الداء.. محنة..ومنحة..وابتلاء

 

المرض ابتلاء :

يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة البقرة : {ولنبلونّكم بشيءٍ منَ الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} ،ويقول الله تعالى في سوره العنكبوت {ألم  أحسب النّاس أن يتُركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفُتنون}،ويقول الله تعالى: “{ولنبلونّكم حتى نعلمَ المجاهدين منكم والصابرين ونبلوَ أخباركم} [سورة محمد31].

فالحقُّ عزَّ وجَلّ بينَّ أن الإنسان في الحياة الدنيا قد كُتِبَ عليه البلاء، والحكمه من الابتلاء: هي التمحيص وكشف معدن الإيمان، لأن الدنيا ليست دار قرار بل هي ممر للآخرة حيث لايُصاب بها المؤمن بأي مرض أو وَصب ، وأحد أشكال الإبتلاء أن يُصاب الإنسان في جسمه بالمرض والداء، وهذه الإصابه ليست نقمة من الله على عبده بل هي نِعمة يمتحن الله عبده فإن صَبر ظَفر، وإن احتسب كفَرَّ عنه سيئاته ، وأما إن جزع  فإنه لا يناله الثواب ولابد من مراجعة نفسه وتقوّية إيمانه.

والمرض إن ترافق مع الصبر والاحتساب يُكفِّر السيئات، ويقترن بالحسنات يقول صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري أبي هريرة رضي الله عنهما:”ما يُصيب المسلم من نَصب ولا وَصب ولا هَمّ ولا حزن ولا أذى ولا غَمّ حتى الشوكة يُشاكها إلا كَفرّ الله بها من خطاياه “.

يقول الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله  في” فتح الباري “:

النَصب : التعب، الوَصب: المرض، الهَمّ: ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به، الغَمّ: كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل، الحزَن: يحدث لفقدان ما يشقّ على المرء فقده .

وفي حديث آخر: “يبُتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان دينه صلبا اشتدّ بلاؤه وان كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الارض ماعليه خطيئة”[ رواه الترمذي ].

وفي حديث أخر رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُوعك ، فقلت يارسول الله : إنك تُوعك وعكاً شديدا ؟ قال أجل إني اوعك كما يُوعك رجلان منكم. قلت: ذلك أن لك أجرين  قال: أجل كذلك، ما من مسلم يُصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كَفرّ الله بها سيئاته  وحَطّت عنه ذنوبه  كما تحط الشجرة ورقها”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من يُرد الله به خيرًا  يُصب منه “ [رواه البخاري] .

وفي حديث اخر رواه مسلم عن صهيب بن سنان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له “.

وجاء في فتح الباري لإبن حجر العسقلاني: المرض: مرض البدن ، وقد يطلق على مرض  القلب إما للشبهة كقوله تعالى :“في قلوبهم مرض”، وإما للشهوة  كقوله تعالى: “فيطمع الذي في قلبه مرض” . وأما الكّفارة : صيغة مبالغة من التكفير، وأصله التغطية والستر، والمعنى هنا أن ذنوب المؤمن تتغطى بما يقع له من ألم المرض. وأما المصيبة: الأصل الرمية بالسهم، ثم استعملت في كل نازلة ، وقال الراغب الأصفهاني: أصاب يستعمل في الخير والشر. قال تعالى: {إن تُصبك حسنة تسؤهم وإن تُصبك مصيبة} ، وقيل الإصابة في الخير مأخوذة من الصَوب : وهو المطر الذي ينزل بقدر الحاجة من غير ضرر ، وفي الشر مأخوذة من إصابة السهم .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد ” [رواه الشيخان  واحمد والترمذي].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مثل المؤمن كمثل خامة الزرع من حيث أتتها الريح كفاتها  فاذا سكنت اعتدلت وكذلك المؤمن يكفا بالبلاء، ومثل الفاجر كالأرزة  صماء حتى يقصمها الله تعالى اذا شاء ” [متفق عليه].

وعن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مثل المؤمن مثل السنبلة تستقيم مرة وتخر مرة ، ومثل الكافر مثل الأرزة لا تزال مستقيمة حتى تخر ولا تشعر” [رواه احمد].

ثبت في الصحيح أنه لما  نزل قوله تعالى:  { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يُجزَ به ولا يجدْ له من دون الله ولياً ولا نصيراً}  [النساء 123]، هرع كثير من الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أبو بكر الصديق  وقالوا للمصطفى عليه السلام: ما الخلاص بعد اليوم يا رسول الله  أي ما منّا إلا من ارتكب وزراً  وما منّا إلا وقع في خطيئة، فإن لم يكن هنالك عفو ولا مغفرة فكيف يكون الخلاص إذن ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : “غفر الله لك يا أبا بكر  ألست تمرض ، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تُصيبك اللاواء؟ قال: بلى ، قال: فهو مما تجزون به “.

وروى مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت الآية” {من يعمل سوءا يُجز به} ” شقَّ ذلك على المسلمين  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “سدّدوا وقاربوا فإن كل ما يُصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يُشاكها والنكبة ينكبها والمريض الذي يموت بمرضه قد يحسب شهيدا”،  تقول كتب السيرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  زار الصحابي  جبر بن عتيك  في مرض أصابه فقال قائل من أهله إنا كنا لنرجو أن تكون وفاته شهادة له في سبيل الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إن شهداء أمتي إذاً لقليل، القتيل في سبيل الله شهيد ، والمبطون شهيد والمطعون شهيد، والمرأة تموت بكرا شهيدة،  والحريق شهيد ، والغريق شهيد ، والمجنوب شهيد “

وجاء في الصحيح ” من يقتله بطنه  فلن يعذب في قبره “ [رواه الترمذي ]

(ومعنى الحديث  أنه من أصيب بداء البطن  وصبر  ولم يجزع  واحتسب  ناله  الاجر والثواب) .

وعن أبي سعيد وأبي هريره رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :”من قال لا أله إلا الله والله اكبر صدقه ربه فقال لا إله إلا أنا وأنا أكبر، واذا قال لا إله إلا الله وحده قال لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال لا إله إلا الله  لا شريك له قال الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال لا إله إلا أنا  لي الملك ولي الحمد، وإذا قال لا إله إلا الله  ولا حول ولا قوه إلا بالله  قال لا إله إلا أنا ولا حول  ولا قوة إلا بي ، وكان يقول من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار “[ رواه الترمذي بسند صحيح]  .

كما أن  المريض يُكتب له ثواب وأجر ما كان يواظب عليه وهو صحيح معافى، جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا مرض العبد أو سافر كتب له بمثل ما كان يعمل مقيما صحيحا “ [رواه البخاري ].

وروى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري  قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة  فقال: “إن بالمدينة لرجالا  ماسرتم مسيراً  ولا قطعتم وادياً  إلا كانوا معكم  حبسهم المرض ” وفي روايه “إلا شركوكم  في الاجر “.

وروى الإمام البخاري عن انس رضي الله عنه قال رجعنا من غزوه تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم  فقال: “إن أقواماً خلفنا في المدينة ماسلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا حبسهم العذر “.

الآداب التي يجب ان يتحلى بها المريض:

يجب على المريض عند مرضه وإصابته أن يتحلى بآداب مُعينة حتى يكون المرض له طَهورا ومُكّفرا عن سيئاته وينال به الاجر. ومن هذه الآداب:

أولاً:  الإسترجاع عند المصيبة:

وهو أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون  قدّر الله وماشاء فعل .

روى الإمام أحمد رضي الله عنه عن أم سلمة رضي الله عنها  قالت: أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله قولاً سررت به “لايصيب أحد من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول الّلهُمَّ أجرني على مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا فعل ذلك به “.

وعندما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم  دمعت عيناه  وبكى رحمه له  وقال: “إن العين لتدمع  وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا ابراهيم لمحزونون ولكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بك يا ابراهيم لمحزونون ” [اخرجه الشيخان  واحمد وابو داود عن أنس رضي الله عنه].

وجاء في صحيح البخاري  لما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم  وأصحابه الى سعد بن عباده  يعوده في مرضه وقد غشي عليه فبكى وبكى معه أصحابه وقال:” إن الله لا يؤاخذ بدمع العين  ولا بحزن القلب وانما يؤاخذ بهذا وأشار إلى لسانه . وقال في موقف آخر”  إن الدمعة رحمة  وإنما يرحم الله من عباده الرحماء “.

وعن ابي بكرة الثقفي رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  انه قال :“دعوات المكروب الَّلهُمَّ رحمتك أرجو فلا تكِلني إلى نفسي طرفة عين ، وأصلح لي شأني كله  لا إله إلا أنت”  [حسّنه الألباني ].

وجاء في سنن أبي داوود ولما اعتلّ جعفر الصادق قال اللهم اجعله أدبا ولا تجعله غضبا .

ثانيا: عدم لعن الداء وسبّ الحُمّى :

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: مالك يا أم السائب او المسيب  تزفزفين أي ترتعدين ؟ قالت: الحُمّى لا بارك الله فيها فقال: “لا تسبي الحُمّى فإنّها تذهب خطايا بني أدم كما يذهب الكير خبث الحديد” [رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه] .

وروى البخاري  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضا  يتلّوى من شدّة الحُمّى فقال له مواسيًا ومشجعاً: طَهور، فقال الأعرابي: بل هي حُمّى تفور على شيخ كبير لتورده القبور ، قال فهي اذن “.

ولكن يجوز للمريض إذا سئل عن حاله أن يخبر بما يجده من غير سخط ولا برم  وأن يقول قدّر الله وما شاء فعل ، الحمد لله على كل حال ، قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا” يقول ابن المعتز” ومازالت الشكوى تعرب عن لسان البلوى  ومن اختلّت حالته كان في الصمت هلكته ، وقد كان الصبر ينصرني على ستر امري  حتى خذلني “( زهر الاداب ص227).

ثالثاً : الإكثار من الدعاء:

أن يكثر من الدعاء ، وأن يرضى بالقضاء ، وخاصه الأدعية المأثورة، ومنها دعاء النبي أيوب عليه السلام كما جاء في القرآن الكريم: {وأيوب إذ نادى ربه أني مسّني الضر وأنت أرحم الراحمين  فاستجبنا له فكشفنا مابه من ضر} .

قال صاحب الكشاف : “الضَّر: بالفتح : الضرر في كل شئ ، وبالضم : الضرر في النفس من مرض وهزال. وقال ألطف أيوب في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ، وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصّرح بالمطلوب”

وفي الحديث الذي رواه مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن ابي العاص لما اشتكى إليه وجعاً يجده في جسده. “ضع يدك على الذي تألم  من جسدك وقل بسم الله ثلاثا  وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر “.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الأوجاع كلها ومن الحمى ان يقول : “بسم الله الكبير  نعوذ بالله العظيم من شرّ عرق نعار  ومن شرّ حرّ النار”          

(النعار يقال نعر العرق :فار بالدم )

رابعاً : أن يحسن الظن بالله تعالى:  

وأن يكون على يقين أنّ ما أصابه كان ابتلاء له ، وأنه سبحانه واسع المغفرة،  وأنّ رحمته وسعت كل شئ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يمتن أحدكم الا وهو يُحسن الظن بالله “ [رواه مسلم] .

ومهما اشتدَّ به المرض فلا يتمنى الموت لأن المسلم لا يزيده عمره إلا خيراً عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يتمنيَّن أحدكم الموتَ لضرٍّ نزلَ به، فإن كان لابدَّ متمنيَّاً للموت فليقلْ: الَّلُهمَّ أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاةُ خيراً لي ” [رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي ].

وعن أبي هريرة  رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يَدْعُ به من قبل أن يأتيه . إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله ، وإنه لا يزيد المؤمن من عمره إلا خيراً “ [أخرجه أحمد والشيخان والنسائي  والبيهقي] .

وعن أم الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم  دخل على العباس وهو يشتكي فتمنى الموت  قال: يا عباس يا عم  رسول الله . لا تتمنى الموت إن كنت محتسباً تزداد إحساناً إلى إحسانك  خير لك، وإن كنت مسيئاً فإن تؤخَر تَستَعتب خيراً لك  فلا تتمنى الموت ” [أخرجه أحمد والطبراني والحاكم  وقال صحيح على شرط الشيخين] .

وعن قيس قال : أتيت خباباً وقد اكتوى سبعاً قال : لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن أن ندعو بالموت  لدعوت به . [رواه الشيخان].

وقد جاءت عدة أحاديث في فضل طول العمر مع حسن العمل: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رجلاً قال : يا رسول الله أيُّ الناس خير؟ قال: “من طال عمرُه وحَسن عمله” قال فأي الناس شر؟ قال من طال عمره وساء عمله “ [رواه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا أنبئكم بخيركم ؟ قالوا: نعم يارسول الله ، قال: “خياركم أطولكم أعماراً ، وأحسنكم أعمالاً ” [رواه أحمد  وغيره بسند حسن].

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : ” إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، قيل : وكيف يستعمله ؟  قال : يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم يقبضه عليه  [رواه أحمد  والترمذي والحاكم وابن حبان] .

وإن كان المرض هو مرض الموت  فليقبل على الله طامعا بثوابه ، راجياً مغفرته ورحمته .

حدّث المزني قال دخلت على الشافعي رحمه الله في مرض موته  فقلت: كيف اصبحت قال: أصبحت عن الدنيا راحلاً ، وللإخوان مفارقًا ، ولكأس المنية شارباً ، وعلى الله وارداً، ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة فا أهنئُّها ، أو إلى النار فأعزيّها ثم بكى وانشد:

فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي   جعلت رجائي نحو عفوك سُلما
تَعاظمني ذنبي فلما قرنته   بعفوك ربي كان عفوك أعظما

وقال  مكحول في مرضه الذي قضى فيه : “اللحاق بمن يرُجى عفوه خير من البقاء مع من لا يؤمن شره”.

ويقول التابعي الجليل طاووس بن كيسان: ” مامن شيء يتكلم به ابن أدم إلا أحصي عليه حتى أنينه في مرضه “.

خامساً : الاحتساب

أي أن يحتسب ذلك عند الله تعالى ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تعالى: “ما لعبدي المؤمن عندي من جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه  إلا الجنة”.  [رواه البخاري].

وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: “إنّ الله عزّ وجلّ قال: “إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضّته منهما الجنه “[ رواه البخاري] (ويريد بهما عينيه )

عندما فقد عبد الله بن عباس عينيه وعرف أنه سيقضي مابقي من عمره مكفوف البصر  محبوسا وراء الظلمات عن رؤيه الحياة والأحياء لم ينطو على نفسه ليندب حظه العاثر بل قبل القسمة المفروضة،  ثم اخذ يضيف إليها مايهون المصاب ويبعث على الرضا فقال:

إن يأخذ الله من عيني نورهما   ففي لساني وسمعي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دَخل   وفي فمي صارم كالسيف مأثور

وانظر البون  الشاسع بين كلام ابن عباس وبين ماقاله صالح بن عبد القدوس لما عُمي:

على الدنيا السلام فما لشيخ   ضرير العين في الدنيا نصيب
يموت المرء وهو يُعدّ حياً   ويخلف ظنه الأمل الكذوب
يمُنيني الطبيب شفاء عيني   وما غير الإله لها طبيب
اذا ما مات بعضك فابك بعضاً   فإن البعض من بعض قريب

(عن جدد حياتك للغزالي ص 158).

وجاء في الحديث الشريف الذي أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مايكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصّبر يصبره الله ، وما أعطي أحد عطاء  خيرا واوسع من الصبر”.

وعن عطاء بن أبي رباح  قال لي ابن عباس رضي الله عنهما : ألا أريك إمرأة من أهل  الجنة؟ فقلت: بلى ، قال هذه المراة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم  فقالت: إني اصرع، وإني اتكشف فادع الله تعالى لي ، قال : إن شئت صبرت ولك الجنه، وإن شئت دعوت الله تعالى لك أن يعافيك ، فقالت: أصبر ، فقالت: إني اتكشف فادع الله ألا اتكشف فدعا لها ” [متفق عليه]. وجاء في الكشكول للعاملي (ج3 ص178):

روي أن عيسى عليه السلام مرَ برجل أعمى وأبرص، مقعد، مضروب الجنبين بالفالج وقد تناثر لحمه من الجذام، وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى كثيراً من خلقه. فقال له عيسى عليه السلام: ياهذا وأي شيء من البلاء أراه مصروفاً عنك؟ فقال : ياروح الله أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه مما جعل في قلبي من معرفته . فقال : صدقت ، هات يدك. فناوله يده، فإذا هو من أحسن الناس وجهاً، وأفضلهم هيئة، قد أذهب الله عنه ماكان، فصحب عيسى عليه السلام ولم يزل معه ويروى أن عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة شكا مرضا في رجله فكان لابد من قطعها وعرضوا عليه الخمر ليسكروه فلا يحس بألم القطع، فقال: لا أستعين على قدر الله بمعصية الله، فأرادوا أن يُشربوه المرقد أي البنج، فقال: لا فإني لا أحب أن أسلب عضوا من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك لا احتسبه عند الله “.

وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى ميمون بن مهران: “كتبت تُعزّيني في عبد الملك_ابن الخليفة وقد مات شاباً _ وهذا أمر لم أزل أنتظره ، فلما وقع لم أُنكره”.

وجاء في البيان والتبيين للجاحظ( ج2 ص56):

“دخل عيسى بن طلحة بن عبيد الله على عروة بن الزبير وقد قطعت رجله فقال له عيسى: والله ماكنا نعدك للصراع ولقد ابقى الله لنا أكثرك ، أبقى لنا سمعك وبصرك ولسانك وعقلك ويديك وإحدى رجليك فقال عروه :والله ياعيسى ماعزاّني أحد بمثل ماعزيتّني به “.

إن النفوس قد تصبر على مايُصيبها  مُكرهة، لأنه لا حيلة لها في دفع المصيبة ، وفي هذا يستوي المسلم وغير المسلم ، ولكن الرّضى والتسليم الكامل والإيمان بأن ماعند الله خير وابقى، وأن الباقيات الصالحات خيرٌ ثواباً وخيُر أملاً ، هذه فقط من صفات عباد الله الصالحين ، فالمؤمن الحقّ يسارع الى احتساب النازلة وهو مطمئن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وان ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وهذا أمر صعب المنال إلا لمن أعانه الله على مجاهدة نفسه بأن لا تكون الدنيا أكبر همه ، ولا مبلغ علمه .

يروى عن النبي داوود عليه السلام :” اللهم لا مرضاً يُضنيني، ولا صحة تنُسيني، وكن بين ذلك”. (كما جاء في كتاب الزهد للامام  ابن حنبل ). ومن دعاء سيد التابعين الإمام الحسن البصري عند مرضه ”  الَّلهُمَّ  لا تجعلني ممن إذا مرض ندم ، وإذا شفي فتن ، وإذا افتقر حزن ، واكفني اللَّهُمَّ،  وعافني في حياتي وبعد مماتي “.

روى  الإمام مالك في الموطا عن عطاء بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إذا مرض العبد بعث الله تبارك وتعالى إليه ملكين  فقال انظرا ماذا يقول لعواده فإن هو إذا جاؤوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك الى الله عز وجل وهو اعلم  فيقول لعبدي علي إن توفيته أن ادخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدله لحما خيرا من لحمه  ودماً خيراً من دمه  وأن أكفّر عنه سيئاته “.

ويروى عن التابعي الجليل محمد بن واسع الأزدي والناس حوله على فراش الموت أنه كان يستغفر ربه ويدعوه قائلا : اللهم إني أستغفرك من كل مقامِ سوءٍ قمته، ومن كل مَقْعدِ سوءٍ قعدته، ومن كل مَدْخلِ سوءٍ دخلته، ومن كل مخرج سوءٍ خرجته، ومن كل عمل سوءٍ عملته، ومن كل قول سوءٍ قلته. اللهم إني أستغفرك من ذلك كله فاغفره لي ، وأتوب لله منه فتب علي. ثم نظر إلى صاحبٍ له قائلاً: أخبرني بالله عليك  ما يُغني هؤلاء عني إذا أُخذَ بناصيتي وقدمي غداً وأُلقيت في النار؟ ثم تلا الأية الكريمة”{يعرف المجرمون بسيماهم فيؤُخذ بالنواصي والأقدام}” ثمَّ فاضت روحه الطاهره.

ويروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه دخل عليه أصحابه وهو على فراش الموت فقالوا: ماتشتكي ؟ قال: ذنوبي، قالوا: وما تشتهي ؟ قال: عفو ربي .ثم قال لمن حوله لقنوني لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فما زال يُرددها حتى فارق الحياة

وكان الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله ورغم ما يعانيه من الآلام التي تنوء بها الجبال الراسيات يقول لمن يطلب منه أن لا يُحَمِلَ نفسه مالا تطيق وأن يرتاح إشفاقاً عليه لما يعلم منه من شدّةِ الآلام التي كانت لا تفارقه في مرضه الأخير كان يقول لهم: خير لي أن أموت وأنا أقوم بواجبي نحو الله ، من أن أموت على فراشي ، فالأجال بيد الله وإنَّ ألمي من حرمان الطلاب من دروس التوجيه أشدُّ وأقسى من ألامي الجسديه ، وحسبي الله  وعليه الإتكال” (نقلاً عن كتاب مصطفى السياعي رجل فكر وقائد دعوة  لعبد العزيز الحاج مصطفى ص25).

وقال رحمه الله لأحدٍ كان يعوده في المستشفى  وأراد أن يواسيه فقال له بعد أن قضى ليلة في ألام مضنية: “أشكرك على حسن مواساتك ، لكنك لو كنت تعلم كم أنا راضٍ بحالي لما أشفقت علي شفقتك التي تبدو عليك إني بخير نعمةٍ من الله، وتابع: قد تجد قولي غريباً لكني أقول الحق وسأفسر ذلك، إني مريض أتألم ليس في ذلك ريب، وإنك لتشاهد الآلام على وجهي وعلى يدي وفي حركتي ، لكن أُنظر إلى حكمة الله في . إنَّ الله قدير على أن يشل حركتي ، وقد شلَّ بعض حركتي فأنظر ماذا شلّ. لقد شلّ طرفي الأيسر وأبقى لي طرفي الأيمن ، فما أعظم النعمة التي أبقاها لي : أكنتُ أستطيع أن أخطَّ بالقلم لو شلّ اليمين مني؟إنَّ الله قديرٌ على أن يأخذ يصري وأنا محتاج إلى بصري أكثر من أي شيء آخر، لكنه أبقاه لي فهل أكثر من هذا لطفاً. إنَّ الله قدير على أن يُخمد قريحتي، لكنه أبقى لي قدرة الفكر والعقل فما ألطفه بي. إنَّ الله قدير على أن يشلَّ لساني فيمنعني عن الكلام، ولكنه أكرمني ببقاء قدرتي على الكلام، أفليس ذلك مِنَّةً منه وعفواً…..فما أكثر لطف الله وكرمه ومنته ونعمته، أفيحق لي يعد ذلك أن أشكو  وأن أتذمر؟ أولا يجب عليَّ أن أشكر الله على نعمائه؟ (نفس المرجع السابق ص129 )

وقد قالوا أربع من كنوز الجنة: ” كتمان الحاجة، وكتمان الصدقة، وكتمان المصيبة، وكتمان الوجع” ويمكن للمريض أن يشكو وجعه وألمه لله لا يتبرم ولا يسخط جاء في العقد الفريد ج3 ص137 ـ كتاب البلاء إ ذا نزل: سمع الفضيل بن عياض رجلا يشكو بلاء نزل به  فقال ياهذا  تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك وقال من شكا مصيبة نزلت به فكانما شكا ربه”

وفي نفس المرجع ص138: “قال الشيباني أخبرني صديق لي قال سمعني شريح  وانا أشتكي بعض ماغمّني الى صديق فأخذ بيدي وقال يابن اخي اياك والشكوى الى غير الله فإنه لا يخلو من تشكو اليه أن يكون صديقا، أو عدوا ، فأما الصديق  فتحزنه ولا ينفعك، وأما العدو فيشمت بك انظر الى عيني هذه واشار إلى إحدى عينيه، فوالله ما أبصرت بها شخصا ولا طريقا منذ خمس عشره سنه وما أخبرت أحداً الى هذه الغاية ، أما سمعت قول العبد الصالح “إنما اشكو بثي وحزني الى الله” فاجعله مشكاك ومحزنك عند كل نائبه تنوبك  فإنه أكرم مسؤول وأقرب مدعو .

وقال شريح القاضي “إني لأصاب بالمصيبة  فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد الله إذ لم يكن أعظم منها ، وأحمد الله إذ رزقني الصبر عليها، وأحمد الله إذ وفقني للاسترجاع لما ارجو من الثواب، وأحمد الله  إذ لم يجعلها في ديني “.

وجاء في المستطرف للأبشيهي: “قيل لسعيد بن عمرو في مرضه: إن المريض يستريح إلى الأنين وإلى شرح ما به إلى الطبيب، فقال: أما الأنين فهو جزع وعار، واللهِ لا يسمعُ الله مني أنيناً فأكون عنده جزوعاً، وأما وصف مابي إلى الطبيب، فوالله لا يحكم غير الله في نفسي، إن شاء أمسكها وإن شاء قبضها ”

وقال ذو الرياستين الفضل بن سهل بعد أن أبلَّ من مرضه إنّ في العلل لنعما لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها، منها تمحيص الذنب، والتعرض لثواب الصبر، والإيقاظ من الغفلة والاذكار بالنعمة في حال الصحة ، واستدعاء التوبة، والحضّ على الصدقة،  وفي قضاء الله وقدره بعد الخيار.

وقال الفضيل بن عياض (كما جاء في البيان والتبيين للجاحظ ): “إن الصبر يورث البرء، وإن الجزع يورث السقم ، وبالسقم يكون الموت، وبالبرء تكون الحياة”.

وقال الحسن البصري (كما جاء في البصائر والذخائر للتوحيدي ج1 ص16)  “اللَّهُمَّ لا تجعلني ممن إذا مرض ندم، وإذا استغنى فتن ، وإذا افتقر حزن ”

ويقول الشيخ مصطفى السباعي من كتاب” هكذا علمتني الحياه : “إذا اشتكيت إلى إنسانٍ مرضك أو ضائقتك، ثم لم يفعل من أجلك شيئا إلا ان يقول لا حول ولا قوه إلا بالله فلا تشتك إليه مره اخرى، فلو كان أخاً حميماً  لارّقهُ ألمك، ولو كان رجلًا شهماً  لبادر ألى معونتك فوفر حظك من الشكوى لمن كان له حظ من المروءه ”

ويقول ايضا ” الآلآم طريق الخلود لكبار العزائم  وطريق الخمول لصغارها ”

وقال أيضا” إذا ضقت ذرعاً بمرضك فاذكر أن هنالك مرضى يتمنون ما أنت فيه لعظم ما أصابهم من الأمراض وبذلك تهدأ نفسك وترضى عن ربك”