الصحة البدنيّة بين الطبّ والإسلام

الصحة البدنيّة بين الطبّ والإسلام

الدين والنظافة ـ الصحّة والعبادات:

يعود الفضل الأسبق في نشر التعاليم الصحيّة وتطبيقاتها العملية إلى الديانات السماويّة من لدن أدم عليه السلام الذي علّمهُ الله تعالى الأسماء كُلّها وحتى خاتم النبيين محمد عليه صلوات الله وسلامه وعلى إخوته الأنبياء أجمعين .

لقد جاءت التعاليم الربانيّة والرسالات السماويّة بتحريم الفواحش والخبائث وما يعود بالضررعلى سلامة الإنسان وصحّته، وأمرت بالنظافة والطهارة وما يجلب الخير للإنسان ويحفظ عليه صِحّته وعافيته في دنياه .

والإسلام هو الدين الوحيد الذي يجعل النظافة والطهارة جزءاً هاماً ورئيسياً من العبادة بل إنّها من أُصول الدين نفسه، فأول خطوة للدخول في الإسلام بعد الشهادتين هي الغُسل وأخر مرحلة يغادر بها الإنسان الحياة الفانية إلى الحياة الخالدة أن يُغسَلَ أيضاً ـ مالم يكن شهيداً ـ وما بينهما فإنّه لا صلاة بدون وضوء ، ولا جنابة بدون اغتسال .

والطهارة والنظافة من أركان الدين الرئيسية  وإذا كانت أولى أيات القرآن الكريم نزولاً تحضّ على العلم والقراءة ، وهي قوله تعالى{اقرأ باسم ربك الذي خلق} فإنّ مابعدها مباشرةً يحضّ على الطهارة والنظافة بقوله تعالى :{وثيابكَ فطّهر}.

يقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ـ تحت عنوان النظافة والتجمل والصحة ـ ص183):

“على المسلم في كل ساعة من عمره أن يسعى نحو الكمال،وأن يحث المسير إلى الارتقاء المادي والنفسي،فإن مستقبله عند الله مرتبط بالمرحلة التي يبلغها في تقدمه،إن أدركه الموت وهو في القمة كان من أصحاب الفردوس الأعلى، وإن أدركه وهو مقتصد ينقل خطاه في السفوح القريبة كان بحسبه أن ينجو.وإن أدركه وقد رجع القهقرى وضل الغاية تخطفته زبانية العذاب الأليم،ومن كان في هذه أعمى حشر يوم العرض أعمى، ومن كان قذراً بعث كذلك.

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرجل الحريص على نقاوة بدنه ووضاءة وجهه ونظافة أعضائه يبعث على حاله تلك، وضئ الوجه،أغرّ الجبين، نقي البدن والأعضاء.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زار المقابر، فقال:“السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم عن قريب لاحقون.وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي،وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، قالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غرّ محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غرّاً محجلين من الوضوء”[رواه مسلم].

ويتابع الغزالي رحمه الله:”إن صحة الأجسام وجمالها ونضرتها من الأمور التي وجه الإسلام إليها عناية فائقة،واعتبرها من صميم رسالته، ولن يكون الشخص راجحاً في ميزان الإسلام،محترم الجانب إلا إذا اعهد جسمه بالتنظيف والتهذيب، وكان في مطعمه ومشربه وهيئته الخاصة،بعيداً عن الأدران المكدرة والأحوال المنفرةنوليست صحة الجسد وطهارته صلاحاً مادياً فقطنبل إن أثرها عميق في تزكية النفس، وتمكين الغنسان من النهوض باعباء الحياة. وما أحوج أعباء الحياة إلى الجسم الجَلِد والبدن القوي الصبور”.

إنّ كثيراً من التعاليم والأوامر وردت في الإسلام بشكل فروض و سنن، ومنها ماهو داخل في صلب العبادة،أو مشروط بصحتها ، ومنها ماورد بشكل قواعد صحية عامة.

يقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص184):

“كرم الإسلام البدن، فجعل طهارته التامة أساساً لابد منه لكل صلاة وجعل الصلاة واجبة خمس مرات في اليوم، وكلف المسلم أن يغسل جسمه كله غسلاً جيداً في أحيان كثيرة تلابسه غالباًن وتلك هي الطهارة الكاملة، وفي الأحوال المعتادة اكتفى بغسل الاعضاء والأطراف التي تتعرض لغبار الجو، ومعالجة شتى الأشغال،أو التي يكثر الجسم إفرازاته منها:{يا أيها الذينَ آمنوا إذا قُمتُمْ إلى الصلاةِ فاغسلوا وجُوهَكُم وأيدِيَكُم إلى المرافقِ وامسحوا برؤوسكم وأرجُلَكُم إلى الكعبين وإن كنتم جُنباً فاطّهروا..}[المائدة 6].

والطريقة التي شرعها الإسلام لإبقاء الجسم نظيفاً في كل وقت تقوم على ربط الغسل الواجب بأحوال الطبيعة المادية في الإنسان.فلو كان الإنسان روحاً فقط ما احتاج إلى متابعة الغسل والتنقية والتطهير.أما وهو مستقر في هذا الغلاف المادي المتكون من تربة الأرض، تلك الأرض التي يحيا فوقها،ويتغذى من نباتها وحيوانها، ويترك فضلات معدته فيها، ويثوى آخر الأمر في ثراها  ـ أما وهو كذلك، فقد ناط الإسلام الوضوء المفروض بأعراض هذه الطبيعة المادية، وبكل ما ينشأ عن دورة الطعام في الجسم من نفايات وغازات”.

يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي (ـ موقع القرضاوي ـ):

“اعتاد مصنفوا الفقه الإسلامي من قديم أن يبدأوا كتبهم بباب الطهارة،أو كتاب الطهارة،وذلك باعتبارأنهم يبدأون بفقه العبادات قبل فقه المعاملات بناء على أن أعظم الحقوق على المخلوق هو حقّ خالقه عزَّ وجَلَ، وهو حقُّ عبادته وحده لاشريك له،وهذه العبادة هي الغاية الأولى التي لأجلها خلق الله المكلفين من عباده، كما قال تعالى:{وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات 56] ،ثم تأتي حقوق عباده،لهذا كان الحديث عن العبادة أولاً ثمّ إنّ أولى العبادات وأعظمها هي الصلاة عمود الدين،وإنّ أول شروط الصلاة هو الطهارة .

ويتابع الشيخ القرضاوي”والطهارة معناها في لغة العرب: النظافة،وفي اصطلاح الفقهاء :نظافة من نوع خاص،فيها معنى التعبد لله تعالى فهي من الأعمال التي يحبها الله من خلقه ،كما قال تعالى في الثناء على صنف من الرجال:{فيه رجال يحبون أن يتطّهروا والله يحب المطهرين} [التوبة 108] ، وقال تعالى في شأن النساء الحُيض:{ولا تقربوهنَّ حتى يطهرن فإذا تطهرنّ فأتوهنَّ من حيث أمركم الله إن الله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهرين}[لبقرة222] . وقال صلى الله عليه وسلم : “الطَّهورُ شطرُ الإيمان“[ رواه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري  وهو من أحاديث الأربعين النووية الشهيرة ].

ويتابع الشيخ القرضاوي:

“وقد يراد بالطهور أو الطهارة: الطهارة الحسّية التي تدرك بالبصر،وقد يراد بها الطهارة المعنوية التي تدرك بالبصيرة ويقابلها النجاسة وهي  أيضاً حسّية تُزال بالماء والمُطّهرات الحسّية،ومعنوية لا تُزال إلا بالإيمان والتوبة، كنجاسة الشرك والمعاصي  كما قال تعالى:{إنّما المشركون نجس} [التوبة 28] .

والمراد بالطهارة في مجالنا هذا : الطهارة الحسّية التي تستخدم الماء والمطهرات الحسّية لتحقيق أثرها .ولهذا جعلت الطهارة مقدمة للصلاة،ومفتاحاً لبابها،فمفتاح الجنّة: الصلاة ، ومفتاح الصلاة: الطهور.وفي الحديث الصحيح “لايقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول” [رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما] .

(والغلول:الأخذ من المال العام بغير حق  فهو ضرب من الخيانة، فمن تصدّق به لم يقبل منه).

واشتراط الطهارة في الصلاة موافق للحكمة وللفطرة ، فالناس لا يقابلون رؤساءهم وكبراؤهم إلا على أحسن حال ، فكيف بلقاء ربِّ الناس ، ملك الناس  إله الناس؟

والطهارة نوعان: طهارة من الخَبث،وطهارة من الحَدَث .

والطهارة من الخَبث تعني: التَطّهر من نجاسة عَينية حِسّية تصيب الأبدان والأمكنة ولها طعم ولون ورائحة .

والطهارة من الحّدّث فتعني: التطهّر من نجاسة حكمية،أي لا يوجد لها في الخارج شئ حسّي  تبصره العين، أو تلمسه اليدّ ، أو يشّمه الأنف ، أو يذوقه اللسان ، بل هي أمر حكم الشرع به ـ   يوجب الوضوء إذا كان حدثاً أصغر ، أو الغُسل إذا كان حدثاً أكبر ـ  وقد تميّز الإسلام بالحرص على التطهروالتطهير، حسّاً ومعنى، وكان من أوائل ما نزل من القرآن {وثيابك فطهر} [المدثر4 ] بل زاد على ذلك التزين والتجمل،فكان من أوامر القرآن المكي {يابني آدم خذوا زينتكم عند كُلِّ مسجد} [الأعراف 31] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم”إنَّ الله جميل يحبّ الجمال”[ رواه مسلم ].

ولم يهتم دين بالطهارة والنظافة عموماً كما اهتمّ دين الإسلام، فاهتمّ بنظافة الإنسان ونظافة البيت ونظافة الطريق ونظافة المسجد، وغير ذلك  حتى شاع بين المسلمين دون غيرهم: النظافة من الإيمان،في حين كان بعض رجال الأديان في العصور الوسطى ـ كالرهبان في الغرب ـ يتقرّبون إلى الله بالقذارة والبعد عن استخدام الماء،حتى قال أحدهم: “يرحم الله القديس فلاناً ، لقد عاش خمسين سنة ولم يغسل رجليه!!!وقال آخر : “لقد كان من قبلنا يعيش أحدهم طول عمره لايَبلُّ  اطرافه بالماء ولكنا أصبحنا في زمن يدخل فيه الناس الحمامات!!! كما ذكر ذلك العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه”ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”  انتهى كلام الدكتور يوسف القرضاوي .

إنَّ كثيراً من العبادات المفروضة والمسنونة يؤدي بالإضافة إلى الثمرات الروحية والإجتماعية فإنّه يؤدي أيضاً إلى فوائد صحيّة  فالطهارة مثلاً هي نظافة ووقاية فُرضت لأداء كثير من العبادات كالصلاة والطواف ومسّ القرآن ، وغيرها من العبادات  ورأس العبادات في الإسلام أي الصلاة لاتقبل إلا بوضوء،والماء ضروري لوضوء الإنسان واغتساله ونظافة بدنه قال تعالى {ويُنزّل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به}[ الأنفال 11] ،وهو أيضاً ضروري لنظافة مسكنه وحوائجه، وكذلك للنظافة العامة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم“لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدثَ حتى يتوضأ”.

ولا يُكتفى بطهارة البدن من الحدَث بل لابدّ من طهارة البدن والثوب والمكان معاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“الطَهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ مابين السماوات والأرض والصلاة نور ، والصدقة برهان ،والصبر ضياء ،والقرآن حجة لك أو عليك ، كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقُها أو موبقها”

ومن السّنة النبويّة إسباغ الوضوء أي إتمامه وإفاضة الماء بشكل خاص في الرسغين والكاحلين، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : “أسبغوا الوضوء”، ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه الشيخان:“إنّ أُمتي يُدعون يوم القيامة غرَّاً محجلين من أثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يُطيل غرّته فليفعل”

(الغرّة والتحجيل : بياض في وجه الفرس وقوائمه وهذا يحسّنه ويزينه، فاستعاره للإنسان وجعل أثر الوضوء في الوجه واليدين والقدمين كالبياض الذي عند الفرس)

وقال صلى الله عليه وسلم: “لايحافظُ على الوضوء إلا مؤمنٌ”[ رواه الدارمي وابن حبان عن ثوبان رضي الله عنه].

والغسل هو فرض من الجنابة لقوله تعالى:{وإن كُنتم جُنُباً فاطَّهروا} [المائدة 6].وقد سُنَّ الغسل في مناسبات عديدة ومنهاغسل يوم الجمعة”من أتى يوم الجمعة فليغتسل”[متفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما]، كما يُستحب غسل العيدين ،والغسل عند الإحرام للحجّ والعمرة ولصلاة الكسوف ،والاعتكاف،وعند تغير رائحة البدن ، وحضور المجالس.

جاء في الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه :“حقُّ الله على كُلِّ مُسلمٍ أن يغتسل في كُلِّ سبعةِ أيامٍ: يغسلُ رأسَهُ وجسده.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ـ موقع القرضاوي ـ :

” إنَّ الإسلام شرّع صلاة الجمعة والجماعة في المساجد،وفيها تتجمع أعداد كبيرة ،ولأوقات قد تطول ،ولاسيما في الجمعة ،وقد حرص الإسلام على أن يكون الناس في حالة من الطهارة والنظافة والزينة بحيث لا يؤذي بعضهم بعضاً بقذارته أو بسوء رائحته، ولهذا أوجّب الغسل أو سَنّه،وقال  صلى الله عليه وسلم : “من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا “ وقال ” من أكل من هذه الشجرة ـ يعني الثوم ـ فلا يقربنّ مسجدنا”.

وعن عمرو بن عبسة قال: قال رسول الله صلى الله  :” ما منكم رجل يقرب وضؤه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرّت خطايا وجهه وفِيه وخياشيمه،ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خَرَت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء،ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرّت خطايا يديه من أنامله مع الماء ،ثم يمسح رأسه إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء “ [أخرجه مسلم] .

يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في  كتابه”وحي القلم:

“فإذا قمت إلى وضوئك فأيقن في نفسك ،واعزم في خاطرك على أنَّ في هذا الماء سرّاً روحانياً من أسرار الغيب والحياة ، وإنّه رمز للسماء عندك وأنك إنّما تتطهر به من ظلمات نفسك التي امتدت على أطرافك ،ثمَّ سَمِّ الله تعالى مفيضاً اسمه القادر الكريم على الماء وعلى نفسك معاً ، ثمَّ تمثل أنك غسلت يديك مما فيهما ومما تتعاطاه بهما من أعمال الدنيا وأنك أخذ فيهما من السماء لوجهك وأعضائك وقرّر عند نفسك أنّ الوضوء ليس شيئاً إلا مَسحة سماوية تسبغها على كل أطرافك ليشعر بها جسمك وعقلك،وأنك بهذه المسحة السماوية تستقبل الله في صلاتك سماوياً لا أرضياً، فإذا أنت استشعرت هذا وعملت عليه وصار عادة لك فإنّ الوضوء حينئذ ينزل النفس منزل الدواء كلّما اغتمّمت أو تكرهت أو تسخطّت أو غشيك حزن أو عرض لك وسواس، فما تتوضأ على تلك النيّة إلا غسلت الحياة وغسلت الساعة التي أنت فيها من الحياة، وترى الماء تحسبه هدوءاً ليناً لين الرضى ، وإذا هو ينساب في شعورك وفي أحوالك جميعاً،  ويتابع الرافعي رحمه الله”وإذا الوضوء في أضعف معانيه هو ما علمنا من أنه الطهارة والنظافة ، أما في أقوى معانيه فهو خاصة من السماء فيها التقديس والتزكية ،وغسل الوقت الإنساني مما يخالطه كلما مرت ساعات وابتداؤه للروح كالنبات الأخضر ناضراً مطلولاً مترطباً بالماء “.

ويقول الاستاذ عبد الله الخياط :

“عندما عُني الإسلام بإصلاح العقائد وتطهيرها وتنقيتها من شوائب الشرك والبدع والمعاصي ، عالج الجانب الحسّي في المسلم فوجهه إلى العناية بتطهير المظهر ليكون المسلم نظيفاً في مظهره كما هو نظيف في مخبره، فعندما أمر الله سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم الرب جل وعلا بالتوحيد أردف ذلك بتطهير الثياب قائلاً : {يا أيُّها المدثر* قُمْ فأنذر *وربَّك فكبر* وثيابك فطهر}،وعندما فرض سبحانه الصلاة شرع لها الوضوء قبلها وهو طهارة من الحدث ونظافة من القذر ، ثم في جميع الأغسال التي أوجبها  الشرع كغسل الجنابة ،والغسل من الحيض والنفاس ،أو ندب إليها كالغسل عند الإحرام ، والغسل للوقوف بعرفة ، وفي ذلك كله مظهر بارز للتطهير ، وكذلك الحضّ على الغسل يوم الجمعة ، ولبس أحسن الثياب ، بل ندب الرسول  صلى الله عليه وسلم إلى اتخاذ ثوبين للجمعة سِوى ثوبي المهنة كما صحَّ عنه أنه قال  :” ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي المهنة”.

ويقول الاستاذ أحمد أمين في كتاب “فيض الخاطر (الجزء الأول ص 85):

“لو جرى الأمر على المعقول لكان المسلم من أنظف الناس في العالم فقد ربطت صلواته الخمس بالوضوء ،وفرض عليه الاستحمام في أوقات ، وكان أول باب من أبواب الفقه باب الطهارة، ويتابع” وأغتبط إذ أسمع وصف ابن سعيد لمسلمي الأندلس فيقول فيهم : “إنّهم أشدّ خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون وما يفرشون وغير ذلك مما يتعلق بهم ، وفيهم من لايكون عنده إلا ما يقوته يومه فيطويه صائماً ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه ولا يظهر على حالة تنبو عنها العين “.

ويقول الأستاذ محمد الغزالي:

” ولاشك أنّ المسلمين أيام ازدهار حضارتهم كانوا أطهر اهل الأرض أبداناً وثياباً ،وأنّ استخدامهم للمياه في الأغسال المتنوعة جعل انسانيتهم أرقى، أما غيرهم من الأوروبيين فكانوا دونهم مكانة وكرامة ، وقد حرص البعض في هذا العصر على استكمال أسباب النظافة ، ونحن لا نوازن بين عادات وعادات ، وإنّما نتعرف على مطالب ديننا وننشئ العادات التي تنسجم معها ، ويتابع رحمه الله “وأما مانراه اليوم من ابتعاد المسلمين وللأسف عن الطهارة والنظافة فيعود إلى عدّة عوامل ومنها الجهل بالشريعة ، ومنها الفقر وقلة موارد المياه، ومنها انتشار الكثير من العادات السيئة في بعض المجتمعات والتي لا علاقة لها بالإسلام، وللأسف لقد تغير الحال في المجتمعات الإسلامية والتي تخلّت عن كثير من تعاليم الإسلام ، وتخلّت عن روح الإسلام ، ولجأت إلى الكثير من العادات التي لاتمت للإسلم بصلة ، وبعد ان كان يضرب المثل في المسلمين في النظافة والطهارة ، أصبحت وللأسف الشديد الكثير من المدن الإسلامية رمزاً للقذارة والوساخة”.

ويقول الأستاذ أحمد أمين  ـ نفس المرجع السابق من فيض الخاطر ـ :

“ويؤلمني أشدّ الألم ماذكره ابن سعيد نفسه ـ الذي تكلم عن نظافة أهل الأندلس ـوقد زار القاهرة وركب فيها حماراً إلى الفسطاط إذ يقول فأثار الحمار من الغبار الأسود ما أعمى عيني ودّنّس ثيابي وعانيت ما كرهت وقلت :

لقيت بمصر أشدَّ البوار                        ركوب الحمار وكحل الغبار

ألم من منظر الفسطاط ، وقال إنه رأى شوارعها غير مستقيمة ورأى حول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف ويغض طرف الطريف ، رأى البياعين يبيعون في مسجد عمرو بن العاص والناس يأكلون فيه ورأى في زوايا المسجد العنكبوت قد عظم نسجه في السقوف والأركان والحيطان ورأى حيطانه مكتوباً عليها بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة ، ويتابع أحمد أمين:

“يظن الناس أنّ النظافة غالية وأنها مرتبطة بالغنى ، وهذا خطأ  بيّن فكم من غني قذر ومن فقير نظيف ، والأمر يتوقف على تعوّدالنظافة أكثر مما يتوقف على المال فليس النظافة ان تلبس اغلى اللباس، وأن تأكل أفخم الطعام ، وإنّما النظافة أن تلبس نظيفاً ولو كان أحقر الثياب ، وأن تأكل نظيفاً ولو كان أحقر الطعام ،ويتابع أحمد أمين”وقد تفشّت وللأسف الكثير من العادات السيئة التي لاتمت للإسلام  والتي أصبحت ملازمة لكثير من المسلمين وهي عادات مُقزّزةوكريهة “.

ويقول الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في كتابه(مع الناس ص104):

“ومثلها الرجل النظيف الذي لا يستطيع أن يتحمل الوسخ في فمه ولا في أذنه ، ولا أن ينتظر حتى ينفرد بنفسه فلا تزال إصبعه تدور في أنفه وفي أذنه وهو في المجلس الحافل ينكش أسنانه بعوده، وربما فعل أشنع من ذلك فنكشها بظفره ثم مسحه بالمقعد أو أخذ جريدة أو ورقة فطواها ونظّف أسنانه بطرفها “.

إنّ هذا يبين اهتمام الإسلام بالطهارة والنظافة،وهو كما ذكرنا أمر لا يُدانيه فيه أي دين سماوي أو وضعي قديم أو حديث ، وإنّ مطالعة بعض الكتب والمقالات التي تتحدث عن أوروبا في العصور الوسطى يُظهر لنا أن مفهوم النظافة كان غائباً عنها ولسنوات طويلة حتى أنه انتشر فيها في تلك العصور ما يُسمى ظاهرة”الخوف من الماء”.يقول أحد الكتاب الألمان في كتاب له أن الكاتب المشهور “بلزاك”وفي عام 1873 م اعتزل في منزله لكتابة إحدى رواياته ، وكان يعمل ليلاً ونهاراً فيأكل قليلاً ولا يغسل نفسه ، وأنه بعد شهر كامل أخرج روايته المُسماة “الأنثى الفائقة”، ولأول مرة وبعد فترة طويلة قال عليّ أن أخذ الآن حَماماً!!

ويتابع هذاالكاتب فيقول “لقد كان الخوف من الماء ظاهرة ملموسة في أوروبا حتى مطالع القرن التاسع عشر، وكان الكثيرون يُفضّلون أن تُلامس البودرة والعطور أجسامهم على أن تلامسها قطرات الماء!!ويتابع الكاتب”لقد كانت تصدر عن الملك هنري الرابع ملك فرنسا روائح كريهة مُنفرّة كرائحة الجيفة النتنة لابتعاده عن الماء ، وكذلك لودفيغ الثالث عشر الذي كان يقول أفعل ما فعل أبي وكان لا يلامس جسده الماء وكانت تصدر عنه روائح كريهة “.

يقول الداعية أبو الحسن الندوي في مقالته”طبيعة الحضارة الغربية وتاريخها”:

“ظلَّ تعذيب الجسم مثلاً كاملاً في الدين والأخلاق في اوروبا العصور الوسطى إلى قرنين من الزمن ، وكانوا يعدّون طهارة الجسم مُنافية لنقاء الروح ، ويتأثمون عن غسل الأعضاء وأزهد الناس عندهم واتقاهم ، أبعدهم عن الطهارة ، واوغلهم في النجاسات والدنس”!

وبهذ كله يجعل الإسلام مسألة النظافة مسألة عقيدة وسلوك ملزم للمسلم في كل شؤون حياته ، وإنّ ابتعاد المسلمين عن جوهر وروح الإسلام جعلهم يتراجعون عن قيادة ركب الحضارة وأن يكونوا في ذيله وفي مؤخرة الأمم ،يقول الكاتب الأيرلندي جورج برناردشو في كتابه “حيرة طبيب””عندما ابتدأت بريطانيا في استعمار العالم الإسلامي فإنّها أجبرت بعض سكان بعض الجزر من المسلمين على ترك الإسلام ، فما أن نجحت في ذلك حتى بدأت الأوبئة الفتاكة تظهر بينهم لابتعادهم عن تعاليم النظافة في الدين”.

الجلد تشريحياً ووظيفياً

تبلغ سماكة الجلد حوالي 3مم ،ولكنه من حيث الحجم يعتبر أكبر أعضاء الجسم ،حيث يبلغ محيط الجلد عند الإنسان الكهل حوالي 8 متر مربع ويصل وزنه إلى حوالي 2 كغ .

يتألف الجلد تشريحياً من ثلاث طبقات :القرنية ، والبشرة ، والأدمة .

الطبقة القرنية(الإيبي ديرم):

هي بسماكة 2،مم وتتألف من الخلايا القرنية ،وهذه تُشكل الطبقة القرنية المتوسفة والتي تتّجدّد خلال ثلاثة إلى أربع أسابيع ، وتنشأ عن هذه الطبقة مادة القرنين(الكيراتين)، والتي تتشكل من الخلايا المتموتة لطبقة القرنية .

إنَّ طبقة القرنية تكون بشكل سميك جداً في الأماكن التي تتَعرّض للضغط والاحتكاك المستمر،ولذا تكون هذه الطبقة شديدة السماكة في باطن القدم ، وراحة اليد ، وعلى العكس تكون هذه الطبقة رقيقة جداً في جفن العين ، وتنعدم تماماً في الأغشية المخاطية .

وتوجد بين الخلايا القرنية في الطبقة القرنية خلايا تُسّمى “لانغرهانس” وهي خلايا تابعة للجملة المناعية ، وتساعد في عملية البلعمة (للعوامل الممرضة) وتحمي الجلد من العوامل الدخيلة .

ويفصل الطبقة القرنية عما تحتها (أي البشرة) مايُسمى الغشاء القاعدي والذي يتم من خلاله عملية التبادل للأغذية والعناصر المعدنية وطرحها ومابين خلايا الغشاء القاعدي تتوضع الخلايا الصباغية ، والتي تعطي الشكل لونه ، أبيض أو أسمر أو أسود.

إنّ الطبقة القرنية السطحية لا تحتوي  على ألياف عصبية أو أوعية دموية ، وبالتالي تكون قليلة الحساسية للمنبهات الألمية ، وقليلة النزوف في الأفات السطحية .

طبقة البشرة(الكوريوم):

وهي طبقة سميكة تتألف بدورها من طبقتين : سطحية متماسكة ، وسفلية متخلخلة ،

وهذه الطبقة المتخلخلخة هي المسؤولة عن مرونة الجلد ، وتوجد فيها الخلايا المفرزة للعرق والخلايا الدهنية ، وتوجد فيها البصلات الشعرية ، والألياف العضلية الملس للأشعار ، وتوجد فيها الأوعية الدموية ، والألياف العضلية ، والنهايات العصبية ، وخاصة مستقبلات الضغط، واللمس، والألم، والحرور ، ومستقبلات الحكّة .

طبقة الأدمة:

وهذه طبقة تتألف بشكل خاص من نسيج شحمي ، فلها وظيفة التغذية والتدفئة .

إنّ الخلايا الشحمية في هذه الطبقة تحتوي على المدخرات الشحمية ، والنسيج الشحمي يختلف حجمه من موضع لأخر في الجسم ، ويرتبط وظيفياً بعدة عوامل ومنها :الجنس ، والعمر ، والهرمونات، والوراثة ، وحالة التغذية .

الناحية الوظيفية للجلد 

للجلد عدّة وظائف هامة :

أولاً:الحماية والوقاية:

حيث أن الجلد يمثل الحاجز الواقي للجسم مع المحيط الذي يعيش فيه الإنسان ، ويحمي الجسم من الأذيّات المختلفة مثل الإشعاعات ، والعوامل السميّة ، والأنتانية، وعوامل أخرى مثل الضغط والصدمات والاحتكاكات …

ثانياً:هو عضو حسّاس :

يحتوي على المستقبلات العصبية التي لها علاقة شديدة وهامة مع الألم ، والحرارة والبرودة ،والضغط..

ثالثاً:هو عضو إنشائي:

حيث يتم تشكيل بعض المواد الهامة والحيوية في الجلد ونذكر منها بشكل خاص تشكيل الفيتامين د،وذلك تحت تأثير الأشعة فوق البنفسجية .

رابعاً: عضو مناعي:

حيث يعتبر الجلد أحد عناصر الدفاع والمناعة في الجسم ، فهو من جهة يشكل حاجزاً ميكانيكياً ، ومن جهة أخرى فإنّ الجلد يحتوي على خلايا وعناصر مناعية تهاجم العناصر  الممرضة ،وكذلك فإنّ الجلد يقوم بإفراز بعض المركبات المناعية كمواد السيتو كينين ، ويحتوي الغلوبولينات المناعية ، أضف إلى ذلك فإنّ بيئة الجلد الحمضيّة لاتساعد على نمو الجراثيم وكثير من العناصر المرضية .

يعتبر الجلد مخزناً كبيراً للكثير من الجراثيم والفطور، ويكثر معظمها على البشرة وعند جذور الأشعار، ويتراوح عددها من عشرة ألاف إلى مائة ألف جرثومة في كل سنتمتر مربع من الجلد الطبيعي، ويزداد العدد في الاماكن المكشوفة من الجلد وفي الأماكن الرطبة مثل المغبنين وتحت الإبطين.ومن خلال الوضوء والاغتسال وخاصة إذا ترافق مع تدليك الجلد يمكن التخلص من أعداد كبيرة من هذه الجراثيم والفطور.

خامساً: الجلد مرآة  الجسم:

حيث يبين الحالة النفسية والمَرضية للجسم ، كالشحوب المرافق لفقر الدم وكثير من الأمراض الحادّة والمزمنة الإلتهابية أو الورمية ..واليرقان مع اصفرار الجلد الذي يعتبر من أهم أعراض الإصابات الكبدية الحادة والمزمنة ..والنزوف الجلدية التي قد توجّه لوجود مرض نزفي على مستوى الصفيحات الدموية أو أمراض نزفية أخرى كالناعور ، او بسبب تناول ممُيعات الدم ، أو كتاثيرات جانبية لبعض الأدوية…

سادساً : عضو امتصاص:

حيث يتم امتصاص بعض المواد عن طريق الجلد، ومنها بعض الأدوية مثل مركبات النتروغليسرين التي تعطى بشكل لصقات(فلاستر)في معالجة أمراض القلب بنقص التروية ،وإعطاء بعض المركبات الأستروجينية عند النساء ،وإعطاء بعض المركبات الخافضة للدم وغير ذلك من المركبات الدوائية التي تعطى بشكل موضعي عن طريق الجلد .

وهناك أيضاً بعض السموم الخطيرة التي تمتص عن طريق الجلد وتكون ذات تأثيرات خطيرة بل ممُيتة على الإنسان ومنها التسمم بمادة الفوليدول الذي يستعمل في رشّ بعض المواد الزراعية..

وكذلك عن طريق الجلد قد تمتص بعض المطّهرات الموضعية إذا طُبِقّت بتراكيز عالية ومنها مادة اليود(الميكروكروم أي الدواء الأحمر) وهذا له تأثيرات سمية على الكبد والكلية ،وكذلك استعمال الكحول(الغول) بتراكيز عالية موضعياً،وكذلك فإن استعمال مراهم الكورتيزون بتراكيز عالية قد يؤدي إلى امتصاصها موضعياً..

سابعاً: الجلد عضو يساعد على تنظيم حرارة الجسم

وذلك عن طريق التَعرّق والتبخر بواسطة الغدد العرقية .

ملحقات الجلد

ونعني بها :الغدد الدهنية ، والغدد العرقية : والأشعار ، والأظافر.

الغدد الدهنيّة:

وهي غدد توجد بأعداد كبيرة جدأ في طبقة البشرة في الجلد ، ووظيفتها الرئيسية هي :الإفرازات الدهنية التي تنشأ عنها .وتقدر كمية الإفرازات الدهنية يومياً وفي الحالات العادية حوالي 2 غرام يومياً.

وهذه الافرازات الدهنية لها وظائف عديدة وهامة:

فهي تحمي الجلد من الجفاف ، وتشكل غطاءً واقياً للجلد، كما أنها تساعد على ترطيب الجلد ، كما ان الإفرازات الدهنية الحمضية تمنع أو تقلل من نمو الجراثيم والعوامل الممرضة الخارجية …

ومن جهة اخرى فإن ازدياد هذه الإفرازات الدهنية في بعض الحالات ولأسباب هرمونية أو وراثية أو نفسية …قد يؤدي لبعض الحالات المرضية ومنا الإكزيما الدهنية والتهابات الجلد وسقوط الأشعار ، وقشرة الرأس ، وازدياد الأمراض الفطرية والالتهابية الجرثومية ..

إنّ كمية الإفراز الدهني في ناحية معينة من الجسم له علاقة مع عدّة عوامل، ومنها كثافة وعدد الغدد الدهنية في هذه الناحية من الجسم ، وكذلك له علاقة ببعض العوامل الداخلية وخاصة منها الهرمونية ، والوراثية، والجنس والسن..

توجد الغدد الدهنية بشكل وافروغزير في ناحية الجبهة ، وفي الوجه ، وجانبي الأنف وناحية الذقن ، وفي فروة الرأس ، وخلف الأذين ، وهذه أكثر أماكن حدوث العدّ(أي حبّ الشباب) والذي له علاقة مع فرط الإفرازات الدهنية .

وهناك أماكن لاتوجد بها الغدد الدهنية ومنها راحتي اليدين وأخمص القدمين.

الغدد العرقية:

هناك نوعان من الغدد العرقية:

النوع الأول :وله دور هام في تنظيم حرارة الجسم عن طريق التعرق وعملية التبخر ، ويبلغ عدد هذه الغدد حوالي 300 غدّة في كل سم مربع أي حوالي 2 مليون غدّة في جسم الإنسان ، وينقص عددها إلى النصف عند المسنين

وهذه الغدد توجد في كل نواحي الجلد وتكثر خاصة في راحة اليدين وأخمص القدمين والجبهة ، وتحت الإبط ، والناحيّة الإربيّة(ثنية الفخذ)..

النوع الثاني:وهي غدد لاتنمو ولا تعمل وظيفياً إلا بعد سن البلوغ ، وافرازها مرتبط بالهرمونات الجنسية ، وهي ذات رائحة عرق ممُيزّة ، وتوجد في نواحي معينة من الجسم مثل الإبط ، وهالة الثدي ، والسرّة ، والناحية التناسلية الشرجية .

وهذا النوع من الغدد يوجد له أشكال خاصة أيضاً ومتميزة وظيفياً ، وخاصة في ناحية مجرى السمع الظاهر حيث تفرز مادة الصملاخ.

إنّ وظائف الغدد العرقية :

تنظيم حرارة الجسم : كما ذكرنا من خلال التعرق والتبخر ، وهذا يعتبر من  أهم الوظائف وكذلك فإنّ الإفرازات العرقية: تساعد على تطرية الجلد .

وأما تركيب العرق: فإنّ الماء يشكل النسبة العالية في تركيب العرق ، أضف إلى ذلك وجود أملاح حمض البول ، والبولة ، والنشادر ، وكلور الصوديوم والبوتاسيوم ، والحموض الأمينية ، ويكاد يخلو العرق من السكر .

والعرق ليس له رائحة ، وإنما تنجم رائحة العرق  وخاصة ناحية الإبطين عن وجود عملية التخمر بفعل بعض الجراثيم في الجلد.

وإنَّ افراز العرق له علاقة مع السن ، فهو عند الكبار اشدّ منه عند الصغار ، .

وإنّ عملية إفراز العرق عملية إفراز فاعل وليس منفعل ، ومركز التنبيه المركزي يقع في منطقة ماتحت المهاد في الدماغ .

وكذلك فإن العرق يساعد: في طرح الفضلات من الجسم وخاصىة مادة البولة الدموية .

إنَّ إفراز الغدد العرقية يرتبط بعوامل عديدة وخاصة الجهاز العصبي الذاتي(أي مايسمى الودّي ونظير الودّي)، فيزداد إفراز العرق في حالات الخوف والغضب والإنفعال والألم الشديد ، وهذا يلاحظ خاصة في الراحتين والأخمصين والإبطين ، وبشكل بسيط في ناحية الرأس والجذع .

إنّ الغدد العرقية يتم تعصيبها بألياف كولينرجية من الجهاز الودّي والناقل العصبي هو الأستيل كولين، ويتم تعصيب كلّ غدّة عل حِده وحسب درجة التنبيه  فإنّه يتم تنبيه عدد أقل أو أكثر من الغدد .

وعند تناول بعض الأدوية وهي ماتسمى طبياً “مضادات الكولينرجي”، وهذه تعطى بشكل خاص في أمراض القلب ، والقصبات ، وبعض أدواء الحساسية ، وأمراض المثانة ، فإنه يحدث نقص الإفراز العرقي لدى هؤلاء المرضى ويترافق أيضاً مع جفاف الفم بسبب نقص إفراز اللعاب واضطرابات الرؤية ، وهذا لابد من الانتباه إليه لدى هؤلاء المرضى .

وعلى العكس من ذلك يوجد مايسمى “فرط افراز العرق ” وهذا قد يكون موضعياً أو شاملا:

أما فرط التعرّق الموضعي : فهو يشاهد خاصة في الراحتين ، والأخمصين ، والإبطين والناحية المغبنية ، ويحدث بشكل نوّبي اشتدادي ، وأهم أسبابه :الانفعالات العصبية ،كالخوف ، والتوتر،ويزداد بتناول المنبهات كالقهوة والشاي والكولا.

وهناك أيضاً فرط تعرق موضعي ويشاهد خاصة في ناحية الوجه ، والرأس ، وحول عظم القص في الصدر ، وهذا يشاهد خاصة بعد تناول بعض الأطعمة الحرّيفة”التوابل والبهارات” وبعض المشروبات الحارّة ، وهناك في حالات نادرة بعض الأمراض التي قد تسبب فرط التعرق الموضعي مثل داء السهام(التابس) والمرافق لداء الإفرنجي، والفالج الشقي، وبعض الأمراض العصبية المحيطية .

أما فرط التعرق الشامل والعام ، فمن أهم أسبابه :ارتفاع درجة الحرارة في الجو المحيط والجهد الجسمي الشّاق ، والأمراض الحُموّية ، والاضطرابات الهرمونية كفرط نشاط الدرق ، والحمل ، وبعض الأمراض الاستقلابية مثل داء السكري ، وبعض الأمراض العصبية كداء باركنسون ، وبعض الأورام ، أو بسبب بعض الأدوية مثل الأسبرين ..

الأظافر:

يتركب الظفر تشريحياً من خلايا قرنية متموّتة . وينمو الظفر بمعدل عشر مم يومياً ، فإذا ما اقتلع الظفر ، فإنّه يتجدّد تماماً بعد فترة ثلاثة أشهر ونصف .ولوحظ أن نمو الظفر أسرع منه صيفاً من الشتاء ، وأنّ نمو أظافر اليدين اسرع منه من القدمين، ويقلّ النمو مع تقدّم الإنسان في العمر ، ويزداد في بعض الأمراض كداء الصدفية.

إنّ الأظافر كالجلد لها دور واق من المحيط ، حيث أنّها تحمي سرير الظفر الحسّاس جدّاً وحيث أنّ هذا السرير يحتوي على حوالي مائة إلى خمسمائة من الأجسام الكُبيّة الشكل وهذه تحتوي على مجموعة كبيرة من الألياف العصبية الحسّية ، وهذا ما  يُفسّر حدوث آلام شديدة في الألتهابات التي تصيب السلاميات النهائية للاصابع كما هو الحال في”الداحس”، ومما يزيد الألم شِدّة أنه لا يوجد في منطقة سرير الظفر أي نسيج شحمي بل إنه يجاوره مباشرة السمحاق العظمي شديد الحساسية للآلام .

إنّ هناك بعض التبدلات التي تصيب الأظافر والتي توُجّه إلى وجود بعض الأمراض الداخلية ، ومنها ما يُسّمى اصابع”مطرقة الطبل” وتسمى أيضاً “اصابع بقراط ” وهذه قد تشاهد في بعض أمراض الرئة كمرض توسع القصبات ، وفي بعض أنواع سرطانات الرئة ، وبعض أمراض القلب الدّسامية ، والتهاب الشغاف الجرثومي تحت الحاد ، وأمراض تشمع الكبد ، وإذا كانت الإصابة وحيدة الجانب فقد تدّل على أُمّ دم الأبهر أو شلل الضفيرة العصبية .

وأمّا عادة طلاء الأظافر باللون الأحمر فيظُن أنها تعود إلى الملكة كليوباترا الفرعونية ، وأما عادة إطالة الأظافر فيظن أنها تعود إلى الصين قديماً

الأشعار:

تتكون كل شعرة من جذر ، ويسمى أيضاً “بصلة الشعر” وهو الجزء الموجود تحت سطح الجلد ، ومن الجذع وهو الجزء الظاهر فوق سطح الجلد .

والبصلة الشعرية هي الجزء الحيّ النشيط ، وتحتوي على خلايا وأوعية دموية ، وألياف عصبية ، وكذلك على الخلايا الصباغية والتي تُعطي الشعر لونه .

وأما الجذع فهو الجزء الخامل من الأشعار ، لأنه يحتوي خلايا ميتة ، ليس فيها أوعية أو ألياف عصبية .

تنشأ الأشعار من الناحية المضغية الجنينية من الوريقة الظاهرة .

قبل الولادة فإنّ جسم الجنين يكون مغطى بأشعارٍ ناعمة دقيقة كالوبر ، وهذه تزول مباشرة قبيل الولادة وتحلّ محلّها الأشعار العادية ، ويضاف لها اشعار الأهداب والحواجب والرأس.

ويكون شعر الوليد عند الولادة غالباً أسود اللون ، وهذا يسقط خلال عدّة شهور ويحلّ محلّه شعر أخر وبلون أخر , وفي سن البلوغ تظهر أشعار الإبط والعانة عند الجنسين ، ويضاف لها الشارب واللّحية عند الذكور.

يبلغ متوسط عدد الشعر في الرأس حوالي مائة الف ، وفي الجسم عامّة حوالي خمسة ملايين .

ويبلغ متوسط عدد الشعرات التي تسقط يومياً في الحالات الطبيعية والعادية خمسون إلى مائة، ويقدّر نمو الشعر الطبيعي حوالي واحد سم في الشهر وتتجدّد الشعرة بعد سقوطها خلال ثلاثة أشهر ، أما شعر الحاجب فيتكون بعد شهر فقط .

إنّ نمو الشعر له علاقة مع الجنس ، فهو أسرع عند الأنثى منه عند الذكر، وخاصة شعر الرأس، كما أنّ له علاقة مع السن ، فهو أقلّ نمواً عند الأطفال والمسنين مقارنة مع الشباب،كما أن له علاقة مع ناحية الجسم فهو أسرع نمواً في الرأس منه في ناحية الذقن .

وبشكل عام فإنّ دورة نمو أشعار الرأس ثلاثة إلى خمس سنوات، وبالنسبة للأهداب ثلاثة إلى خمس شهور .

وللشعر دورة نمو خاصة : فلكلِّ شعرة ثلاث فترات من النمو : فترة نشاط يعقبها خمول ثم السقوط ، لذا لايلاحظ أي تغيير في كثافة الشعر ، لأن الشعرات المتجاورة تكون كل واحدة منها في فترة مختلفة من هذه الدورة ، اي أنه ليس كل الشعر ينمو ويستريح ويسقط في فترة واحدة ، وإلاّ لتعرّض الإنسان للصلع كل سنتين أو أكثر في حياته .

إنّ نمو الشعر يتأثر بعوامل عديدة كالغذاء والهرمونات والراحة والصحة الجسدية والنفسية.

يوجد الشعر في كل أنحاء الجسم ماعدا راحة اليدين والأخمصين ، وحافة الشفاه ، وحلمة الثدي ، وقسم من الأعضاء التناسلية .

ويوجد هناك ثلاثة أنواع من الشعر:

الشعر الخفيف:ويغطي الوجه والجسم عدا اللحية والشارب

الشعر الطويل:وهو الذي يغطي الرأس واللحية والشارب والإبط والعانة

الشعر الخشن القصير: وهو الذي يغطي الحواجب ، والأهداب ، وداخل الأنف  ومجرى السمع الظاهر .

إنّ للشعر وظائف عديدة : وأهمها الجمالية ، ومنها حماية جلد الرأس من أذيات أشعة الشمس ولذا فإن المصاب بالصلع يتعرض لأذيات الرأس أكثر من غيره ، وكذلك فإنّ الحواجب والأهداب تقوم بوظيفة حماية العين ، وكذلك فإنّ أشعار الإبط والثنيات تحمي الجلد في تلك المناطق من الاحتكاكات وما قد تسببه من اكزيما والتهابات .

أمّا تطويل الشعر فقد عُرِفَ عن العرب قبل الإسلام وخلاله ، وقد ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن قالت : “كان شعر النبي صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمّة”

وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب شعره منكبيه، وفي لفظ “كان شعره ليس بالجعد ولا السبط بين أذنيه وعاتقه”

الأنف

الأنف عضو هام من أعضاء الجسم ويتمتع بعدة خصائص ووظائف :

أولاً: عضو تنفس

وهذه هي الوظيفة الرئيسية للأنف ، لأنّ التنفس الطبيعي عند الإنسان وسائر الثدييات هو التنفس الأنفي وليس الفموي ، ولأن التنفس عن طريق الفم غير كاف من جهة ، كما أنه ضار للجهاز التنفسي والبلعوم والحلق من جهة أخرى.

إنّ التنفس عن طريق الأنف يتميز بأليات  وعناصر دفاعية ووقائية عديدة بحيث أنّ الهواء المارعن طريق الأنف يتعرّض لعمليات عديدة ومتتالية ، وبحيث أن الهواء يصل إلى الجهاز التنفسي السفلي:

مُدّفئاً:مهما كانت حرارة الجو الخارجية، وبحيث يصل إلى القصبات بدرجة تعادل حرارة الجسم العادية .

ومُرّطباً:مهما كانت ظروف الجفاف الخارجية، وبحيث أنّ الهواء الداخل للقصبات لا يحدث تخريشاً فيها .

ومُصَفىً: وخالياً من الغبار والجراثيم،حيث أنّ الأنف وبالتماس المستمر والشديد مع عوامل البيئة فإنّه يمرّ من خلاله يومياً حوالي عشرون ألف ليتر من الهواء ، وهذا قبل أن يصل إلى الجهاز التنفسي السفلي وخاصةً الرئة، لابدّ أن يُنقّى ويُصّفى من العوامل السّمُية والضارة ، وكذلك الكائنات الدقيقة التي يتم استنشاقها عن طريق الأنف ، وهذا كُلّه يتم بعدة وسائل دفاعية واقية:

أولاً:ما يُسمّى المناعة الإفرازية:

حيث توجد في الإفرازات المخاطية مجموعة من الأنزيمات والخمائر القاتلة  للجراثيم ومنها الليزوزوم، والأكتو فيرين ، وبعض الغلوبولينات المناعية وخاصة منها مايُسمى الغلوبولين المناعي A.

ثانياً: التصفيّة الهدبية:

حيث توجد في الغشاء المخاطي للأنف أهداب دقيقة وناعمة بالملايين ، وهي تتحرك بشكل دائم وتساعد على طرد العوامل الغريبة والضارة ، ويُقدّر أنّه في كل خلية من خلايا الغشاء المخاطي يوجد على ما يقرب من ثلاثين هدباً، تتحرك بحركة مستمرة ودائمة وتضرب حوالي 250 مرة في الدقيقة الواحدة، وبذلك يتم طرد الأجسام الغريبة.

ثالثا: التركيب المخاطي :

يعمل كحاجز فيزيائي وكيميائي على احتجاز العوامل الضارة ويفرز الغشاء المخاطي كمية كبيرة من المخاط ، ويُقدّر كمية المخاط المُبتلع منها حوالي 700 سم مكعب ، وإنّ تراكم هذا المخاط ، وعدم حركته يؤدي إلى امتلائه بالجراثيم والأقذار ، كما أنّ تراكمه يعيق مرور هواء التنفس ، وبناء على هذا لابدّ من إزالة ورفع هذا المخاط المتراكم وأفضل مايتم هذا عن طريقة الاستنثار اللطيف، وذلك بعد سدِّ أحد المنخرين بالتناوب لا كليهما معاً ، وأيضاً من خلال الاستنشاق اللطيف للماء النقي ، وهذا مايتم من خلال عملية الوضوء اليومي قبل الصلوات.ولابُدّ من التحذير من لجوء بعض الناس إلى الاستنثار الشديد مع سدّ النخرين معاً ، إذ أن هذا قد يؤدي إلى أن يعود جزء من المخاط إلى الخلف مع دخول الأوساخ والجراثيم مما فيه إلى نفير أوستاش الواصل بين البلعوم الأنفي والأذن الوسطى ، وهذا قد يسبب حدوث التهابات فيها وخاصة مع تكرر الأمر عدة مرات يومياً، كما أن هذه العملية قد ترفع الضغط الهوائي على الأذن الوسطى وتحدث ألماً شديداً.وسوف نعود إلى هذا الموضوع لاحقاً عند الكلام عن الوضوء ونظافة الأنف.

ويتم كل هذا بعدّة أليات ومنعكسات مُنظمّة تنظيماً رائعاً ومتناسقاً، فمثلاً إنّ تنبيه الغشاء المخاطي للأنف بواسطة بعض المنبهات الفيزيائية أو الكيماوية كالبرودة أو الجفاف أو وجود جسم أجنبي يثير بعض المنعكسات المحركة الوعائية التي تُعدِّل حالة الشبكة الوعائية للأنف وهذه تشاهد بشكل خاص في الصماخين الأسفل والمتوسط في الأنف ، كما يثير بعض المنعكسات الإفرازية والتي تنبّه الغدد المصلية المخاطية المبثوثة في جميع أنحاء القسم التنفسي للغشاء المخاطي مما يستدعي إفراز كميات من المخاط الأنفي ،وهذا كلّه يساعد على طرد الأجسام الأجنبية من خلال منعكس العطاس ، أو تغيير حرارة الداخل إلى الأنف بحيث لا يؤذي الجهاز التنفسي مهما كانت حرارة الجوّ الخارجية .

إذاً فإنَ الوظيفة التنفسية للأنف( الفرجة التنفسية تقع بين القرين السفلي والوترة الأنفية) تتم فيها :

تهدئة الهواء :الداخل من خلال مروره في تعريجات ممرات الأنف

وتدفئة الهواء :بتأثير الشعيرات الدموية المنتشرة تحت الغشاء المخاطي

وترطيب الهواء: من خلال بخار الماء المستمدّ من إفرازات الغشاء المخاطي

وتنقيّة الهواء:بواسطة الشعر الذي يحتجز العوالق والشوائب الكبيرة نسبياً، والمخاط الذي يلتقط الشوائب الأصغر حجماً (تبلغ كمية المخاط المتشكل يومياً حوالي ألف مم مكعب) بما في ذلك المكروبات، والذي يتم تحللها أيضاً بواسطة عمل بعض الانزيمات الخاصة الموجودة مع المخاط الأنفي ، وهذه يتم ومن خلال حركة الأهداب الشعرية الدقيقة  ( تتحرك الأهداب الشعرية حوالي 700 حركة في الدقيقة)في الانف تحريكها وابتلاعها مع الريق إلى المعدة .إن عملية ترطيب وتدفئة وتنقية هواء الشهيق تتم يومياً وتبلغ كمية الهواء المستنشق يومياً حوالي عشرة إلى عشرين ألف لتر ،وبالتالي ندرك أهمية وعظمة هذه الوظيفة الأنفية.

إنّ عملية العطاس هي من أهمّ العمليات التي تساعد الجسم على التخلص من الأجسام الضارة والغريبة مثل الغبار والأجسام الأجنبية وبشكل خاص منها الجراثيم والعناصر المرضية .

وسوف نعود إن شاء الله للحديث عن العطس من الناحية الدينية والطبيّة فيما بعد .

ثانياً :الأنف عضو شمّ:

إنّ القسم العلوي من الغشاء المخاطي للأنف مُجَهزٌ ببعض الغدد والأعصاب والخلايا الحسّية الخاصة والمتميزة والمجهزة بالأهداب والتي تساعد على التقاط الروائح و القيام بوظيفة الشَمّ.والمحاور الاسطوانية لهذه الخلايا تسير في الطريق الشمي تحت الفص الجبهي لتنتهي في القشرة الدماغية.

إنَّ الشَمّ يتم عن طريق تمييز روائح الأشياء التي يستنشقها الأنف ، ولكي تتمّ عملية الشَمّ لابُدّ أن تتوفر بعض الصفات في المادّة المشمومة وأهمها :

أن تكون مادّة طَيّارة كي تتبخر في الهواء لتصل إلى الأنف.

أن تكون قابلة للذوبان في الماء والمحاليل الدهنية وبالتالي تكون ذوابة في مخاط الأنف كي تؤثر في أهداب الخلايا الشمية.

وأن تكون لها رائحة.

ومن شروط حادثة الشم:

1 ـ صفات المادة المشمومة التي ذكرت سابقاً

2 ـ سلامة الفرجة الشمية(وهي المسافة بين القرين المتوسط والوترة الأنفية وهي الحاجز بين جانبي الانف)

3 ـ سلامة الغشاء المخاطي للبشرة الشمية(مثلاً انسداد الأنف باحتقان شديد كما في الرشوحات الشديدة، أو وجود بوليبات أنفية لايمكن الهواء الحامل للروائح أن يصل إلى المخاطية الشمية)

4 ـ سلامة الألياف العصبية الشمية(مثلاً عدم اصابتها بأذيات شديدة وخاصة بعض الفيروسات)

5 ـ سلامة البصلة الشمية والعصب الشمي ( قد تصاب في كسر العظم الجبهي وإصابة الصفيحة الغربالية، أو ورم الفص الجبهي)

6 ـ سلامة المراكز الشمية في قشر الدماغ.

ومن الناحيّة الفيزلوجية يمكن تحليل الروائح إلى سبعة روائح بسيطة أو أوليّة :

الرائحة الكافورية

الرائحة المسكيّة

رائحة الزهور

رائحة النعناع

رائحة الإيثير

الرائحة اللاذعّة

الرائحة النتنة

إنّ عتبة الشَمّ منخفضة جداً ، ونعني بذلك الحدّ الأدّنى أو التركيز الأدنى الذي يلزم من وجود مادّة ما كي يستطيع الأنف شَمّها ، فالمادة التي تُسمى ميركبتان الميثيل يمكن أن تُشَمّ إذا وُجِدَ منها جزء من 25 مليون جزء من المغ في لتر من الهواء ، ولذا تُمزج هذه المادّة بالغاز الذي يُستعمل في مواقد الغاز المنزلية ليكشف الإنسان رائحة الغاز وبسرعة في حال حصول أي تسرب غازي .

ثالثا :الأنف ذو وظيفة هامة في عملية الذوق

إذ قد يظن بعض الناس أنّ اللسان وبما يحتويه من الحليمات الذوقية هو المسؤول الوحيد عن عملية التذوق ، وهذا خطأ شائع .

إنّ حاسة الشم لها  دور رئيسي ولا غنى عنه في إحساسنا بمذاق الطعام  فاللسان لا يُميّز إلا أربعة انواع أساسية من الأطعمة : الحلو ، والحامض ، والمرّ ، والمالح، بينما يستطيع الأنف تمييز عددٍ أكبر من الروائح الأساسية والثانوية، وبالتالي فإنّ تذوق الطعام يعتمد على تذوّق اللسان ، وعلى مايتلقّاه الأنف من رائحة ذلك الطعام ، ولهذا يصعُب تذوّق الطعام في حالات الرشوحات الأنفية والزكام .

رابعاً : الأنف عضو تَصّويت:

إذ أنّ الأنف يشارك الفم والبلعوم في تشكيل ما يُسّمى الأنبوب الرّنان ، ولذا فإنّ أي اضطراب في وظيفة الأنف يؤدي إلى اضطراب في عملية التصّويت ، وحصول ما يُسّمى “الخنخنة”  أي ينطق المرء الميم والنون والتنوين كأنّها باء  ،إنّ الأنف يشارك في صدور أصوات الحروف بشكل طبيعي وصحيح وخصوصاً حرفي الباء والميم .

الإستنشاق والإستنثار

ذكرنا أن الغشاء المخاطي للأنف يفرز كمية كبيرة من المخاط يومياً، وأنّ هذا المخاط يحتوي على الاقذار والجراثيم والغبار والأجسام الضارة ..كما أنه إذا تراكم  في الأنف فإنّه يعيق مرور هواء التنفس ، وبناء على هذا وذاك فإنه لابدّ من إزالة ورفع هذا المخاط المتراكم وأفضل مايتم به هذا الأمر عن طريق الاستنشاق والاستنثار اللطيف.

ولقد سُنّ الاستنشاق في كل وضوء وكل غسل .جاء في الحديث الشريف عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه لقيط بن صبرة قال: قلت يارسول الله أخبرني عن الوضوء قال أسبغ الوضوء وخَلّل بين الأصابع وبالغ في الإستنشاق إلا أن تكون صائماً“[رواه ابن ماجة والنسائي وأحمد والترمذي وأبو داود وقال الترمذي حسن صحيح]،وهنا لفتة نبوية كريمة وهي الدعوة إلى المبالغة في الإستنشاق ـ مالم يكن المرء صائما ـ وهذا مهم جداً من أجل نظافة الأنف مما تراكم فيه من المخاط والذي يكون مشبعا بالجراثيم والغبار ..وإن من أهم الوسائل العلاجية حالياً في التهابات الجيوب المزمنة إجراء غسول الأنف ببعض المواد المطهرة أو بالمحلول الملحي الفيزلوجي.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاث مرات فإنّ الشيطان يبيت على خياشيمه” [رواه الشيخان] .

وقال صلى الله عليه وسلم :” إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر “[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

ومن السنة النبوية أن يكون الاستنشاق باليد اليمنى والاستنثار باليد اليسرى.

وكما ذكرنا فإنّه من الناحية الطبية ينصح بالاستنثار اللطيف وذلك بعد سدّ أحد المنخرين بالتناوب لا كليهما معاً ، وأيضاً بالاستنشاق اللطيف .

وإن بعض الناس يلجأ إلى الاستنثار الشديد وذلك بسدّ المنخرين معاً وهذا يؤدي إلى ارتفاع الضغط على الأذن الوسطى وذلك لوجود نفير أوستاش الذي يربط البلعوم الأنفي مع الأذن الوسطى وهذا قد يسبب ألماً شديداً في الأذن ، أضف إلى ذلك أن هذا قد يؤدي إلى أن يعود جزء من المخاط ومافيه من جراثيم وأوساخ إلى الخلف ويمر عن طريق قناة النفير وهذا قد يؤهّب لحدوث التهابات في الأذن الوسطى وخاصة مع تكرر الأمر عدّة مرات .

العطاس مابين الطبّ والسنة النبوية

العطاس من الناحية الطبية هو منعكس لحماية الانف وبالتالي الجهاز التنفسي من الأجسام الغريبة الداخلة عن طريق الهواء الملوث الداخل للأنف ومايحمله من غبار وأجسام غريبة وجراثيم وعوامل ممرضة .

ولقد نبّهت السنة النبوية الشريفة على حمد الله تعالى عند العطس .عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :“إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب ، فإذا عطس احدكم ، وحمد الله تعالى كان حقاً على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله ، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليردّه ما استطاع ، فإن احدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان ” [رواه البخاري].

يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله عن العطاس وحكمة تشميت العاطس( في كتاب فتاوى معاصرة) :”

يجب أن ألقي الضوء على الحكمة فيما شرعه الإسلام من أدب العطاس من حمد وتشميت ودعاء :

أول ما يشرع للعاطس أن يحمد الله تعالى فيقول الحمد لله أو الحمد لله على كل حال أو الحمد لله ربِّ العالمين كما جاءت بذلك الأحاديث وهو ما اتفق على استحبابه كما قال النووي.

ومن أداب العاطس أن يخفض بالعطس صوته لئلا يزعج أعضاءه ولا يزعج جلساءه وأن يرفعه بالحمد ليسمع من حوله وأن يغطي وجهه لئلا يبدو من فيه أو انفه ما يؤذي جليسه .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده على فِيه وخفض صوته “[ أخرجه أبو داود والترمذي بسند جيد].

ثم يجب على من سمعه يحمد الله تعالى أن يشمته أي يدعو له بقوله”يرحمك الله “كما في حديث عائشة رضي الله عنها والذي رواه أحمد وأبي يعلى :“إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل من عنده يرحمك الله  وهذا من حقّ المسلم على المسلم”

ويتابع الشيخ القرضاوي:

“والظاهر أنه فرض عين كما أكدّت ذلك عدّة أحاديث بعضها جاءت بلفظ الوجوب الصريح”خمس تجب للمسلم” وبعضها بلفظ الحق الدال عليه”حق المسلم على المسلم ست” وبلفظ على الظاهر فيه وبصيغة الأمر وبقول الصحابي “أمرنا رسول الله ”

ويجب على العاطس أن يرد من شمته فدعا له بالرحمة ، أن يدعو له بالهداية وصلاح البال كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ورواه البخاري”إذا عطس أحدكم  فليقل الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله فإذا قال له يرحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم أو يدعو له ولنفسه بالمغفرة كما في حديث ابن  مسعود يغفر الله لنا ولكم ” .

القواعد الصحيّة في الإسلام في الصّحة البدنّية

بعد أن تكلمنا عن الجلد وملحقاته ، والأنف من الناحية التشريحية والوظيفية ، سوف نتحدث عن بعض القواعد الصحية من خلال السنة النبوية فيما يتعلق بهذا الأمر.

من كمال حرص الإسلام على نظافة البدن والجسم أن جعل من تعاليمه إزالة كل ما يساعد على تراكم الأوساخ والأقذار ، وعلى إزالة كل مايؤدي إلى التخمرات الناشرة للروائح الكريهة .

لقد أوصت تعاليم الإسلام الحنيف بتقليم الأظافر، والختان ، وحلق شعر العانة(الاستحداد)، وقص الشارب ، ونتف الإبط، إلى غير ذلك .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“خمس من الفِطرة الاستحداد، والخِتان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر”[أخرجه الشيخان وأحمد والترمذي] .

وعن أُمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“عشرةٌ من الفِطرة قص الشارب ، وإعفاء اللحية،والسواك،واستنشاق المياه، وقص الأظافر، وغسل البراجم،وحلق العانة، وانتقاص الماءونتف الإبط”[رواه مسلم وأحمد والترمذي]

وقال زكريا : قال مصعب : نسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة ، وزاد وكيع وانتقاص الماء يعني الاستنجاء .

(البراجم:هي العقد التي تكون على ظهور الأصابع ، وهي أماكن قد يتوضّعُ الوسخ فيها)

وقال القاضي عياض في شرحه لمسلم ولعلّ العاشرة الختان لأنّه ذُكر في الحديث الأول .

والفطرة :هي كل مايميل إليه الطبع والذوق السليمان ، والمراد فيها هنا هي سنن الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام.

جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم “.

واختلف بالمراد من القدوم ، فقيل هو اسم مكان وقيل اسم آلة ن وقيل قرية بالشام، ويقول الإمام العظيم ابن حجر العسقلاني :والراجح أنّ المراد بالحديث الآلة .

وعن يحيى ابن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول :إ براهيم عليه  السلام أوّل من اختتن، وأوّل من اضافَ الضّيف، وأوّل من قَلّم أظافره، وأوّل من قص الشارب، واوّل من شاب، فلما رأى الشيب قال: ماهذا ؟قال وقار ، قال يارب زدني وقاراً، وروي بزيادة أيضاً انّه أوّل من استحدّ. وفي شرح الآية الكريمة{وإذ ابتلى ابراهيمَ ربّهُ بكلماتٍ فأتمهنّ} اختلف في تعيين الكلمات ، فرُوي عن ابن عباس قوله:ابتلاه الله بالمناسك، ورُويّ عنهُ ايضاً:”ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد ، أما في الرأس فهي قص الشارب ،والمضمضة  والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس ، وأما في الجسد  فتقليم الأظافر،وحلق العانة ، والختان ، ونتف الإبط ، وغسل أثر البول والغائط بالماء”.

نظافة اليدين بالخاصة:

وخاصة في الحالات التالية:

أولاً : عند الاستيقاظ من النوم:

فإنّ النائم لا يدري أين باتت يده ، وماذا لامست أثناء نومه.عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنّه لا يدري أين باتت” . [رواه الشيخان]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“من باتَ وفي يدهِ ريحُ غَمَرٍ فأصابهُ شئٌ فلا يَلُومنّ إلا نفسَه” [أخرجه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه].

(الغمر :هو الدسم والزفر من اللحم)

ثانياً :غسل اليدين قبل تناول الطعام وبعده:

أما غسلهما قبل الطعام فمن أجل إزالة ما علق بهما من أوساخ وتلوث ، وهذا ذو أهميّة شديدة للوقاية من الأمراض التي تحدث العدوى فيها عن طريق اليد الملوّثة فالفم فالانبوب الهضمي وخاصة أمراض الحمّى التيفية ، والزحار بنوعيه الجرثومي والأميبي ، والهيضة(الكوليرا)وكثير من الإسهالات  الانتانية الحادة …وأما غسلهما بعد الطعام فمن أجل إزالة ما علق بهما  من بقايا الطعام ، والذي يشكل تربة صالحة لنمو الجراثيم .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“بركةُ الطعام الوضوء قبله وبعده”[ رواه أحمد وأبو داود والترمذي ، ورمز السيوطي لحسنه ](والمراد بالوضوء هنا :غسل اليدين إلى الرسغين)،وجاء في الحديث الشريف”كان صلى الله عليه وسلم إذا اراد أن ياكل غسل يديه“[رواه النسائي عن عائشة رضي الله عنها]،”وصحَّ أنه عليه الصلاة والسلام،أكل كتف شاةٍ فمضمضَ وغسلَ يديه“[رواه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه].

ثالثاً:غسل اليدين لدى ملامستهما للأقذار وحالات التلوث وخاصة بعد التبول والغائط

وعند الحديث عن غسل اليدين وبشكل عام لابد من الانتباه للأمور التالية:

أولاً: التخليل بين الأصابع:

حيث أنّ الأفوات(المسافات بين الأصابع) تشكل وسطاً صالحاً لنمو الفطور والجراثيم وخاصة أصابع اليدين والقدمين .وإن كثيراً ممن يصابون برائحة القدمين (ما يسمى القدم الرياضية) تنجم عن حدوث التخمرات مابين أصابع القدمين والناجمة عن تراكم الفطور فيها، وهذا قد يؤدي أيضاً لحدوث التشققات والاكزيما والالتهابات القيحية ، والدمامل ، وخاصة عند من لديهم استعداد كمرضى السكري مثلاً والذين يمارسون الرياضة وما يرافقها من تعرق غزير ولا يعتنون بالنظافة الموضعية ، ومع نقص التهوية وخاصة لارتداء الحذاء الرياضي لساعات طويلة من النهار ومن هنا كانت التسميّة الطبيّة”قدم الرياضي”،قال صلى الله عليه وسلم: “إذا توضأتَ فَخلِّل بين أصابعِ يديك ورجليك”[ رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما]،وجاء في الحديث الشريف “أسبغ الوضوء ، وخَلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً”.

وأما اسباغ الوضوء :هو أن يتجاوز الماء قليلاً لمفصلي الرسغين في اليدين ، والكاحلين بالنسبة للقدمين.

وهذا من الناحية الطبية ذو أهميّة خاصة ، لأن هذه المفاصل وما فيها من تعاريج وتلافيف وثنيات قد تكون ملاذاً للجراثيم والفطور ، وإن اسباغ الوضوء يساعد على نظافتها .

ثانياً : اتباع السّنة النبوية في غسل اليدين :

ومنها استحباب التَيمّن: حيث أن أمور الطهارة والنظافة تكون اليد العليا فيها لليد اليمنى، وأما إزالة الأقذار والنجاسات فلليد اليسرى كما هو الحال بالاستنجاء.

قالت السيدة عائشة رضي الله عنها :كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب “التيمن مااستطاع في طهوره وتَنعلّه وترجلّه “ [رواه البخاري] .

وعن السيدة عائشة رضي الله عنها “كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه ، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى” [رواه أبوداود باسناد حسن].

وجاء أيضاً في الحديث الشريف“إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذَكرهُ بيمينه ، ولا يستنج بيمينه ، ولا يتنفس في الإناء” [رواه البخاري ].

(ملحوظة:ولشرف اليمين أنه كانت بها المصافحة ، وأخذ العهد، وزادها الله شرفاً اضافتها إلى الله فيقال يمين الرحمن ، ومنها أخذ اليمين للقسم ..ويندب التياسر عند دخول منزل الخلاء ، والاستنجاء ، وخلع النعال )

نظافة الأذنين

فإن الاذنين قد يعلق بهما الغبار والأوساخ وخاصة في الأشعار الموجودة في مجرى السمع الظاهر،و”صحَّ ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصابعه في صِماخ أُذنيه“[ رواه أبو داود عن المقدام بن معدي كرب]، و”صحَّ أنه صلى الله عليه وسلم مسح أُذنيه: داخلهما بالسبابتين وخالف إبهاميه إلى ظاهر أُذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما“[رواه ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما].

تقليم الأظافر:

إنّ تقليم الأظافر من الأمور ذات الأهمية الكبرى من الناحية الصحية ، حيث أنه قد تتراكم الأوساخ تحتها ،وهذا قد يؤدي إلى تراكم الجراثيم وبعض العوامل المُمرضة الأخرى ، وعند حدوث الحكّة الجلدية يمكن أن تحدث بعض السحجات الجلدية وهذه يمكن أن تتطّعم بالجراثيم مما يؤدي إلى حدوث الالتهابات القيحية الجلدية والدمامل  وهذا يشاهد خاصة عند الأطفال الصغار  وإنّ من أهم أسباب التهابات الجلد القيحية والدمامل المعاودة والناكسة هو إطالة الأظافر عند الأطفال .

كما أنه وللأسف أصبحت عادة إطالة الأظافر عند النساء من العادات المستحكمة والمنتشرة وهي مع مخالفتها للسّنة النبوية الشريفة ، إلا أنها ذات عواقب صحيّة سيئة أيضاً، حيث أن تحضير الطعام الذي تشرف عليه النساء قد ينقل عن طريق الأظافر الطويلة وما تحمله من جراثيم ومكروبات العدوى والمرض إلى أفراد العائلة ، وفي التاريخ الطبي هناك حادثة مشهورة وتسمى “حادثة الطباخة ماري” حيث أنها كانت حاملة لجراثيم الحمى التيفية وبدون إصابتها سريرياً(يسمى طبياً حملة المرضى) ومن خلال عدم الاعتناء بنظافة يديها نقلت المرض لعدد كبير من الناس .

ولعلَ من أكثر الأمثلة التي تبين نقل الأظافر الطويلة والملوثة للأمراض نذكر مايسمى داء “الحرقوص”وهو داء تسببه بعض الديدان ، وهو وللأسف داء منتشر ، وإن بيوض هذه الديدان تتوضع في حلقة الشرج الخارجية وهي تنضج خلال ساعات وتصبح مُعدية وهي مقاومة للجفاف ، وتصبح قادرة على العدوى عدّة أسابيع وهنا تكمن المشكلة في الداء حيث توجد هذه البيوض في ناحية الشرج وبسبب الحكّة الشديدة وهي غالباً ليلية ، فإن البيوض تتوضع تحت الأظافر ، ومن خلال تناول الطعام تدخل انبوب الهضم مجدّداً،

بحيث يحدث ما يسمى “العدوى الذاتية” ومن هنا كانت صعوبة معالجة المرض ونكسه ومعاودته وإعداء الذات والغير ، ومن أهم وسائط المعالجة هو تنظيف ناحية الشرج وبشكل جيد ومستمر ، وكذلك نظافة اليدين ، وتقليم الأظافر  عند المصاب .

وجاءت الفطرة والسنّة النبوية تحضّ على تقليم الأظافر، وأن لا تترك فوق الأربعين يوماً.

نظافة الشعر:

إنّ شعر  الرأس هو زينةٌ،ودرع للرأس ، وقَلّما يبقى طبيعياً إن لم يتعهده صاحبه بالعناية والرعاية الدائمين ،من نظافة ، وترجيل(تمشيط)، وإن إهمال ذلك يؤدي إلى تجمع الأقذار مع المفرزات الدهنية التي تفرزها الغدد الدهنية الملحقة بالأجربة الشعرية ، وهذا يؤدي إلى تشكيل طبقة سميكة من القشرة الرأسية ، وهذه الطبقة القشرية تعيق وظائف الجلد في تلك الناحية كما أنها تضعف نمو البصلات الشعرية ، وتُسّهل سقوط الأشعار ، كما

أنّ هذا يؤهّب لتخريش الجلد في تلك الناحية ، وما يستدعي ذلك من حكّةٍ شديدة ،وحدوث تسحجات جلدية يمكن أن تؤهّب لحدوث التهابات جلدية وفطرية ، وحدوث الاكزيما الجلدية الدهنية ،والإصابة بقشرة الرأس .

إنّ غسل الشعر المتكرر ، وتدليك فروة الرأس ، واستعمال بعض أنواع “الشامبو” ،يساعد على إزالة هذه الترسبات الدهنية ، ويساعد على فتح مسام فروة الرأس ، وهذا يزيد من تهوية البصلات الشعرية ويقويّها .

كما أن ترجيل وتمشيط الشعر يساعد أيضاً في تدليك فروة الجلد وتنشيط الدورة الدموية وزيادة تغذية بصيلات الأشعار ونموها .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من كان له شعرٌ فليُكرمه” [رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه وحسّنه الحافظ ابن حجر ورمز السيوطي لحسنه].

وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال كانت لي جمّة ضخمة ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يُحسن إليها وأن يترجّل كل يوم. رواه النسائي بإسناد صحيح.(والجمّة من الشعر:ماجاوز شحمة الأذن)

وعن عطاء بن يسار قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن أخرج كأنّه يعني أن يصلح شعر رأسه ولحيته ففعل ثم رجع ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنّهُ شيطان” .[ رواه الإمام مالك والحديث مرسل فيه انقطاع] .

ومما يتعلق أيضاً بنظافة الشعر أمران هامان أيضاً: الاستحداد ، ونتف الإبط.

من الناحية الطبيّة فإن الأماكن التي يكثر فيها الأحتكاك كناحية الإبط والعانة ،فإن الله عزّ وجلّ قد زودّ هذه الأماكن بأجربة شعرية  لتخفف من درجة الاحتكاك وحتى لاتحدث التهابات موضعية ، كما أنه قد جهزهّا بالغدد العرقية  والتي تساعد في تطريّة الجلد وتليينه ،حتى لاتصاب بالجفاف ، بلإضافة إلى أن العرق يحتوي على مواد قاتلة للجراثيم . ولكن من جهة أخرى فإن طول الشعر في هذه النواحي ، وعدم الاعتناء بنظافته ، وعدم العناية به ، بالإضافة إلى حدوث التخمرات العرقية ، فإن هذا قد يؤّهب لحدوثنتائج عكسية تتمثل في الالتهابات الموضعية ، والانتانات الجرثومية والفطرية .

ومن هنا جاءت التشريعات الدينية والسنن النبوية والتي تحضّ وتحثّ على إزالة هذا الشعر القديم ليحل محله شعر جديد ، بالإضافة إلى الاهتمام بعناية الإنسان بالنظافة الموضعية .

وجاءت الأحاديث النبوية توضّح هذا وتدعو المسلم إلى الاستحداد(حلق شعر العانة) ونتف الإبط بفترة لا تتجاوز الأربعين يوماً .

جاء في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: وقتّ لنا في قص الشارب وقلم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألا يكون اكثر من أربعين ليلة .

وممّا يبين حرص الصحابة رضي اله عنهم على الاقتداء بالسّنة النبوية الطاهرة أن خبيب بن عدي رضي الله عنه وهو أحد أسرى الرجيع وكان محبوساً في مكة بعد أن غُدرَ به وكان محبوساً في دار لبني الحارث واستعار خبيب من جارية لهم موسى ليستحد به لما دنا قتله ، وغفلت الجارية عن غلام لسادتها درج حتى أتى خبيباُ فوضعه على فخذه ،فلما رأت هذا المنظر فزعت فزعةً شديدة وقالت في نفسها أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام  فأدرك خبيب ما حدّثت به نفس الجارية وقال لها : أتخشين أن أقتله؟ ماكنتلافعل ذلك إن شاء الله .فهو رضي الله عنه كان يريد تطبيق السنة الطاهرة قبل أن يُقتل بإجراء الاستحداد وحلق شعر العانة .

إنّ من أهم أسباب حدوث داء القمل في ناحية العانة هو طول الشعر هناك وعدم النظافة والعناية الموضعية ، وهو وللأسف داء منتشر ، وشديد العدوى .

جاء في كتاب الأمثال لأبي هلال العسكري(ج2 ص218):

“يقولون “ألزق من شعرات القص”،والقص عظم في منتصف الصدر.وذلك أنه كلما حُلقتْ نبتت،وإنما خصّوا شعر الصدر دون شعر الرأس لأنهم كانوا يوفرون شعر الرأس ويحلقون شعر الصدر”.

نظافة الفم والسواك

إن إهمال نظافة الفم ، وعدم العناية بشكل خاص بنظافة الأسنان يؤدي لأمراض موضعية وعامة ، قد يكون لها نتائجها القريبة والبعيدة ، وقد تكون ذات عقابيل خطيرة وعواقب مميتة .

إنّ أبسط هذه الاختلاطات الإصابة بالقلح:وهي ترسبات تحدث على الأسنان والتي تؤدي إن لم تعالج مبكراً إلى تسوس الأسنان ومن ثم تنخر الأسنان ، والتهاب اللثة ، وحدوث البَخر أي رائحة الفم الكريهة ، وإن التهاب اللثة المزمن قد يؤدي إلى انطلاق الجراثيم والتي قد تؤدي إلى التهاب القلب الرثوي والتهاب الشغاف الجرثومي وفي بعض الحالات حدوث التهاب الكبب الكلوية المناعي  وهي كلها أمراض خطيرة ومهددّة للحياة .

ومن الناحية الفيزلوجية فإنّ الفم يحتوي على الغدّد اللعابية  وهي تنقسم إلى:

الغدد اللعابية الكبرى: وتشمل الغدتان النكفيتان ، والغدتان تحت الفك ، والغدتان تحت اللسان ، وهي تنفتح جميعاً على باطن الفم

الغدد اللعابية الصغرى : وهي مجموعات غدّية عنبيّة  متوضعة في الفم والبلعوم والحنك والشفتين .

يتم تشكيل اللعاب بواسطة هذه الغدد الكبيرة والصغيرة معاً ،ويقدر مجموع افراز اللعاب يومياً من نصف لتر وحتى اللتر والنصف ، ومعظم الإفراز يتم أثناء تناول الطعام ، وتقدّر كمية الإفراز أثناء الراحة حوالي عشرين مل في الساعة وينعدم إفراز اللعاب أثناء النوم.

أهم وظائف اللعاب في حفظ صحّة الفم:

أولاً : الترطيب:

إنّ اللعاب يُبقي مخاطية الفم والبلعوم بشكل رطب ، وذلك لأن الجفاف يسبب تقّشر المخاطية في تجويف الفم ، وهذا الجفاف يُسّهل حدوث الالتهابات المتكررة .

ثانياً :تسهيل المضغ والبلع:

فاللعاب يُرطّب اللقمة الطعامية ، ويساعد بلزوجته على ابتلاعها ، وتقوم خميرة الأميلاز، والتي تتشكل في الغدد اللعابية على تحليل المواد النشوية والموجودة في الطعام، ويزداد افراز هذه الخميرة مع ازدياد نشاط الغدد اللعابية ، وتكون كميتها أكبر  في الطرف الذي يقوم بمضغ الطعام  ويزداد افرازها عند اتباع الحمية السكرية ، وتكون أقلّ افرازاً عند تناول اللحوم والمواد البروتينية  وتركيزها عند الشباب أكثر منه عند المسنين .

ثالثاً: اللعاب مُطهّر وقاتل للجراثيم والعوامل المُمرضة:

حيث تبين أنَ  اللعاب يحتوي على بروتينات ومنها مادة المخاطين ، وعلى الغلوبولينات المناعية ، وهي قاتلة للجراثيم والفطور ، ويمكن لهذه البروتينات أن تثبط  فعاليّة بعض الفيروسات، كما أنَ اللعاب له عمل آلي ، فهو يساعد على ازالة الجراثيم من الأسنان ومخاطية الفم وحملها عن طريق عملية البلع إلى المعدة حيث تموت هناك ، وكذلك فإنَّ اللعاب يحتوي على الكريات البيضاء والتي تقوم بعملية “البلعمة” للجراثيم والكائنات الممُرضة .

رابعاً: اللعاب يساعد في عملية الكلام:

وذلك لأنَ الكلام ولفترة طويلة يؤدي إلى تبخراللعاب ، ولذلك يحتاج المتكلم لفترة طويلة إلى تناول رشفات من الماء بين الفينة والأخرى.

خامساً:اللعاب يؤثر في عمليات التبريد والتسخين والتمديد:

ويزداد افراز اللعاب بعد تناول الحوامض فَيعدِّل من حموضتها ، ويُسَخّن الطعام البارد ، ويُبَرّد الساخن ، كما أنه يحافظ على التوازن الحمضي ـ القلوي في تجويف الفم .

سادساً: للعاب وظيفة طرح بعض الفضلات:

ويبدو ذلك جليّاً في أمراض الكلية المزمنة، حيث يلاحظ زيادة طرح الفضلات الآزوتية عند المرضى بالقصور الكلوي عن طريق اللعاب ،وكذلك يتم عن طريق اللعاب طرح بعض المعادن كالزئبق ، والرصاص، والبيزموت، والحديد ، والزرنيخ ، في حالات تسمم الجسم بها ، كما يتم عن طريق اللعاب طرح الغول(الكحول)، وبعض الأدوية وخاصة مركبات الستركنين والكينين وبعض الصادات الحيوية(الأنتيبيوتيكا)

إنّ نقص افراز اللعاب قد يكون لأسباب موضعية ، أو عامة . وإن نقص الإفراز يسبب جفاف الفم ، ومن أهم أسباب نقص إفراز اللعاب تناول بعض المركبات الدوائية، وهناك بعض الأمراض الجهازية العامة مثل أمراض الرثية(الروماتزم) ودا يورجين، وداء السكري ، وارتفاع الضغط الشرياني ، وأمراض الاكتئاب يمكن أن تسبب نقص افراز اللعاب .

ومن أكثر الأدوية التي تسبب نقص افراز اللعاب: نذكر مضادات الكولينرجية والتي تُعطى بشكل خاص في أمراض الرئة والقصبات ، وأمراض المثانة،وبعض خافضات الضغط الدموي… وكذلك هناك بعض المهدئات ، ومضادات النُفاس(الأمراض النفسية)، ومضادات الهستامين والتي تعطى في أمراض التحسس ..

إنَ نقص افراز اللعاب يسبب كما ذكرنا جفاف الفم، واضطرابات البلع ، واضطرابات النطق ، وحسّ حرقة في اللسان، كما أن الأسنان الصناعية لاتثبت جيداً، وتحدث نخرات سنيّة ، وتزداد نسبة الالتهابات الجرثومية وخاصة بالمكورات العقدية ، والعُصيات اللبنية وكذلك يسهل نمو الفطور وخاصة منها الطوقيات(المونيلا أو الكانديدا)وهذا يسبب حدوث تقرحات في تجويف الفم كما أنَ نقص افراز اللعاب يؤدي إلى نقص حاسة الذوق ، وقد يؤدي هذا إلى حدوث الالم بعد تناول التوابل والبهارات والأطعمة الحارة.

وعلى العكس من ذلك قد يلاحظ ازدياد افراز اللعاب ، وهذا يشاهد بشكل خاص عند المدخنين ، أو عند  المدمنين على استعمال “العلكة”، أو الذين يكثرون من تناول الوجبات الطعامية مع تعددها.

وكذلك لوحظ أيضاً أن التدخين يسبب نقصاً في تشكيل بعض مكونات اللعاب الرئيسية وخاصة مادة المخاطين الواقية من نخر الأسنان ، والمضادة للجراثيم .وأكثر الأغذية التي تزيد من افراز اللعاب نذكر الحمضيات وخاصة الليمون والبرتقال،ثم التفاح والجزر ، فالعنب ، فالشوندر .

ولقد ذكر الشعراء والأدباء اللعاب في غزلهم وشعرهم ، فهناك من شَبّه الريق ولعاب المحبوبة بالعسل، والخمرة التي تُسكر المحبوب.وللعاب في اللغة العربية عدّة مسميات ومنها: الريق ، والرضاب ، والبرد ، وغير ذلك .

وعبرّ الناس عن تغيرات اللعاب في أحاديثهم عن بعض مايطرأ على الجسم من بعض الحالات النفسية فيقولون”فلان جَفَّ ريقه”بعد مفاجأة غير متوقعّة ، وأخر “لم يستطع أن يبلع ريقه”من الخوف أو التعب ، وفلان”سال ريقه” بعدما رأى أطايب الطعام ، وهذا يدّل على علاقة افراز اللعاب بكثير من النواقل العصبية وتأثير الجملة العصبية الذاتية على افراز اللعاب ، وقد تمكّن العالم الروسي بافلوف ومنذ زمن بعيد على أن يبين ويبرهن على وجود العلاقة الوثيقة بين افراز اللعاب وقشر الدماغ ـ أي الجملة العصبيةالمركزية ـ

وجاء في عيون الأخبار لإبن قتيبة:

“قالوا:أطيب الأمم أفواهاً الزُّنج وإن لم تستن(تستاك)،وكل إنسان رطب الفم كثير الريق فهو طيب الفم،وخُلوفُ فم الصائم يكون لخثورة الريق(ضد الرقة)وكذلك الخلوف آخر الليل.

ملاحظة: الفلج:هو شق في الشفة السفلى،وأما في الشفة العليا فيسمى العَلم

صحة  الفم والتعاليم النبوية

وأما من الناحية الدينية فقد أتت الأحاديث النبوية والتي تؤكد على نظافة الفم ، وخاصة استعمال السواك والمضمضة أثناء الوضوء .عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“لولا أن أشقّ على اُمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة”[ رواه مسلم ]، وفي رواية عند كل وضوء [رواه مالك والبيهقي والحاكم ].وعن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“عليكم بالسواك فإنّهُ مطهرةٌ للفمِ مرضاةٌ للرَبَّ”[رواه البخاري وأحمد والنَسائي والترمذي] .وفي حديث أخر رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنّه صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك(أي يدلكه بالسواك)وفي حديث أخر رواه مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا دخل بيته بدأ بالسواك “وصَحَّ عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم  أنه قال “أكثرت عليكم بالسواك “وصَحّ عنه “أنّهُ استاك عند موته”

وفي السنن عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال:” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مالا أُحصي يستاك وهو صائم”

وروى مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: “أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته يستن بسواك بيده يقول أع أع والسواك في فيه يهوع”(أي له صوت من أثر السواك كصوت من يتقيأ من مبالغته في استعمال السواك ووصوله إلى سقف الحنك).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وادفعه إليه . [رواه أبو داود والبيهقي] .

وجاء عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم “كان يوضع له وضؤوه وسواكه فإذا قام من الليل تخلى ثم استاك” . [رواه أبو داود في سننه] .

وروي عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم“كان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوّك قبل أن يتوّضأ ” [رواه أبو داود].

ويستحب السواك عند صلاة الجمعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“غسل يوم الجمعة على كل محتلم وسواك ويمس طيباً ماقدر عليه” [رواه مسلم ].

إنّ هذه الأحاديث تدل على استحباب السواك في كلِّ حال ، وفي كُلِّ وقت ، وأنّه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على استعمال السواك  عند الصلاة ، وعند الوضوء، وعند قراءة القرآن ، وعند الاستيقاظ من النوم ، وعند تغير طعم ورائحة الفم مثلاً بعد تناول أكل ذو رائحة مثل الثوم والبصل، ومن شدّة حرصه على السواك صلى الله عليه وسلم أنه تسوّك قبيل وفاته .

ولا داعٍ للحديث عن المواد الطبية القيّمة التي يحتويها السواك فهناك الكثير من المقالات والأبحاث ذكرت ذلك وبشكل مفصل .

وبالنسبة إلى المضمضة: من المعروف أن هناك عدداً هائلاً من الجراثيم وبعض الفطور التي توجد في تجويف الفم، ويقدر عدد الجراثيم في اللعاب حوالي مائة مليون جرثوم في كل مم ، وهذه الجراثيم والفطور تتغذى على بقايا الطعام بين الأسنان، وهي التي بتكاثرها وعدم الاعتناء بنظافة الفم من خلال المضمضة والسواك تسبب أمراض الفم واللثة والأسنان والبخر أي رائحة الفم الكريهة..وقد تبين أنه من خلال المضمضة المستمرة كل يوم وخاصة المرافقة للوضوء فإنه يتم التخلص من عدد كبير من هذه الجراثيم والفطور والقضاء على ماتفرزه من ذيفانات وسموم.

العينان والأجفان والدموع:

تكون المقلتان محميتين مما يخرشهما كالعرق والغبار والضوء الساطع بالحاجبين والأجفان.وللأجفان فوق ذلك وظيفة أخرى وهب إبقاء قرنية العين مرطبة باستمرار.فلو أن القرنية لم تكن لتغسل دوماً بالدموع التي تفرزها غدد خاصة وتفرش عليها بفضل الأجفان فإنها سرعان ما تصبح كثيفة عاتمة.

والدموع:هي سائل كالماء،تفرزه الغدد الدمعية ليسهل حركة الأجفان عن المقلة ويقيها عواقب التبخر الذي يأخذ مجراه على جزء المقلة المعرض للهواء.وينسكب الدمع في الأقنية المفرغة للغدة الدمعية التي تستقر في القسم العلوي والوحشي من الحَجاج(التجويف العظمي الذي تسكنه العين)ليسيل على سطح الملتحمة والقرنية.أما الجزء الذي لا يتبخر منه فإنه يتراكم في الزاوية الأنسية للعين أي بجوار جذر الأنف في موضع يسمى البحيرة الدمعية.ويوجد في هذه النقطة ثقبان صغيران يدعى كل منهما النقطة الدمعية ويصدر عن كل نقطة قناة صغيرة هي القنية الدمعية،وتنتهي القنيتان الدمعيتان في الجزء السفلي والإنسي من الحجاج في مستودع يسمى الكيس الدمعي أو المَدمع.فالدموع التي تنفذ بالخاصية الشعرية في النقطتين الدمعيتين تنساب في القنيتين لتصل إلى الكيس الدمعي ثم تنساب منه في مجرى نهائي هو القناة الدمعية الأنفية التي تصب في الصماخ السفلي للحفرة ألأنفية حيث يتبخر بسهولة بفضل الهواء الذي يمر في اللأأنف باستمرار.ولهذا فإن الزكام الذي يؤدي إلى منع مرور الهواء عبر الأنف يسبب الدماع أي سيلان الدمع إذ لا تعود الدموع تتبخر فتتراكم في الأقنية وعندما تمتلىء هذه القنوات تفيض من العين.

(ملاحظة:الحجاج هو التجويف العظمي الذي تسكنه العين وفي ذلك يقول طرفة بن العبد:

وعيناهُ كالماوَّيتين استكنّتا            بكهفي حجاجي صخرةٍ قَلْتِ مَورد

(ماوية:المرآة.الحجاج:العظم المشرف على العين والذي هو منبت شعر الحاجب والجمع الأحجة)

ملاحظة:الشتر:انقلاب الجفن،وممن أصيبوا بذلك مالك الأشتر ةالد إبراهيم بن مالك الأشتر النّخعي،حيث كان فارساً في غزوة اليرموك،وفيها أصيب بجرح في عينيه أثّر في جفونه،وجعلها مقلوبة للخارج فسّماهُ الناس\ بالأشتر أي مقلوب الأجفان.

والحوص:هو ضيق في مؤخر العينين وسمي الشاعر الأنصاري بالأحوص لحوص في عينيه.

وفي الهدي النبوي:عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر”.والمخاطب هنا الأصحاء أما العين المريضة فقد يضرها الإثمد.

نظافة السبيلين

لا يخفى أن السبيلين هما مخرجان لأشدّ مفرغات البدن خطورة من الناحية الصحيّة لاحتوائهما على المواد العضوية والجراثيم العديدة وخاصة البراز ، فهو حتى عند الإنسان السليم الخالي ظاهريا من الأمراض فإنّه عدا قذارته يحتوي الكثير من الجراثيم والطفيليات منها العاطل ، ومنها الممرض ، والعاطل في ظروف معينة قد يصبح انتهازياً ويعرض الجسم للأمراض.

وعن طريق البول والبراز يمكن للإنسان المريض ببعض الأمراض أن ينقلها إلى الناس الأصحاء،وهناك أناس يحملون العوامل الممرضة وينقلونها للأصحاء وحتى بدون ظهور أعراض المرض لديهم وهم من نطلق عليهم في لغة الطب “حملة المرض”.

وتتم العدوى من البراز إلى الأخرين عن طريق اليد، أو الطعام ، أو الشراب، أو عن طريق بعض الحشرات كالذباب والصراصيرالملوثة بهذه المفرغات.

ومن أهم الأمراض السارية المعدية التي يمكن أن تنتقل بواسطة هذا الطريق الحُمّى التيفية ونظيراتها والتي تسببها جراثيم السالمونيللا، ونذكر ايضاً الزحار المعوي بشكليه الجرثومي والأميبي وهما داءان منتشران بشكل واسع ، وهناك أيضاً العصيات القولونية والتي تسبب الاسهالات والتهاب الأمعاء وخاصة عند الرضع والأطفال ، وهناك داء الهيضة(الكوليرا) والذي يحدث غالباً بشكل وافدات ، وهناك أدواء الديدان مثل اللامبليا والحرقص وحيات البطن(الأسكاريس)…

وأما البول فهو عند الإنسان السليم وإن كان لايحتوي على الجراثيم ، ولكنه إن بقي خارجاً فإنه يتخمر بسرعة بسبب الجراثيم الخارجية في الجو المحيط وهذا ما يسبب الرائحة الكريهة النشادرية بسبب التخمرات ، أضف إلى ذلك فإنّ تأثيره المخرش والمؤذي بسبب طبيعته الحمضية ، ولأحتوائه بعض المواد المخرشة مثل البولة وحمض البول كل ذلك يسبب الكثير من الأذيات للإنسان.

وأما عند الإنسان المريض فإنّ البول قد ينقل الكثير من الأمراض المعدية ومنها مرض البلهارزيا ، وداء السيلان (أحد الأمراض المنقولة بالجنس وتسببه المكورات البنية)، وكذلك يمكن عن طريق البول نقل الحمى التيفية…

لقد جاءت الأحاديث النبوية الشريفة التي تحض على الاهتمام  بنظافة السبيلين وذلك بإحدى طريقتين:

الاستجمار

الاستنجاء

الاستجمار:

هو عرفاً مسح المكان الملوث من الشرج بعد التغوط بالحجر أو الورق أو ما شابه ذلك.

ويمكن القول أنّ الاستجمار وحده طريقة غير كافية ، وإن كان بالورق النظيف وخاصة في ناحية الشرج وينصح أن يتمم باستعمال الماء مع الورق النظيف .

وفي حال تعذر وجود الماء، فإنه يمكن اللجوء إلى الاستجمار ولكن مع التحذير من استعمال الوسائط الوسخة أو المخرشة ، كما ينهى عن استعمال الروث لأنه قذر نجس ، وينهى عن استعمال العظم  لأنه قد يكون دسمأ وملوثأ بالجراثيم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”لاتستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنّه زاد اخوانكم من الجن “[ رواه الترمذي وهو حديث صحيح].

وفي حديث اخر “إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب ومعه ثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنّها تجزئ عنه” [أخرجه أبو داود والنسائي  وقال حديث حسن].

وجاء في سنن ابي داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره”

الاستنجاء:

وهو استعمال الماء ، وهذا أدعى للنظافة التامة .

ولابد من غسل اليد المستعملة في الاستنجاء وبشكل جيد بالماء والصابون إن أمكن  أخرج البخاري عن  أنس بن مالك  رضي الله عنه  قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء يستنجي بالماء . 

وعن معاذة بنت عبد الله العدوية عن عائشة رضي الله عنها قالت:مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم منه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله.[أخرجه الترمذي والنسائي وقال حديث صحيح].

والأفضل كما ذكرنا في الاستنجاء الجمع بين الجامد والماء ، فيقدّم الورق أو الحجر ثم يتبعه الماء ، وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالأفضل الماء لأنه أبلغ في التنظيف وفي إزالة عين النجاسة وأثرها .

وقد أثنى الله عزَّ وجلّ عل أهل قباء لأنّهم كانوا يستنجون بالماء ، روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الأية في أهل قباء{فيه رجال يحبون أن يتطهروا} كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الأية . [رواه أبو داود ].

ومن سنن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا دخل الخلاء قال:“اللَّهُمَّ إنّي أعوذُ بكَ من الخُبثِ والخبائث” [أخرجه البخاري ]، وإذا خرج قال غفرانك ،الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني  [رواه أبو داود والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما.]

لقد حذّر الرسول صلى الله عليه وسلم من اهمال الاستنجاء وتوّعد صاحبه بالعقاب .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم”استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه” [رواه البزار والطبراني والدارقُطني].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين وقال إنّهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول  ـ وفي رواية لايستنزه من البول ـ وأما الاخر فكان يمشي بالنميمة  .[رواه الشيخان]

(ومعنى لا يستتر من البول: أي لايجعل بينه وبين بوله سترة تحفظه من رشاشه).

وهناك كثيراً ما يطرح هذا السؤال هل يجوز البول قائماً أم لا؟

يقول الشيخ علي الطنطاوي في كتاب الفتاوى:”المهم أن لايصيبه رشاش البول ، فإن بال على رمل مثلاً أو أرض لينة لا يرتد عنها البول فيصيبه فلا شئ عليه”

ولا بُدّ من التنويه والتذكير إلى أنه لا يجوز للمسلم أن يبول في طريق الناس أو ظلهم أو موردهم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”اتقوا اللاعنين قالوا : وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم”[ رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].وعن جابر رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم “نهى أن يبال في الماء الراكد” [رواه مسلم] .وقال صلى الله عليه وسلم:“اتقوا الملاعن الثلاث في الموارد وقارعة الطريق والظل “[ رواه أبو داود] .

وأحبّ أن انوّه هنا بشكل خاص إلى استعمال الماء أثناء الاستنجاء بعد التغوط وخاصة لمن لديهم امراض البواسير والشقوق الشرجية والاكزيما الشرجية  إذ أن الجلد في هذه الناحية يكون مهيئاً للاصابة بالتعفنات والالتهابات وخاصة من جراثيم البراز  فتكون النظافة الموضعية هنا بالماء ذات أهمية خاصة لدى هؤلاء المرضى حتى لايصابوا باختلاطات وعواقب عدم الاهتمام بالنظافة الموضعية في ناحية الشرج.

ولا بد من التعريج على الأدب جاء في أدب الكاتب لابن قتيبة :

“وقولهم للمسح بالحجارة استنجاء ، وأصله النجوة : وهي الارتفاع من الأرض ، وكان الرجل إذا أراد قضاء حاجة تستر بنجوة ، فقالوا ذهب ينجو ، كما قالوا ذهب يتغوط ثم اشتقوا منه فقالوا قد استنجى إذا مسح موضع النجو أوغسله. والتغوط من الغائط وهو البطن الواسع من الأرض المطمئن ، وكان الرجل إذا أراد قضاء حاجة أتى غائطاً من الأرض ، فقيل لكل من أحدث قد تغوط ”

وجاء في عيون الأخبار لابن قتيبة “أنّ أعرابياً علّم بنيه اتيان الغائط في السفر فقال لهم:”اتبعوا الخلاء ، وجانبوا الكلاء ، وأعلوا الضراء  ـأي ماوراك من شجر ـ وأفحجوا فحاج النعامة ، وامسحوا بأشملكم ”

نظافة الملابس

إنّ الإسلام دين النظافة والجمال ، وقد أباح للمسلم الظهور بالمظهر الجميل في ملبسه وثيابه، قال تعالى:{يابني أدم  قد أنزلنا عليكم لباساً يُواري سوأتكم وريشاً} وقال تعالى:{يابني أدم خذوا زينتكم عند كلِّ مسجد}.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ المِسك فيمسح به رأسه ولحيته وكان صلى الله عليه وسلم لا يردُّ الطيب[رواه البخاري].وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”طيب الرجال ماظهر ريحه وخفي لونه،وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه”[رواه الترمذي]

وكما اهتمّ الإسلام بنظافة وصحّة البدن والجسم إلا أنّه أيضاً حريص جداً على نظافة ما يحيط بالإنسان من بيئة ومن لباس يواري جسمه .

عن أبي الأحوص الجشمي قال: أي رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم  وعليّ أطمار  ـ أي ثياب بالية ـ فقال: هل لك من مال ؟ قلت نعم ، قال : من المال؟ قلت: من كل ما أتى الله من الإبل والشاء، قال: فلتر نعمته وكرامته عليك”[ رواه النسائي] .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله :

” فهو سبحانه يحبّ ظهور النعمة على عبده، فإنه من الجمال الذي يحبه” ويتابع”ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده لباساً وزينةً تُجّمل ظواهرهم ، وتقوى تُجّمل بواطنهم” فقال تعالى: {يابني أدم قد أنزلنا عليكم لباساً يُواري سواتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير}[الأعراف 26]، وقال في أهل الجنة:{ولقَّاهُم نضرةً وسروراً وجزاهم بما صبروا جنّةً وحريراً [الإنسان 11 ـ12] فَجّمل وجوهم بالنضرة ، وبواطنهم بالسرور ، وأبدانهم بالحرير ، وهو سبحانه كما يحبّ الجمال في الأقوال والأفعال والثياب والهيئة ، فإنّه يبغض القبيح وأهله ويحبّ الجمال وأهله ، ويتابع رحمه الله:

“والجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع منه مايُحمد ومنه مالا يتعلق به مدح ولا ذم ، ومنه مايُذم، فالمحمود منه ماكان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره، والاستجابة له، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يَتجّمل للوفود ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: رأيت على رسول الله أحسن ما يكون من الحلل.وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنّكم شامة في الناس ،فإنّ الله لايُحبّ الفحش ولا التفحش“[ رواه أبو داود].

ويتابع رحمه الله:

“ويمكن أن نلخص ما شرعه الله من أداب اللباس والزينة والمظهر في النقاط التالية:

أولاً: التوسط والاعتدال في الزينة المباحة قال تعالى{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}وفي الحديث الذي رواه البخاري ” كلوا واشربوا وتصدّقوا ، ومن غير إسراف ولا مخيلة “

ومما جاء في كراهية المبالغة في  الامتناع من الزينة والطيب من الرزق قال تعالى:{قل من حرّمَ زينة الله التي أخرج  لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف 32]وقوله تعالى:{يايُّها الذين أمنوا لا تحرّموا طيباتِ ما أحَلَّ اللهُ لكم ولاتعتدوا إنَّ الله لايحبُّ المعتدين}“[المائدة 87].

ففي هاتين الآيتين نهى الله عزَّ وجَلَّ عن الإفراط في ترك الزينة والطيبات من الرزق ، والقصد تركها زهداً في الدنيا ، وفيهما بيان أن ذلك الترك في نفسه لا يُقرّب من الله قيد أنملة ،فللمؤمن أن يأخذ من الزينة ، ويتناول من الطيبات ما شاء ،

وقوله تعالى:{ولا تعتدوا إنَّ الله لايحب المعتدين} ، إمّا أن  يكون نهياً عن تعدّي حدود ما أحلَّ الله لهم أونهياً عن الإسراف في الحلال ، وفي الإسراف مفسدة .قال ابن عباس رضي الله عنهما “كل ماشئت، والبس ماشئت ، ما أخطأتك خَصلتان:سرف ومخيلة”

ثانياً: المحافظة على النظافة لأنها الأساس لكل زينة حسنة:

وذلك بالحَثِّ على النظافة والتجمل في مواطن معينة ، وخاصة أماكن التجمعات ، وأوقات الأعياد ، والجمعة

روى أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين ، ليوم الجمعة ، غير ثوب مهنته”

ثالثاً : اجتناب المحرم من اللباس والزينة:

ومنها تحريم الذهب والحرير للرجال، وتحريم لبس ثياب الشهرة والإختيال.

قال صلى الله عليه وسلم :”من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذَّلة يوم القيامة

والمقصود أن يلبس الشخص ثوباً غير معهود ، أو شديد الفخامة ، وباهظ السعر  لأجل لفت الأنظار إليه ، أو المباهاة ، والتعاظم والافتخار ، قال تعالى{إنّ الله لايحب كلَّ مختال فخور} ، وقال صلى الله عليه وسلم “من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة “[ أخرجه الشيخان ].

وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يُخيّره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها “

ويتابع ابن القيم رحمه الله “وأما ما يحمد ولا يُذَم فهو ما خلا من هذين القصدين وتجرّد عن الوضعين ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر ، فقال رجل:إنّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً فقال صلى الله عليه وسلم :إنّ الله جميل يحب الجمال والكبر بطرالحقّ وغمط الناس ” [رواه مسلم].

المراجع:

مجلة حضارة الإسلام تموزـ آب عام 1971 مقال للدكتور محمود ناظم النسيمي

مجلة حضارة الإسلام كانون الثاني 1972 مقال د محمود ناظم النسيمي

مجلة حضارة الإسلام أذار 1972 مقال د محمود ناظم النسيمي

مجلة حضارة الإسلام أيار ـ حزيران 1971 مقال د محمود ناظم النسيمي

مجلة حضارة الإسلام تموز ـ أب مقال د حسن هويدي

الاستنجاء والاستبراء  مجموعة السفير العدد 1615 ص 1206

فن الصحة د أحمد حمدي الخياط جامعة دمشق

الأنف ووظائفه مجلة السفير جزء 29ـ 30 ص 47 ـ 48

الأراك والسواك مجلة السفير العدد 1211 ص 841

الاستياك مجلة السفير العدد 1615 ص 1219

مجلة حضارة الإسلام اذار 1977 مقال السواك