيحرم المسكر وهو ما غيّب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب . ويحرم المخدر(ويقال له المفسد) وهو غيب العقل دون الحواس بلا نشوة وطرب كالحشيشة و يحرم ايضاً المرقد وهو ما غيب العقل والحواس معاً كالأفيون (التعاريف من الموسوعة الفقهية الكويتية)

إن تعريف الفقهاء لكل من المسكر والمخدر والمرقد إنما هو بحسب الظواهر والأعراض الغالبة  تحت تأثيرها عند معظم متعاطيها . وإلا فقد تتجلى إحدى صفات التأثر أو التسمم بإحداها بما يشبه أعراض التسمم بالأخرى فتعريفهم بحسب الاعراض والظواهر الغالبة صحيح ولو حشر علم الأدوية الأفيون والحشيشة معاً في صنف السموم المشدهة .

  • السموم في غير التداوي: مثلاً السَيْكران من السموم الشديدة ، وليس من السموم المشدهة ولا من المرقدات . وإن حشر سلفنا الصالح من الفقهاء للسيكران في زمرة المرقدات مع الأفيون ، إنما هو خطأ ناتج من خطأ من وصف لهم تأثير السيكران ، ومن المعلوم أن الفتوى على قدر النص .
  • الأشياء الضارة الأخرى التي لا نص في تحريمها وليست سامة :وقد ذكر منها في كتب الفقه الطين والتراب والحجر والفحم على سبيل المثال . وإنما تحرم على من تضره . ولا شك أن هذا النوع يشمل ما كان نباتياً وحيوانياً وجمادياً . ويعرف الضار من غير الضار من أقوال الأطباء والمجربين .ولا فرق في الضرر الحاصل بالسميات أو سواها بين أن يكون مرضاَ جسمانياً أياً كان نوعه ، أو أفة تصيب العقل كالجنون والخبل.قال الأستاذ العلامة الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا –رحمه الله- الظاهر أن ما يغلب على الظن ضرره يُحرّم ، وما يُشك فيه أو يكون ضرره خفيفاً يُكره . لقد أوصى الإسلام العظيم أن يحرص المؤمن على ما ينفعه ، ولا يتم الحرص على ما ينفع إلا بتجنب ما يضر . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ماينفعك واستعن بالله ولا تعجز “[ رواه مسلم وأحمد وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه] .

ثانياً : المحرمات لخبث معنوي:

سواء كان الخبث المعنوي صرفاً أم متغلباً على الخبث المادي فيها . وتصنف إلى :

1-فئة حرمت حفاظاً على سلامة عقيدة الإيمان والتوحيد . وهي لحوم الحيوانات التي أُهل عند ذبحها اسم معبود غير الله تعالى ، وما ذبح على النصب وكذلك الذبائح التي تقصّد الذابح ترك التسمية عند ذبحها ، وكذلك ذبيحة الوثني والمجوسي (الموسوعة الفقهية الكويتية)

2- فئة حرمت حفاظاً على سلامة عبادة الحج والعمرة ، أو حفاظاً على قدسية مكانهما ، ولهذا حرم على المحرم صيد البر  مادام في عبادة الإحرام لحج أو عمرة ولو خارج الحرم ، وحرم على المسلم صيد حيوان الحرم ما دام ضمن الحرم وذلك التحريم أمر تعبدي صرف .

3- فئة حرمت لتعلق حق الغير بها : فعدم الأذن شرعاً لحق الغير سبب في التحريم ، ومن أمثلة هذا السبب أن يكون الطعام غير مملوك لمن يريد أكله ولم يأذن له فيه مالكه ولا الشارع ،وذلك كالمغصوب أو المسروق أو المأخوذ بالقمار أو البغاء . بخلاف ما لو أذن فيه الشارع كأكل الولي من مال المُولى عليه بالمعروف ، وأكل ناظر الوقف من مال الوقف ، وأكل المضطر من مال غيره ، فإنهم مأذونون من الشارع .ويضمن المضطر ما يستهلكه من مال غيره لدفع الخطر عن نفسه .

4-فئة حرمت بقصد سلامة المعاني الإنسانية  ورفع مستوى المسلم عن الدنايا والسفاسف وبقصد عدم تعريضه للمخاطر ولذلك حرمت معظم حشرات الأرض أي صغار دوابها كالبعوض والخنافس والصراصر والعلق .. أما الضفدع فإنها تحرم عند غير  المالكية  للنهي عن قتلها وأما الضب فقد حرمها الحنفية لأثر في ذلك وهي حلال في المذاهب الثلاثة .

  • فئة حرمت بقصد عدم تعريض الإنسان للمخاطر : ولذلك حرمت الحيوانات المفترسة كالسبع والنمر ونحوها عند الحنفية والشافعية والحنابلة ، وقال المالكية : يكره تنزيهاً أكل الحيوانات المفترسة ولا تحرم .وأما الضبع فإنه يحرم عند الحنفية فقط ، وأما الثعلب فإنه يحرم عند الحنفية والحنابلة .وحرمت سباع الطير عند غير المالكية وهو ماله ظفر يبطش به (0أي مخلب صائد) كالصقر والباز ونحوهما . ومن أدلة تحريم الحيوانات المفترسة وسباع الطير أو كراهتها كراهة تحريمية الحديث الشريف الذي رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير “[ أخرجه مسلم وأبو داود] .
  • والمراد مخلب يصيد به ، إذ من المعلوم أنه لا يسمى ذا مخلب عند العرب إلا الصائد بمخلبه وحده.يسأل بعضهم :هل في لحوم سباع البر والجو من ضرر على صحة الإنسان الجسمية أو النفسية ؟ وهل في اختلاف جنس الحيوان أثر على طبائع وسلوك أكل لحمه إذا طال أمد استعماله؟ لم أجد في أبحاث الصحة والطب جواباً على هذا السؤال.
  • فئة حرمت بقصد حفظ مصالح الناس وإيجاد تنظيم في حياتهم: ولذلك حرمت الحمر الأهلية فإنها حمولة الناس منذ القديم . أما لحم الخيل فهو مباح عند الشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة(أبي يوسف القاضى ومحمد) والمشهور عند المالكية تحريم الخيل وهناك قول باباحتها .وقال أبو حنيفة يكره أكل لحم الخيل كراهة لا تنزيهية لأنها ألة الجهاد والتي أمر الله تعالى بتوفيرها وإعدادها {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}  [الأنفال 60]. وحجة الإباحة ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم” نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل ” [رواه الشيخان] .

وأما البغال فإنها محرمة عند الشافعية والحنابلة لأن المتولدات بين جنسين تتبع عندهم أخس الاصلين  والتحريم هو المشهور عند المالكية وهناك قول عندهم بالكراهة دون تفريق بين كون أمه فرساً أو أتاناً ، وذهب الحنفية إلى أن البغال تابعة للأم (ككل المتولدات) فالبغل الذي أمه أتان يكره أكل لحمه تحريماً تبعاً لأمه ، والذي أمه فرس يجري فيه الخلاف الذي في الخيل .

ثالثاً: المحرمات لخبث حسي ومعنوي معاً:

وتضم الفئات التالية:

  • الكلاب: فإن لحمها محرم عند الحنفية والشافعية والحنابلة ومكروه تنزيهياً عند المالكية . ومن المعروف أن الكلاب نجسة وأن لعابها شديد النجاسة ، وأن جلدها ملوث بلعابها ، ولعابها ملوث من تنظيف استها بلسانها ، وبرازها قد يحوي بيوض الديدان الشريطية المكورة المشوكة (تعيش في أمعاء الكلاب والذئاب وبنات آوى) فيخشى أثناء ذبحها وسلخها وتفريغ أحشائها من تلويث لحمها بتلك البيوض فتسبب الإصابة بداء الكيسة المائية .
  • بعض حشرات الأرض (صغار دوابها)كالفأر والجرذان والحيات . فهي تعافها النفوس ذوات الطباع السليمة . كما أن الفأر والجرذان يقتاتان بالأقذار والنجاسات أيضاً وهي مثوى لبعض الجراثيم الناقلة لبعض الأمراض كالطاعون . وأما الحية فإن تفتيش اللإنسان عنها ليأكلها يعرضه لخطر لدغها والتسمم بها .
  • المستقذرات سواء كانت نجسة أم غير نجسة :فالاستقذار عند ذوي الطباع السليمة سبب في التحريم ومَثل له الشافعية بالبصاق والمخاط والعرق والمني فكل هذه طاهرة من الإنسان ولكن يحرم تناولها أكلاً للاستقذار .ومثل الحنابلة للمستقذرات بروث ما يؤكل لحمه وبوله وبالقمل وبالبرغوث . ومما ينبغي التنبه له أن الحنابلة يقولون بأن روث ما يؤكل لحمه طاهر وكذا بوله ولكن يحرم تناولهما للاستقذار , فالقذارة لا تنافي الطهارة ، إذ ليس كل طاهر يجوز أكله.

إن المؤمن يتحاشى ماحرم الله تعالى من المطعومات والمشروبات طاعة لله الخالق ، أدرك شيئاً من الحكمة أو العلة في التحريم أو لم يدرك . وهو مع ذلك يسلم بأن تلك المحرمات إنما حرمت لخبثها وضررها على الجسم أو النفس أو العقل أو العقيدة الربانية السليمة ، ولو لم يدرك نوعية الخبث والضرر ، تصديقاً لقوله تعالى :{ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}.

وإذا أمكن للإنسان بحسب التجربة والعلم أو الخبرة أن يحكم بضرر مطعوم أو مشروب ما فإن كثيراً من الأضرار والأمراض كانت تلحق جنسه البشري عن طريق الطعام والشراب دون أن يعرف السبب الحقيقي لها ، فازداد المؤمنون يقيناً بدينهم وازدادت حجة الله على الكافرين العاصين .

وإذا اكتشف نوع من الضرر الحسي أو المعنوي في مطعوم أو مشروب فحرم فإن ذلك أنه قد اكتشف حكمة من حكم تحريمه ولا يعني ذلك أنه لن تكتشف بعد ذلك حكم أخرى.

(انتهى كلام الدكتور النسيمي ).

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله :”في قوله تعالى :{ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل } . من المال ما يحرم لمعنى في عينه ، وذلك أن الأموال إما أن تكون من المعادن أو من النبات أو من الحيوان . أما المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شئ منها إلا حيث ما يضر بالأكل وهو يجري مجرى السم ، أما النبات فلا يحرم منه إلا مايزيل الحياة أو الصحة أو العقل ، فمزيل الحياة السموم ، ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها ، ومزيل العقل الخمر والبنج وسائر المسكرات . وأما الحيوان قتقسم إلى ما يؤكل وإلى ما يؤكل ، وما يحل إنما يحل إذا ذبح ذبحا شرعيا ، ثم إذا ذبحت فلا تحل بجميع أجزائها بل يحرم منها الفرث والدم .

جاء في عبقرية الصديق للعقاد ص4:

“ومن يقظة الضمير عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لم يطق أن تستقر في جوفه لقمة يشك في مأتاها ، فكان له مملوك ، فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة . قال المملوك: مالك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة ؟ قال : حملني على ذلك الجوع … من أين جئت بهذا؟فأنبأه المملوك أنه مر بقوم كان يرقي لهم في الجاهلية فوعدوه ، فلما أن كان ذلك اليوم مر بهم فإذا عرس لهم فأعطوه ذلك الطعام ! قال الصديق : إن كدت لتهلكني ، وأدخل يده في حلقه فجعل يتقيأ –وجعلت اللقمة لا تخرج – فقيل له : إن هذه لا تخرج إلا بالماء ، فدعا بطست من ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها ، قيل له : يرحمك الله ! كل هذا من أجل لقمة ؟ فقال : لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها .

تحريم الميتة

الموضوع نقلاً عن مجلة حضارة الاسلام حزيران 1973 م للدكتور محمود ناظم نسيمي:

الميتة لغة:هي ما فارقته الحياة . وفي اصطلاح الفقهاء كما قاله الواحدي وفي التفسير الكبير للفخر الرازي فهي ما فارقته الحياة من غير ذكاة مما يذبح . والذكاة الشرعية هي ذبح أو نحر أو عقر حيوان مباح للأكل بشرائط مفصلة في المذاهب .

قد يموت الحيوان حتف أنفه بمرض أو هرم ، وذلك أكثر ما يطلق عليه اسم الميتة ، وقد يموت خنقاً بحرمانه من هواء التنفس فيدعى المنخنقة  ، وقد يموت بحوادث رضية كالضرب فيسمى الموقوذة، أوالسقوط فيسمى المتردية ، أو بنطح حيوان أخر له فيسمى النطيحة ، وقد يموت بافتراس أحد السباع وهو ما أكل السبع . وقد يموت بذكاة ناقصة شرائطها الشرعية فيخبث ماديا أو معنوياً ويحرم أيضاً . وقد يتعدد السبب في الوفاة ، فقد يتردى الحيوان  المريض أو اللديغ ، وقد يموت الحيوان الهرم بمرض طارئ . ولابد من التنبيه إلى أن الحيوان الذي يجده الانسان ميتاً لا يتأكد من سبب موته إلا بواسطة الطبيب البيطري –وقد يحتاج هذا- اضافة إلى تشريح الجثة –إلى ارسال قطع من احشائه إلى مخابر التحليل .

إن الميتة بأنواعها نص على تحريمها القران الكريم ، واعتبرها من الخبائث ، وهي مجموعة من بعض المطعومات المحرمة الأخرى في قوله تعالى :{حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما اكل السبع إلا ماذكيتم} [المائدة 4 ]. ولقد ثبت بالاجماع أن ميتة الحيوان البري غير الأدمي نجسة لذاتها إذا كان له دم ذاتي يسيل عند جرحه بخلاف ميتة الحيوان البحري فإنها طاهرة لقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الوضوء بماء البحر :”هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته ” [رواه مالك والشافعي وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه] .وبخلاف ميتة الحيوان البري الذي ليس له دم يسيل عند جرحه كالجراد فإنه طاهر .

إن الطب وفن الصحة والذوق السليم تؤيد بقوة تحريم الميتة ونجاستها . فإن احتباس دم الميتة وسرعة تحلل وتفسخ لحمها يغلب وجودها في أنواع الميتة ، وقد ينضم إليهما من حكم التحريم الأخرى واحدة أو أكثر .

حكمة التذكية الشرعية وأذى احتباس دم الميتة :

إن الدم يحمل فضلات الجسم كما يحمل غذائه .وفي حال الحياة تقوم الكريات البيض فيه ببلعمة الجراثيم كما تقوم الأضداد بشل فعل الجراثيم أو تعديل ذيفاناتها . وإن هذه الأعمال الدفاعية تزول بعد فقدان الحياة ، ويصبح الدم بتركيبه الوسط الصالح لنمو الجراثيم ،ولذا كان استنزاف دم الحيوان حين ذبحه مطلوب من الناحية الصحية أيضاً.

إن استنزاف دم الحيوان المذبوح مؤمن على أحسن وجه بطريقة الذبح الشرعية بالتذكية الاختيارية التي تقوم على قطع الأوداج بسرعة ومهارة لينزف دم الذبيحة كله ، وبالتالي يكون اللحم أنقى وأطيب وأبعد عن الفساد .

إن التذكية الشرعية نوعان: اختيارية واضطرارية . فالاختيارية : هي الذبح أو النحر ، وهي شرط لحل جميع الحيوانات المأكولة ما عدا السمك والجراد ، وتذكيتها  تكون بقطع الأوداج في العنق  بشرائط  مخصوصة مفصلة وتراجع في الكتب الفقهية في موضوع الذبائح .واتفقوا على أن من سنة الغنم والطير الذبح وأن من سنة الإبل النحر ، وأن البقر يجوز فيها الذبح والنحر .

أما التذكية الاضطرارية في اصطلاح الفقهاء فهي قتل الحيوان المتوحش صيداً بطريق القعر او الجرح لعدم امساكه وذبحه كالحيوان المستأنس .

إن اختلال شريطة من شرائط التذكية الاختيارية أو الاضطرارية يصير معه الحيوان ميتة محرمة ، وإن سال دمه وذكر اسم الله عليه لاقتران ذلك بخبث مادي أو معنوي .

لقد اباح الشارع الحكيم التذكية الاضطرارية حتى لا يكون على الناس حرج في تدارك رزقهم وطعامهم ، ومع ذلك فإن الحيوان المقتول بطريقة الصيد الشرعي أو بطريقة التذكية الاضطرارية المشابهة ، إذا أدرك وفيه حياة ذبح بطريقة التذكية الاختيارية .ولقد نهى الشارع الحكيم عن أكل الذبيحة ذبحاً ناقصاً يتناول الجرح فيها الجلد ولا يتناول الأوداج ، لأن في ذلك تعذيباً للحيوان حيث يطول الأمد بين ذبحه وفقدانه الحس وزهق روحه ، ولأن ذلك لا يستنزف معظم دم الحيوان ، كما يستنزف بقطع أوردة العنق فيحتبس قسم من دمائه في لحمه فيقل طيبه ويسرع فساده إذا ترك .ففي مسند الامام أحمد بن حنبل عن ابن عباس وابي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”لا تأكل الشريطة فإنها ذبيحة الشيطان ” وفي سنن أبي داود عن ابن عباس وزاد أحد الرواة فقال وابي هريرة قالا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شريطة الشيطان  وزاد عيسى في حديثه : وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تُعزى الأوداج ثم تترك حتى تموت .

إن في التزام اداب الذبح الأسلامي كسباً صحياً ومزيداً من الإنسانية والرفق بالحيوان الذي خلقه الله تعالى منفعة وغذاء للإنسان . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليُحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته “[رواه مسلم عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه] .

وبعد أن يتم الذبح وخروج الدم واراحة الذبيحة يباشر بسلخ جلدها فوراً ، وإخراج أحشائها فوراً من تسرب شئ من جراثيمها ولا سيما جراثيم الأمعاء إلى عضلاتها فتسبب فسادها وتصبح مرضية أو سامة .

فساد لحم الميتة :

تنفذ الجراثيم إلى الميتة من الأمعاء والفتحات الطبيعية للجلد . وتعتبر الأمعاء المنفذ الأكثر اهمية من غيره لأنه مفعم بالجراثيم . فجراثيم الأمعاء تكون زمن الحياة معرضة للبلعمة ، أما بعد الموت فإنها تنمو وتحل خمائرها الأنسجة وتدخل الجدر المعائية ومنها تنفذ إلى الأوعية اللنفاوية والدموية .

اما الفتحات الطبيعية كالفم والأنف والعينين والشرج فإن الجراثيم تصل إليها عن طريق الهواء وعن طريق الحشرات كالذباب الأزرق التي تردها باكراً ناقلة الجراثيم وواصلة إليها بويضاتها . أما الجلد فإن دخول الجراثيم عبره أصعب من غيره مالم يكن متهتكاً متمزقاً كما في المتردية والنطيحة وما أكل السبع . وإن احتباس دم الميتة يساعد على انتشار الجراثيم وتكاثرها في الجثة بسرعة .وكلما طالت المدة بعد هلاك الحيوان كلما كان التعرض للضرر بأكل الميتة أكثر وأشد  وكان تبدل لحمها وفساده وتفسخه أوضح . وهناك بعض العلامات التي نستطيع بها أن نقرر زمن هلاك الحيوان على وجه التقريب –يمكن الرجوع إليها من كتاب القران والطب للدكتور محمد وصفي –

الميتة بمرض:

قد تصيب الحيوانات مأكولة اللحم أمراض جرثومية فتمنع الوصايا الصحية من تناول لحمها ولو ذبح الحيوان بالطريقة الشرعية ، ويستجيب المسلم لتلك الوصايا تجنباً للخبائث وبعداً عما يثبت ضرره .وإذا كانت الكراهة والتحريم بحسب درجة الضرر موجودة في تناول لحم الحيوان المريض المذبوح بذكاة شرعية ، فكيف إذا مات الحيوان نتيجة مرضه لشدة الجراثيم وضعف المقاومة فالحرمة أشد  لانتشار الجراثيم في الجثة عن طريق اللنف والدم المحتبس وتكاثرها بشدة وزيادة مفرزاتها السمية .هنالك لحوم لا يظهر فيها تغير ما ولكنها في الواقع لحوم ضارة وهذه هي لحوم الحيوانات المصابة بمرض من الأمراض الجرثومية المختلفة كالرعام (في الخيل) والسل (في البقر) وبعض اصابات جهاز الهضم بالسالمونيلات أو بالمكورات المعوية . أما لحم الحيوان المصاب بالجمرة الخبيثة فإنه متغير لأن الجمرة خمج دموي عام .

الرعام :

أكثر مايكون هذا المرض في جنس الخيل ، وقد ينتقل للبشر ولكنه نادر . وأكثر ما تكون الأفة في هذا المرض بشكل تقرح في الجلد ، أو بشكل بثور التهابية مختلفة الحجم في الرئة أو بشكل تقرحات نازة في المناخير أو في الرغامى أو القصبات وهو الرعام .وعلى الرغم من أنه قلما يكون اللحم مصاباً بهذه الأفة فإنه يجب اتلافه في الحيوان المريض خشية من أن يكون ملوثاً بجراثيم هذا المرض الفتاك ، فيصاب الإنسان به قبل أكل هذا اللحم .

-السل :

وهذا المرض وإن كان كثير التصادف في البقر فإنه نادر جداً في الضأن ، وقد يوجد كذلك في زمرة الطيور أو الدواجن منها كالدجاج . وإنه وإن كان اللحم لا يحتوي عندئذ على شئ من عصيات هذا الداء إلا ماندر جداً –لأنه أكثر مايكون في الأحشاء والأغشية المصلية أو الغدد – فالأفضل اجتنابه مطلقاً ، أو عدم اكله إلا مطبوخاً جيداً . وإن كتب الطب الخاصة بفحص اللحوم تقرر اعدام الجثة التي يعم مكروب السل رئتيها . وكذلك إذا وجدت الجراثيم في الغشاء الذي يغطي الرئتين (الجنب) وفي البريتوان وكذلك إذا وجدت في الجهاز العضلي أو في الغدد اللنفاوية التي تقع بين العضلات وكذلك إذا وجدت علامات  السل في الحيوان الهزيل ، فما بالك

بالحيوان الذي بلغ به الداء حداً أهلكه .

الجمرة الخبيثة :

إن الحيوان الذي يموت بالجمرة الخبيثة يجب أن لاتمس جثته البتة ، بل يدفن ويحرق حتى لاتنتشر جراثيمه ، فتعدي الإنسان والحيوان عن طريق الهواء أو أكل لحم الجثة الموبوءة .وجراثيم هذا المرض قابلة للتحول إلى بذيرات قادرة على مقاومة المطهرات والمؤثرات الجوية المختلفة وقادرة كذلك على حفظ قوتها الحيوية كامنة لعدة سنوات .

السالمونيللا:

قد يتلوث اللحم بهذه الجراثيم إن كان الحيوان قبل ذبحه مصاباً بأحدها كالعصيات المعوية أو عصيات غارتنر ، تلك العصيات التي تتخرب بحرارة +75 فيتلفها الطبخ الجيد غالباً ،غير أن ذيفانها الممرض يقاوم الحرارة  فيكون اللحم الموبوء ضاراً يسبب لأكله التسمم  ولو طبخ ، فإذا تسربت تلك الجراثيم إلى معدة الإنسان عن طريق تناول لحوم الحيوانات المصابة أو المأكل الاخرى المحفوظة (المعلبات أو الكونسروة) الملوثة بها فإنها تتكاثر تكاثراً شديداً وتسبب له إنسماماً حاداً يتجلى بشكل تخمة حادة أو شكل هيضي أوشكل تيفي أو نظير تيفي  إلى جانب التأثير السام لذيفانها .

وبعد فإن تلك المضار توجد في لحم الحيوان المريض ، ولو ذبح بالذكاة الشرعية ، فكيف إذا هلك بسبب مرضه ، فإن جراثيمه تزداد قوة وكثرة وانتشاراً ، ويزداد لحمه فساداً وأذى. وأذكر ثانية بأن الحيوان الميت حتف أنفه قد يكون موته بسبب هرم ، وقد يكون بسبب مرض ولا يعرف سبب موته بدون تشريح وتحليل  إلا إذا كان مفحوصاً قبل هلاكه من طبيب بيطري .

الميتة هرماً:

تذكر كتب الصحة أن الحيوان كلما كان كبير السن كانت عضلاته ليفية صلبة ، ولذلك تكون دون غيرها تغذية وانهضاماً . هذا وإن الحيوان الكبير الذي يموت حتف أنفه لايمكن التأكد من أن سبب موته محصور في الهرم دون إجراء تشريح طبي وتحليل مخبري ، فقد يكون السبب لدغة أفعى أو تناول غذاء سام أو الاصابة بمرض جرثومي .

الميتة اختناقاً:

يقال خنقه فاختنق . والخنق والاختناق : انعصار الحلق (بما يسد مسالك الهواء). واعلم أن المنخنقة على وجوه : منها أن أهل الجاهلية  كانوا يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها ، ومنها ما يخنق بحبل الصائد ، ومنها ما يدخل رأسها في شجرة فتختنق ، وبالجملة فبأي وجه اختنقت فهي حرام . واعلم أن هذه المنخنقة  من جنس الميتة لأنها لما ماتت وما سال دمها كانت كالميتة حتف أنفها . ويلحق بالاختناق كتم نفس الحيوان بسد فمه وأنفه قصداً ، وكذلك موته غرقاً أو ردماً أو باستنشاق الغازات الخانقة .

الميتة رضاً:

لقد أشار القران الكريم إلى أنواعها بقوله تعالى :{والموقوذة والمتردية والنطيحة}  أما ما أكل السبع فقد يميتها خنقاً وقد يميتها رضاً.

انتهى كلام الدكتور نسيمي .

وجاء في موقع الدكتور زغلول النجار في قوله تعالى {نما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم }” [النحل 115].

“إن موت الحيوان قبل تذكيته قد يكون بسبب مرض من الأمراض العضوية أو الفيروسية  التي ألمت به ، أو بسبب شيخوخة اصابته ، وهذا سبب كاف لتحريم أكل لحمه ، فإذا أضفنا إلى ذلك ما يؤدي إليه الموت دون تذكية (أي دون إراقة دمه) إلى تحتباس كل دمه في جسده اتضحت لنا حكمة تحريم أكل لحم الميتة وذلك لأن الدم هو حامل فضلات الجسم المختلفة من مثل ثاني أكسيد الكربون ، واليوريا ، وحمض الأوريك ، وجراثيم الجسم وطفيلياته ، ونواتج عمليات تمثيل الطعام في جسم الحيوان (عمليات الأيض) والتي تنقل عبر الأوردة وتفرعاتها المختلفة ، أو عبر الشرايين وتفرعاتها العديدة في جسم الحيوان ، وأغلبها مواد قالبلة للتعفن والتحلل إذا حبست في الجسد الميت للحيوان ، خاصة إذا كان قد انقضى على موته وقت يسمح ببدء تحلل جسده وفساد لحمه . ومن هنا تتضح الحكمة الإلهية من تحريم أكل لحوم الميتة .

حكم السمك والجراد وحكم الميتتان والدمان المستحلان :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أحل لنا ميتتان ودمان :السمك والجراد،والكبد والطحال “[ رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني ].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر “هو الطهور ماؤه،الحل ميتته “[ رواه مالك في الموطأ] .

وجاء في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه خرج مع أبي عبيدة بن الجراح يتلقى عيراً لقريش وزودنا جراباً من تمر،فانطلقنا على ساحل البحر،فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر قال أبو عبيدة ميتة، ثم قال بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اضطرتم فكلوا . قال فأقمنا عليه شهراً حتى سمنا وذكر الحديث فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك فقال: هو رزق أخرجه الله لكم ، فهل معكم من لحمه شئ فتطعموننا قال فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله .

وحديث ابن أبي أوفى “غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد “[ أخرجه مسلم ].

فقد خصص جمهور الفقهاء من الأية ميتة البحر للأحاديث السابقة الذكر ، كما أباحوا أكل الجراد.

الناحية الطبية:نقلا عن مقال للدكتور حسن هويدي رحمه الله من أحد أعداد مجلة حضارة الإسلام:

إن الحكمة في تحليل ميتة الحيوان البحري دون ميتة الحيوان البري قد تتجلى بالمقارنة التشريحية الغريزية بين الصنفين وذكر الأضرار الكثيرة الناجمة عن أكل الميتة والتفسخ الذي يصيبها ، وصولة الجراثيم في أخلاطها مما لايحدث في الحيوان المائي أو يندر جداً.

السمك:الفروق بين ميتته وميتة الحيوان البري:

– قلة دمه وأخلاطه ورطوباته :فإن ذلك يعدم قابليته للتفسخ ، لكون الدم وبقية الأخلاط مستنبتات صالحة للجراثيم ، ومنها جراثيم جائلة في الدم أو في الأمعاء أو سائر الأخلاط ،لم تستطع أن تصول على جثمان الكائن الحي اثناء حياته لتهيؤ اسباب الدفاع من الكريات البيض والمناعة المصلية ،والتغذية المستمرة والأفعال الغريزية من الأكسدة والإطراح والحموضة والقلوية وغيرها ،حتى إذا انعدمت وسائل الدفاع المذكورة بالموت سنحت الفرصة للجراثيم وصالت على الجثمان ونفثت سمومها وجعلت اللحم غير صالح للتناول وكل ذلك ينعدم أو يندر جداً في أجسام الحيوانات المائية لقلة دمها وأخلاطها وضالة أجهزتها ، هذا بالإضافة إلى أسباب أخرى مؤدية إلى الضرر كالاختناق وغيره وعدم توفر الشروط الضرورية لحياة الجراثيم وصولتها .

وجوده في الماء:يعد الماء “براداً”طبيعياً للحيوان المائي أثناء حياته وبعد موته مما يجعله عقيماً تقريباً من الجراثيم التي تستلزم لحياتها ونموها وتوالدها شروطاً دقيقة من الحرارة والجفاف والحموضة والقلوية ، حتى إذا كان الحيوان في حياته بهذه الدرجةمن “الطهارة الجرثومية”تقريبا أمكن أن لا يصاب بأذى التفسخ والانتان بعد موته ، فالحياة المائية هيأته لذلك ، دون الحيوان البري الذي يعدم هذه الأسباب  بل الذي يكون مهيئاً بالأسباب الكثيرة من الجراثيم وغيرها للتفسخ والأنتان .

خلوه من المرض:تخلو الحيوانات المائية من الأمراض في غالب الأحيان ،وذلك للأسباب المذكورة في الفقرة السابقة من برودة الماء وعدم صلاحه لنمو الجراثيم ، فلما خلا الحيوان المائي من الأمراض اندفع خطر التفسخ وصولة الجراثيم بعد موته على عكس الحيوان البري الذي يتعرض لكثير من الأمراض حتى إذا مات بسببها وأُكل أحدث البلايا الكبيرة .

وتأكيداً لهذا الفارق الكبير بين ما يصاب به الحيوان البري وما لايصاب به الحيوان المائي ،أنشئ الطب البيطري للحيوانات لكثرة ما تصاب به من الأفات على حين أن مجال الحيوان المائي لايزال خالياص من ذلك ولم تدع الحاجة إليه بتاتاً ، ولو افترض تصور أن الحيوان المائي مرض فمات حتف أنفه أو أصيب بالتفسخ وخُشي من أكله ، امتنعنا عن ذلك للقاعدة العامة في اجتناب الخبيث والضار ، قال تعالى”ويحرم عليهم الخبائث” وقال تعالى” وأحل لكم الطيبات”، وقد اتفق العلماء على تحريم الضار الثابت ضرره فالذريعة في هذا مسدودة ، والاحتياط لذلك مشروع وقد ذكر من الناحية الفقهية احتياط الحنفية بتحريم السمك الطافي على وجه الماء خشية تفسخه . والسمك الذي مات حتف أنفه دون سبب حذراً من كونه مات بسبب مرض من الأمراض .

وبعد ذكر هذه الأسباب الرئيسية علينا القول بأن العلم أثبت اليوم صلاحية أكل هذه اللحوم دون أي ضرر وفي ذلك دليل قطعي على دعم العلم الحديث لما جاء به الشرع منذ أربعة عشر قرنا حيث لامخبر ولا مجهر . كما يمكننا القول بأن ذلك مما امتازت به الشريعة السمحة من التيسير على الناس  في أمور معاشهم ولو كان الأمر على العكس لرأينا ضائقة عظيمة تعم المجتمع البشري من تحريم الحيوان المائي واشتراط ذكاته ، بل أزمة خانقة ليس لها حل ، كما هو الحال في أزمة الهنادك في تحريم لحوم البقر اليوم وحرمان الناس من فوائدها  بدون تعليل يشفي الغليل ، فلله الحمد على نعمة الإسلام .

ويقول الدكتور حنفي محمود مدبولي-مجلة الإعجاز العلمي العدد 37 رمضان  1431هجري-:

“قال الله عز وجل :{وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون}[النحل 14 ].

أقوال علماء التفسير في الأيات :

يقول ابن جرير الطبري:”الذي سخر لكم البحر وهو كل نهر ملحاً كان ماؤه أو عذباً (لتأكلوا منه لحماً طرياً)وهو السمك الذي يصطاد منه .

ويقول ابن كثير:”يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج ، ويمتن على عباده بتذليله لهم  وتيسيره للركوب فيه ،وجعله السمك والحيتان فيه ، وإحلاله لعباده لحمها حيها وميتها ، في الحل والإحرام “.

ويتابع الكتور مدبولي”الأسماك حيوانات باردة الدم ، خيشومية التنفس مما يساعدها على التنفس في الماء .ولقد ظهرت الأسماك منذ أكثر من 450 مليون سنة . يتمتع السمك بقيمة غذائية عالية فهو يحتوي على البروتين ، وهي بروتينات سهلة الهضم بشرط أن تكون طازجة ،ودهون تمتاز عن دهون اللحوم الأخرى بأنها أسهل هضماً أيضاً ، ويوجد البروتين في عضلات الأسماك . وتحتوي الأسماك على مجموعة من فيتامينات أ،ب،د، كما تحتوي على أوميجا  3وهو غير موجود في أنواع اللحوم الحيوانية الأخرى . كما يحتوي على الكلسيوم والمغنزيوم واليود والفسفور .تعتبر الأسماك في قائمة الأغذية الصحية لغناها بالأحماض الدهنية الاساسية والعناصر المعدنية والفيتامينات التي يحتاجها الجسم .

ومن أهم فوائد السمك:

-غناه بالبروتينات :التي تحتوي أحماضاً أمينية مهمة مثل الارجنين ، التريبتوفان ، وغيرهما وهي مهمة للمحافظة على أنسجة الجسم والترميم ، كما يحتوي السمك نسبة عالية من حمض الغلوتاميك وهو مادة ضرورية لوظائف الدماغ والأعصاب والأنسجة .

-مصدر هام للكلسيوم واليود والفسفور :الكلسيوم يدخل في نمو العظام والأسنان والفسفور هام لتنشيط الذاكرة وله دور مهم في بناء العظام واليود ضروري لوظائف الغدة الدرقية .

-مصدر هام للفيتامينات : وخاصة أ ود وهي تكثر في الكبد بشكل خاص (زيت كبد الحوت)، فالفيتامين ا هام لسلامة البصر والجلد والأغشية المخاطية ونموالأنسجة والعضلات ، والفيتامين د مع الكلسيوم هام لتكون العظام وللوقاية من تقوس الساقين عند الأطفال .

-ولا يحتوي لحم السمك على مايسمى اشباه السكر-أي الغلوكسيدات- ولذا يعطى لمن يتبع حمية غذائية لتخفيف الوزن .

-وجود مادة الاوميغا3 وهي موجودة في دهن السمك وجميع حيوانات البحر وهي مادة تمنع اصابة الجسم بالجلطات الدموية-عكس الكولسترول-التي تصيب لبقلب والدماغ ، وأكثر أنواع السمك احتواء على هذه المادة هي التونة والسردين والسلمون .انتهى كلام د . مدبولي .

الكبد والطحال:

إنما وردت تسمية الكبد والطحال بالدم بلسان الشرع من باب التشبيه البليغ لا من باب ذكر الحقيقة ، ذلك أن كلاً من هذين العضوين يشتمل على مقدار كبير من الدم حتى كاد يكون بركة من الدم ،وبهذا أشبه الدم ولكنه اشتمل على خلايا خاصة غير خلايا الدم واختص يوظائف غزيرة وبهذا فارق الدم وأشبه اللحم ، فلو كان دماً صرفاً لا يختلف عن الدم بشئ لكان محلاً للشبه في البحث والتساؤل عن سبب حله دون بقية الدماء ، أما وقد اختلف عن الدم بالأسباب المذكورة وأشبه اللحم بالصفات الأخرى فقد زال الشبه إذ لم يكن دماً حقيقياً ينسحب عليه الحكم  وإنما نعت بالدم على سبيل التشبيه ولذلك اعتبره بعض العلماء حلالاً لكونه لحماً كبقية اللحوم لا استثناء من الدم .

.مالذي يباح للمضطر من الميتة :

اختلف العلماء في المضطر . أيأكل من الميتة حتى يشبع أم يأكل على قدر سد الرمق ؟ وذهب مالك إلى الأول لأن الضرورة ترفع التحريم فتعود الميتة مباحة . وذهب الجمهور إلى الثاني لأن الإباحة ضرورة فتقدر بقدرها ، وسبب الخلاف يرجع إلى مفهوم قوله تعالى : {غير باغ ولا عاد}” فالجمهور فسروا البغي بالأكل من الميته لغير حاجة ، والعاد هو المعتدي حد الضرورة

تحريم الدم شرعا وطباً

الموضوع نقلاً عن مقال للدكتور محمود ناظم نسيمي من أحد أعداد مجلة حضارة الإسلام :

“لمعرفة الحِكم الصحية في تحريم الدم والحكم بنجاسته  لابد لنا من دراسة التركيب العام للدماء  ومعرفة خواص الدم ، وهل يؤهب تركيبه وخواصه  لأن يعتبر من الأغذية ؟ وذلك ما ألخصه-مع تصرف- من كتاب (القران والطب ) للدكتور محمد وصفي ، ثم ألخص الأحكام الفقهية المتعلقة بالدماء ونجاستها ثم أبين أحوال الاضطرار إلى الدم .

وأكرر الإشارة هنا إلى ماذكرته في مقال(تحريم الخبائث) بأن الحكمة الأولى في كل أمر أو نهي إلهي هي طاعة الله تعالى فيما أمر أو نهى عنه لليقين بأنه تعالى أعلم بما هو خير في حياة الإنسان ومعاشه ، فإنه تعالى هو اللطيف في خلقه العليم في صنعه الخبير بدقائق خواص مخلوقاته وبما يصلح للإنسان {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} .

إن تلك الحكمة موجودة في كل أمر أو نهي إلى جانب حكم أخرى هي في صالح البشر علينا أن نفتش عنها ، ولكن حذار أن نحصر حِكم التشريع  فيما علمنا واكتشفنا ، بل علينا أن نتطلع دائماً إلى كشف مزيد من الحكم اللطيفة والفوائد الجديدة .

تركيب الدم :

الدم هو ذلك السائل الأحمر المعتم الذي يسير في شرايين الجسم وأوردته . وهو زيتي القوام تقريباً ؛قلوي التفاعل ، ذو مذاق ملحي ورائحة خاصة .يتألف الدم عموماً من:

  • سائل يسمى البلازما يحتوي 90بالمائة ماء و8بالمائة مواد بروتينية و2 بالمائة أملاح معدنية وبولة وسكر وغيرها .

تحمل البلازما المواد الغذائية من المواضع التي حصل منها الامتصاص في الجسم إلى أنسجته المختلفة ، كما تحمل مخلفات الجسم التي نتجت عن الفعل الهدمي في الأنسجة إلى الأمكنة التي تفرز منها كالكليتين  والجلد وغيرها .

-خلايا حية تسبح في هذا السائل هي :الكريات الحمر التي تحتوي على خضاب الدم ، والكريات البيض  التي تدافع عن الجسم ضد الجراثيم أثناء الحياة . والنسبة بين البلازما وهذه الخلايا في الانسان 60:40 .

وبمجرد خروج الدم من الجسم يتجمد في دقائق معدودة ويكون خثرة،وهذه الخثرة عبارة عن شبكة من مادة زلالية تسمى (فيبرين) ثم تنكمش الخثرة وينفصل عنها مادة صفراء تسمى المصل (السيروم).

إن من وظائف الدم حمل مخلفات الجسم التي تنتج عن الفعل الهدمي في الأنسجة المختلفة لنقلها إلى الأعضاء التي تعدل فريقا منها وتخلص الجسم من أضرارها ، وإلى الأعضاء التي تفرز فريقاً آخر إلى خارج الجسم . يعدل الكبد كثيراً من المواد السامة التي يحتويها الدم آتياً بها من الأمعاء ومن الأعضاء المختلفة .وتخرج بعض المواد الضارة والسموم  مع العرق كبعض الأملاح والبولة ، وبعضها من الرئتين كغاز ثاني أوكسيد الفحم ، ويُفرز الجزء الأكبر من تلك المخلفات بواسطة الكليتين ثم يجمع في المثانة  ويفرز منها باسم (بول). ومن هذه المواد الضارة حامض البول ومادة البولة وهي المادة التي تعطي الرائحة النشادرية عند تحللها إلى نشادر وثاني اكسيد الفحم ، ويحصل التحليل بواسطة نوع من الجراثيم عند تعرض البول للهواء .وبناء على ذلك فالدم يحوي مخلفات وفضلات سامة ومستقذرة مستخبثة ، ولو أخذ من حيوان سليم . أما إذا كان الحيوان مصاباً بأحد الأمراض العفنية أو الحموية  فهنالك الطامة الكبرى والمصيبة العظمى .

انه من المقرر طبياً أن الدم أصلح الأوساط لنمو شتى الجراثيم ،وأنسب مكان لتكاثرها ، وأحسن الأوساط لانتشارها،إذ يعتبر أطيب غذاء لهذه الكائنات وأفضل تربة لنموها . وسواء في ذلك الدم بقسميه والمصل الذي ينفصل عن الخثرة وحده .وتستعمل المخابر الجرثومية الدم لهذا الغرض لتحصل على مستعمرات من الجراثيم في بضع ساعات .أما كيف تصل الجراثيم القاتلة إلى الدم ؟ فإن الدم بمجرد نزوله من الحيوان سواء أكان ذلك بالذبح أو الفصد ، فإنه ينعزل عن الأوعية الدموية التي تحفظه أثناء الحياة ، وتفقد كريات الدم البيضاء وظيفتها التي أشرنا إليها ، ويصبح الدم بعد ذلك عرضة للجراثيم المنتشرة في اليد وفي السلاح المستعمل للذبح وفي الأنية التي يستقبل فيها ، بل توجد الجراثيم في الأرض وفي الهواء الذي يتعرض له الدم والذي يحمل جراثيم التعفن وسائر الأحياء القاتلة .وبدهي أن الضرر البالغ الناشئ عن انتشار الجراثيم المذكورة ليس قاصرا على العدوى فحسب ، بل أن فيما تفرزه من السموم (توكسين) ما يعد من أشد الأخطار لأن سموم الجراثيم هي في الغالب أشد مقاومة لحرارة الطبخ من الجراثيم ذاتها .

ليس الدم غذاء بشريا:

يتكون غذاء الإنسان من البروتينات والسكريات والدسم والأملاح والفيتامينات .وإذا تأملنا  تركيب الدم ومقادير أجزائه  لانجده مصدراً رئيسياً معتبراً لأي واحد من تلك الأصناف ، فإن ما في البلازما من المواد الزلالية  ضئيل لا يصلح أن يكون مصدراً للبروتينات  لأن مقدارها يبلغ 8% على التفصيل التالي : ألبومين 4%، غلوبولين 3،5% ، فيبرينوجين 5؛%.

أما الكريات الحمر وما فيها من خضاب الدم فهي عسرة الهضم  لا تحتملها كثير من المعد .

تحريم الدم :

اتفقت المذاهب على تحريم الدم المسفوح من الحيوان المُذكى لقوله تعالى :{قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً} [الأنعام 145] . وكذلك اتفقوا على أن كل دم يسيل من الحيوان الحيّ حرام قليله وكثيره . وكذلك الدم من الحيوان المحرم الأكل وإن ذكي ،فقليله وكثيره حرام ، ولاخلاف في هذا .

عرف الفقهاء الدم المسفوح بأنه  ما سال من الذبيحة عند تذكية الحيوان المباح الأكل ، وما تسرب إلى داخل الحيوان من الحلقوم والمرئ وهو حرام بالإجماع .

أما مابقي في العروق واللحم والكبد والطحال والقلب فإنه حلال الأكل ، حتى أنه لو طبخ اللحم فظهرت الحَمرة في المرق لم ينجس ولم يحرم (الموسوعة الفقهية الكويتية) .

نجاسة الدم :

استدل الفقهاء على نجاسة الدم بحديث أمر المستحاضة والحائض بغسل الدم ، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة :”إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي“[رواه الشيخان] .وعن اسماء رضي الله عنها قالت: “جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض ، كيف تصنع ؟ قال:”تحته ثم تقرضه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه “.

اتفقت المذاهب على نجاسة الدم المسفوح من الحيوان المذكى ، واختلفوا في دم الحوت . وسبب اختلافهم هذا معارضة العموم للقياس . أما العموم فقوله تعالى :{حرمت عليكم الميتة والدم} ، وأما القياس فيما يُمكن أن يتوهم من كون الدم تابعاً في التحريم لميتة الحيوان ، أعني أن ما حرم ميتته  حرم دمه ، وما حل ميتته حل دمه ، ولذلك رأى الامام مالك أن مالا دم له فليس بميتة .

أما دم الشهيد في القتال فقد اعتبره الاسلام طاهراً ما دام عليه تكريماً له .

وأما ما بقي في لحم المذكاة أو عروقها فهو طاهر حلال .

الاضطرار إلى الدم :

الضرورات تبيح المحظورات بنص قوله تعالى:{وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطرتم إليه}[الأنعام 119 ].ومن صور الاضطرار إلى الدم :

أولاً : الاضطرار إلى التغذي بالدم لدى فقدان الغذاء المباح،هذا وإذا غلب على ظن المضطر أن الدم فاسد وأنه سيسبب له ضرراً أكثر من ضرر المخمصة فإنه لا يجوز له تناوله .

ثانياً: استعمال المصول الدموية  في الدواء لدى تعينها كالمصل المضاد للخناق الدفتريائي ، والمصل المضاد للكزاز، والمصل المضاد لسم الأفعى ،ومصل الناقه من بعض الأمراض ،فإن الاضطرار إليها يبيحها مع أنها مستحصلة من دم الحيوان الممنع كالحصان مثلاً ، أو من دم الإنسان  الناقه من مرض معين .

ثالثاً: نقل الدم كما في النزوف الغزيرة وفي العمليات الجراحية التي يفقد الجسم خلالها كمية كبيرة من الدم ،وفي فاقات الدم الشديدة ، وفي بعض الانسمامات .

ومن أمثلة عدم الاضطرار إلى الدم:

أولاً: تناول شراب الهيموغلوبين المستخلص من الدم ، أو تناول الدم بالذات بقصد الاستفادة من الحديد العضوي الموجود فيه ، وذلك في فاقة الدم المسببة عن نقص الحديد. انتهى كلام الدكتور نسيمي .

وفي مقال نشره في احد أعداد مجلة الرائد التي كانت تصدر في ألمانيا ذكر الدكتور محمد هواري –رحمه الله – وتحت عنوان الشروط الإسلامية للأطعمة الحيوانية المنشأ –يقول:

بدعوة من رابطة العالم الإسلامي ومنظمة الصحة العالمية ، عقد الاجتماع المشترك حول الشروط الاسلامية للأطعمة الحيوانية المنشأ في مدينة جدة في المدة ما بين 23-25 ربيع الأول 1406هجري الموافقة 5-7 كانون الاول 1985م  ومما جاء فيه :

حكم الإسلام في أكل الحيوانات :

الحيوانات التي يحرم أكلها :

ما لاخلاف في تحريمه :

  • الخنزير
  • الميتة : وهي الحيوان الذي مات حتف أنفه من غير ذكاة . ويعتبر في حكم الميتة ما قُطع من البهيمة قبل ذبحها ، أو بعد ذبحها قبل أن تستقرّ
  • الدم المسفوح: وهو الدم المراق من الحيوان نتيجة ذبحه أو جرحه .
  • ما أهل لغير الله به : وهو الحيوان الذي ذبح وذكر عليه اسم غير اسم الله تبارك وتعالى كأسماء الأصنام والطواغيت .
  • المنخنقة: وهي البهيمة التي تموت بالخنق بفعلها أو بفعل غيرها .
  • الموقوذة: وهي البهيمة التي تموت نتيجة الضرب أو بحديدة أو رصاص أو حجر أو غير ذلك مما يقتل بثقله ( ماعدا الصيد الذي يضرب بسهم أو رصاصة أو نحوهما بنية الصيد )
  • المتردية: وهي الحيوان الذي يسقط من مكان عال أو يقع في حفرة أو نحوهما فيموت .
  • النطيحة : وهي الحيوان الذي يموت بسبب النطح .
  • ما أكل السبع : وهو الحيوان الذي افترسه سبع أو طير جارح غير الصيد .
  • ما ذبح على النصب أو تقرب به لغير الله عز وجل .
  • ذبائح المشركين واللادينيين والعلمانيين والملحدين والمجوس وسائر الكفار من غير الكتابيين .
  • ما تحقق فيه الضرر لآكله .
  • وتحريم أكل اللحم في كل ما تقدم يشمل جميع أجزاء الحيوان ومشتقاته بما في ذلك الدّهن والشحم والعظم .

ماذهب الجمهور إلى تحريمه:

1-البغال والحمر الأهلية

2- الحيوانات المفترسة : وهي كل ذي ناب من السباع كالأسد والنمر والذئب والثعلب والفهد والكلب والهر : محرمةً عند الجمهور ، وأكلها مكروه عند الإمام مالك .

3-الطيور الجارحة: وهي كل ذي مخلب من الطير كالصقر والبازي والنسر  والعقاب والباشق والشاهين وأمثالها : محرمة عند الجمهور ، وأباحها الامام مالك .

  • الهوام : كالفأر والعقرب والخنافس : محرمة عند الجمهور وكرهها الإمام مالك والامام الأوزاعي .
  • الفيل : محرم عند الجمهور وأباحه بعض الفقهاء .

تحريم الخنزير

لقد ورد تحريم أكل لحم الخنزير في عدة مواضع من القران الكريم ،وذلك في أربع سوروهي: البقرة والمائدة والأنعام والنحل .

قال تعالى:{إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم } [البقرة 173] .

وقال تعالى :{حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع  إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق }[المائدة 3 ].

وقال تعالى :{قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } [الانعام 145] .

وقال تعالى:{إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم}  [النحل 115] .

إن الأسباب الحقيقية والحكمة الإلهية من وراء تحريم الخنزير لا يعلمها إلا الله تعالى،ولكن يمكن لنا كأطباء وعلماء أن نذكر بعض المضار الصحية من جراء تناول لحم الخنزير، وإن كنا ندرك تماما أننا ليس على علم بعلة التحريم حيث لايوجد نص شرعي من الكتاب والسنة حول هذا الموضوع وإنما نقول كسائر المسلمي المؤمنين {والراسخون في العلم يقولون أمنا به كل من عند ربنا}[آل عمران 7].

ولقد حرم رب العالمين لحم الخنزير ، وبين في كتابه المحكم أنه لما عصى بنو اسرائيل ربهم غضب عليهم ولعنهم في الدنيا والأخرة ومسخهم إلى قردة وخنازير ، يقول تعالى :{قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل }[المائدة 60 ].

يقول الدكتور زغلول النجار (الموقع الرسمي في الإعجاز العلمي في القران والسنة):

يقول تعالى “{إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير  وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } [النحل 115] .

“الخنزير وصفه القران الكريم في أكثر من مقام بأنه رجس (البقرة173، المائدة3 ، الأنعام145، والنحل115) وهذه كلمة جامعة لكل معاني القذارة والقبح والنجاسة والإثم ، وذلك لأن الخنزير حيوان كسول ، جشع، قذر، رمام ، يأكل النبات والحيوان والجيف والقمامة ، كما يأكل فضلاته هو وفضلات غيره من الحيوانات ، وهذا من أسباب قيامه بدور كبير في نقل العديد من الأمراض الخطيرة للإنسان .وتضم الخنازير عدداً من الأنواع البرية والمستأنسة والتي تجمع كلها في عائلة واحدة تعرف باسم عائلة الخنازير ، ويسمى الذكر منها باسم العفر وتسمى الأنثى باسم الخنزير وهي من النوع الولود ، والخنزير المخصي يعرف باسم الحلوف ، ويستعار اللفظ وصفاً لكل قذر ، شره، أناني من البشر ، ويستعمل لفظ الخنزير كذلك لكل حقير النفس بخيل اليد قذر المظهر والملبس متصف بأحقر الصفات ، أو للمرأة الساقطة المجردة من كل فضيلة .انتهى كلام الدكتور زغلول النجار .

ويقول الجاحظ(نقلاً عن كتاب أمراء البيان لمحمد كرد علي ص421): “لو أن الكفر والإفلاس والغدر والكذب تجسدت ثم تصورت لما زادت على قبح الخنزير،وكان ذلك بعض الأسباب التي مسخ بها الإنسان خنزيراً، فإن القرد قبيح الوجه قبيح في كل شئ، وكفاك به جري المثل المضروب به، ولكنه من وجه آخرمليح، فملحه يعرض على قبحه فيمازجه ويصلح منه،والخنزير اقبح منه إلا أن قبحه مُصمت بهيم فصار أسمج منه كثيراً”

الأمراض التي تنقلها الخنازير :

1داء الشعرية الحلزونية :

داء منتشر تسببه الشعرية الحلزونية (التريشينيللا شبيراليز) والتي تصيب العضلات المخططة والدماغ وهذ يؤدي  لآلام عضلية معممة  مع صعوبة التنفس واضطرابات عصبية وقد تصاب أعضاء أخرى في الحالات الشديدة .وهي دودة شعرية صغيرة طولها 3-5 مم .

العامل المسبب والوبائيات: يشاهد الداء في كل أنحاء العالم وينتقل العامل الممرض للانسان عن طريق تناول لحم الخنزير غير المطهي جيداً ، فالخنزير يعتبر المعين الرئيسي للعدوى.ولذا تشاهد الاصابات بشكل خاص في الأماكن التي يكثر فيها تناول لحم هذا الحيوان  أي في الغرب أكثر من الشرق ،فبعد أن يتناول الإنسان لحم الخنزير غير المطبوخ جيداً ،يهضم اللحم في المعدة وتتحرر القوائب التي تلتصق بمخاطية العفج(الاثني عشر)بشدة وتتحول القوائب في الغشاء المخاطي إلى ديدان كهلة ، وبعد أن يتم إخصاب الأنثى يموت الذكر المخصب ويطرح مع البراز ،وبينما تدخل الأنثى المخصبة فوهتها التناسلية في مخاطية العفج وقد تصل عميقاً حتى الغشاء العضلي لجدار العفج ، وبعد اسبوع تخرج القوائب التي تغزو العروق اللمفية وأحياناً الدموية  ومنه إلى الدورة الدموية  فالرئة والقلب ومنه إلى كل أنحاء الجسم عن طريق الدوران العام وتنتخب هذه القوائب بشكل خاص العضلات المخططة ، وأكثر العضلات إصابة عضلة الحجاب الحاجز  وعضلات الإلية وعضلات جدار الصدر والعضلة الدالية والعضلات الوربية(بين الأضلاع) والعضلات الخارجية للحنجرة وعضلات اللسان وأحيانا عضلة القلب .وعلى كل حال لايوجد عضو في الجسم منيع على الاصابة بهذه الديدان .

تدخل القوائب الألياف العضلية وتسبب اتلافها ، وتسبب تفاعلاً التهابيا ، وفي الحالات المزمنة تحدث تكلسات حول القوائب في أماكن توضعها  فتدعى القوائب المتكيسة أو الغلف الشعرية، وهذه الغلف الشعرية مقاومة للبرودة والغليان،والتملح والتفسخ ، وتبقى مقاومة لسنوات عديدة .

الأعراض السريرية :

هي متفاوتة ومختلفة ، ولا يكشف المرض عادة إلا بعد أن يقطع المرض مرحلة بعيدة . وللمرض أدوار:

ففي الدور الأول :أي دور التوضع في العفج : قد تظهر أعراضاً مماثلة للتسمم الغذائي أي ألام بطنية مع إقياء وإسهال،أو بشكل تناذر زحاري وقد ترتفع الحرارة إلى الأربعين .وفي بعض الحالات يمر الدور الأول بدون أعراض.

وفي الدور الثاني أي دور انتشار القوائب في الدوران فيحدث ترفع حروري بشكل يشبه الحمى التيفية .

والشعرية الحلزونية هي الوحيدة من الديدان الحبلية التي تسبب حرارة مُطبقة وهذيان والام عضلية ، وقد تحدث اندفاعات شروية.

وأما الدور الثالث فالأعراض حيث موضع الإصابة العضلية فقد تحدث عسرة بلع أو صعوبة التنفس أو صعوبة تحريك العينين ، ويشكو المريض من الصداع والام الربلتين(عضلات الساقين). وإن اصابة الجملة العصبية المركزية تسبب الصداع وفقدان       حس التوجه والبطاح (الهذيان)وأعراض التهاب الدماغ . وإذا أصيبت عضلة القلب يحدث استرخاء القلب وقصوره .

وتذكر بعض الاحصائيات أن عدد المرضى المصابين بهذا المرض في أمريكا يصل إلى نحو 47 مليون شخص ونسبة الوفاة به تبلغ نحو 3%. وكما ذكرنا فإن الخنزير هو المصدر الوحيد لاصابة الإنسان بهذا المرض الخطير .

2-داء الشريطية المسلسلة (المسلحة)=تينيا سوليوم وتسمى أيضا الشريطية الخنزيرية :

طول هذه الدودة من 2-3 متر واحيانا اكبر من هذا ، وهذه الدودة تتكون من رأس فيه خطاف ليمسك بجدار الأمعاء، وممصات لتمتص الطعام الجاهز من الأمعاء .

وتحدث الاصابة بسبب تناول لحم الخنزير الذي يحوي الأكياس المذنبة الخلوية ، وهذه الأكياس تتحول في داخل الأمعاء إلى ديدان وتكبر وتباشر معيشتها وتلتصق بجدار الامعاء ، وتسبب بعض الأعراض ومنها الاسهالات ونقص الشهية(القهم)والقولنجات البطنية ونقص الوزن وفقر الدم .

وفي حالات نادرة إذا تناول الانسان بيوض هذه الديدان عن طريق الطعام الملوث فإن هذه البيوض وعند وصولها الى المعدة فانه يتم هضم قشرتها وبعدها تنطلق إلى الأمعاء ثم إلى مجرى الدم وتستقر في الدماغ أو القلب أو العضلات أو العين والأعراض حسب مكان التوضع .

3-داء الزقيات القولونية:بالنتيديوم قولي:الزحار الزقي:

وهي طفيليات تسبب مرض الزحار الشديد المترافق مع زحير ومغص بطني وغثيان وقئ وقد تسبب اسهالا دمويا مع فقر دم . وهو مرض معدي ينتشر بين كل من له علاقة بتربية الخنزير أو ذبحه وسلخه .وهذه الطفيليات تعيش في أمعاء الخنزير والذي يعتبر من أهم مصادر العدوى  وتكون العدوى بطريقة تناول الطعام الملوث بالخنازير الذي يحتوي على أكياس هذا الطفيلي .

4– داء وايل اليرقاني النزفي:

وهو ينتقل للانسان عن طريق الماء الملوث ببول الخنزير أو الكلاب أو الجرذان .

5-داء حمرة الخنزير :(الإريسبيل):

مرض يصاب به الخنزير وغيره من الحيوانات وينتقل إلى بعض الفئات من البشر وخاصة اللحامين والدباغين وتكون الاصابة بشكل بقعة أو منطقة مؤلمة جدا وحارة موضعيا وحارقة وتشاهد خاصة على الأيدي مع أعراض عامة مثل الحرارة والقشعريرة والتهاب العقد اللمفية .

صعوبة هضم لحم الخنزير :

تبين الدراسات أن تناول لحم الخنزير يسبب أمراضا استقلابية وجهازية عديدة وذلك بسبب تركيب لحم الخنزير وخاصة ما يحتويه من شحوم ودهنيات .فقد بينت الدراسات أن تناول لحوم الحيوانات التي لم ينهى الشارع عن تناولها كالخرفان والبقر والماعز والجمال.. وهي من الحيوانات العاشبة فإن دهنيات هذه الحيوانات تتحول في الأمعاء الدقيقة وبفضل العصارات البنكرياسية والصفراوية  إلى مستحلبات يتم امتصاصها في الأمعاء الدقيقة وتتحول في جسم الإنسان ودورته الدموية إلى دهون بشرية وتترسب في أنسجة الجسم كدهون بشرية انسانية .

أما إذا تناول الإنسان لحوم ودهون الحيوانات المحرم تناولها كالحيوانات الكاسرة والمتوحشة وكذلك لحم الخنزير ، فإن العصارات البنكرياسية والصفراوية لا تستطيع أن تحول دهونها وتسحلبها وبالتالي يتم امتصاصها بدون تحويل وتترسب في أنسجة الجسم كدهون حيوانية وليس كدهون إنسانية ، وبالتالي كدهن خنزيري وليس كدهن انساني .وهنا يتساءل العلماء هل إن ترسب هذه الدهون وبقائها كدهون حيوانية يؤثر على سلوك الإنسان وطبيعته وشخصيته ؟

وكذلك فإن لحم الخنزير يحتوي على نسب أعلى من الدهون الثلاثية والكولسترول وهذا يؤهب لكثير من الأمراض بسبب التصلب العصيدي الشرياني وماينجم عنه من أمراض خطيرة كاحتشاء القلب والفالج الدماغي وارتفاع التوتر الشرياني …

تحليل الطيبات

قال الله تعالى في كتابه العزيز :{الذين يتبعون الرسول الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم }[الأعراف 156] .

وقال تعالى: {يا أيها الذين أمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون* إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم } [البقرة 172-173].

ويقول تعالى:{يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً}[البقرة 168] .

ويقول تعالى: {يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}

يقول الاستاذ الدكتور يوسف القرضاوي (موقع القرضاوي –مقالة بعنوان :الأصل في الأشياء الإباحة ):”كان أول مبدأ قرره الإسلام : أن الأصل فيما خلق الله من أشياء ومنافع ، هو الحل والإباحة ، ولا حرام إلا ماورد نص صحيح صريح من الشارع بتحريمه ، فإذا لم يكن النص صحيحا_كبعض الأحاديث الضعيفة_أو لم يكن صريحاً في الدلالة على الحرمة ، بقي الأمر على أصل الإباحة .وقد استدل علماء الإسلام على أن الأصل في الأشياء والمنافع الإباحة ، بأيات القرآن الواضحة من مثل قوله تعالى :{هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً}[البقرة29]، {وسخر لكم ما في السموات والأرض جميعاً منه}[الجاثية13]، {أو لم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} [لقمان 20 ].

وما كان الله سبحانه ليخلق هذه الأشياء ويسخرها للإنسان ويمن عليه بها ، ثم يحرمه منها بتحريمها عليه وكيف وقد خلقها له وسخرها له وأنعم بها عليه؟

ومن هنا ضاقت دائرة المحرمات في شريعة الإسلام ضيقاً شديداَ،واتسعت دائرة الحلال اتساعا بالغا. ذلك أن النصوص الصحيحة الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جداً، وما لم يجئ نص بحله أو حرمته ، فهو باق على أصل الإباحة ، وفي دائرة العفو الإلهي.

وفي هذا ورد الحديث”ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام . وما سكت عنه فهو عفو . فأقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئا، وتلا(وما كان ربك نسيا) [مريم 64] .

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال:”الحلال ما أحل الله في كتابه،والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم ” فلم يشأ عليه السلام أن يجيب السائلين عن هذه الجزئيات، بل أحالهم على قاعدة يرجعون إليها في معرفة الحلال والحرام ، ويكفي أن يعرفوا ما حرم الله ، فيكون كل ما عداه حلالا طيبا.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحدّ حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها” ” انتهى كلام القرضاوي .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخشوشناً في حياته لا مترفاً ومع ذلك لم يحرم حلالاً ولم يضيق واسعاً.

وقال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله :

“وكل نصوص الشريعة جاء بهذه الغاية السامية (أي المصلحة الإنسانية) فما من نص شرعي إلا وقد تحققت فيه المصلحة وإن غابت على بعض الأذهان،ولا تغيب هذه المصلحة إلا حيث يختلط معنى المصلحة بالهوى والشهرة ، وحيث تتكاثف الظلمات على العقل حتى يتوهم المصلحة فيما فيه ضرر ، كما يتوهم بعض الناس نفعا فيما يثبت الطب وتثبت مكارم الأخلاق قيمه .

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله :

“إذا تأملنا في شرائع دين الله التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيا المصالح الخالصة أو الراجحة ، وإن تزاحمت قدم أهمها وأجلها وإن فات أدناها . كما لاتخرج عن تعطيل المفاسد الخالصة والراجحة بحسب الامكان وإن تزاحمت عطل أعظمها فساداً بتجمل أدناها .

وقال أبو حيان في تفسير البحر المحيط ” لما أباح الله تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب ، وكانت وجوه الحلال كثيرة ، بين لهم ما حرم عليهم لكونه أقل ، فلما بين ماحرم بقي ما سوى ذلك على التحليل حتى يرد منع أخر ، وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عما يلبس المحرم فقال:”لا يلبس القميص ولا السروال ” فعدل عن ذكر المباح إلى ذكر المحظور لكثرة المباح وقلة المحظور وهذا من الإيجاز البليغ .

المراد من الطيبات الرزق الحلال ، فكل ما أحله الله فهو طيب ، وكل ما حرمه فهو خبيث . قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه :”المراد”طيب الكسب لا طيب الطعام” ويؤيده الحديث الشريف “إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:” يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا” وقال”يا أيها الذين أمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر ، أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له ” رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابي هريرة رضي الله عنه.

عدم حرمان المباح ومقاومة المذاهب النباتية

إن الإنسان بحاجة من أجل اكتمال بناء جسمه والقيام بالوظائف الحيوية إلى أن ينوع غذائه مابين البروتينات والدهون والسكريات بالإضافة الى بعض المعادن والفيتامينات .وقد حرم الشرع أن يمتنع الإنسان عن تناول المباح من  بعض الطعام والغذاء –إلا برؤية طبية كالحمية مثلا في بعض الامراض لفترة تقل أو تقصر كما يراها الطبيب –ومنها من يحرمون على أنفسهم تناول اللحوم دون داع من مرض أو استعداد لمرض أو بسبب فقر .

عندما حرم بعض الصحابة على نفسه اللحم ، وحرم بعضهم النساء ، وبعضهم النوم على الفراش ، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيباً وأنكر عليهم ما عزموا عليه . عن انس رضي الله عنه أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم  عن عمله في السر ، فقال بعضهم لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم لا أكل اللحم ، وقال بعضهم  لا أنام على فراش ، وقال بعضهم أصوم ولا أفطر . فقام النبي صلى الله عليه وسلم  فحمد الله وأثنى عليه فقال:”ما بال قوم  قالوا كذا وكذا ؟ لكني اصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ” [رواه مسلم ]. ونزل في ذلك النفر وأمثالهم قوله تعالى : {يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}.

من هم النباتيون؟:

جاء في مقال لاحدى الصحف الالمانية الطبية (ميديكال تريبون) بتاريخ 13 نوفمبر عام 1992

“يعتبر مؤسس المذهب النباتي الفيلسوف الاغريقي فيثاغورث (عام 600 قبل الميلاد). ومنذ أكثر من ألفي عام يوجد هناك بشر ولاسباب دينية أو عرقية  يحرمون على أنفسهم تناول المشتقات الحيوانية ، وفي أيامنا هذه يضاف لها أيضاً أسباب اقتصادية أو صحية غذائية .

وحسب مايدعي هؤلاء النباتيون فإن التطور البشري بدأ بأن الإنسان كان نباتياً ولا يأكل إلا النبات وأن المشتقات الحيوانية تسبب اضطرابات هضمية وتنشأ منها حواصل استقلابية سمية .

وهؤلاء النباتيون منهم من يتجنب كل المشتقات الحيوانية وحتى الحليب والبيض والعسل ، ومنهم من يتجنب اللحوم ولكنهم يتناولون الحليب ومشتقات الحليب والبيض ومنهم من لا يأكلون البيض ولكن يشربون الحليب ، وهذه الفئات الثلاثة تتناول الوجبات النباتية ويتجنبون شرب الغول والدخان .

إن الاقتصار على الوجبات النباتية فقط له مضاعفات على الأطفال والكبار على حد سواء ، فالإنسان يحتاج إلى المشتقات الحيوانية  وإن كانت من منتجات الحليب والبيض ،وإن البروتينات النباتية ليست عالية القيمة الغذائية مثل البروتينات الحيوانية ، فالبروتينات الحيوانية يوجد في تركيبها الكثير من الحموض الأمينية الضرورية التي يحتاجها الإنسان ولا توجد في البروتينات النباتية مثل الليزين والإيزولوسين واللوسين والفالين والتريونين والتيروزين ، وهذه الحموض الأمينية الضرورية قد توجد في الحبوب وبعض الثمار والمكسرات ولكنها توجد بشكل رئيسي في اللحوم ، ولابد من تناول كمية كافية منها ومن مصادر متنوعة ولا يمكن الحصول عليها من المصادر النباتية فقط إلا بتناول كميات كبيرة ومتنوعة من الأغذية النباتية ويمكن الحصول عليها بكميات كافية بتناول القليل من المشتقات الحيوانية ، وإن عوز هذه الحموض الأمينية يسبب اضطرابات شديدة مثل فقر الدم وتثقب العظام وتشكل الوذمات .

وبالاضافة إلى نقص الوارد البروتيني فإن هؤلاء النباتيون معرضون لمشاكل نقص الكلسيوم والفيتامين دال  والحديد والفيتامين ب12 ، حيث أن هذا الفيتامين الأخير لا يوجد إلا في المشتقات الحيوانية ، وإن الحديد والكلسيوم في المصادر الحيوانية ومشتقاتها أسهل هضماً وامتصاصاً في الأمعاء مقارنة مع تلك من المشتقات النباتية ، وإن كان الحديد في بعض المصادر النباتية يوجد بتراكيز عالية .

إن الأطفال والرضع الذين تقتصر تغذيتهم على المشتقات النباتية يمكن أن يصابوا بأمراض سوء التغذية وحصول التحسس الغذائي وعرضة لنقص الوزن وسوء النمو ، ولا ينصح للحامل أبداً أن تقتصر تغذيتها على المشتقات النباتية وإلا حصلت مضاعفات لدى الجنين

وفي مرجع أخر (المجلة الألمانية دي نوي ارتزليشه العدد 28 الموافق 28 نوفمبر 1988)”بينت دراسات معهد ماكس-بلانك للصحة النفسية في ميونيخ أن النساء الذين تقتصر تغذيتهم على المشتقات النباتية فقط عرضة للإصابة بالعقم واضطرابات الطمث ، وقد وجد أن الحمية النباتية الخالية من البروتي تمنع نضج البيضة وانطلاقها من المبيض إلى الرحم ، كما أن نقص الوزن يسبب اضطرابات الطمث وهذا يشاهد في الحمية النباتية حيث أن الحمية غنية السكريات قليلة البروتين تؤدي إلى اضطرابات هرمونية تؤثر في الغدة النخامية والمناسل .

ابن الجوزي في كتاب تلبيس إبليس فيمن يحرمون أكل اللحم :

“وأما كونهم لا يأكلون اللحم فهذا مذهب البراهمة الذين لا يرون ذبح الحيوان ، والله عز وجل اعلم بمصالح الأبدان  فأباح اللحم لتقويتها ، فأكل اللحم يقوي القوة ، وتركه يضعفها ويسئ الخلق ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلك يأكل اللحم ويحب الذراع من الشاة ، وكان الحسن البصري يشتري كل يوم لحماً ، وعلى هذا كان السلف إلا أن يكون فيهم فقير فيبعد عهده باللحم لأجل الفقر ، أو ليس في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل القثاء بالرطب ، أو ما أكل عند أبا الهيثم بن التيهان خبزاً وشواءً وبسراً وشرب ماء بارداً.

ومن الذين اشتهروا بالمذهب النباتي الشاعر المعري الذي اعتزل الناس وسمي رهين المحبسين بسبب العمى الذي أصابه صغيرا بعد مرض الجدري وبسبب بقاءه في منزله واعتزاله الناس ، يضاف إلى ذلك أنه حرّم على نفسه أكل اللحوم وما يخرج من اللحوم كالبيض واللبن وعاش نباتيا على مبدأ الرحمة بالحيوان ، وقيل إن الطبيب وصف له في مرض ألم به أن يأكل الفروج فأبى حين قدم له وخاطبه بقوله “استضعفوك فوصفوك ، هلا وصفوا شبل الأسد؟”

ومن شعر المعري في اللزوميات حول هذا التحريم للحيوان على نفسه :

غدوت مريض العقل والدين فالقنى                      لتسمع أنباء الأمور الصحائح

فلا تأكلن ما أخرج الماء ظالماً                           ولا تبغ قوتاً من غريض الذبائح

ولا بيض أمات أرادت صريحه                         لأطفالها دون الغواني الصرائح

ولا تفجعن الطير وهي غوافل                             بما وضعت فالظلم شر القبائح

ودع ضَرَبَ النحل الذي بكرت له                         كواسب من أزهار نبت فوائح

فما أحرزته كي يكون لغيرها                              ولا جمعته للندى والمنائح

مسحت يدي من كل هذا فليتني                               أبهت لشأني قبل شيب المائح

وقد اتخذ بعض أعدائه من ذلك المسلك مدخلاً للطعن عليه وتجريحه وتسديد التهم إليه ، ومحاولة تأويل ذلك بما يشكك في دينه ويطعن في عقيدته . وهو يبرر ذلك برقة حاله وضيق ذات يده وملاءمته لصحته فيقول:”ومما حثني على ترك أكل الحيوان أن الذي لي في السنة نيِّفٌ وعشرون ديناراً ، فإذا أخذ خادمي بعض مايجب بقي لي مالا يعجب ، فاقتصرت على فول وبلسن ، وما لا يعذب على الألسن .. ولست أريد في رزقي زيادة ولالسقمي عيادة “.

ومن النباتيين نذكر بالاضافة إلى فيثاغورث ، أفلاطون ونيوتن وجان جاك روسو ، وقد كان طعام هؤلاء مقتصراً على الخبز والبقول والخضر وما ينتجه الحيوان .

أثر الغذاء في الطباع والخلق

جاء في مقال للاستاذ الدكتور أحمد شوكت الشطي في مجلة حضارة الإسلام عدد حزيران عام 1973 :

“يقال أن الممثل المشهور كين كان يختار طعامه وفقاً للدور الذي ينوي تمثيله على المسرح فكان يأكل لحم الثيران الوحشية قبل أن يمثل دور الطغاة ،ولحم الخنزير قبل أن يمثل دور الفساق ، ولحم الحمام قبل أن يمثل دور العشاق . وقد جاء في الأمثال الغربية” قل لي ما تأكل أقل لك من أنت “. قال الفيلسوف بورفيروس في صدود الغذاء والطباع وقساوتها :”إن أكثر الطغاة والسفاحين لحمون يكثرون من أكل اللحم وشد أن يشاهد بين النباتيين من يتصف بالقسوة والخشونة وغلظ الطبع . واختبر الفيلسوف سينيكا على نفسه أثر الغذاء في اخلاقه وطباعه فقال:”لقد تركت اللحم بعد أن كنت أكثر من تناوله فلاحظت بعد انقطاعي عنه سنة واحدة أن طباعي أصبحت سلسة هادئة وعدت ميالاً للمسالمة بعيداً عن الغضب ولم يؤثر ذلك في قواي العضلية أي تأثير با استمر عملها وقوتها كما كانت في السابق .

وخلاصة القول يتميز الاغتذاء بالنبات بقلة سمومه ويتجلى النباتيون بالوداعة ورقة الطباع ودماثة الخلق وقلة الأنانية والميل إلى البر والانصاف والشفقة والحنان ، بينما يتميز التغذي باللحوم بكثرة سمومه ويتصف اللحمون بالقسوة والغلظة والجبروت والميل إلى العدوان .

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه :”إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر .

وختاما يقول الدكتور الشطي : “يحسن بنا أن نبين أن الإسلام يوجهنا إلى المرازمة “تنويع الغذاء وجعل عناصره نباتية وحيوانية في أن واحد ” انتهى كلام الشطي .