الحاكم العادل

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مُضل له ومن يضلل فلا هادي له.

اللهم اهدنا الصراط المستقيم وارزقنا الإخلاص في العمل والثبات عليه وصل اللهم على سيدنا محمد معلّم الخير،وأسوتنا وقدوتنا في حياتنا الدنيا،وشفيعنا يوم القيامة، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

اللهم اجعل عملي هذا خالصاً لك،اللهم إني أسألك أن تنفع به،وأن تثيبني عليه.

الحاكم العادل

جاء في موسوعة سفير (دائرة المعارف الإسلامية العدد 25 ـ 26):

“الإمام في اللغة:كلمة لها عدة معانٍ،تدور حول الإتّباع،فالإمام هو المتبوع،ومنه”إمام الصلاة”.

و”الإمام”:القائم على الأمر المصلح له ،فيقال:الخليفة”إمام” الرعية،والقائد”إمام” الجند.

و”الإمام”:الرئيس.و“الإمام” الشرع.و”الإمام“:المثال الذي يحتذى به.

وتستخدم الكلمة في إمامة الخير،كما في قوله تعالى:{وجَعَلناهُم أئمةً يهدونَ بأمرنا}[الأنبياء 73].

كما تستخدم في إمامة الشر،كما في قوله تعالى:{وجَعلناهم أئمةً يدعونَ إلى النار}[القصص 41].

وقد وردت كلمة”إمام”وجمعها أئمة في القرآن الكريم،ولم تخرج عن معناها اللغوي.قال تعالى:{وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّهُ بكلماتٍ فأتَمهُنَّ قال إنّي جَاعِلُكَ للنّاسِ إماماً قال ومن ذُريتي قال لا ينالُ عهدي الظالمين}[البقرة 124].

كما ورد كذلك في الحديث الشريف،ولم تخرج ـ أيضاً ـ عن معناها اللغوي،فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“سبعة يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظله:إمام عادل،ورجل ذكر الله في خلاء ففاضت عيناه،ورجل قلبه معلّق في المسجد،ورجلان تحابا في الله،ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها قال: إني أخاف الله،ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ما صنعت يمينه”[رواه البخاري].

وتطلق كلمة”إمام”في الفقه الإسلامي،ويراد بها شيئان:”إمام الحكم” و”إمام الصلاة”.

أما إمام الحكم:وهو “الإمام”العام،ويطلق عليه ـ أيضاً ـ لقب الخليفة أو أمير المؤمنين،وكلها ألقاب تؤدي معنى واحداً،وهو مَنْ له الرياسة العامة في تصريف أمور الدولة وفق المنهج الإسلامي في الحكم،فالإمامة ـ بتعبير علماء الفقه الإسلامي المتقدمين ـ كلمة موضوعة لخلافة النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

والإمامة ـ في الإسلام ـ واجبة،وتنصيب إمام للمسلمين يقيم شعائر الدين،ويسوس الناس بشريعته واجب أيضاً،والأدلة على ذلك كثيرة ومتعددة.

وتنعقد الإمامة  ـ في الإسلام ـ لمن هو أهلٌ لها بطريقتين:

ـ الأولى: أن يرشح  أهل الحل والعقد من تتوافر فيه شروط”الإمام”،ثم يبايعه جمهور الأمة،وهي الطريقة المثلى.

ـ الأخرى:هي أن يختار “الإمام”من يعهد إليه بالحكم من بعده،ولكن يشترط في هذا رضا الأمة وبيعتها.

ويُشترط فيمن يختار إماماً عدّة شروط تؤهله للاضطلاع بأعباء الإمامة ومتطلباتها:

فتشترط فيه بعض الشروط التي تجب لأي ولاية عامة.

ـ فينبغي أن يكون مسلماً. قال تعالى:{ولن يجعلَ الله للكافرينَ على المؤمنينَ سبيلاً}[النساء 141].

ـ وينبغي أن يكون ذكراً،لحديث النبي صلى الله عليه وسلم“لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة”[رواه البخاري].

ـ وأن يكون بالغاً عاقلاً،لأن فاقد البلوغ والعقل ليس مكلفاً ولا مسئولاً عن تصرفاته.

ـ وأن يكون حراً.

ـ كما تُشترط فيمن يُختار لهذا المنصب الكفاءة الجسدية،فيكون متمتعاً بسلامة أعضائه من النقص الذي يمنع من القيام بأعباء الإمامة على أكمل وجه،فلا يكون ـ مثلاً ـ أعمى أو أصمّ أو أخرس…الخ

ـ وتُشترط فيه ـ كذلك ـ الكفاءة المعنوية والأخلاقية،أي العدالة في أكمل صورها،ومعنى ذلك أن يكون المرشح للإمامة متصفاً بما يتصف به كل مسلم من سلامة العقيدة وأداء الفرائض واجتناب الكبائر،وأن يكون ـ فوق ذلك ـ صاحب استقامة في حياته،فلا يكون ظالماً ولا باغياً،ولا غادراً،ولا متآمراً.

ويتحدث الفقهاء عن بعض شروط أخرى ليست محل اتفاقهم جميعاً،فيشترطون أن يكون مَنْ يُختار لهذا المنصب على درجة كبيرة من العلم،تبلغ به مرتبة الاجتهاد في الأصول والفروع على السواء،وأن يكون ذكياً فطناً قادراً على تحمل تبعات الإمامة،أي أن يكون حكيماً ذا قدرة سياسية لإدارة الشئون العامة بمهارة السياسي المحنّك،وأن يكون شجاعاً مقداماً ويقظاً جريئاً في الدفاع عن ثغور الإسلام.

والواقع أن توافر هذه الصفات في “الإمام” أمر مرغوب فيه فقط،لأن اجتماعها في شخص واحد أمر عسير،لهذا نازع فيها بعض الفقهاء،ورأوا أنها ليست واجبة،بل يكفي توافر الحد الأدنى لها في “الإمام”وعليه أن يستعين بآراء المجتهدين فيما يحتاج إليه من العلم،وبمشورة المحنكين الخبراء فيما يحتاج إلى ذكاء وحكمة،وبالقواد الأكفاء في الحرب”.

ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(الموسوعة ـ المجلد الخامس ـ ص237 تحت عنوان:حق الإمام):

الإمام في الإسلام هو وكيل الأمة في إقامة حدود الله.فحقه مرادف لحق الأمة ما قام بهذه الأمانة.لأنه يتولى الإمامة لإيتاء كل ذي حق حقه،ويملك الأمر وتجل له الطاعة فيما تدعو مصلحة الأمة فيه إلى تشريع جديد.

وطاعته مقرونة بطاعة الله ورسوله:{ يا أيُّها الذينَ آمنواأطيعوا الله وأطيعُوا الرَّسولَ وأُولي الأمرِ مِنكُم}[النساء 59].

وفي الحديث الشريف:”من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله،ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني.اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة”.[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)

وليس للإمام أن يعطّل حداً من حدود الله.وليس له أن يقيم حداً منها في غير موضعه.وإقامته في غير موضعه أن يقام حيث لاتثبت أركانه ولاتدرأ شبهاته.فالإمام الذي يعطل الحد مخالف لأوامر الله،والإمام الذي يقيم حداً ليس بثابت الأركان ولا مدروء الشبهات مخالف لأوامر الله.

وعلى الإمام تقع تبعة الأمة كلها في تقدير مصالحها وضروراتها وتقدير ما يترتب على هذه المصالح والضرورات من إجراء الأحكام أو وقفها أو التوفيق بينها وبين أحوالها.

وليس هذا من الاجتهاد الذي يجوزفيه الخلاف،لأن الاجتهاد اعتماد على تقدير لم يرد فيه نص صريح،وأما رعاية الضرورات فقد وردت فيها نصوص صريحة لا تفهم على معنى من المعاني إن لم يكن معناها أن للاضطرار حكماً غير حكم الاختيار،وأن تقدير الاضطرار في تطبيق الشرع موكول إلى ولي الأمر ساعة حصوله:{فَمَنِ اضطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه}[البقرة 173]،{وقد فصَّلَ لَكُمْ ماحَرّمَ عليكُمْ إلّا ما اضطُرِرتُمْ إليه}[الأنعام 119]،{فَمَنِ اضطرَّ في مَخمصَةٍ غيرَ مُتجانفٍ لإثمٍ فإنّ الله غفورٌ رحيم}[المائدة 3].

وما من جهة واحدة يستند إليها حق الإمامة كله في الإسلام،ولا استثناء في ذلك لصاحب الرسالة وأمين التبليغ نبي الإسلام عليه السلام:{ليسَ لكَ مِنَ الأمرِ شيءٌ}[آل عمران 128]،{ قُلْ إنّما أنا بَشرٌ مِثلُكُمْ}[الكهف 110]،{وما أنتَ عليهِمْ بجبّارٍ}[ق45]،{قُلْ يا أهلَ الكتابِ تَعالَوا إلى كَلمةٍ سَواءٍ بينَنا وبينَكُمْ ألّا نَعبُدَ إلاّ اللهَ ولا نُشرِكُ بهِ شيئاً ولايتخِذََ بعضُنَا بَعضاً أرباباً من دون الله}[آل عمران 64].

ويؤمر النبي بمشاورة المسلمين:{وشَاوِرهُمْ في الأمرِ}[آ ل عمران 159]،ويؤمر المسلمون بالمشاورة بينهم:{وأمرُهُمْ شُورى بينَهُمْ}[الشورى 38].

فحق الإمامة إذن أعم من حق السيادة لأنه في جانبي التشريع والتنفيذ مستمد من أوامر الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتهاد أولياء الأمر واجتهاد الجماعة الإسلامية كلها برأيها على أتم صورة يثبت عليها.

ولهذا وجب للأمة طاعة تناسب هذه القداسة.فلاحدود لها إلا أن يأمر الإمام بالخروج من الدين أو بمعصية الخالق فهو لا يُطاع إذن لأنه ليس بإمام.وقسطاس العهد بين الإمام ورعيته كما جاء في حديث عبادة بن الصامت:”بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرةٍ علينا،وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا ،لانخاف في الله لومة لائم”[متفق عليه].

وليس حق الإمامة بالبداهة حق الإمام لشخصه ولاهو من الحقوق التي يمكن أن تحصر في جهة واحدة،وإنما يحق للإمام منه ماهو حقه بموجب البيعة والأمانة العامة.فهو مطيع في هذه الأمانة مطاع.

ومن ثم وجب أن يتولى الإمام عمله باختيار رعاياه.ولابد من البيعة العامة لكل إمام مسئول تجب له الطاعة،يرشحه من استطاع من أولي الحل والعقد وينعقد له الأمر بعد إجازة هذا الترشيح بالبيعة العامة ويجوز أن يرشحه واحد أو يشترط في ترشيحه اتفاق عدد من المسلمين تجوز لهم صلاة الجماعة.إلا أن الاتفاق على عدد المرشحين لايغني عن المرجع الأخير وهو اتفاق الجماعة بلا خلاف أو اتفاقها على القدر الذي ترجح به الكفة وتمتنع به الفتنة.ومن أقدم على الفتنة فإثمها عليه يقضي فيه الإمام المختار أو يقضي فيه سلطان الجماعة حيث استقام لها سلطان مشروع.

ومن تمام التكافل”التضامن” في المجتمع الإسلامي أن أمانة”الإمامة”لا تعفي الأمة من واجب النصيحة لإمامها،وقد جمع نبي الإسلام الدين في كلمتين إذ قال:”الدين النصيحة قلنا: لمن يارسول الله؟قال:”لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”[رواه مسلم عن تميم الداري رضي الله عنه].وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:” ألا إنأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”[أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]”.

وجاء في مجموعة السفير تحت عنوان“استخلاف الأفراد”:

“واستخلاف الأفراد هو “الاستخلاف “في الرئاسة،وقد يسمى المُستخلف خليفة كما سُميّ “داود” عليه السلام.قال تعالى:{ياداودُ إنّا جعلناكَ خليفةً في الأرض فاحكم بين النَّاسِ بالحقِّ ولا تَتَّبعِ الهوى فَيُضلّكَ عن سبيل الله إنَّ الذينَ يَضِلُّونَ عن سبيلِ الله لهم عذابٌ شديدٌ بما نَسُوا يومَ الحِسابِ}[ص26].

وقد يُسمى المستخلف إماماً كما سُميّ “إبراهيم”عليه السلام ـ وبعض رؤساء بني إسرائيل.قال تعالى:{وإذ ابتلى إبراهيمَ رَبُّهُ بكلماتٍ فأتمهُنَّ قال إنّي جاعلُكَ للنّاسِ إماماً قال ومن ذُريتي قال لاينالُ عهدي الظالمين}[البقرة 124].وقال تعالى أيضاً:{وجعلناهُم أئمةً يهدونَ بأمرنا وأوحينا إليهم فِعلَ الخيراتِ وإقامَ الصلاةِ وإيتاء الزكاةِ وكانوا لنا عابدين}[الأنبياء 73].

وقد يسمى المُستخلف مَلِكاً.قال تعالى:{وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نِعمةَ الله عليكم إذ جعلَ فيكم أنبياءَ وجعلكم ملوكاً وآتاكم مالم يؤتِ أحداً من العالمين}[المائدة20].

وسنة الله جلّ وشأنه في استخلاف الولاة والأفراد أن يستخلف الأمة ماكانت أهلاً للاستخلاف،وأن يستخلف الأفراد،ماكانوا أهلاً لذلك،ويبتليهم جميعاً فيما آتاهم.قال تعالى:{وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفعَ بعضكم فوق بعض درجاتٍ ليبلوكم في ما آتاكم}[الأنعام 165].

فإن استقام المستخلفون على أمر الله مُكّنوا في الأرض.قال تعالى:{الذين إن مكَّناهم في الأرض أقاموا الصّلاةَ وآتوا الزّكاةَ وأمروا بالمعروف ونَهوا عن المُنكرِ ولله عاقبةُ الأمور}[الحج41].

إذا فعل المستخلفون ذلك مكّن الله لهم في الأرض وآتاهم من كل شيءٍ سبباً،كما مكّن لذي القرنين وقومه.قال تعالى:{إنّا مكّنا له في الأرضِ وآتيناهُ من كلِّ شيءٍ سببا}[الكهف 84].

وكما مكّن ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.قال تعالى:{وكذلكَ مكّنا ليوسفَ في الأرضِ يتبوأُ منها حيثُ يشاء}[يوسف 56].

وكما مكّنَ لقوم”يونس”لما آمنوا فأصلح أحوالهم في الحياة الدنيا ومتّعهم إلى حين.قال تعالى:{فلولا كانت قريةٌ آمنت فنفعها إيمانها إلا قومَ يونسَ لمّا آمنوا كشفنا عنهم عذابَ الخِزي في الحياة الدنيا ومتّعناهم إلى حين}[يونس98].

وأهم الأسس التي يستند عليها مفهوم”الاستخلاف”وبها تحدد أبعاده ومضامينه:

1 ـ ملكية الله المطلقة للكون:{قلِ اللّهم مالكَ المُلك}[آل عمران 26]

فالله هو الذي يملك الكون ملكية أصيلة يتصرف فيه كيف يشاء،وكل مالك دونه فملكيته عارية عنده،خاضعة لشروط المالك الأصلي وأوامره،فإذا تصرف فيه المستعير تصرفاً مخالفاً لشروط المالك استحق مايترتب على هذا التصرف.

2 ـ عبودية الإنسان المطلقة لله سبحانه وتعالى:ومدلول العبودية في هذا السياق تحرير الإنسان من الخضوع لأي أمر أو منهج دون منهج الله وأوامره،ومن ثم فإن هذا المفهوم يعني سيادة الإنسان على جميع مخلوقات الله،بحيث يكون كل مافي الكون إما قريناً له أو دونه،فالإنسان كما يقوا ابن خلدون:”رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خُلق له”.

3 ـ ضرورة وجود منهج وضوابط لتحقيق “الاستخلاف”:فإن علاقة”الاستخلاف”بهذا المعنى تستوجب وجود منهج وشريعة يحدد فيهما المستخلِف القواعد والضوابط لحركة المستخلَف،والقرآن الكريم والسنة المطهرة هما دستور”الاستخلاف”لهذه الأمة الخاتمة،فما وقع من المستخلفين من أعمال وتصرفات وفق هذا الدستور فهو صحيح،وما خالفه باطل موقوف،فإذا نُفِّذ قسراً فهو ظلمٌ واعتداء لايقرّه الله،ولايقره المؤمنون بالله.

4 ـ وجود يوم للمحاسبة والمراجعة ثم الثواب والعقاب:حيث إن القواعد والأحكام الثلاثة السابقة لن تكتمل حقيقتها إلا إذا كان هناك حساب على التصرف وجزاء مترتب عليه،إما ثواب وإما عقاب،وهو مايتمثل في العقيدة الإسلامية في الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار،ومن ثم فإن ترسيخ هذه العقيدة في الإنسان يجعل للفعل والتصرف غاية محددة يهدف إليها،سواء بالحصول على الجنة او الابتعاد عن النار،ودون هذه العقيدة يصبح الالتزام بالشريعة والمنهج دون ضابط أو مقصد أو غاية.

والاستخلاف في الحكم يوجب أن يتخذ الخليفة أو الإمام أو الرئيس نائباً عنه في سياسة أمور الرعية،ولابد للمستخلف أن تتوافر فيه عدة شروط منها:

أن يكون بالغاً،عاقلاً،سليم الحواس والأعضاء،مسلماً،عادلاً،يتصف بالشجاعة والنجدة،والعلم المفضي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام،صحيح الرأي والتدين.وكذلك من الشروط أن ينال رضا الأمة،وأن تعلن رغبتها ورضاها عنه،وألا تعترض عليه،ولذلك فقد ارتبط”الاستخلاف” في الحكم بمعاني الاختيار والبيعة،بما يؤكد أنه عقد مراضاة واختيار.

ويكون الاستخلاف إما بالبيعة،وهي أن يجتمع أهل الحل والعقد،ويعقدون الخلافة لمن يستجمع شرائطها،كاستخلاف أبي بكر الصديق رضي الله عنه،وإما بالعهد،وهو أن يعهد الخليفة المستقر بالخلافة بعده إلى غيره ممن استجمع شرائط الخلافة.

و”الاستخلاف” أو العهد من الخليفة لمن يخلفه ويتولى أمور الدولة بعده ـ أصلاً ـ يُعَدُ إيجاباً لايجوز الرجوع فيه إلا إذا جُرح في عدالة المعهود إليه أو فقد شرطاً من شروط الخلافة،أو لم يوافق عليه أهل الحل والعقد،أو رفضته الأمة.ويجوز للخليفة أن يعهد إلى إنسان بعينه أو يحدد صفاته،ليكون خليفة للمسلمين بعده.وقد تم ذلك في تاريخ المسلمين،إلا أن بعضهم قد تجاوز عن الشروط والمؤهلات اللازمة لهذا المنصب التي توجبها القواعد الشرعية،فدفعت الأمة ثمن ذلك غالياً”.(انتهى كلام دائرة المعارف السفير).

وللإمام حقوق كما أن عليه واجبات.

أما واجباته فتتلخص في أمرين،هما:

ـ واجبات دينية

ـ وواجبات سياسية

فالواجبات الدينية: تتمثل في حفظ الدين،وذلك بنشره،والدعوة إليه بكل الوسائل المتاحة،ودفع الشبهات والأباطيل عنه ومحاربتها،وحماية الحدود وتحصينها،وتنفيذ الدين،وذلك بإقامة الشرائع والحدود،وتنفيذ الأحكام،ودعوة الناس إلى القيام بمتطلبات الدين بالترغيب تارة،وبالترهيب تارة أخرى.

وأما الواجبات السياسية :فتتمثل في الحكم بمنهج الإسلام في جميع شئون الحياة المختلفة،إذ اشتمل الإسلام على تنظيم العلاقة بين الله والإنسان،وأوضح واجباتها،واشتمل على منهج متكامل للحياة الإنسانية من جميع جوانبها:السياسية،والاقتصادية،والثقافية،والاجتماعية،وغير ذلك،إمَّا بالنصِّ على بعض الجزئيات ،كقوله تعالى:{يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مُسمى فاكتبوه}[البقرة 282].

أو بوضع الإطار العام الذي يصلح معه ابتكار صور مختلفة تتلائم مع واقع الحياة ومتطلباتها،ولا تخرج عن ذلك،مثل الشورى في الحكم،كقوله تعالى:{وأمرهم شُورى بينهم}[الشورى 38].

وأمّا حقوق “الإمام” فهي كثيرة،ومنها:

ـ حق الطاعة:لقول الله تعالى:{يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمر منكم}[النساء 59].

فتصبح القوانين والتكاليف التي تصدر عن الحاكم واجبة التنفيذ،إلا إذا أمر بمعصية،فلا تجوز طاعته حينئذٍ،لقول النبي صلى الله عليه وسلم“السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ وكره،ما لم يؤمر بمعصية،فإذا أُمِرَ بمعصية فلا سمع ولا طاعة”[رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما].

ـ وحق النصرة:فعلى الرعيّة أن يتعاونوا معه في كل ما يُحقق الخير للدولة في جميع المجالات الداخلية والخارجية،أي تقديم النصيحة له،وبذل الجهد بما يؤدي إلى النهضة والتقدم.

ـ وحقّ النصح:أي أن للأمة أن تعزل”الإمام” إذا تعمد الإنحراف عن أصول الإسلام،وتحدى النصوص القطعية للقرآن ومداه.ووسيلة ذلك وكيفيته موضحة في كتب الفقه الإسلامي.

وتنتهي ولاية حكم “الإمام” في نظر الفقهاء المسلمين،بإحدى طرق ثلاث:

ـ الأولى:الموت

ـ الثانية:تنحِّي “الإمام” أو استقالته

ـ الثالثة:العزل لتغير حاله،بأن يفقد شرطاً من الشروط التي أهلّته لتولي منصب الإمامة.

ويضيف بعض الفقهاء المعاصرين طريقة رابعة،إذ يرون أنه لا يوجد في مباديء الفقه الإسلامي ما يمنع من تجديد مدة الولاية بعدد معين من السنوات،تنتهي بانتهائها ولاية “الإمام”فإما أن تجدد له،أو يختار غيره.

وجدير بالملاحظة أن مكانة”الإمام” في الإسلام ليست مكانة الفخر والتشريف،بل مكانة تحمل التبعة والتكليف،لذا فقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم أشدَّ التحذير مَن يتولى هذا المنصب،ثم لا يتحرى العدل،يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:“ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً،يموتُ يوم يموتُ وهو غاشٌّ لرعيته،إلا حرّمَ الله عليه الجنة”[رواه مسلم عن معقل بن يسار المزني رضي الله عنه]

كما أن الإسلام قد وضع من القواعد والأسس ما يحدد به مسئولية”الإمام”وسلطاته تحديداً دقيقاً،بحيث لا يفضى به منصبه إلى الاستبداد،أو ادعاء الحكم بالحق الإلهي،ومن هذه القواعد:

ـ أن “الإمام” يخضع لأحكام الشريعة الإسلامية،كما يخضع له بقية أفراد الرعية.

ـ وأنه ليس له سلطة التشريع فيما استقرت أحكامه بمقتضى القرآن والسنة،وله أن يجتهد فيما لا نصَّ فيه بالاستعانة بأهل الاختصاص”.

وجاء في دائرة السفير للمعارف الإسلامية(العدد 25 ـ 26)حول “أمانة الحاكم:”

“وأمانة الحاكم في شئون الحكم وولاية أمر الناس أمانة كبيرة،ينبغي أن تُقدّر حق قدرها،وأن يرعاها صاحبها حق الرعاية،فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:“كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته،الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته والرجل راعٍ في أهله وهو مسئول عن رعيته…”[رواه البخاري].

وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من يتخذ من الحكم وسيلة لتحقيق منفعته الشخصية دون النظر إلى مصلحة الناس ومنفعتهم العامة،فقال النبي صلى الله عليه وسلم:“ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته،إلا حرّم الله عليه الجنة”[رواه مسلم].

وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال:استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأسد ـ يقال له ابن اللُّتبيّة ـ على الصدقة،فلما قدم قال:هذا لكم،وهذا لي،أُهديَ إليّ،فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر،فحمد الله،وأثنى عليه،ثم قال:أما بعد.فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولّاني الله،فيأتي فيقول:هذا ما لكم،وهذا هدية أُهديت لي،أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله ـ تعالى ـ يحمله يوم القيامة….ثم رفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه،ثم قال:اللهم هل بلغت؟”.[رواه مسلم]

بل إن أمانة الحاكم تتعدى هذا إلى الأمر بتولية العمل لمن يصلح له،ويقوم به خير قيام،دون محاباة لصداقة أو قرابة أو غيرها،فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ،ألا تستعملني؟قال: فضرب بيده على منكبي،ثم قال:“يا أبا ذر،إنك ضعيف،وإنها أمانة،وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها”.[رواه مسلم].

وعندما استشعر يوسف عليه السلام قدرته على تحمل الأمانة قال لعزيز مصر كما جاء في قوله تعالى:{قال اجعلني على خزائنِ الأرضِ إنّي حفيظٌ عليم}[يوسف 55].

يقول الشيخ العلاّمة علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 1025):

“إن الحكم في الإسلام جمهورية انتخابية تدوم مدى الحياة،مالم يُبدِّل الرئيس أو يَتبدّل ،فتستبدل به.

ولا عبرة بقول من أخذ من الفقهاء بظواهر الأمور،بلا نفاد إلى بواطنها،وأمسك بطرف المسألة وترك أطرافها،فقال بأن الخليفة تثبت خلافته بانتخاب النفر من أهل الحل والعقدـ أخذاً من انتخاب أهل السقيفة أبا بكر،أو بالعهد استناداً على عهد أبي بكر لعمر،فإن أبا بكر ما صار خليفة إلا بالبيعة العامة،ولو خالف عليه أهل قطر من الأقطار لما كان لهم(على الحقيقة) بخليفة ـ إلا أن يكونوا خارجين على إرادة لأكثر  فيعاملوا معاملة الخارجين،وإن عمر لم يستخلف بعهد أبي بكر بل بالبيعة،وخلاصة ما جاء في بيعته من النصوص ،وفيه أنه لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه جمع الناس إليه،فقال:

ـ إنه قد نزل بي ما ترون وما أظنني إلا ميتاً،وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي،وحل عنكم عقدتي،وردّ عليكم أمركم،فأمروا عليكم من أحببتم،فإنكم إن أمرتم في حياة مني،كان أجدر ألا تختلفوا بعدي.

فقاموا في ذل ،فلم يستقم لهم أمر،فرجعوا إليه،فقالوا:

ـ رأينا يا خليفة رسول الله رأيك.

قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده ثم إنه دعا بعد ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال له:أخبرني عن عمر بن الخطاب.

قال له:ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني.

قال: وإن!

قال: هو والله أفضل من رأيك فيه.

ثم دعا عثمان،فقال له مثل ذلك،فقال:

ـ علمي به أن سريرته خير من علانيته،وليس فينا مثله.

ثم شاور سعيد بن زيد وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار ـ فقال أسيد:

ـ اللهم ،اعلم الخيرة بعدك،ويرضى للرضا،ويسخط للسخط،والذي يسر خير من الذي يعلن،ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.

عند ذلك كتب العهد المعروف وخرج به عثمان على الناس مختوماً،وأشرف أبو بكر من كوته على المسجد،فقال:

ـ يا أيها الناس إني قد عهدت عهداً،أفترضونه؟

ـ فقال الناس،رضينا وقام علي فقال:

ـ لا نرضى إلا أن يكون عمر!

قال: إنه عمر!

فأقروا بذلك جميعاً ورضوا به ثم بايعوا…والستة الذين سماهم عمر،لم يكونوا إلا لجنة استشارية،عملها تنظيم المرشحين،والعمل على فوز مرشح واحد بالتزكية وهذا ما فعله عبد الرحمن،وما ثبتت خلافة عثمان إلا بالبيعة.

فالبيعة: هي الدعامة الكبرى في الحكم الإسلامي،ولم يستطيع الخلفاء المستبدون في أكثر العصور ظلماً،واشدها ظلاماً،أن يهدموا هذه الدعامة،فكانت البيعة هي الأساس،وإن تحولت، كما تحولت حقائق الإسلام عند أكثر المنتسبين إليه ـ من جسد وروح، ومظهر وجوهر،إلى أجساد ومظاهر فقط.

والرقابة:كل فرد من الأمة شرطي يراقب الحاكم،يطيعونه ما أطاع الله،ويقومون بأمره ما أقام الدين،إن أحسن أعانوه،وإن نسي ذكروه،وإن أعوج قوموه،وكان عمر يتمنى أن ينصب الناس أميراً إن استقام أطاعوه،وإن جنف قتلوه.قال له أحد الصحابة:أفلا قلت :عزلوه.

قال: لا، القتل أنكى لمن بعده!

ونحن لا نبالي إن اجتمعت لنا هذه الخلال في رجل:البيعة والاستقامة،أن يسمى رئيساً أو إماماً أو أمير المؤمنين. هي اصطلاحات لاتقدم ولاتؤخر،لكن منها ما يخفف على الأذن سماعه،وعلى القلب احتماله ،كإسم الرئيس،ومنها ما يشعرالظلم والاستبداد والعبودية والمذلة،كاسم الملك.

أما وراثة الحكم،فلا تجتمع مع الإسلام في دستور،أيرث الولد ملك رقابنا،نحن الشعب كله،كما يرث الإبن بقرات أبيه وعنزاته؟أعوذ بالله! وهل بعد هذا مهانة أو ذل؟

إنه لا شيء أثقل على نفوس الناس،ولا أفسد لنفس صاحبه من ولاية العهد.أتخضع رقابنا،وتنحني جباهنا لطفل يُحدث في لباسه؟لماذا بالله؟

ألأنه خرج من فم أمه أو من أذنها،وسائر الناس يخرجون من حيث يخرج سائر الناس؟أخلق الناس من ماء وطين،وخلق هو من الحليب والشكولاته؟

يقولون إن الملك رمز،كملك الإنكليز يملك ولا يحكم.

والجواب،إنه ليس في الإسلام رئيس يملك ولا يحكم،بل الرئيس في الإسلام يحكم(بحكم الله)ولكن لا يملك،لأن الناس في نظر الإسلام أحرار لا يملكهم أحد.

الرئيس عندنا هو الذي يجتهد في وضع الشرائع مستنبطة من أصولها،وهو الذي يقضي القضاء،وهو الذي يدير الإدارة،وهو الذي يقود الجيش،وله أن يوكّل عنه من تتحقق أمانته ومقدرته.

وفي مقابلة هذا السلطان،لا يمتنع الحاكم على انتقاد ولا يترفع عن نصح،ولا يكون له في القضاء ما ليس للناس”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد978):

“وأنا أعلم أن للصحابة منزلة لا يدنو منها أحد منا،وإننا مهما سعى الصالحون منا فإنهم لا يلحقون غبار أحدهم،فضلاً عن أن يحاذوه أو يسبقوه.وإن لبني أمية في نشر الإسلام وفي فتح الفتوح فضلاً لا ينكره أحد،وأنه كان منهم عظماء حقاً إن عدّ عظماء الرجال، لقد هدم معاوية أكبر ركن في صرح الدولة الإسلامية حين أبطل الإنتخاب الصحيح،وجعله انتخاباً شكلياً مزيفاً،وترك الشورى،وعطل الكفايات،وسنّ هذه السنة السيئة،بل هذه الجناية التي جرت أكثر البلايا،والطامات التي تملأ تاريخنا السياسي،فهل نقول لمعاوية:أحسنت في هذا؟بل إني لأسال،هل يقول هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان حيا؟إن معاوية صحابي جليل ،وله مناقبه وفضائله ،ولكن حكم الدين على الجميع،ومقاييس الإسلام بها كل كبير،فهل كان معاوية في عمله هذا متبعاً أحكام الإسلام؟

هذه واحدة وإن كانت بألف.

وهذا الاستبداد والحكم الفردي ،الذي سار عليه ملوك بني أمية،وتحكيم آرائهم وشهواتهم في مصلحة الأمة،ودماء أفرادها وأموالهم،دون تقيد بكتاب أو سنة،أو رجوع إلى علم أو فقه هل هو من الإسلام؟

واختيارهم شرّ الولاة،من الطغاة الظالمين،وتحكيمهم في رقاب الناس،هل هو من الإسلام؟

هل يقرّ الإسلام تولية مثل الحجاج ،وخالد القسري وأمثالهما من الجبارين؟

وإثارتهم العصبيات والخلافات بين القبائل وبين الشعراء وتمهيدهم سبيل اللهو والاستهتار،لأنفسهم وللناس،ولا سيما جيران بيت الله،وأهل مدينة رسول الله؟

وعدوانهم على الحريات،وعلى المقدسات،وقتلهم العلماء من أمثال الحسين بن علي وسعيد بن جبير،وإيذاؤهم سعيد بن المسيب،وضربهم الكعبة بالحجارة وبالنار،هل هو من الإسلام؟

إن هذه كلها أشياء ثابتة،لم يفترها عدو،ولم يضعها خصم،وهذه كلها تناقض الإسلام أشدّ التناقض،بل إن بعضها لم تأت بمثله الجاهلية الأولى.

وما كان عليه العباسيون،ومن جاء بعدهم،من الطغيان والعدوان على الأنفس والأموال،واتّباع غير سبيل الهدى،كل ذلك يسأل عنه بنو أمية،لأن من سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ومن عمل بها إلى يوم القيامة”.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 33 بتاريخ الأول من تشرين الثاني عام 1898 م):

الإمامة الكبرى هي خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا،فهي جامعة لما يسمونه السلطة الروحية والسلطة الزمنية معاً.وإن نظام الاجتماع البشري لايتم بدون هاتين السلطتين بل لاتتكون الأمم والشعوب إلا بإحداهما أو كلتيهما،واجتماعهما في رئيس واحد أعظم مبدأ للوحدة القومية الكاملة.

وإن تفويض أمر السلطتين للقائمين عليهما بحيث تكون إرادتهم شريعة ومشيئتهم قانوناً لا راد لأمرهم ولا معقب لحكمهم تغرير بالأمم،ويؤدي غالباً إلى تطويحها في مهاوي العدم.

وإن سعادة البشر موقوفة على تحديد القوانين والشرائع الروحية والزمنية،وجعل الناس فيها شرعاً لامزية لرئيس على مرؤوس إلا بما يمتاز به المرؤوسون بعضهم على بعض،ولا طاعة لأحد فيما وراء الشريعة والقانون.

وإن الشريعة الإسلامية هي التي حددت الشريعتين،وقيدت السلطتين.

وفتح الإسلام بمنهاجه وشريعته الباب بمصراعيه فدخل الناس منه إلى مدنية جديدة ما عتم الداخلون فيها أن صاروا بعد شدة العداء إخواناً،وبعد الأثرة والتعدي والطمع يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة،وبعد المحاباة متساوين في الحقوق لافرق  فيها بين أعظم عظمائهم وبين أخس مخالفيهم في دينهم وجنسهم،وما كان لملك من ملوكهم أن ينال امتيازاً في الحق على صعلوك من صعاليكهم،ومن شواهد ذلك أن إمامهم عمر بن الخطاب عليه الرضوان أبى إلا أن يقتص من جبلة بن الأيهم ملك بني غسان حين لطم أعرابياً مجهولاً،ففر جبلة من هذه المساواة حيث لم يكن وقر الإسلام في صدره،ولجأ إلى النصرانية.

وصاروا بعد العبودية للأوهام والخضوع للأصنام أحراراً لايخضعون لغير الحق،ولايداجون أحداً في الحق،فمحيت بذلك السلطة المقدسة والطاعة العمياء،ومحق التمرد والاستبداد،وترفعت النفوس عن الدنايا والخسائس وتوجهت إلى معالي الأمور”.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد34 بتاريخ الثامن من تشرين الثاني عام 1898م):

“وقد ورد في الحديث أن الخلافة تكون بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً،ولقد خرج بنو أمية بالخلافة عن حدها وبعدوا به عن عهدها وقام الملك بالعصبية وانحرف القائمون عليه عن جادة العدالة العامة والعلم الديني وهما أقوى أركان الخلافة،وانغمسوا في الترف والنعيم واستبدلوا بالأعمال كافة وأسرفوا في النفقات من بيت المال،إلا أنهم أعطوا الملك حقه من الفتوح والتغلب والعدل في القضاء وحفظ الأمن والراحة وكيف لنا بمثل ذلك اليوم؟

ولقد اجتهد الأمويون في إضعاف سطوة العرب في الحجاز لأن ضلعهم كان مع الهاشميين وتمكنوا من ذلك بواسطة عمالهم الظلمة كالحجاج وغيره.

ثم دالت الدولة إلى العباسيين فساروا سيرة حسنة إلى عهد أبناء الرشيد وقام المأمون العباسي على علمه وفضله ينتصر للمعتزلة ولكن انتصاره كان علمياً فقط وغالى بعده المعتصم في الاعتزال وكانت فتنة القول بخلق القرآن التي اضطهد فيها الأئمة المجتهدون وطبعت النفوس على الغلو المفرط .

واضمحلت الخلافة العباسية وتلاشت بما اضمحلت به الخلافة الأموية من الخروج بها عن العلم والعدالة وبعوارض أخرى عرضت عليها منها كثرة الفتن والبدع ،وخاصة الاعتماد على الدخيل من العجم والترك الذي استفحل أمرهم فعجز المتوكل وغيره عن تلافي ضررهم واجتناب شرهم.

وأين منصب الخلافة من الاستبداد والانفراد بالأحكام الذي كانوا يتوارثونه بقوة العصبية والتي تقلد الخلافة للجهلاء أحياناً،إلى غير ذلك من إطلاق التصرف الذي سوغ لهم الإسراف في مال المسلمين وصرفه في الشهوات؟؟

هذا مجمل خبر الخلفاء العباسيين،بدأ في سلطتهم الخلل في زمن أعظمهم دولة وعلما(المأمون) واستفحل بعد ذلك حتى آل إلى استبداد مواليهم عليهم ثم إلى مشاركة السلاطين لهم في ذكر أسمائهم في الخطبة ثم إلى قناعتهم باسم الخليفة مع فقد السلطة بالكلية،وحتى انتهى حكمهم بتمكن سيوف التتار من رقابهم”.

ويتابع الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 35 بتاريخ 19 تشرين الثاني عام 1898م):

“كان خلفاء الأمويين في الأندلس خير خلفاء المسلمين بعد الراشدين وأقرب في سيرتهم إلى الشرع وأبعد عن الفسوق والبدع التي انغمس فيها أكثر أمويي دمشق وعباسيي بغداد فقد كان عبد الرحمن الأول عادلاً مصلحاً وكان ولده هشام حليماً محسناً وكان عبد الرحمن الثاني كجده هشام في الكرم والحلم ويزيده بالأدب والعلم وكان محمد الأول والمنذر وعبد الله عادلين مصلحين وجاء في آثارهم عبد الرحمن الثالث فجمع أشتات الفضائل لأنه أعطي القوتين العلمية والحربية فاجتهد في رفع منار العلوم والفنون وأدخل في إسبانيا علوم بغداد وبنى المباني العظيمة التي كانت زينة قرطبة ومفخر الأندلس كلها وانقاد له المغرب  الأقصى.

ويتابع:”قلنا إن سيرة خلفاء الأندلس كانت أحسن من سيرة غيرهم في الجملة ولكن لانقول إنهم ساروا بالخلافة في منهاجها الشرعي وهو جعل الحل والعقد والنكث والفتل وسائر الشؤون العامة مقيدة بالشورى المتبعة كما كان الراشدون ولو فعلوا ذلك لما نزل بهم البلاء ولكن السلطة كانت محصورة في شخص الخليفة ومتى كان الأمر كذلك فإن الشقاء يكون أقرب إلى الأمة من السعادة لأنها تكون تابعة لشخص واحد إذا استقام استقامت وإذا زل زلت أو زالت.(انتهى كلام الشيخ رشيد رضا رحمه الله).

يقول الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه في إحدى خطبه(البيان والتبيين للجاحظ المجلد الأول ج2 ص60):

“ألا إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك.فرفع الناس رؤوسهم.فقال:مالكم أيها الناس،إنكم لطعانون عجلون،إن من الملوك من إذا ملك زهدّه الله فيما في يديه،ورغبّه فيما في يدي غيره،وانتقصه شطر أجله،وأشرب قلبه الإشفاق،فهو يحسد على القليل،ويتسخط الكثير ويسأم الرخاء،وتنقطع عنه لذة الباءة،ولا يستعمل العبرة،ولا يسكن إلى الثقة،فهو كالدرهم القسي،والسراب الخادع،جذل الظاهر،حزين الباطن،فإذا وجبت نفسه ،ونضب عمره،وضحا ظله حاسبه الله فأشد حسابه وأقل عفوه،إلا من آمن بالله وحكم بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ألا إن الفقراء هم المرحومون،ألا وإنكم اليوم على خلافة النبوّة ومفرق الحجة،وأنكم سترون من بعدي ملكاً عضوضاً،وملكاً عنوداً،وأمّة شعاعاً،ودماً مباحاً،فإن كانت للباطل نزوة ولأهل الحق جولة،يعفو لها الأثر،ويموت لها البشر وتحيا بها الفتن،وتموت لها السنن فالزموا المساجد،واستشيروا القرآن،واعتصموا بالطاعة،ولا تفارقوا الجماعة،وليكن الإبرام بعد المشاورة،والصفقة بعد طول التناظر”.

ويقول الشهيد عبد القادرعودة(الإسلام بين جهل ابنائه وعجز علمائه):
“والحكومات الإسلامية مسؤولة إلى أكبرحد عما أصاب الإسلام من الهوان،وعما أصاب المسلمين من الذل والخبال.

إن الحكومات الإسلامية قد أبعدت الإسلام عن شؤون الحياة،واختارت للمسلمين ما حرمه عليهم الله ،وحكمت فيهم بغير حكم الله.

إن الحكومات الإسلامية خرجت عن الإسلام في الحكم والسياسة والإدارة،وخرجت عن مباديء الإسلام فلا حرية ولا مساواة ولا عدالة،ونبذت ما يوجبه الإسلام فلا تعاون بين المسلمين ولا تضامن ولا تراحم،وشجعت ما يحرمه الإسلام من الظلم والمحاباة ومن الاستغلال والإقطاع،وأقامت المجتمع الإسلامي على الفساد والإفساد،وعلى الفسوق والعصيان،وعلى الأثرة والطغيان”.

صفات الحاكم العادل

ماهي مقومات الإمام أو الحاكم العادل:

1 ـ أن ينتخب من قبل مجلس الحل والعقد بأشكاله المختلفة:

إن الإمامة هي رئاسة عامة في الدين والدنيا،تنتهي إلى صاحبها خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا،بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ثقل عليه المرض وقال:”مروا أبا بكر فليصل بالناس“وصلى أبو بكر رضي الله عنه بالناس نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذها الصحابة دليلاً على استنابة أبي بكر في الخلافة العامة،فأقاموه خليفة عن الرسول صلى الله عليه وسلم(حادثة سقيفة بني ساعدة)،ثم استمر الحكم في الخلافة الراشدة هكذا.

عهد أبي بكر الصديق بالخلافة إلى عمر الفاروق رضي الله عنهما:

قال أبو بكر الصديق حين استخلف عمر الفاروق عند موته(البيان والتبيين ـ الجاحظ  ـ المجلد الأول ج2 ص61):

“إني مستخلفك من بعدي ،وموصيك بتقوى الله.إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار،وعملاً بالنهار لايقبله بالليل،وإنه لايقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة،وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق في الدنيا،وثقله عليهم ،وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً،وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخفته عليهم في الدنيا،وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفاً.

إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم،والتجاوز عن سيئاتهم،فإذا ذكرتهم قلت:إني أخاف ألا أكون من هؤلاء.وذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ولم يذكر حسناتهم فإذا ذكرتهم قلت:إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء.

وذكر آية الرحمة مع آية العذاب،ليكون العبد راهباً،ولا يتمنى على الله إلا الحق،ولا يلقي بيده إلى التهلكة.

فإذا حفظت وصيتي فلا يكون غائب أحبّ إليك من الموت،وهو آتيك،وإن ضيّعت وصيتي فلا يكون غائب أبغض إليك من الموت ولست بمعجز الله”.

دعا أبو بكر الصديق في مرض موته عثمان بن عفان رضي الله عنهما فأملاه:بسم الله الرحمن الرحيم.هذا ماعهد أبو بكر ابن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها.حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب،وإني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا،وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً،فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه،وإن بدّل فلكل امرىء ما اكتسب من الإثم،والخير أردت ولا أعلم الغيب،وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون،والسلام عليكم ورحمة الله.

ـ لما حضرت الوفاة أبا بكر الصديق رضي الله عنه أرسل إلى عمر يستخلفه،فقال الناس:أتخلف علينا فظاً غليظاً لو قد ملكنا كان أفظّ وأغلظ؟فماذا تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر رضي الله عنه؟

قال: أتخوفوني بربي؟أقول: اللهم أمّرت عليهم خير أهلك.

ثم أرسل إلى عمر فقال:

“إني أوصيك بوصية،إن حفظتها لم يكن شيء أحبَّ إليك من الموت،وهو مدركك.وإن ضيعتها لم يكن شيء أبغض إليك من الموت،ولن تُعجزه.إن لله عليك حقاً في الليل لايقبله في النهار،وحقّاً في النهار لايقبله في الليل،وأنها لاتُقبل نافلة حتى تؤدّى الفريضة،وإنّما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم،وحثقَّ لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفاً.وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم،وحُق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً.

فإن أنت حفظت وصيتي هذه فلا يكوننّ غائبٌ أحبَّ إليك من الموت،ولابدّ لك منه.وإن أنت ضيّعت وصيتي هذه فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت،ولن تعجزه”

وقال له:يا ابن الخطاب إني لما استخلفتك ناظراً لما خلفتُ ورائي،وقد صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيتُ من أَثْرَته أنفسَنا على نفسه وأهلنا على أهله،حتى إن كنا لنظل نُهدي إلى أهله من فضول ما يأتينا عنه،وقد صحبتني فرأيتني إنما اتبعت سبيل من كان قبلي:والله مانمت فحلمت،ولا توهمت فسهوت،وإني لعلى السبيل مازغت،وإن أول ما أحذرك ياعمرنفسك،وإن لكل نفس شهوة فإذا أُعطيتها تمادت في غيرها”.

[مجلة الحديقة ـ محب الدين الخطيب)

وبعد أن استخلف عمر بن الخطاب وبايعه الناس رفع أبو بكر يديه مدّاً وقال:”اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم،وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأي فولّيت عليهم خيرهم،وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم،وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك.أصلح لهم واليهم واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدى نبي الرحمة وهدى الصالحين بعده وأصلح له رعيته”.

وقد جعل عمر الفاروق رضي الله عنه الخلافة من بعده شورى في الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض.

وأوصى عمر الفاروق رضي الله عنه من بعده فقال(البيان والتبيين ـ الجاحظ ـ المجلد الأول ج2 ص62):

“أوصيك بتقوى الله لاشريك له،وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيراً:أن تعرف لهم سابقتهم.وأوصيك بالأنصار خيراً،فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم.وأوصيك بأهل الأمصار خيراً،ردء العدو،وجباة الأموال والفيء لاتحمل فيئهم إلا عن فضل منهم.

وأوصيك بأهل البادية خيراً،فإنهم أصل العرب،ومادة الإسلام:أن تأخذ من حواشي أموال أغنيائهم،فترد على فقرائهم.

وأوصيك بأهل الذمة خيراً:أن تقاتل من ورائهم،ولاتكلفهم فوق طاقتهم،إذا أدوا ماعليهم للمؤمنين طوعاً أو عن يد وهم صاغرون.

وأوصيك بتقوى الله وشدة الحذر منه،ومخافة مقته،أن يطلع منك على ريبة.

وأوصيك أن تخشى الله في الناس ولاتخشى الناس في الله.

وأوصيك بالعدل في الرعية والتفرغ لحوائجهم وثغورهم.ولاتؤثر غنيهم على فقيرهم،فإن ذلك ـ بإذن الله ـ سلاماً لقلبك،وحطّ لوزرك،وخير في عاقبة أمرك،حتى تفضي من ذلك إلى من يعرف سريرتك،ويحول بينك وبين قلبك،وآمرك أن تشتد في أمر الله،وفي حدوده ومعاصيه،على قريب الناس وبعيدهم،ثم لاتأخذك في أحد الرأفة حتى تنتهك منه مثل ما انتهك من حرمه.

واجعل الناس سواء عندك.لاتبالي على من وجب الحق،ولاتأخذك في الله لومة لائم.

وإياك والأثرة والمحاباة،فيما ولاك الله ما أفاء على المؤمنين،فتجور وتظلم،وتحرم نفسك من ذلك ماقد وسعه الله عليك.

وقد أصبحت بمنزلة من منازل الدنيا والآخرة،فإن اقترفت لدنياك عدلاً وعفة عما بسط الله لك،اقترفت به إيماناً ورضواناً،وإن غلبك الهوى ومالت بك شهوة،اقترفت به سخط الله ومعاصيه.

وأوصيك ألا ترخص لنفسك ولا لغيرك في ظلم أهل الذمة.وقد أوصيتك وحضضتك،ونصحت لك ،أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة.واخترت من دلالتك ماكنت دالاً عليه نفسي وولدي، فإن عملت بالذي وعظتك وانتهيت إلى الذي أمرتك ،أخذت به نصيباً وافياً،وحظاً وافراً.وإن لم تقبل ذلك ولا يهمك،تنزل معاظم الأمور عند الذي يرضى الله به عنك.يكن ذلك بك انتقاصاً،ورأيك فيه مدخولاً،لأن الأهواء مشتركة.ورأس كل خطيئة،والداعي إلى كل هلكة ابليس وقد أضل القرون السالفة قبلك فأوردهم النار،ولبئس الثمن أن يكون حظ امريء موالاة لعدو الله،والداعي إلى معاصيه.ثم اركب الحق وخض إليه الغمرات،وكن واعظاً لنفسك،وأنشدك الله لما ترحمت على جماعة المسلمين فأجللت كبيرهم،ورحمت صغيرهم،ووقرت عالمهم.ولا تضربهم فيذلوا،ولا تستأثر عليهم بالفيء فتغضبهم،ولا تحرمهم عطاياهم عند محلها فتفقرهم،ولا تجمرهم(لاتحبسهم عند العدو) في البعوث فتقطع نسلهم،ولا تجعل المال دولة بين الأغنياء منهم،ولاتغلق بابك دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم.

هذه وصيتي إياك،وأشهد الله عليك،وأقرأ عليك السلام.

2 ـ أن يعمل بالشريعة الإسلامية.

حيث عليه أن يحفظ أصول الدين التي أجمع عليها سلف الأمة.فإن زاغ ذو شبهة بيّن له الحجة وأوضح له الصواب،وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروساً من خلل،والأمة ممنوعة من الزلل.

وعليه تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين،وقطع الخصام بينهم،حتى تظهر النصفة،فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم.

وعليه حماية البيضة والذّب عن الحوزة،ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين.

وعليه إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك،وتحفظ حقوق عباده من اتلاف واستهلاك.

وعليه تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة،حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرماً ويسفكون فيها دماً لمسلم أو معاهد.

وعليه استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوّضه إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال لتكون الأعمال مضبوطة والأموال محفوظة.

ومتى استقرت الخلافة العامة لمن هو لها أهل فلابد من استنابته في بعض الوظائف الموكولة إليه أناساً ذوي الكفاءة وذوي علم ودين،كالوزارة والإمارة والجباية والقضاء،وغير ذلك من الوظائف التي لايمكن مباشرة جميعها بنفسه.

3 ـ أن يكون خادماً للأمة والشعب.

أُتي عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه بخبزٍ مفتوتٍ بسمن عام الرَّمادة”وهو عام قَحط ومجاعة”فدعا رجلاً بدوياً فجعل يأكل معه،فجعل البدوي يَتبعُ باللُقمة الودك”أي الدسم” في جانب الصّحفة،فقال له عمر:كأنّكَ مُقْفِرٌ من الودك؟فقال:أجَل،ما أكلتُ سَمناً ولا رأيت أكلاً له منذ كذا وكذا إلى اليوم.فحلف عمر لايذوق لحماً ولاسمناً حتى يأكله سائر الناس”.

كان عمر الفاروق رضي الله عنه دؤوباً في عمله ليلاً ونهاراً.قليل النوم. فقال له أهله:ألا تنام؟

قال:”لو نمت في الليل ضاعت نفسي،ولو نمت في النهار ضاعت رعيتي”.

يقول الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه(البيان والتبيين للجاحظ):

“الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أماناً،وأظهرنا لهم حلماً تحته غضب وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد،ومع كل إنسان سيفه ،وهو يرى مكان أنصاره،وإن نكتنا بهم نكتوا بنا،ولا ندري أعلينا تكون أم لنا”.

ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال:السلام عليك أيها الأجير.فقالوا:قل السلام عليك أيها الأمير.فقال:السلام عليك أيها الأجير،فقالوا:قل يا أيها الامير وأعادوا عليه القول فأعاد نداء معاوية بالأجير حتى قال لهم معاوية:دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول.فقال: يا معاوية إنما أنت أجير استأجرك ربّ هذه الغنم لرعايتها،فإن أنت هنأتَ جرباها،وداويت مرضاها ورددت أولاها إلى أخراها وسوّيت بينهم،وفّاك سيدها أجرك،وإن أنت لم تفعل ذلك عاقبك سيدها(السياسة الشرعية لإبن تيمية).

كان الرشيد في بعض حروبه فألح عليه الثلج ليلة،فقال له بعض اصحابه:أما ترى ما نحن فيه من الجهد والنصب ووعثاء السفر والرعية قارة وادعة نائمة؟!

فقال: اسكت،فللرعية المنام،وعلينا القيام،ولا بد للراعي من حراسة الرعية وتحمل الأذى.وإلى ذلك أشار بعضهم:

غضبت لغضبتك الصوارم والقنا              لما نهضت لنصرة الإسلام

ناموا إلى كنف بعدلك واسع                  وسهرت تحرس غفلة النوام

يقول عبد الله بن المقفع في الأدب الكبير:

“حق الوالي أن يتفقد لطيفَ أمور رعيته،فضلاً عن جسيمها،فإن للطيف موضعاً ينتفعُ به،وللجسيم موضعاً لا يستغني عنه.

ليتفقد الوالي،في ما يتفقد من أمور رعيته،فاقة الأخيار الأحرار منهم، فليعمل في سدها،وطغيان السفلة منهم فليقمعه،وليستوحش من الكريم الجائع واللئيم الشبعان،فإنما يصول الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع”.

وجاء في كتاب الروضتين في أخبار الدولتين:قال ابن الأثير ومن عدله أيضاً(يقصد نور الدين زنكي) هو من أعجب ما يحكى أن إنساناً كان بدمشق غريباً استوطنها وأقام بها لما رأى من عدل نور الدين رحمه الله فلما توفي تعدى بعض الأجناد على هذا فشكاه فلم ينصف،فنزل من القلعة وهو يستغيث ويبكي وقد شق ثوبه ،وهو يقول:يا نور الدين،لو رأيتنا وما نحن فيه من الظلم لرحمتنا،أين عدلك؟وقصد تربة نور الدين ومعه من الخلق ما لا يحصى،وكلهم يبكي ويصيح،فوصل الخبر إلى صلاح الدين فقيل له:احفظ البلد والرعية وإلا خرج عن يدك،فأرسل إلى ذلك الرجل وهو عند تربة نور الدين يبكي والناس معه،وطيّب قلبه ،ووهبه شيئاً،وأنصفه،فبكى أشد من الأول ،فقال له صلاح الدين:لم تبكي؟

قال: ابكي على سلطان عدل فينا بعد موته.

فقال صلاح الدين:هذا هو الحق،وكل ما ترى فينا من عدل فمنه تعلمناه”.

4 ـ أن يلتزم الشورى.

جاء في مجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(العدد298)تحت عنوان”المشورة”:

“قضت سنة الله في خلقه أن سلطة شرع الأحكام وتصريف الأوامر والزواجر لا تستقل وحدها بردع الخليقة وقيادتهم إلى سابلة العدالة فكثير من الناس من يجري مع أهوائه بغير عنان ولايدخل بأعماله الاختيارية تحت مراقبة العقل على الدوام.ألا ترى إلى جملة أحكام الشريعة كيف بنيت على رعاية الوازع الطبيعي وتغلبه على الوازع الشرعي كرد شهادة العدو على عدوه وعدم قبول شهادة الرجل لابنه أو لأبيه وإقراره في حالة مرضه لصديق ملاطف أو وارث قريب.فلا بد إذاً من سلطة أخرى لتنفيذ تلك الأحكام المشروعة بالوسائل المؤثرة وإن كره المبطلون كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالة القضاء لأبي موسى الأشعري:”وانفذ إذا تبين لك،فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاد له”.وتسمى هذه السلطة بالسلطة القضائية وكان زمامها في عهد نزول الوحي بيد النبي صلى الله عليه وسلم يتولى الحكومة على الجاني ويباشر فصل النوازل بنفسه من غير أن يدور في حسبان مسلم مطالبته بإعادة النظر في القضية او استئنافها لدى غيره وكما كانوا يرون قضاءه إلا حكما مسمطا يتلقونه بأذن واعية وصدر رحيب لعلمهم يقينا كعمود الصبح أنه حكم الله الذي لا يقابل بغير التسليم قال تعالى:{فلا وَرَبِّكَ لا يُؤمنونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فيمَا شَجَرَ بينهُمْ ثمَّ لايَجدُوا في أنفُسِهِمْ حَرَجاً ممَّا قَضيتَ ويُسَلِّموا تسليماً}[النساء65].وقال تعالى:{وما كانَ لِمؤمِنٍ ولا مُؤمنةٍ إذا قضَى اللهُ ورسولُهُ أمراً أن يكونَ لَهُمُ الخِيرَةُ من أمرِهِمْ}[الأحزاب 36].

وان تعجب فلا عجب لهذا فإن الوازع الشرعي قد يتمكن من النفوس الفاضلة إلى أن يصير بمنزلة الطبعي أو أقوى داعياً،وسهل انقياد العرب على ما كانوا عليه من الأنفة وصعوبة المراس وانصاعوا إلى قانون الشريعة مُجملاً ومفصلاً من جهة أن الدين معدود من وجدانات القلوب  فالانقياد لأحكامه من قبيل الانقياد إلى مايدعو إليه الوجدان وليست الشرائع الوضعية بهذه الدرجة فإن الناس إنما يساقون إليها بسوط القهر والغلبة ويحترمونها اتقاء للأدب والعقوبة و لايتلقونها بداعية من أنفسهم إلا إذا أدركوا منها وجه المصلحة على التفصيل.

وإنما ورد من فصل قضائه صلى الله عليه وسلم قدر يسير بالنسبة إلى مدة حياته لما كانت عليه حالة المسلمين يومئذ من الاستقامة والتئام العواطف القاضية بأن تكون معاملاتهم خالية من الدسائس خالصة من المشاكل وهكذا ما ساد الأدب وانتشرت الفضيلة بين أمة إلا اتبعوا شرعة الإنصاف من عند أنفسهم والتحفوا برداء الصدق والأمانة بمجرد بث النصيحة والموعظة الحسنة فيخفت ضجيج الضارعين وصخب المبطلين ولا تكاد تسمع لهما في أجواف المحاكم حسيساً.وضم صلى الله عليه وسلم إلى السلطة القضائية فيما يخص الحق المدني سلطة التنفيذ فيما يختص بحقوق الأمم كإشهار الحرب وإبرام الصلح وتلافي أمر الهجوم ولم يكن مع يقينه باستماتة أصحابه في طاعته وتفاني مهجهم في محبته لينفرد عنهم بتدابير هذه السلطة بل يطرحها على بساط المحاورة ويجاذبهم أطرافها على وجه الاستشارة عملاً بقوله تعالى:{وشاورهم في الامر}وقد يترجح بعض الآراء بوحي سماوي كما نزل قوله تعالى:{وما كانَ لِنبيٍّ أن يكونَ لهُ أسرى حتَّى يُثخِنَ في الأرضِ}[الأنفال 67]مؤيداً لرأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أسارى بدر.

أذن له صلى الله عليه وسلم بالاستشارة وهو غني عنها بما يأتيه من وحي السماء تطييباً لنفوس أصحابه وتقريراً لسنة المشاورة للأمة من بعده.أخرج البيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أما أن الله ورسوله لغنيان عنها(أي المشورة) ولكن جعلها الله رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشداً ومن تركها لم يعدم غيا”.

وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من العلم بقوانين الشريعة والخبرة بوجوه السياسة في منزلة لا تطاولها سماء ومع هذا لا يبرم حكماً في حادثة إلا بعد أن تتداولها آراء جماعة من الصحابة وإذا نقل له أحدهم نصاً صريحاً ينطبق على الحادثة قال:”الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا”.

وعهد بأمر الخلافة إلى عمر بن الخطاب بعد استشارة جماعة من المهاجرين والأنصار مثل عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وأسيد بن حضير وسعيد بن زيد وغيرهم وإنما لم يبق الأمر شورى بينهم كما صنع الخليفة الثاني أو بتركه لآراء المسلمين عامة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم اعتماداً على ما تفرسه في عمر من الكفاءة والمقدرة وحذراً من أن يتنازعها ذوو الأهلية فتثور ثائرة الفتنة ويرتخي حبل الأخوة في أيدي المسلمين.

ونحا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الجادة شبراً بشبر وذراعاً بذراع.قال من خطبة أرسلها في هذا الغرض:”كذلك يحق على المسلمين أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم وبين ذوو الرأي منهم. ثم قال:ومن قام بهذا الأمر فإنه تبع لأولى رأيهم مارأوا لهم ورضوا به لهم.وهذا إيماء إلى الحكم النيابي ويدل له من كتاب الله قوله تعالى:{ولتَكُنْ مِنكُم أمةٌ يدعونَ إلى الخيرِ ويأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عنِ المُنكرِ وأولئكَ هُمُ المُفلحونَ}[آل عمران 104]وضع الإسلام أساسه وبنى عليه الخلفاء سياستهم ثم انتفض بناؤه في دولة بني مروان ومذ شعرت الأمم الآخذة بمذاهب الحرية بأنه الضربة القاضية على السلطة الشخصية طفقوا يهرعون إلى إقامة حكوماتهم على قاعدته المتينة.

وأخذ عمر بقاعدة الشورى في أمر الخلافة من بعده ففوّض أمرها إلى ستة من كبراء الصحابى ليختاروا رجلاً منهم وقال لهم:ويحضركم عبد الله بن عمر مشيراً وليس له من الأمر شيء،وضمه عبد الله بن عمر إلى الستة وتشريكه لهم في الرأي وارد على ما ينبغي في مجالس الشورى من جعل نظامها مؤلف من العدد الفرد ليمكنهم ترجيح جانب الأكثر عند الاختلاف ويلوح إلى هذا بطرف خفي قوله تعالى:{ما يكونُ من نجوى ثلاثةٍ إلاّ هُوَ رابعُهُمْ ولا خمسةٍ إلّا هو سادسُهُمْ ولا أدنَى من ذلكَ ولا أكثرَ إلاَّ هُوَ مَعَهُمْ}[المجادلة 7] فذكر العدد الفرد صراحة والاقتصار عليه دون الزوج وفي ضمنه إشارة إلى ما ينبغي مراعاته في المجالس المؤلفة للمناجاة.

هذا هو الأصل في الشورى وقد تؤلف من عدد زوج ويعتبر أحد أفراد اللجنة بمنزلة رجلين اثنين ويسمى رئيساً لها فيرجح به الجانب الذي ينحاز إليه عند التساوي والدليل على صحته شرعاً قول عمر بن الخطاب لأبي طلحة الأنصاري إن الله قد أعزّ بكم الأنصار فاختر خمسين رجلاً من الأنصار وكن مع هؤلاء حتى يختاروا رجلاً منهم ـ ثم قال له ـ وإن رضي ثلاثة رجلاً وثلاثة رجلاً فحكموا عبد الله بن عمر فإن لم يرضوا بعبد الله فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف.

والمشورة سنة متبعة عند بعض الأمم من قديم الزمان وردت في قصة بلقيس حين دعاها وقومها رسول الله سليمان عليه السلام أن لا يعلوا عليه ويأتوه مسلمين قال الله تعالى:{قالتْ يا أيُّها الملأُ أفتُوني في أمري ما كنتُ قاطعةً أمراً حتى تشهدون* قالوا نحنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بأسٍ شديدٍ والأمرُ إليكِ فانظُري ماذا تأمرينَ* قالتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دخلُوا قريةً أفسدُوها وجعلُوا أعِزَّةَ أهلِهَا أذِلَّةً وكذلكَ يفعلونَ}[النمل32 ـ 35]ووردت الشورى في قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملائه قال الله تعالى:{ قالَ الملأُ من قومِ فِرعونَ إنَّ هذا لَساحرٌ عليمٌ* يُريدُ أن يُخرِجَكُمْ من أرضِكُمْ بسحره فماذا تأمرونَ* قالوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرسِلْ في المدائن حاشرين}[الأعراف 109 ـ 111]وكأن قاعدة الشورى بين فرعون وملائه لم تطرد على أساس صحيح بدليل ماسام به بني إسرائيل من العذاب المبين.

وقطع مجلس الشورى عند فرعون رأيه وأبرم في النازلة حكمه لأنه فوض إليهم ذلك بقوله:{فماذا تأمرون} وليس له من الأمر شيء سوى تنفيذ أعمالهم والعمل بما يشيرون بخلاف مجلس الشورى عند ملكة سبأ فلم يزيدوا أن عرضوا عليها رأيهم بطريق التلويح حين{قالوا نحن أولو قوة وأولو باس شديد}يشيرون إلى اختيار الحرب ثم أوكلوا الأمر إليها بقولهم:{والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين}لأنها لم تفوض إليهم الحكم في القضية وإنما طلبت منهم أن يصرحوا بآرائهم ويبوحوا بأفكارهم فقط بدليل قولها:{ماكنت قاطعة أمراً حتى تشهدون}أي إلا بمحضركم وقولها{أفتوني في أمري}أي اذكروا ما تستصوبون فيه ولأنها زيفت رأيهم وأشعرتهم بأنها ترى الصلح مخافة أن يتخطى سليمان عليه السلام حدودهم فيسرع إلى إفساد ما يصادمه من أموالهم وعماراتهم فقالت{إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها}

لا تكون قاعدة الشورى من نواصر الحرية وأعوانها إلا إذا وضع حجرها الأول على قصد الحنان والرأفة بالرعية وأما المشاركة في الرأي وحدها ولا سيما رأي من لا يطاع فلا تكفي في قطع دابر الاستبداد.

وأهم فوائد الشورى تخليص الحق من احتمالات الآراء، وذهب الحكماء من الأدباء في تصوير هذا المغزى وتمثيله في النفوس إلى مذاهب شتى.قال بعضهم:

إذا عنَّ أمر فاستشر فيه صاحباً     وإن كنت ذا رأي تشير على الصحب

فإني رأيت العين تجهل نفسها        وتدرك ما قد حل في موضع الشهب

وقال غيره:

أقرن برأيك رأي غيرك واستشر     فالحقّ لا يخفى على الاثنين

والمرء مرآة تريه وجهه               ويرى قفاه بجمع مرآتين

وقال آخر:

الرأي كالليل مسودٌ جوانبه             والليل لا ينجلي إلا بمصباح

فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى       مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح

ولا يدخل في وهم امرىء سمع قولهم”إنما العاجز من لا يستبد” أن اقتداءه بسنة الشورى يشعر الناس بعجزه وحاجته إليهم فتسقط جلالته من أعينهم ويفوته الفخر بالاستغناء عنهم فإن الناصح الأمين لا تجده يجعل الفخار محورا يدير عليه سياسته فيلقي له بالا وإنما يبني أعماله على مصالح يجلبها أو مفاسد يدرؤها ومن كان يريد التمجيد والثناء فنعته بعدم الانفراد بالرأي أفخر لذكره وأشرف لسياسته من وصفه بصفة الاستبداد قال تعالى في الثناء على الأنصار:{والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم}أي لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه وروي أن هذا دأبهم من قبل الإسلام ولعله هذا هو الوجه في مخالفة اسلوب الوصف به لما قبله وما بعده حيث أورد في جملة اسمية للدلالة على الثبوت والاستمرار.ومن فوائدها استطلاع أفكار الرجال ومعرفة مقاديرها فإن الرأي يمثل لك عقل صاحبه كما تمثل لك المرآة صورة شخصه إذا استقبلها”.

يقول الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه(البيان والتبيين للجاحظ):

“الرجال ثلاثة:رجل ينظر في الأمور قبل أن تقع فيصدرها مصدرها،ورجل متوكل لا ينظر فإذا نزلت به نازلة شاور أهل الرأي وقبل قولهم،ورجل حائر بائر لا يأتمر رشداً ولايطيع رشدا”.

قال أحدهم:سبعة لاينبغي لصاحب لبّ أن يشاورهم:

جاهل،وعدو،وحسود،ومُراءِ،وجبان، وبخيل، وذو هوى.

فإن الجاهل يُضّل،والعدو يريد الهلاك،والحسود يتمنى زوال النعمة،والمرائي واقف مع رضا الناس،والجبان حريص على جمع المال فلا رأي له،وذو الهوى أسير هواه”.

5 ـ أن يعمل على اختيار البطانة الصالحة.

جاء في الحديث الصحيح:”مابعث الله نبياً ولا استخلف خليفة إلا كانت له بطانتان:بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه،وبطانة تأمره بالسوء وتحضّه عليه،والمعصوم من عصمه الله“.[رواه البخاري].

وجاء في سنن الترمذي ـ كتاب الزهد ـ :”إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان:بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر،وبطانة لا تألوه خبالا،ومن يوق بطانة السوء فقد وُقيَ”.

إن البطانة الصالحة عونٌ للخليفة والحاكم،تساعده في أمانة الحكم،وتعينه على أداء الحق،وسلوك طريق الاستقامة،تبين له الخطأ،ولا تزين له أعماله إن أخطأ،تضع يده على مكامن الداء،وتساعده على إيجاد الدواء،ليتحقق الشفاء.

يقول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه(البصائر والذخائر ج2 ص166):

“من صحبنا فلخمس خصال:”فأبلغنا حاجة من لايستطيع إبلاغها،ودّلنا على مالانهتدي إليه من العدل،وأعاننا على الخير،وسكتَّ عما لايعنيه،وأدّى الأمانة التي حُملّها منا ومن عامة المسلمين.فحيهلّا به ،ومن كان على غير ذلك ففي حلٍّ من صحبتنا والدخول علينا”.

وفي رواية أخرى:”أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا:

يرفع إلينا حاجة من لايستطيع رفعها،ويعيننا على الخير بجهده،ويدلنا على الخير ما لانهتدي إليه،ولا يغتاب عندنا الرعية،ولا يعترض فيما لايعنيه”.

ولعلّ من أفضل الأمثلة على البطانة الصالحة وجود الوزراء وأهل الشورى من العلماء والفقهاء والمصلحين الذين يساعدون على اتخاذ الطريق السليم للحاكم والبعد به عن مسالك الظالمين.

جاء في العقد الفريد لابن عبد ربه ج1 ص25:

كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولي الخلافة إلى الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل فكتب إليه الحسن رحمه الله:

“اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعلَ الإمامَ العادلَ قِوامَ كلِّ مائل،وقصدَ كل جائر،وصلاحَ كل فاسد،وقوةَ كل ضعيف،ونَصفةَ كل مظلوم،ومَفزعَ كل ملهوف.

والإمامُ العادلُ يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق بها،الذي يرتاد لها أطيبَ المرعى،ويذودها عن مراتع الهَلكة،ويحميها من السباع،ويكُنُّها من أذى الحرّ والقُرّ.

والإمامُ العادل يا أمير المؤمنين،كالأب الحاني على ولده،يسعى لهم صغاراً،ويعلمهم كباراً،يكتسب لهم في حياته،ويدخر لهم بعد مماته.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين،كالأمّ الشفيقة البرة الرفيقة بولدها،حملته كُرها ووضعته كرها،وربّتهُ طفلاً،تسهر بسهره،وتسكن بسكونه،تُرضعه تارة وتَفطمه أخرى،وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين،وصيُّ اليتامى،وخازن المساكين،يربّي صغيرم،ويَمون كبيرهم.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين،كالقلب بين الجوارح:تصلح الجوارحُ بصلاحه وتفسد بفساده.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين،هو القائم بين الله وبين عباده،يسمعُ كلامَ الله ويُسمعهم،وينظرُ إلى الله ويُريهم،وينقادُ إلى الله ويقًودهم.فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملّكك الله عزّ وجلّ كعبد ائتمنه سيّده واستحفظه ماله وعياله،فبدّد المال،وشرّد العيال،فأفقر أهله وفرّق ماله.

واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها؟وأن الله أنزل القصاص حياةً لعباده،فكيف إذا قتلهم من يَقتصُّ لهم؟واذكر يا أمير المؤمنين الموتَ وما بعده،وقلّة اشياعك عنده وأنصارك عليه،فتزوّد له ولما بعده من الفزع الأكبر.

واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه،يطول فيه ثواؤك،ويفارقك أحبَّاؤك،يُسلمونك في قعره فريداً وحيداً.فتزوّد له ما يَحبُك{يوم يَفِرُّ المرءُ من أخيه*وأمّهِ وأبيه*وصاحبتهِ وبنيه}.[عبس 34 ـ 36]

واذكر يا أمير المؤمنين{إذا بُعثِرَ ما في القبور*وحُصِّلَ ما في الصدور}[العاديات 9 ـ 10]فالأسرار ظاهرة،والكتاب{لا يُغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاها}[الكهف 49].

فالآن يا أمير المؤمنين،وأنت في مَهَل،قبل حلول الأجل،وانقطاع الامل،لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين،ولا تسلك بهم سبيل الظالمين،ولا تسلّط المستكبرين على المستضعفين ،فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذِمّة،فتبوء بأوزارك وأوزارٍ مع أوزارك،وتحمل اثقالكَ وأثقالاً مع أثقالك.

ولا يَغُرَّنّك الذين يتنّعمون بما فيه بؤسك،ويأكلون الطيبات في دنياهم بذهاب طيباتك في آخرتك.ولا تنظرن إلى قدرتك اليوم،ولكن انظر إلى قدرتك غداً وأنت مأسور في حبائل الموت،وموقوفٌ بين يدي الله تعالى في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، {وعَنَتِ الوجوهُ للحيّ القيوم}.[طه 111]

إني يا أمير المؤمنين وإن لم ابلغ بِعظتي ما بلغه أولو النُّهى من قبلي ،فلم آلك شفقةً ونصحاً،فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة.والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته”.

وقال أحدهم ينصح عبد الملك بن مروان:”إنه قد تكنّفكَ قوم أساؤوا الاختيار لأنفسهم،فابتاعوا دنياك بدينهم ،ورضاك بسخط ربهم ،وخافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك.حربٌ لللآخرة،سَلمٌ للدنيا،فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عز وجل فإنهم لا يألونه الأمانة تضييعاً،وللأمة خسفاً وعسفاً،وأنت مسؤول محاسبٌ على ما اجترحت.فلا تُصلح دنياهم بفساد آخرتك،فإن أعظم الناس غبناً بائعٌ آخرته بدنيا غيره”.

(يمكن الرجوع للموضوع بشكل مفصل في مقال:علماء الحق)

وقال مروان بن الحكم(أحد خلفاء بني أميه وأول من ضرب الدنانير الشامية.توفي بدمشق بعد أن حكم تسعة أشهر )يوصي ابنه عبد العزيز حين استعمله على مصر،فقال له حين ودّعه:أرسل حكيماً ولا تُوصه:

“أي بُنيَّ،أنظر إلى أعمالك،فإن كان لهم عندك حقٌّ غُدوةً،فلا تؤخره إلى عشيّةٍ،وإن كان لهم عَشيّةً،فلا تؤخره إلى غُدوةٍ،وأعطهم حقوقهم عند مَحَلِّها تستوجب بذلك الطاعة منهم.

وإياكَ أن يظهر لرعيتكَ منكَ كذبٌ،فإنهم إن ظهرَ لهم منكَ كذبٌ لم يُصدقوك في الحقِّ.

واستشر جُلساءَكَ وأهل العلم،فإن لم يستبن لك،فاكتب إليَّ،يأتك رأيى فيه إن شاء الله تعالى.

وإن كان بكَ غضبٌ على أحدٍ من رعيتك،فلا تؤاخذه فيه عند سَورة الغضب،واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك،ثم يكون منكَ ما يكون وأنت ساكنُ الغضب،منطفىء الجمرة،فإن أوّلَ من جعل السجنَ كان حليماً ذا أناة.

ثم انظر إلى أهل الحسب والدين والمروءة،فليكونوا أصحابك وجلساءَك،ثم اعرف منازلهم منك على غير استرسال،ولا انقباض.أقول هذا وأستخلفُ الله عليك”.(العقد الفريد لابن عبد ربه).

وجاء في الأدب الكبير لإبن المقفع:”لاتلتمس رضا الناس جميعاً،لأن ذلك شيءٌ لا يُدرك،إذ بينهم من رِضاه الجَور ومن رضاه الضلالة،فيكفيك رضا الأخيار منهم والعقلاء”.

وكان عمر الفاروق يقول:”اللهم إني أعوذ بك من جَلَد الفاجر،وعجز الثقة”.

ويقول أكثم بن صيفي:”من فسدت بطانته كان كمن غصَّ بالماء”.

ويقول عصام العطار:”من استغنى بالله عن الملوك والرؤوساء كان في نفسه أكبر من الملوك والرؤوساء،ومن استغنى بالملوك والرؤوساء عن الله كان في دنياه وآخرته أحقر الناس واذّل الناس وأضيع الناس”.

والبطانة الصالحة تضم:

1ـ الوزراء .

يقول الأستاذ رفيق بك العظم المؤرخ المشهور رحمه الله(مجلة المنار العدد443):

“اعلم أن الوزارة مرتبة جليلة من مراتب الدولة التي ينتظم بها الملك،وتشاد عليها دعائم الدولة،لهذا اشترط العلماء في الوزارة ما اشترطوه في الخلافة من الأحكام الجامعة لأوصاف العدل،كالأهلية والكفاءة والعلم والصحة والعقل.

وقد طلب كليم الله موسى عليه السلام أن يجعل الله له وزيراً من أهله وهو أخوه هارون:{واجعل لي وزيراً من أهلي *هارونَ أخي* أشدُدْ به أزري* وأَشرِكْهُ في أمري}.[طه29 ـ 32]

وأما نبينا محمد عليه الصلاة والسلام فقد أشار إلى فضل الوزارة وما فيها من الموازرة بقوله عليه الصلاة والسلام:” مامن نبيٍّ إلا وله وزيران من أهل السماء،ووزيران من أهل الأرض،فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل ومكائيل،وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر”.[حديث حسن غريب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]”.

ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(ضحى الإسلام ج1 ص165):

“قال ابن خلّكان:”وقد اختلف أرباب اللغة في اشتقاق الوزارة على قولين:

أحدهما أنها من الوِزر وهو الحِمل،فكأن الوزير قد حمل عن السلطان الثقل،وهذا قول ابن قتيبة.

والثاني أنها من الوَزَر وهو الجبل الذي يعتصم به لِيُنجى من الهلاك،وكذلك الوزير معناه الذي يعتمد عليه الخليفة أو السلطان ويلتجىء إلى رأيه وهو قول أبو اسحق الزَّجاج”.

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج1 ص254):

“الوزير الرجل من عدّ كرسيه تكليفاً لا تشريفاً،ورآه وسيلة للخدمة لا وسيلة للجاه،أوّل ما يفكر فيه قومه،وآخر مايفكر فيه نفسه،يظل في كرسيه محافظاً على حقوق أمته،وأسهل شيء طلاقه يوم يشعر بتقصير في واجبه،أو يوم يرى أن غيره أقوى منه في حمل العبء وأداء الواجب،يجيد منهم مركزه ومركز أمته من العالم فيضع الأمور مواضعها،ويرفض في إباء أن يكون يوماً عوناً للأجنبي عليها…يقتل المسائل بحثاً ودرساً ويعرف فيها موضع الصواب والخطأ،ومقدار النفع والضرر،ثم يقدم في حزم على عمل مارأى واعتقد،لايعبأ بتصفيق المصفقين ولابذم القادحين ،إنما يعبأ بشىء واحد هو صوت ضميره ونداء شعوره”.

وجاء في كتاب ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين رحمه الله(ج1 ص167) نقلاً عن الأحكام السلطانية للماوردي:”

“حكي أن المأمون كتب في اختيار وزير:إني التمست لأموري رجلاً جامعاً لخصال الخير،ذا عفّة في خلائقه،واستقامة في طرائقه،قد هذّبته الأداب،وأحكّمته التجارب،إن أؤتمن على الأسرار قام بها،وإن قُلّد مهمات الأمور نهض فيها،يُسكته الحلم وينطقه العلم،وتكفيه اللحظة،وتغنيه اللمحة،له صولة الأمراء،وأناة الحكماء،وتواضع العلماء،وفهم الفقهاء،إن أُحسِن إليه شكر،وإن أبتلي صبر،لايبيع نصيب يومه بحرمان غده،يسترِّق قلوب الرجال بخلابة لسانه وحسن بيانه”.

أحمد الأحول أحد وزراء الخليفة المأمون عندما استوزره:”يا أمير المؤمنين،أعفني من التسمي بالوزارة،وطالبني بالواجب منها،واجعل بيني وبين العامة منزلة يرجوني لها صديقي ويخافني لها عدوي ،فما بعد الغايات إلا الآفات”.

قال علي بن أبي طالب لعمر الفاروق رضي الله عنهما:”إنّكَ عَفَفتَ فَعفت رعيتك يا أمير المؤمنين ولو رتعتَ لرتعوا”.

يقولون:”مَلِّكْ ذا أمرٍ أمرَه:أي ولِّ الأمر صاحبه،فإنه أقومُ بإصلاحه”.

ويقول عبد الله بن المقفع في كتابه الأدب الكبير:

“ارفق بنظرائك من وزراء السلطان وأخلائه ودُخلائه.واتخذهم إخواناً،ولاتتخذهم أعداء.لا تُنافسهم في الكلمة يتقربون بها،أو العمل يؤمرون به دونك.

ويقول أيضاً:”لا تشكون إلى وزراء السلطان ودخلائه ما اطلعت عليه من رأي تكرههُ له.فإنك لاتزيد على أن تفطنهم لهواهُ أو تقربهم منهُ وتغريهم بتزيين ذلك والميل عليك معه.

جاء في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي:قال المأمون لأبي حفص عمر بن الأزرق الكرماني:أريدك للوزارة.قال: لا أصلح لها يا أمير المؤمنين.قال: ترفع نفسك عنها.قال: ومن رفع نفسه عن الوزارة،ولكني قلت هذا رافعاً لها وواضعاً لنفسي عنها.قال المأمون:إنا نعرف موضع الكفاءة الثقات المتقدمين من الرجال،ولكن دولتنا منكوسة،إن قومناها بالراجحين انتقصت ،وإن أيدناها بالناقصين استقامت،ولذلك اخترت استعمال الصواب فيك”.

2ـ المستشارون وعلماء الحق

قال عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما،قال لي أبي :يابني،إني أرى أمير المؤمنين يستخليك(يجعلك خلاً)ويستشيرك ويقدمك على الأكابر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وإني أوصيك بخلال ثلاث:لاتفشينّ له سراً،ولا تجرينّ عليه كذباً،ولا تغتابنّ عنده أحدا”(المستطرف للأبشيهي ص119).

ولاننسى دور المستشار للخليفة سليمان بن عبد الملك في ترشيح عمر بن عبد العزيز في مرض موته،ولنستمع إلى القصة من كتاب رجال من التاريخ للشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله وأرضاه(ص78):

“نحن الآن في مرج دابق في أوائل سنة 97هجري.ودابق قرية في جهات حلب،من أعمال عَزاز(تسمى اليوم أعزاز)،كان فيها المعسكر الأمامي للجبهة الرومانية،وفي دابق الخليفة الشاب سليمان بن عبد الملك،ومعه الجيش،ورجال الدولة،وهو مرابط فيها منذ شتاءين.يمد الجيش المحاصر للقسطنطينية،الذي يقوده أخوه مَسلمة،وضعفت روح الجنود المعنوية،ووجب فك الحصار،وسليمان يصر عليه خلافاً لآراء العسكريين وعقلاء القوم.

وفشت الحمى في الجيش،وتتابعت الوفيات،حتى لم يجد الخليفة من الخدم واحداً صحيحاً يوضئه.وعلا المنبر يخطب،وصوته يملأ المسجد،فأصابته الحمى،فما زال يضعف صوته،حتى حمل إلى بيته محموماً.وعهد إلى ولده الصغير،فحوّله عن ذلك مستشاره الخاص رجاء بن حَيوه وما زال به،حتى رضي أن يعهد إلى الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز.فقال سليمان:نعم الرجل هو لولا أن أبناء عبد الملك لايرضون أن تصرف الخلافة عنهم.قال: فاجعلها بعده ليزيد بن عبد الملك.وكتب العهد على ذاك.ودعا إليه الأمراء الأمويين،وأشراف الناس،وأخذ بيعتهم على مافي الكتاب مختوماً.

وجاء عمر إلى رجاء،قال:يارجاء إني خشيت أن يكون قد عهد إليَّ،وأنا والله لا أطيقها،فخبرني الآن وهو حي،لأصرفها عني،وأنا أشكر لك صنيعك.قال:لا والله ،لا أخبرك بشيء.فانصرف مغضباً.وجاء هشام،فقال:يارجاء،أخشى أن يكون قد عهد إلى غيري،وأنا أشكر لك وأثيبك،فخبرني الآن وهو حي،حتى أحوِّلها إليَّ.قال لا والله لا أخبرك شيئاً،فانصرف مغضباً.

ومات سليمان.وجمع رجاء الناس وفتح الكتاب فإذا هو عمر.فضجّ أبناء عبد الملك،فلما سمي يزيد بعده سكتوا،وصعق عمر حتى مايستطيع القيام،وقال:والله ماسألتها في سرِّ ولا علن،فأخذوا بكتفيه حتى أقاموه إلى المنبر.وسكت الناس. فقال:

أيها الناس.إني ما استؤمرت فيها ولا خُيّرت،ومالي بها من حاجة،وقد خلعت بيعتي من أعناقكم،فبايعوا من شئتم.فضجوا وصاحوا من كل طرف:لانريد غيرك.فقام عند ذلك فألقى خطبة العرش،وأعلن فيها بيانه وسياسة حكومته،وأنه لايملك التشريع لأن الشارع هو الله،ولكن له السلطة التنفيذية وحدها،وأنه إن خالف الشريعة وجبت مخالفته.وأن الخليفة ليس سيد الأمة ومالكها،ولكنه أجيرها وخادمها فقال:

“أما بعد،فإنه ليس بعد نبيكم نبي،ولا بعد القرآن كتاب،ألا ما أحلّ الله فهو حلال إلى يوم القيامة،وما حرّم الله فهو حرام إلى يوم القيامة،ألا لست بشارع ولكني منفذ،ألا وإني لست بمبتدع،ولكني متبع،ألا إنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله.ألا وإني لست بخيركم ولكني رجل منكم،غير أن الله جعلني أثقلكم حملاً”.

كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الحسن البصري:أعنّي بأصحابك.فأجابه الحسن:من كان من أصحابي يريد الدنيا فلا حاجة لك فيه،ومن كان منهم يريد الآخرة فلا حاجة له قبلك،ولكن عليك بذوي الأحساب،فإنهم إن لم يتقوا استحيوا،وإن لم يستحيوا تكرّموا(البصائر والذخائر للتوحيدي ج2 ص26).

وكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري:اجمع لي أمر الدنيا،وصف لي أمر الآخرة.فكتب إليه:”إنما الدنيا حلم،والآخرة يقظة،ومن حاسب نفسه ربح،ومن غفل عنها خسر،ومن نظر إلى العواقب نجا،ومن أطاع هواه ضلّ،ومن حلم غنم،ومن خاف سلم،ومن اعتبر بصر،ومن أبصر فهم،ومن فهم علم،ومن علم عمل،فإذا زللت فارجع،وإذا ندمت فاقلع،وإذا جهلت فاسأل،وإذا غضبت فامسك،واعلم أن أفضل الأعمال ما أُكرهت النفوس عليه”؟

لما وُليّ عمر بن عبد العزيز الخلافة دعا سالم بن عبد الله،ومحمد بن كعب القرظي،ورجاء بن حيوة،فقال لهم:إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي.

قال سالم:إن أردت النجاة غداً من عذاب الله فَصم الدنيا وليكن إفطارك من الموت.

وقال محمد بن كعب القرظي:إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أباً وأوسطهم عندك أخاً وأصغرهم عندك ولداً،فوّقر أباك وأكرم أخاك وتحنّن على ولدك.

وقال رجاء:إن أردت النجاة غداً من عذاب الله عزَّ وجل فأحب للمسلمين ماتحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك،ثم مت إذا شئت.

وقال سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب :

“سلامٌ عليك،فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو.أما بعد..

فإن الله تعالى خلق الدنيا لما أراد،فجعل لها مدّة قصيرةً ثمّ قضى عليها وعلى أهلها بالفناء.

ثم إنك يا عمر قد وُليت أمرأ عظيماً،فإن استطعت أن لاتخسر نفسك وأهلك يوم القيامة فافعل،فإنه كان فيما مضى قبلك رجالٌ أماتوا ما أماتوا من الحقّ،وأحيوا ما أحيوا من الباطل حتى وُلد في ذلك رجالٌ ونساء،وظنّوا أنّها السنّة،فلا يمنعك من نزع عاملٍ أن تقول لا أجد من يكفيني عمله،فإنّك إن كنت تعمل لله أتاح الله لك أعوانا،وإنّما قُدّر العونُ بقدر النيّة،وإن استطعت أن تجيء يوم القيامة لا يتبعنك أحد بمظلمة،ويجيء من قبلك وهم غابطون لك،فافعل فإنّهم قد عالجوا نزع الموت،وعاينوا أهوال المطلع،وانفقأت أعينهم التي كانت لا تنقضي لذّتها،وانشقّت بطونهم التي كانوا لا يشبعون فيها،واندّقت رقابهم غيرَ متوسّدين بعد تظاهر الفرش والمرافق والسُرر والخدم،وصاروا جيفاً في بطون الأرض تحت آكامها،لو كانوا إلى جنب مساكين تأذّوا من ريحهم بعد إنفاقِ مالا يُحصى من الطّيب،فإنا لله وإنّاإليه راجعون.

ما أعظم ما ابتليت به ياعمر،فمن بعثت من عمالك فازجره زجراً شديداً شبيهاً بالعقوبة عن أخذ الأموال وسفك الدّماء إلا بحقّها.المالَ المالَ ياعمر…الدّمَ الدّمَ ياعمر.

كتبتَ إليّ أن أبعثَ إليك بكتب عمر وسيرته،وإن عمر عمل في غير زمانك وبغير رجالك،ووُليتَ في زمن تعلم بعد ماعمل،وأنا أرجو إن عملتَ على النحو الذي عملَ به عمر بعدما بلوتَ من الظلم أن تكون أفضل من عمر عند الله،وقل كما قال العبد الصالح:{وما أريدُ أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنهُ إن أريد إلا الإصلاحَ ما استطعتُ وما توفيقي إلا بالله عليهِ توكلتُ وإليهِ أنيب}[هود88 ].

روى صاحب”الحلية” أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه كان عنده هشام بن مصاد،فكانا يتحدثان،فذكر شيئاً فبكى،فأتاه مولاه مزاحم فقال:إن محمد بن كعب القرظي بالباب.

فقال: أدخله.

فدخل ولم يمسح عمر عينيه من الدموع. فقال محمد:ما أبكاك يا أمير المؤمنين؟

فقال هشام بن مصاد:أبكاه كذا وكذا.

فقال محمد بن كعب: يا أمير المؤمنين إنما الدنيا سوق من الأسواق،منها خرج الناس بما نفعهم،ومنها خرجوا بما ضرهم،فكم من قومٍ قد غرّهم منها مثل الذي أصبحنا لا يحمدهم،وصاروا إلى من لايعذرهم.

فنحن محقوقون يا أمير المؤمنين أن ننظر إلى تلك الأعمال التي نغبطهم بها فنخلفهم فيها،وننظر إلى تلك الاعمال التي نتخوف عليهم منها فنكفهم عنها.

فاتق الله يا أمير المؤمنين،واجعل قلبك في اثنتين،انظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فابتغ به البدل حيث يوجد البدل ،ولاتذهبن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك ترجو أن تجوزعنك،فاتق الله يا أمير المؤمنين،فافتح الأبواب،وسهل الحجاب،وانصر المظلوم،ورد الظالم.

ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله،من إذا رضي لم يدخل رضاه في الباطل،وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق ،وإذا قدر لم يتناول ماليس له”.

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لزياد مولى عبد الله بن عَيّاش:إني أخاف الله مما دخلتُ فيه.

قال زياد:لستُ أخافُ عليك أن تخاف وإنما أخاف عليك ألا تخاف

(البيان والتبيين للجاحظ).

وقال عمر بن عبد العزيز لطاووس بن كيسان:أوصني يا أبا عبد الرحمن؟فأجابه برسالة قصيرة:إذا أردت أن يكون عملك خيراً كله،فاستعمل أهل الخير والسلام”.

أرسل عبد الملك بن مروان بعد قتله عمرو بن سعيد الأشدق إلى رجل كان يستشيره ويُصدر عن رأيه إذا ضاق عليه الأمر فقال له:ماترى ما كان من فعلي بعمرو بن سعيد؟

قال:أمر قد فات دركه.

قال: لتقولن.

قال:حَزمٌ لو قتلته وحَييتَ أنت.

قال:أو لستُ بحيِّ؟

قال: هيهات،ليس بحيِّ من أوقف نفسه موقفاً لايوثق منه بعهد ولا عقد.

قال: كلام لو تقدم سماعه فعلي لأمسكت.

سأل سليمان بن عبد الملك أبي حازم(سلمة بن دينار وكان أحد علماء وفقهاء المدينة السبعة):مالنا نكره الموت؟قال: لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم الدنيا،فكرهتم أن تنتقلوا من العُمران إلى الخراب.

فقال:فكيف القدوم غداً على الله؟

فقال:أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله،وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه.

ثم سأله:أي القول أعدل؟فقال: قول الحق عند من تخافه أو ترجوه.

قال: فأيّ المؤمنين أكيس؟

قال: رجل عمل بطاعة الله ودّل الناس عليها.

قال: فأيّ المؤمنين أحمق؟

قال: رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره.

وقال ابن السّماك لهارون الرشيد لما سأله عظني وأوجز.فقال:

افعل بعباد الله كما تحب أن يُفعل بك،فإنّ من استعمل الجَور مع الناس استعمل معه الله العدل،ومن استعمل مع الناس العدل استعمل الله معه الفضل،والسعيد من تفضّل الله عليه.

واغتنم ما جاء بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:”اللهم من وَلي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به،اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشقّ عليهم فأشقق عليه”[رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها] ،وما أحسبك إلا ترفق بعباد الله”.

والمناصحة من أهم مايجب ان يتحلى به من حول الخليفة والإمام العادل وخاصة من علماء الحق والمستشارون.

جاءت عمر بن الخطاب رضي الله عنه برودٌ من اليمن،ففرقها على الناس بُرداً برداً،ثم صعد المنبر يخطب وعليه حُلّة منها(أي بردان اثنان) فقال: اسمعوا رحمكم الله.فقام إليه سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال:لانسمع،والله لانسمع.

فقال عمر:ولِمَ يا أبا عبد الله؟

قال سلمان:تَفضّلت علينا برداً برداً،وخرجت تخطب في حُلّة منها؟

قال عمر:أين عبد الله بن عمر؟

فقال عبد الله:هأنذا يا أمير المؤمنين!

قال عمر:لِمن أحدُ هذين البردين اللذين عليّ؟

قال:لي

فقال لسلمان:عَجلت عليّ يا أبا عبد الله،إني كنت غسلت ثوبي الخَلَق فاستعرت ثوب عبد الله.

قال سلمان:أما الآن فقل نسمع ونطع”.

وقال عبد الله بن المقفع في كتابه الأدب الكبير :

“إن ابتليت بالسلطان فتعوذ بالعلماء”.

“إياك إذا كنتَ والياً،أن يكون من شأنك حبّ المدح والتزكية وأن يعرفَ الناس ذلك منك،فتكون ثلمة من الثلم يتقحمون عليك منها،وباباً يفتتحونك منه،وغيبةً يغتابونك بها ويضحكون منك لها.

واعلم أن قابل المدحِ كمادحِ نفسه.والمرء جديرٌ أن يكون حبه المدحَ هو الذي يحله على ردهِ.فإن الرادَ لهُ محمودٌ،والقابل له معيبٌ.

“لتكن حاجتك في الولاية إلى ثلاثة خصالٍ:رضى ربكَ ورضى سلطانٍ إن كان فوقك،ورضى صالحِ من تلي عليه.

“اعرف الفضل في أهل الل\ين والمروءة في كل كورةٍ وقريةٍ وقبيلة.فيكونوا هم إخوانك وأعوانك وأخدانك وأصفياءك وبطانتك وثقاتك وخلطاءك.

“احرص الحرص كله على أن تكون خابراً أمور عمالك،فإن المسيء يفرقُ من خبرتكَ قبل أن تصيبه عقوبتك،وإن المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك.

“ليعرف الناس،في ما يعرفون من أخلاقك،أنك لاتُعاجلُ بالثواب ولا بالعقاب،فإن ذلك أدومُ لخوف الخائف ورجاء الراجي.

“عوّد نفسك الصبر على من خالفكَ من ذوي النصيحة،والتجرع لمرارة قولهم وعذلهم،ولا تسهلن سبيلَ ذلك إلا لأهل العقل والسن والمروءة،لئلا ينتشر من ذلك مايجتريء به سفيهٌ أو بستخفُ به شانيء.

“ليس للملك أن يغضب،لأن القدرة من وراء حاجته.

وليس له أن يكذب،لأنه لايقدرُ أحدٌ على استكراهه على غير مايريد.

وليس له أن يبخل ،لأنه أقلُ الناس عذراً في تخوف الفقر.

وليس له أن يكون حقوداً،لأن خطرهُ قد عظمَ عن مجاراة كل الناس.

وليس له أن يكون حلّافاً،لأن أحق الناس باتقاء الأيمان الملوكُ،فإنما يحملُ الرجلَ على الحلفِ إحدى هذه الخصال:

إما مهانةٌ يجدها في نفسه ،وضرعٌ وحاجةٌ إلى تصديقِ الناس إياه.

وإما عنيٌّ بالكلام،فيجعل الأيمان لهُ حشواً ووصلاً.

وإما تهمةٌ قد عرفها من الناس لحديثه،فهو ينزل نفسه منزلةَ من لا يقبلُ قوله إلى بعد جهد اليمين.

وإما عبثُ بالقولِ وإرسالٌ للسان على غيرِ رويةٍ ولا حسن تقدير،ولا تعويدٍ له قول السداد والتثبت.

3ـ القضاة .

يقول الشيخ العلّامة علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالةالعدد 633):

“إن القضاء أعلى درجة استطاع البشر الارتقاء إليها.ارفعوا القضاء من تاريخ الإنسان يهبط إلى درك البهائم،ويأكل القوي من بني آدم الضعيف،وإن معنى الإنسانية وحقيقتها في الحياة المجتمعة الهادئة الآمنة،التي لا يطغى فيها أحد على أحد،والتي تصان فيها الحوادث والحريات،وتحفظ الدماء والأعراض،ويتحقق فيها التعاون على جلب المصالح ودرء المفاسد،ولا يكون ذلك كله إلا بالقضاء.

والقضاء ـ عند المسلمين ـ أقوى الفرائض بعد الإيمان،وهو عبادة من أشرف العبادات،لأنه إظهار للعدل،وبالعدل قامت السموات والأرض.وصف الله به نفسه إذ قال:{فالله يحكم بينهم}[البقرة 113]و{إنَّ ربّكَ يقضي بينهم بحكمه}[النمل    78]،وأمر به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال:{وأنِ أحكُم بينَهُم بما أنزل اللهَ ولا تتَّبعْ أهواءَهُم}[المائدة 49]،وجعل أنبياءه قضاة بين خلقه:{إنَّا أنزلنا التَّوراةَ فيها هُدىً ونورٌ يَحكُمُ بها النَّبيون}[المائدة 44]،وبه أثبت الله اسم الخلافة لداود عليه السلام حين قال له:{ياداودُ إنّا جعلناكَ خليفةً في الأرضِ فاحكُم بينَ النّاس بالحقِّ ولا تتَّبع الهوى}[ص26].

والقضاء أول ما تعقد عليه أمة خناصرها،إذا عدّدت أمجادها ومفاخرها.وإذا استدل بفرد على سلائق جيل،كان القاضي العالم العادل أظهر دليل على مكارم شعبه ونبل أمته.

ويتابع رحمه الله:

“هذا قضاؤنا،فمن عرف قضاء أشدّ منه استقلالا؟هل نال قاض في أمة من الحرية مثل ما كان لقضائنا؟لم يكن القاضي مُقيداً بمذهب بعينه لا بد له في مخالفته،ولا مربوطاً بقانون بذاته لا يملك الخروج من رقبته،وليس الخليفة عليه في حكمه سلطان،ولا لأمير معه في قضائه كلام،تبدلت على المسلمين دول،واختلفت حكومات،وقام قاسطون ومقسطون،وخيرون وشريرون،والقضاء في حصن حصين،لا تبلغه يد عادل ولا ظالم،ولا يمسّه خليفة حق ولا سلطان جائر…

القاضي واجتهاده،مرجعه كتاب الله وسنة نبيه ،ورقيبه ضميره ودينه،ووازعه إيمانه ويقينه.

ولعمر الحق ما فرط قضاتنا بهذه الأمانة ولا أضاعوها،بل كانوا أمناء عليها،قائمين بحق الله فيها،لا يعرفون في الحق كبيراً ولا صغيراً،يقيمونه على الملوك قبل السوقة،ويأخذون للضعيف الواني من القوي العاتي،لم تكن تنال منهم رغبة ولو جئتهم بكنوز الأرض،ولا تبلغ رهبة ولو لوّحت لهم بالموت منشورا،بل كانوا في الحق كالجبال هيبة وثباتا،وفي إنفاذه كالصواعق مضاء وانقضاضا.

ويتابع رحمه الله:

“هذا شريك قاضي الكوفة حين ادّعت لديه امرأة مجهولة على الأمير الخطير ابن عم الخليفة وثاني رجل في الدولة بعده عيسى بن موسى،فحكم عليه حكماً غيابياً،فامتنع الأمير من إنفاذه وتوسل إليه بكاتبه،فحبس القاضي الكاتب لأنه مشى في حاجة لظالم،فاستعان عليه بجماعة من وجوه العراقيين من إخوان القاضي،فساقهم جميعاً إلى الحبس،فغضب الأمير وبعث من أخرجهم.عند ذلك عصفت نخوة الشرع في رأس القاضي،وأخذته عزة الإيمان فقال:والله ما طلبنا هذا الأمرـ يعني المنصب ـ ولكنهم أكرهونا عليه،وضمنوا لنا فيه الإعزاز إذ تقلدناه لهم ثم ختم قمطره،وجمع سجلاته،واحتمل بأهله،فتوجه نحو بغداد،ووقعت الرجفة في الكوفة حين مشى فيها خبر خروج القاضي،حتى خاف الأمير على سلطانه،فلحق بالقاضي يناشده الله أن يرجع،فقال القاضي:لا والله حتى يرد أولئك إلى الحبس،فما كنت لأحبس أنا وتطلق أنت،فبعث الأمير من يرجعهم إلى الحبس،والقاضي واقف ينتظر حتى جاءه الخبر بأنهم قد أرجعوا،فقال القاضي لغلامه:خذ بلجام دابة الأمير وسقه أمامي إلى مجلس الحكم،إلى المسجد،وهناك أجلسه بين يديه مع المرأة،فلما انتهت المحاكمة وحكم لها عليه،نهض إليه فسلم عليه بالإمارة،وقال له:هل تأمر بشيء؟فضحك الأمير وقال:بماذا أمر؟ وأي شيء بقي؟ قال له شريك:أيها الأمير،ذاك حق الشرع،وهذا حق الأدب.فقام الأمير وهو يقول:من عظم أمر الله،أذل الله له عظماء خلقه.

هذا قضاؤنا،فهل سمعتم عن قضاء أنه بلغ في التسوية بين الخصوم مبلغه؟لقد سووا بينهم في المجلس والخطاب والبشر،واللفتة العارضة،والبسمة البارقة،بله الحكم.وقد بلغ التطبيق في تحقيق هذه التسوية مبلغاً لا غاية وراءه،فاقترن في هذه المسألة العلم بالعمل،وحقق القضاة مادون الفقهاء،فافتحوا أقرب كتاب فقه إليكم تروا ماذا دونوا…

وقف بين يدي المأمون وهو في مجلس المظالم رجل يتظلم منه نفسه،فترادا الكلام ساعة فما اتفقا،قال المأمون:فمن يحكم بيننا؟قال: الحاكم الذي أقمته لرعيتك يحيى بن أكثم،فدعا به المأمون فقال له:اقض بيننا،قال: في حكم وقضية(أي في دعوى)؟قال: نعم،قال القاضي:لا أفعل.فعجب المأمون وقال: لماذا؟قال يحيى:لأن أمير المؤمنين لم يجعل داره مجلس قضاء،فإن كانت له دعوى فليأت مجلس الحكم(أي المحكمة)،قال المأمون:قد جعلت داري مجلساً للقضاء.قال:إذن فإني ابدأ بالعامة ليصح مجلس القضاء(وتكون المحاكمة علنية)قال المأمون:افعل،ففتح الباب،وقعد في ناحية من الدار،وأذن للعامة،ونادى المحضر،وأخذت الرقاع(أوراق الدعوة والإعلان)،ودعي الخصوم على ترتيبهم حتى جاءت النوبة إلى المتظلم من المأمون،فقال له القاضي:ما تقول؟قال: أقول أن تدعو بخصمي أمير المؤمنين المأمون.فنادى المحضر:عبد الله المأمون. فإذا المأمون قد خرج في رداء وقميص وسراويل في نعل رقيق ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على يحيى،ويحيى جالس،فقال للمأمون:اجلس! فطرح الغلام المصلى ليقعد عليه،فمنعه القاضي حتى جاء بمصلى مثله،فبسط للخصم وجلس عليه،ويمكن متابعة بقية القصة وهي طويلة في كتاب المحاسن والمساوىء للبيهقي،وإن المرء ليحار من جرأة الرجل،ومن صلابة القاضي،ومن أخلاق المأمون.

ومن قبله غضب علي رضي الله عنه حين كانت له دعوى مع اليهودي،لأن القاضي ناداه:يا أبا الحسن،ودعا اليهودي باسمه،فرأى في ذلك تعظيماً له وإخلالاً بالمساواة بين الخصوم.

هذا قضاؤنا،فهل أسمعتم أن قضاء أسرع في إحقاق الحق منه،وأبعد عن التعقيد والالتواء والتسويف والتأجيل؟إن الحق اليوم لا يكاد يصل إليه صاحبه حتى تتقطع دونه الأعمار،وما أجدى حق يأتي من دونه المدى الأطول؟

وهل مثل قضاتنا في التنزه عن كل مايقدح بحشمة القاضي ووقاره،وفي التحرز من أدنى التهم،وأضعف الميل؟وهل للقضاة في أمة اليوم مثل ما كان لقضاتنا من رفيع الشأن وعظيم القدر؟

انظروا في كتاب( الخراج) الذي ألفه القاضي الإمام أبو يوسف للرشيد واقرؤوا مقدمته،واذكروا عظمة الرشيد وكبر نفسه وجلال ملكه،وانظروا هل تجدون قاضياً أو عالماً يقول لملك دون الرشيد بمائة مرة مثل هذا الكلام أو قريباً منه:”الله الله،إن البقاء قليل،والخطب خطير،والدنيا هالكة وهالك من فيها،والآخرة هي دار القرار،فلا تلق الله غداً وأنت سالك سبيل المعتدين ،فإن ديان يوم الدين إنما يدين العباد بأعمالهم ولا يدينهم بمنازلهم،وقد حذرك الله فاحذر،فإنك لم تخلق عبثاً،ولن تترك سدى،وإن الله سائلك عما أنت فيه ،وعما عملت به،فأعد يا أمير المؤمنين للمسألة جوابها،فإن  ما عملت قد أثبت فهو عليك غداً يقرأ،فاذكر كشف قناعك فيما بينك وبين الله في مجمع الأشهاد”.

ويتابع الشيخ الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 640):

“ولقد اشترط القانون اليوم فيمن يولى القضاء سناً معينة لا بد من إكمالها وامتحاناً مسلكياً.والشرع لم يشترط إلا البلوغ.ولما قلد المأمون يحيى بن أكثم قضاء البصرة وكان ابن ثماني عشرة  تكلم بعض الناس فيه لحداثة سنه،فكتب إليه المأمون:كم سن القاضي؟فكتب في جوابه:أنا على سن عتاب بن أسيد لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة قاضياً وأميراً.فسكت عنه المأمون وأعجبه.

والامتحان المسلكي معروف عندنا،وقد دعا عمر قاضياً كان في الشام حديث السن فامتحنه بالعلم فقال له:بم تقضي؟قال: أقضي بما في كتاب الله.قال: فإن لم تجد؟قال:بما قضى به رسول الله.قال: فإن لم تجد؟قال: بما قضى به أبو بكر وعمر.قال: فإن لم تجد؟قال:أجتهد رأيي.فقال له عمر:أنت قاضيها.ورده إلى عمله.

وكان الخليفة هو الذي يقلد القضاء،وربما قلده الوزير أو الأمير إذا ولاه الخليفة وصرح به في عهده،لأن القضاء في الأصل من حق الخليفة،وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم واستقضى،وقضى الخلفاء الراشدون من بعده واستقضوا.وفي تاريخنا اسلوب بارع لتقليد القضاء،هو أن يدعو الخليفة أو الأمير مشيخة العلماء وكبار القوم ويأمرهم أن يعرضوا عليه أسماء من يصلح للقضاء،ويذكروا لكل عيوبه ومزاياه،ثم يختار من تجمع عليه الكلمة أو من يظهر فضله على غيره ظهوراً لا خفاء فيه.

وكانت وظيفة القاضي(أي مرتبه) أجزل الوظائف ورزقه اكثر الأرزاق،ففي العهد الذي كان عمر يلبس فيه الثوب المرقع ويقنع بالزيت،وكان علي تجزئه قصعة ثريد،كان مرتب شريح القاضي خمسمائة درهم في الشهر،وكان مرتب ابن حجيرة الأكبر كما ذكره الكندي،ألف دينار في السنة فلا يحول عليه الحول وعنده منها شيء،بل كان ينفقها على أهله وإخوانه وفي وجوه البر.

نظر خلفاء المسلمين بنور الله فدفعوا إلى القضاة المال الوفير،والرزق الكثير،لتعف نفوسهم عن حرامه اكتفاء بحلاله،وذلك ما تفعله أرقى الأمم في زماننا وأقومها سيرة في القضاء.ولقد كانوا على المرتب الكثير،والعطاء الجزل،أولى تقشف وزهد،ينفقون المال يشترون به الجنة ثم يعودون إلى زهادتهم وقناعتهم.

وقديماً نال بعض قضاتنا أذى كبير من أجل إقامة العدل ودحض الظلم والصدع بالحق،ولكنهم صبروا فأعزّهم الله بصبرهم وأظهرهم وأعلى أمرهم.هذا الحارث بن مسكين قاضي مصر يحمل إلى المأمون أيام المحنة،محنة الدين والخلق التي جربت فيها صلابة الرجال،وقوة العزائم ففاز في هذا الامتحان أقوام وخسر أقوام.

وكان إمام الفائزين أحمد بن حنبل ـ فيظل الحارث على ما يرى أنه الحق ـ ما لانت له عزيمة ولا وهت له قوة.وهذا عمر بن حبيب القاضي لا يسعه أن يسمع الطعن على أبي هريرة ويسكت فيحتسب دمه عند الله ويرد رأي الخليفة العظيم الذي قال للغمامة أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك:هارون الذي أباد البرامكة في ساعة وكانوا أعزّة الأرض وكرام الناس،يرد عليه فيغضب ويعرضه على السيف والنطع،فيغلب حقه وثباته عليه،بطشة الرشيد البطاش،فيلين ويعفو ويكافيء ويشكر.

أو سمعتم قصة سلطان العلماء العز بن عبد السلام القاضي،أحد أفذاذ البشر علماً وحزماً وإيماناً ومضاءً،لما صح عنده أن المماليك لم يفارقهم الرق وهم حق لبيت المال،والمماليك يومئذ هم الملوك!هم أصحاب الدولة والسلطان،فنادى ببيعهم فقاموا عليه قومة رجل واحد،وقام معهم كل متزلف من الناس لذوي الإمارة،وهددوه وسعى ساعيهم بالسيف إلى باب داره،فنزل إليه فأطفأ بهيبة إيمانه شعلة غضبه ،وفل بعزيمته حد سيفه.وبقي على موقفه منهم حتى باعهم في سوق العبيد وقبض أثمانهم.

ويتابع الشيخ الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد643):

“القضاء مركب وعر،ومسلك خطر،وكيف لعمري يستطيع بشر،لا يعرف من الأمور إلا ظواهرها،قد خفيت عنه البواطن،وحجبت الأسرار…كيف يستطيع أن يقيم حقيقة العدل،ويصيب كبد الحق،ويقوم مقام الرسل والأنبياء،والرسل يتصلون بالسماء بالوحي،ويسلمون من المعصية بالعصمة،وهم مع ذلك لم يؤتوا علم الغيب،وإمام الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم يقول:“إنّما أنا بشرٌ ،وإنكم تختصمون إليّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحُجته من بعض،فاقضي له بنحو ما أسمع،فمن قضيت له بحقِّ أخيه فإنّما أقطعُ له قطعة من النار”[متفق عليه عن أم سلمة رضي الله عنها]وكيف يهدأ له بال ،ويقر له قرار،ويلتذ بمطعم أو مشرب،ويطرب ويلعب،وهو يحمل أثقل عبء حمله إنسان:يريد أن يحقق العدل الإلهي بالوسائل البشرية،ويقول كلمته هو،فيسميها كلمة الشرع،ويصفها بأنها حكم الله؟

لذلك فزع الصالحون من القضاء،وفروا منه فرارا،ورضوا بالسجن ولم يرتضوه،وصبروا على الضرب ولم يقبلوه.عرض على أبي حنيفة ثلاثاً،وهو الإمام الأعظم،فأباه ،فضرب على إبائه تسعين سوطاً وظل على الإباء.وقلد سفيان الثوري القضاء،وشرطوا له ألا يعارض فيه ،فألقى عهده في دجلة واختفى.وطلب ابن وهب ليولي قضاء مصر،فجمع إخوانه وأهله فشاورهم فقالوا:اقبله فلعل الله يحي الحق على يديك! فقال:أكلة في بطونكم،أردتم أن تأكلوا ديني؟! ثم اختفى وجعل الوالي يطلبه فلا يقدر عليه،فلما عجز عنه هدم بعض داره.وكان في اختفائه يقول:يارب،يقدم عليك إخواني غدا علماء حلماء فقهاء،وأقدم قاضياً؟ لا يارب،ولو قرضت بالمقاريض!ّ

ولم يكن الولاة يفعلون ذلك تشفياً وانتقاماً ممن أبى الولاية،بل رغبة منهم في صلاح الأمة بتولية خيارها قضاءها.ومن قبل هؤلاء فر إياس من القضاء،فلما تعذر عليه الفرار ووقع ،نهض به نهضة جعلته علماً فيه شامخاً،وجبلاً باذخاً،وجعلت المثل يضرب به في إصابة قضائه وحدّة ذكائه ،فيقول القائل:إياس،ويكتفي.

خوفهم من القضاء أنه محنة لا يدرون ما مغبتها،وبلاء لا يعرفون ما عاقبته،أيفلحون فيه أم يخرجون منه وقد حبطت أعمالهم،وزاد خوفهم منه ما ورد في أهله من الوعيد،وأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه صاحبه بالمذبوح بغير سكين،وأنه جعل القضاة ثلاثة:قاضياً في الجنة وقاضيين في النار.

نظر هؤلاء بعين الورع،ونظر غيرهم بمنظار الشريعة،فرأوه كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:فريضة محكمة،وسنة متبعة،وعبادة من أفضل العبادات،وطاعة من أجلّ الطاعات،فرغبوا فيه،وتقربوا إلى الله به،قال مسروق الإمام التابعي الثقة:لأن أقضي يوماً بالحق أحبّ إلي من أن أرابط سنة في سبيل الله.واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:“عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة”[ضعفه الألباني].وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لا حسد(أي لا غبطة) إلا في اثنتين:رجلٌ آتاه الله مالا فَسُلط على هلكته في الحق، ،ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها”[رواه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه].

وقال مكحول فقيه الشام في عصره:لأن أكون قاضياً أحبّ إلي من أكون خازناً.قال السرخسي:لأن الخازن يحفظ على المسلمين مالهم،والقاضي يحفظ عليهم دينهم.وفسر علي رضي الله عنه والعلماء من بعده حديث قاضيي النار أنهما:قاض علم علماً فقضى بخلافه،وقاض جاهل يقضي بغير علم.

وليس كل طالب للقضاء يولاه ،وما عمل من أعمال الدولة إلا لتوليه شروط،ولأهله صفات ،باجتماعها تكون التولية،وبانتفائها يكون الرد”.

ومن الأمثلة الأخرى على القضاء العادل وموقف الحق من القضاة تجاه الحكام والخلفاء نذكر أيضاً الأمثلة التالية:

ـ جاء في كتاب تاريخ بغداد:”عن عبد الله الإسكافي قال:حضرت مجلس المهتدي وقد جلس للمظالم،فادّعى رجل على ابن المهتدي،فأمر بإحضاره،فأُحضر.وأقامه إلى جنب الرجل فسأله عمّا ادعاه عليه ،فأقرّ به،فأمره بالخروج له من حقه.فكتب له بذلك كتاباً،فلما فرغ قال له الرجل:والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قال الشاعر:

حكّمتموهُ فقضى بينكم            أبلجُ مثلُ القمر الزّاهرِ

لا يقبل الرِّشوةَ في حُكمهِ           ولا يُبالي غَبْنَ الخاسرِ

فقال له المهتدي:أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك،وأما أنا فماجلست هذا المجلس حتى قرأت في المصحف:{ونَضَعُ المَوازينَ القِسطَ ليومِ القيامةِ فلا تُظلم نفسٌ شيئاً وإن كانَ مِثقالَ حبّةٍ من خَردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين}[الأنبياء 47].

قال:فما رأيت باكياً أكثر من ذلك اليوم”.

وجاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي:كتب المنصور إلى سِوار بن عبد الله قاضي البصرة:انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر،فادفعها إلى القائد.فكتب إليه سوار:إن البيّنة قد قامت عندي أنها للتاجر،فلست أخرجها من يده إلا ببينة.فكتب إليه المنصور:والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنّها إلى القائد.فرد عليه:والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجتُها من يد التاجر إلا بحق!

فلما جاء الكتاب قال المنصور:ملأتها والله عدلاً،وصار قضاتي يردونني إلى الحق”.

ويقول الأستاذ المؤرخ رفيق بك العظم رحمه الله(مجلة المنار العدد443):

“إن ولاية القضاء تتلو الوزارة في الأهمية،ولها في الشريعة الإسلامية شروط وأحكام،يمكن الرجوع إليها في كتب الفقه والتشريع.

وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه،وقلد القضاء لعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم.وكان الخلفاء  الراشدون يجلسون للقضاء بأنفسهم ويستنيبون أحياناً من عرف بالعلم والنزاهة وتحققت فيه الأهلية والكفاءة،وكذا من جاء بعدهم من الخلفاء الأمويين وبعض الخلفاء العباسيين.

ولعل من أجمل الرسائل في القضاء والقضاة رسالة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي:

بسم الله الرحمن الرحيم.

من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس(أبو موسى الأشعري).سلام عليك.

أما بعد:فإن القضاء فريضة مُحكمة وسنة متبعة.فافهم إذا أدلي إليك،فإنه لاينفع تكلّم بحق لانفاذ له.

آسِ بين الناس في مجلسك ووجهك،حتى لا يطمع شريفٌ في حيفك،ولا ييأس ضعيفٌ من عدلك.

البينة على من ادّعى،واليمين على من أنكر.

والصلح جائز بين الناس،إلا صلحاً أحلَّ حراماً،أو حرّمَ حلالاً.

ولا يمنعنّك قضاءٌ قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحقّ فإنّ الحقّ لايبطله شيء،واعلم أن مراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.

الفهمَ الفهمَ فيما يَتلجلجُ في صدرك مما ليس فيه قرآنٌ ولا سنّة.واعرف الأشباه والأمثال،ثم قِس الأمور بعد ذلك،ثم اعمد لأحبّها إلى الله وأشبهها بالحقّ فيما ترى.

اجعل لمن ادّعى حقاً غائباً أمداً ينتهي إليه،فإن أحضر بينة أخذ بحقه،وإلا استحللت عليه القضاء.

والمسلمون عدولٌ في الشهادة إلا مجلوداً في حد،أو مجرّباً عليه شهادة زور،أو ظنيناً في ولاء أو قرابة.

إن الله تولى منكم السر ودرأ عنكم بالبينات.

وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم في مواطن الحقّ التي يوجب الله بها الأجر ويحسن الذخر،فإنه من صلحت سريرته فيما بينه وبين الله،أصلح الله مابينه وبين الناس،ومن تزّين للدنيا بغير ما يعلم الله منه شانهُ الله،فإن الله لايقبل من عباده إلا ماكان خالصاً.فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟والسلام”.

ومن رسائله أيضاً في القضاء رضي الله عنه.أما بعد:

فإنني كتبت كتاباً في القضاء لم آلك ونفسي فيه خيراً.

الزم خمس خصال،يسلم لك دينك وتأخذ فيه بأفضل حظك:

إذا تقدّم إليك الخصمان فعليك بالبينة العادلة واليمين القاطعة.

وأدنِ الضعيف حتى يشتد قلبه وينبسط لسانه.

وتعاهدِ الغريب فإنك إن لم تعاهده ترك حقه ورجع إلى أهله،فربما ضيّع حقه من لم يرفع به رأسه.

وعليك بالصلح بين الناس،مالم يستبن لك فصل القضاء”.

وكتب القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري صاحب الإمام أبي حنيفة وصاحب كتاب الخراج إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد:

“يا أمير المؤمنين،إن الله وله الحمد قد قلّدك أمراً عظيماً،ثوابه أعظم الثواب،وعقابه أشد العقاب،قلدّك أمر هذه الأمة فأصبحتَ وأمست وأنت تبني لخلق كثير قد استرعاكهم الله،وائتمنك عليهم ،وابتلاك بهم،وولّاك أمرهم،وليس يلبث البنيان إذا أُسس على غير التقوى أن يأتيه الله من القواعد فيهدمه على من بناه وأعان عليه.فلا تضيعنَّ ماقلدك الله من أمر هذه الأمة والرعيّة،فإن القوة في العمل بإذن الله.

لا تؤخّر عمل اليوم إلى غدٍ،فأنك إذا فعلت ذلك أضعت.إن الأجل دون الأمل،فبادر الأجل بالعمل،فإنه لا عمل بعد الأجل.

إن الرعاة مؤدّون إلى ربهم مايؤدي الراعي إلى ربه.فأقم الحقّ فيما ولّاك الله وقلّدك ولو ساعة من النهار،فإن أسعد الرعاة عند الله يوم القيامة راعٍ سعدت به رعيته.

ولا تزغ فتزيغ رعيتك.وإياك والأمر بالهوى والأخذ بالغضب،وإذا نظرت إلى أمرين أحدهما للآخرة والآخر للدنيا،فاختر أمر الآخرة على أمر الدنيا،فإن الآخرة تبقى والدنيا تفنى.

وكم من خشية الله على حذر،واجعل الناس عندك في أمر الله سواء القريب والبعيد،ولا تخف في الله لومة لائم.

واحذر فإن الحذر بالقلب وليس باللسان،واتقِّ الله فإنما التقوى بالتوّقي،ومن يثق بالله يقه.

واعمل لأجل مفضوض،وسبيل مسلوك،وطريق مأخوذ،وعمل محفوظ،ومنهل مورود.فإن ذلك المورد الحق والموقف الأعظم الذي تطير فيه القلوب،وتنقطع فيه الحجج،لعزة ملك قهرهم جبروته،والخلق له داخرون بين يديه ينتظرون قضاءه،ويخافون عقوبته،وكأن ذلك قد كان فكفى بالحسرة والندامة يومئذ في ذلك الموقف العظيم لمن علم ولم يعمل،يومٌ تزل فيه الاقدام،وتتغير فيه الالوان،ويطول فيه القيام ،ويشتدّ فيه الحساب.يقول الله تبارك وتعالى:{وإنَّ يوماً عندَ رَبّكَ كألفِ سَنةٍ ممّا تَعدون}[الحج 47].وقال تعالى:{هذا يومُ الفصلِ جمعناكم والأولين}[المرسلات 38]،وقال تعالى:{إنَّ يومَ الفصلِ ميقاتُهُم أجمعين}[الدخان 40]،وقال تعالى:{كأنّهم يومَ يرونها لم يلبثوا إلّا عشيَّةً أو ضُحاها}[النازعات 46].

فيالها من عثرة لا تُقال،ويالها من ندامةٍ لاتنفع.إنما هو اختلاف الليل والنهار،يبليان كلِّ جديد،ويقربان كل بعيد،ويأتيان بكل موعود،ويجزي الله كل نفس بما كسبت،إن الله سريع الحساب.

فالله الله،فإن البقاء قليل،والخطب خطير،والدنيا هالكة وهالكٌ من فيها،والآخرة هي دار القرار.

فلا تلقَ الله غداً وأنت سالكٌ سبيل المعتدين ،فإن ديّان يوم الدين إنما يدين العباد بأعمالهم ولا يدينهم بمنازلهم.وقد حذّرك الله فاحذر،فإنك لم تُخلق عبثاً،ولن تترك سدى.وإن الله سائلك عما أنت فيه وعما عملت به ،فانظر ما الجواب،واعلم أنه لن تزول غداً قدما عبد بين يدي الله تبارك وتعالى إلا من بعد المسألة،فقد قال صلى الله عليه وسلم:”لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسال عن أربع:عن علمه ماعمل فيه،وعن عمره فيم أفناه،وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه،وعن جسده فيما أبلاه“[أخرجه الترمذي وصححه الألباني].

فأعدد يا أمير المؤمنين للمسألة جوابها،فإن ما عملتَ فأثبت فهو عليك غداً يُقرأ،فاذكر كشف قناعك فيما بينك وبين الله في مجمع الأشهاد.وإني أوصيك يا أمير المؤمنين بحفظ ما استحفظك الله ورعاية ما استرعاك الله،وأن لاتنظر في ذلك إلا إليه وله،فإنك إن لاتفعل تتوعر عليك سهولة الهدى،وتعمى في عينك وتتعفى رسومه،ويضيق عليك رحبه،وتُنكر منه ماتعرف،وتعرف منه ماتنكر.

فخاصم نفسك خصومة من يريد الفلج لها لا عليها،فإن الراعي المضيّع يضمن ماهلك على يديه مما لو شاء رده عن أماكن الهلكة بإذن الله،وأورده أماكن الحياة والنجاة،فإذا ترك ذلك أضاعه،وإن تشاغل بغيره كانت الهلكة عليه أسرع،وبه أضرّ،وإذا أصلح كان أسعد من هنالك بذلك،ووفاه الله أضعاف ماوفى له،فاحذر أن تضيع رعيتك،فيستوفي ربُّها حقها منك ويضيعك بما أضعت أجرك،وإنما يُدعم البنيان قبل أن ينهدم،وإنما لك من عملك ماعملت فيمن ولاك الله أمره وعليك ماضيّعت منه،فلا تنس القيام بأمر من ولّاك الله أمره،فلست تُنسى،ولاتغفل عنهم وعما يُصلحهم،فليس يُغفل عنك،ولا يُضيع حظك من هذه الدنيا في هذه الأيام والليالي كثرة تحريك لسانك في نفسك بذكر الله تسبيحاً وتهليلاً وتحميداً،والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة وإمام الهدى صلى الله عليه وسلم.

وإن الله بمنّه ورحمته وعفوه جعل ولاة الأمر خلفاء في أرضه،وجعل لهم نوراً يضيء للرعية ما أظلم عليهم من الأمور فيما بينهم،وبين ما اشتبه من الحقوق عليهم،وإضاءةُ نور ولاة الأمر إقامة الحدود،وردّ الحقوق إلى أهلها،بالتثبت والأمر البيّن،وإحياء السنن التي سنّها القوم الصالحون أعظم موقعاً،فإن إحياء السنن من الخير الذي يحيا ولايموت،وجَور الراعي هلاك للرعية،واستعانته بغير أهل الثقة والخير هلاك للعامة،فاستّتم ما آتاك الله يا أمير المؤمنين من النعم بحسن مجاورتها،والتمس الزيادة فيها بالشكر عليها،فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز:{لئن شكرتُم لأزيدَنّكم ولئن كفرتُم إنَّ عذابي لشديد}[إبراهيم 7]،وليس شيء أحبَّ إلى الله من الإصلاح،ولا أبغض إليه من الفساد،والعمل بالمعاصي كفر النعم،وقلَّ من كفر من قوم قطُّ النعمة ثم لم يفزعوا إلى التوبة إلا سُلبوا عزهم وسلط الله عليهم عدوّهم،وإني أسأل الله يا أمير المؤمنين الذي منَّ عليك بمعونته فيما أولاك،أن لا يكلك في شيء من أمرك إلى نفسك،وأن يتولى منك ماتولى من أوليائه وأحبّائه،فإنه ولي ذلك والمرغوب إليه فيه(أحد أعداد مجلة الحديقة لصاحبها الأستاذ محي الدين الخطيب).

ومن القضاة الذين كانوا معروفين بالتزام الحق والدفاع عنه القاضي منذر بن سعيد الذي ولي القضاء في الأندلس في عهد الناصر لدين الله،فقد كان هذا القاضي من ذوي الصلابة في أحكامه والمهابة في أقضيته،وقوة القلب في القيام بالحق في جميع مايجري على يديه،لايهاب في ذلك الأمير الأعظم فمن دونه.( يمكن الرجوع إلى بعض مواقفه في موضوع علماء الحق في الموقع)

في رحلة ابن جبير:حضر صلاح الدين أحد رجاله المتميزين مستعدياً على رجل.فقال السلطان:ما عسى أن اصنع لك وللناس قاض يحكم بينهم والحق الشرعي مبسوط للخاصة والعامة،وأوامره ونواهيه ممتثلة،وإنما أنا عبد الشرع وشِحنته،فالحق يقضي لك أو عليك.

4ـ أمراء الجيش والحرب.

يقول الأستاذ المؤرخ رفيق العظم (نفس المرجع السابق):|

“قد استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإمارة كثيرين،وخاصة في سراياه التي كان يبعث بها لقتال المشركين،وأولها في السنة الأولى من الهجرة حيث كانت سرية عبد الله بن جحش،وكذلك عين مولاه أسامة بن زيد في إمارة الجيش الذي سيره إلى الشام وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مسير الجيش،فسيره بعده أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

(سوف يتم التفصيل في الموضوع في مقال مقومات النصر إن شاء الله)

5 ـ العمال والموظفون

يقول الشيخ العلّامة محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص52):

“من معاني الأمانة وضع كل شيء في المكان الجدير به،واللائق له، فلا يسند منصب إلا لصاحبه الحقيق به،ولاتملأ وظيفة إلا بالرجل الذي ترفعه كفايته إليها.

واعتبار الولايات والأعمال العامة أمانات مسئولة ثابت من وجوه كثيرة:

عن أبي ذرٍ الغفاري رضي الله عنه قال: قلت يارسول الله ألا تستعملني؟فضرب بيده على منكبي، ثم قال:”يا أبا ذر، إنكَ ضعيف،وإنها أمانة. وإنها يوم القيامة خزي وندامة،إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها“[رواه مسلم].

إن الكفاية العلمية أو العملية ليست لازمة لصلاح النفس،فقد يكون الرجل رضي السيرة،حسن الإيمان ولكنه لايحمل المؤهلات المنشودة مايجعله منتجاً في وظيفة معينة.

ألا ترى إلى يوسف الصديق.إنه لم يرشح نفسه لإدارة شئون المال بنبوته وتقواه فحسب،بل بحفظه وعلمه أيضاً{اجعلني على خزائنِ الأرضِ إنّي حفيظٌ عليم}[يوسف 55].وأبو ذر لما طلب الولاية لم يره الرسول صلى الله عليه وسلم جَلداً لها فحذره منها.

والأمارة تقضي بأن تصطفى للأعمال أحسن الناس قياماً بها،فإذا ملنا عنه إلى غيره ـ لهوى أو رشوة أو قرابة ـ فقد ارتكبنا بتنحية القادر وتولية العاجز خيانة فادحة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من استعمل رجلاً على عصابةٍ  وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه،فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين“[رواه الحاكم والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما].

وعن يزيد بن أبي سفيان قال:قال لي أبو بكر الصديق حين بعثني إلى الشام:يا يزيد،إن لك قرابة عَسيتَ أن تؤثرهم بالأمارة،وذلك أكثر ما أخاف عليك بعد ماقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من ولى من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة له لايقبل الله منه صرفاً ولاعدلاً،ومن أعطى أحداً من مال الله شيئاً فحاباه فعليه لعنة الله”أو قال:”برأت منه ذمة الله “[رواه الحاكم].

والأمة التي لا أمانة فيها،هي الأمة التي تعبث فيها الشفاعات بالمصالح المقررة،وتطيش بأقدار الرجال الأكفاء،لتهملهم وتقدم من دونهم.وقد أرشدت السنة إلى أن هذا من مظاهر الفساد،الذي سوف يقع آخر الزمان.

جاء رجل يسأل رسول الله: متى تقوم الساعة؟فقال له:إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة!فقال: وكيف إضاعتها؟قال:إذا وُسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة”[رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].

ومن معاني الأمانة أن يحرص المرء على أداء واجبه كاملاً في العمل الذي يناط به،وأن يستنفد جهده فيه لإبلاغه تمام الإحسان.

أجل إنها لأمانة يمجدها الإسلام:أن يخلص الرجل لشغله وأن يعنى بإجادته،وأن يسهر على حقوق الناس التي وضعت في يديه،فإن استهانة الفرد بما كلف به  ـ وإن كان تافهاً ـ تستتبع شيوع التفريط في حياة الجماعة كلها،ثم استشراء الفساد في كيان الأمة .

وخيانة هذه الواجبات تتفاوت إثماً ونُكراً،وأشدها شناعة،ما أصاب الدين وجمهور المسلمين،وتعرضت البلاد لأذاه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة،فيقال:هذه غدرة فلان ابن فلان”[متفق عليه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]

وفي رواية:”لكل غادر لواء عند أسته يوم القيامة، وفي رواية:لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره،ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة“[رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري].

أي ليس أعظم خيانة ولا أسوا عاقبة من رجل تولى أمور الناس فنام عنها حتى أضاعها.

ويتابع الشيخ الغزالي رحمه الله:”ومن الأمانة ألا يستغل الرجل منصبه الذي عين فيه،لجرّ منفعة إلى شخصه أو قرابته،فإن التشبع من المال العام جريمة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً،فما أخذ بعد ذلك فهو غلول”[رواه أبو داود عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه]،لأنه اختلاس من مال الجماعة الذي ينفق في حقوق الضعفاء والفقراء،ويرصد للمصالح الكبرى:{ومن يَغْلُلْ يأتِ بما غَلَّ يومَ القيامة ثمَّ تُوفّى كلُّ نفسٍ ماكسبتْ وهم لا يُظلمون}[آل عمران 161].

أما الذي يلتزم حدود الله في وظيفته،ويأنف من خيانة الواجب الذي طُوِّقه فهو عند الله من المجاهدين لنصرة دينه وإعلاء كلمته.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”العامل إذا استُعملَ فأخذ الحق،وأعطى الحق لم يزل كالمجاهد في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته”[رواه الطبراني عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وقال الذهبي ضعفه الدارقطني].

وقد شدّد الإسلام في ضرورة التعفف عن استغلال النفوذ،وشدّد في رفض المكاسب المشوبة.

عن عدي بن عميرة قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوق كان غلولاً يأتي به يوم القيامة،فقام إليه رجل أسود من الأنصار ـ كأني أنظر إليه ـ فقال يارسول الله،اقبل عني عملك!قال:ومالك؟قال:سمعتك تقول كذا وكذا.قال:وأنا أقوله الآن:من استعملناه على عمل فليجيء بقليله وكثيره.فما أوتي منه أخذ ومانهى انتهى”[رواه مسلم].

وحدث أن استعمل النبي رجلاً من الأزد يقال له:ابن اللُّتبيّة،على الصدقة،فلما قدم ـ بها ـ قال:هذا لكم،وهذا إلي! قال راوي الحديث:فقام رسول الله فحمد الله وأثنى عليه،ثم قال:”أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا لكم ،وهذا هدية أهديت إلي.أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً.والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة!فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء،أو بقرة لها خوار،أو شاة تيعر.ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يقول اللهم هل بلغت”[رواه مسلم].انتهى كلام الشيخ الغزالي رحمه الله.

وفي الحديث الشريف :رُوى  عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”يا عبد الرحمن لاتسأل الإمارة،فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها”[رواه الشيخان عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه]

عمر الفاروق رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري:”أما بعد: فإن للناس نفرةً من سلطانهم،فأعوذ بالله أن تدركني وإياك عمياء مجهولة وضغائن محمولة.فأقم الحدود ولو ساعة من نهار.

وإذا عرض لك أمران:أحدهما لله،والآخر للدنيا،فآثر نصيبك من الله،فإن الدنيا تنفد،والآخرة تبقى”

“وأخف الفسّاق،واجعلهم يدا يدا ورجلا رجلا.

وعُد مرضى المسلمين،واشهد جنائزهم،وافتح لهم بابك،وباشر أمورهم بنفسك،فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملا”

“وقد بلغني أنه قد فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها،فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة مرّت بوادٍ خصيب،فلم يكن لها همٌّ إلا السِّمن،وإنما حتفها في السّمن،واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته،وأشقى الناس من شقي الناس به والسلام”.

ومن رسائل الفاروق أيضاً:”أما بعد:فإن الله جلّ وعلا أنزل في كلِّ شيء رخصةً في بعض الحالات إلا في أمرين:العدل في السيرة،والذكر.

فأما الذكر،فلا رخصة فيه في قريب ولابعيد،ولا في شدّة ولا في رخاء.

والعدل وإن رُئي ليّنا فهو أقوى وأطفأ للجور،وأقمع للباطل من الجور.وإن رُئي شديداً فهو أنكش للكفر.فمن تمّ على عهده من أهل السواد ولم يُعن عليكم بشيء،فلهدم الذمة وعليهم الجزية.وأما من ادّعى أنه استكره فمن لم يخالفهم إليكم أو يذهب في الأرض،فلا تصدقوهم بما ادعوا من ذلك إلا أن تشاؤوا،وإن لم تشاؤوا فانبذ إليهم وأبلغوهم مأمنهم”.

وقال عمر الفاروق رضي الله عنه يوماً لمن حوله:”أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل،أكنت قضيت مالا عليّ؟قالوا:نعم.قال:لا حتى أنظر في عمله أعمِل بما أمرته أم لا”.

وقال الفاروق رضي الله عنه مخاطباً الولاة:”إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجاراً”.

عمر بن الخطاب للرعية:”وإني لم أبعث إليكم الولاة ليضربوا أبشاركم،ويأخذوا أموالكم ولكن ليعلموكم ويخدموكم.

ومرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببنيان يُبنى بآجر وجَصّ،فقال لمن هذا؟قيل لعاملك على البحرين،فقال:أبتِ الدراهم إلا أن تُخرج أعناقها.فأرسل إليه فشاطره المال.وكان يقول:لي على كل خائن أمينان:الماء والطين.

وكتب الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه لمالك بن الحارث الملقب الأشتر النَّخعي بعد أن ولاه مصر:

“ثم اللهَ اللهَ في الطبقة السُّفلى من الذين لاحيلة لهم،من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزَمنى (المرضى لاشفاء لهم)فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً،فاحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم،واجعل لهم قِسماً من بيت مالك،وقِسماً من غلّات صوافي الإسلام في كل بلد،فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى،وكلٌّ قد استرعيتَ حقه،ولا يشغلنّك عنهم بَطرٌ،فإنك لا تُعذر بتضييع التافه،لا حكامك الكثيرَ المُهّمَّ،فلا تُشخص همّك عنهم،ولا تُصّعر خدك لهم،وتفقد أمور من لايصل إليك منهم ممن تَقتحمه العيون،وتَحقره الرجال،فَفرِّغ لأولئك ثقتك من أهل الخَشية والتواضع،فليرجع إليك أمورهم ،ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه،فإن هؤلاء من بين الرعية أحوجُ من غيرهم إلى الإنصاف،وكلٌّ فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه.وتعّهد أهل اليُتم،وذوي الرِّقة في السن،ممن لاحيلة له،ولا يَنصِب للمسألة نفسه،وذلك على الولاة ثقيل،وقد يخفّفه الله على الأقوام طلبوا العافية فصَبروا أنفسهم،ووثِقوا بصدق موعود الله لهم”.

علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن عماله:”اللهم إنك تعلم أني لم آمرهم بظلم خلقك،ولابترك حقّك”.

عُمير بن سور لما وُليّ حمص من قبل عمر الفاروق رضي الله عنه قال:

“أيها الناس،إنّ الإسلام حصنٌ منيع وبابٌ وثيق،وحصنُ الإسلام العدل وبابه الحق.فإذا دُكَّ الحصنُ وحُطّمَ الباب استبيحَ حمى هذا الدين.وإن الإسلام مايزال منيعاً ما اشتدَّ السلطان،وليست شِدّةُ السلطان ضرباً بالسوط ولاقتلاً بالسيف ولكن قضاءً بالعدل وأخذاً بالحق”.

كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عامله على البصرة يقول:أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أن عندك عمالاً قد ظهرت خيانتهم ،اختلسوا مالاً،وتسألني أن آذن لك في تعذيبهم.فإذا جاءك كتابي هذا،فإن قامت عليهم البينة فخذهم بذلك،وإلا فأحلفهم عقب صلاة العصر بالذي لا إله إلا هو ما اختانوا من مال المسلمين شيئاً،فإن حلفوا،فخلِّ سبيلهم،ولعمري لأن يلقوا الله بخيانتهم أحبّ إلي من ألقى الله بدمائهم والسلام”.

وقال عمر بن عبد العزيز لعدي بن أرطأة:أما بعد،فإن أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق عليك ،واعلم أن مالك عند الله مثلُ ماللرعيّة عندك”.

وقال مخاطباً إياه أيضاً:”غرّني منك مجالستك القراء،وعمامتُك السوداء،فلما بلوناك وجدناك على خلاف ما أملّناك،قاتلكم الله،أما تمشون بين القبور”.

وقال عمر بن عبد العزيز لأحد عماله بعد أن استأذنه في بناء مدينة:”حَصّن مدينتك بالعدل،ونقِّ طريقها من الظلم”.[العقد الفريد ج7 ص214]

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى أحد عماله وهو الضحاك بن عبد الرحمن:

“أما بعد!فإن الله جعل الإسلام الذي رضي به لنفسه ومن كرم عليه من خلقه لايقبل الله ديناً غيره،كرّمه بما أنزل من كتابه الذي فرّق بين الإسلام وبين ماسواه فقال:{قد جاءَكُم من الله نورٌ وكتابٌ مُبينٌ* يهدي به اللهُ من اتّبعَ رِضوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخرجُهُم من الظُّلماتِ إلى النُّورِ بإذنِهِ ويهديهِمْ إلى صراطٍ مستقيمٍ}[المائدة 15 ـ 16]وقال:{وبالحَقِّ أنزلناهُ وبالحقِّ نَزَلَ وما أرسلناكَ إلّا مُبَشِّراً ونذيراً}[الإسراء 105]فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حين بعثه،وأنزل عليه الكتاب حين أنزله وأنتم يا معشر العرب فيما قد علمتم من الضلالة والجهالة والجهد وضنك العيش وتفرّق الدار،والفتن بينكم عامة،والناس لكم حاقدون مستأثرون عليكم بالدين،وليس من ضلالتهم من شيء إلا وأنتم على مثله،من عاش منكم عاش فيما ذكرت من الجهل والضلالة،ومن مات منكم إلى النار،حتى أخذ الله بنواصيكم عما كنتم فيه من عبادة الأوثان والتقاطع والتدابر،وسوء ذات البين،فأنكر منكركم،وكذب مكذبكم،ونبي الله عليه السلام يدعو إلى الله وإلى الإسلام،ثم أسلم معه قليل مستضعفون في الأرض ،يخافون أن يتخطفكم الناس فآواهم وأيدهم بنصره،والله منجز لرسوله موعوده الذي ليس له خلف،فيراه من يراه بعيداً إلا قليلاً من المؤمنين فقال:{هُوَ الذي أرسلَ رسولَهُ بالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّهِ ولو كَرِهَ المُشركونَ}[التوبة 33]وقال في بعض مايعده المسلمين أن قال:{وَعَدَ اللهُ الذين آمنوا مِنكُمْ وعَملوا الصَّالحاتِ لَيستخلفنَّهُمْ في الأرضِ كَما استخلفَ الذينَ من قَبلهمْ ولَيُمَكَّننَّ لهُمْ دينُهُمْ الذي ارتضى لَهُمْ ولَيُبدِّلَنَّهُمْ من بعدِ خَوفِهمْ أمناً يَعبُدُونَني لا يشركون بي شيئاً}.[النور55]

فأنجز الله نبيه عليه السلام وأهل الإسلام موعودهم الذي وعدهم فلم يعطكم يا أهل الإسلام ما أعطاكم من ذلك إلا بهذا الذي تفلجون به على خصمكم،وبه تقومون شهداء يوم القيامة ليس لكم نجاة غيره.ولاحجة ولا حرز ولا منعة في الدنيا والآخرة،فإذا أعطاكم الله منه أحسن يوم وعدتموه فارجوا ثواب الله فيما بعد الموت فإن الله تعالى يقول:{ تلكَ الدَّارُ الآخرةُ نجعَلُها للذين لايُريدونَ عُلُوَّاً في الأرضِ ولا فَساداً والعاقبةُ للمُتَّقينَ}[القصص 83]،وإني أحذركم هذا القرآن وتباعته،فإن تباعته وشروطه قد أصابكم منها أيتها الأمة وقائع من هراقة دم وخراب ديار وتفرق جماعات فانظروا ما زجركم الله عنه في كتابه فازدجروا عنه،فإن أحقّ ما خيف وعيد الله بقول أو بعمل أو غير ذلك فإن كان يقول في أمر الله فنعما له،وإن كان يقول في غير ذلك فإنما يفضي إلى سبيل هلكته.ثم إن ما هاجني على كتابي هذا أمر ذكر لي عن رجال من أهل البادية،ورجال أمروا حديثاً،ظاهر جفاؤهم،قليل عملهم بأمر الله،اغتروا فيه بالله غرة عظيمة،ونسوا فيه بلاءه نسياناً عظيماً، وغيروا فيه نعمه تغييراً لم يكن يصلح لهم أن يبلغوه،وذكر لي أن رجالاً من أولئك يتحاربون إلى مضر وإلى اليمن يزعمون أنهم ولاية على سواهم،وسبحان الله وبحمده ما أبعدهم من شكر نعمة الله،وأقربهم من كل مهلكة ومذلة وصغر،قاتلهم الله أية منزلة نزلوا،ومن أي أمان خرجوا وبأي أمر لصقوا،ولكن عرفت أن الشقي بنيته يشقى،وأن النار لم تخلق باطلاً،أو لم يسمعوا قول الله عز وجل في كتابه:{إنَّما المؤمنونَ أخوَةٌ فأصلِحوا بين أخَويكُمْ واتَّقوا اللهَ لعلَّكُمْ تُرحمُونَ}[الحجرات 10]وقوله تعالى:{اليومَ أكملتُ لكُمْ دِينَكُمْ وأتممتُ عليكُمْ نِعمتي ورضيتُ لكُمُ الإسلامَ ديناً}[المائدة3].وقد ذكر لي مع ذلك أن رجالاً يتداعون إلى الحلف،وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلف وقال:”لا حلف في الإسلام”.[جزء من حديث شريف رواه أبو داود عن جبير بن مطعم]وأنا أحذر كل من سمع كتابي هذا ومن بلغه أن يتخذ غير الإسلام حصناً،أو دون الله ودون رسوله ودون المؤمنين وليجة،تحذير أبعد تحذير،وأذكرهم تذكيراً بعد تذكير.وأشهد عليهم الذي هو آخذ بناصية كل دابة والذي هو أقرب إلى عبده من حبل الوريد إني لم آلكم بالذي كتبت به لكم نصحاً مع أني لو أعلم أحداً من الناس يحرك شيئاً ليؤخذ له به أو ليدفع عنه أحرص،والله المستعان،على مذلته من كان:رجلاً أو عشيرة أو قبيلة أو أكثر من ذلك.فادع إلى نصيحتي وما تقدمت إليكم به فإنه هو الرشد ليس له خفاء ثم ليكون أهل البر وأهل الإيمان عوناً بألسنتهم،وإن كثيراً من الناس لا يعلمون.

نسأل الله أن يخلف فيما بيننا بخير خلافة في ديننا وألفتنا وذات بيننا والسلام”.

وقال الخليفة المأمون العباسي لأحد الولاة:”قد كثر شاكوك ،فإمّا عدلت، وإما اعتزلت”.

وكتب يوسف بن تاشفين (أحد زعماء المرابطين في المغرب العربي)إلى أحد عماله رسالة(تاريخ الأدب العربي ـ د .عمر فروخ الجزء الخامس ص53):

“فاتخذ الحقَّ إمامك ومَلِّك يدكَ زِمامه،وأجْرِ عليه في القويِّ والضعيف أحكامك.وارفع لدعوة المظلوم حِجابك ولا تَسُدَّ في وجه المُضطر بابك.ووطَيء للرعية  ـ حاطها الله ـ أكنافك.وابذل لها إنصافك.واستعمل عليها من يَرفُق بها ويعدل فيها،واطَّرح كلَّ من يحيف عليها ويؤذيها.ومن سَبّب عليها من عُمالك زيادةً أو خَرَق في أمرها عادة،أو غيّر رسماً أو بدّل حُكماً،أو أخذ لنفسه منها درهماً ظلماً،فاعزله عن عمله وعاقبه في بدنه،وألزمه ردَّ ما أخذ ـ تعدّياً ـ إلى أهله واجعله نكالاً لغيره حتى لا يُقدم منهم أحدٌ على مثل فعله”.

جاء في الطبقات لابن سعد:إن حيان بن شريح عامل عمر بن عبد العزيز على مصر كتب إليه:إن أهل الذمة قد أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية.

فكتب إليه عمر: اما بعد. فإن الله بعث محمداً داعياً،ولم يبعثه جابياً.فإذا أتاك كتابي هذا،فإن كان أهل الذمة أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية، فاطو كتابك،وأقبل”.

6 ـ أن يتصف بالحزم ومخالفة الأهواء واتخاذ القرارات الهامة والتحلي بالأخلاق الحميدة والخصال الجيدة.

قال عمر الفاروق رضي الله عنه:”إن هذا الأمر لايصلحه إلا لين في غير ضعف،وشدة في غير عنف”.

وقال أيضاً:”أشكو إلى الله ضعف الأمين وخيانة القوي”.وفي رواية:”اللهم إني أشكو إليك جَلَد الفاجر وعجز الثقة”.

وقال الفاروق:”ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم:إن استغنيت استعففت،وإن افتقرت أكلت بالمعروف”.

وقال عمر الفاروق رضي الله عنه:”لا يقيم أمر الله إلا رجلٌ لا يُضارع،ولا يُصانع،ولا يتبع المطامع.ولا يقيم أمر الله إلا رجلٌ لا يُنتقص غربه،ولا يكظم في الحق على حزبه”.

وقال الفاروق رضي الله عنه:”من ولي من أمر المؤمنين شيئاً فلا يخف في الله لومة لائم،ومن كان خلواً من ذلك فليُقبل على نفسه،ولينصح لولي أمره”.

وقال الفاروق رحمه الله:”رحم الله امرأً أمسك فضل القول وقدّم فضل العمل”.

وقال أيضاً:”أيّما عاملٍ لي ظلم أحداً فبلغني مظلمته فلم أغيّرها فأنا ظلمته”.

وقال الفاروق أيضاً:”لن يقيم أمر الناس إلا امرؤ حصيف العقدة،بعيد الغور،لا يُطلع الناس منه على غوره،ولا يخاف في الله لومة لائم”.

وقال الفاروق رحمه الله:”أما العدل فلا رخصة فيه لقريب ولا بعيد،والعدل أقوى وأطفأ للجور واقطع للباطل”.

وقال عمر الفاروق رضي الله عنه:”إن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم..الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله،فإذا رتع الإمام رتعوا”[طبقات ابن سعد]

قال الأحنف بن قيس رحمه الله كنت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلقيه رجل فقال:يا أمير المؤمنين انصرني على فلان فقد ظلمني.فضربه عمر بالدرة وقال تتركون أمير المؤمنين حين يكون فارغاً مُستعداً للنظر في شؤون الناس فلا يأتيه أحد حتى إذا اشتغل بأمر المسلمين أتيتموه،فانصرف الرجل حزيناً،وعاد عمر رضي الله عنه فتذكر أنه لم ينصف الرجل فطلبه وأعطاه الدرة،وقال له اضربني كما ضربتك،فامتنع الرجل وقال تركت حقي لله ولك،فقال عمر إما أن تترك حقك لله وإما أن تأخذ حقك.فقال الرجل تركت حقي لله مسامحاً ثم انصرف عمر إلى منزله ونحن معه وصلى ركعتين ثم جلس يقول:يا ابن الخطاب كنت وضيعاً فرفعك الله وضالاً فهداك الله وضعيفاً فأعزّك الله ،تضرب رجلاً يستعين بك على دفع مظلمته فماذا تقول لربك غداً إذا أتيته،وجلس يحاسب نفسه حتى قلنا إنه خير أهل الأرض جميعاً”.

قال طلحة بن معدان:خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه  فحمد الله وأثنى عليه،ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم،وذكر أبا بكر فاستغفر له ،فقال:”أيها الناس،إنه لم يبلغ ذو حق في حقه أن يُطاع في معصية الله،وإني لا أجد هذا المال يُصلحه إلا خلال ثلاث:أن يؤخذ بالحق،ويعطى في الحق،ويمنع من الباطل،وإنما أنا ومالكم كوليّ اليتيم:إن استغنيتُ استعففت،وإن افتقرت أكلت بالمعروف،ولست أدع أحداً يظلم أحداً،ولا يعتدي عليه حتى أضع خدّه على الأرض،وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن للحق.

ولكم عليّ أيها الناس! خصال أذكرها لكم،فخذوني بها:

لكم عليّ أن لا أجتبي شيئاً من خراجكم،ولا مما أفاء الله عليكم إلا من وجهه.

ولكم عليّ إذا وقع في يدي أن لا يخرج مني إلا في حقه.

ولكم عليّ أن أزيد أعطياتكم وأرزاقكم ـ إن شاء الله ـ وأسدّ ثغوركم.

ولكم عليّ أن لا ألقيكم في المهالك، ولا أجمّركم في ثغوركم.

وقد اقترب منكم زمان قليل الأمناء كثير القراء،قليل الفقهاء كثير الأمل،يعمل فيه أقوام للآخرة،يطلبون به دنيا عريضة تأكل دين صاحبها كما تأكل النار الحطب،ألا كل من أدرك ذلك منكم فليتق الله ربه وليصبر.

يا أيها الناس:إن الله عظّم حقه فوق حق خلقه،فقال فيما عظم من حقه:{ولا يأمُرَكُمْ أن تتَّخِذُوا الملائكةَ والنَّبيينَ أرباباً أيأمُرُكُمْ بالكُفرِ بَعْدَ إذ أنتُم مُسلِمُونَ}[آل عمران 80].

ألا وإني لم أبعثكم أمراء ولا جبارين،ولكن بعثتكم أئمة الهدى يُهتدى بكم،فأدرؤوا على المسلمين حقوقهم،ولا تضربوهم فتذلوهم،ولا تحمدوهم فتفتنوهم،ولا تغلقوا الأبواب دونهم،فيأكل قويهم ضعيفهم،ولا تستأثروا عليهم فتظلموهم،ولا تجهلوا عليهم ،وقاتلوا بهم الكفار طاقتهم فإذا رأيتم بها كلالة فكفوا عن ذلك،فإن ذلك أبلغ في جهاد عدوكم.

أيها الناس:إني اشهدكم على أمراء الأمصار أني لم أبعثهم إلا ليُفقهوا الناس في دينهم،ويقسموا عليهم فيئهم،ويحكموا بينهم،فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إليّ”.(مجلة الحديقة ـ محب الدين الخطيب،ومجلة حضارة الإسلام العدد الخامس ـ تشرين الأول عام 1966)

وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه:”إن الله ليزع بالسلطان مالايزع بالقرآن”.

جاء في نهج البلاغة:قال الإمام علي رضي الله عنه:”من نصبَ نفسهُ للناسِ إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره،وليكن تأديبهُ بسيرتهِ قبل تأديبهِ بلسانهِ،ومُعلّمُ نفسه ومؤدّبها أحقُّ بالإجلالِ من مُعلّمِ الناسِ ومؤدّبهم”.

وقال الإمام علي كرم الله وجهه:”من ساد استفاد،ومن طلب الرياسة صبر على السياسة،ومن سلّ سيف البغي قُتل به،ومن كابر في الأمور عطِب،ومن اقتحم اللُّجج غرق،ومن أعجب برأيه ضلّ،ومن استغنى بعقله زلّ ،ومن تجبر على الناس ذلّ ،ومن صاحب الأنذال حُقّر،ومن جالس العلماء وُقِّر،ومن دخل مداخل السوء أُتهِّم،ومن استقاد الجهل ترك طريق العدل،ومن عرف أجله قصر أمله(العقد الفريد ـ ج2 ص231)

وقال أيضاً:”ليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة،ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية”.

وقال الإمام علي رضي الله عنه:”أحسن إلى من شئت تكن أميره،واحتج إلى من شئت تكن أسيره،واستغن عمن شئت تكن نظيره”.

وقال أيضاً:”أفضل الناس عند الله إمام عدل هُديَ وهَدى،فأحيا سنة معلومة وأمات بدعة مجهولة،وإن شرّ الناس عند الله إمامُ ضلالة ضلَّ وأضلَّ فأحيا بدعة مجهولة وأمات سنّة معلومة”(العقد الفريد ج5 ص55].

وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه(بهجة المجالس ج1 ص331):

“المُلك والدين أخوان،لاغنى بأحدهما عن الآخر،فالدين أس والملك حارس،فما لم يكن له أس فمهدوم،وما لم يكن له حارس فضائع”.

جاء في كتاب الأمالي للقالي(ج2 ص147):

“قال معاوية بن أبي سفيان لضرار الصُّدائي:يا ضرار،صف لي علياً رضي الله عنه،قال:أعفني يا أمير المؤمنين،قال:لتصفنه، قال:أما إذ لابُدّ من وصفه،فكان والله بعيد المدى،شديد القُوى،يقول فصلاً،ويحكمُ عدلاً،يتفجّر العلم من جوانبه،وتنطقُ الحكمة من نواحيه،يستوحش من الدنيا وزهرتها،ويستأنس بالليل ووحشته،وكان والله غزير العَبرة،طويل الفكرة،يُقّلب كفّه،ويخاطب نفسه،يُعجبه من اللباس ما قَصُر،ومن الطعام ما خَشُن،كان فينا كأحدنا يُجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استنبأناه،ونحن مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نُكّلمه لهيبته،ولا نبتدئه لعظمته،يُعظّم أهل الدين،ويحب المساكين،لا يطمعُ القويُّ في باطله،ولا ييأس الضعيف من عدله،وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سُدوله،وغارت نجومه،وقد مَثَل في محرابه قابضاً على لحيته يَتململ تململ السَّليم،ويبكي بكاء الحزين،ويقول:يادنيا ،غُرِّي غَيري ألي تعرضت ،أم إليَّ تشوّقت،هيهات هيهات.قد باينتُك ثلاثاً لا رجعة فيها،فعُمرك قصير،وخطرُك حقير،آه من قلّة الزاد،وبُعد السفر،ووحشة الطريق!

فبكى معاوية رحمه الله وقال:رحِم الله أبا الحسن،فلقد كان كذلك،فكيف حُزنك عليه ياضرار؟قال:حُزن من ذُبح واحِدها في حجرها”.

الإمام علي رضي الله عنه في أحد خطبه(البيان والتبيين للجاحظ المجلد الأول الجزء الثاني ص 65):

“أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع،وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت بإطلاع.وإن المضمار اليوم والسباق غدا.ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل،فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله،فقد نفعه عمله،ولم يضرره أمله ،ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله،فقد خسر عمله،وضرّه أمله.

ألا فاعملوا لله في الرغبة،كما تعملون له في الرهبة.آلا وإني لم أر كالجنة نام طالبها،ولا كالنار نام هاربها.ألا وإنه من لم ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدي يجر به الضلال.

ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن،ودللتم على الزاد،وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل”.

الإمام علي رضي الله عنه يوصي أبنائه وهو على فراش الموت بعد أن طعنه ابن ملجم(المستطرف للابشيهي ص105):

“يا بني أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة،وكلمة الحق في الرضا والغضب،والقصد في الغنى والفقر،والعدل في الصديق والعدو،والعمل في النشاط والكسل،والرضا لله في الشدّة والرخاء.

يابني،ماشر بعده الجنة بشرّ،ولاخير بعده النار بخير،وكل نعيم دون الجنة حقير،وكل بلاء دون النار عافية.

يابني،من أبصر عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره،ومن رضي بما قسم الله له لم يحزن على مافاته،ومن سلّ سيف البغي قتل به،ومن حفر لأخيه بئراً وقع فيها،ومن هتك حجاب أخيه هتكت عورات بنيه،ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره،ومن أعجب برأيه ضلّ،ومن استغنى بعقله زلّ،ومن تكبر على الناس ذلّ،ومن خالط الأنذال احتقر،ومن دخل مداخل السوء أتهم،ومن جالس العلماء وُقر،ومن مزح استخف به،ومن أكثر من شيء عُرف به،ومن كثر كلامه كثر خطؤه،ومن كثر خطؤه قلّ حياؤه،ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه،ومن قلّ ورعه مات قلبه،ومن مات قلبه دخل النار.

يا بني الأدب ميزان الرجل وحسن الخلق خير قرين.

يابني العافية عشرة أجزاء،تسعة منها في الصمت إلا من ذكر الله تعالى،وواحدة في ترك مجالسة السفهاء.

يا بني زينة الفقر الصبر،وزينة الغنى الشكر.

يا بني لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى،ولا شفيع أنجح من التوبة،ولا لباس أجمل من العافية.

يابني الحرص مفتاح التعب،ومظنة النصب”.

وقال الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عندما حضرته الوفاة(البيان والتبيين للجاحظ المجلد الأول الجزء الثاني ص70):

“أيها الناس،إنا قد أصبحنا في دهر عنود(جائر)،وزمن شديد،يعد فيه المحسن مسيئاً،ويزداد فيه الظالم عتواً،ولاننتفع بما علمناه،ولا نسأل عما جهلناه،ولانتخوف قارعة حتى تحل بنا.

فالناس على أربعة أصناف:منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه،وكلال حدّه،ونضيض وفره(قليل ماله).

ومنهم المصلت لسيفه،المجلب بخيله ورجله،المعلن بسره،قد أشرط لذلك نفسه،وأوبق دينه،لحطام ينتهزه،أو مقنب يقوده،أو منبر يفرعه(يعلوه)،ولبئس المتجر أن تراها لنفسك ثمناً،ومما لك عند الله عوضاً.

ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة،ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا،قد طامن من شخصه،وقارب من خطوه وشمر من ثوبه،وزخرف نفسه للأمانة،واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية.

ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه ،وانقطاع من سببه،فقصرت به الحال عن أمله،فتحلى باسم القناعة،وتزين بلباس الزهادة وليس من ذلك في مراح ولامغدى.

وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع،وأراق دموعهم خوف المحشر،فهم بين شريد نادّ(نافر)،وخائف منقمع،وساكت مكعوم ،وداع مخلص،وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقية،وشملتهم الذلة،فهم في بحر أجاج،أفواههم ضامزة(ساكنة)،وقلوبهم قرحة،وقد وعظوا حتى ملوا،وقهروا حتى ذلوا،وقتلوا حتى قلوا.

فلتكن الدنيا في عيونكم أصغر من حثالة القرظ، ،واتعظوا بمن كان قبلكم ،قبل أن يتعظ بكم من يأتي بعدكم.فارفضوها ذميمة،فإنها رفضت من كان اشغف بها منكم”.

يابني الحرص مفتاح التعب،ومظنة النصب”.

وقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه:”فاقبلونا بما فينا،فإن وراءنا شرٌّ لكم،وإن معروف زماننا هذا مُنكر زمان قد مضى،ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت”.

وقال أيضاً رحمه الله:”إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني،ولو أن بيني وبين العامة شعرة لما انقطعت،إن جذبوها أرخيتها،وإن أرخوها مددتها”.

وقال معاوية رضي الله عنه:”إني لأستحي أن أظلم من لا يجد  عليَّ ناصراً إلا الله”.

وقال أيضاً:”أيها الناس إنا قد أصبحنا في دَهر عَنود وزمن شديد،يُعدُّ فيه المحسنُ مسيئاً،ويزداد الظالم فيه عُتواً،لا ننتفع بما علمنا ولا نسأل عمّا جهلنا،ولا نتخوّف قارعةً حتى تحلُّ بنا”.

وقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في آخر خطبة خطبها(بعد أن حكم حوالي عشرين سنة):

“أيها الناس إن من زرع فقد استحصد،وقد طالت عليكم إمرتي حتى ملِلتكم ومَللتموني،وتمنيتُ فراقكم وتنميتم فراقي،وإنه لا يأتيكم بعدي إلا من هو شرٌّ مني كما لم يأتكم قبلي إلا من كان خيراً مني،وإنه من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه،اللهم إني أحببت لقاءك فاحبب لقائي،ثم نزل فما صعد المنبر حتى مات”.

قال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:”ثلاث من كنّ فيه فقد كمل:”من لم يخرجه غضبه عن طاعة الله،ولم يستنزله رضاه إلى معصية الله،وإذا قدر عفا وكفّ”.

وقال أيضاً رحمه الله:”أما بعد! فإنه ليس بعد نبيكم نبي،ولا بعد القرآن كتاب،ألا كلّ ما أحلّ الله فهو حلال إلى يوم القيامة،وما حرّم الله فهو حرام إلى يوم القيامة،ألا لست بشارع ولكنّي منفّذ،ألا وإني لست بمبتدع ولكنّي متبع،ألا إنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله،ألا وإني لست بخيركم ولكني رجل منكم،غير أن الله جعلني أثقلكم حملا”.

وبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنه اشترى فصّ خاتم بألف دينار فكتب إليه:”عزمتُ عليك إلا بعت خاتمك بألف دينار،وجعلتها في بطن جائع.واستعمل خاتماً من ورق وانقش عليه:رحم الله امرأً عرف قدر نفسه”.

يقول الأستاذ العلامة الشيخ محمد أديب صالح رحمه الله في الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

“لا يكاد الباحث في تاريخ خامس الخلفاء الراشدين رحمه الله ورضي عنه ينتهي من لمحة عطرة في حياته،حتى يطالعه غيرها وغيرها هنا وهنالك،الأمر الذي يؤكد أن ماكان له من التوفيق،وما بلغه الحكم في عصره إلى تلك القمة الكريمة السامقة ـ على قصر المدة التي قضاها فيه  حيث دامت خلافته سنتين ونصف ـ إنما كان ثمرة من ثمرات إيمانه وصدقه وتقواه،بعيداً عن شهوة الحكم والرغبة في السلطان وحرصه أن يكون في حكمه للرعية على السنن الذي سلكته الخلافة الراشدة،تحقيقاً لعبودية الله في الارض،وإنفاذاً لشريعته،ومراقبة له في السر والعلن،والاستعداد ليوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد”.

الرحمة بالأمة:

ومن  عجب أنه لم ينس الأمة ورحمتها والدعاء لها في حال من الأحوال،فقد حدث علي بن عبيد عن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز قال:كان عمر بن عبد العزيز يقول:اللهم أهلك من كان في هلاكه صلاح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخبرني من رأى عمر بن عبد العزيز واقفاً بعرفة وهو يدعو ويقول بإصبعه هكذا ـ يعني يشير بها ـ ويقول:اللهم زد أمة محمد إحساناً،وراجع مسيئهم إلى التوبة،ثم يقول هكذا ـ يشير بإصبعه ـ :اللهم وحطّ من ورائهم برحمتك”.

التعبد والتلاوة:

ولاتسل عن الوقود الحقيقي الذي كان يحرك حياته وسلوكه في ظل مخافة الله وحسن الصلة به سبحانه،فعن صالح بن سعيد المؤذن قال:بينا أنا وعمر بن عبد العزيز في ـ بلدة كذا ، فأذنت للعشاء الآخرة،فصلى،ثم دخل القصر،فما لبث أن خرج،فصلى ركعتين خفيفتين،ثم جلس فاحتبى،فاستفتح”الأنفال” فما زال يرددها ويقرأ،كلما مرّ بآية تخويف تضرّع،وكلما مرّ بآية رحمة دعا،حتى أذنت للفجر.

وكانت أخر خطبه رضي الله عنه في مدينة خناصرة(قريبة من حلب) حيث حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال:

“أيها الناس،إنكم لم تخلقوا عبثاً،ولن تتركوا سدى،وإن لكم معاداً يحكم الله بينكم فيه،فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء،وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض.

واعلموا أن الأمان غداً لمن خاف الله اليوم،وباع قليلاً بكثير،وفائتاً بباق،ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين،وسيخلفها من بعدكم الباقون كذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين.

ثم أنتم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله،قد قضى نحبه وبلغ أجله،ثم تغيبونه في صدع من الأرض،ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد،قد خلع الأسباب ،وفارق الأحباب،وباشر التراب وواجه الحساب غنياً عما ترك،فقيراً إلى ماقدم،وأيم اله إني لأقول هذه المقالة،وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي،فاستغفروا الله لي ولكم.

وما تبلغنا حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها.وما أحد منكم إلا وددت أن يده مع يدي،ولحمتي الذين يلونني ،حتى يستوي عيشنا وعيشكم.

وأيم الله إني لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة،لكان اللسان مني ناطقاً ذلولاً،عالماً بأسبابه ،لكنه مضى من الله كتاب ناطق،وسنة عادلة دلّ فيها على طاعته،ونهى فيها عن معصيته.

ثم بكى رحمه الله فتلقى دموع عينيه بأطراف ردائه،ثم نزل،فلم ير على تلك الأعواد حتى قبضه الله إلى رحمته.

وجاء في كتاب تاريخ الخلفاء في وصف الخليفة هارون الرشيد:”كان يصلي في خلافته في كل يوم مئة ركعة إلى أن مات،لايتركها إلا لعلة،ويتصدق من صُلب ماله كل ريوم بألف درهم.وكان يحب العلم وأهله ويعظّم حرمات الإسلام،ويبغض المِراء في الدين والكلام في معارضة النص،وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه،لا سيّما إذا وُعظ.

دخل عليه مرة ابن السمّاك الواعظ،فبالغ في احترامه،فقال له ابن السماك:تواضعك في شرفك أشرف من شرفك،ثم وعظه فأبكاه.

وقال أبو معاوية الضرير:أكلت مع الرشيد يوماًنثم صبَّ على يدي رجل لا أعرفه،ثم قال الرشيد:تدري من يصب عليك؟قلت:لا. قال: أنا،إجلالاً للعلم.وكانت أيام الرشيد كلُّها خيرٌ كأنها ـ من حسنها ـ أعراس”.

قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه:مهما كان في الملك فإنه لاينبغي أن يكون فيه أربع خصال(البصائر والذخائر للتوحيدي ج1 ص171):

ـ الكذب:فإنه إن وعد خيراً لم يُرْجَ،وإن أوعدَ شراً لم يُخَفْ

ـ والبخل:فإنه إذا بخل لم ينصحه أحد،ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة.

 ـ والحسد:فإنه إذا حسد لم يَشرف أحد في دولته،ولا يصلح الناس إلا على أشرافهم.

ـ والجُبن:فإنه إذا جَبُنْ اجترأ عليه عدوه،وضاعت ثغوره.

وقال معاوية أيضاً:إني لآنف أن يكون في الارض جهل لايسعه حلمي،وذنبٌ لايسعه عفوي،وحاجة لايسعها جودي”.

وقال أيضاً:”من عفا ساد،ومن حلم عظم،ومن تجاوز استمال إليه القلوب”.

وقال معاوية بن أبي سفيان أيضاً:” إني لأستحي أن أظلم من لايجد عليَّ ناصراً إلا الله”.

قال معاوية بن أبي سفيان رحمه الله لعرابة بن أوس:بأي شيء سدت قومك؟فقال: أعفو عن جاهلهم،وأعطي سائلهم،وأسعى في حاجاتهم،فمن فعل كما أفعل فهو مثلي،ومن قصر عنه فأنا خير منه،ومن زاد فهو خير مني”.

سئل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن الخلفاء الراشدين فقال:”أما أبو بكر فكان والله خيراً كله مع الحدّة التي كانت فيه.وأما عمر فكان والله كالطير الحذر الذي نصب له فخ فهو يخاف أن يقع فيه،وأما عثمان فقد كان الله صواماً قواماً،وأما علي فكان والله ممن حوى علماً وحلماً،وحسبك من رجل أعزته سابقته،وقدمته قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقلما أشرف على شيء إلا ناله”.

قال عمرو بن العاص رضي الله عنه:”إمام عادل خيرٌ من مطرٍ وابل،وأسدٌ حَطوم خيرٌ من والٍ ظلوم،ووالٍ ظلوم خيرٌ من فتنةٍ تدوم..[بهجة المجالس ج1 ص333]

قال عتبة بن أبي سفيان(عيون الأخبار ـ ابن قتيبة ):

“واعلموا أن سلطانكم على أبداننا دون قلوبنا،فأصلحوا لنا ماظهر،نكلكم إلى الله فيما بطن،وأظهروا خيراً وإن أسررتم شراً،فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون”.

وقال عبد الملك بن مروان لأحدهم:”والله ماهو بميراث رعيناه،ولا أثر رويناه ،ولكني أخبرك بخصال مني سَمت بها نفسي إلى الموضع الذي ترى:

“ما خنت ذا ودّ قطّ،ولا شمتُ بمصيبة عدو قطّ،ولا أعرضت عن محدث حتى ينتهي حديثه،ولا قصدت كبيرة من محارم الله تعالى متلذذاً بها،فكنت أؤمل بهذه أن يرفع الله تعالى منزلتي وقد فعل”(المستطرف للأبشيي)

وقال عبد الملك بن مروان:”ثلاثة لا ينبغي لعاقل أن يستخف فيهم:العلماء والسلطان والإخوان،فمن استخف بالعلماء أفسد دينه،ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه،ومن استخف بالإخوان أفسد مروءته”.

وقال عبد الملك بن مروان:”السياسة اقتياد قلوبِ العامة بالإنصاف لها”.

خطب سعيد بن سويد بحمص فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:”أيها الناس إنّ للإسلام حائطاً منيعاً،وباباً وثيقاً فحائط الإسلام الحقّ وبابه العدل،ولايزال الإسلام منيعاً ما اشتدّ السلطان،وليست شدّة السلطان قتلاً بالسيف ولاضرباً بالسوط ولكن قضاءً بالحق وأخذ بالعدل”.[العقد الفريد ـ ابن عبد ربه)

قال الأحنف بن قيس:”السؤدد في اجتناب الريب فإنه لايسود مريب،والسعادة إصلاح المال فلا سعادة لمحتاج،والمروءة القيام بحوائج الأهل وذوي القربى فلا مروءة لمن يحتاج إلى غيره”.

قال الحسن البصري رحمه الله:”من خاف الله أخاف الله منه كل شيء،ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء”.

قيل لأبي مسلم :بم نلت مانلت؟ قال:ارتديت بالصبر،واتزرت بالكتمان وحالفت الحزم،وخالفت الهوى،ولم أجعل العدو صديقاً ولا الصديق عدواً.

وقال أبو جعفر المنصور يوصي المهدي ابنه وولي العهد:”بسم الله الرحمن الرحيم،هذا ماعهد عبدُ الله أمير المؤمنين إلى المهدي محمد بن أمير المؤمنين وليِّ عهدِ المسلمين حينَ اسندَ وصيّته بعده واستخلفه على الرعيّة من المسلمين وأهل الذِّمة،وحُرَم الله وخزائنه وأرضه التي يُورثها من يشاء من عباده،والعاقبة للمتقين.

إنّ أمير المؤمنين يُوصيك بتقوى الله في البلاد،والعمل بطاعته في العباد،ويُحذرك الحسرة والندامة،والفضيحة في القيامة،قبل حُلول الموت،وعاقبة الفوت حين تقول:{ربِّ لولا أخّرتني إلى أجلٍ قريبٍ}[المنافقون10]،هيهات أين منكَ المَهلُ،وقد انقضى عنكَ الأجلُ،وتقول:{ربِّ أرجعونِ*لعليَّ أعملُ صالحاً}[المؤمنون 99 ـ 100]،فحينئذٍ ينقطع عنك أهلك،ويَحِلُّ بك عملك،فترى ما قدّمته يداك،وسعت فيه قدماك،ونطق به لسانك،واستركبت عليه جوارحك،ولحظت له عينك،وانطوى عليه غيبك،فتُجزى عليه الجزاء الأوفى،إن شراً فشراً،وإن خيراً فخيراً،فلتكن تقوى الله من شأنك،وطاعتهُ من بالك.

استعن بالله على دِينك،وتقرّب به إلى ربّك ونفسك،فخذ منها،ولا تجعلها للهوى،ولن تعمل الشّرّ قامعاً،فليس أحدٌ أكثرَ وِزراً،ولا أعزَّ إثماً ولا أعظم مصيبةً،ولا أجلَّ رزيئةً منك،لِتكاثف ذنوبك وتضاعف أعمالك،إذ قلّدكَ الله الرعية تحكمُ فيهم بمثل الذرّة،فيقتصون منك أجمعون،وتكافىء على أفعال ولاتك الظالمين،فإنّ الله يقول:{إنّك ميتٌ وإنّهم ميتون*ثمَّ إنَّكم يوم القيامة عند ربِّكم تختصمون}[الزمر 30 ـ 31]،فكأنّي بكَ وقد أُوقفت بين يدي الجبار،وخذلكَ الأنصار،وأسلمك الأعوان،وطوّقت الخطايا،وقرفت بك الذنوب،وحلَّ بك الوجل،وقعد بك الفشل،وكَلّت حجتك،وقلّت حيلتك،وأُخذت منك الحقوق،واقتاد منك المخلوق في يومٍ شديدٍ هوله،عظيمٍ كربه،تشخص فيه الأبصار لدى الحناجر،كاظمين،ما للظالمين من حميمٍ ولا شفيعٍ يُطاع،فما عسيتَ أن يكون حالك يومئذٍ إذا خاصمكَ الخلق،واستقصى عليك الحقُّ،إذ لا خاصّة تُنجيك،وقرابة تحميك،تطلبُ فيه التّباعة،ولا تُقبل فيه الشّفاعة،ويُعمل فيه بالعدل،ويُقضى فيه بالفصل،قال الله:{لا ظُلمَ اليوم إنَّ الله سريعُ الحساب}[غافر 17].

فعليكَ بالتشمير لدينك،والاجتهاد لنفسك،فافكُك عنقك،وبادر يومك،واحذر غدك،واتّقِ دنياك،فإنها دنيا غادرةٌ موبقة،ولتصدق لله نيتك،وتَعظُم إليه فاقتك،وليتّسع إنصافك،وينبسط عدلك،ويُؤمن ظلمك،وواسِ بين الرعية في الاحتكام،واطلب بجهدك رضى الرحمن.

وأهلُ الدين فليكونوا أعضادَك،وأعطِ حظَّ المسلمين من أموالهم،ووفر لهم فيأهم ،وتابع أعطياتهم عليهم،وعجّل بنفقاتهم إليهم سنةً سنةً،وشهراً شهراً.وعليك بعمارة البلاد بتخفيف الخَراج،واستصلح الناس بالسيرة الحسنة والسياسة الجميلة،وليكن أهمُّ أمورك إليك تحفُّظ أطرافك،وسدَّ ثغورك وأكماش بُعوثك.

وارغب إلى الله عزّ وجل في الجهاد والمحاماة عن دينه،وإهلاكِ عدوه بما يفتح الله على المسلمين،ويُمكّن لهم في الدين،وابذل في ذلك مهجتك ونجدتك ومالك،وتفقد جيوشك ليلك ونهارك ،واصرف مراكز خيلك ومواطن رحلك،وبالله فليكن عصمتك وحولك وقوّتك،وعليه فليكن ثقتك واقتدارك وتوكلك،فإنه يكفيك ويُغنيك وينصرك وكفى به مؤيداً ونصيراً”[نقلاً عن تاريخ اليعقوبي]

وقال في وصية أخرى[نقلاً عن جمهرة وصايا العرب):

“أوصيك بتقوى الله ومراقبته،وعليك بإكرام أهل بيتك وإعظامهم،ولا سيّما من استقامت طريقته ،وطَهرت سيرته ،وحَسنت مودّته فيهم،فإنّ أقرب الوسائل المودّة، ،واذكر أهل الجزالة والفضل والعقل منهم،فشرِّفهم وأوطىء الرجال أعقابهم،فإنه لا يزال لأمرِ القوم فِطامٌ ما كانت لهم أعلامٌ،وأجزل لهم الإعطاء،ووسّع عليهم في الأرزاق،فإن أكثر الناس مؤونةً أعظمهم مروءة،ثم ليكن معروفك لغيرهم بعدهم،فإنّ الصلة تزيد الإلفة،وصُفْهم ينبلوا،ولا تبذلهم فيخلعوا.

واعلم أنّ رضا الناس غايةٌ لا تُدرك،فتحّبب إليهم بالإحسان جُهدك،وتَثبّت فيما يرِد من أمورهم عليك،ووكِّل همومكَ بأمورك،وتفقّد الصغير،تفقدك الكبير،وخذ أُهبةَ الأمر قبل حلوله،فإنّ ثمرة التّواني الإضاعة،وكن عند رأس كلِّ أمرٍ لا عند ذنبه،فإنّ المستقبل لأمره سابقٌ،والمُستدبرَ له مسبوق ووَلِّ أموركَ الفاضل يكن مُستعلياً،ولا تُولِّ المفضول فإنه مُزرٍ باختيارك،وانظر الأموال فإنها عِدّة الملوك،وبها السلطان ونظام التدبير،فوفِّرها بولاية أهل العفاف عنها،والحيطة عليها،ولا تبذلها إلا في إصلاح أمور السلطان والرعية،وثواب أهل الطاعة والنصيحة.

وأحسن إلى نصحائك،واستدم مودّتهم ومحبتهم بجميل التعهد لهم،والتفقد لأمورهم،ولا تُعطِ عطيّة تُبطر الخاصَّ،وتؤسِف العامَّ،واجعل لِكلِّ إليك حاجة،واجعل لهم من فضلك مادّة،واسمع من أهل التجارب،ولا ترُدّن ذوي الرأي،وعَوِّد نفسك الصبر على التعب في إصلاح الرعيّة،واركِ الهُوينا والدّعة،واعلم أن ذهاب السلطان يؤتى من ثلاثة أمور:قِلّة الحزم،وضعف العزم،وفقدِ صالح الأعوان،وإنَ ثباته بأربع خِلالٍ:المعرفة،وحُسنَ التّخيُّر،وإمضاء الاختيار،وتَنكبِ أهل الحرص،فإنّ الحريص لا يبيعك باليسير من حظِّه وشرِّه،والوزراء أضرُّ الأعداء،ومن خانك كذبك،ومن كذبكَ غَشّك.

واعلم أن مادّة الرأي المشاورة،فاختر لمشاورتك أهلَ اللُّبِّ والرأي والصدق وكُتمان السِّرِّ،وكافىء بالحسنة،وتجاوز عن السيئة،مالم يكن في ذلك ثَلمُ دينٍ،ولا وهَنُ سلطان،ودعِ الانتقام فإنه أسوأ أفعال القادر،وقد استغنى عن الحقد من عصتهم عن المجازاة،وعاقب بقدر الذنب،واعف عن الخطأ،وأقِلِ العثرات من أهل الرحمة والبلاء،وعليك ببلاد نعمتك ومواليك  ،فإنهم أنصح الناس،وأشدهم سعياً في بقاء دولتك،فإنما عِزُّهم بعزّك،وتجنّب دقيق أخلاق العراق،فإنهم نشأوا على الخبث ومذموم الخلاق،وإذا أطلعتَ من خاصيّتك وأهل نعمتك على مفسدٍ لنصيحتك فلا تُقِله عُثرةً،ولا ترعَ له حرمةً،ودع الاعتزاز به،فإنك إن اغتررت به كنت كَمُدخل الحيّة دون شِعاره إن شاء الله”.

وقال أبو جعفر المنصور(بهجة المجالس ج1 ص335):

“الذي عليّ للرعية أن أحفظ سُبلَهم فينصرفون آمنين في سبيلهم،ولا يُصدون عن حجهم وقضاء نسكهم،وأن أضبط ثغورهم وأحصّنها من عدوهم،وأن أختار قضاتهم وأعزّهم بالحق كيلا يصل ظلم بعضهم إلى بعض،وأن أرفع أقدار فقهائهم وعلمائهم ،وأكفّ جهالهم عن حكمائهم”.

وجاء في العقد الفريد لإبن عبد ربه:”السلطان زمام الأمور ونظام الحقوق،وقِوام الحدود،والقطب الذي عليه مدار الدين والدنيا،وهو حِمى الله في بلاده وظلّه الممدود على عباده،به ينتصر مظلومهم،وينقمع ظالمهم،ويأمن خائفهم”.

وقال عبد الله بن المقفع في الأدب الصغير:

“ولايةُ الناسِ بلاءٌ عظيم.وعلى الوالي أربعُ خصالٍ هي أعمدة السلطان وأركانه التي بها يقومُ وعليها يثبتُ:الاجتهادُ في التخيرِ،والمبالغةُ في التقدمِ،والتعهد الشديدُنوالجزاءُ العتيد.

فأما التخيرُ للعمالِ والوزراء فإنه نظامُ الأمرِ ووضعُ مؤونةِ البعيد المنتشر.فإنه عسى أن يكون بتخيره رجلاً واحداً قد اختار ألفاً.لأنه من كان من العمال خياراً فسيختارُ كما اختيرَ.ولعل عمالَ العاملِ وعمالَ عُمالهِ يبلغونَ عدداً كثيراً،فمن تبين التخيرَ فقد أخذ بسببٍ وثيقٍ،ومن اسس أمرهُ على غيرِ ذلك لم يجد لبنائهِ قواماً.

وأما التقديم والتوكيدُ،فإنه ليس كل ذي لبٍ أو ذي أمانةٍ يعرفُ وجوه الأمورِ والأعمال.ولو كان بذلك عارفاً لم يكن صاحبهُ حقيقاً أن يكل ذلك إلى علمهِ دونَ توقيفه عليه وتبيينهِ له والاحتجاجِ عليه به.

وأما التعهدُ،فإن الوالي إذا فعل ذلك كان سميعاً بصيراً،وإن العامل إذا فعل ذلك كان متحصناً حريزاً.

وأما الجزاء فإنه تشبيتُ المحسن والراحةُ من المسيء.

قال عبد الحميد الكاتب في رسالة له على لسان الخليفة مروان بن محمد الأموي إلى ابنه وولي عهده عبد الله لما وجهه إلى قتال الضحاك بن قيس الشيباني الخارجي(أمراء البيان ـ محمد كرد علي ـ ص 53 وما بعد):

“وأمير المؤمنين يرجو أن ينزهك الله عن كل قبح يهش له طمع،وأن يعصمك من كل مكروه حاق بأحد،وأن يحصنك من كل آفة استولت على امرىء في دين أو خلق،وأن يبلغه فيك أحسن مالم يزل يعوّده من آثار نعمة الله عليك،سامية بك إلى ذروة الشرف،ومنجحة لك بسطة الكرم.

ويتابع:”والله أستخلف عليك،واسأله حياطتك،وأن يعصمك من زيغ الهوى،ويحضرك دواعي التوفيق،معاناً على الإرشاد فيه،فإنه لا يعين على الخير ولا يوفق له إلا هو.ثم تعهد نفسك بمجاهدة هواك،فإنه مغلاق الحسنات،ومفتاح السيئات،واعلم أن كل أهوائك لك عدو يحاول هلكتك،ويعترض غفلتك،لأنها خدع إبليس وحبائل مكره،ومصايد مكيدته،فاحذرها مجانباً لها،وتوقّها محترساً منها،واستعذ بالله من شرها،وجاهدها  إذا تناصرت عليك بعزم صادق لا ونية فيه،وحزم نافذ لا مثنوية(استثناء) لرأيك بعد إصداره عليك،وصدق غالب لا مطمع في تكذيبه،ومضاءة صارمة لا أناة معها،ونية صحيحة لا خلجة شك فيها،فإن ذلك ظِهريُّ(عدة) صدق لك على ردها عنك،وقطعها دون ما تتطلع إليه منك،وهي واقية لك سخطة ربك،داعية لك رضا العامة،ساترة عليك عيب من دونك…فحاول بلوغ غايتها،محرزاً لها بسبق الطلب إلى إصابة الموضع،محصناً أعمالك من العجب،فإنه رأس الهوى،وأول الغواية،ومقاد الهلكة،حارساً أخلاقك من الآفات المتصلة بمساوى العادات.

ويتابع:”ومنها أن تملك أمورك بالقصد،وتصون سرك بالكتمان،وتداوي جندك بالإنصاف،وتذلل نفسك بالعدل،وتحصن عيوبك بتقويم أوَدك،وأناتك فوقِّها الملال وفوت العمل،ومضاءتك فدرّعها روية النظر،واكنفها بأناة الحلم،وخلواتك فاحرسها من الغفلة واعتماد الراحة،وصمتك فانف عنه عِيَّ اللفظ،وخف فيه سوء القالة،واستماعك فارْعه حسن التفهم،وقوّه بإشهاد الفكر،وعطاءك فانهد له بيوتات الشرف وذوي الحسب،وتحرز فيه من السرف،واستطالة البذَخ وامتنان الصنيعة،وحياءك فامنعه من الخجل وبلادة الحصَر،وحلمك فزَعه عن التهاون،وأحضره قوة الشكيمة،وعقوبتك فقصر بها عن الإفراط،وتعمد بها أهل الاستحقاق،وعفوك فلا تدخله تعطيل الحقوق،وخذ به واجب المفترض وأقم به أوَدَ الدين،واستئناسك فامنع منه البذاءة وسوء المثافنة(المباطنة)،وتعهدك أمورك فحدّه أوقاتاً،وقدّره ساعات،لا يستفرغ قوتك،ويستدعي سآمتك،وعزماتك فانف عنها عجلة الرأي،ولجاجة الإقدام،وفرحاتك فاشكمها عن البطر،وقيّدها عن الزهد،وروعاتك فحطها من دهش الرأي،واستسلام الخضوع،وحذراتك فامنعها عن الجبن واعمد بها للحزم،ورجاءك فقيده بخوف الفائت،وامنعه من أمن الطلب.

ويتابع:”ثم لتكن بطانتك وجلساؤك في خلواتك،ودخلاؤك في سرك،أهل الفقه والورع من خاصة أهل بيتك وعامة قوادك،ممن قد حنكته السنُّ بتصاريف الأمور،وخبطته فصالها بين فراسن البزل منها،وقلبته الأمور في فنونها،وركب أطوارها عارفاً بمحاسن الأمور،ومواضع الرأي،مأمون النصيحة،مطويَّ الضمير على الطاعة،ثم أحضرهم من نفسك وقاراً،تستدعي منهم لك الهيبة،واستئناساً يعطف إليك منهم بالمودة،وإنصاتاً يفلُّ إفاضتهم عندك بما تكره ان ينتشر عنك من سخافة الرأي،ويقطعك دون الفكر.وتعلّم أنك وإن خلوت بسر فألقيت دونه سترك،وأغلقت عليه أبوابك،فذلك لا محالة مكشوف للعامة،ظاهر عنك وإن استترت بربما ولعل،وما أُرى إذاعة ذلك،فاعلم بما يرون من حالات من ينقطع به في تلك المواطن،فتقدم في إحكام ذلك من نفسك وسدَّ خلله عنك،فإنه ليس أحد أسرع إليه سوءُ القالةنولغط العامة بخير أو شر،ممن كان في مثل حالك ومكانك الذي أصبحت فيه من دين الله،والأمل المرجو المنتظر فيك.

ويتابع:”وكذلك فليكن رأيك وأمرك فيمن طرأ عليك من الوفود،وأتاك من الرسل،فلا يصلن إليك أحد منهم إلا بعد وصول علمه إليك،وعلم ماقدم له عليك،وجهة ماهو مكلمك به،وقدر ماهو سائلك إياه،إذا وصل إليك فأصدرت رأيك في حوائجه،وأجلت فكرك في أمره،واخترت معتزماً على إرادتك في جوابه،وأنفذت مصدور رويتك في مرجوع مسألته،قبل دخوله عليك،وعلمه بوصول حاله إليك،فرفعت عنك مؤونة البديهة،وأرخيت عن نفسك خناق الروية،وأقدمت على رد جوابه بعد النظر،وإجالة الفكر فيه،فإن دخل إليك أحد منهم،فكلمك بخلاف ما أنهى إلى كاتبك،وطوى عنه حاجته قِبلك،دفعته عنك دفعاً جميلاً،ومنعته جوابك منعاً وديعاً،ثم أمرت حاجبك بإظهار الجفوة له،والغلظة عليه،ومنعته من الوصول إليك،فإن ضبطك لذلك مما يحكم لك تلك الأسباب،صارفاً عنك مؤونتها،ومسهلاً عليك مستصعبها”.

وقال الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج1 ص267):

“أول درس يجب أن يتعلمه الشرق تضحية الحاكم،وأعني بذلك أن يضحي بشهواته في سبيل تحقيق العدل الدقيق،فلا تستهويه شهوة المال،وشهوة الجاه،ولا شهوة المنصب،فتصرفه عن إحقاق الحق وإبطال الباطل،وطبيعي أن الشعب لا يرضيه من الحاكم في عهد الاستقلال ما كان يرضيه في عهد الاحتلال،فقد كان عهد الاحتلال يصبر على الظلم كارهاً بحكم القوة،فلما رأى حكومته منه،وأنها تستمد قوتها من قوّته،لم يرضى عن ظلم،بل هو يشتط في طلبه فلا يرضى عن عدل مشوب بظلم،إنما يريد عدلاً خالصاً ويتطلب منها المثل الأعلى في العدالة وإلاّ لا يمنحها رضاه..

ويتابع:”والأثر الذي يقول”كما تكونون يولّى عليكم”ليس قانوناً للقّدَر، بل هو قانون طبيعي،فحالة المحكوم تشكّل الحاكم ـ لا محالة ـ بالشكل الذي يتفق مع حالته،وقد علّمنا التاريخ أن عسف الحاكم لايتم ولا ينجح إلا إذا سبقه استنامة المحكوم وضعف إحساسه،وصلاحية الحاكم مسبوقة دائماً بتنبه المحكوم وحسن تقديره للعدالة والظلم”.

ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد 395) :

“العفو خلق يسموبصاحبه عن الانتقام،ويكبر به عن المجازاة،ويتعالى أن يلقى الشر بالشر ويجزي السيئة بالسيئة.العفو خلة تؤثر الرحمة على العقاب،وتحل المودة محل العداوة،والوئام محل الخصام.

وعظماء الناس يؤثرون العفو مالم يجدوا فيه مفسدة لأمر من أمور الدين أو الدنيا.وقد عرف بذلك كثير من ملوك المسلمين ولاسيما الخليفة المأمون العباسي.ورويت في العفو عند المقدرة أخبار تنبىء عما يملك قلب الرجل العظيم من الحلم والعفو في الخطوب الجسام.

كانوا يرون العفو وسيلة إلى استصلاح النفوس وإزالة الأحقاد،وإحلال الوئام محل الخصام فيؤرثونه على الانتقام.

قال أحدهم لسليمان بن عبد الملك:”إن القدرة تذهب الحفيظة،وقد جلّ قدرك عن العقاب ونحن مقرون بالذنب.فإن تعف فأهل للعفو،وإن تعاقب فبما كان منا”.

وقال رجل لبعض الأمراء:”اسألك بالذي أنت بين يديه أذلُّ مني بين يديك،وهو على عقابك أقدر مني على عقابي،إلا نظرت في أمري نظر من بُرئي أحبُّ إليه من سقمي،وبرائي أحب إليه من جرمي”.

وقد أمر الله سبحانه بالعفو فقال للرسول صلى الله عليه وسلم:{خذِ العفوَ وأُمرْ بالعُرفِ وأعرضْ عن الجاهلين}[الأعراف 199].

وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة،وصناديد قريش طوع أمره،وقد لقي منهم أكثر من عشرين عاماً وفي كل بقعة من مكة والمدينة ذكرى مالقي من ظلم وعدوان وأذى،وفي كل جماعة من قريش رجال قد قسوا عليه وعلى أصحابه ونالوا منه ومن دينه،وصدوا عن دعوته جهد طاقتهم.فما مد إليهم يوم الفتح والقدرة يداً بعقاب،ولا جازاهم بما فعلوا ولا بأقل مما فعلوا،بل عفا عنهم عفواً شاملاً وكان أكبر أعدائه أعظمهم نصيباً من عفوه ورحمته.قال: يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟قالوا:خيراً.أخ كريم وابن أخٍ كريم.قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

ويقول الشيخ محمود شلتوت رحمه الله(الرسالة العدد 550):

“لعمر الفاروق رضي الله عنه نواح كثيرة:فهو رجل حرب وجلاد،ورجل حكم وسلطان،ورجل وتقى وإيمان،ورجل عدل ونصفة،ورجل إشراق ونور،ورجل فقه وقانون،قال صلى الله عليه وسلم:”إن الله جعل الحقَّ على لسان عمر وقلبه“[رواه الترمذي وصححه ابن حبان والألباني عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]

7 ـ أن يقبل النصيحة ويعمل بها:

روى مسلم في صحيحه عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه،أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”الدين النصيحة،الدين النصيحة،الدين النصيحة” قال تميم:قلنا:لمن يارسول الله؟ قال:”لله ولكتابه،ولرسوله،ولأئمة المسلمين وعامتهم”.

يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله(الموقع ـ مقال: الدين النصيحة):

“هذا الحديث الوجيز البليغ أحد الأحاديث التي يدور عليها الإسلام.قال محمد بن أسلم الطوسي:إنه أحد أرباع الدين.ورُوي مثل ذلك عن أبي داود.

“الدين النصيحة”:أي الركن الأعظم في الدين هو النصيحة،كما يقال:”الحج عرفة”،و”الندم توبة”،فالركن الأعظم في الدين هو النصيحة.

النصيحة كلمة جامعة يراد بها:إرادة الخير للمنصوح له،قولاً وعملاً،والقيام بوجوه الخير له إرادة وفعلاً.

والنبي صلى الله عليه وسلم ،يريد أن تكون العلائق قائمة على النصح والإخلاص والصفاء،لا على الغش،ولا على الخداع،ولا على الزور.

والنصيحة لأئمة المسلمين…لرؤسائهم وحكامهم وولاة أمرهم ،تنصح لهم،تبغي لهم الخير،ترشدهم إلى الهدى،تدلهم على الحق،لا تخشى في الله لومة لائم.فمن فعل ذلك فقد قام بحق النصيحة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم:”إن الله يرضى لكم ثلاثاً،ويسخط لكم ثلاثاً:يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً،وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً،وأن تناصحوا من ولاّه الله أموركم”[رواه مسلم وأحمد وابن حبان ]

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنموذجاً في قبول النصيحة،وكان يقول على المنبر:”رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي”[سنن الدارمي].وقال له رجل مرة:اتق الله يا ابن الخطاب.فضاق بعض الحاضرين بهذا،فقال عمر:دعوه،والله لا خير فيكم إذا لم تقولوها،ولا خير فينا إذا لم نسمعها”.

بعض خطب الخلفاء الراشدين بعد توليهم الحكم والخلافة:

أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

لما بويع أبو بكرالصديق رضي الله عنه صعد المنبر فنزل مرقاة من مقعد النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أما بعد! أيها الناس فقد وليت عليكم ولست بخيركم لوددت أن قد كفاني هذا الأمر أحدكم.

اعلموا أيها الناس أن أكيس الكيس التقي وإن أحمق الحمق الفجور.ألا إن الصدق عندي الأمانة والكذب الخيانة،وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه.إنما أنا متبع ولست بمبتدع،فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوّموني،وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.ولا يدع قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالفقر ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلّا عمّهم الله بالبلاء،فأطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.وفي رواية قوموا إلى صلاتكم”.[مجلة المنار العدد 148].

يقول الشيخ  عبد الحميد ابن باديس رحمه الله(مقال بعنوان أصول الولاية في الإسلام):

إن خطبة الصديق رضي الله عنه  اشتملت على أصول الولاية العامة في الإسلام،مما لم تحققه بعض الأمم إلا من عهد قريب،ومنها:

الأصل الأول:لاحقّ لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتولية الأمة،فالأمة هي صاحبة الحق والسلطة في الولاية والعزل،فلا يتولى أحد أمرها إلا برضاها،فلا يورث شيء من الولايات،ولا يستحق الاعتبار الشخصي.وهذا الأصل مأخوذ من قوله:”وُلِّيت عليكم” أي:قد ولاني غيري،وهو أنتم.

الأصل الثاني:الذي يتولى أمراً من أمور الأمة هو أكفؤها فيه،لا خيرها في سلوكه.فإذا كان شخصان اشتركا في الخيرية والكفاءة،وكان أحدهما أرجح في الخيرية،والآخر أرجح في الكفاءة لذلك الامر، قُدّم الأرجح في الكفاءة على الأرجح في الخيرية،ولاشكَّ أنَّ الكفاءة تختلف باختلاف الأمور والمواطن،فقد يكون الشخص أكفأ في أمر وفي موطن،لاتصافه بما يناسب ذلك الأمر،ويفيد في ذلك الموطن،وإن لم يكن كذلك في غيره فيستحق التقديم فيه دون سواه.وعلى هذا الأصل ولّى النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص غزاة ذات السلاسل،وأمدّه بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح،فكانوا تحت ولايته،وكلهم خير منه.وعليه عقد لواء أسامة بن زيد على جيش فيه أبو بكر وعمر.وهذا الأصل مأخوذ من قوله”ولست بخيركم”.

الأصل الثالث:لا يكون أحد بمجرد ولايته أمراً من أمور الأمة خيراً من الامة،وإنما تنال الخيرية بالسلوك والأعمال،فأبو بكر إذا كان خيرهم،فليس ذلك لمجرد ولايته عليهم،بل ذلك لأعماله ومواقفه،وهذا الاصل مأخوذ أيضاً من قوله”ولست بخيركم”.حيث نفى الخير عند ثبوت الولاية.

الأصل الرابع:حقُّ الأمة في مراقبة أولي الأمر،لأنها مصدر سلطتهم،وصاحبة النظر في ولايتهم وعزلهم.

الأصل الخامس:حقُّ الوالي على الامة فيما تبذله له من عون،إذا رأت استقامته فيجب عليها أن تتضامن معه وتؤيده،إذ هي شريك’ معه في المسؤولية.وهذا ـ كالذي قيبله ـ مأخوذ من قوله”إذا رأيتموني عل حقٍّ فأعينوني”.

الأصل السادس:حقُّ الوالي على الأمة في نصحه وإرشاده،ودلالته على الحق إذا ضلّ عنه ،وتقويمه على الطريق إذا زاغ سلوكه .وهذا مأخوذ من قوله:”وإذا رأيتموني على باطل فسددوني.

الأصل السابع:حق الأمة في مناقشة أولي الامر،ومحاسبتهم على أعمالهم،وحملهم على ماتراه هي،لا مايرونه هم،فالكلمة الأخيرة لها لا لهم،وهذا كلّه من مقتضى تسديدهم وتقويمهم،عندما تقتنع بأنهم على باطل،ولم يستطيعوا أن يقنعوها أنهم على حق.وهذا مأخوذ من قوله:”وإن رأيتموني على باطل فسدّدوني”.

الأصل الثامن:على من تولّى أمراً من أمور الأمة أن يبين لها الخطة التي يسير عليها،ليكونوا على بصيرة،ويكون سائراً في تلك الخطّة عن رضى الامة.إذ ليس له أن يسير بهم على مايرضيه،وإنما عليه أن يسير بهم فيما يرضيهم،وهذا مأخوذ من قوله:”أطيعوني ما أطعت الله فيكم”.فخطته هي طاعة الله،وقد عرفوا ماهو طاعة الله في الإسلام.

الاصل التاسع:..مأخوذ من قوله”أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم”.فهم لا يطيعونه هو لذاته،وإنما يطيعون الله باتِّباع الشرع الذي وضعه لهم،ورضوا به لأنفسهم ،وإنما هو مكّلف منهم بتنفيذه عليه وعليهم،فلهذا إذا عصى وخالف لم تبق له طاعة عليهم.

الأصل العاشر:الناس كلّهم أمام القانون سواء،لا فرق بين قويهم وضعيفهم،فيطبق على القوي دون رهبة لقوته،وعلى الضعيف دون رِقّة لضعفه.

الأصل الحادي عشر:صون الحقوق،حقوق الأفراد وحقوق الجماعات،فلا يضيع حقُّ ضعيف لضعفه،ولا يذهب قويُّ بحف أحد لقوته عليه.

الأصل الثاني عشر:حفظ التوازن بين طبقات الأمة عند صون الحقوق.فيؤخذ الحقُّ من القوي،دون أن يُقسى عليه لقوته،قيُتعدى عليه حتى يضعف وينكسر.ويعطي الضعيف حقه دون أن يُدلل لضعفه،فيطغى عليه،وينقلب معتدياً على غيره.وهذ الاصل واللذان قبله مأخوذة من قوله:”ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له،وأضعفكم عندي القوي حتى أخذ الحق منه”.

الأصل الثالث عشر:شعور الراعي والرعية بالمسؤولية المشتركة بينهما في صلاح المجتمع،وشعورهما دائماً بالتقصير في القيام بها،ليستمروا على العمل بجدٍ واجتهاد،فيتوجهان بطلب المغفرة من الله الرقيب عليهما،وهذا مأخوذ من قوله:”أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم”.

ومن خطب أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

“إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك!فرفع الناس رؤوسهم(تعجباً) فقال:مالكم يامعشر الناس؟إنكم لطعانون عجلون،إن من الملوك من إذا ملك زهدّه الله فيما في يده ورغبّه فيما في يدي غيره،وانتقصه شطر أجله،وأشرب قلبه بالإشفاق،فهو يحسد على القليل،ويتسخط(يستقل)الكثير،ويسأم الرخاء وتنقطع عنه لذة البهاء،لايستعمل العبرة،ولا يسكن إلى الثقة،فهو كالدرهم(الزائف)والسراب الخادع،جذل الظاهر،حزين الباطن،فإذا وجبت(مات) نفسه،ونضب عمره،وضحا ظله ،حاسبه الله فأشدّ حسابه،وأقل عفوه،ألا إن الفقراء هم المرحومون،وخير الملوك من آمن بالله وحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم،وإنكم اليوم على خلافة نبوة،ومفرق محجة،وسترون من بعدي ملكاً عضوضاً،وأمة شعاعاً(متفرقة)ودماً مُفاحاً(مراقاً)فإن كانت للباطل نزوة ولأهل الحق جولة يعفو لها الأثر وتموت السنن فالزموا المساجد واستشيروا القرآن والزمزا الجماعة،وليكن الإبرام بعد التشاور والصفقة بعد طول التناظر”.

خطبةعمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد توليه الخلافة:

عن سعيد ابن المسيب قال:لما وُلّي عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:أيها الناس إني قد علمت أنكم كنتم تؤنسون مني شدة وغلظة وذلك أني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت عبده وخادمه وكان كما قال الله تعالى:{بالمؤمنين رؤف رحيم}[التوبة 128]فكنت بين يديه كالسيف المسلول إلا أن يغمدني أو ينهاني عن أمر فأكف إلا أقدمت على الناس لمكان لينه فلم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راض والحمد لله على ذلك وأنا به أسعد.ثم قمت ذلك المقام مع أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد علمتم في كرمه ودعته ولينه فكنت خادمه كالسيف بين يديه أخلط شدتي بلينه إلا أن يتقدم إلي فأكف وإلا أقدمت فلم أزل على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راض والحمد لله على ذلك كثيراً وانا به أسعد.

ثم صار أمركم إليَّ اليوم وأنا أعلم فسيقول قائل كان يشتدّ علينا والأمر إلى غير فكيف به إذا صار إليه.واعلموا أنكم لا تسألون عني أحداً فقد عرفتموني وجربتموني وعرفتم من سنة نبيكم ما عرفت وما أصبحت نادماً على شيئء أكون أحب أن أسال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه إلا وقد سألته.اعلموا أن شدّتي التي كنتم ترون قد ازدادت أضعافاً إذا صار الأمر إلي على الظالم والمعتدي والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويهم،وأني بعد شدّتي تلك واضع خدي بالأرض لأهل العفاف والكف منكم والتسليم.وأني لا أبى أن كان بيني وبين أحد منكم شيء من أحكامكم أن أمشي معه إلى من أحببتم منكم فلينظر بيني وبينه أحد منكم فاتقوا الله وأعينوني على أنفسكم بكفها عني وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم.ثم نزل”.

وعن الحسن قال:إن أول خطبة خطبها عمر حمد الله وأثنى عليه ثم قال:أما بعد فقد ابتليت بكم وابتليتم بي وخلفت فيكم بعد صاحبي فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا ومهما غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة فمن يحسن نزده حسناً ومن يسىء نعاقبه ويغفر الله لنا ولكم”.

ـ قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:”دخلت على عمر حين طُعن،فقلت:أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين،أسلمتَ حين كفر الناس،وجاهدتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس،وقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ،ولم يختلف في خلافتك اثنان،وقُتلت شهيداً.

فقال: أعد عليَّ.

فأعدت عليه.

فقال عمر:والله الذي لا إله غيره ،لو أن مافي الأرض من صفراء وبيضاء لي لافتديت به من هول المطلع!”.

خطبة عمر بن عبد العزيز الأخيرة:

أيها الناس!إنكم لم تخلقوا عبثاً،ولن تتركوا سدىً،وإن لكم معاداً ينزل الله الحكم فيكم والفصل بينكم،وقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء،وحُرم الجنة التي عرضها السموات والأرض.ألا واعلموا أن الأمان غداً لمن حذر الله وخافه،وباع نافذاً بباق،وقليلاً بكثير،وخوفاً بأمان.ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين،وسيخلفها بعدكم الباقون،كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين.وفي كل يوم تُشيّعون غادياً ورائحاً إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجله،فتغيبونه في الأرض ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد ـ قد فارق الأحبّة وخلع الأسباب ـ فسكن التراب وواجه الحساب،فهو مرتهن بعمله،فقير إلى ماقدم غني عما تأخر،فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقعه.وأيم الله إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عنه أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي فأستغفر الله وأتوب إليه.وما منكم من أحد تبلغنا عنه حاجة إلا أحببت أن أسدّ من حاجته ما قدرت عليه،وما منكم أحد يسعه ما عندنا إلا وددت أنه سداي ولحمتي حتى يكون عيشنا وعيشه سواء.وأيم الله إني لو أردت غير هذا من النضارة والعيش لكان اللسان مني به ذلولاً،عالماً بأسبابه،ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة يدل منها على طاعته،وينهى عن معصيته”ويرفع عمر بعد خطبته هذه طرف ردائه فيبكي حتى يشهق بالبكاء ويضجّ الناس بالبكاء حوله”.

بعض الأحاديث النبوية في الحكام والأمراء:

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”خيار أئمتكم الذين تُحبونهم ويحبونكم،وتصلون عليهم ويصلون عليكم،وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم،وتلعنوهم ويلعنوكم” قال: قلنا:يا رسول الله،أفلا ننابذهم؟فقال: لا،ما أقاموا فيكم الصلاة”][رواه مسلم عن عوف بن مالك رضي الله عنه]

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”مامن أمير يلي أمر المسلمين ،ثم لا يَجهدُ لهم ولا ينصحُ ،لم يدخل معهم الجنة”[رواه مسلم عن معقل بن يسار ]

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته“[صحيح الجامع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”إن الله تعالى سائلٌ كل راع عمّا استرعاه، حفظ ذلك أم ضيع،حتى يسأل الرجل عن أهل بيته؟”[صحيح الجامع عن أنس بن مالك رضي الله عنه].

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”مامن عبدٍ يسترعيه الله رعية، يموتُ يوم يموتُ وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرَّم الله عليه الجنة”[السلسلة الصحيحة عن معقل بن يسار المزني رضي الله عنه].وفي رواية لمسلم”ثم لا يجهدُ لهم وينصح”.

قال صلى الله عليه وسلم:”مامن عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة”[رواه البخاري عن معقل بن يسار رضي الله عنه]

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”مامن أمير عَشرةٍ إلا يُؤتى به يوم القيامة مغلولاً حتى يفكَّ عنه العدل أو يُوبقَهُ الجَور”[حسن صحيح في الترغيب والترهيب عن أبي هريرة رضي الله عنه].

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”مامن رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله عز وجل مغلولاً يوم القيامة يده إلى عنقه فكه بره أو أوبقه إثمه،أولها ملامة وأوسطها ندامة،وآخرها خزي يوم القيامة”[السلسلة الصحيحة رواه أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه].

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”مامن رجل ولي عشرة إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يقضى بينه وبينهم”[صحيح الترغيب والترهيب عن ابن عباس رضي الله عنهما].

ـ من دعائه صلى الله عليه وسلم:”اللّهُمَ من وَليَ من أمرِ أمتي شيئاً فشقّ عليهم فأشقُقْ عليه،ومن وَلي من أمر أمتي شيئاً فرَفَق بهم فأرفق به”[رواه مسلم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها]

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”ليوشك رجل أن يتمنى أنه خرّ من الثريا،ولم يل من أمر الناس شيئاٍ”[السلسلة الصحيحة للألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه وأخرجه الحاكم]

ـ قال صلى الله عليه وسلم :”أشد الناس عذاباً يوم القيامة:رجل قتله نبي،أو قتل نبياً،وإمام ضلالة،وممثل من الممثلين“[السلسلة الصحيحة أخرجه الإمام أحمد ]

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”إنه سيُفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها وإنّ عمالها في النار إلا من اتقى الله وأدى الأمانة”[رواه البخاري  عن مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود]

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”أيّما والٍ أو قاضٍ أغلق بابه عن ذي الحاجة والخلّة والمسكنة أغلق الله بابه عن حاجته”[رؤواه الترمذي وأحمد وأبو داود عن عمر بن مرة رضي الله عنه]

ـ قال صلى الله عليه وسلم:”من ولّاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخَلّته وفقره يوم القيامة”[رواه أبو داود واللفظ له والترمذي عن عمرو بن مرّة الجُهني]

ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من ولي من أمر الناس شيئاً،فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة”[رواه أحمد بإسناد جيد والطبراني عن معاذ بن جبل رضي الله عنه]

ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”سبعة يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظله:إمام عادل،وشاب نشأ في عبادة الله،ورجل قلبه معلق بالمساجد،ورجلان تحابا في الله،اجتمعا عليه وتفرقا عليه،ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال:إني أخاف الله،ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ما تنفق يمينه،ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه”[متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

ـ عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال:قلت يارسول الله ألا تستعملني؟قال فضرب بيده على منكبي ثم قال:”يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها”][رواه مسلم].

قال صلى الله عليه وسلم:”إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة”[رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].

العدل ـ المساواة ـ الحرية

العدل والمساواة

يقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله(موسوعة الأعمال الكاملة ـ موضوع السياسة الرشيدة في الإسلام):

أتى على العالم حين من الدهر،وهو يتخبط في جهل وشقاء،ويتنفس من نار البغي الطاغية على أنحائه الصعداء،حتى نهض صاحب الرسالة الأعظم ـ صلوات الله عليه ـ بعزم لا يحوم عليه كلال،وهمة لا تقع إلاّ إلى أشرف غرض،فأخذ يضع مكان الباطل حقاً،ويبذر في منابت الآراء السخيفة حكمة بالغة،وما لبثت الأمم أن تقلدت آداباً أصفى من كواكب الجوزاء،وتمتعت بسياسة يتجلى بها العدل في أحسن رواء،وأرفع سناء.

وضع الإسلام للسياسة نظاماً يقطع دابر الاستبداد،ولا يُبقي للحيف في فصل القضايا،أو الخلل في إدارة الشؤون منفذاً.

كم ظهر في بلاد العرب من سيد بلغ في الرياسة أن أحرز لقب ملك،كآل جفنة،وآل غسان،وربما وجد من بينهم من لايقل في قوته النفسية الفطرية عن الفاروق رضي الله عنه،فما بالهم لم يأخذوا في السياسة بنزعته،ويرموا إلى أغراضها عن قوس حكمته؟!

لا عجب أن يمتطي ابن خطاب تلك السياسة الفائقة،ويجول بها بين الأمم جولته،التي رفعت الستار عن أبصارهم،حتى شهدوا الفرق بين سيطرة الدولة المستبدة،وسيرة الخليفة الذي ينام في زاوية من المسجد متوسداً إحدى ذراعيه.

إن هو إلا الإسلام أقام له أساسها،وأنار سراجها،فبنى أعماله على أساس راسخ،واستمد آراءه من سراج باهر،فكانت صحف آثاره أبدع عند عشاق السياسة القيمة من مناظر الروضة الغناء”.

ويقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله(الموقع ـ مقال بعنوان:أهداف العبادات في الإسلام):

“جاءت الحضارة الإسلامية تُقر مبدأ العدل والمساواة بين الناس كلّ الناس،وخصوصاً مع غير المسلمين،إنها ترعاها وتحفظ حقوقهم،وقد رأينا قصة ذلك القبطي الذي جاء من مصر إلى المدينة،ليشكو لأمير المؤمنين أن ابن الوالي عمرو بن العاص ضربه وقال له:أنا ابن الأكرمين.فبعث عمر وجاء بالوالي وابنه،وقال للرجل القبطي اضرب ابن الأكرمين.فضربه كما ضربه،ثم قال له:أدرها على صلعة عمرو،فإنما ضربك ابنه بسلطان أبيه.فقال:يا أمير المؤمنين،لا أضرب إلا من ضربني.ثم التفت إلى عمرو وقال له تلك الكلمة التاريخية الشهيرة:ياعمرو ،متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا“.هذه الكلمة التي قالها ابن الخطاب رضي الله عنه،عفواً غير قاصد،أصبحت الآن مقدمة لمواثيق حقوق الإنسان،أصبحت تفتتح بها الدساتير الحديثة:أن الناس يولدون أحراراً متساوين.هكذا تذكر حقوق الإنسان ومواثيق الإنسان،متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.

لقد رأينا القاضي شُريحاً يحكم لنصراني ضد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه،لأنه لم يستطع أن يُقيم بينة على دعواه،فحكم لهذا النصراني،وكان النصراني مبطلاً في دعواه،ولما رأى ذلك قال:أشهد أن هذه أحكام أنبياء،أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله”.[رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق].

جاء الإسلام يقر مبدأ العدل،العدل بين الناس كل الناس،{ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شنآنُ قومٍ على ألّا تَعدلوا اعدِلوا هُوَ أقربُ للتَّقوى}[المائدة8]،لا ينبغي أن يأخذ أحد أكثر من حقه،لأنه ابن فلان أو ابن علان،ولا ينبغي لأحد أن يزاد على عقوبته ،لأنه لا سند له في الناس ولا ظهر،كل إنسان مطالب بأن يؤدي الحق الذي عليه،وهو له أن يأخذ الحق الذي له دون وكسٍ ولا شطط.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما حدّثه أسامة في أمر المرأة المخزومية التي سرقت،امرأة من قريش من بني مخزوم،من ذؤابة قريش،سرقت وثبتت عليها التهمة،وحقّ عليها العقوبة،أن تقطع يدها،هنالك قالت قريش:يا للعار،يا للفضيحة،امرأة من قريش،من بني مخزوم ،تُقطع يدها،وتمشي في الطريق مقطوعة اليد،فيعرف الناس أنها سارقة،ويُعيّر أبناؤها وأحفادها،بأنهم أبناء السارقة.همّهم هذا الأمر،ولكنهم جبنوا أن يكلموا فيها النبي صلى الله عليه وسلم،فقالوا:من يجترأ على ذلك إلا أسامة بن زيد،حبُّه وابن حبّه،حبيبه وابن حبيبه.فذهبوا إلى أسامة وكلموه ليشفع لهذه المرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم،وذهب أسامة وكلّم النبي صلى الله عليه وسلم،فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال لأسامة:”أتشفع في حدٍّ من حدود الله يا أسامة؟ثم قام فاختطب،فقال:”أيها الناس،إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه،وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ،وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”[متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها].

فاطمة بنت محمد أعزُّ الناس إليه،وأحبُّ الناس إليه،ولكن إذا فعلت ماتستحق به العقوبة،فلابدّ أن تنفذ فيها العقوبة،هذا هو الإسلام،هذه هي المساواة،هذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض”.

ويقول الشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور(مقال :أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة):

“المساواة في الإسلام تتعلق بثلاثة أشياء:الإنصاف،وتنفيذ الشريعة،والأهلية.

الأولى:المساواة في الإنصاف بين الناس في المعاملات:وهي المعبر عنها بالعدل،وهو خصلة جليلة جاءت به جميع الشرائع،وبينت تفاصيله بما يناسب أحوال أتباعها.

وشريعة الإسلام أوسع الشرائع في اعتبار هذه المساواة،ففي خطبة الوداع:”وإن ربا الجاهلية موضوع،وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب،وإن دماء الجاهلية موضوعة،وإن أول دم أبدا به دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب”.وفي الصحيح:”أن الرُّبيعَ بنت النّضر لطمت جارية،فكسرت ثنيتها،فطلب أهل الجارية القصاص،فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص،فجاء أنس بن النضر أخو الربيع وكان من خاصة الصحابة من الأنصار فقال: يارسول الله،والله لاتكسر ثنية الربيع،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:كتاب الله القصاص”ثم إن أهل الجارية رضوا بالأرش.

وقصة الفزاري الذي لطمه جبلة بن الايهم معروفة.

الثانية:المساواة في تنفيذ الشريعة وإقامتها بين الأمة:بحيث تجري أحكامها على وتيرة واحدة ولو فيما ليس فيه حق للغير،مثل إقامة الحدود.[حادثة المرأة المخزومية وقطع يدها].

الثالثة:المساواة الأهلية:أي في الصلوحية للأعمال والمزايا وتناول المنافع بحسب الأهلية.وهذه قد تكون بين جميع من هم داخلون تحت سلطة الإسلام ،وتكون بين المسلمين خاصة،وتكون بين أصناف المسلمين من الرجال أو من الأحرار من النساء.والأصل في هذه الأهلية في الإسلام هو المساواة بين الداخلين تحت حكم الإسلام كلهم لقوله صلى الله عليه وسلم في أهل الذمة:”لهم مالنا وعليهم ماعلينا”.

ثم المساواة بين المسلمين خاصة في أحكام كثيرة بحكم قوله تعالى:{إنّما المؤمنون أخوة}[الحجرات 10].

قد جمع حكم الأخوة اطراد المساواة فدخل الرجال والنساء والأحرار والعبيد إلا فيما دلت الأدلة على تخصيصه بصنف آخر دون آخر لا تخصيصاً اقتضاه حال الفطرة،أو مصلحة عامة.

وفي الحديث:”الناس كأسنان المشط”[قال الشيخ الألباني حديث ضعيف]فلم يقصر المساواة على جنس أو قبيلة،ولم يقدم عربياً على أعجمي ولا أبيض على أسود ولا صريحاً على مولى،ولا لصيق،ولامعروف النسب على مجهوله.وفي خطبة حجة الوداع:”أيها الناس،إن ربكم واحد،وإن أباكم واحد،كلكم لآدم وآدم من تراب،لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى”.

قد كان تمايز الأجناس أو القبائل في القوانين والشرائع السالفة أصلاً في الأحكام،ففي التوراة سفرٌ لخصائص اللاويين،وعند الرومان والفرس وبني إسرائيل لم يكن للدخيل في الأمة مثل ما للأصًيل،وعند العرب لم يكن للصريح ما للصيق بَلْهَ الغريب عن القبيلة،والإسلام أبطل ذلك.

أمّرَ النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وهو من موالي قريش،وأمّرَ ابنه أسامة بن زيد على جيش،فتكلم في المرتين بعض العرب فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:”إن تطعنوا في إمارته ـ يعني أسامة ـ فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبله وأيم الله إن كان لخليقاً للإمرة،وإن كان لمن لمن أحب الناس إليّ بعده”.[رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما].

فنبه بقوله”إن كان لخليقاً بالإمارة” على أن الاعتبار بالكفاءة،ونبه بقوله”لمن أحب الناس إلي”على أنه إنما اكتسب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لفضله وكفاءته،إذ بذلك تكتسب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد كان نظام الطبقات فاشياً بين الأمم،فكانت الفرس والروم يعدون الناس أربع طبقات أشرافاً،وأوساطاً،وسفلة،وعبيداً.وكان العرب يعدون الناس طبقات ثلاثاً:سادة،وسوقةً،وعبيدا،فكان الفرس يخصون كل طبقة بخصائص لاتبلغ إليها الطبقة التي دونها.

سأل رستم قائد جيوش الفرس في حرب القادسية زهرة بن حوية عن الإسلام فكان من جملة ماقاله زهرة لرستم:إن الناس بنو آدم إخوة لأب وأم.فقال رستم:إنه منذ ولي أردشير لم يدع أهل فارس أحداً من السفلة يخرج من عمله،ورأوا أن الذي يخرج من عمله تعدى طوره،وعادى أشرافه. قال زهرة:نحن خير الناس للناس،فلا نستطيع أن نكون كما تقول بل نطيع الله في السفلة ولايضرنا من عصى الله فينا.

وكان العرب يفرقون في الدية بين السادة والسوقة وفي الاقتصاص في الدماء ويسمون ذلك بالتكايل،فيُقدّر دمُ السيد أضعاف دم السُّوقة،فجاء الإسلام بإبطال ذلك ففي الحديث :”المسلمون تتكافأ دماؤهم”.[رواه ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما].

ولم يعتبر الإسلام للطبقات أحكاماً في الأهلية للكمال إلا في جعل الناس قسمين:أهل الحل والعقد،والرعية،فأهل الحل والعقد هم ولاة الأمور،وأهل العلم،ورؤساء الأجناد،فهؤلاء طبقة إسلامية جُعل إليها النظر في إجراء مصالح الأمة،ومن خصائصها:انتخاب الخليفة،كما فعل عبد الرحمن بن عوف في تعيين الخليفة من الستة بعد عمر رضي الله عنهم.

وأما المخالفون في الدين من أتباع حكومة الإسلام فقد منحهم الإسلام مساواة في معظم الحقوق عدا ما روعي لهم فيه احترام شرائعهم فيما بينهم،وعدا بعض الأحكام الراجعة إلى موانع المساواة.

وقد اختلف علماء الإسلام في القصاص بين المسلم والذمي،وجوز العلماء ولاية الذمي ولاياتٍ كالكتابة ونحوها.

موانع المساواة:

موانع المساواة تكون:جِبلِّية،وشرعية،واجتماعية،وسياسية.

فالموانع الجبلية:كموانع مساواة المرأة للرجل،فيما لا تستطيع أن تساويه فيه بخلقها،مثل قيادة الجيش،والقضاء عند جمهور المسلمين،لاحتياج هذه الخطط إلى رباطة الجأش،وكمنع مساواة الرجل للمرأة في كفالة الابناء الصغار،وفي استحقاق النفقة.

والموانع الشرعية:هي المعلولة لعلل أوجبتها،وهي مبينة في مواضعها من كتب الشريعة مثلاً عدم المساواة في إباحة تعدد الأزواج للمرأة،وفي مقدار الميراث،وفي عدد الشهادة،ومثل عدم مساواة العبد للحر في قبول الشهادة،وكذلك أهل الذمة عند من منع قبول شهادتهم،ومن منع القصاص لهم من المسلمين بالقتل.

والموانع الاجتماعية: تتعلق غالباً بالأخلاق،وبانتظام الجامعة الإسلامية على أكمل وجه،كعدم مساواة الجاهل للعالم في الولايات المشروطة بالعلم كالقضاء والفتوى،وعدم مساواة العطاء بين أهل ديوان الجند،فقد أعطاهم عمر على حسب السابقية في الإسلام،وحفظ القرآن.

والموانع السياسية: هي التي ترجع إلى حفظ حكومة الإسلام،وسد منافذ الوهن أن يصل إليها كمنع مساواة أهل الذمة للمسلمين في الأهلية للولايات التي يمنع منها التدين بغير الإسلام،ومنع مساواتهم للمسلمين في تزويج المسلمات….

الحرية

يقول الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله(مقال بعنوان الحرية):

“لا سبيل إلى السعادة في الحياة،إلا إذا عاش الإنسان فيها حراً مطلقاً،لا يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس.

الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس،فمن عاش محروماً منها عاش في ظلمة حالكة،يتصل أولها بظلمة الرحم،وآخرها بظلمة القبر.

ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثاً جديداً أو طارئاً غريباً،وإنما هي فطرته التي فطر عليها..

إن الإنسان الذي يمد يديه لطلب الحرية ليس بمتسول ولا مستجد،وإنما هو يطلب حقاً من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية،فإن ظفر بها فلا منّة لمخلوق عليه،ولا يد لأحد عنده”.

يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله(الموقع ـ مقال بعنوان:الإسلام والحرية):

“جاء الإسلام فقرر مبدأ الحرية،وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلمته المشعورة في ذلك:”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”.وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصية له:”لاتكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً”.

فالأصل في الناس أنهم أحرار بحكم خلق الله،وبطبيعة ولادتهم..هم أحرار،لهم حق الحرية…وليسوا عبيداً..جاء الإسلام فأقرّ الحرية في زمن كان الناس فيه مستعبدين:فكرياً،وسياسياً،واجتماعياً،ودينياً، واقتصادياً،جاء فأقرّ الحرية،حرية الاعتقاد،وحرية الفكر،وحرية القول،والنقد،أهم الحريات التي يبحث عنها البشر…

جاء الإسلام وهو دين،فأقرّ الحرية الدينية،حرية الاعتقاد،فلم يبح أبداً أن يكره الناس على اعتناقه،أو اعتناق سواه من الأديان وأعلن في ذلك قول الله عز وجل:{أفأنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حتى يكونوا مؤمنينَ }[يونس99] هذا في العهد المكي،وفي العهد المدني جاء في سورة البقرة:{لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}[البقرة 256]وسبب نزول هذه الآية يبين لنا إلى أي مدى وصل الإسلام في تقديس الحرية،وفي تكريم هذا المعنى،وتأكيد هذا المبدا،فقد كان الأوس والخزرج في الجاهلية إذا امتنعت المرأة من الحمل فنذرت إذا ولدت ولداً هودّته،أي جعلته من يهود،وهكذا نشأ بين الأوس والخزرج هاتين القبيلتين العربيتين بعض أبناء يهود،فلما جاء الإسلام وأكرمهم الله بهذا الدين وأتمّ عليهم نعمته،أراد بعض الآباء أن يعيدوا أبناءهم إلى الإسلام دينهم،ودين الأمة في ذلك الحين،وأن يخرجوهم من اليهودية،ورغم الظروف التي دخلوا فيها اليهودية،ورغم الحرب بين المسلمين وبين اليهود،لم يبح الإسلام إكراه أحد على الخروج من دينه وعلى الدخول في دين آخر ولو كان هو الإسلام.

لم يكن مبدأ الحرية قد جاء نتيجة تطور في المجتمع،أو ثورة طالبت به،أو نضوج وصل إليه الناس،وإنما كان مبدأ أعلى من المجتمع في ذلك الحين…جاء مبدأ من السماء،ليرتفع به أهل الأرض،جاء الإسلام ليرقى بالبشرية،بتقريرهذا المبدأ،مبدأ حرية الاعتقاد،وحرية التدين،ولكن هذا المبدأ الذي أقره الإسلم مشروط ومقيد أيضاً بألا يصبح الدين ألعوبة في أيدي الناس…كما قال اليهود:{آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون}آل عمران 72]آمنوا الصبح وفي آخر النهار تولوا:لقد وجدنا دين محمد صفته كذا وكذا ..فتركناه.أو آمنوا اليوم واكفروا غداً…أو بعد أسبوع…شنعوا على هذا الدين الجديد…

أراد الله سبحانه ألا يكون هذا الدين ألعوبة،فمن دخل في الإسلام بعد اقتناع وبعد وعي وبصيرة فليلزمه،وإلا تعرض لعقوبة الردة.فالحرية الأولى حرية التدين والاعتقاد.

أما الحرية الثانية فهي حرية التفكير…والنظر…فقد جاء الإسلام يدعو الناس إلى النظر في الكون،وإلى التفكر:{إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[سبأ 46]،{قل انظروا ماذا في السموات والأرض}[يونس 101]،{أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}[الحج46]،وحمل الإسلام حملة عشواء على الذين يتبعون الظنون والأوهام وقال:{إنّ الظن لا يغني من الحقِّ شيئاً}[النجم28] وعلى الذين يتبعون الهوى وعلى الذين يقلدون الآباء،أو يقلدون الكبراء والرؤوساء،حمل على أولئك الذين يقولون يوم القيامة: {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا}[الأحزاب 67]وحمل على أولئك الذين يقولون:{إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أثارهم مقتدون}[الزخرف22]وجعلهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا…حمل على المقلدين والجامدين ودعا إلى حرية التفكير وإلى إعمال العقل وإعمال النظر،وصاح في الناس صيحته:{هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}[البقرة111]واعتمد في إثبات العقيدة الإسلامية على الأدلة العقلية،ولهذا قال علماء الإسلام:”إن العقل الصريح أساس النقل الصحيح” العقل أساس النقل..فقضية وجود الله قامت بإثبات العقل،وقضية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم  إنما ثبتت بإثبات العقل أولاً،فالعقل هو الذي يقول:هذا رسول،قامت البينة على صدقه ودلت المعجزات على صحة نبوته،ويقول العقل:هذا كذاب وهذا دجال ليس معه بينة،وليس معه معجزة.فهذا احترام الإسلام للعقل وللفكر.

ومن هنا ظهر في الإسلام نتيجة للحرية الفكرية،الحرية العلمية،وجدنا العلماء يختلفون،ويخطىء بعضهم بعضاً،ويرد بعضهم على بعض،ولا يجد أحد في ذلك حرجا.نجد أهل السنة ينتفعون به ،ولايرون حرجاً في ذلك…كل مايمكن أن يأتي رجل من أهل السنة وعلمائهم كإبن المنير يعمل حاشية عليه باسم”الانتصاف من الكشاف”أو يأتي إمام كالحافظ ابن حجر فيؤلف كتابه”الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف”.وهكذا فكان العلماء ينتفع بعضهم بكتب بعض،وبآراء بعض ورأينا اختلاف الفقهاء وسعة صدورهم في الخلاف بين بعضهم وبعض،هذا كله يدل على حرية الفكر وعلى الحرية العلمية في داخل الأمة الإسلامية.

وحرية القول والنقد أيضاً،أقرها الإسلام،بل جعل ماهو أكثر من الحرية إذ جعل القول والنقد ـ إذا تعلقت به مصلحة الأمة ومصلحة الأخلاق والآداب العامة ـ أمراً واجباً..أن تقول الحق،لاتخاف في الله لومة لائم،أن تأمر بالمعروف،أن تنهى عن المنكر،أن تدعو إلى الخير،أن تقول للمحسن:أحسنت،وللمسىء :اسأت.

هذا ينتقل من حق إلى واجب إذا لم يوجد غيرك يقوم به.أو إذا كان سكوتك يترتب عليه ضرر في الأمة،أو فساد عام،حين ذاك يجب أن تقول الحق،لا تخشى مايصيبك :{وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}[لقمان17]،هذا ما وصل إليه الإسلام…ليس في الإسلام أن تكتم أنفاس الناس ولا أن يلجم الناس بلجام فلا يتكلموا إلا بإذن،ولايؤمنوا إلا لابتصريح،كما قال فرعون لسحرته:{آمنتم له قبل أن آذن لكم}يريد ألا يؤمن الناس إلا بإذن،وألا يتكلم الناس إلا بتصريح من السلطات العليا….لا…

جاء الإسلام فأباح للناس أن يفكروا…بل أمرهم أن يفكروا وأباح للناس أن يعتقدوا مايرون أنه الحق،بل أوجب عليهم ألا يعتنقوا إلا ما يعتقدون أنه الحق وأوجب على صاحب العقيدة أن يحمي عقيدته ولو بقوة السلاح

فهذا هو الإسلام،جاء بهذه الحريات…جاء بالحرية ولكنها حرية الحقوق وليست حرية الكفر والفسوق.ليست الحرية التي يزعمونها اليوم،حرية شخصية هكذا يسمونها….أي أن تزني،وأن تشرب الخمر،وأن ترتكب الموبقات كما تشاء،ثم بالنسبة للأمور الأخرى التي تتعلق بالمصلحة”لاحرية” لا تنقد،لا تقل ما تعتقد،لا تقل للمحسن أحسنت،…لا…إنما لك الحرية الشخصية…حرية إفساد نفسك،إفساد أخلاقك ،إفساد ضميرك،إفساد عبادتك،إفساد أسرتك،لك الحرية في ذلك.إذا كان هذا هو معنى الحرية،فالإسلام لايقر هذه الحرية،لأنها حرية الفسوق لا حرية الحقوق،إنما الإسلام يقر الحرية حرية التفكير،حرية التعاقد حرية التصرف بما لايؤذي أحداً،حرية التملك بالشروط والقيود المشروعة،بدون ضرر ولا ضرار…

فأي حرية ترتب عليها ضرر لنفسك،أو إضرار لغيرك،يجب أن تمنع،ويجب أن تقيد في هذه الحالة فإن حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية غيرك،أما أن تدعي الحرية ثم تدوس الناس،هذا لايقول به أحد”.

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(الموسوعة ـ المجلد الخامس ـ ص238ـ 239):

“والأمر بالتفكير نص صريح في القرآن الكريم ،فليس من الدين أن يتلقى المسلم آيات ربه في كتابه وآيات ربه في خلقه بغير تفكير:{فاقصُصِ القَصصَ لعلَّهُم يتفكَّرون}[الأعراف176]،{إنّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يتفكَّرون}[الجاثية 13]،{إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقِلُون}[النحل 12]،{كَذلِكَ نُفصِّلُ الآياتِ لقومٍ يعقِلُون}[الروم 28]،{قُلْ هل يستوي الأعمى والبصيرُ أمْ هل تستوي الظُّلماتُ والنُّور}[الرعد16]،{ويسألونكَ ماذا يُنفقونَ قلِ العفوَ كذلكَ يُبيِّنُ اللهُ لكُمُ الآياتِ لعلَّكُمْ تتفكَّرون}.[لبقرة 219]

وليس في القرآن الكريم أمر واجب على الإنسان أكثر من واجب العقل والتفكير،وليس فيه نعي على قوم أشد من النعي على الذين لايعقلون ولايتفكرون”.

ويقول الأستاذ محمد حبيب العبيدي(مقال الحرية في الإسلام ـ مجلة الفتحـ العدد 3 ـ بتاريخ 30 ىونيو عام 1926م):

“منح الإسلام الأمة حريتها بكل معنى الحرية وأقسامها،وفي مقدمة ذلك الحرية الفكرية،والحرية الدينية،كأن لسان حالها يقول:”أليس القوة المدركة من الإنسان هي نور قلبه،وشعلة دماغه،وبها امتاز عن سائر الحيوان،فإذا طمس على ذلك النور،وأطفئت تلك الشعلة،أفلا يكون ذلك تنزيلاً للإنسانية من أوج علاها إلى حضيض البهيمة؟وهل للحجر على حرية الأديان معنى غير الطمس على نور القلب،أو للحِجر على حرية الفكر مآل غير إطفاء الشعلة الجوالة في الدماغ؟

إن الشريعة الإسلامية لم تقاوم من الأديان إلا ما قام على دعائم الوثنية،ولم ترفض من حرية الفكر إلا ما اصطبغ بلون العناد بعد ظهور الحجة واتضاح المحجة.

أما في غير الوثنية فقد تركت للراهب صومعته،وللكاهن بيعته،وللحبر كنيسته،ثم صاحت في أبنائها على لسان القرآن:{ولا تُجادِلوا أهلَ الكتابِ إلّا بالّتي هيَ أحسنُ}.[العنكبوت 46]

فلم تكتف بمنح الخصم من أهل الكتاب حرية الفكر،حتى كللت ذلك بالتنبيه على آداب البحث فيما ولجت الأمة بابه،فألزمتها أن ترعى الآداب فيه على أحسن وجه فوق مايفرضه فن المناظرة،ثم زادت الأمر عناية بإيراده على صورة الحصر”.

وجاء في ويكيبيديا الموسوعة الحرة في مقال بعنوان :حرية التعبير في الإسلام:

“إن الإسلام أعطى للإنسان حرية الفكر والكلام والعمل ولكن ضمن حدود أن لايؤذي نفسه أو الآخرين ومثال على ذلك تحريم بعض الأطعمة والأشربة لتسببها في إيذاء النفس ويعتقد معظم علماء المسلمين أن تحرير الإنسان من العبودية لغير الله وتحريره من شهوات نفسه ونزوات غريزته هي أولى أنواع الحريات التي قام بها الإسلام في أيامه الأولى بينما تطلّب هذا النوع من الحرية قرونا من النضال في أوروبا للتخلص من استبداد حكام الإقطاع وسلطان رجال الكنيسة.فالإسلام يعتبر التحرر من عبودية غير الله أول وأهم أنواع الحريات كما جاء في سورة النساء:{ألم ترَ إلى الذين يزعُمُونَ أنَّهُمْ آمَنُوا بما أُنزِلَ إليكَ وما أُنزِلَ من قَبلِكَ يُريدونَ أن يَتحاكموا إلى الطَّاغوتِ وقد أُمروا أن يكفرُوا بهِ ويُريدُ الشَّيطانُ أن يُضلَّهُم ضلالاً بعيداً}.[النساء 60]

فوفق التصور الإسلامي فإن حرية الإنسان هي ثمرة عبودية وحيدة يرتبط بموجبها الإنسان بالله المصدر الأول للكون والحياة”.

أمثلة حية واقعية على الخلافة الراشدة

 1 ـ أبو بكر الصديق رضي الله عنه

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب أبي بكر الصديق):

“إني قرأت سير آلاف العظماء من المسلمين وغير المسلمين،فوجدت فيهم من هو عظيم بفكره،ومن هو عظيم ببيانه،ومن هو عظيم بخلقه،ومن هو عظيم بآثاره،ووجدت عمر(الفاروق) قد جمع العظمة من أطرافها،فهو عظيم الفكر والاثر والخلق والبيان.

وأقول اليوم:إن أبا بكر كان أعظم من عمر في كل شيء.حتى في القوة التي كانت شعار عمر،وكانت عنوان شخصيته،فإن أبا بكر الضعيف الجسد،الرقيق العود،لما بارى عمر في القوة كان هو الأقوى.

إن عمر عظيم عظيم،ولكن لا يعدل أبا بكر.

إن أبا بكر هو أعظم العظماء بعد الأنبياء.ولقد أقر عمر بذلك بلسانه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم،وتاريخه كله إقرار بذلك،ولا يعرف الفضل إلا ذووه،رضي الله عنهما.

وحسبكم أن أبا بكر كان أسبق الرجال إلى الإسلام،وأنه كان أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما خبر بذلك صلى الله عليه وسلم.

ولقد تواجه أبو بكر وعمر،لا مواجهة المتبارين فما كانا يختلفان ولا في المزاح،بل مواجهة المتنافسين على(درجة الامتياز)في السباق إلى رضا الله.

تواجها يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوم السقيفة ويوم بعث جيش أسامة،ويوم الردة،وكلها نوازل نزلت بالمسلمين،وفي النوازل الثقال توزن أقدار الرجال،فكان أبو بكر رضي الله عنه وعن عمر أثبت في الشدائد،وأشجع في اقتحام الأهوال،وأكثر علماً بالله،وكان هو الأرجح في الميزان.

وإذا كان العاشق يصدع قلبه،ويكاد يذهب رشده،موت حبيبه،وهو عشق أرضي ـ فماذا يصنع موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحابة،وحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حب سماوي،من طراز نادر ما عرفه العشاق،ولا ذاقه المحبون ـ العاشق إنما يحب في المعشوق لذة نفسه،وهم أحبوا رسول الله أكثر من حبهم أنفسهم،لذلك طاشت عقولهم لما رأوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حياً بين أظهرهم فغدا ميتاً أمام أنظارهم،وكان ينقل إليهم الخبر من السماء،فانقطع بموته خبر السماء،وكان يحمل إليهم كلمات الله فلم يعد يتنزل الوحي بكلمات الله.

لم يصدق عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات،وحمله حبه إياه أن يحسب أنه ذهب لميعاد من ربه كميعاد موسى،إذ غاب عن قومه أربعين ليلة،ثم رجع إليهم،وسلَّ سيفه وقام يخطب،يقول والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال زعموا أنه مات)،وكأنه عدها من الشائعات الضارة التي لا أصل لها،فهدد من يرويها ويشيعها.

وأخذ أكثر القوم بقول عمر،حتى جاء أبو بكر فجاء معه اليقين،وجاءت السكينة،وكان عمر يكلم الناس،فما وقف عليه حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى مغطى بثوب يمان،في بيت عائشة ـ فكشف عن وجهه ثم أقبل عليه فقبله ثم قال:بأبي أنت وأمي،أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها،ثم لن يصيبك بعدها موتة أبداً.

ثم رد الثوب على وجهه،ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال:على رسلك ياعمر فأنصت.فأبى إلا أن يتكلم.فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس،فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر،فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أيها الناس إنه من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات،ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.ثم تلا هذه الآية:{وما مُحمَّدٌ إلّا رسولٌ قد خلتْ من قَبلهِ الرُّسلُ أفائن ماتَ أو قُتِلَ انقلبتُم على أعقابِكُم ومن ينقلِبْ على عَقبيهِ فلن يَضُرَّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين}قال الراوي أبو هريرة فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر يومئذ وأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم.قال عمر:فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.

ويوم الردة؟إنه ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عمَّ الإسلام الجزيرة كلها،ودخل فيه العرب جميعاً،وامتدت الدعوة إلى البلدان المجاورة وكان أقربها إلى الحجاز وأشدها صلة به دار الشام التي كان يحكمها البيزنطيون.

ولقد وجه الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى ملوك هذه البلدان،وكتب إليهم ليدخلوا في الإسلام،وقاد بنفسه قوة عسكرية إلى تبوك،ثم بعث قوة أخرى إلى مؤتة،وكانت فرقة صغيرة لا يجاوز عدد جنودها ثلاثة آلاف،فواجهها جيش ضخم للعدو،يزيد عن مئة وخمسين ألفاً،واستطاعت هذه الفرقة مع ذلك الانسحاب انسحاباً شريفاً سليماً.

وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم بعد ذلك على حماية الدعوة في الشام بالقوة،فأعد جيشاً كبيراً،استنفر له الناس استنفاراً عاماً،وكان فيه كبار الصحابة،وشيوخ الإسلامنوكأن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلمهم أن عماد الحياة العسكرية الطاعة،وأن على المسلمين أن يقبلوا إمارة أيّ مسلم صغيراً كان أو كبيراً مادام قد انتخبه أوعيّنه من له حق الانتخاب أو التعيين، ومادام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر،وينفذ أحكام الشرع،فولّى على هذا الجيش الذي فيه أمثال أبي بكر وعمر شاباً صغيراً عمره سبعة عشر سنة هو أسامة بن زيد.
وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش مرابط على أبواب المدينة يتهيأ للمسير،وانتخب أبو بكر،فوقف أسامة أمير الجيش،يتلقى الأوامر الجديدة من الخليفة الجديد.

في ذلك الظرف…كانت الردة،وانتقض أمر الناس فاستشرى النفاق في المدينة،ورفع المنافقون رؤوسهم التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أذلّها بالحق،وجعلت الأخبار تصل إلى المدينة تباعاً،بأن العرب ارتدوا،قبيلة بعد قبيلة،وانتشرت الردة انتشار النار في الهشيم،حتى لم يبق في الجزيرة كلها إلا ثلاثة مساجد،لم تصل إلى أهلها الردة،وهي مكة والمدينة والبحرين.

وكان عمر في جيش أسامة،فبعث به أسامة إلى أبي بكر وقال له:إن معي وجوه الناس،ولا آمن على خليفة رسول الله وعلى أهل المدينة أن يتخطفهم المشركون،فاستأذن لي بالرجوع،وتأجيل السفر.وقالت له الأنصار:بلغ الخليفة إذا أصرّ على توجيه الجيش أننا نطلب قائداً أكبر سناً من أسامة.

فخرج عمر بأمر أسامة حتى أتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة.قال له:يا خليفة رسول الله إن العرب قد ارتدت على أعقابها كفاراً كما قد علمت وأنت تريد أن تنفذ جيش أسامة،وفي جيش أسامة جماعة العرب وأبطال الناس،فلو أبقيته عندك لتقويت به على من ارتد من هؤلاء العرب.

فقال أبو بكر:والله لو علمت أنّ السباع تجر برجلي إن لم أرده ما رددته،ولا حللت لواء عقده رسول الله.

قال عمر:إن الأنصار أمروني أن أبلغك أنهم يطلبون أن تولي أمرهم رجلاً أقدم سناً من أسامة.

فوثب أبو بكر وكان جالساً فأخذ بلحية عمر،وقال:ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب….ولّاه رسول الله وتأمرني أن أعزله؟

فرجع عمر إلى الناس فقالوا:ما وراءك؟قال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم،مالقيت في سبيلكم من خليفة رسول الله.

وذهب أبو بكر يودع الجيش،وكان يمشي مع أسامة على رجليه وأسامة راكب،فقال له أسامة:يا خليفة رسول الله،والله لتركبن أو لأنزلن،قال:والله لاتنزل ولا أركب،وما عليَّ أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة….حتى إذا انتهى الوداع قال لأسامة:إن رأيت أن تعينني بعمر،فافعل،فأذن له.

وتوجه الجيش،وجعل لا يمر بقبيلة تريد الارتداد إلا قالوا:لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج هذا الجيش من عندهم.

والتفت أبو بكر إلى أهل الردة،وكانوا قد بعثوا بوفود إلى المدينة فقالوا:نؤمن بالله ونشهد أنّ محمداً رسول الله،ولكنا لا نعطيكم أموالنا.

ونزل الوفد على وجوه الناس،وتوسّلوا بهم إلى أبي بكر،فكلموه وقال له عمر:كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله،فإن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها.فقال أبو بكر:والله لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه.

قال عمر:يا خليفة رسول الله تألّف الناس وارفق بهم.

فقال له أبو بكر:رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك،أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟إنه قد انقطع الوحي،وتم الدين،أو ينقص وأنا حي؟

وواجه  أبو بكر هذا الموقف بإيمان أثبت من الجبل وأعصاب أمتن من الحديد.

أما إيمانه فقد منعه أن ينقض أمراً كان أبرمه رسول الله،ولو نقضه لكان لذلك مسوّغ شرعي،ولكنه لم يفعل.

وأما قوة أعصابه،فقد ثبّته في هذا المضطرب الذي يميل فيه أشد الرجال..

ولم يدخل داره،ويغلق عليه بابه،مستريحاً إلى أنه أمضى أمر رسول الله،بل حصّن المدينة بعد خروج الوفود منها،وعيّن علياً والزبير وطلحة وابن مسعود قواداً للدفاع عنها من جهاتها الأربع،وألزم الناس جميعاً الاجتماع في المسجد كل يوم،على أهبّة الاستعداد،وقال لهم:إن الأرض كافرة،قد رأت وفود المرتدين قلّتكم،وإنكم لا تدرون أياتونكم ليلاً أم نهاراً فاستعدوا وأعدوا…

ولم تمض ثلاث ليال،حتى وصلت أوائلهم المدينة،فهاجموها ليلاً،يحسبونها لقمة سائغة،فوجدوا الحاميات أمامهم فكان اصطدام…ووصل الخبر إلى أبي بكر فأمرهم بالثبات،وخرج مع الجند المجتمعين في المسجد،فردوهم،وانهزموا،ولكنهم عمدوا إلى حيلة معروفة عند العرب،فأخذوا قرب السمن،فنفخوها وربطوها بالحبال،ودحرجوها تحت أرجل المسلمين ليلاً،والجمال لا تفزع من شيء فزعها منها…فنفرت بالمسلمين حتى دخلت بهم المدينة وسلّم الله فلم يصب منهم أحد.

وظن المرتدون أن المسلمين ضعاف،فجمعوا جموعهم،وعزموا على غزوالمدينة واحتلالها،ولم يفزع أبو بكر،ولم يتحصن في البلد ويغلق أبوابه،بل أعد حملة عسكرية،قادها بنفسه،وانتقل بها بسرعة وكتمان،فهاجم بها المرتدين ليلاً،وهم يزيدون أضعافاً مضاعفة على المسلمين،فما شعروا إلا والسيوف فوق أعناقهم،فما طلع النهار حتى ردوهم وهزموهم،وكسر الله بهم شوكتهم،وكان هذا كله،وسلسلة الانتصارات التي جاءت بعده ثمرة من ثمار إيمان أبي بكر الذي هان عليه معه كل عزيز في الدنيا.

شهد له سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بأنه وحده الذي دخل الإسلام قلبه لما عرضه عليه بلا تردد،وما أحد غيره إلا تردد شيئاً قليلاً،إلا خديجة شريكة حياته،وعلياً ربيبه وابن عمه.

وقبل منه الرسول صلى الله عليه وسلم ماله كله،وما قبل من عمر إلا نصفه،وقال لسعد وللمسلمين:الثلث والثلث كثير،وولّاه لما مرض الصلاة بالمسلمين.وأثبت الله صحبته بنص القرآن،فمن أنكرها خرج من زمرة أهل القرآن…

2 ـ عمر الفاروق رضي الله عنه

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(مقدمة كتاب أخبار عمر):

“أنا كلما ازددت اطلاعاً على أخبار عمر،زاد إكباري وإعجابي به،ولقد قرأت سير آلاف العظماء من المسلمين وغير المسلمين،فوجدت فيهم من هو عظيم بفكره،ومن هو عظيم ببيانه،ومن هو عظيم بخلقه،ومن هو عظيم بآثاره.

ووجدت عمر قد جمع العظمة من أطرافها،فكان:عظيم الفكر،والأثر،والخلق،والبيان.

فإذا أحصيت عظماء الفقهاء والعلماء،ألفيت عمر في الطليعة،فلو لم يكن له إلا فقهه لكان به عظيماً.

وإن عددت الخطباء والبلغاء،كان اسم عمر من أوائل الأسماء.

وإن ذكرت عباقرة المشرعين،أو نوابغ القواد العسكريين،أو كبار الإداريين الناجحين،وجدت عمر إماماً في كل جماعة،وعظيماً في كل طائفة.

وإن استقريت العظماء الذين بنوا دولاً،وتركوا في الأرض أثراً،لم تكد تجد فيهم أجلّ من عمر.

وهو فوق ذلك عظيم في أخلاقه،عظيم في نفسه.

يقول الدكتور عبد الرحمن عميرة في كتاب “رجال أنزل الله فيهم قرآنا” المجلد الثاني في عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

“رجل من معدن الرجولة.عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أودية مكة ودروبها،فتمنى أن يشرح الله صدره للإسلام،وطلب ذلك من ربه بقوله:”اللهم أيِّد الإسلام بأحد العمرين”[رواه الترمذي وأحمد في المسند والبيهقي وصححه ابن حبان].

وشجاع أرهب الصناديد والأبطال،وكان يصارعهم في سوق عكاظ فيصرعهم.

وخلشع لربه متبتل في محرابه حتى قالت عنه أم أبان عتبة بن ربيعة:”إنه رجل أذهله أمر آخرته عن أمر دنياه كأنه ينظر لربه بعينيه”

وبين جبال مكة الشم،وعلى قممها العالية،تفتح شبابه،وقويت ساعداه،وأجاد ما يتعلمه شباب مكة وفتيانها في ذلك الوقت،من إصابة الهدف،وتسديد الرمح،وخفة الحركة على صهوات الخيل.

ومن إخوة عمر رضي الله عنه زيد بن الخطاب .شهد بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقُتل باليمامة شهيداً.وحزن عمر الفاروق على أخيه حزناً شديداً حتى كان يقول:”ما هبت الصبا إلا وجدت نسيم زيد،لقد سبقني بالحُسنيين :أسلم قبلي واستشهد قبلي”.

ومن أبناء عمر الفاروق:المتبتل العابد عبد الله بن عمر الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجه حفصة بنت عمر:”إن أخاك عبد الله رجل صالح لو كان يقوم من الليل”.يقال:فما ترك ابن عمر بعدها قيام الليل.

وابنته حفصة أم المؤمنين زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم العابدة القوامة،والتي هي من أهل الجنة كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كيف أسلم عمر بن الخطاب؟

ولنستمع إليه يحدثنا عن ذلك…إنه يقول:”كنت للإسلام مباعداً،وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها.وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش.فخرجت أريد جلسائي أولئك فلم أجد منهم أحداً.فقلت:لو أنني جئت فلاناً الخمار،وخرجت فلم أجده.

قلت: لو أنني جئت الكعبة فطفت بها سبعاً أو سبعين فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي وكان إذا صلى استقبل الشام،وجعل الكعبة بينه وبين الشام،واتخذ مكاناً بين الركنين،الركن الأسود والركن اليماني.

فقلت حين رأيته:والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول،وقام بنفسي أني لو دنوت أسمع منه لأروعنه،فجئت من قبل الحجب فدخلت تحت ثيابها ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة فلما سمعت القرآن رقَّ له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام”[سيرة ابن هشام].

وهناك حادثة أخرى تروى عن عمر رضي الله عنه للتقريب بينه وبين الإسلام من ذلك:أنه كان يقف في طرقات مكة وشاهد هؤلاء الضعفاء الذين أعلنوا إسلامهم فوقفت لهم قريش بالمرصاد،وصبّت عليهم ألواناً من العذاب فآثروا الهجرة إلى الحبشة لعلهم يجدون بجوار ملكها الصالح الاطمئنان والأمن.

شاهد عمر هذا المنظر فاقترب من أم عبد الله بنت حنتمة وقال لها إلى أين يا أم عبد الله؟قالت:الهجرة،والله لنخرجن في أرض الله آذيتمونا وقهرتمونا،حتى يجعل الله لنا فرجاًزفتركها تنطلق وهو يدعو لها بالسلامة.فذكرته بخير.فسألها عامر بن ربيعة مستغرباً مستبعداً :كأنك قد طمعت في إسلام عمر؟قالت:نعم.قال: إنه لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب.[الكامل لابن الأثير].

وهناك الحادثة الثالثة التي انتهت بذهابه إلى دار الأرقم.حيث أعلن إسلامه ونطق بالشهادتين أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهي قصة معروفة.

أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.وأراد أن يُعلم بإسلامه صناديد قريش وطغاتها.فسأل في أحد أندية قريش:أيُّ أهل مكة أنقل للحديث؟قيل له:جميل بن يعمر الجمحي.فذهب إليه وصرح له بإسلامه.وما كاد الرجل يسمع هذه الكلمة من فم عمر حتى انطلق في طرقات مكة وحول الكعبة ينادي بأعلى صوته:يا معشر قريش:ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ.

وعمر يقول من خلفه:كذب ولكني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.ويجتمع عليه صناديد قريش وتنشب المعركة بينه وبين عتبة بن ربيعة فيصرعه عمر القوي..ويدخل أصبعه في عينيه.ويقول له:أزيل هذين العينين لأنهما لا يبصران النور”.ويتكاثرون عليه فلا يدنو منه أحد إلا أخذه.

وذهب يوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:يا رسول الله:ألسنا على الحق إن متنا أو حيينا؟فقال عليه السلام:بلى والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم.قال: ففيم الاختفاء؟والذي بعثك بالحق لنخرجن.

فما لبث النبي صلى الله عليه وسلم أن خرج في صفين ،أحدهما فيه عمر والآخر فيه حمزة.فدخلوا المسجد وقريش تنظر وتعلوها كآبة فلا يجرؤ سليط ولا حكيم أن يقترب من صفين فيهما هذان.وسماه النبي يومئذ بالفاروق.

يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:مازلنا أعزّة منذ أسلم عمر،كان إسلامه فتحاً،وكانت هجرته نصراً،وكانت إمارته رحمة،لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر”.

وقال  صهيب بن سنان:”لما أسلم عمر جلسنا حول البيت حلقاً،وطفنا وانتصفنا ممن غلظ علينا”.

وروى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:ما علمت أن أحداً من المهاجرين هاجر إلا مختفياً إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه،وتنكب قوسه وانتضى من يده أسهماً ومضى قِبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها،فطاف بالبيت سبعاً متمكناً ثم أتى المقام فصلى.ثم وقف على جماعتهم واحدة واحدة فقال لهم:”شاهت الوجوه .لا يرغم الله إلا هذه المعاطس.من أراد أن يثكل أمهنأو يوتم ولدهنأو يثرمل زوجته،فليلقني وراء هذا الواديزقال علي: فما اتبعه إلا قوم من المستضعفين علمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه”.

وكان عمر الفاروق رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله إليه.ومن ثم كان وزيراً لأبي بكر الصديق رضي الله عنه،يأتمر بأمره ،وينفذ ما يطلبه منه حتى قال عن نفسه:كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت عبده وخادمه،وكان من لا يبلغ أحد صفته من اللين والرحمة،وكان كما قال الله:{بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً}،فكنت بين يديه سيفاً مسلولاً حتى يغمدني أو يدعني فأمضي،فلم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راضٍ والحمد لله كثيراً على ذلك وأنا به أسعد فلما ولي أمر المسلمين أبو بكر فكان ممن لا ينكرون دعته وكرمه ولينه فكنت خادمه وعونه أخلط شدّتي بلينه،فأكون سيفاً مسلولاً حتى يغمدني أو يدعني فأمضي”.

وبعد وفاة أبي بكر الصديق واستخلاف عمر الفاروق من بعده ومبايعة المسلمين له وقف على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قال:”إن الله ابتلاكم بي،وابتلاني بكم بعد صاحبي،فلا والله لا يحضرني شىء من أمركم فيليه أحد دوني،ولا يتغيب عني فآلوا فيه عن أهل الصدق والأمانة،ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم ولئن أساءوا لأنكلن بهم”[طبقات ابن سعد].

كان عمر الفاروق رضي الله عنه يستشير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشير عليهم،ويستمع لهم ويسمعهم ويتوخى في جميع ذلك تمحيص الرأي وإبراء الذمة والخلوص إلى التبعة السليمة من العقابيل.

كانت الشورى عنده مبدأ لا يحيد عنه للأغراض السلمية والحربية على السواء.

وكان إذا استعمل رجلاًكتب عليه كتاباً وأشهد عليه رهطاً من المهاجرين والأنصار،بأنه لا يظلم أحداً في جسده ولا ماله،ولا يستغل نتصبه لفائدة أو مصلحة له أو لمن يلوذ به،فكان ذلك بمثابة القسم الذي يوجبه القانون على القضاة والأطباء وأمثالهم قبل مباشرتهم العمل.وكان يقول للعامل بعد ذلك محدداً سلطته،مبيناً له حقيقة عمله:”إني لم أستعملك على دماء المسلمين،ولا على أعراضهم،ولكن استعملتك لتقيم فيهم الصلاة وتقسم بينهم،وتحكم فيهم بالعدل”.

وكان إذا بعث عماله قال:”إني لم أبعثكم جبابرة ولكن بعثتكم أئمة فلا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تحمدوهم فتفتنوهم،ولا تمنعوهم فتظلموهم”.

وقال يوماً لمن حوله:”أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم امرته بالعدل أكنت قضيت ما عليَّ؟قالوا:نعم.قال:لا،حتى أنظر في عمله أعمِل بما أمرته أم لا.

وكان إذا استعمل عاملاً أحصى ماله.وأرسل العيون من حوله.

ومرَ ببناء يبنى بحجارة وجص فقال:لمن هذه؟فذكروا عاملاً على البحرين فقال::”أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها،وشاطره ماله”.

أما شروطه في من يكون قائداً للجيش…فلقد كان عمر يفضل السابقين الأولين من الصحابة على غيرهم إلا أن يقصر بهم عملهم.فكان يفضل عليهم حينذاك من برز بأعماله.

وكان يفضل أن يكون القائد مكيثاً غير متهور يعرف الفرص وينتهزها ويعرف كيف ومتى يقاتل ومتى يكف عن القتال.

قال عمر لسليط:لولا عجلة فيك لوليتك،ولكن الحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث”.

وكان يفضل أن يكون القائد قوياً مسيطراً ذا شخصية نافذة،فإذا وجد رجلاً أقوى من رجل فضل الأقوى على القوي.وقد استعمل معاوية بن أبي سفيان على الشام،وعزل شرحبيل بن حسنة وقام بعذره في الناس فقال:”إني لم أعزله عن سخطة،ولكن أريد رجلاً قوياً”.

وكان يريد القائد شجاعاً رامياً،فحين وجه سعد بن أبي وقاص إلى العراق قائداً عاماً قال:”إنه شجاع  رامٍ”.

وإذا تم اختيار الولاة وتولوا أعمالهم كان له معهم حسابات وتحقيقات تبدأ بإنزالالعقوبة ببعضهم وتنتهي في بعض الأوقات بالعزل.

قال أنس:كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ جاء رجل من أهل مصر،فقال:يا أمير المؤمنين،هذا مقام العائذ بك.

قال: ومالك؟قال: أجرى عمرو بن العاص بمصر الخيل،فأقبلت فرسي،فلما رآها الناس قام محمد بن عمرو فقال:فرسي ورب الكعبة.فلما دنا مني عرفته فقلت:فرسي ورب الكعبة.فقام إليَّ يضربني بالسوط،ويقول:”خذها وأنا ابن الأكرمين”.

وبلغ ذلك عمراً أباه فخشي أن آتيك فحبسني في السجن،فانفلت منه وهذا حين أتيتك.

فوالله مازاد عمر على أن قال:اجلس.

ثم كتب إلى عمرو:إذا جاءك كتابي هذا فاقبل،واقبل معك بابنك محمد.وقال للمصري:أقم حتى يأتيك.

فدعا عمرو ابنه،فقال:أأحدثت حدثاً؟أجنيت جناية؟

قال:لا. قال: فما بال عمر يكتب فيك؟

فقدم على عمر.قال أنس:فوالله إنا عند عمر،إذا نحن بعمرو وقد أقبل في إزار ورداء،فجعل عمر يلتفت هل يرى ابنه فإذا هو خلف أبيه.فقال: أين المصري؟قال: ها أنذا.قال: دونك الدرة فاضرب بها ابن الأكرمين.فضربه حتى أثخنه،ونحن نشتهي أن يضربه.فلم ينزع حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ماضربه،وعمر يقول:اضرب ابن الأكرمين.

ثم قال:أجلها على صلعة عمرو،فوالله ما ضربك إلا بفضل سلطانه.

قال:يا أمير المؤمنين قد استوفيت واستفيت.وقال: يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني.

قال: أما والله لو ضربته،ماحلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه.

أيا عمرو!متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟فجعل يعتذر ويقول:إني لم أشعر بهذا.(البداية والنهاية لابن كثير)

مقتل واستشهاد عمر الفاروق رضي الله عنه:

كان رضي الله عنه إذا دخل المسجد،قام بين الصفوف ثم قال:استووا فإذا استووا تقدم فكبر.

وهكذا كان يفعل في كل صلاة يصليها.حتى إذا كان هذا اليوم الموعود ما كاد يسوي الصفوف ويتقدم للصلاة…ويدخل فيها بالتكبيرة حتى طعنه أبو لؤلؤة المجوسي.فأخذ يقول:قتلني الكلب. أو أكلني الكلب.

وطار أبو لؤلؤة في يده خنجر ذات طرفين ما يمر برجل يميناً ولا شمالاً إلا طعنه.

فأصاب ثلاثة عشر رجلاً من المسلمينـ فمات منهم تسعةـ فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرنساً له ليأخذه.فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه.(الكامل لابن الاثير).

ونقل عمر إلى بيته فدعا بنبيذ فشربه فخرج من جرحه،ثم دعا بلبن فشربه فخرج من جرحه.(النبيذ هنا ليس الخمر معاذ الله وإنما نوع من أنواع ماينبذ من التمر)

فلما ظن أنه الموت قال:يا عبد الله بن عمر،انظر كم عليَّ من الدين فحسبه فوجده ستة وثمانين ألف درهم.

قال:يا عبد الله إن وفّى لها مال آل عمر فأدها عني من أموالهم،وإن لم تف أموالهم فاسأل فيها بني عدي بن كعب،فإن لم تف من أموالهم فاسأل فيها قريشاً ولا تعدهم إلى غيرهم.

ثم قال:”يا عبد الله اذهب إلى عائشة أم المؤمنين فقل لها يقرأ عليك عمر السلام،ولا تقل أمير المؤمنين،فإني لست اليوم بأمير ـ يقول تأذنين له أن يُدفن مع صاحبيه؟

فأتاها ابن عمر فوجدها قاعدة تبكي فسلم عليها ثم قال:يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه؟

فقالت:قد والله كنت أريده لنفسي،ولأوثرنه اليوم على نفسي.

فلما جاء قيل هذا عبد الله بن عمر فقال عمر:”ارفعاني ،فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟فقال: أذنت لك.

قال عمر:ما كان شىء أهم إليَّ من ذلك المضجع يا عبد الله بن عمر انظر إذا أنا مت فاحملني على سريري ثم قف بي على الباب فقل يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلني وإن لم تأذن لي فادفني في مقابر المسلمين”

وفاضت روحه إلى بارئها..ودفن بجوار صاحبيه…رضي الله عنه.

3 ـ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه

جاء في أحد المقالات من مجلة الحديقة للعالم الداعية محي الدين الخطيب رحمه الله مايلي:

“كان عمر بن عبد العزيز ـ قبل ولايته الخلافة ـ يتألم من انصراف بعض قادة الأمة إلى نزعات الهوى،ويقول:الوليد بالشام،والحجاج بالعراق،ومحمد بن يوسف(أخو الحجاج) باليمن،     وعثمان بن حيان بالحجاز،وقرة بن شريك بمصر،ويزيد بن أبي مسلم بالمغرب،امتلأت الأرض والله جوراً!

فلما آلت إليه الخلافة كان أول ما بدأ به عهده ـ بعد دفن الخليفة سليمان بن عبد الملك ـ المبادرة إلى إصلاح القيادة،فدعا بدواة وقرطاس عقب دفن سليمان،فكتب ثلاثة كتب لم يسعه فيما بينه وبين الله أن يؤخرها لحظة،وأمضاها من فوره،والناس في عجب من كتابته إياها في تلك الساعة،فجعلوا يقولون:ماهذه العجلة؟أما كان يصبر حتى يرجع إلى منزله؟هذا حب السلطان! هذا الذي يقول إنه كاره لما دخل فيه…

ولم يكن بعمر عجلة،ولا محبة لما صار إليه،ولكنه حاسب نفسه،ورأى أن تأخير ذلك ساعة مضر بالرعية،وربما أهدر ظلم الولاة دماء بريئة،أو ربما أضاعوا في تلك الساعة على الناس شيئاً كثيرأ من الحقوق.

أما كتابه الأول ،فكان لمسلمة بن عبد الملك،يأمره بالعودة وفك الحصار عن القسطنطينية،وقد كان أخوه ـ سليمان بن عبد الملك ـ أمره بغزوها براً وبحراً،وأوشك على فتحها،ثم خدع حتى أحرز المحاصرون طعامهم وحوائجهم ثم أغلقوها دونه،فبلغ ذلك الخليفة سليمان،فغضب عليه،وحلف ألا يعيده منها مادام حياً،فاشتد على المسلمين المقام هناك من الجهد والجوع،فلما ولي عمر رأى أن لايؤخرهم ساعة.

وأما الكتاب الثاني،فكان بعزل أسامة بن زيد عن ولاية مصر،وأمر به أن يُحبس ويُقيد،ويُحل عنه القيد عند كل صلاة،ثم يُرد في القيد،وكان أسامة ظالماً غاشماً مسرفاً في العقوبات،فحُبس بمصر سنة،ثم نُقل إلى فلسطين فحُبس بها سنة،ثم مات عمر وولي يزيد بن عبد الملك،فأطلقه ورده إلى ولاية مصر!

وأما الكتاب الثالث،فكان بعزل يزيد بن أبي مسلم عن المغرب،وكان جباراً يأمر القوم فيكونوا بين يديه يُعذبون وهو يقول:سبحان الله والحمد لله،شد يا غلام موضع كذا وكذا(لبعض مواضع العذاب)،فكانت حالته موجبة للمبادرة بعزله،إراحة لخلق الله من شره…
كتب كتبه الثلاثة،ثم عاد فقُربت إليه ركائب الخلافةنفقال لعلامه مزاحم:ضك هذه الركائب إلى بيت ىمال المسلمين.

وفعل كذلك بالسرادقات وبالفرش وبالوطء وبالطيب حين قدموها إليه،ولم يشأ أن يقيم في دار الخلافة ـ وكانت تسمى الخضراء ـ وتقع باتصال حائط القبلة من مسجد بنيؤ أمية،وتمتد إلى سوق السلاح والبزورية،ويدخل فيها الأماكن القائمة الآن قصر أسعد باشا العظم والقباقبية،والمصبغة التي لاتزال تدعى إلى الآن باسم “الخضراء”،فعدل عن دار الخلافة هذه إلى دار صغيرة متصلة بالحائط الشمالي من مسجد بني أمية،وهي التي أقيم عليها فيما بعد مدرسة الشميصاتية.

وخطب الناس على منبر مسجد بني أمية في دمشق عقب ولايته،فكان مما يقول في خطبه:”

“أيها الناس،ليس بعد نبيكم نبي،وليس بعد  الكتاب الذي أُنزل عليكم كتاب،فما أحلّ الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة،وما حرم الله على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة.

ألا إني لستُ بقاضٍ وإنما أنا مُنفذ،ولستُ بمبتدع ولكنني متبع،لست بخيركم وإنما أنا رجل منكم إلا أني أثقلكم حملاً.

يا أيها الناس،إن أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم.

أيها الناس،الحقوا ببلادكم فإني أنساكم عندي وأذكركم ببلادكم،ألا وإني قد استعملت عليكم رجالاً لا أقول هم خياركم،ألا فمن ظلمه إمامه مظلمة فلا إذن له علي.

ألا لا سلامة لامرىء في خلاف السنة،ولا طاعة لمخلوق في معصية الله،ألا وإنكم تعدون الهارب من ظلم إمامه عاصياً،ألا وإن أولاهما بالمعصية الإمام الظالم.

إنه لحبيب إليّ أن أوفر أموالكم وأعراضكم إلا بحقها ولا قوة إلا بالله.

أيها الناس،عليكم بتقوى الله،فإن تقوى الله،خلف من كل شيء.

وقد كان قبلي ولاة تشترون مودتهم بأن تدفعوا بذلك ظلمهم عنكم.

أيها الناس،إني لست بخازن،ولكني أضع الشيء حيث أمرت،ألا ولا طاعة لمخلوق في معصية الله،أقول قولي هذا،وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

وكان من عادة الخليفة الجديد أن يأمر عند ولايته بصرف عطاء عظيم للجند وأمراء البيت المالك،فكان ما أمر بع عمر للأمراء يسيراً جداص،لا يساوي ما يعطى عادة لغلمانهم.

فلما رأى وزراء الخليفة الماضي سليمان ما جنح إليه الخليفة الجديد من التقشف والزهد،عقدوا اجتماعاً تذاكروا فيه هذا الأمر،وقالوا:أما الركائب والسرادقات والحجر والشوار والوطاء فليس فيه رجاء بعد،وبقيت الجواري نعرضهن عليه،فعسى أن يكون ماتريدون فيهن،فإن كان وإلا فلا طمع لكم عنده.

فأتي بالجواري،فعُرضن عليه كأمثال الدمى،فلما نظر إليهن جعل يسألهن واحدة واحدة:من أنتِ؟ومن أين أتيتِ؟

فتخبره بقصتها،فيأمر بردها إلى أهلها،فُحُملن إلى بلادهن،ولم يؤخر منهن واحدة.فلما رأى الوزراء ذلك يئسوا منه،وعلموا أنه سيحمل الناس على الحق…

ثم احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يدخل عليه أحد،ووجوه بني أمية وأشراف العرب وأمراء الأجناد ببابه ينتظرونه،فلما خرج إليهم،قام الناس بين يديه كعادتهم في إجلال الخلفاء قبله ،فقال لهم:يا معشر الناس،إن تقوموا نقم،وإن تقعدوا نقعد،فإنما يقوم الناس لرب  العالمين،إن الله فرض فرائض وسن سنناً،فمن أخذ بها لحقنومن تركها محق،فمن أراد أن يصحبنا فليصحبنا بخمس:

يوصل إلينا حاجة من لا تصل إلينا حاجته،ويدلنا من العدل إلا ما لانهتدي إليه،ويكون عوناً لنا على الحق،ويؤدي الأمانة إلينا وإلى الناس،ولا يغتب عندنا أحداً.ومن لم يفعل فهو في حرج من صحبتنا والدخول علينا.

ثم أمر الحرس إذا خرج إليهم أن لا يقوموا له،وقال لهم:لا تبدئوني بالسلام،إنما السلام علينا لكم.

ثم بدأ يتفرغ لتدبير شؤون الدولة،لا يؤخر عمل اليوم للغد،حتى أرهق نفسه وأضر بصحته.فقال له بعض إخوته:يا أمير المؤمنين،هلا ركبت فتروحت؟

قال:فمن يجزىء عني عمل ذلك اليوم؟

قالوا:تجزئه من الغد.

قال:فدحني عمل يوم واحد فكيف إذا اجتمع عليَّ عمل يومين؟!

قيل له:فإن سليمان قد كان يركب وينتعش ويجزىء عمله.

قال عمر:ولا يوم واحد من الدنيا ما أجزأه سليمان.

ثم بدأ هذا الخليفة العظيم برد المظالم إلى أهلها،فأول ما بدأ به الخروج من مالهنفرده في مال المسلمين،وخرق سجلات مزارعه،حتى انتهى إلى مزرعة خيبرنفسأل عنها من أين كانت لأبيه؟قيل له:إنها كانت في نخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيئاً للمسلمين،ثم صارت إلى مروان،فأعطاها مروان أباك.

فخرق عمر سجلها،وقال:أتركها حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم،ولم يُبق إلا مزرعة السويداء،لأنها كما قال رحمه الله:”مامن شيء إلا رددته في مال المسلمين إلا العين التي بالسويداء.فإنها كانت أرض براح ليس فيها لأحد ضربة سوط،فأصلحتها من صُلب عطائي الذي يُجمع لي مع جماعة المسلمين”.وكانت تلك المزرعة تنتج من المحصول ما يقدر ثمنه بمائتي دينار في السنة،يخرج زكاتها ويتصدق ببعض الباقي،ثم يعطي ما بقي للذي يقوم على نفقة أهله،ويقول له:خذ هذا الذهب فأنفقه على عيالنا إلى أن يخرج لي عطائي مع المسلمين،أو يقضي الله قبل ذلك.

وبعد أن بدأ بنفسه ونزل عن أملاكه للمسلمين تحول إلى المظالم يردها،ولبني أمية يستخلص منهم كل ما ملكوه بغير حق،ويقتر عليهم في العطاء.

كان الوليد بن عبد الملك قد أقطع ابناً له يقال له (روح) حوانيت بحمص،فلما ولي عمر بن عبد العزيز جاءه نفر من أهل حمص يطالبون روحاً بالحوانيت،وأقاموا البينة،فقال لروح:خل لهم حوانيتهم؟

فقال: ولكن هي معي بسجل الوليد.

قال عمر:وما يغني عنك سجل الوليد والحوانيت حوانيتهم؟

قد قامت لهم البينة عليها،خل لهم حوانيتهم.

فلما خرج روح توعد أحدهم،فرجع الحمصي إلى عمر،فقال:هو يتوعدني يا أمير المؤمنين.

فقال عمر لكعب بن حامد(رئيس حرسه):اخرج إليه،فإن سلم الحوانيت فذلك،وإن لم يفعل فأتني برأسه،فبادر بعض من سمع ذلك ممن يعنيه أمر روح بن الوليد،فحذره من الذي أمر به عمر.

وكان سليمان بن عبد الملك قد أمر قبل وفاته بعشرين ألف دينار لعنبسة بن سعيد بن العاص،فدارت الورقة في الدواوين،حتى انتهت إلى ديوان الختم،فلم يبق إلا قبضها،فتوفي سليمان قبل أن يقبضها عنبسة،وكان عنبسة صديقاً لعمر بن عبد العزيز قبل الخلافة،فلما جاء يريد التكلم معه فيما أمر له بن سليمان،وجد بني أمية حضوراً بالباب يريدون مقابلته ليكلموه في أمورهم،فلما رأوا عنبسة قالوا:ننظر ما يصنع معه قبل أن نكلمه،ثم قالوا لعنبسة:أعلم أمير المؤمنين بوجودنانوأعلمنا ما يصنع في مسألتك،فدخل عنبسة،فقال:يا أمير المؤمنين:إن أمير المؤمنين سليمان كان قد أمر لي بعشرين أـلف دينار حتى انتهت إلى ديوان الختم ولم يبق إلا قبضتها،فتوفى عن ذلك،وأمير المؤمنين أولى بإتمام الصنيعة،وما بيني وبينه أعظم مما كان بيني وبين أمير المؤمنين سليمان.

فقال له عمر:كم ذلك؟

قال:عشرون ألف دينار.

فقال عمر:عشرون ألف دينار تغني أربعة آلاف بيت من المسلمين،وأدفعها إلى رجل واحد! مالي إلى ذلك من سبيل.

قال عنبسة:فخرجت فأعلمت بني أمية بما كان منه،فقالوا لي:ادخل عليه أعلمه بأننا نعتب عليه أن بعث إلينا بعشرة آلاف دينار،فما خص الواحد منا فيها سوى عشرة دنانير.

وقال يزيد بن عبد الملك(ولي العهد) وكان حاضراً معهم:كأنه يظن أني لا أكون من بعده!

فدخل عنبسة وأخبلره بمقالهم،فقال:أجل لقد قسمتها فيهم والله،وقد ندمت عليها أن لا أكون منعتهم منهانفكانت كافية أربعة آلاف بيت من المسلمين،فخرج عنبسة وأعلمهم بخبره،ثم قال لهم:يا بني أمية زوجتم صاحبكم(يقصد أباه عبد العزيز بن مروان)بنت عمر بن الخطاب،فجاءتكم بعمر ملفوفاً في ثيابه،فلا تلوموا إلا أنفسكم.

ولقد بلغ الأمر بعمر بن عبد العزيز في الضن بمال المسلمين أن ينفق إلا على المسلمين،أو ما ينفع المسلمين أنه اكتفى من اللباس بثوب واحد.

ولقد حدث مرة أنه أبطا عن الجمعة قليلاً،فعوتب في ذلك،فقال:إنما انتظرت قميصي وقد غسلته أن يجف.

ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضه،فقال لفاطمة بنت عبد الملك ـ أي أخته وزوجة عمر ـ ألا تغسلون قميصه؟

قالت:والله ماله غيره،وإن غسلناه بقي لا قميص له.

وقال لزوجته فاطمة بنت عبد الملك:قد علمت حال هذه الجواهر(حليها) وما صنع فيه أبوك،ومن أين أصابه،فهل لك أن أجعله في تابوت،ثم أطبع عليه،وأجعله في أقصى بيت مال المسلمين،وأنفق ما أردته،فإن احتجت إليه أنفقه،وإن مت قبل ذلك فلعمري ليردنه إليك.

قالت له:افعل ما شئت.

ففعل،ولكنه مات ولم يصل إليه،فرده عليها أخوها الخليفة يزيد بن عبد الملك،فامتنعت عن أخذه،فقسمه بين نسائه ونساء بيته”.

الإسلام والسياسة

يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(مقال بعنوان:مفهوم كلمة “السياسة”في القرآن والسنة:

“السياسة في اللغة:مصدر ساس يسوس سياسة.فيقال:ساس الدابة أو الفرس:إذا قام على أمرها من العلف والسقي،والترويض والتنظيف وغير ذلك.

وأحسب أن هذا المعنى هو الأصل الذي أُخد منه سياسة البشر.فكأن الإنسان بعد أن تمرس في سياسة الدواب،ارتقى إلى سياسة الناس،وقيادتهم في تدبير أمورهم.ولذا قال شارح القاموس:ومن المجاز:سُستُ الرعية سياسة:أمرتهم ونهيتهم.وساس  الأمر سياسة:قام به.والسياسة:القيام على الشيء بما يصلحه.

وتعرّفها موسوعة العلوم السياسية الصادرة عن جامعة الكويت بأنها :فن إدارة المجتمعات الإنسانية.

وحسب معجم(كامل):تتعلق السياسة بالحكم والإدارة في المجتمع المدني.

وتبعاً لمعجم العلوم الاجتماعية:تشير السياسة إلى أفعال البشر التي تتصل بنشوب الصراع أو حسمه حول الصالح العام،والذي يتضمن دائماً:استخدام القوة،أو النضال في سبيلها).

ويذهب المعجم القانوني إلى تعريف السياسة أنها أصول أو فن إدارة الشؤون العامة).

ويتابع الشيخ القرضاوي:”كلمة (السياسة )لم ترد في القرآن الكريم،لا في مكيّه،ولا في مدنيّه،ولا أي لفظة مشتقة منها وصفاً أو فعلاً.ومن قرأ (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) يتبين له هذا.ولا معجم (ألفاظ القرآن) الذي أصدره مجمع اللغة العربية.

والقرآن وإن لم يجىء بلفظ السياسة جاء بما يدل عليها،وينبىء عنها،مثل:كلمة(المُلك) الذي يعني حكم الناس وأمرهم ونهيهم وقيادتهم في أمورهم.

جاء ذلك في القرآن بصسغ وأساليب شتى،بعضها مدح،و بعضها ذم.فهناك المُلك العادل،وهناك المُلك الظالم،المُلك الشوري،والمُلك المستبد.

ذكر القرآن في المُلك الممدوح:{فقد آتينا آلَ إبراهيمَ الكتابَ والحكمةَ وآتيناهم مُلكاً عظيماً}[النساء 54]

وذكر من آل إبراهيم:يوسف الذي ناجى ربه فقال:{رَبِّ قد آتيتني من المُلك}[يوسف 101]،وإنما قال من المُلك لأنه لم يكن مستقلاً بالحكم،بل كان فوقه مَلك،هو الذي قال له:{إنَّكَ اليومَ لدينا مَكينٌ أمينٌ}[يوسف 54].

وممن آتاهم الله المُلك:طالوت،الذي بعثه الله مَلِكاً ليني إسرائيل،ليقاتلوا تحت لوائه،{وقالَ لهم نبيُّهمْ إنَّ الله قد بعثَ لكمْ طالوتَ مَلِكاً}[البقرة 247].

وذكر القرآن من قصته مع جالوت التي أنهاها القرآن بقوله:{وقتلَ داودُ جالوتَ وآتاهُ الله المُلكَ والحكمةَ وعلّمهُ ممّا يشاءُ}[البقرة 251].

وكذلك سليمان الذي آتاه الله مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده.

وممن ذكر القرآن من الملوك:ذو القرنين الذي مكّنه لله في الأرض وآتاهُ من كل شيء سببا،واتسع ملكه من المغرب إلى المشرق،وذكر الله تعالى قصته في سورة الكهف،مثنياً عليه، فقال:{ إنّا مكّنا له في الأرض}[الكهف 84].

وممن ذكره القرآن ملكة سبأ التي قام مُلكها على الشورى لا على الاستبداد{ما كنتُ قاطعةً أمراً حتّى تشهدونِ}[النمل 32].

وفي مقابل هذا ذم القرآن المُلك الظالم والمتجبر،المسلط على خلق الله،مثل:مُلك النمرود،الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك.

ومثل: مُلك فرعون الذي{علا في الأرضِ وجعلَ أهلها شِيعاً يستضعفُ طائفةً منهمْ يُذبِّحُ أبناءهم ويتستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين}[القصص 4].

ومثل ذلك:كلمة(التمكين)كما في قوله تعالى:{وكذلكَ مكّنّا ليوسفَ في الأرض يتبوأُ منها حيثُ يشاء}[يوسف 56]،وقوله عن بني إسرائيل:{ونريدُ أن نَمُنَّ على الذين استُضعِفوا في الأرض ونجعلهُم أئمَّةً ونجعلهم الوارثين}[القصص5]،وقوله تعالى:{الذينَ إن مكّناهُمْ في الأرضِ أقاموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ وأمروا بالمعروفِ ونَهوا عن المُنكرِ ولله عاقبة الأمور}[الحج 41].

ومثل ذلك :كلمة(الاستخلاف)،وما يُشتق منها،مثل قوله تعالى:{وعدَ اللهُ الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحاتِ لَيستخلفنهم في الأرضِ كما استخلفَ الذينَ من قبلهم ولَيُمكِّننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم ولَيُبدِّلنهم من بعدِ خَوفهم أمناً يعبدونني  لا يشركونَ بي شيئاً ومَنْ كفرَ بعدَ ذلكَ فأولئكَ همُ الفاسقونَ}[النور55]،وقوله تعالى:{قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدِ ما جئتنا قال عسى رَبُّكم أن يُهِلكَ عَدُوَّكُمْ ويستخلِفكُمْ في الأرضِ فينظرُ كيف تعملونَ}[الأعراف 129].

ومثل ذلك كلمة(الحُكم)وما يُشتق منها،مثل قوله تعالى:{إنَّ اللهَ يأمُرُكُمْ أن تُؤّدوا الأماناتِ إلى أهلها وإذا حكمتُمْ بينَ الناسِ أن تَحكموا بالعدلِ إن الله نِعِمَّا يَعِظكُمْ به إنَّ الله كان سميعاً بصيرا}[النساء 58]،وهي الآية التي أدار عليها ابن تيمية نصف كتابه”السياسة الشرعية”.وقوله تعالى:{وأن أُحكُمْ بينهم بما أنزلَ اللهُ ولا تَتَّبِعَ أهواءَهُمْ واحذرهُم أن يفتنوكَ عن بعضِ ما أنزلَ الله}[المائدة49]،وقوله تعالى:{أفحُكمَ الجاهليَّةِ يبغونَ ومن أحسنُ من الله حُكماً لقومٍ يُوقنونَ}[المائدة50]،وقوله تعالى:{ومن لم يحكُمْ بما أنزلَ الله فأولئكَ هُمُ الظالمونَ}[المائدة45]،وفي آية:{ومن لم يحكُمْ بما أنزلَ اللهُ فأولئكَ هُمُ الفاسقونَ}[المائدة47]،وفي آية ثالثة:{ومن لم يحكم بما أنزلَ اللهُ فأولئكَ همُ الكافرونَ}[المائدة44].

ويقول الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(مقال بعنوان:تهمة الإسلام السياسي):

“من التعبيرات التي يُشنع بها العلمانيون والحداثيون:تعبير الإسلام السياسي وهي عبارة دخيلة على مجتمعنا الإسلامي بلا ريب،ويعنون به الإسلام الذي يُعنى بشئون الأمة الإسلامية وعلاقاتها في الداخل والخارج،والعمل على تحريرها من كل سلطان أجنبي يتحكّم في رقابها،ويُوجه امورها المادية والأدبية كما يريد،ثم العمل كذلك على تحريرها من رواسب الاستعمار الغربي الثقافية والاجتماعية والتشريعية،لتعود من جديد إلى تحكيم شرع الله تعالى في مختلف جوانب حياتها.

وهم يطلقون هذه الكلمة”الإسلام السياسي” للتنفير من مضمونها،ومن الدعاة الصادقين،الذين يدعون إلى الإسلام الشامل،باعتباره عقيدة وشريعة،وعبادة ومعاملة،ودعوة ودولة.

وهذه التسمية مردودة وخاطئة:
وذلك لأنها تطبيق لخطة وضعها خصوم الإسلام،تقوم على تجزئة الإسلام وتفتيته بحسب تقسيمات مختلفة،فليس هو إسلاماً واحداً كما أنزله الله،وكما ندين به نحن المسلمين.

والحق أن هذه التقسيمات كلها مرفوضة في نظر المسلم،فليس هناك إلا إسلام واحد لا شريك له،ولا اعتراف بغيره،هو”الإسلام الأول” إسلام القرآن والسنة.

الإسلام كما فهمه أفضل أجيال الأمة،وخير قرونها،من الصحابة ومن تبعهم بإحسان،ممن أثنى الله عليهم ورسوله.

فهذا هو الإسلام الصحيح،قبل أن تشوبه الشوائب،وتلوث صفاءه تُرّهات المِلل وتطرفات النِحل،وشطحات الفلسفات،وابتداعات الفِرق،وأهواء المجادلين،وانتحالات المبطلين،وتعقيدات المتنطعين،وتعسفات المتأولين الجاهلين.

وإن الإسلام الحق كما شرّعه الله لا يمكن أن يكون إلا سياسياً،وإذا جرّدت الإسلام من السياسة،فقد جعلته ديناً آخر يمكن ان يكون بوذية أو نصرانية،أو غير ذلك،أما أن يكون هو الإسلام فلا.وذلك لسببين رئيسين:

السبب الأول:الإسلام يوجه الحياة كلها:

إن للإسلام موقفاً واضحاً،وحكماً صريحاً في كثير من الأمور التي تُعتبر من صُلب السياسة.

فالإسلام ليس عقيدة لاهوتية،أو شعائر تعبدية فحسب،أعني أنه ليس مجرد علاقة بين الإنسان وربه،ولا صلة له بتنظيم الحياة،وتوجيه المجتمع والدولة.

كلا…إنه عقيدة،وعبادة،وخلق،وشريعة متكاملة،وبعبارة أخرى:هو منهاج كامل للحياة،بما وضع من مبادىء،وما أصّلَ من قواعد،وما سنَّ من تشريعات،وما بينّ من توجيهات،تتصل بحياة الفرد،وشؤون الأسرة،وأوضاع المجتمع،وأسس الدولة،وعلاقات العالم.

ومن قرأ القرآن الكريم والسنة المطهرة،وكتب الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه،وجد هذا واضحاً كل الوضوح.

حتى إن قسم العبادات من الفقه ليس بعيداً عن السياسة،فالمسلمون مُجمعون على أن ترك الصلاة،ومنع الزكاة،والمجاهرة بالفطر في رمضان،وإهمال فريضة الحج مما يوجب العقوبة،والتعزير،وقد يقتضي القتال إذا تظاهرت عليه فئة ذات شوكة،كما فعل أبو بكر رضي الله عنه مع مانعي الزكاة.

إن فكرة التوحيد في الإسلام تقوم على أن المسلم لايبغي غير الله ربّا،ولايتخذ غير الله وليّا،ولا يبتغي غير الله حَكما،كما بيّنت ذلك سورة التوحيد الكبرى المعرفة باسم سورة الأنعام.

وعقيدة التوحيد في حقيقتها ما هي إلا ثورة لتحقيق الحرية والمساواة والأخوّة للبشر،حتى لايتخذ بعض الناس أرباباً من دون الله،تبطل عبودية الإنسان للإنسان،ولذا كان الرسول الكريم صلوات الله عليه يختم رسائله إلى ملوك أهل الكتاب بهذه الآية الكريمة من سورة آل عمران:{يا أهل الكتابِ تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبدُ إلا الله ولانُشرك به شيئاً ولايتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دونِ الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}[آل عمران 64].

وهذا سر وقوف المشركين وكبراء مكة في وجه الدعوة الإسلامية،من أول يوم،بمجرد رفع راية(لا إله إلا الله)فقد كانوا يدركون ماذا وراءها،وماذا تحمل من معاني التغيير للحياة الاجتماعية والسياسية،بجانب التغيير الديني المعلوم بلا ريب.

والسبب التاني:إن شخصية المسلم كما كوّنها الإسلام وصنعتها عقيدته وشريعته وعبادته وتربيته لا يمكن إلا أن تكون سياسية،إلا إذا ساء فهمها للإسلام ،أو ساء تطبيقها له.

فالإسلام يضع في عنق كل مسلم فريضة اسمها:الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد يعبر عنها بعنوان:النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم،وهي التي صحّ في الحديث اعتبارها الدين كله،وقد يعبر عنها بالتواصي بالحق،والتواصي بالصبر،وهما من الشروط الأساسية للنجاة من خُسر الدنيا والآخرة كما وضّحت ذلك سورة العصر.

ويحرض الرسول المسلم على مقاومة الفساد في الداخل،ويعتبره أفضل من مقاومة الغزو من الخارج،فيقول حين سئل عن أفضل الجهاد:”أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”[رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]،وذلك لأن فساد الداخل هو الذي يمهد السبيل لعدوان الخارج.

ويعتبر الشهادة هنا من أعلى أنواع الشهادة في سبيل الله،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”سيد الشهداء حمزة،ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله”.[رواه الحاكم  وصححه الألباني عن جابر بن عبد الله]

ويغرس في نفس المسلم رفض الظلم،والتمرد على الظالمين حتى إنه ليقول في دعاء القنوت المروي عن ابن مسعود وهو المعمول به في المذهب الحنفي وغيره:”نشكرك اللهم ولا نكفرك،ونخلع ونترك من يفجرك”.[رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر موقوفا]

ويُرغب في القتال لإنقاذ المضطهدين ،والمستضعفين في الأرض،بأبلغ عبارات الحثّ والتحريض فيقول:{ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا}[النساء 75].

ويصبُ جام غضبه،وشديد إنكاره على الذين يقبلون الضيم،ويرضون بالإقامة في أرض يهانون  فيها ويظلمون،ولديهم القدرة على الهجرة منها والفرار إلى أرض يجدون فيها حريتهم فيقول:{إنَّ الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا*إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا*فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفورا}[النساء 97 ـ 99].

حتى هؤلاء العجزة والضعفاء قال القرآن في شأنهم:{عسى الله أن يعفو عنهم}فجعل ذلك في مظنّة الرجاء من الله تعالى،زجراً عن الرضا بالذل والظلم ما وجد المسلم إلى رفضه سبيلا.

وحديث القرآن المتكرر عن المتجبرين في الأرض من أمثال فرعون،وهامان،وقارون،وأعوانهم وجنودهم،حديث يملأ قلب المسلم بالنقمة عليهم،والإنكار لسيرتهم،والبغض لطغيانهم،والانتصار ـ فكرياً وشعورياً ـ لضحاياهم من المظلومين والمستضعفين.

وحديث القرآن والسنة عن السكوت على المنكر،والوقوف موقف الحياد أو السلب من مقترفيه ـ حكاماً أو محكومين ـ حديثٌ يُزلزل كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.

يقول القرآن:{لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عضوا وكانوا يعتدون*كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ماكانوا يفعلون}[المائدة 78 ـ 79]

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”من رأى منكم منكراً فليُغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه،فإن لم يستطع فبقلبه،وذلك أضعف الإيمان”[رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه].

ومن الخطأ الظن بأن المنكر ينحصر في الزنى،وشرب الخمر،وما في معناهما.

إن الاستهانة بكرامة الشعب،منكر أيّ منكر،والتضييق على الحريات العامة منكر أيّ منكر،وتزوير الانتخابات منكر أيّ منكر،والقعود عن الإدلاء بالشهادة في الانتخابات منكر أي منكر،لأنه كتمان للشهادة،وتوسيد الأمر إلى غير أهله منكر أيّ منكر،وتقديم المحاسيب والذيول والمهازيل على الأقوياء الأمناء منكر أي منكر،وسرقة المال العام:منكر أي منكر،واحتكار السلع التي يحتاج إليها الناس لصالح فرد أو فئة:منكر أي منكر،واعتقال الناس بغير جريمة حكم بها القضاء العادل:منكر أي منكر،وتعذيب الناس داخل السجون والمعتقلات:منكر أي منكر،ودفع الرشوة وقبولها والتوسط فيها:منكر أي منكر،وتملق الحكام بالباطل وإحراق البخور بين أيديهم:منكر أي منكر،وموالاة أعداء الله وأعداء الامة من دون المؤمنين:منكر أي منكر.

وهكذا نجد دائرة المنكرات تتسع وتتسع لتشمل كثيراً مما يعدّه الناس في صُلب السياسة.

فهل يسع المسلم الشحيح بدينه،الحريص على مرضاة ربه أن يقف صامتاً؟أو ينسحب من الميدان هارباً،أمام هذه المنكرات وغيرها…خوفاً أو طمعاً،أو إيثاراً للسلامة؟

إن مثل هذه الروح إن شاعت في الأمة فقد انتهت رسالتها،وحُكم عليها بالفناء،لأنها غدت أمة أخرى،غير الأمة التي وصفها الله بقوله:{كنتم خير أمة أُخرجت  للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}[آل عمران 110].

ولا عجب أن نسمع هذا النذير النبوي للأمة في هذا الموقف إذ يقول:”إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم:يا ظالم فقد تُوّدع منهم”[رواه الحاكم في المستدرك،وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط إسناده ضعيف]

إن المسلم مطالب ـ بمقتضى إيمانه ـ ألا يقف موقف المتفرج من المنكر،أياً كان نوعه:سياسياً كان أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً،بل عليه أن يقاومه ويعمل على تغييره باليد،إن استطاع،وإلا فباللسان والبيان،فإن عجز عن التغيير باللسان انتقل إلى آخر المراحل وأدناها،وهي التغيير بالقلب،وهي التي جعلها الحديث:أضعف الإيمان.

وإنما سماه الرسول تغييراً بالقلب،لأنه تعبئة نفسية وشعورية ضد المنكر وأهله وحماته،وهذه التعبئة ليست أمراً سلبياً محضاً،كما يتوهم،ولو كانت كذلك ماسماها الحديث”تغييراً”.

وهذه التعبئة المستمرة للأنفس،والمشاعر،والضمائر لا بد لها أن تتنفس يوماً ما،في عمل إيجابي،قد يكون ثورةً عارمة أو انفجاراً لا يُبقي ولا يُذر،فإن توالى الضغط لابد أن يُولد الانفجار،سنة الله في خلقه.

وإذا كان هذا الحديث سمى هذا الموقف “تغييراً بالقلب”فإن حديثاً نبوياً آخر سماه”جهاداً بالقلب”،وهي آخر درجات الجهاد،كما أنها آخر درجات الإيمان وأضعفها،فقد روى مسلم عن ابن مسعود مرفوعاً:”مامن نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته،ويقتدون بأمره،ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون،ويفعلون ما لايؤمرون،فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن،ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن،ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن،وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل”.

وقد يعجز الفرد وحده عن مقاومة المنكر،وخصوصاً إذا انتشر شراره واشتد أواره،وقوي فاعلوه،أو كان المنكر من قبل الأمراء الذين يُفترض فيهم أن يكونوا هم أول المحاربين له،لا أصحابه وحرّاسه،وهنا يكون الأمر كما قال المثل:حاميها حراميها، أو كما قال الشاعر:

وراعي الشاة يحمي الذئب عنها              فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟!

وهنا يكون التعاون على تغيير المنكر واجباً لاريب فيه،لأنه تعاون على البر والتقوى،ويكون العمل الجماعي عن طريق الجمعيات أو الأحزاب،وغيرها من القنوات المتاحة،فريضة يوجبها الدين،كما أنه ضرورة يحتمها الواقع.

بين الحق والواجب:

إن ما يعتبر في الفلسفات والأنظمة المعاصرة”حقاً” للإنسان في التعبير والنقد والمعارضة،يرقى به الإسلام ليجعله فريضة مقدسة يبوء بالإثم،ويستحق عقاب الله إذا فرّط بها.

وفرق كبير بين “الحق”الذي يدخل في دائرة “الإباحة”،أو”التخيير” الذي يكون في الإنسان حل من تركه إن شاء،وبين”الواجب” أو”الفرض” الذي لا خيار للمكلف في تركه أو إغفاله بغير عذر يقبله الشرع.

ومما يجعل المسلم سياسياً دائماً:أنه مطالب بمقتضى إيمانه ألا يعيش لنفسه وحدها،دون اهتمام بمشكلات الآخرين وهمومهم،وخصوصاً المؤمنين منهم بحكم أخوة الإيمان:{إنّما المؤمنون أخوة}[الحجرات 10].

وكما أن المسلم مطالب بمقاومة الظلم الاجتماعي،فهو مطالب أيضاً بمحاربة الظلم السياسي،وكل ظلم أيا كان اسمه ونوعه…والسكوت عن الظلم والتهاون فيه،يوجب العذاب على الأمة كلها:الظالم والساكت عنه،كما قال تعالى:{واتقوا فتنةً لا تُصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة}[الأنفال 25].

وقد ذمَّ القرآن الأقوام الذين أطاعوا الجبابرة الطغاة وساروا في ركابهم كقوله عن قوم نوح:{واتبعوا من لم يزده مالهُ وولده إلا خسارا}[نوح21]

بل جعل القرآن مجرد الركون والميل النفسي إلى الظالمين موجباً لعذاب الله:{ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}[هود 113].

الذين زعموا أن الدين لا علاقة له بالسياسة من قبل،والذين اخترعوا أكذوبة”لادين في السياسة ولاسياسة في الدين” من بعد،أول من كذبوها بأقوالهم وأفعالهم.

فطالما لجأ هؤلاء إلى الدين ليتخذوا منه أداة في خدمة سياستهم،والتنكيل بخصومهم،وطالما استخدموا بعض الضعفاء والمهازيل من المنسوبين إلى علم الدين،ليستصدروا منهم فتاوى ضد من يعارض سياستهم الباطلة دينا،والعاطلة دنيا.

ولا زال الحكام يلجأون إلى علماء الدين،يطلبون منهم ـ تصريحاً أو تلويحا ـ فتاوى تخدم أغراضهم السياسية،وربما كان منها محاولات تحليل فوائد البنوك وشهادات الاستثمار،وغيرها،فيستجيب لهم كل رخو العود،ممن قلَّ فقههم أوقلَّ دينهم ويأبى عليهم العلماء الراسخون:{الذين يُبلِّغُونَ رسالاتِ الله ويَخشَونهُ ولا يخشونَ أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً}[الأحزاب39].