الإسلام والبيئة

يقول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي ( موقع القرضاوي ) :
” قد يستغرب بعض الناس حديثنا عن رعاية البيئة في الشريعة الإسلامية، ظناً منهم أن الإسلام إنما يُعنى بالعبادات الشعائرية فقط، وأن فقه الإسلام يُعنى بالحيض والنفاس والاستنجاء والتيمم ولا علاقة للإسلام بالكون،ولا بالإنسان ولا بالحياة،ولا بالبيئة . هذه نظرة قاصرة وخاطئة في فهم رسالة الإسلام والحقيقة أن رسالة الإسلام رسالة شاملة تشمل الدين والدنيا،وتشمل العقيدة والشريعة،والدعوة والدولة،والفرد والمجتمع، وتشمل الحياة الإنسانية كلها،بل الكون كله “.
ويقول الفيلسوف الفرنسي المسلم العظيم رجاء جارودي:
” إن القرآن يعلمنا أن نرى في كل حادث وفي كل شئ أية من آيات الله ورمزاً لوجودٍ أعلى يُسيّرنا،ويُسّير الطبيعة والمجتمع،وهدف الدين الرئيسي هو التناسق والوحدة الصادرة عن الله تعالى والعائدة إليه “.
تعريف البيئة :
هي كل ما يحيط بالإنسان من مظاهر ومؤثرات وظروف وأحوال،وتشمل مكونات البيئة من التربة والهواء والماء والنباتات والحيوانات .
وجاء في دائرة المعارف الإسلامية :
“البيئة والباءة في اللغة أسماء مختلفة بمعنى المنزل الذي يأوي إليه الإنسان أو الحيوان ويقيم فيه . وهي مشتقة من الفعل بوَّأ _ بتشديد الواو _ فيقال أباءه منزلاً وبوأه إياه بمعنى هيأه له وأنزله ومكَّن له فيه . قال تعالى :{ والذينَ أمنوا وعملُوا الصَّالحاتِ لَنُبوِّئَنَّهُم من الجنَّةِ غُرَفاً تجري من تحتِها الأنهارُ خالدينَ فيها نِعمَ أجرُ العاملين }[ العنكبوت 58].
ولقد جاءت عدة أيات قرآنية في تسع سور في موضوع الفعل الثلاثي “بوأ” وهي :{ وبَوَّأكُم في الأرضِ تتَّخذونَ من سُهُولِهَا قُصُوراً} [الأعراف 74 ]،وبوأكم هنا : أسكنكم .{ولقد بَوَّأنَا بَني إسرائيلَ مُبَوَّأ صِدق} [ يونس 93].
{وإذ بَوَّأنَا لإبراهيمَ مكانَ البيتِ أن لا تُشرِك بي شيئاً } [الحج 26] (أي: أرشده إليه وأذن له في بنائه كما جاء في تفسير ابن كثير) .
{وإذ غدوتَ من أهلكَ تُبَوّئُ المُؤمنينَ مَقاعدَ للقتال والله سميعٌ عليم] [آل عمران 121].
{والذينَ هَاجرُوا في الله من بعدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوَّئَنَّهُم في الدُّنيا حسنة} [النحل 42].{ والذينَ تَبَوَّءُوأ الدارَ والإيمان} } [الحشر 9].
{وأورثنا الارضَ نَتَبوَّأُ من الجنّة ِحيثُ نشاءُ فَنِعمَ أجرُ العاملين} [الزمر74] . {وكذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الأرضِ يَتَبوَّأُ مِنها حيثُ يشاء}[ يوسف 56].
{وأوحينا إلى مُوسى وأخيهِ أن تَبَوَّأ لِقَومِكُما بِمصرَ بيوتاً}[ يونس 87].
ولعل أبو قراط صاحب القسم الطبي المشهور والمعروف باسم “أبو الطب” هو أول من بحث في العلاقه بين البيئة والإنسان في رسالته الشهيرة التي أطلق عليها اسم ” الأهوية والمياه والأماكن ” وكانت أول رسالة في علم المناخ تصف أثر طبيعة الأرض والمناخ والصحة،ومن بعده كتب أرسطو وبطليموس وجالينوس في نفس الموضوع .
وكان العالم المسعودي من أوائل الجغرافيين العرب الذين كتبوا في العلاقة بين البيئة والإنسان في كتابه المشهور ” مروج الذهب ” . ويُعتبر ابن خلدون أكثر العلماء العرب تفصيلاً في شرح العلاقة بين الإنسان والبيئة .
نظرة الإسلام إلى البيئة
1 ـ نظرة المحبة والتناسق والإنسجام :
إن نظرة الإسلام إلى البيئة وتفاعل المسلم معها هي نظرة محبة وتناسق وانسجام فالخالق واحد، والمخلوق سواءً كان إنساناً أوحيواناً أو نباتاً أو جماداً يتبع نفس الخالق،والكل يُسِّبح بحمد الله، ويتبع النواميس والقوانين التي جعلها الله ليكون هناك انسجام وتناسق ومحبة فيما بينهم جميعاً .
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في مقدمة الظلال:
” على أن المرحلة التي يقطعها (أي الإنسان) على ظهر هذا الكوكب إنما هو رحلة في كون حي مأنوس، وعالم صديق ودود، كَونٌ ذي روح ، تتلقى وتستجيب وتتجه إلى الخالق الواحد الذي تتجه إليه روح المؤمن في خشوع { ولله يَسجدُ من في السّمواتِ والأرضِ طَوعاً وكَرهاً وظِلالُهُم بالغُدُوِّ والأصال }[الرعد15]، {تُسَّبحُ له السّموات السّبع والأرض ومن فيهنَّ] ،{وإن من شئٍ إلاّ يُسَّبحُ بحمده} .
ويتابع رحمه الله:
“أيّ راحة وأيّ سَعةٍ وأيّ أُنسٍ، وأيّ ثقةٍ يفيضها على القلب هذا التصور الشامل الكامل الصحيح “.

ويقول رحمه الله(الظلال الجزء الأول ص 207 ـ 208):

“كذلك يفيض السلام على قلب المسلم من صحة تصور العلاقة بين العبد والرب،وبين الخالق والكون،وبين الكون والإنسان…فالله خلق هذا الكون بالحق، وخلق كل شيء فيه بقدر وحكمة.وهذا الإنسان مخلوق قصداً، وغير متروك سدى،ومهيأ له كل الظروف الكونية المناسبة لوجوده،ومسخر له ما في الأرض جميعاً.وهو كريم على الله، وهو خليفته في أرضه.والله معينه على هذه الخلافة. والكون من حوله صديق مأنوس،تتجاوب روحه مع روحه،حين يتجه كلاهما إلى الله ربه.وهو مدعو إلى هذا المهرجان الإلهي المقام في السماوات والأرض ليتملاه ويأنس به.وهو مدعو للتعاطف مع كل شيء ومع كل حي في هذا الوجود الكبير،الذي يعج بالأصدقاء المدعوين مثله إلى ذلك المهرجان! والذين يؤلفون كلهم هذا المهرجان!

ويتابع رحمه الله:”والعقيدة التي تقف صاحبها أمام النبتة الصغيرة،وهي توحي إليه أن له أجراً حين يرويها من عطش، وحين يعينها على النماء،وحين يزيل من طريقها العقبات…هي عقيدة جميلة فوق أنها عقيدة كريمة. عقيدة تسكب في روحه السلام، وتطلقه يعانق الوجود كله ويعانق كل موجود، ويشيع من حوله الأمن والرفق،والحب والسلام”.

ويقول سيد قطب رحمه الله تعالى في قوله تعالى في سورة ص:{إنا سخرنا الجبال معه يُسبحن بالعشي والإشراق}:

“ولقد يقف الناس مدهوشين أمام هذا النبأ…الجبال الجامدة تُسبّح مع داود بالعشي والإشراق،حينما يخلو إلى ربه،يرتل ترانيمه في تمجيد هوذكره،والطير تتجمع على نغماته لتسمع له وترجع معه أناشيده…لقد يقف الناس مدهوشين للنبأ،إذ يخالف مألوفهم،ويخالف ما اعتادوه أن يحسوه من العزلة بين جنس الإنسان،وجنس الطير،وجنس الجبالّ!

ولكن فيم الدهش؟وفيم العجب؟إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة وراء تميز الأجناس والأشكال والصفات والسمات…حقيقة واحدة يجتمعون فيها ببارىء الوجود كله:أحيائه وأشيائه  جميعاً.وحين تصل صلة الإنسان بربه درجات الخلوص والإشراق والصفاء،فإن تلك الحواجز تنزاح،وتنساح الحقيقة المجردة لكل منهم.فتتصل من وراء حواجز الجنس والشكل والصفة والسمة التي تميزهم وتعزلهم في مألوف الحياة”.
ويقول الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي(كتاب الإيمان والحياة ص120):
“والمؤمن يعيش موصولاً بالوجود كلّه،ويحيا في أنس به،وشعور عميق بالتناسق معه،والارتباط به،فليس هذا الكون عدواً له،ولا غريباً عنه،إنه مجال تفكره واعتباره،ومسرح نظره وتأملاته،ومظهر نعم الله وآثار رحمته.هذا الكون الكبير كلّه يخضع لنواميس الله كما يخضع المؤمن،ويسبح بحمدالله كما يسبح المؤمن.والمؤمن ينظر إليه نظرته إلى دليل يهديه إلى ربه، وإلى صديق يؤنسه في وحشته.وبهذه النظرة الودود الرحبة للوجود،تتسع نفس المؤمن، وتتسع حياته وتتسع دائرة الوجود الذي يعيش فيه”.
ويقول الشهيد سيد قطب (الظلال ج1 ص25 ):
“وأما القوى الطبيعية فموقف المسلم منها موقف التعرف والصداقة،لا موقف التخوف والعداء، ذلك أن قوة الإنسان وقوة الطبيعية صادرتان عن إرادة الله ومشيئته، محكومتان بإرادة الله ومشيئته، متناسقتان متعاونتان في الحركة والاتجاه. إنّ عقيدة المسلم تُوحي إليه أنّ الله ربه قد خلق هذه القوى كلّها لتكون له صديقاً مساعداً متعاوناً، وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها ويتعرف إليها ويتعاون وإياها،ويتجه معها إلى الله ربّه وربّها، وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحياناً فإنما تُؤذيه لأنه لم يتدبّرها ولم يتعرف إليها ولم يهتد إلى الناموس الذي يسيرها .
ولقد درج الغربيون (ورثة الجاهلية الرومانية ) على التعبيرعن استخدام قوى الطبيعة بقولهم ” قهر الطبيعة “ ولهذا التعبير دلالته الظاهرة على نظرة الجاهلية المقطوعة الصلة بالله،وبروح الكون المستجيب لله، فأما المسلم الموصول القلب بربّه الرحمن الرحيم، الموصولة الروح بروح هذا الوجود المُسّبحة لله ربِّ العالمين فيؤمن بأن هنالك علاقة أخرى غيرعلاقة القهروالجفوة، إنه يعتقد أن الله هو مُبدع هذه القوى جميعاً،خلقها كلها وفق ناموس واحد، لتتعاون على بلوغ الأهداف المقدرة لها بحسب هذا الناموس،وأنه سخّرها للإنسان ابتداء،ويسّر له كشف أسرارها،ومعرفة قوانينها، وأن على الإنسان أن يشكر الله،فإلهه هو الذي يُسخّرها له، وليس هو الذي يقهرها {وسخّر لكم مافي الأرض جميعاً} وإذن فإن هذه الأوهام لن تملأ حِسّه تجاه قوى الطبيعة،ولن تقوم بينه وبينها المخاوف،إنه يُؤمن بالله وحده،ويعبد الله وحده،ويستعين بالله وحده،وهذه القوى من خَلقِ ربّه وهو يتأملها ويألفها ويتعرف أسرارها، فتبذل له معونتها،وتكشف له عن أسرارها فيعيش معها في كون مأنوس صديق ودود”.
ويقول الدكتور عماد الدين خليل (مجلة العربي الكويتية العدد 238إيلول 1978):
“يُحدّثنا القرآن الكريم في عدد من الآيات كيف أنه ما من شئ في الطبيعة والكون إلا ويُسّبح بحمد الله،وأن النجم والشجر كظاهرتين إحداهما كونية والأخرى طبيعية يسجدان لله { والنَّجمُ والشَّجرُ يسجُدان }الرحمن6 ]،وأن كلّ المكونات التي تقوم عليها بُنية الطبيعة تدأب ليل نهارتقديساً لله وتعظيماً ابتداءً من الذرات الخفية التي تُسّبح في عوالم لا تراها العيون،وحتى السُدم الهائلة وهي تتحرك في أفلاكها لا تخطئ ولا تبتعد عن إرادة الله وعلمه “.
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله ( كتاب مقومات التصور الإسلامي) بعد أن يذكر قوله تعالى :{ الذي خَلقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما ترى في خَلقِ الرَّحمنِ من تفاوتٍ فارجعِ البَصَرَ هل ترى من فطور* ثُمَّ ارجعِ البَصَرَ كَرَّتينِ ينقلب إليكَ البَصَرُ خاسئاً وهو حسير* ولقد زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بِمصابيحَ وجعلنَاها رُجُوماً للشياطين وأعتدنا لَهُم عذاب السَّعير} [ الملك 3ـ 5].
يقول رحمه الله :
” يوجه نظر الإنسان إلى مافي بناء الكون كله من توافق وتناسق وكمال وجمال وزينة تبلغ ذلك الحد الباهر،الذي يرجع البصر منه حسيراً،لا يجد نقصاً ولا يجد ثغرة،ولايملك التطلع إلى شئ وراءه،بل لايملك استيعابه،وهوتعبيردقيق عن حالة واقعة، فالجمال الكوني حين يتطلع الإنسان إلى السماء،يبهر النظرالإنساني بحيث لايشبع منه،وبحيث لايستوعبه حسّه كذلك،إنها حالة من العجز عن استيعاب كل هذا الجمال الفائض الباهر” .
ويتابع :”إنّه كونٌ صديق للحياة والأحياء،مأنوس للإنسان بوجه خاص،إنه ليس عدواً للحياة كما يقول بعض العلماء الطبيعيين … كلا إنّه كَونٌ صديق مأنوس،أعدّه خالقه لإستقبال الحياة وحضانتها وكفالتها،وسخره لهذا كله،وأمره فأطاع،والنصوص القرآنية التي تُصوّرهذه الحقيقة كثيرة ومتنوعة:
{قُلْ أئنَّكُم لَتكفُرُونَ بالذي خَلقَ الأرضَ في يومين وتَجعلونَ لهُ أنداداً ذَلكَ رَبُّ العالمين * وجعلَ فيها رَواسيَ مِن فَوقِها وبَاركَ فيها وقَدّرَ فيها أقواتَها في أربعةِ أيَّامٍ سَواءً للسائلين * ثُمَّ استوى إلى السَّماءِ وهيَ دُخانٌ فقالَ لها وللأرض ائتِيا طَوعاً أو كَرهاً قالتا أتينا طائعين} [فصلت9 ـ11] .
فأقوات الأرض مُقدّرة فيها منذ خلقها،وفيها الكفاية،وهي أقوات مدّخرة في تربتها الغنية العجيبة التي ننسى لطول الألفة مدى ما فيها من عجب .. إن هذه التربة تنبت با ستمرار .. وعلى مدار العام ..وما إن تبذر فيها البذور،أو تغرس فيها الأغراس،وينالها الماء حتى تنبت وتعطي . ولا تكف عن الإنبات والعطاء ! وحين يتامل الإنسان قطعة صغيرة من الارض،فلا يجد إلا كمية من التراب،ثم يجد هذا التراب ما ينى ينبت،كلما طلب منه الإنبات .. إنها عجيبة تذهب الألفة بجدتها وطرافتها . فأي شئ من صنع غير الله يمكن ان يعطي هذا العطاء،ولا يكف عن العطاء ؟ {وترى الأرضَ هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماءَ اهتزَّتْ ورَبَتْ وأنبَتتْ من كُلِّ زَوجٍ بهيج * ذَلكَ بأنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وأنَّهُ يُحي المَوتى وأنَّهُ على كُلِّ شئٍ قدير} [ الحج 5ـ 6].
ويتابع :” وليس الكون عدواً لهذه الحياة التي تكفلها الأرض بإذن الله،وهو لا يطارد هذه الحياة . إنما يمدها (بتسخير الله له) بكل مايمد في عمرها ويقويها .. إنّ الشمس تمدُّ هذه الحياة بالنوروالحرارة، بالقدرالمطلوب بالضبط بلا زيادة ولا نقصان . ودورة الأرض حول نفسها وحول الشمس ينشأ عنها الليل والنهار، وتنشأ عنها الفصول . وكل منها موافق للحياة . ولو كان أحدها سرمدا لهلكت الحياة ! كما أن ميلها على محورها بهذا القدر تنشأ عنه المناطق المختلفة الحرارة لتصلح لإنبات جميع أنواع النبات ولحياة جميع أنواع الأحياء .. والقمر كذلك له دوره .. يقول تعالى :{ ألم نجعلِ الأرضَ مِهادا *والجِبالَ أوتادا *وخلقناكُم أزواجا *وجعلنا نَومَكُم سُباتا *وجعلنا اللّيلَ لباسا *وجَعلنا النَّهارَ معاشا * وبَنينا فوقَكُم سَبعاً شِدادا *وجَعلنا سِراجاً وهَّاجاً *وأنزلنا من المُعصراتِ ماءً ثَجَّاجاً* لِنُخرِجَ بهِ حَبَّاً ونباتا *وجنَّاتٍ ألفافا} [ النبأ 6ـ 16].
{ألم تَروا كَيفَ خَلقَ اللهُ سَبعَ سمواتٍ طِباقا* وجعلَ القَمرَ فيهنَّ نُوراً وجعلَ الشَّمسَ سِراجاً * واللهُ أنبَتَكُم منَ الأرضِ نباتاً * ثُمَّ يُعيدُكُم فيها ويُخرِجُكُم إخراجاً* واللهُ جعلَ لَكُمُ الأرضَ بساطاً * لِتَسلكُوا مِنها سُبُلاً فِجاجا} [نوح 15 ـ 20].
{اللهُ الذي سَخَّرَ لَكُمُ البَحرَ لِتجريَ الفُلكُ فيهِ بأمرهِ ولِتبتغُوا من فضلهِ ولعلَّكُم تشكرون * وسَخَّرَ لكُم ما في السّمواتِ وما في الأرضِ جميعاً منهُ إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يتفكرون} [ الجاثية 12ـ 13].
{اللهُ الذي خَلقَ السَّمواتِ والأرضَ وأنزلَ من السَّماءِ ماءً فأخرجَ بهِ من الثَّمراتِ رزقاً لكُم وسَخَّرَ لكُمُ الفُلكَ لتجريَ في البحرِ بأمره وسَخَّرَ لكُمُ الأنهار * وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمسَ والقَمرَ دائبينِ وسَخَّرَ لكُمُ اللّيلَ والنّهار * وآتاكُم من كُلِّ ما سألتموهُ وإن تَعُدُّوا نِعمةَ الله لا تُحصُوها إنَّ الإنسانَ لظلومٌ كفّار}[ابراهيم 32 ـ 34] .
ويتابع رحمه الله :
” إنه من شأن كل هذه الحقائق أن توحي الى قلب المؤمن بالإطمئنان الى هذا الكون الذي يعيش فيه،وبالسلام معه ومع الأحياء،فلا يجيش فيه القلق لشئ من الظواهر الكونية،كما كانت الوثنية توحي الى أهلها في الجاهليات الأولى، ولا يجيش في نفسه الصراع مع الكون كما اندس في حسّ ورثة هذه الوثنيات،بحيث يعد كل كشف لقانون من قوانين الكون،وكل تسخير لطاقة من طاقاته المذخورة “انتصارا على الطبيعة ” كما يعبر ورثة الوثنية الإغريقية والرومانية في أوروبا وأمريكا ! فيلتقط المسلمون المهزومون هذا التعبير الذي تكمن وراءه تلك الرواسب الوثنية،ويصبح اصطلاحا عندهم،كما هو عند ورثة تلك الوثنيات،التي كانت أساطيرها تصورالبشر في صراع دائم مع الآلهة ! وتصور الآلهة في صراع دائم بعضها مع بعض،وكلها مع البشر ! وترمز لهذه الآلهة بأجرام كونية أو بظواهر كونية،أو تجعل كل إله مُوكلا بنجم أو كوكب أو ظاهرة من الظواهر الكونية الكثيرة !إن الشعور بالسلام بين الكون وظواهره، وبين الحياة والأحياء مسألة ذات قبمة شعورية كبيرة، وذات أثر في حياة الإنسان الواقعية كذلك ..إن الإنسان يستطيع ـ مع هذا الشعور ـ أن يمضي في طريقه مطمئنا ، يحاول كشف سنن هذا الكون بروح من يتعرف إلى هذا الكون، لا من يتصارع معه ! وكلما كشف سنة من سننه جعلها للخير واتجه بها إليه، لأن كشفها لم يجئ نتيجة معركة إنما جاء نتيجة صداقة ! ولأنها من صنع الله الذي يدعوه الى الخير والبر، وينهاه عن الشر والفُجر ..
ويتابع :” إن السلام الروحي ضروري للإنسان . وأولى مراحل السلام الروحي وأكبرها، هي السلام مع الكون الذي يعيش فيه ،والتعامل معه ومع كل شئ فيه بروح الصداقة والودّ والقرابة ..
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب هذا الكون كله ويتعامل معه بروح المودة الصافية، كان يرى الهلال فيستقبله بفرح ويقول :” الله أكبر، اللّهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربّنا وربّك الله “ [أخرجه الدارمي عن ابن عمر رضي الله عنهما وصححه الألباني] ، وكان يستقبل قطرات المطر بفرح ويقول :” إنها قريبة عهد بالله “.انتهى كلام الشهيد سيد قطب .
وانظر الى الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يتفاعل مع الظواهر الكونية ومع الكون والطبيعة حوله :
إن كان مطراً قال :”اللهم صيباً هنيئاً “ [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه الالباني ]، وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال :” اللهم أسألك خيرها وخير مافيها ، وخيرما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها وشرّ ما أُرسلت به ” . وعن عبد الله بن الزبير أنه صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد، ترك الحديث وقال :” سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته “
وما أروع قوله صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى جبل أُحد فيقول :” هذا جبل يحبنا ونحبه “ ففي هذه الكلمات كل ما يحمله قلب المسلم الأول محمد صلى الله عليه وسلم من ودّ وألفة وتجاوب بينه وبين الطبيعة في أضخم وأخشن مظاهرها المتمثل في هذا الجبل .
وكذلك روى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صُنع المنبر واستوى عليه اضطربت تلك السارية كحنين الناقة ـ أي بكت ـ حتى سمعها أهل المسجد ، حتى نزل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكتت ” [سنن النسائي]
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله (كتاب أهوال يوم القيامة) مُعقبّاً على قوله تعالى {كم تَركُوا من جنَّاتٍ وعيون * وزُرُوعٍ ومقام ٍ كريم* ونَعمة ٍ كانُوا فيها فاكهين * كذلكَ وأورثنَاها قوماً أخرين * فما بَكتْ عليهمُ السَّماءُ والأرضُ وما كانوا مُنظَرين} ” [الدخان 25 ـ29].
يقول الشيخ “إذن السماء تبكي، والأرض تبكي، ومعنى ذلك أن لهما عاطفة راقية ..ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا مات العبد الصالح بكى عليه موضعان : موضع سجوده في الأرض، وموضع صعود صلاته ودعواته”…. وهكذا نرى أن المادة لها عواطف .. وأنها تكره العاصين والكافرين .. ويثقل عليها أن تكون في خدمتهم، ولذلك فهي تتعجل والوقت يمر ثقيلاً عليها لأنها تريد أن ترى ابن أدم هذا الذي كفر بالله وبنعمه وهو يُجازى على كفره ..ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:“مامن يوم تطلع شمسه إلا وتنادي السماء تقول:يا رب ائذن لي أن أسقط كسفاً على ابن آدم،فقد طعم خيرك ومنع شكرك. وتقول البحار: يا رب ائذن لي أن أغرق ابن آدم، فقد طعم خيرك ومنع شكرك..وتقول الارض:يا رب ائذن لي أن أطبق على ابن آدم، فقد طعم خيرك ومنع شكرك.فيقول الله تعالى:دعوهم. دعوهم. لو خلقتموهم لرحمتموهم. إنهم عبادي. فإن تابوا فأنا حبيبهم.وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم”.
ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله (مشاهد يوم القيامة) معقباً على ذلك أيضاً:
“إذن فالأرض بنص القرآن تبكي،ولكننا لا نسمع بكاءها..وما دام هناك بكاء فلابد أن يسبقه حس وعاطفة..إذن فهذا الجماد الذي نعتقد أنه لاحياة فيه..فيه حس وعاطفة..ولكنك لاتعرف عنهما شيئاً ولا تدرك وجودهما..فإذا سمعت هذا فلا تنكره..ولكن قل إن الوجود شيء، وإدراك هذا الوجود شيء آخر..ورسول الله صلى الله عليه وسلم سمع هذا التسبيح والحصى في يديه…ولكن هل معنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع هذا التسبيح والحصى في يده…هل معنى هذا أن الحصى لا يسبح، سواء كان في يد نبي أو في يد غيره من البشر…أو إذا لم تمسسه يد…مصداقاً لقول الله سبحانه وتعالى:{وإن من شيءٍ إلاّ يُسبِّحُ بحمدهِ ولكن لاتفقهونَ تسبيحهم}[الإسراء 44]، والحق سبحانه وتعالى يقول: {وسَخَّرنا معَ داودَ الجبالَ يُسَبِّحنَ}[الأنبياء79].
إذن فالجبال تسبح..والحصى يسبح..وكل شيء في الكون دائم التسبيح لله سبحانه وتعالى…ولكننا لا نفهم هذا التسبيح ولا نفقهه..والسماء تبكي والأرض تبكي وقد تضحكان، ولكننا لا ندرك هذا..بل إن الأرض وهي أمامنا جماد ليس فيه حياة…لها حياة ذكر لنا القرآن الكريم لمحة عنها في قوله تعالى:{وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماءَ اهتزَّت ورَبَت وأنبتتْ من كُلِّ زوجٍ بهيج}[الحج5]
ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله أيضاً في كتاب “مشاهد يوم القيامة”:
“لابد أن نعرف معنى الحياة والمقصود بها…وهل هي الحياة بمفهومنا أم أن الحياة في الكون بمفهوم آخر يختلف تماماً عن مفهومنا…نحن نفهم الحياة على أساس أنها حسّ وحركة… الإنسان فيه حياة لأنه يحس، ويعقل ويتحرك.. والحيوان فيه حياة أيضاً لأنه يحس ويتحرك. أما النبات فهناك من يقول: أن فيه حركة لأنه ينمو ويكبر ويثمر ويذبل..فيه نوع من التغيير والحركة…حركة النمو.إذن فيه نوع من الحياة..أما الجماد في مفهومنا فليس فيه حياة، لأنه لا يحس ولا يتحرك ولاينمو.
ويتابع الشيخ الشعراوي:
“وأجناس الكون أربعة..أدناها الجماد، وتنتهي حياته المنظورة لنا بخاصة النمو، وهي أول خواص النبات… لذلك نجد عدداً من الشِعب المرجانية وهي جماد تنمو في البحر..أما النبات فيبدأ بخاصية النمو التي انتهى عندها الجماد، وينتهي بخاصية الحس التي يتميز بها الحيوان..فتجد بعض النباتات إذا لمستها أحاطت بك،أو أغلقت أوراقها، وهكذا تنتهي الحياة في النبات عند الحس…وتبدأ الحياة في الحيوان بالحس والحركة…وتنتهي بشيء من التمييز، وهو من صفات العقل… فنجد أن أرقى الحيوانات،وهي القردة ـ تستطيع إلى حد ما ـ أن تقوم ببعض الحركات التي فيها نوع من التمييز.. وهو ما تبدأ به حياة الإنسان…فلا يوجد إنسان ليس له عقل مميز..وتنطلق مظاهر الحياة في الإنسان مع العقل إلى آفاق بلا حدود..وتظل ترتقى وترتقى مع ارتقاءات العقل إلى ما شاء الله.
ويتابع:”هذه هي مظاهر الحياة كما نفهمها نحن..فكل جنس من أجناس الكون ـ جماداً كان أو نباتاً أو حيواناً أو إنساناً ـ يبدأ عند النهاية التي يصل إلى الجنس الذي قبله…ولكن هل مفهومنا في الحياة صحيح؟وهل الحياة هي الحس والحركة فقط؟وهل خلق الله الأشياء في الدنيا جامدة.ثم يجعلها يوم القيامة تنطق وتتكلم؟فالحياة في الدنيا،وهي التي يشارك فيها المؤمن والكافر، قصارى ما تعطينا الحس والحركة.فهل هذه حقيقة هي مظاهر الحياة؟أم أن هناك مظاهر أخرى وأسراراً في الكون لاندري عنها شيئاً..
في معنى الحياة يحكمنا القرآن الكريم…ماذا قال الله سبحانه وتعالى…اقرأ قول الحق:{لِيهلِكَ من هَلكَ عن بيّنةٍ ويَحيا من حيَّ عن بيّنة}[الأنفال 42].إذا تدبرنا في هذه الآية نكون قد عرفنا من القرآن أن الهلاك مقابل للحياة… أو ضد الحياة…هناك حي وهناك من هلك…أي لا حياة له..و يأتي الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى ليقول:{كلُّ شَيءٍ هالكٌ إلا وجههُ}[القصص88].وما دام الله سبحانه وتعالى قال كل شيء سيصبح هالكاً…إذن فكل شيء فيه حياة… أو ما يقال عنه شيء فيه حياة… لأن الحق سبحانه وتعالى يقول عندما تاتي القيامة سيهلك كل شيء إلا وجه الله…إذن فقبل ساعة القيامة يكون كل شيء فيه حياة…وطبعاً قبل ساعة القيامة يكون هناك جماد ونبات وحيوان وإنسان…فإذا أضفنا إلى ذلك قول الحق سبحانه وتعالى:{وإنْ من شيء إلاّ يُسبِّحُ بِحمدهِ ولكنْ لا تفقهونَ تَسبيحَهُم}[الإسراء44]، يكون كل ما في الكون مسبحاً لله…يقول بعض العلماء أن كل شيء يسبح تسبيح دلالة على الخالق…نقول لهم لو أنه كان تسبيح دلالة نكون قد فهمناه… ولكن الله يقول:{ولكنْ لاتفقهونَ تسبيحهم}. إذن فنحن لا نفهم هذا التسبيح، إذا وصلنا إلى هذه النتيجة نكون قد عرفنا أن كل شيء في الكون له حياة..وهذه الحياة تناسب مهمته…إذن فالأشياء التي نراها أمامنا ساكنة لا تنطق ولا تتكلم.. هي في الحقيقة تنطق وتتكلم ولكننا لا نسمعها…وفي ذلك يقول الحق: {أنطقنا الله الذي أنطقَ كُلَّ شيءٍ}[فصلت 21].
وجاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرّعليه بجنازة فقال مستريح ومستراح منه . قالوا يارسول الله، ما المستريح وما المستراح منه ؟ قال : العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها الى رحمة الله والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب” .
وحتى الحيتان في جوف الماء تستغفر لطالب العلم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض، والحيتان في جوف الماء،وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورثوا ديناراً، ولا درهماً ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ” [ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي] .

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال في قوله تعالى في سورة الحديد:{سبح لله مافي السموات والأرض}:

“ونحن لا نعلم شيئاً عن طبيعة هذا الوجود وخصائصه أصدق مما يقوله لنا الله عنه ف”سبح لله ما في السماوات والأرض”تعني:”سبح لله ما في السماوات والأرض” ولا تأويل ولا تعديل!ولنا أن نأخذ من هذا أن كل ما في السموات والأرض له روح،يتوجه بها إلى خالقه بالتسبيح وإن هذا لهو أقرب تصور يصدقه ماوردت به الآثار الصحيحة،كما تصدقه تجارب بعض القلوب في لحظات صفائها وإشراقها،واتصالها بالحقيقة الكامنة في الأشياء وراء أشكالها ومظاهرها.

ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى في سورة الرحمن{والنجم والشجر يسجدان}:

“والنجم والشجر يسجدان.إن هذا الوجود مرتبط ارتباط العبودية والعبادة بمصدره الأول،وخالقه المبدع.والنجم والشجر نموذجان منه،يدلان على اتجاهه كله.وقد فسر بعضهم النجم بأنه النجم في السماء.كما فسره بعضهم بأنه النبات الذي لا يستوي على سوقه كالشجر.وسواء كان هذا أم كان ذاك فإن مدى الإشارة في النص واحد.ينتهي إلى حقيقة اتجاه هذا الكون وارتباطه.والكون خليقة حية ذات روح.روح يختلف مظهرها وشكلها ودرجتها من كائن إلى كائن.ولكنها في حقيقتها واحدة.ولقد أدرك القلب البشري منذ عهود بعيدة حقيقة هذه الحياة الساربة في الكون كله.وحقيقة اتجاه روحه إلى خالقه.أدركها بالإلهام اللدني فيه،ولكنها كانت تغيم عليه.وتتوارى عنه كلما حاول اقتناصها بعقله المقيد بتجارب الحواس!

فإلى أين يتوجه الكون بحركته التي هي قاعدته وخاصيته؟القرآن يقول:إنه يتجه إلى مبدعه بحركة روحه وهي الحركة الأصيلة .فحركة ظاهره لا تكون إلا تعبيراً عن حركة روحه،وهي الحركة التي تمثلها في القرآن آيات كثيرة منها هذه{والنجم والشجر يسجدان}ومنهالآتسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن}،{وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}ومنها{ألم ترَ أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات}{كل قد علم صلاته وتسبيحه}.

وتأمل هذه الحقيقة،ومتابعة الكون في عبادته وتسبيحه،مما يمنح القلب البشري متاعاً عجيب،وهو يشعر بكل ما حوله حياً يعاطفه ويتجه معه إلى خالقه وهو في وقفته بين أرواح الأشياء كلها،وهي تدب فيها جميعاً،وتحيلها إخواناً له ورفقاء.إنها إشارة ذات أبعاد وآماد وأعماق”.

وقد جاء في القرآن الكريم:{يا جبال أوبي معه والطير}فإذا الجبال كالطير تؤوب مع داود.وجاء في الأثر:أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن بمكة حجراً كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن”.وروى الترمذي بإسناده عن علي بن طالب كرم الله وجهه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها،فما استقبله شجر ولاجبل إلا وهو يقول:السلام عليك يا رسول الله“.وروى البخاري في صحيحه بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لزق جذع.فلما صنعوا له المنبر فخطب عليه حنّ الجذع حنين الناقة فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم فمسحه فسكن”.

يقول تعالى في سورة سبأ:{ولقد آتينا داود منا فضلاً ياجبالُ أوّبي معهُ والطيرَ وألنا لهُ الحديدَ}[سبأ 10].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:”تذكر الروايات أن داود عليه السلام أوتي صوتاً جميلاً خارقاً في الجمال،كان يرتل به مزاميره،وهي تسابيح دينية.والآية تصور من فضل الله على داود عليه السلام أنه قد بلغ من الشفافية والتجرد في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الكائنات،فاتصلت حقيقتها بحقيقته،في تسبيح بارئها وبارئه،ورجعّت معه الجبال والطير،إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز،حين اتصلت كلها بالله صلة واحدة مباشرة،تنزاح معها الفوارق بين نوع من خلق الله ونوع،وبين كائن من خلق الله وكائن،وترتد كلها إلى حقيقتها اللدنية الواحدة،التي كانت تغشى عليها الفواصل والفوارق،فإذا هي تتجاوب في تسبيحها للخالق،وتتلاقى في نغمة واحدة،وهي درجة من الإشراق والصفاء والتجرد لا يبلغها أحد إلا بفضل الله،يزيح عنه حجاب كيانه المادي،ويرده إلى كينونته اللدنية التي يلتقي فيها بهذا الوجود،وكل ما فيه،وكل من فيه بلا حواجز ولا سدود”.
2 ـ نظرة تأمل وتدبر :
فالإسلام تَعبدَّ الانسان بالنظر العقلي، أي ان العقلية العلمية التي ينشئها القران هي العقلية التي تقوم على النظر والتفكر، فالنظرعندها فريضة، والتفكر لديها عبادة كما يقول الشيخ القرضاوي ـ مفهوم العلم وتكوين العقلية العلمية ـ ويتابع حفظه الله:
“والمراد بالنظر : النظر العقلي، وهو الذي يستخدم الإنسان فيه فكره في التأمل والاعتبار، بخلاف النظر البصري، فهوالذي يستخدم الإنسان فيه عينه . قال الإمام الراغب :” النظر : تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشئ ورؤيته، وقد يُراد به التأمل والفحص ، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص، وهو الروية يقال نظرت فلم تنظر : أي لم تتأمل ولم تترو ” .
فعلى الإنسان أن يبدأ بالنظر في نفسه أولاً، ثم في أقرب الأشياء إليه .
يقول تعالى :{ فَلينظُرِ الإنسانُ مِمَّ خُلِق* خُلِقَ من ماءٍ دافق* يخرجُ من بينِ الصُّلبِ والترائب* إنَّهُ على رجعِهِ لقادر} [الطارق 5 ـ8]، {فَلينظُرِ الإنسانُ إلى طعامِه* أنَّا صَببنا الماءَ صَباًّ* ثُمَّ شَققنا الأرضَ شَقَّاً* فأنبتنا فيها حَبَّاً *وعِنباً وقَضباً* وزَيتوناً ونخلاً *وحَدائقَ غُلْباً* وفاكهةً وأباًّ* مَتاعاً لكُم ولأنعَامِكُم }” [عبس 24 ـ 32] . ثم ينتقل بنظره الى ماحوله متأملاً متدبراً معتبراً، لينتقل من المصنوع الى الصانع،ومن الأثر الى المُؤثّر، ومن الكون الى المُكّون .
يقول تعالى :{أفلا يَنظُرونَ إلى الإبلِ كيفَ خُلِقتْ* وإلى السَّماءِ كيفَ رُفِعَتْ* وإلى الجبالِ كيفَ نُصِبتْ* وإلى الأرضِ كيفَ سُطِحت } [ الغاشية 17-20] ، {قُلِ انظُروا ماذا في السَّمواتِ والأرضِ وما تُغني الآياتُ والنُّذُرُ عن قومٍ لا يؤمنون} [يونس101 ] { أولم يَنظُروا في مَلكُوتِ السَّمواتِ والأرضِ وما خَلقَ اللهُ من شئ} [الأعراف 185 ] .
ومن داخل النفس الى آفاق الكون الفسيح الذي لا يعلم سعته إلا خالقه {وفي الأرضِ آياتٌ للموقنين *وفي أنفُسِكُم أفلا تُبصرون} [الذاريات 20- 21] ، {قُل سيروا في الأرضِ فانظُروا كيفَ بدأَ الخَلقَ} [العنكبوت 20 ]، {أفلم يَسيروا في الأرضِ فتكُونَ لهم قُلوبٌ يَعقلونَ بها أو أذانٌ يسمعونَ بها فإنَّها لا تَعمى الأبصارُ ولكنْ تَعمى القُلوبُ التي في الصدور} [الحج 46] .
ويتابع : “ومثل النظر العقلي : الرؤية العقلية، فقد حثّ القرآن في آيات كثيرة على هذه الرؤية التي يقصد بها رؤية العقل لا رؤية العين، وهي رؤية تشمل كل المخلوقات في الارض أو في السماء مما يُبيّن عظمة خالقها ، وروعة تدبيره وبالغ حكمته، وسابغ نعمه على عباده، كما تشمل الوقائع والأحداث، التي تبرز قدرة الله تعالى وهيمنته على الكون وحده كما تبرز عدالته وأنه يملي ويمهل ولكنه لا يغفل ولا يهمل .
نقرأ مثل هذه الآيات {ألم يَرَوا الى الطَّيرِ مُسخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمسِكُهُنَّ إلاّ اللهُ إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يؤمنون} [النحل 79] ،{أوَ لَم يَروا الى الطَّيرِ فوقَهُم صَافَّاتٍ ويَقبضنَ ما يُمسِكُهُنَّ الّا الرَّحمنِ إنَّهُ بِكُلِّ شئ بصير} [الملك19 ] {أوَ لَم يَرَوا أنَّا خَلقنا لهُم ممَّا عَمِلتْ أيدِينَا أنعاماً فَهُم لها مالكون * وذَلّلناها لهُم فَمنها رَكُوبُهم ومنها يأ كلون *ولهُم فيها مَنافعُ ومَشاربُ أفلا يشكرون} [ يس 71-73] وينتقل من الطير والأنعام الى الأرض ومياهها ونباتاتها وعلاقة السماء بها والظواهر المتعلقة بها من الليل والنهار. يقول سبحانه : {أوَلَم يَرَوا إلى الأرضِ كم أنبتنا فيها من كُلِّ زَوجٍ كريم } [الشعراء 7 ], {أوَلَم يَرَوا أنَّا نَسُوقُ الماءَ الى الأرضِ الجُرُزِ فَنُخرِجُ بهِ زرعاً تأكُلُ منهُ أنعامُهُم وأنفُسُهُم أفلا يُبصرون} [السجدة 27 ]، {ألمْ ترَ أنَّ اللهَ سَخَّرَ لكُم مافي الأرضِ والفُلكَ تجري في البحرِ بأمرهِ ويُمسِكُ السَّماءَ أن تقعَ على الأرضِ إلا بإذنهِ إنَّ اللهَ بالنّاسِ لرؤُوفٌ رحيم } [الحج 65] ، {ألمْ ترَ أنَّ اللهَ يُولجُ اللّيلَ في النهارِ ويُولجُ النَّهارَ في اللّيلِ وسخَّرَ الشَّمسَ والقمرَ كُلٌّ يجري إلى أجلٍ مُسمّى وأنَّ اللهَ بما تَعملونَ خبير} [لقمان29 ] ، {ألمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنزلَ من السَّماءِ ماءً فأخرجنا بهِ ثمراتٍ مُختلفاً ألوانُها ومن الجِبالِ جُدَد بِيضٌ وحُمْرٌ مُختلفٌ ألوانُها وغَرابيبُ سُودٌ* ومنَ النَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ مُختلفٌ ألوانُهُ كذلكَ إنَّما يخشى اللَه من عبادهِ العلماء} [فاطر 27-28] {أولم يَروا إلى ماخلقَ اللهُ من شئٍ يَتفيّؤا ظِلالُه ُعن اليمينِ والشَّمائلِ سُجَّداً لله وهم داخرون } [النحل48].
إن الله خلق كل شئ فأحسن خلقه، وأحكم صنعه من حيث الكمّ والنوع والخصائص والوظيفة :

{صُنعَ الله الذي أتقنَ كُلَّ شئٍ إنّهُ خبير بما تفعلون} [النمل 88]،{إنَّا كُلَّ شَئٍ خلقناهُ بِقَدر} [القمر 49]،{وخَلقَ كُلَّ شَئٍ فقدَّرهُ تقديراً}[ الفرقان 2]
{ والأرضَ مَدَدنَاها وألقينَا فيها رَواسيَ وأنبتنا فيها من كُلِّ شَئٍ موزون} [الحجر 19]،{ماترى في خَلقِ الرَّحمنِ من تَفاوت} [الملك3]
{ربّنَا ماخلقتَ هذا باطلاً} [آل عمران 191]،{ولقد جعلنا في السَّماءِ بُروجاً وزَيّنّاها للناظرين} [الحجر 16 ]
{ والأنعامَ خَلقها لكُم فيها دِفءٌ ومنافعُ ومنها تأكلون* ولكُم فيها جَمالٌ حينَ تُريحونَ وحينَ تسرحون} [النحل5 ـ 6] .
يقول الإمام القزويني في كتاب عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات (نقلا عن كتاب تراث الانسانية ج2 ص 686):
يقول تعالى : {أفلم ينظروا إلى السَّماءِ فَوقهم كيفَ بنيناها وزَينّاها ومالها من فروج} يقول معقباً:
“وليس المراد من النظر تقليب الحدقة نحوها، فإن البهائم تشارك الإنسان فيه، ومن لم ير من السماء إلا زرقتها، ومن الأرض إلا غبرتها، فهو مشارك للبهائم في ذلك وأدنى حالاً منها واشدّ غفلة، كما قال تعالى : {ولهم قُلوبٌ لا يفقهونَ بها ولهم أعينٌ…} إلى قوله تعالى {أولئكَ كالأنعامِ بل هم أضل}، يقول المراد من النظر التفكر في المعقولات والنظر في المحسوسات والبحث عن حكمتها وتصاريفها لتظهر له حقائقها، فإنها سبب اللذّات الدنيوية والسعادات الأخروية ، وكلما أمعن النظر فيها ازداد من الله تعالى هداية ويقينا ونورا وتحقيقا، والفكر في المعقولات لا يتأتى إلا لمن له خبرة بالعلوم والرياضيات بعد تحسين الأخلاق وتهذيب النفس، فعند ذلك تتفتح له عين البصيرة، ويرى كل شئ من العجب ما يعجز عن إدراك بعضها “.
ويقول الدكتور العلاّمة يوسف القرضاوي في مقال (واقعية الإسلام وواقع الإنسان):
“إن المُتجوِّل في رياض القرآن يرى بوضوح أنه يريد أن يغرس في عقل كل مؤمن وقلبه الشعور بالجمال المبثوث في أجزاء الكون من فوقه ومن تحته ومن حوله : في السماء، والأرض، والنبات، والحيوان، والإنسان .
في جمال السماء يقرأ قوله تعالى : {أفَلَم يَنظُروا إلى السَّماءِ فَوقَهُم كيفَ بَنيناها وزَيّنّاها وما لها من فُروج} [ق 6 ]، {ولقد جعلنا في السَّماءِ بُروجاً وزَيّنّاها للناظرين} [الحجر 16] .
وفي جمال الأرض : { والأرضَ مَدَدناها وألقينا فيها رَواسيَ وأنبَتنا فيها من كُلِّ زوجٍ بهيج} [ ق7 ]، {وأنزلَ لكُم مِنَ السَّماءِ ماءً فأنبتنا بهِ حَدائقَ ذاتَ بهجةٍ} [النمل 60] .
وفي جمال الحيوان : {والأنعامَ خلقها لكُم فيها دِفءٌ ومنافع ومنها تأكلون* ولكُم فيها جَمالٌ حين تُريحون وحين تَسرحون} [النحل 6 ].
وفي جمال الإنسان : {وصَوَّرَكُم فأحسنَ صُورَكُم} [التغابن 3 ]، {الذي خَلقَكَ فَسَوَّاكَ فَعدَلك *في أيِّ صُورَةٍ ماشاءَ رَكَّبك} [الانفطار7 ـ 8] .
ويتابع :
“إ نّ المؤمن يرى يد الله المُبدعة في كل ما يشاهده في هذا الكون البديع ويبصر جمال الله في جمال ما خلق وصوّر، يرى فيه {صُنعَ الله الذي أتقنَ كُلّ شئ } [النمل ]33 ، {الذي أحسنَ كُلَّ شئٍ خلقه} [السجدة ]7 . وبهذا يحب المؤمن الجمال في كل مظاهر الوجود من حوله، لأنه أثر جمال الله جل وعلا . وهو يحب الجمال كذلك،لأن ” الجميل ” اسم من أسمائه تعالى الحُسنى وصفة من صفاته العلا . وهو يحب الجمال ايضاً لأن ربّه جميل يحب الجمال” .
وهناك آيات كثيرة أخرى تدل على نفس المعنى والمضمون يمكن الرجوع إليها .
ويقول الدكتور عماد الدين خليل (نفس المرجع السابق):
“عندما دعا القرآن الكريم الناس إلى التأمل في الطبيعة ، لم تكن دعوته هذه تنصب على الجانب التجريبي العملي من أجل استغلال كنوز الطبيعة وامكاناتها فحسب، وهو ما يهدف العلم إليه، بل رافق هذه الدعوة توجيه إلى الجانب الانفعالي الجمالي من أجل تنمية وتهذيب الإحساس البشري ورفعه إلى الدرجة التي يستحقها الإنسان باعتباره مخلوقاً متذوقاً حساساً ، فالقرآن الكريم دعوته مزدوجة : التأمل العلمي، والحدس الجمالي، فهو يخاطب الإنسان بإ سلوبه الفني المعجز الذي يعرف كيف يُحرك كل مكونات الإنسان “.
ويقول الشهيد سيد قطب (كتاب مقومات التصور الإسلامي) :
“وهو كون جميل باهر،لا يقف التناسق والتوافق فيه عند حدود الدقة والانتظام والضبط ، ولكن التوافق والتناسق فيه يتجهان الى الكمال والجمال والحسن والزينة .. والمنهج القرآني يُوجه أنظار البشر ومشاعرهم إلى مافي الكون حولهم من هذه البدائع،إلى جانب مايُوجههم الى إدراك ما فيه من خير ونعمة ومصلحة وكفاية لحاجاتهم .إن عنصر الجمال مقصود قصداً في بناء الكون،وفي ظواهره وفي الحياة المبثوثة فيه،وإيقاظ حاسّة الجمال في البشر مقصود كذلك قصداً في المنهج القرآني، وفي التربية الإسلامية بهذا المنهج ..إن هذا الإنسان مخلوق فائق على الحيوان، فمطالبه الأساسية ليست هي مجرد الكفاية الحيوانية من الطعام والشراب والجنس ـ كما تقول الماركسية ـ فمن مطالبه الأساسية كذلك أن يستمتع بالجمال في شتى صوره . جمال المناظر وجمال المشاعر . من أجل هذا تتكّفل عقيدته الصحيحة الرفيعة في الإسلام، أن توقظه الى الجمال في الكون وفي الحياة المبثوثة فيه، وإلى بدائع صنع الله في الكون والحياة . فالله سبحانه جعل الجمال عنصراً من عناصربناء الكون والحياة، والكمال في صنعته الباهرة يُحقق هذا الجمال .. إن المنهج القرآني يوجه أنظار البشر الى “المنفعة ” الحاصلة لهم من خلقة هذا الكون وطبيعته، وإلى دلالة هذا الخلق على خالقه .. يقول لهم : {هُوَ الذي جعلَ الشَّمسَ ضِياءً والقمرَ نُوراً وقدَّرهُ مَنازِلَ لتعلمُوا عددَ السِّنينَ والحِسابَ ما خلقَ اللهُ ذلكَ إلا بالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لقومٍ يعلمون} [ يونس 5 ]ويقول تعالى : {وهُوَ الذي جَعلَ لكُمُ النُّجُومَ لِتهتدوا بها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحرِ قد فصَّلنا الآياتِ لِقومٍ يعلمُون} [الأنعام 97} ،ويقول تعالى : {ومِن رحمتهِ جعلَ لكُمُ الّليلَ والنَّهارَ لِتسكُنُوا فيهِ ولِتبتغُوا من فضلِهِ ولعلَّكُم تشكرون} [القصص 73 ] ،وقال تعالى :” {وهُوَ الذي جَعلَ لكُمُ اللّيلَ لِباساً والنَّومَ سُباتاً وجَعلَ النَّهارَ نُشُورا*وهُوَ الذي أرسلَ الرّياحَ بُشرا بينَ يَدي رَحمتِهِ وأنزلنا من السَّماءِ ماءً طَهُورا * لِنُحيي بهِ بَلدةً ميتاً ونُسقِيَهُ ممَّا خَلقنا أنعاماً وأَناسيَّ كثيرا} [الفرقان 47 ـ 49] ،وقال تعالى: {اللهُ الذي يُرسِلُ الرِّياحَ فَتُثيرُ سَحاباً فَيَبسُطُهُ في السَّماءِ كيفَ يشاءُ ويجعلُهُ كِسَفاً فترى الوَدقَ يخرجُ من خِلالِهِ فإذا أصابَ بهِ من يشاءُ من عبادِهِ إذا هُم يستبشرون * وإن كانُوا من قَبلِ أن يُنَّزلَ عليهم من قَبلهِ لَمُبلسين * فانظُر الى آثارِ رَحمةِ الله كيفَ يُحي الأرضَ بعد موتِها إنَّ ذلكَ لَمُحي الموتى وهُوَ على كُلِّ شئٍ قدير} [الروم 48ـ 50] .
ويتابع رحمه الله :
“وإلى هنا فالتوجيه هو إلى المنفعة والمصلحة في حدود الحاجة والضرورة ..ولكن المنهج القرآني يتجاوز بالإنسان حدود المنفعة والضرورة ، فيوجه نظره ومشاعره الى الكمال والجمال والتناسق والتوافق والحس والزينة، والمنظر والبهجة .. هذه اللفتات التي يتميز بها الإنسان على الحيوان، ويرتفع ويترقى ويرفرف وينطلق .. يقول له : {الذي خَلقَ سَبعَ سماواتٍ طِباقاً ماترى في خَلقِ الرَّحمنِ من تَفاوتٍ فارجِعِ البَصرَ هل ترى من فُطُور * ثُمَّ ارجِعِ البَصرَ كَرَّتينِ ينقلب إليكَ البَصَرُ خاسئاً وهو حسير * ولقد زَينَّا السَّماءَ الدُّنيا بِمصابيحَ وجعلناها رُجُوماً للشِّياطينِ وأَعتدنا لهُم عذابَ السَّعير} [الملك 3 ـ 5 ].
فيوجه نظره الى مافي بناء الكون كله من توافق وتناسق وكمال وجمال وزينة تبلغ ذلك الحد الباهر،الذي يرجع البصر منه حسيراً، لا يجد نقصاً ولا يجد ثغرة ولا يملك التطلع الى شئ وراءه . بل لايملك استيعابه .. وهو تعبير دقيق عن حالة واقعة، فالجمال الكوني حين يتطلع الإنسان إلى السماء، يبهر النظر الإنساني بحيث لا يشبع منه، وبحيث لايستوعبه حسّه كذلك . إنها حالة العجز عن استيعاب كل هذا الجمال الفائض الباهر . كذلك يوجه الحسّ الإنساني إلى جمال الحركة اللطيف في بعض مشاهد الكون : {ألَم تَرَ إلى رَبِّكَ كيفَ مَدَّ الظِّلَّ ولو شاءَ لَجعلَه ُسَاكناً ثُمَّ جَعلنا الشَّمسَ عليهِ دليلا * ثُمَّ قَبضناهُ إلينا قَبضاً يسيرا}” [الفرقان 45 ـ 46] . وجمال الظلال، وجمال الحركة الوئيدة للظل، لون فائق من ألوان الجمال اللطيفة لايدركه الا الحسّ المرهف اللطيف . والى هذا المستوى المرفرف يتجه المنهج القرآني بالحسّ الإنساني في تصويره لحقيقة الكون من حوله .كما يُوجه الى مشهد الليل ومشهد النهار ، بمثل هذه اللمسة المبدعة {والّليلِ إذا عَسعسَ * والصُّبحِ إذا تنفَّسَ} [التكوير 17 ـ18 ] ، وفي {والفَجرِ *وليالٍ عَشرِ * والشَّفعِ والوَترِ * والّليلِ إذا يَسْر}ِ الفجر[ 1 ـ4] ، فإذا الليل والصبح كائنان تدّب فيهما الحياة : الليل يعسعس ـ أو يسري ـ والصبح يتنفس . ويُريه النجوم وهي تغيب وتتوارى كما لو كانت عرائس أو غزلانا تخنس وتختبئ في كناسها : {فلا أُقسِمُ بالخُنَّسِ * الجَوارِ الكُنَّس} [التكوير 15 ـ 16] ،وهي لمسات جمالية يعجز البيان البشري أن يزيدها عرضا أو إيقاعا .. ويهدف المنهج القرآني الى رفع الإنسان إليها .وإطلاق مشاعره تجاهها، وهو يحدثه عن “حقيقة الكون ” من حوله ، ليتملى مافيه من جمال،إلى جانب ما فيه من منفعة له ومصلحة ، وإلى جانب مافيه من ضبط ودقة . ويوجهه الى تنوع الألوان وجمال هذا التنوع وتوزعه بين الجوامد والأحياء سواء: {ألم تَرَ أنَّ اللهَ أنزلَ من السَّماءِ ماءً فأخرجنا بهِ ثَمراتٍ مُختلفاً ألوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُختلفٌ ألوانُهَا وغَرابيبُ سُودٌ* ومِنَ النَّاسِ والدَّوابِ والأنعامِ مُختلفٌ ألوانُهُ كذلكَ إنَّما يَخشى اللهَ من عِبادهِ العلماءُ إنَّ اللهَ عزيزٌ غفورٌ } [ فاطر 27_28 ]، وهي لفتة مُوحية الى جمال الالوان وتنوعها وتوزعها بين الجوامد والأحياء سواء،وبالمثل يُوجهه الى الجمال في الأحياء ـ إلى جانب المنفعة المادية وزائدا على المنفعة المادية ـ لتلبية الحاجة الانسانية الى الجمال،ولإيقاظ مشاعره،وإطلاقها من قيد الضرورة والحاجة ،في اتجاه الجمال والمتعة .. يحدثه عن الجمال في الحيوان الى جانب المنفعة : {والأنعامَ خَلقَها لكُم فيها دِفءٌ ومَنافعُ ومنها تأكُلون * ولكُم فيها جَمالٌ حِينَ تُريحونَ وحِينَ تسرحونَ * وتَحملُ أثقالَكُم إلى بلدٍ لم تكونُوا بالغيهِ إلّا بِشِقِّ الأنفُسِ إنَّ ربَّكُم لرءوفٌ رحيم * والخيلَ والبِغالَ والحَميرَ لتركبُوها وزينةً ويَخلقُ ما لا تعلمون} [النحل 5 ـ 8]. ويحدثه عن الجمال في الزروع والثمار : {وهُوَ الذي أنزلَ من السَّماءِ ماءً فأخرجنَا بهِ نباتَ كُلِّ شئٍ فأخرجنَا منهُ خَضِراً نُخرجُ منهُ حَبَّاً مُتراكباً ومنَ النَّخلِ مِن طَلعِهَا قِنوانٌ دانيةٌ وجنّاتٍ من أعنابٍ والزَّيتونَ والرُّمانَ مُشتبِهاً وغيرَ مُتشابهٍ انظُروا إلى ثمرهِ إذا أثمرَ وينعِهِ إنَّ في ذلكُم لآياتٍ لقومٍ يؤمنون} [الأنعام99 ] . فالتوجيه هنا إلى النظر والاستمتاع بجمال الثمار وازدهائها وينعها،لا إلى طعومها ولا إلى أكلها ! كما يوجههم الى تملَّى بهجتها في قوله : { والأرضَ مَدَدناها وألقينا فيها رواسيَ وأنبتنا فيها من كُلِّ زوجٍ بهيج} [ق 7 ].
ويتابع رحمه الله : ” إنه كون جميل ذلك الكون الظاهر المشهود . وكون أجمل ذلك الكون المغيب الموعود،وكلاهما يتسع له تصور المسلم للكون، كما يصفه له خالق هذا الكون، الذي جملّه وزيّنه ، لأنه هو سبحانه يحب الجمال ويجعله عنصرا أساسيا في الخلق، يرفع الإنسان إلى مستوى تأمله وتمليه، ويوقظ فطرته ومشاعره إلى مجاليه،كما يوقظها لتدبر الدقة والنظام والتوافق والتناسق سواء” .
ويقول الدكتور توفيق الحكيم (كتاب تحت شمس الفكر ص 35):
“إن الفلكيون العظام في القرن السادس والسابع عشر مثل كوبرنيكوس وغاليليو وكبلر،وغيرهم كانوا ينظرون إلى الكواكب لا بعين العقل وحده ، بل بعين القلب أيضاً ، كانت السماء والنجوم في نظرهم مخلوقات حية ، كانوا يحسون في كتلة النجوم، وفي هذا الكون بأكمله، الروح الخالقة، ويد المبدع الأعظم .. ويتابع :” ما أروع هذه العبارة من كبلر : كل الخليقة ليست إلا سيمفونية عجيبة، في مجال الأجسام والأحياء .. كل شئ متماسك، مرتبط بعرى متبادلة لا تنفصم ، كل شئ يكون كلاً متناسقاً .. إن الله قد خلقنا على صورته، وأعطانا الأساس بالتناسق .. كل مايوجد حيّ متحرك ، كل كوكب، وكل نجم إن هو إلا حيوان ذو نفس،إن روح النجوم هي سر حركتها، وسبب ذلك النظام الذي تسير عليه الظواهر الطبيعية ”
ويتابع توفيق الحكيم :” أولئك رجال ساروا في بيداء العقل دون أن ينسوا دليل القلب،أُولئك هم العلماء العظام “.

ويقول توفيق الحكيم أيضاً(الرسالة العدد288):

“الشمس باعثة الحياة على الأرض.إنها تشرف علينا من مكان معين بمقدار.فإذا اقتربت منا أنملة هلكنا حرقاً،وإذا ابتعدت عنا أنملة متنا برداً.إن يد الحكمة الأزلية قد وضعتها في الموضع الذي لابد لها فيه من أن ترسل إلينا الدفء والخير والسلام.

ما أدق هندسة الكون!اللهم إني أعود إلى برجي وأنا شديد الإيمان بك،قريب الفهم لك،مدرك بعض الإدراك لمشيئتك في خلق الإنسان،مطمئن كل الاطمئنان إلى مراميك في إنشاء حواسنا الآدمية على هذا الضعف.إن ما اعتدنا أن نسميه ضعفاً وقصوراً في إدراكنا حقيقة الأشياء ليس إلا السياج الذي يحمي سعادتنا البشرية فإذا خرجنا عن نطاق هذا السياج فقد انقلبنا مخلوقات أخرى لا تتصل بالأرض ولا بجمالها ولا عواطفها.

اللهم إنك مع قصورنا قد صنعتنا على خير حال،ومع جهلنا قد هيأت لنا أحسن مآل”.
3 ـ نظرة استخلاف وتسخير :
لقد استخلف الله تعالى الإنسان على الأرض وجعله خليفة :
{وإذ قالَ رَبُّكَ للملائكةِ إنّي جَاعلٌ في الأرضِ خليفة} [البقرة 30]،{وهُوَ الذي جَعلَكُم خلائفَ الأرضِ} [الأنعام165 ]،{ولقد مَكَّناكُم في الأرضِ وجَعلنا لكُم فيها مَعايشَ قليلاً ما تشكرون} [الأعراف 10]،
{ولقد كَرَّمنا بني أدمَ وحملناهُم في البَرِّ والبَحرِ ورزقناهُم من الطَّيباتِ وفضَّلناهُم على كثيرٍ ممَّن خلقنا تفضيلا} [الإسراء 70]،{وعدَ اللهُ الذينَ أمنوا مِنكُم وعملوا الصالحاتِ لَيَستخلِفَنَّهُم في الأرضِ كَما استخلفَ الذينَ من قَبلِهم ولَيُمَكِّننَّ لهُم دِينَهُم الذي ارتضى لهُم ولَيُبَدِّلنّهُم من بعدِ خَوفهم أمناً يَعبُدُونني لا يُشركونَ بي شيئا ومن كفرَ بعدَ ذلكَ فأُولئكَ هُمُ الفاسقُون} ” [النور55 ].
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله(مشاهد يوم القيامة ص11):
“الكون كله بقواه الهائلة التي تفوق قدرة الإنسان ملايين المرات،والتي تستطيع أن تهلكه في لحظة واحدة..الكون كله بتلك القوى الهائلة الموجودة فيه مسخر لخدمة الإنسان..الشمس تعطي أشعتها له ولا تستطيع أن تعصي..والهواء يعطيه التنفس،ولا يستطيع أن يرفض..والبحار تعطيه الأمطار ولا تستطيع أن تقول لا..والأرض تعطيه كل خيراتها..فلا هي تقدر أن تمنع الزرع،ولا أن توقف الثمار عن الوجود..وهكذا نرى أن كل ما في الكون مسخر لخدمة الإنسان..الإنسان على إطلاقه…مؤمنه وكافره…عاصيه والمطيع”.
ويقول العلامة الدكتور القرضاوي في مقال (مظاهر التكريم الإلهي للإنسان مجلة الوعي الإسلامي العدد 130 شوال 1395 هجري):
“لقد أعلن الإسلام كرامة الإنسان، فاعتبره خليفة الله في الأرض، وهي منزلة اشرأبَّت إليها أعناق الملائكةِ، وتشَّوفت إليها أنفسهم، فلم يُعطوها، ومنحها الله للإنسان : {وإذ قالَ رَبُّكَ للملائكةِ إنّي جَاعلٌ في الأرضِ خليفةً قالوا أتَجعلُ فيها من يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدماءَ ونحنُ نُسَبِّحُ بِحمدِكَ ونُقَدِّسُ لك قال إنّي أعلمُ مالاتعلمون* وعلَّمَ آدمَ الأسماءَ كُلَّها ثُمَّ عرضُهم على الملائكةِ فقالَ أنبئُوني بأسماءِ هَؤلاءِ إنْ كُنتُم صادقبن * قالوا سُبحانكَ لاعِلمَ لنا إلا ماعلّمتنا إنَّكَ أنتَ العليمُ الحكيم* قالَ يا آدمُ أنبئهُم بأسمائهم فلمَّا أنبأهُم بأسمائهم قالَ ألم أقُلْ لكم إنَي أعلمُ غَيبَ السَّمواتِ والأرضِ وأعلمُ ما تُبدُونَ وما كُنتُم تكتمون} [البقرة 30 ـ 33 ].
لقد كرَّم الله تعالى الإنسان بالخلافة في الأرض، وهيأه لها بالعقل والعلم الذي تفوَّق به على الملائكة .
ويتابع الشيخ القرضاوي حفظه الله:
” وكان من تكريم الله للإنسان في نظرالإسلام أنه جعل الكون كله في خدمته،وسخَّر لمنفعته العوالم كلها : السماء والأرض الشمس والقمروالنجوم، والليل والنهار،الماء واليابس،البحاروالأنهار،والنبات والحيوان والجماد، كلّها مُسخَّرة لمصلحة الإنسان وسعادة الإنسان، كرامة من الله له، ونعمة منه عليه” .انتهى كلام القرضاوي .
وقد سخر الله تعالى للإنسان كل مقومات البيئة ومكوناتها،وسخر له ظواهر الكون الطبيعية ، ليستفيد منها وينتفع بها .
إن البيئة كلّها بأرضها وسمائها، وهوائها وجمادها، نباتها وحيواناتها ، مايلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، كل ذلك خلقه الحقّ تبارك وتعالى مُسخرَّاًومذللَّاً للإنسان، فهي خُلقت له، ومن أجله، وقد استخلفه الله عليها .
{ألم تَروا أنَّ اللهَ سَخَّرَ لكُم مافي السَّمواتِ وما في الأرضِ وأسبغَ عليكُم نِعَمهُ ظاهرةً وباطنةً} [لقمان20]،{وسَخَّرَ لكُم مافي السَّمواتِ وما في الأرضِ جميعاً منهُ إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يتفكَّرون} [الجاثية 13]،{اللهُ الذي خلقَ السَّمواتِ والأرضَ وأنزلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فأخرجَ بهِ منَ الثَّمراتِ رِزقاً لكُم وسخَّرَ لكُمُ الفُلكَ لتجريَ في البَحرِ بأمرهِ وسخَّرَ لكُمُ الأنهار* وسخَّرَ لكُمُ الشَّمسَ والقمرَ دائبينِ وسخَّرَ لكُمُ الليلَ والنهار} [إبراهيم 32 ـ33 ]،
{وإلى ثَمودَ أخاهُم صالحاً قالَ ياقومِ اعبدُوا اللهَ مالكُم من إلهٍ غيرُهُ هُوَ أنشأكُم من الأرضِ واستعمرَكُم فيها فاستغفرُوهُ ثُمَّ تُوبوا إليهِ إنَّ ربّي قَريبٌ مُجيب} [هود 61 ].
وجاء في الحديث الشريف :” إن الدنيا حلوة خضرة والله تعالى مستخلفكم فيها ” [رواه مسلم والنسائي ].
يقول الشيخ القرضاوي (المقال السابق):
“وتسخير الكون للإنسان يتضَّمن معنيين كبيرين :
أولهما : أنَّ الطاقات الكونية مهيأة ومبذولة للإنسان،فعليه أن يبذل جهده ويُعمل فكره في فتح مغاليقها ، واكتشاف مخبوئها ، ليستخدمها فيما يعود عليه بالخير والسعادة .
والثاني : أنَّ الإنسان هو واسطة العقد في هذا العالم ،فلا يجوز أن يؤله شيئاً فيه أو يتعبَّد له، رغباً أورهباً، والذين عبدوا بعض مظاهر الطبيعة أو القوى الكونية في العالم العلوي أو السفلي، قلبوا الحقائق وحولّوا الإنسان من سيد سُخِّر له الكون الى عبدٍ ذليل، يسجدُ لنجم أو شجرة أو بقرة أو حجر من الأحجار” . انتهى كلام القرضاوي .
سخر الله للإنسان الشمس، وبأشعتها وحرارتها يحصل الإنسان سنوياً حوالي أربعمئة ألف كيلو متر مكعب من الماء {وجعلنا من الماء كل شئ حي}، وبأشعة الشمس التي يرسلها الله بشكل موزون يكون الدفء، والتطهير، وحياة النبات والحيوان وكل الكائنات، ولو تجاوزت درجة معينة أو نقصت عنها لكان الخراب والتدمير .
وسخر الله للإنسان الأرض، بما فيها من أحياء كالنبات والحيوان، والتي هي غذاء له وكساء وركوب وله فيها منافع أخرى، وسخر له مافي الأرض من جماد كالجبال التي هي أوتاد تثبت هذه البسيطة ليعيش عليها مرتاحاً مستقراً، وسخر له البحار والأنهار يستخرج منها طعاماً طيباً وحلية للزينة، وسهل له ركوبها من خلال الفلك والسفن .
يقول الشهيد سيد قطب (الظلال ج1 ص56 ):
” وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد ـ سيدنا أدم ـ من الطاقات الكامنة والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الارض من قوى وطاقات وكنوز وخامات، ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية، وإذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الارض وتحكم الكون كله، والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته ،كي لا يقع التصادم بين هذه النواميس وتلك وكي لا تتحطم طاقة الإنسان على صخرة الكون الضخمة، وإذن فهي منزلة عظيمة، منزلة هذا الإنسان، في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الكريم “.

والاستخلاف شرعاً يعني أن الإنسان “وصي “على هذه البيئة لا مالك لها، وأنه “مستخلفٌ” على إدارتها، واستثمارها، وإعمارها، وأمين عليها .
والاستخلاف يعني أن يتبع المخلوق أوامر خالق البيئة ومالكها الحقيقي.
والاستخلاف يعني أنه “أمين “ على هذه الخلافة،أي يتصرف فيها تصرف الأمين المستأمن، فالأرض أرض الله، والعباد عباد الله، وهو يتصرّف حسب هذه الأمانة الموكلة له بشروط حددَّها الله سبحانه وتعالى ومنها حسن استغلالها وصيانتها والمحافظة عليها من أي تدمير أو انحراف.
والاستخلاف يعني “عمارة الارض ” {هُوَ أنشأكُم منَ الأرضِ واستعمَرَكُم فيها} [ هود61 ] ، والاستعمار هنا هو تعمير الأرض،فعمارة الأرض مشيئة أزلية .

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لا يغرس المسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شىء إلا كانت له صدقة“[رواه مسلم عن جابر].وقال صلى الله عليه وسلم:”من أحيا أرضاً ميتة فهي له“[رواه الترمذي عن جابر وقال حديث حسن صحيح].

إن عمارة الأرض مستمرة لاتنقطع ولاتتوقف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

يقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله(قبسات من الرسول ص16):

جاء في الحديث الشريف:”إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة،فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها،فليغرسها فله بذلك أجر”[ذكره علي بن العزيز في المنتخب بإسناد حسن عن أنس رضي الله عنه.”عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني].

يقول الأستاذ محمد قطب معقباً:”ولعل آخر ماكان يدور في ذهن السامعين أن يقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الحديث!

ولعلهم توقعوا أن يقول لهم الرسول الذي جاء ليذكر الناس بالآخرة،ويحثهم على العمل لها،ويدعوهم إلى تنظيف ضمائرهم وسلوكهم من أجل اليوم الأكبر:يوم الحساب الذي تدان فيه النفوس…لعلهم توقعوا أن يقول لهم:فليسرع كل منكم فليستغفر ربه عما قدمت يداه،وليتوجه لله بدعوة خالصة أن يميته على الإيمان ويقبل توبته ويبعثه على الهدى..ولعلهم توقعوا أن يقول لهم:أسرعوا فانفضوا أيديكم من تراب الأرض..وتطهروا..اتركوا كل أمور الدنيا وتوجهوا بقلوبكم إلى الآخرة.انقطعوا عن كل مايربطكم بالأرض.اذكروا الله وحده.توجهوا إليه خالصين من كل رغبة في الحياة،حتى إذا ذهبتم إلى ربكم،ذهبتم وقد خلصت نفوسكم إليه،فيقبل أوبتكم ويظلكم بظله،حيث لا ظل إلا ظله.ولو قال لهم ذلك فهل من عجب فيه؟!أليس الطبيعي وقد تيقن الناس من القيامة أن ينصرفوا للحظة المرهوبة؟أليس الطبيعي والهول المهول على الأبواب أن ينسلخ الناس من كل وشيجة تربطهم بالأرض،ويتطلعوا في رهبة الخائف وذهول المرتجف إلى قيام اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى،وماهم بسكارى،ولكن عذاب الله شديد؟!

فإذا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم :”لاتقفوا مذهولين مرجوفين مرعوبين،ولكن توجهوا إلى الله أن ينقذكم من هذا الكرب العظيم،أخلصوا له الدعاء فهو قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه.ولا تيأسوا من روح الله إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.هلموا تطهروا،وصلوا إلى الله خاشعين…

إذا قال لهم الرسول ذلك فقد وضع البلسم الشافي على الأرواح المكلومة.وقد وضع يده الحانية يربت بها على النفوس المهتزة المزلزلة الراجفة فتطمئن.وقد فتح الكوة التي يطل منها على القلوب المكفهرة المذعورة بصيص الأمل والأمن والرجاء..

ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل شيئاً من ذلك كله الذي توقعه السامعون.

بل قال لهم أغرب مايمكن أن يخطر على قلب بشر!

قال لهم:إن كان بيد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم الساعة فليغرسها…فله بذلك أجر!

يا الله! يغرسها؟!وماهي؟! فسيلة النخل التي لاتثمر إلا بعد سنين؟والقيامة في طريقها أن تقوم؟وعن يقين؟!

يا الله!لن يقول هذا إلا نبي الإسلام خاتم النبيين.

الإسلام وحده هو الذي يمكن أن يوجه القلوب هذا التوجيه،ونبي الإسلام وحده هو الذي يمكن أن يهتدي هذا الهدي،ويهدي به الآخرين!

وهذا تاريخ الأرض كلها..ليس فيه مثل هذه القبسة من قبسات الرسول!

ويتابع الاستاذ محمد قطب رحمه الله:”وكم من معنى تستخلصه النفس من هذه الكلمات البسيطة العميقة في آن.

أول مايخطر على البال هو هذه العجيبة التي يتميز بها الإسلام:أن طريق الآخرة هو هو طريق الدنيا بلا اختلاف ولا افتراق!

إنهما ليسا طريقين منفصلين:أحدهما للدنيا والآخر للآخرة!وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك،ويربط مابين هذه وتلك.ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة.وطريق للدنيا اسمه العمل!وإنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة.وهو طريق لايفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل.كلاهما شيء واحد في نظر الإسلام.وكلاهما يسير جنباً إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه.

العمل إلى آخر لحظة من لحظات العمر.إلى آخر خطوة من خطوات الحياة!يغرسها والقيامة تقوم هذه اللحظة.عين يقين!

وليس هذا هو الدرس الوحيد الذي نتعلمه من هذا الحديث العجيب.فلا يأس مع الحياة!والعمل في الأرض لاينبغي أن ينقطع لحظة واحدة بسبب اليأس من النتيجة!

فحتى حين تكون القيامة بعد لحظة،حين تنقطع الحياة الدنيا كلها،حين لاتكون هناك ثمرة من العمل..حتى عندئذ لايكف الناس عن العمل وعن التطلع للمستقبل،ومن كان في يده فسيلة فليغرسها!

وبمثل هذه الروح الجبارة تعمر الأرض حقاً وتشيد فيها المدنيات والحضارات.

كل مافي الأمر أن الإسلام وهو يدعو لتعمير الأرض،والعمل في سبيلها،لاينحرف بالأفكار والمشاعر عن طريق الله وطريق الآخرة،لأنه لايفصل بين الدنيا والآخرة،ولابين الحياة العملية و”الأخلاق”.

يقول الأستاذ البهي الخولي :
” إن الله سبحانه وتعالى استودع الأرض خيرات وثروات بغير حصر،واستودع الإنسان من أسرار المواهب والملكات، ولا نبالغ إذا ما قلنا أن مهمة الإعمار هي المبرر الوحيد لإصباغ صفة الخلافة على الإنسان واعتباره “مخلوق الله المختار ” وأن الذي يحق له البقاء في الأرض هو الصالح لعمارتها {أنَّ الأرضَ يرثُها عباديَ الصالحون} “ [الانبياء 105].
والاستخلاف بالقياس الزمني استخلاف مؤقت {ولكُم في الأرضِ مُستَقرٌّ ومَتاعٌ إلى حين} [البقرة 36] ومعنى هذا أن البيئة بمواردها الطبيعية المختلفة لا تعتبر مُلكاً خالصاً لجيل من الأجيال يتصرف فيها كيفما يشاء،ولا يستطيع أيّ جيل أن يدَّعي لنفسه هذا الحق، وإنّما هي ميراث البشرية الدائم تتوارثه الأجيال المتعاقبة والمتلاحقة، وهذا يعني المحافظة على البيئة دون تدمير أو استنزاف لثرواتها لنورثها للأجيال القادمة، بيئة سليمة قادرة على العطاء كما خلقها الله عز وجل، ومن هذا المنطلق ينهى الإسلام ويمنع سوء استغلال موارد البيئة واستنزافها لحساب جيل معين على حساب الأجيال القادمة، وهذه مخالفة صريحة لمعنى الاستخلاف .
والاستخلاف والتسخير نعمة من نعم الله على الإنسان، وكل نعمة ينبغي أن تقابل بالشكر، فالشكر يزيد النعم ويجعل فيها الاستمرارية {وإذ تأذّنَ ربُّكُم لئن شَكرتُم لأزيدَنَّكُم ولئن كَفرتُم إنَّ عذابي لَشديد}[إبراهيم7] ، والكفران بالنعمة يستوجب حرمانها {فَكَفرتْ بأنعُمِ الله فأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخوفِ بما كانوا يصنعون} [ النحل 112].
نظافة البيئة:

يقول الأستاذ الدكتور مرشد خاطر (أحد أعداد مجلةالمجمع العلمي بدمشق ـ مقال بعنوان:هواء المدن):

“إن علم الصحة أس من الأسس الراسخة المتينة التي يشيد عليها هذا البناء البشري وأنه إذا انحصر في فرد أو أفراد لا يكون مفيداً نافعاً،فلو رعى أحد أفراد أسرة مؤلفة من أربعة أشخاص مثلاً علم الصحة رعاية دقيقة وحفظ دقائقه حفظاً لا تشوبه شائبة ولم يحفظ الثلاثة الباقوم منه إلا اسمه لما حصلت الغاية المرادة من هذا الفن  ولما كسب ذلك المحافظ من حفاظه ما كان يؤمل الحصول عليه لأن ما يصلحه في نفسه ومحيطه بسيره في سبل هذا الفن الأساسي يفسده الثلاثة الآخرون باهمالهم .كيف لا وهم يسكنون معاً مسكناً واحداً ويغتذون بطعام واحد ويشربون ماءً واحداً.

ولا تختلف حالة الأسرة هذه عن حالة كل مجتمع إنساني ولاسيما عن المدن حيث الازدحام كبير،فإن علم الصحة لا يكون مفيداً إلا إذا رعاه بعض السكان وأهمله بعضهم أو إذا سار بموجبه الشعب جميعه ولم تسر الحكومة فإن من القواعد الصحية ما هو عام يترتب على الحكومة وضع قوانينه ومراعاتها.فكيف يؤمل لمدينة من المدن هواءً جيداً إذا لم تكن طرقها العامة مخططة كما تقتضيه قواعد علم الصحة ولم تكن عريضة متسعة يتجدد الهواء فيها وترسل إليها الشمس أشعتها الذهبية متلفةً ما يعلق بها من الجراثيم العديدة أو لم تكن منازلها مبنيةً على الطراز الحديث مرعية فيها شروط مهب الأرياح وشروق الشمس وغروبها وسعة النوافذ ووجهتها .بل كيف ترجو لمدينة هواءً جيداً إذا لم تكن مياهها شروبة خالية من المواد المضرة بالصحة العامة وعارية من الجراثيم المرضية أو إذا لم تكن غزيرة كافية للحاجات العامة،بل كيف نرجو لمدينة حظاً من سلامة الصحة العامة فيها إذا لم تكن المفرزات التي تفرزها أجساد سكان تلك المدينة من بشر وحيوان مسوقة في قنوات محكمة لا تنبعث منها الروائح النتنة ولا تتدفق منها على سطح الأرض الأقذار الكريهة الرائحة ولا تتسرب من جدرانها في مجاري الماء الشرب السائرة معها جنباً إلى جنب أو في الآبار الواقعة في نقطة منخفضة من الرض اختمارات قتالة تلوث المياه وتميت الألولف.بل إذا لم تنقل بقايا المواد الغذائية التي تملأ الطرق العامة نقلاً سريعاً وحسناً دون أن يتلوث بها المارون.

ويتابع الأستاذ مرشد خاطر:”إن العلم الصحيح إذاً واسطة من الوسائط الأساسية إذا لم أقل الواسطة الوحيدة التي ترشد الإنسان إلى العادات الحسنة ،ولما كان علم الصحة علماً يتوقف على معرفته التفريق بين العادات الصحية النافعة والمضرة كان تعلمه والوقوف عليه شرطاً لازماً في إصلاح عاداتنل القديمة المضرة التي لا تزال مستولية على السواد الأعظم من بني وطننا وليس مصدرها إلا الجهل.فلو عرف الخباز مثلاً أن ماء النهر مضر حامل لجراثيم مرضية كثيرة منها الوباء الأصفر والتيفية والزحار وغيرها ,ان درجة الحرارة التي يبلغ إليها لب الخبز لا تكفي لقتل هذه الجراثيم،وأنه يجني جناية لا تغتفر إذا عجن عجينه بماء النهر لأقلع عن هذه العادة،ولو عرف الأولاد والآباء والأمهات أن ماء النهر لا يجب أن يشرب للسبب نفسه لما شربوه،ولو عرف الحلاق أن داء الأفرنج وكثيراً من الأمراض الجلدية تنقل بالموسى والمقص وآلات الحلاقة وتعود أن يطهر آلاته بعد كل حلاقة لوقى كثيرين من هذه الأمراض،ولو عرف أصحاب المطاعم العامة أن أمراضاً كثيرة تنتقل بأوانيهم وتعودوا تعقيمها حسب الفن لما تفشى السل هذا التفشي الهائل”.انتهى كلام الأستاذ مرشد خاطر.

الإسلام دين الفطرة،وكل مايتناسب مع الفطرة هو في مصلحة الناس والعباد ، وهو يحافظ على الحقوق الفردية،والحقوق العامة للناس، ومن هذه الحقوق حق الطريق، وليس لأحد حق منفرد فيه بل هو حق عام للجميع ، فلابد من حمايته من عبث العابثين،واستهتار المستهترين .
يأمرالإسلام بنظافة المساكن والشوارع وأرجاء المدينة، فيمنع القاء القمامة ، أو تجميعها في البيوت، أو تركها في الشوارع .
في الحديث الذي رواه الترمذي عن سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :“إن الله تعالى طيب يحب الطيب،نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم،جواد يحب الجود فنظفوا أفنيتكم،ولا تشبهوا باليهود “. [قال الترمذي حديث حسن ]. والفناء : هو المكان أو الساحة أوالارض القريبة أوالمحيطة بالسكن .
كما يأمر الإسلام المسلمين إذا وجدوا أي شئ ملقى على الأرض أن يزيحوه ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” من سمَّى ورفع حجراً أو شجراً أو عظماً من طريق الناس مشى وقد زحزح نفسه عن النار ” [رواه مسلم والنسائي] . وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد ولا تدفن ” [رواه مسلم والبخاري والامام احمد ].
(والنخاعة : البزقة التي تخرج من أصل الفم ، أما النخامة فهي البزقة التي تخرج من أقصى الحلق مما يلي الصدر) .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” من آذى المسلمين في طريقهم وجبت عليه لعنتهم “[ رواه مسلم ].
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” البصق على الأرض خطيئة وكفارتها ردمها “ [رواه مسلم ]، ويقول صلى الله عليه وسلم :”الإيمان بضع وسبعون أو بضعٌ وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبةٌ من الإيمان” .[ رواه مسلم وابن ماجة والامام احمد] .وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” كلُّ سُلامى من الناس عليه صدقة كلَّ يومٍ تطلع فيه الشمس، قال : تعدل بين الإثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة ، قال : والكلمة الطيبة صدقة وكلُّ خطوة تمشيها الى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة ” .[رواه الترمذي وابن ماجة] .
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضَّلال لك صدقة، وبصرك للرجل الردئ البصر لك صدقة ، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة” .[ رواه الترمذي ].
وعن أبو برزة قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم علّمني شيئاَ أنتفع به قال: “اعزل الأذى عن طريق المسلمين “. [رواه الترمذي] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “كان على الطريق غصن شجرة يؤذي الناس فأماطها رجل فأُدخل الجنة” .[ رواه ابن ماجة ].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “أربعون خَصلة أعلاهنّ منيحة العنز ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة “قال حسان فعددنا ما دون منيحة العنز من ردِّ السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة .[رواه البخاري وابو داود].

يقول الأستاذ الدكتور مرشد خاطر :”إن مفرزات الإنسان والحيوان هي ما تطرحه المثانة أو الأنبوب الهضمي من البول أو المواد الغائطة وإن لكل من مفرزات الإنسان والحيوان ضرراً لا ينكر .فبول الناقه من الحمة التيفية مثلاً يحتوي على جراثيم المرض لفترة طويلة بعد الشفاء،وبول المسلولين وخاصة في حالات سل الجهاز البولي يكون مليئاً بعصيا كوخ أي جراثيم العصية السلية.وبول المصاب بالبلهارزيا وهو من الأمراض المنتشرة وخاصة في مصر يحتوي على كميات كبيرة من بيوض هذه الدودة وبول المصابين بالسيلان وهو من الأمراض المنتقلة بالعدوى الجنسية يحتوي كميات كبيرة من المكورات البنية وهي العامل الممرض لهذا الداء .فإذا أفرز ذلك البول في الطقات العامة بقيت تلك العوامل المرضية بعد جفافه ملقاة في الشوارع فتنقل بالهواء متى نفخت الريح أو بأحذية المارين إلى المساكن وتنقل معها العدوى.

وليس لبول المرضى فقط الضرر الذي أوضحته ولكن بول الأصحاء أيضاً مضر لأنه بعد أن يختمر ينشر في الهواء رائحة نشادرية تخرش الأنوف وتضر الضرر الجسيم.

وأما المواد الغائطة فإن ضررها يفوق ضرر البول لأنها عدا رائحتها الكريهة تحتوي على جراثيم عديدة كجراثيم الحمى التيفية وشبه التيفية والزحار والسل وكثير غيرها من الأمراض القتالة ولا سيما الوباء الأصفر.ولا تحتوي المواد الغائطة على الجراثيم المرضية فقط بل فيها كثير من بيوض الديدان ومنها الشريطية الوحيدة  والأسكاريد والانكلستوما وغيرها من الديدان.

وأما مفرزات الحيوانات فهي أشدّ ضرراً من مفرزات الإنسان لأنه عدا الأضرار التي ذكرتها تنقل مرضين من أشد الأمراض وطأةً وخطراً وهما:الكزاز الذي ينتقل بأقذار الحيوانات جميعها والكيس الدودي (الكيسة المائية)الذي سببه أقذار الكلاب لأن هذه الحيوانات الأخيرة تحمل في أمعائها دودة شبيهة بالشريطية الوحيدة في الإنسان وتسمى شريطة المكورات المقنفذة،فمتى طرحها الكلب في الأزقة تصبح بيوضها حرة وتنتقل إلى الإنسان بالماء أو إلى الأولاد بملاعبتهم للكلاب ولا سيما في أثناء تناول الطعام وتولد في الكبد أو الطحال أو الرئة أو الخلب أكياساً كبيرة تستدعي عملية جراحية لا تخلو من الخطر.

وأما بقايا المواد الغذائية وهي فضالات المطابخ فإنها خليط من المواد الحيوانية والنباتية والمعدنية قابل للاختمار وسريع التفسخ .فمتى اختمرت هذه الفضلات واختمارها سهل لا يستغرق إلا أياماً قلائل انتشرت في الهواء روائح نتنة وغازات مضرة بالصحة العامة .ولهذا يترتب علينا ألا نبقي هذه الفضلات مدة طويلة في البيوت كي تختمر فتضر،وألا نلقيها على الطرق العامة مبعثرة فنلوثها بل يجب أن تحصر في صناديق مقفلة وتوضع على الرصيف ثم تنقل صبيحة كل يوم إلى خارج البلدة”.

كما حض الإسلام وكذلت تعاليم الأطباء العرب ومنذ القديم على ما يسمى”الصحة الاجتماعية”.

يقول الأستاذ عادل البكري في مقال له بعنوان”الطب الوقائي عند العرب” نشره في أحد أعداد مجلة المجمع العلمي في دمشق:

“ويقصد بالصحة الاجتماعية المحافظة على صحة المجتمع عامة من الأمراض.وكان العرب يفرضون رقابة شديدة على الأسواق والمحلات العامة وحوانيت الأغذية ويوكلون هذه المراقبة الصارمة إلى “المُحتسب”،ويدعون العمل الذي يقوم به بالحسبة،وهي إلزام أصحاب الصنائع بكفّ الأذى عن الناس واتباع النظافة وعدم الغش.ومن ذلك ما يذكره ابن عبدون الأندلسي من أنهم يولون العناية بنظافة الطرق،ويمنعون الناس من طرح الأوساخ أو إراقة الماء فيها،ويمنعون الصباغين من عملهم في الأسواق والطرق الضيقة لئلا يتلوث لباس المارة.

ومنها أيضاً مراقبة الطحانين وإلزامهم بغربلة القمح وتنقيته قبل الطحن،ومراقبة الخبازين وأن لا يعجن أحدهم إلا وهو ملثم لئلا يتطاير من فمه شىء إذا عطس أو تكلم.وأن يشد على جبينه عصتبة بيضاء كي لا يعرق فيقطر منه شىء فوق العجين،وأن يحلق شعر ذراعيه حتى لا يسقط منه شىء فيه،وإذا عجن في النهار فليكن عنده إنسان بيده مِذبّة يطرد عنه الذباب.

ومنها كذلك مراقبة الجزارين ومنعهم من الذبح على أبواب دكاكينهم بل في مذبح خاص،وكانوا ينهون الأبخر(وهو ذو الرائحة الكريهة في الفم) من النفخ في الشاة عند سلخها.ويأمرونهم بأن يعزلوا لحوم الماعز عن لحوم الأغنام،وأن يخضبوا لحم الماعز بالزعفران ليميزوه عن غيره،وأن تكون أذناب الماعز معلقة على لحومها عند البيع.ويأمرونهم إذا فرغ أحدهم من بيع اللحم أن يأخذ ملحاً مسحوقاً وينشره على القرمة التي يقصب عليها اللحم لئلا تتعفن أو تدّود.وكانوا يمنعونهم من بيع لحم الميتة أو المريضة أو اللحم المتغير اللون.وإن شك المحتسب في الحيوان هل هو ميتة أو مذبوح اختبر اللحم بالماء فإن طفى فهو ميتة وإن رسب فهو مذبوح.ونظراً لما لاحظوه من أن البقر والدجاج يأكل الأقذار فقد نهوا عن أكل لحمه أو شرب لبنه إلا بعد حبسه وإطعامه طعاماً طاهراً مدة حتى يطيب لحمه ولبنه.

ومنها مراقبة أصحاب حوانيت الأغذية المعروفة آنذاك كالحلوانيين والشرابيين واللّبانيين والشوائين وقلائي السمك،وأصحاب معاصر الشيرج(دهن السمسم)وكذلك السقائين،وكان عمل المحتسب إذ ذاك كما يقول الأندلسي أن يَحُدّ للسقائين موضعاً يصنعون فيه قنطرة من ألواح فيستقون منها.ولا يتسنّى لأحد أن يشاركهم فيه خوفاً من تلوث الماء،ولا أن يقترب من الموضع أحد للاغتسال روغسل الثياب.كما أنهم يمنعون بيع ثياب المرضى في الأسواق خوفاً من نشر العدوى بين الناس.

(يمكن الرجوع إلى الموضوع أيضاً في مقال العدوى بين الطب والإسلام في الموقع).
الرفق بالحيوان:
إن عالم الحيوان كعالم الإنسان له خصائصه وطبائعه وشعوره، يقول تعالى:{وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالكم][الأنعام38]. وقد وجّه الإسلام عنايته ورعايته ورفقه بالحيوان بحيث لانجد لهذا مثيلاً في الأديان الوضعية ولا الحضارات القديمة أو المعاصرة.
في مقال تحت عنوان الرفق بالحيوان (من أحد اعداد مجلة حضارة الإسلام أنقل الكلام بالنص) ـ :
“أقام الإسلام هدايته على أساس الرحمة المحفوفة بالحكمة، والرحمة تبعث النفوس مبعث الرفق والإحسان، والحكمة تقف بالرحمة عند حدود لو تجاوزتها انقلبت الى ضعف ورعونة،وعلى هذا الطريق الوسط جاءت الأحكام والآداب الخاصة بالتصرف في الحيوان .
أذن الإسلام في أكل الطيب من الحيوان،ونبَّه بهذا الإذن على خطأ أولئك الذين يقبضون أيديهم عن تذكيته أو أكله بدعوى الرأفة أو الزهد ،وأباح استعماله في نحو الركوب والحراثة وحمل الأثقال .
وقد امتنّ القرآن الكريم بهذه الضروب من الاستمتاع المألوف بين العقلاء فقال تعالى : {والأنعامَ خَلقها لكُم فيها دِفءٌ ومنافعُ ومنها تأكلون * ولكُم فيها جمالٌ حينَ تُريحون وحين تَسرحون* وتحمِلُ أثقالَكُم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيهِ إلا بِشِقِّ الأنفُسِ إنَّ ربَّكُم لرؤوفٌ رحيم}[النحل5 ـ 7] ،وقال تعالى : {وجعلَ لكُم من جُلودَ الأنعامِ بُيوتاً تَستَخِفُّونَها يومَ ظَعنِكُم ويومَ إقامتِكُم ومن أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها أثاثاً ومتاعاً إلى حين}[النحل80] .
امتنّ الله تعالى في كتابه العزيز بما يتخذ من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها وجلودها من الملابس والفرش،والبيوت ،وبما يتغذى به من ألبانها ولحومها ، وبما هيئت له من حمل الأثقال،وهذه المنافع من أهم ماتنتظم به حياة الإنسان .
وقال تعالى : {والخيلَ والبغالَ والحميرَ لتركبُوها وزينةً ويخلُقُ ما لا تعلمون }[النحل8]”. فذكر في هذه الآية أهم ما خلقت له الخيل والبغال والحمير من المنافع وهو الركوب، وفي الركوب راحة البدن،وسرعة الانتقال من مكان إلى مكان، والراحة من متممات الصحة وسرعة الانتقال حفظ للوقت من أن يذهب في غير جدوى .
امتنّ الله بالأنعام والخيل وما عطف عليها، ونبَّه على ما فيها من جمال وزينة ، وفي هذا ما يرشد الى أن يكون الاستمتاع بها في رفق ورعاية،فإن إرهاقها أو قلة القيام على ماتستمد منه حياتها، يجعل نفعها ضئيلاً، ويذهب بما فيها من جمال وزينة .
كان للعرب قبل الإسلام عادات تحرمهم من الإنتفاع ببعض أفراد الحيوان وفيها قوة على أن ينتفعوا بها، ومن هذا القبيل الناقة المسماة بالسائبة:وهي الناقة التي يقول فيها الرجل : إذا قدمت من سفري، أو برئت من مرضي فهي سائبة ، ويحرم ركوبها ودرّها . والوصيلة : وهي أن تلد الشاة ذكراً وأنثى فيقولون : وصلت أخاها، فلا يذبح من أجلها الذكر . والجمل المسمى بالحام : وهو الفحل الذي ينتج من صلبه عشرة أبطن، فكانوا يقولون : قد حمى ظهره، ويمتنعون من ركوبه والحمل عليه .والبحيرة : وهي الناقة التي تنتج خمسة أبطن آخرها ذكر ، فإنهم كانوا يبحرون أذنها أي يشقونها، ثم يحرمون ركوبها ودرها .
ثم جاء الإسلام، فلم ير من الحكمة تعطيل الحيوان وهو صالح لأن ينتفع منه ، فنهى عن هذا التعطيل الناشئ عن سفاهة الرأي فقال تعالى : {ما جعلَ اللهُ من بَحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وَصيلةٍ ولا حَامٍ ولكنَّ الذين كفروا يفترونَ على الله الكَذِبَ وأكثرهم لايعقلون}[المائدة103 ].
وكان للعرب عادات يسومون فيها الحيوان سوء العذاب، ومن هذه العادات ما يفعلونه لموت كريم القوم، إذ يعقلون ناقته أو بعيره عند القبر ويتركونها في حفرة لا تطعم ولا تسقى حتى تموت . ومن هذا الباب شقّهم لآذان الأنعام ـ كما في البحيرة ـ وهو ما أشار الى قبحه القرآن الكريم ،إذ جعله مما يأمر به الشيطان، فقال تعالى : { لعنهُ الله وقالَ لأَتَّخِذَنَّ من عِبادِكَ نصيباً مفروضاً * ولأُضِلّنّهُم ولُأمَنِّينَّهُم ولآمُرَنَّهُم فَليُبَتِّكُنَّ آذانَ الانعامِ ولآمُرنَّهُم فلَيُغيِّرُنَّ خلقَ الله}[النساء118 ـ119].
ما زال الحيوان كسائر الامتعة تحت يد مالكه يفعل فيه كيف يشاء،وإذا ناله رفق فمن ناحية عاطفة الإنسان على ما يملك لتطول مدة انتفاعه به، ولكن الإسلام أرشد الى أن الحيوان في نفسه حقيق بالعطف ، فغرس له في القلوب عطفا عاما واستدعى له الرحمة حتى من قوم لا ينتفعون أو لا يرجون أن ينتفعوا به في حال وجعل الرفق به من قبيل الحسنات التي تذهب السيئات،وتنال بها المثوبة عند الله
أذن الإسلام في قتل الحيوان المُؤذي كالكلب العقور والفارة،وأمر بالإحسان في القتل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :” إن الله كتب الإحسان على كل شئ ، فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة ” وأذن في ذبح الحيوان للإستمتاع بالطيب من لحومه ، فقال صلى الله عليه وسلم :“وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة،وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته “.
قد يخطر على البال أنه متى أذن في قتل الحيوان أو ذبحه فللإنسان أن يتخذ لازهاق روحه ما شاء من الطرق أو الوسائل، فقصد الشارع الحكيم إلى دفع هذا الخاطر وإرشاد الناس الى اتخاذ أحسن الطرق في القتل أو الذبح ، فلا يجوز إحراق ما أذن في قتله أو التمثيل به ، ويجب إرهاف آلة الذبح حتى لا يلاقي الحيوان قبل إزهاق روحه آلاماً . وقد ذكر أهل العلم آداباً اقتبسوها مما جاءت به الشريعة من أصول الرفق بالحيوان، فقال عمر رضي الله عنه :” من الإحسان للذبيحة أن لا تجر الذبيحة إلى من يذبحها “. وقال ربيعة :” من الإحسان أن لا تذبح ذبيحة وأخرى تنظر إليها ، وأن لا يصرعها بعنف “.
أباحت الشريعة صيد الحيوان بنحو الجوارح والنبال والشباك ، لينتفع منه الإنسان بما يحل الانتفاع به ، ومنعت من أن يُنصب الحيوان غرضاً ليرمى بنحو النبال . ومما نقرؤه في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم قوله :” لا تتخذوا شيئاً فيها الروح غرضاً” [رواه مسلم ]، وفي صحيح الإمام مسلم أيضا ” مرّ ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه ،وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم ، فلما رأوا ابن عمر تفرّقوا ، فقال ابن عمر : من فعل هذا ؟ لعن الله من فعل هذا،إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئا ً فيه الروح غرضاً ” .
ووردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل سقي الحيوان وإطعامه وعدَّهما من عمل الخير الذي تنال به الزلفى عند الله ، قال صلى الله عليه وسلم :” ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ” [صحيح البخاري ]. وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :“بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش ، فوجد بئراَ, فنزل فيها ، فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش،فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكره الله فغفر له، قالوا : يا رسول الله : وإن لنا في البهائم أجراً ! فقال : في كل ذات كبد رطبة أجر ” [رواه البخاري] .
(وفي رواية للبخاري ومسلم:”بينما كلب يُطيف بركيّة(بئر)قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاستقت له به فسقته فغفر لها به).والموق:الخف.
وانظر إلى قولهم :”وإن لنا في البهائم أجراً ” تراهم كيف يستهينون بأمر الحيوان ولا يعتقدون أن الإحسان إليه يبلغ مبلغ الإحسان الى الإنسان فيستحقون عليه أجراً ، وكيف يكون حال حيوان وقع تحت يد من لا يعتقد انه سينال بالإحسان إليه ثواباً ويبقى من أجل القسوة عليه عذاباً .
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :” عذبت امرأة في هرّة حبستها حتى ماتت فدخلت النار، لاهي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ،ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض “.[ رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما] . والوعيد بعقوبة النار على الأمر يدل على أنه من المحظور حظراً لا هوادة فيه ، ومن ذا يخطرعلى باله قبل هذا ان يكون لحيوان كالهرة حرمة تبلغ في الخطر أن يعاقب من ينتهكها بعذاب النار .
وقرر الفقهاء وجوب القيام على سقي الدابة وإطعامها، بأن يعلفها أو يرعاها بنفسه، أو يكل لغيره رعيها ولو بأجر،ولم يختلفوا في وجوب ذلك عليه، وصرح طائفة منهم بأنه يجبر عليه قضاء، فإن لم يفعل بيعت الدابة ، ولا تترك تحت يده تقاسي عذاب الجوع ، ومما نقرؤه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال :” اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة ،فاركبوها صالحة وكلوها صالحة ” [أخرجه ابو داود ].
وتُحرّم الشريعة الإساءة الى الحيوان بتحميله من الأثقال مالايطيق، وكان الصحابة رضي الله عنهم يعرفون أن من حمَّل دابة مالايطيق حوسب عليه يوم القيامة، يُروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال لبعير له عند الموت :يا أيها البعيرلا تخاصمني الى ربك، فإني لم أكن أحمَّلك فوق طاقتك . وقال الغزالي في الحديث عن الرفق بالدابة وعدم تحميلها مالا تطيق :” والمَحمِل خارج عن حد طاقتها ، والنوم عليها يؤذيها ويثقل عليها ” .
( المحمل : شقان على البعير يحمل فيهما العديلان).
وانما يجوز الحمل على ما يطيق الحمل كالابل والبغال والحمير،ولا يجوز الحمل على مالم يخلق للحمل كالبقر، قال ابن العربي : لا خلاف في البقر انه لايجوز ان يحمل عليها .وذهب كثير من أهل العلم الى المنع من ركوبها نظراً الى أنها لا تقوى على الركوب، وإنما ينتفع بها فيما تطيقه من نحو إثارة الارض وسقي الحرث .
ومن الرفق بالدابة أن لا يركبها ثلاثة أشخاص يكون عبؤهم عليها ثقيلاً، أخرج ابن أبي شيبة عن زاذان انه راى ثلاثة على بغل، فقال :لينزل أحدكم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الثالث . وأخرج الطبري عن علي رضي الله عنه أنه قال :”إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم “
ومن الرفق بالحيوان تجنب أذيته في بدنه بنحو الضرب الأليم،والإشعار الوارد في بُدن الهدي ليس إلا جرحاً في سنام البعير بنحو المبضع ، ليكون علامة أنها هدي، وأما طعن البدنة بنحو السنان حتى يتجاوز الجلد الى اللحم فانما يرتكبه الجهال،ولا يختلف العلماء في تحريمه .
ومن الرفق بالدابة أن لا يتابع السير عليها متابعة ترهقها تعباً، قال صلى الله عليه وسلم :” إذا سافرتم في الخصب فأعطوا البغل حظاً من الأرض ” وفي رواية “ولا تعدوا المنازل” [رواه مسلم وابوداود ].
ومن الفنون التي يسلكها قساة القلوب في تعذيب الحيوان تهييج بعض الحيوان على بعض، كما يفعل بين الكباش والديوك وغيرها،وهو من اللهو الذي حرمته الشريعة لما فيه من إيلام الحيوان وإتعابه في غير فائدة، وفي سنن ابي داود والترمذي :” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحريش بين البهائم “ .
وان شئت ان تزيد يقينا بما جاء به الاسلام من الرأفة بالحيوان فانظر الى مارواه أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله عن ابيه إذ قال :” كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمَّرة ـ نوع من الطيور ـ معها فرخان فأخذنا فرخيها ، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش ـ ترتفع وتطل بجناحيها ـ ، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من فجع هذه بولدها ؟ ردوا ولدها إليها ، ورأى قرية نمل قد أحرقناها ، فقال : من أحرق هذه ؟ قلنا : نحن، قال : إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا ربّ النار ” [رواه أبو داود ].
وقد نص علماؤنا على حرمة تمكين الصبي من التلهي بالطير على وجه فيه إيلام له .انتهي المقال في مجلة حضارة الاسلام .
وجاء في مقال للعلامة الدكتور القرضاوي بعنوان : “الوقف الخيري وأثره في تاريخ الإسلام” :
“وكان هناك وقف للكلاب الضالة، وهو وقف في عدة جهات يُنفق من رَيعه على إطعام الكلاب التي ليس لها صاحب، استنقاذاً لها من عذاب الجوع ، حتى تستريح بالموت أو الاقتناء .ويتابع :كان في دمشق وقف لرعاية الحيوانات الأليفة التي لا تجد من يطعمها، كالقطط ، ولا سيما المصابة بالعمى منها ، مثل بيت القطط الذي كان الى عهد قريب موجودا في سوق ساروجة بدمشق، وكان فيه ما يزيد على أربع مائة قطة من الفارهات السمان “.
ويقول الدكتور الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(من روائع حضارتنا ص113):
“يقرر الفقهاء المسلمون من أحكام الرحمة بالحيوان ما لايخطر بالبال.فهم يقررون أن النفقة على الحيوان واجبة على مالكه،فإن امتنع أجبر على بيعه أو الإنفاق عليه،أو تسييبه إلى مكان يجد فيه رزقه ومأمنه،أو ذبحه إذا كان مما يؤكل.
هذه هي مبادئ الرفق بالحيوان في حضارتنا وتشريعنا. فكيف كان الواقع التطبيقي لها؟
بينما رسول الله في بعض سفره، إذ سمع امرأة من الأنصار تلعن ناقة لها وهي تركبها،فأنكر ذلك عليها وقال:”خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة”، وأخذت الناقة وتركت تمشي في الناس لا يعرض لها أحد.[رواه مسلم].
ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له:”ويلك قدها إلى الموت قوداً جميلاً.
ويتابع رحمه الله:”وأما المؤسسات الاجتماعية فقد كان للحيوان منها نصيب كبير.وحسبنا أن نجد في ثبت الأوقاق القديمة أوقافاً خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة،وأوقافاً لرعي الحيوانات المسنة العاجزة.ومنها أرض المرج الأخضر(التي يقام عليها معرض دمشق الدولي والملعب البلدي بدمشق) فإنها وقف للخيول العاجزة التي يأبى أصحابها أن ينفقوا عليها لعدم الانتفاع بها،فترعى في هذه الأرض حتى تموت.ومن أوقاف دمشق وقف للقطط تأكل منه وترعى وتنام،حتى لقد كان يجتمع في دارها المخصصة لها مئات القطط الفارهة السمينة التي يقدم لها الطعام كل يوم وهي مقيمة لا تتحرك إلا للرياضة والنزهة”.

يقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله (قبسات من الرسول ص94):

في الحديث الشريف:”إن الله كتب الإحسان على كل شيء،فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة،وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة،وليحد أحدكم شفرتعنوليرح ذبيحته”[رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة].

يقول الأستاذ محمد قطب:”ياالله! يارحمة نبيه…!

“وليرح ذبيحته”..ومتى؟وهو مقدم على ذبحها!!وليحد شفرته حتى يجهز عليها في لحظة ويخلصها من العذاب!ألا إنها رحمة أنبياء.ألا إنها روح الله.

إنه مرتقى للمشاعر البشرية يبلغ القمة التي ليس وراءها شيء.إلا ذلك النور الأعظم الذي ينير الكون كله وينفذ إلى قلوب الكائنات.

إنها الرحمة التي لاتقف عند الأناسي من الخلق،ولايحكمها انحياز الإنسان لنفسه واعتداده بجنسه،وإنما تتعداها إلى المجال الواسع الفسيح الذي يشمل كل الأحياء في الكون.

ثم لاتقف عند هذا المدى ـ وهو في ذاته قمة عالية ـ وإنما ترتقي درجة أخرى!فالرحمة بالأحياء درجة”مفهومة” على أي حال،سواء وفق إليها القلب البشري أم انحرف عنها وشذ.

مفهوم أن تقول لي:لاتقتل هذا العصفور،فإنه ضعيف مسكين وهو جميل لطيف لايستحق القتل.

ومفهوم أن تقول لي:لاتقتل هذه الفراشة الطائرة القافزة الرشيقةنفإنك لن تستفيد شيئاً من قتلها،وهي في رشاقتها اللطيفة جمال يحسن أن تمتع به حسك وروحك.

بل مفهوم أن تقول لي:لاتقتل هذه الزهرة الجميلة ـ حتى إن كانت لاتتألم للقتل ـ فهي في غصنها هكذا جميلة..أجمل منها في يدك أو في عروة ثيابك.

كل ذلك مفهوم.والقلب البشري الطيب يمكن أن يوجه إليه في يسر،فيعتاده فيصبح من طباعه.

ولكنها درجة وراء هذا المفهوم ـ أعلى منه وأشف ـ أن أقول لك:هذه الذبيحة التي ستذبحها،والتي لن تكون حية بعد لحظات…أحسِن ذبحتها ولاتطل آلامها ولا”تمتها موتات”كما ذكر البخاري في حديث قريب من هذا الحديث(الحديث:أتريد أن تميتها موتات؟هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟).

وليرح ذبيحته!

إنها كلمة تهز الوجدان هزاً كلما تذكرها وتمثلها!و”ليرح”..الحرص على إراحة الذبيحة وهي تذبح.وهي تساق إلى العدم.إلى الفناء.إلى حيث لاتوجد ولاتشعر.

ماالقيمة “العملية”لإراحة الذبيحة هذه الثواني المعدودة التي تنتقل فيها من عالم الوجود إلى عالم الفناء؟بل ماقيمة إراحتها وأنت مقبل على إيلامها أشد ألم يمكن أن تتعرض له وهو الذبح؟

في الظاهر…لا شيء!

وفي الباطن…كل شيء!

إن الذبيحة ميتة ميتة.أرحتها أم لم ترحها.وهي متألمة متألمة،سواء قطر قلبك رحمة بها أم كنت تذبحها مجرد القلب من المشاعر متبلد الوجدان.وهي لن تلقاك بعد اليوم فتشكو إليك عنفك معها،إن كنت ممن يفهمون عن هذه الخلائقنويجاوبون ما يصدر عنها من الأحاسيس.ولن يضيرها كثيراً ـ وهي مسوقة إلى الفناء الكامل الوشيك ـ أنها ذاقت قبل ذلك بلحظة شيئاً من الغلظة أو شيئاً من الجفاء!

وإذن فالقيمة العملية بالنسبة للذبيحة…لاشيء!

ولكن القيمة”العملية”لك أنت…كل شيء!وهل ثمت شيء أكبر من أن يكون لك قلب إنسان؟!

وكذلك الشأن في أمر القتل…”فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة”.

والمسلم ـ المخاطب بهذا القول من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم ـ لايقتل إلا بالحق:{ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}[الإسراء23].{من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}[المائدة 32].وفي الحديث الشريف:”كل المسلم على المسلم حرام:دمه وعرضه وماله”[رواه الشيخان].

لاشبهة إذن في أن الشخص الذي يقتله المسلم مستحق للقتل.مستحق لأنه كافر،أو مرتد،أو قاتل،أو زان محصن،أو مفسد في الأرض،مثير للفتنة،خارج على السلطان القائم على شريعة الله.

ولا شبهة في أن هذا القتل يتم بإذن من الله.بل بأمر منه وتحريض{وحرض المؤمنين}[النساء 84].

ومع ذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بإحسان القتل!

ونعود إلى قصة الذبيحة فنراها تنطبق مرة أخرى على القتيل!إن القتيل لن يستفيد شيئاً من أن تحسن قتلته.فهو مفارق الدنيا.والأم واقع به ماله عنه من محيص.فيستوي أن تحسن أو لاتحسن أو أن الفارق في الحقيقة ضئيل.

فما القيمة العملية من إحسان القتل بالنسبة للقتيل؟لاشيء بطبيعة الحال!ولكن القيمة الكبرى ـ مرة أخرى ـ هي لك أنت.هي أن يكون لك قلب إنسان!”.
الإنسان وراء تدمير البيئة وفسادها :

حذر الله سبحانه في مواضع متعددة من كتابه الكريم من الفساد في الارض.والفساد البيئي جزء من هذا الفساد في الأرض.قال عز وجل:{كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}[البقرة 60].وقال تعالى:{ولا تبغِ الفساد في الأرض}[القصص 77].
يقول تعالى : {ظَهَرَ الفسادُ في البَرِّ والبحرِ بما كَسبت أيدي النَّاسِ لِيذِيقَهُم بعضَ الذي عملوا لعلَّهُم يرجعون} [الروم 41 ]، وقال تعالى : {وإذا تولَّى سعى في الأرضِ لِيفُسِدَ فيها ويُهلِكَ الحرثَ والنَّسل والله لا يحبُّ الفساد}[البقرة205].يقول الإمام ابن حزم في المحلى:”فمنع الحيوان ما لا معاش له إلا به من علف أو رعي،وترك سقي شجر الثمر والزرع حتى يهلكا،هو بنص كلام الله تعالى فساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل،والله تعالى لا يحب هذا العمل.

،وقال تعالى : {وابتغِ فيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الآخرة ولا تَنْسَ نصيبَكَ من الدُّنيا وأحسِن كما أحسنَ اللهُ إليك ولا تَبغِ الفسادَ في الأرضِ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفسدين} [القصص 77 ]. وقال تعالى: {وما اصَابَكُم من مُصيبةٍ فَبِما كَسبت أيدِيكُم ويعفُوا عن كثير} [الشورى 34 ].
الفساد :من حيث الاصطلاح اللغوي :نقيض الصلاح .
ومن ناحية الدلالة الشرعية : الخروج عن حد الاعتدال: بالكفروالشرك والتعويق عن الإيمان، وبالمعاصي وإهلاك الحرث والنسل، وقتل النفس بغير حق، والسعي الى قطع الطريق والنهب، والبغي والتخريب والعثو والعودة الى حياة الجاهلية بكل مظاهرها كما جاء في تفسير الجلالين.
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله(كتاب أهوال يوم القيامة ص 29 ـ 30):
يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:{إنّا عرضنا الأمانةَ على السّمواتِ والأرضِ والجبالِ فأبينَ أن يحمِلنها وأشفقنَ منها وحملها الإنسانُ إنّهُ كانَ ظِلوماً جَهولاً}[الأحزاب 72].
يقول الشيخ الشعراوي:”والأمانة هي شيء بينك وبين من ائتمنك لايقوم عليه دليل مادي..فإن قام عليه دليل مادي كإيصال مكتوب مثلاً فهو ليس أمانة…وقد أوجد الله للإنسان هذا الكون وائتمنه عليه وجعله سيده..وطلب منه أن يصلح في هذا الكون ولا يفسده…وأقل درجات الصلاح أن تبقي الشيء الصالح على صلاحه…وأحسن منها أن تزيد صلاحه..ولكن الإنسان بدلاً من أن يحمل الأمانة ويصلح في الكون أفسده..فقتل أخاه..وركبه الطمع الدنيوي..فأراد أن يستأثر بكل شيء لنفسه ويحبسه عن الآخرين..ووضع نفسه مدبراً لهذا الكون فقطع الأشجار وأباد الحيوان..واتخذ آلهة وهمية لتعينه على ظلمه…وهكذا خان الإنسان الأمانة فلم يصلح في الكون..مع أن الله وضع له منهج الإصلاح..وعرّفه له بواسطة الرسالات التي جاء بها الرسل..وكان أساس هذا الإفساد أن الإنسان خُلِق مختاراً في بعض الأمور”.
ويقول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي :
” الفساد هنا لا يعني الفساد الخلقي،إنما يعني الفساد في المرء واضطراب الأمور والاختلال في الحياة،في البر والبحر،وفي الماء والهواء وفي التربة، هذا معنى الفساد، ولماذا حدث هذا الفساد ؟ {بما كسبت أيدي الناس} أي بأعمال الناس فسدت البيئة، وفسد البر والبحر والجو ” .
إن مكونات البيئة وعناصرها كلها مفيدة ومتوازنة مع بعضها البعض، حسب ماقدّر الله سبحانه،وطالما ظلت محتفظة بهذه الخصائص الكمية والنوعية كما خلقت فإن الأمر يبقى متوازنا، ولكن إذا ما تدخل الإنسان عمداً أو جهلاً، وأحدث فيها تغييرات كبيرة يختل توازنها،وتنقلب عناصرها من عناصر مفيدة إلى عناصر ضارة،مسببةً للمخاطر التي تهدد الحياة {والسّماءَ رَفعها ووضعَ الميزانَ* ألّا تَطغَوا في الميزان * وأقيموا الوزنَ بالقِسطِ ولا تُخسروا الميزان} [الرحمن 7 ـ 9].
ويقول الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(مقال وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ـ موقع القرضاوي):
“رزق الله سبحانه وتعالى واسع{وإن من شيءٍ إلاّ عِندَنا خزائِنُهُ وما نُنَزِّلهُ إلّا بقَدَرٍ معلوم} [ الحجر 21]، أي: بمقدار حاجة البشر ومصالح البشر، وكل شيء بقدر معلوم،ولا يكون تنزيله لأيّ شيء جزافاً،دون تقدير حكيم.
بعض علماء الطبيعة والرياضيات(وهو كريسي موريسون الرئيس السابق لأكاديمية العلوم بنيويورك) ذكروا في كتاب (الإنسان لا يقوم وحده) باللغة الإنجليزية، وترجم إلى العربية تحت عنوان(العلم يدعو إلى الإيمان):لابد للحياة فوق أرضنا هذه من شروط جوهرية عديدة، بحيث يصبح من المحال حسابياً أن تتوافر كلها بالروابط الواجبة،بمجرد المصادفة على أيّ أرض،في أيّ وقت. لذلك لابد أن يكون في الطبيعة نوع من التوجيه السديد. وإذا كان هذا صحيحاً، فلابد أن يكون هناك هدف..
تلك الحزمة من الكون التي نسميها بالكرة الأرضية، إنها جسم لا أهمية له في نظر الفلك،ومع ذلك يمكن القول بأنها أهم جسم حتى الآن.
ويجب أن نفرض أن الكرة الأرضية مكونة من بعض العناصر التي توجد في الشمس،لا في أيّ كوكب آخر،وهذه العناصر مقسّمة على الكرة الأرضية بنسب معيّنة ,قد أمكن التحقق منها لدرجة مقبولة فيما يتعلق بالسطح.
وقد حولت جملة الكرة الأرضية إلى أقسام دائمة ،وحدود حجمها،وسرعتها في مدارها حول الشمس هي ثابتة للغاية،ودورانها على محورها قد حدد بالضبط،لدرجة أن اختلاف ثانية واحدة في مدى قرن من الزمان يمكن أن يقلب التقديرات الفلكية.
ولو أن حجم الأرض كان أكبر مما هو عليه، أو أصغر،أو لو أن سرعتها مختلفة عما هي عليه،لكانت أبعد أو أقرب من الشمس مما هي،ولكانت هذه الحالة ذات أثر هائل في الحياة من كل نوع،بما فيها حياة الإنسان.وكان هذا الاثر يبلغ من القوة، بحيث إن الكرة الأرضية لو كانت اختلفت من هذه الناحية أو تلك إلى أيّة درجة ملحوظة، لما أمكن وجود الحياة فوقها.
ومن بين كلِّ الكواكب السيارة، نجد أن الكرة الأرضية فيما نعلم الآن،هي الكوكب الوحيد الذي كانت صلته بالشمس سبباً في جعل حياتنا ممكنا .
وتدور الكرة الأرضية حول محورها مرّة كل أربع وعشرين ساعة،أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة،والآن افرض أنها تدور بمعدل مائة ميل فقط في الساعة، ولم لا؟عندئذ يكون نهارنا وليلنا أطول مما هو الآن عشر مرات،وفي هذه الحالة قد تحرق شمس الصيف الحارة نباتتنا في كل نهار،وفي الليل قد يتجمد كل نبت على الأرض.
إن الشمس التي هي مصدر كل حياة، تبلغ درجة حرارة مسطحها 12000 درجة فهرنهايت،وكرتنا الأرضية بعيدة عنها إلى حد يكفي لأن تمدنا هذه (النار الهائلة)بالدفء الكافي،لا بأكثر منه.وتلك المسافة ثابتة بشكل عجيب،وكان تغيرها في خلال ملايين السنين من القلة،بحيث أمكن استمرار الحياة كما عرفناها.ولو أن درجة الحرارة على الكرة الأرضية قد زادت بمعدل خمسين درجة في سنة واحدة، فإن كلّ نبت يموت،ويموت معه الإنسان حرقاً أو تجمدا”.
ويقول الدكتور زغلول النجار حفظه الله(مقال وفي الأرض آيات للموقنين):
“يقدر متوسط المسافة بين الأرض والشمس بحوالي مائة وخمسين مليوناً من الكيلومترات،وقد استخدمت هذه المسافة كوحدة فلكية للقياس في فسحة الكون،ولما كانت كمية الطاقة التي تصل من الشمس إلى كل كوكب في مجموعتها تتناسب تناسباً عكسياً مع بعد الكوكب عن الشمس،وكذلك تتناسب سرعة جريه في مداره حولها، بينما يتناسب طول سنة الكوكب تناسباً طردياً مع بعده عنها(وسنة الكوكب هي المدة التي يستغرقها في إتمام دورة كاملة حول الشمس)،اتضحت لناالحكمة البالغة من تحديد بعد الأرض عن الشمس،فقد قُدّرت الطاقة التي تشعها الشمس من كل سنتميتر مربع على سطحها بحوالي عشرة أحصنة ميكانيكية،ولا يصل الأرض سوى جزء واحد من بليوني جزء من هذه الطاقة الهائلة، وهو القدر المناسب لنوعية الحياة الأرضية،ولتنشيط القوى الخارجية التي تعمل على تسوية سطح الأرض، وتكوين التربة،وتحريك دورة المياه حول الأرض،وغير ذلك من الأنشطة الأرضية.
ولطاقة الشمس الإشعاعية صور عديدة أهمها:الضوء الأبيض، والأشعة تحت الحمراء،والأشعة السينية،والأشعة فوق البنفسجية، ونسب هذه المكونات للطاقة الشمسية ثابتة فيما بينها، وإن اختلفت كمية الإشعاع الساقط علة أجزاء الأرض المختلفة بإختلاف كل من الزمان والمكان.
وحزمة الضوء الابيض:تتكون من الأطياف السبعة(الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي) وتقد نسبتها في الأشعة الشمسية التي تصل إلى الأرض بحوالي 38 بالمائة، ولها أهمية بالغة في حياة كل من النبات والحيوان والإنسان،وتبلغ أقصى مدى عند منتصف النهار عموماًنوعند منتصف نهار الصيف خصوصاً،لأن قوة إنارة أشعة الشمس لسطح الأرض تبلغ في الصيف ضعفي ما تبلغه في الشتاء.
أما الأشعة تحت الحمراء:فتقد نسبتها في أشعة الشمس التي تصل إلى الأرض بحوالي 53 بالمائة، ولها دورها المهم في تدفئة الأرض وما عليها من صور الحياة، وفي كافة العمليات الكيميائية التي تتم على سطح الأرض وفي غلافها الجوي،الذي يردّث عنا قدراً هائلاً من حرارة الشمس، فكثافة الإشعاع الشمسي والتي تقدر بحوالي 2 سعر حراري على كل سنتمتر مربع من جو الأرض في المتوسط،يتشتت جزء منها بواسطة جزيئات الهواء وقطرات الماء وهباءات الغبار السابحة في جو الأرض، ويمتص جزء آخر بواسطة كل من غاز الأوزون وبخار الماء، ومتوسط درجة الحرارة على سطح الأرض يقد بحوالي عشرين درجة مئوية وإن تراوحت بين حوالي 74 درجة مئوية تحت الصفر في المناطق القطبية المتجمدة و55 درجة مئوية في الظل في أشد المناطق والأيام قيظاً.
أماالأشعة فوق البنفسجية:فتقدر نسبتها بحوالي 9 بالمائة من مجموع أشعة الشمس التي تصل إلى الأرض، وذلك لأن غالبيتها تمتص أو ترد بفعل كل من النطاق المتأين ونطاق الأوزون الذي جعلهما ربنا تبارك وتعالى من نطق الحماية على الأرض، ويقد ما يصل إلى الأرض من طاقة الشمس بحوالي ثلاثة عشر مليون حصانا ميكانيكياً على كل كيلو متر مربع من سطح الأرض في كل ثانية،وتقد قيمته ببلايين الدولارات مما لاقبل للبشرية كلها بتحمله أو وفاء شكر الله عليه.
ولو كانت الأرض أقرب قليلاً إلى الشمس لكانت كمية الطاقة التي تصلهاكافية لإحراق كافة صور الحياة على سطحها،ولتبخير مياهها،ولخلخلة غلافها الغازي.
ولذلك فإنه من الواضح أن بعد الأرض عن الشمس قد قدّره ربنا تبارك وتعالى بدقة بالغة تسمح للأرض بتلقي قدر من طاقة الشمس يتناسب تماماً مع حاجات جميع الكائنات الحية على سطحها،وفي كلمن مياهها، وهوائها بغير زيادة أو نقصان إلا في الحدود الموائمة لطبيعة الحياة الأرضية في مختلف فصول السنة.
فلو كانت الأرض على مسافة من الشمس تقدر بنصف بعدها الحالي،لزادت كمية الطاقة التي تتلقاها أرضنا منها إلى أربعة أمثال كميتها الحالية ولأدى ذلك إلى تبخير الماء وخلخلة الهواء واحتراق جميع صور الحياة على سطحها!!!
ولو كانت الأرض على ضعف بعدها الحالي من الشمس لنقصت كمية الطاقة التي تتلقاها إلى ربع كميتها الحالية، وبالتالي لتجمدت جميع ضور الحياة واندثرت بالكامل.
أبعاد الأرض:
يقدر حجم الأرض بحوالي مليون كيلو متر مكعب،ويقدر متوسط كثافتها بحوالي 5,52 جرام للسنتيمتر المكعب،وعلى ذلك فإن كتلتها تقدر بحوالي الستة آلاف مليون مليون مليون طن،ومن الواضح أن هذه الأبعاد قد حدّدها ربنا تبارك وتعالى بدقة وحكمة بالغتين، فلو كانت الأرض أصغر قليلاً لما كان في مقدورها الاحتفاظ بأغلفتها الغازية،والمائية،وبالتالي لاستحالت الحياة الأرضية،ولبلغت درجة الحرارة على سطحها مبلغاً يحول دون وجود أي شكل من أشكال الحياة الأرضية، وذلك لأن الغلاف الغازي للأرض به من نطق الحماية ما لا يمكن للحياة أن توجد في غيبتها،فهو يرد عنا جزءاً كبيراً من حرارة الشمس وأشعتها المهلكة،كما يرد عنا قدراً هائلاً من الأشعة الكونية القاتلة،وتحترق فيه بالاحتكاك بمادته أجرام الشهب وأغلب مادة النيازكنوهي تهطل على الأرض كحبات المطر في كل يوم.
ويتعلق طول كل من نهار وليل الأرض وطول سنتها،بكل من بعد الأرض عن الشمس،وبأبعادها كوكب يدور حول محوره، ويجري في مدار ثابت حولها.
فلو كانت سرعة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس أعلى من سرعتها الحالية لقصر طول اليوم الأرضي(بنهاره وليله) قصراً مخلاً، ولو كانت أبطأ من سرعتها الحالية لطال يوم الأرض طولاً مخلاً،وفي كلتا الحالتين يختل نظام الحياة الأرضية اختلالاً قد يؤدي إلى إفناء الحياة على سطح الأرض بالكامل،إن لم يكن قد أدى إلى إفناء الأرض ككوكب إفناءً تاماًن وذلك لأن قصر اليوم الأرضي أو استطالته يخل إخلالاً كبيراً بتوزيع طاقة الشمس على المساحة المحددة من الأرض،وبالتالي يخل بجميع العمليات الحياتية من مثل النوم واليقظة ،والتنفس والنتح وغيرها،كما يخلّ بجميع الأنشطة المناخية من مثل الدفء والبرودة، والجفاف والرطوبة، وحركة الرياح والأعاصير والأمواج ،وعمليات التعرية المختلفة، ودورة المياه حول الأرض وغيرها من أنشطة.كذلك فلو لم تكن الأرض مائلة بمحورها على مستوى مدار الشمس ما تبادلت الفصول،وإذا لم تتبادل الفصول اختل نظام الحياة على الارض.
وبالإضافة إلى ذلك فإن تحديد مدار الأرض حول الشمس بشكله البيضاني، وتحديد وضع الأرض فيه قرباً وبعداً على مسافات منضبطة من الشمس يلعب دوراً مهماً في ضبط كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلى كل جزء من أجزاء الأرض وهو من أهم العوامل لجعلها صالحة لنمط الحياة المزدهرة على سطحها، وهذا كله ناتج عن الإتزان الدقيق بين كل من القوة النابذة المركزية التي دفعت بالأرض إلى خارج نطاق الشمس، وشدة جاذبية الشمس لها،ولو اختل هذا الاتزان بأقل قدر ممكن فإنه يعرض الأرض إما للإبتلاع بواسطة الشمس حيث درجة حرارة قلبها تزيد عن خمسة عشر مليوناً من الدرجات المطلقة،أو تعرضها للإنفلات من عقال جاذبية الشمس فتضيع في فسحة الكون المترامية فتتجمد بمن عليها وما عليها،أو تحرق بواسطة الأشعة الكونية،أو تصطدم بجرم آخر،أو تبتلع بواسطة نجم من النجوم،والكون من حولنا ملئ بالمخاطر التي لا يعلم مداها إلا الله تعالى، والتي لا يحفظنا منها إلا رحمته سبحانه وتعالى،ويتمثل جانب من جوانب رحمة الله بنا في عدد من السنين المحددة التي تحكم الأرض كما تحكم جميع أجرام السماء في حركة دقيقة دائبة لا تتوقف ولا تتخلف حتى يرث الله الارض ومن عليها.
ثالثاً: بنية الأرض:
أثبتت دراسات الأرض أنها تنبني من عدة نطق محددة حول كرة مصمتة من الحديد والنيكل تعرف بإسم لبّ الأرض الصلب الداخلي.ولهذا اللب الصلب كما لكل نطاق من نطق الأرض دوره في جعل هذا الكوكب صالحاً للعمران بالحياة الأرضية في جميع صورها.
وتقسم النطق الداخلية للأرض على أساس من تركيبها الكيميائي أو على أساس من صفاتها الميكانيكية باختلافات بسيطة بين العلماء، وتترتب بنية الارض من الداخل إلى الخارج على النحو التالي:
1 ـ لبّ الأرض الصلب الداخلي:
وهو عبارة عن نواة صلبة من الحديد 90 بالمائة وبعض النيكل 9 بالمائة مع قليل من العناصر الخفيفة من مثل الفوسفور والكربون والسيليكون، وهو نفس تركيب النيازك الحديدية تقريباً،ويبلغ قطر هذه النواة حوالي 2402 كيلو متر، ويمتد نصف قطرها من مركزها على عمق 6371 كيلومتلا إلى عمق 5170 كيلومتر. ولما كانت كثافة الأرض في مجموعها تقدر بحوالي 52’5 جرام للسنتمر مكعب، بينما تختلف كثافة قشرة الأرض بين 2،7 جرام للسنتمر مكعب، وحوالي 3 جرامات للسنتمر مكعب، فإن الاستنتاج المنطقي يؤدي إلى أن كثافة لب الأرض لابد وأن تتراوح بين 10 و13،5 جرام للسنتمر مكعب.
2 ـ نطاق لب الأرض السائل الخارجي:
وهو نطاق سائل يحيط باللب الصلب،وله نفس تركيبه الكيميائي تقريباً، وإن كانت مادته منصهرة،ويبلغ سمكه 2275 كيلومتراً (من عمق 5170 كيلومترا إلى عمق 2885 كيلومتراً تحت سطح الارض)،ويفصل هذا النطاق عن اللب الصلب منطقة انتقالية يبلغ سمكها 450 كيلومترا تمثل بدايات عملية الإنصهار وعلى ذلك فهي شبه منصهرة (وتمتد من عمق 5170كيلومتراً إلى عمق 4720 كيلومتراً تحت سطح الأرض)ويكون كل من لب الأرض الصلب ولبها السائل حوالي 31 بالمائة من كتلتها.
3 ـ 4 ـ 5 نطق وشاح الأرض:
يحيط وشاح الأرض بلبها السائل،ويبلغ سمكه حوالي 2765 كيلومتراً، ويفصله إلى ثلاثة نطق مميزة مستويان من مستويات انقطاع الموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل.
6 ـ 7 الغلاف الصخري للأرض:
ويتراوح سمكه بين 65 كم تحت قيعان البحار والمحيطات، و120 كم تحت القارات،ويقسمه خط انقطاع الموجات الاهتزازية المسمى باسم الموهو، إلى قشرة الارض وإلى ما تحت قشرة الأرض.
وكذلك فإن للأرض مجالاً مغناطيسياً ثنائي القطبية،يعتقد أن له صلة بلب الأرض الصلب وحركة إطاره السائل من حوله، ويتولد المجال المغناطيسي للأرض كما يتولد لأي جسم آخر من حركةالمكونات فيها وفيه،وذلك لأن الجسيمات الأولية للمادة(وهي في غالبيتها مشحونة بالكهرباء)تتحرك سواء كانت طليقة أو مرتبطة في داخل ذرات المادة، وهي حينما تتحرك تولد مجالاً مغناطيسياً، والمجال المغناطيسي لأية نقطة في فسحة الكون يمثل بمحصله اتجاه تمتد من القطب المغناطيسي الجنوبي للمادة إلى قطبها الشمالي في حركة معاكسة لإتجاه عقرب الساعة ومماثلة لحركة الطواف حول الكعبة المشرفة.
والمجال المغناطيسي للأرض كوّن لها بإرادة الله تعالى غلافاً مغناطيسياً يعرف باسم النطاق المغناطيسي للأرض وهو يلعب دوراً مهماً في حماية الأرض من الأشعة الكونية بتحكمه في حركة الجسيمات المشحونة القادمة إلينا من فسحة الكون فيجعلها تدور من أحد قطبي الأرض المغناطيسيين إلى الآخر دون الدخول إلى المستويات المنخفضة من غلافها الغازي.
ويمتد المجال المغناطيسي للأرض إلى مسافة تقدر بخمسين ألف كيلومتر فوق سطحها، وتحميها من وابل الأشعة الكونية المتساقطة باتجاهها في كل لحظة،ولولا هذه الحماية الربانية لهلكنا وهلكت جميع صور الحياة من حولنا.
والجبال لعبت ولا تزال تلعب دوراً رئيسياً في تثبيت الغلاف الصخري للأرض ولولا هذا التثبيت ما تكونت التربة،ولا دارت دورة المياه ،ولا خزنت المياه تحت السطحية،ولا نبتت نبتة ولا أمكن لكائن حيّ أن يستقر على سطح الأرض”.
ويقول الدكتور القرضاوي ( موقع القرضاوي ):
” ولو نظرنا إلى علم أصول الفقه الذي يُعنى بمقاصد الشريعة والضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بالمحافظة عليها : الدين، والنفس، والنسل،والمال ، والعقل،كل هذه الضروريات لها علاقة بالبيئة،لأنه إذا أفسدنا البيئة لم نحافظ على أنفسنا ولا على صحتنا ولاعلى نسلنا “.
وتقول الموسوعة الحرة ـ ويكيبيديا ـ:
“الإنسان مرهون ببيئته بل ومرتبط بها ارتباطاً وثيقاً، ولو اختلّ هذا الرباط اختلت موازين البشر واعتلّت صحتهم وانتابتهم الأسقام والأوجاع والأمراض المزمنة ، لهذا فإن حفاظ الإنسان على البيئة فيه حفاظ له وللأجيال من بعده ” .
والإسلام يحارب من يفسد البيئة ويتوعده بأشدّ أنواع العقاب { ولا تُفسدوا في الأرضِ بعد إصلاحها}[الأعراف56] .
يقول الدكتور القرضاوي :
” مامعنى بعد إصلاحها، يعني أن الله خلق الأرض صالحة مهيأة لتعطي الإنسان ما يحتاج إليه . قال تعالى: {وباركَ فيها وقدَّرَ فيها أقواتَها}[فصلت 10] ،فحين خلق الله الأرض بارك فيها،وقدّر أقواتها، فنحن نأتي لنفسد هذه الأرض،ونفسد التربة والماء والهواء وكل شئ، فنحن لا نشكر نعمة الله بل نكفر بها “.
والإسلام يحارب إفساد البيئة من منظور إيجابي ـ زرع الفسيلة ـ
جاء في الحديث الشريف :” إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها “ [رواه مسلم ].
وكما جاء أيضاً في الحديث الشريف :” مامن مسلم ٍ يَغرِسُ غَرْساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طيرٌ ولا إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة “[ رواه مسلم والبخاري والترمذي ]، وقال صلى الله عليه وسلم :”ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة ، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة الى يوم القيامة “.
يقول الشيخ يوسف القرضاوي ـ موقع القرضاوي ـ :
” ومقتضى الحديث ان الثواب مستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه،أو منتفعاً به ولو مات غارسه أو زارعه .. ولو انتقل ملكه الى ملك غيره . قال العلماء : في سعة كرم الله أن يثيب على ما بعد الحياة،كما كان يثيب على ذلك في الحياة ، في ستة :صدقة جارية،أو علم ينتفع به،أو ولد صالح يدعو له،أو غرس،أو زرع،أو رباط .
ويتابع القرضاوي حفظه الله :” وقد روي أن رجلاً مرّ بأبي الدرداء رضي الله عنه وهو يغرس جوزة فقال : أتغرس هذه وأنت شيخ كبير،وهذه لا تثمر إلا في كذا وكذا عاماً ؟ فقال أبو الدرداء : “ما علي أن يكون لي أجرها ويأ كل منها غيري “.
وهناك أحاديث أخرى تدعو الى استصلاح الأراضي وزرعها ومنها :” من أحيا أرضاً وعرة من المصر أو ميتة من المصر فهي له “[ رواه أحمد في مسنده ]. وحديث أخر :” ما من امرئ يحيي أرضاً فيشرب منه كبد حراء وتصيب منها عافية إلا كتب الله به أجراً “[ رواه الطبراني] ، وحديث :” أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الأرض أرض الله والعباد عباد الله فمن أحيا موتها فهو أحق به ” [رواه أبو داود والترمذي ومالك] .
ومن منظور سلبي:
بعدم قطع الأشجار مثلاً كما جاء في الحديث الشريف :” من قطع سدرة ، صوّب الله رأسه في النار “.
(والسدرة هي شجرة السّدرأوالكنار أوالنبق،وهي شجرة يستفيد الناس من ثمرها ويستظلون بظلها)
وحتى في أوقات الحرب نهى الإسلام عن إفساد البيئة ومنها قطع الأشجار وخاصة المثمرة منها .
هذه الأحاديث النبوية الشريفة دعوة صريحة تربي فينا السلوكيات البيئية الايجابية نحو التخضير ونشر الخضرة في كل مكان،ومنع قطع الأشجاروالنباتات إلا لضرورة ملحة، فهي جانب ايجابي للزرع والتخضير وجانب اخر بمنع قطع الأشجار واقتلاع النباتات وهما العنصران الرئيسيان في حماية البيئة في عصرنا الراهن .
فالدين الإسلامي قد سبق التشريعات الوضعية إلى وضع تشريعات محكمة لرعاية البيئة وحمايتها من خلال مبدأين أساسيين يحددان مسؤولية الإنسان حيال البيئة التي يعيش فيها :
1 ـ درء المفاسد حتى لا تقع بالبلاد والعباد وتسبب الأذى للفرد والمجتمع والبيئة حيث لا ضرر بالنفس ولا ضراربالغير.
2 ـ جلب المصالح وبذل كل الجهود التي من شأنها أن تحقق الخير والمنفعة للجماعة البشرية، وأهم مايميز هذا المنهج الإسلامي هنا هو الأمر بالتوسط والاعتدال في كل تصرفات الإنسان .
نعم ظهر الفساد في البر والبحر والجو مما اقترفته أيدي الانسان، وذلك أن هذا الانسان لم يكتف بالاعتدال في ما يعمل ويصنع ،وتجاوز القصد إلى الافراط والطغيان، وقفز قفزات لايستوعبها الخيال ولا تقرها الأحوال من أجل منفعة مادية قريبة، ومن أجل ربح عابر، أودى بالبشرية إلى سقم دائم ومعاناة مستمرة ، واذا بمصانعه ومعامله وترسانته الصناعية والكيماوية ترسل الأبخرة السامة والغازات القاتلة والنفايات الضارة، وتطلق الاشعاعات المؤينة والرواسب النووية التي ألحقت الأذى بالإنسان والبيئة ومكوناتها، ولنأخذ بعض الأمثلة على الفساد الذي ألحقه هذا الانسان بطمعه وجشعه في بيئته وحياته وحياة الكائنات التي تشاطره الحياة على هذه الأرض .
جاء في كتيب صحة البيئة في ميزان الإسلام للدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري :
“لنتخذ بعض الأمثلة عما أحدثه الإنسان في إفساد البيئة :
1 ـ الماء :
إذا كان الإنسان في البادية يكتفي بثلاثة ألتار من الماء يومياً لقضاء حوائجه جميعاً ، فإن الإنسان الحضري في الأمصار يحتاج إلى ألفي لتر يستعملها في شرابه وتجمله، وتنظيف نفسه ومنزله وما حوله، وسقي حديقته،وتؤلف قسطاً مما يستعمل في ريّ المزارع التي يأكل منها،والمصانع التي ينتفع بمصنوعاتها وفي الماشية التي يستفيد من لحومها وألبانها،وما إلى ذلك، ومن أجل ذلك احتاج إلى حفر الآبار،وشق الترع، ومد شبكات المياه،وإقامة السدود والصهاريج .
ولكن الانسان المتحضر يلوّث الماء في مختلف مراحل استعماله له:
ـ في مستوى الاستعمال الشخصي : بما قد يلقيه فيه من جراثيم وطفيليات وغير ذلك من المركبات العضوية ، وفي مستوى الاستعمال المنزلي بما يصبه فيه من منظفات وغيرها من المواد الكيمائية بالإضافة الى الأحياء الدنيا الأنفة الذكر .
ـ وفي مستوى الاستعمال الزراعي: بما يضيفه إليه من مُبيدات حشرية وأسمدة ومن مفرغات حيوانية كثيراً ما تحمل عوامل المرض .
وفي مستوى الاستعمال الصناعي : بما ينسكب فيه مباشرة من المصانع ، أو بما ينطلق من المصانع من ملوثات الهوى التي تترسب فيه .
وأهم هذه المواد التي تلوث الماء :
أولاٍ: الفضلات العضوية : ومصدرها القاذورات المنزلية في الريف والحضر على السواء،وكذلك الفضلات الصناعية ذات المنشأ الحيواني والنباتي،وعلى الرغم من أن القاذورات المنزلية هي المصدرالأهم للفضلات العضوية القابلة للتفكك، فإن الصناعة تساهم بقدرلايقل عن ذلك من هذه الفضلات، وأهمها الصناعات الغذائية وصناعات الورق، التي تصب في الماء كميات كبيرة من الأجزاء النباتية والحيوانية . وتفكك هذه الفضلات العضوية بفعل الجراثيم يستنضب الاوكسجين من الماء،مؤدياً الى مشكلات كبيرة،ولاسيما بقضائه على الأسماك والحياة المائية،وتوليده شروطاً مناسبة للتلوث الإنتاني .
ثانياً : العوامل الحية : وأهمها الجراثيم والفيروسات وسائرالأحياء المجهرية التي يمكن أن تحدث المرض، وهي تدخل الماء مع القاذورات المنزلية أومع بعض الفضلات الصناعية،ولاسيما تلك التي تتعلق بالدباغة والمذابح ,وإذا كانت الجراثيم المسببة للهيضة ـ الكوليرا ـ والحمى التيفية قد كوفحت مكافحة فعالة في معظم البلدان المتقدمة ، فإنها لا تزال تمثل خطراً كبيراً في كثير من البلدان النامية، والأصعب منها مكافحة كثير من الفيروسات التي يمكن ان تحدث الإلتهابات المعوية وغيرها من الأخماج التي قد تسبب مشكلة صحية خطيرة .
ثالثاً : الأسمدة : إن المُخصبات النباتية،أي تلك المواد التي تُنّشط نمو النبات هي كذلك من مُدنسات الماء الرئيسية، وأهم عناصر التلويث فيها النتروجين والفسفور،ولو أنه قد توجد آثار زهيدة من بعض العناصر الأخرى . وتنصب هذه العناصر في الماء أتية مع القاذورات أو بعض الفضلات الصناعية أو ماينزح من الأراضي المسمدة والتربة الغنية بالنترات، ولا تفلح معالجة الماء البيولوجية للتخلص من الفضلات في إزالة هذه المغذيات النباتية من الماء،بل إنها لتجعلها أكثر قابلية للإستعمال من قبيل النباتات المائية، وبذلك تقوم بتخصيب هذه النباتات المائية من طحالب وما إليه مما يولد مشاكل جسيمة،ويجعل طعم الماء غير مستساغ ورائحته غير مقبولة، فضلاً عما يحدثه النموالبالغ لهذه النباتات من استهلاك للأوكسجين .
رابعاً: الكيماويات العضوية التركيبية :وتدخل فيها المنظفات وغيرها من وسائل التنظيف المنزلية ومبيدات الحشرات والكيماويات الصناعية . ولعل أهمها المبيدات الحشرية كال د. د. ت،وال دي ايلدرين،وال كلوردان، وغيرها مما يستعمل في إبادة الآفات الزراعية،ولكنها تصل في نهاية الأمرإلى الماء.
خامساً: الكيماويات اللاعضوية : ومن أهمها التلوث بالزئبق الذي يسبب مشكلات خطيرة في كثيرمن المجاري المائية وهو ينتقل منها إلى الأحياء المجهرية المائية، ثم إلى الأسماك، ثم طيور الصيد ثم إلى الإنسان . ومصدر هذه المواد المعدنية عمليات التعدين والتصنيع،وكذلك عمليات حقول النفط ، كذلك تنصب كميات كبيرة من مختلف أنواع الحموض كجزء من الفضلات الصناعية .
سادساً : المواد المشعة : وهي تلوث المياه أتية من صناعات الطاقة النووية ، سواء في مرحلة تعدين الفلزات المشعة ومعالجتها، أو استعمال المواد المشعة المكررة، والمفاعلات النووية في الصناعة والتشخيص الطبي والبحوث . يضاف الى ذلك ما ينهال ويتساقط على الارض من التفجيرات النووية المختلفة .
سابعا ً: الماء الساخن : وازدياد استعمال الماء في عمليات التبريد الصناعية يؤلف نوعا جديدا من التلوث . فهذه الكميات الهائلة من المياه المستعملة للتبريد في محطات توليد الكهرباء وتكرير النفط والصناعات البتروكيماوية تعود الى البحيرات أو الجداول أوالمياه الشاطئية التي اشتقت منها فترفع حرارة الماء ، وذلك يؤدي إلى إنقاص ذوبان الأوكسجين في الماء مما ينقص تفكيك الملوثات المستهلكة للأوكسجين ويضعف من تغذية الأسماك والأحياء المائية،ومن جهة أخرى قد يكون للماء الساخن تأثير مباشرعلى هذه الأحياء بتغيير بيئتها الفيزيائية مما يضعف تكاثرها ، ثم إن سخونة الماء تسرع التفاعلات المستهلة للاوكسجين
ثامناً: النفط : يمكن أن يتلوث الماء بالنفط المنسفح من البوارج أوالسفن أو من بعض الحوادث، أو من الإهمال حين نقل النفط الخام . ويقدر أن مليوناً ونصف مليون طن من النفط تنسفح في المحيطات كل عام . والمياه الملوثة بالنفط تحدث تخريباً كبيرأ للأحياء المائية التي تعيش عليها . وإن النفط يخرب كثيراً من غذاء الأسماك والمحار.
وإذا نظرنا إلى ماء المطر النعمة المهداة الذي ينزل من السماء ماء طهوراً : {وأنزلنا من السَّماءِ ماءً طَهوراً* لِنُحيَ بهِ بلدةً مَيتاً ونُسقِيَهُ مما خلقنا أنعاماً وأناسيَّ كثيرا} [الفرقان 48 ـ 49] هذه النعمة بدأنا في إفسادها وبدلّناها من طبيعتها الفطرية،إذ أصبح المطر يسقط في مناطق كثيرة وخاصة في البيئات الصناعية مطراً حَمضياً يُهلك الحرث والنسل .. فقد بلغت درجة الحموضة للمطر في بعض المناطق درجة عالية أدى في بعض البحيرات وخاصة في أمريكا الشمالية وشمال غرب أوروبا إلى خسارة شديدة في الثروات السمكية وأصبحت 90 بحيرة في منطقة جبال ادروندك في ولاية نيويورك على سبيل المثال خالية تماما من الأسماك تحت تأثيرالحموضة المتزايدة لمياه البحيرات،وهي حموضة قاتلة للأحياء . إضافة لذلك إن حموضة مياه البحيرات تعمل على تحرير المعادن السامة من قاع البحيرات وتحول المياه بها إلى مياه سامة ، وكذلك أكدّت الأبحاث أن المطر الحمضي يمنع حاسة الشم عند سمك السالمون ولهذا يفقد قدرته على إيجاد طريقة نحو مجاري الأنهار العليا من أجل وضع بيضه وإتمام عملية الفقس كما أن الأمطارالحمضية تضرّ بالمحاصيل الزراعية تحت تاثير ترسب كميات كبيرة من المواد الحمضية في التربة مما يغير تركيبها الكيماوي في إتجاه الحموضية المتزايدة التي تضر بل تقتل النباتات .
كما يؤدي المطر الحمضي إلى تدميرالكثير من الأشجار والنباتات حيث تموت الأشجار واقفة كما يقولون إذ تتلف الأوراق العلوية المعرضة مباشرة للمطر الحمضي الذي يقتل المادة الخضراء فيها ثم ينتقل التأثير بعد ذلك إلى الأوراق التحتية، وأوضحت بعض التقارير من المانيا عام 1980 أن مساحة من الغابات تقدر بنحو 650 الف هكتار أي حوالي 7،7 من مجموع مساحات الغابات في المانيا قد دمرت أو أتلفت بدرجات متفاوتة نتيجة المطر الحمضي والضباب الحمضي .
2ـ الهواء :
الجو يتألف كما نعلم اليوم من مزيج من :
ـ غازات دائمة التركيز (أو قل الهواء الحقيقي): وهي على الأخص الأوكسجين والأزوت (النتروجين ).
ـ غازات متبدلة التركيز ( الأجزاء المائية البخارية) : وهي على الأخص بخارالماء وثاني أوكسيد الكربون.
ـ مختلف الجسيمات الصلبة والسائلة المعلقة في الهواء، أو قل الأجزاء الأرضية المتصعدة في الدخان والغبار .
ـ ضروب مختلفة من الإشعاع تأتي من الفضاء الخارجي (الأشعة الكونية ) أو من الشمس .
فمن الغازات نخص بالذكر ثاني أوكسيد الكربون الذي يدخل الجو من زفير الحيوانات والنباتات،ومحاصيل الاحتراق، ويستبعد من الجو بفعل عملية التركيب الضوئي في النبات .
ولقد عدلّت أنشطة الإنسان المستمرة مما يحتويه الهواء منه تعديلا كبيراً، فزاد محتوى الجو من هذا الغاز بمعدل 25 بالمائة في القرن الأخير،وهو مستمر في الزيادة من جراء ما يقوم به الإنسان من حرق وقود المستحاثات ، وقطع أشجار الغابات وأعشاب المروج ، مما يزيد من إنتاجه ويقلل من استهلاكه .
ومن الغازات أيضاً الأوزون،وهو ذلك الشكل من الأوكسجين المؤلف من ثلاث ذرات،وهو مادة مُهيّجة مُخرّشة للأغشية المخاطية ولاسيما في جهاز التنفس وهو في طبقات الجو العليا، وهو مادة حافظة واقية بسبب قدرته الامتصاصية القوية للأشعة فوق البنفسجية الأتية من الشمس، فهو يستبعد معظم الأشعاع فوق البنفسجي الذي تقل أطول موجاته عن 310 نانو مترات،وهو الاشعاع الذي يمكن أن يخرب المادة الحية .
والأوزون : يتولّد في طبقات الجو العليا عندما يتم امتصاص الأشعة الشمسية القصيرة الموجة من قبل الأوكسجين الجزيئي , ولكنه يتحوّل ثانية إلى هذا الأوكسجين الجزيئي في تلك الطبقات الجوية العليا نفسها بفعل التفاعلات الكيميائية الضوئية التي يحفزها عدد من الغازات .
ويوجد الاوزون في مستوى صعيد الارض بتراكيز غير مؤذية 10 ـ 30 جزء بالبليون ، من جراء تسلله من الطبقات الجوية العليا , ولكن الحفازات النتروجينية التي تفككه في الجو العلوي تساعد على توليده في الجو السفلي ، ولا سيما تلك الأكاسيد الآزوتية والهدروكربونيات التي تصدرها عوادم السيارات، فتبدأ آثاره الضارة بزيادة هجمات الربوعندما يبلغ 150جزءاً بالبليون،وتهييج الحنجرة 300 بالبليون ، بالاضافة إلى تخريبه وتأخيره لنمو النبات .
أما الأشعة تحت الحمراء فإنها أشعة تسقط من الشمس على سطح الارض فيمتصها ثم يعيد إصدارها إلى الأعلى، فيمتص معظمها ثاني أوكسيد الكربون وبخار الماء اللذان في الجو،ثم لا يلبثان أن يُعيدا إصدارها في اتجاه الأرض وفي اتجاه الفضاء الخارجي . وهكذا يقوم بخار الماء وثاني اوكسيد الكربون بدور ملاءة تحافظ على دفء سطح الارض .
واحتراق الفحم والنفط والغاز يزيد محتوى الهواء من ثاني اوكسيد الكربون فيرفع درجة حرارة الهواء الموضعية مُخلاً بالميزان الحراري من الشمس وانعكاساتها المتكررة بين الأرض والجو .
وتلوث الهواء مشكلة أكبر من تلوث هواء الريف ولاسيما في الحواضر الكبيرة ، وصار كثير من المدن الكبرى أوالأمصار مُعرضاً لجو خانق فظيع ، وما زال تلوث المدن في ازدياد مستمر، ولا سيما بفعل وسائل النقل من سيارات وشاحنات تنفث عوادمها أكثر من نصف (حوالي 56 بالمائة ) ما يلوث الهواء، ثم من طائرات وقطارات وبواخر في أماكن وجودها، ويلي وسائل النقل في الأهمية مصادر الإحتراق الأخرى الثابتة مثل محطات توليد الطاقة الكهربائية وأجهزة التسخين (22 بالمائة) تليها المصانع المختلفة (15 بالمائة ) ثم حرائق الغابات ومحاصيل المزارع (5 بالمائة ) ثم محاصيل ترميد الفضلات الصلبة (2 بالمائة) .
وأهم الجواهر الغريبة التي تدخل في تلويث الهواء ستة أصناف : أول اوكسيد الكربون، والجسيمات المعلقة، وأكاسيد الكبريت،والهدرو كربونيات الغازية ، وأكاسيد النتروجين،والأوزون .
أما أول أوكسيد الكربون : ذلك الغاز السام، فمصدره الرئيسي هو الإحتراق غير الكامل للوقود الكربوني، ولاسيما في السيارات، فهي جسيمات صلبة أو سائلة، يتراوح حجمها بين ما يمكن من دخان أو هباب،وأما الجسيمات المعلقة في الهواء ما لايُرى إلا بالمجهر الإلكتروني، وهذه الجسيمات الدقاق يمكن أن تبقى معلقة في الجو مدة طويلة، وأن تُحمل الى مسافات بعيدة ، تذرها الرياح ، ومصادرها الرئيسية أجهزة احتراق الوقود الثابتة ، كأجهزة التدفئة وتوليد الطاقة التي تنتج جُلّ الجسيمات المرئية .
أما الأكاسيد الكبريتية: فأهمها ثاني أوكسيد الكبريت وحمض الكبريتيك وسائر مركبات السلفات، وهي تصدر من الوقود الكربوني وجلّه مُلّوث بالكبريت ، كما تصدر من بعض أنواع المصانع . وإن ثاني أوكسيد الكبريت وثاني أوكسيد النتروجين هما غازان سامان ومسؤولان عن تكوين الأمطار الحمضية وذلك بتفاعل هذين الغازين مع ذرات الماء وتشكيل حمض الكبريتيك وحمض النيتريك اللذان يعتبران سما قاتلا للنباتات والغابات وإتلاف المنشآت .
وأما الهيدروكربونيات الغازية: فهي غير سامة في حد ذاتها بالمقادير التي توجد بها ولكنها تعتبرمن أهم مُدنسات الهواء لدورها في تشكيل الأوزون وسائر المؤكسدات .
وأما الاكاسيد النتروجينية : فتتشكل من إتحاد النتروجين بالأوكسجين في الحرارات العالية التي يحترق بها الوقود ،وخطرها يتمثل في توليد الأوزون

يقول الأستاذ الدكتور مرشد خاطر في مقال بعنوان “هواء المدن” نشره في أحد أعداد مجلة المجمع العربي بدمشق:

“سبعة مؤثرات تؤثر في هواء المدن فتصلحه إذا صلحت وتفسده إذا فسدت وهي:

1 ـ الموقع الجغرافي وينطوي تحته أربعة أمور:الارتفاع عن سطح البحر،وتركيب الأرض الجيولوجي،ومسيل الماء،ومهب الرياح.

2 ـ غرس الأشجار ووجود الساحات الفسيحة.

3 ـ تلوث الهواء بغبار الطرق العامة الناقل للجراثيم المرضية.

4 ـ تلوثه بالروائح الكريهة والدخان وما ينبعث من المصانع والمعامل من غبار المعادن وسواها.

5 ـ ضرر المدافن فيه.

6 ـ فساده بنقل المواد الغائطة.

7 ـ تأثير حالة الطرق العامة فيه وينطوي تحته ميل الطرق وهيئتها وأرصقفتها ومجاريها ووجهتها وتعرضها للشمس وهندسة بيوتها.

1 ـ الموقع الجغرافي:

نأخذ مثالاً على ذلك مدينة دمشق،وهي مدينة تخترقها الأنهر الغزيرة وهي ذات موقع جغرافي حسن،فهي قائمة في سهل تكتنفه الجبال البعيدة فإلى الشمال جبل قاسيون الممتد من الربوة حتى ثنية العقاب حيث بدء جبل القلمون،وفي سفحه حي الصالحية والمهاجرين وإلى الشمال الشرقي جبل القلمون(يوناني معناه القصب)وهو يبعد عن المدينة خمسة كيلو مترات أو ستة،وإلى الغرب الجنوبي جبل الشيخ وهو يبعد ثلاثين كيلو متراً عن دمشق وبه تمر الرياح الغربية الجنوبية الباردة في فصل الشتاء.وأمام جبل الشيخ تقوم جبال الربوة والمزة وتبعد عن دمشق زهاء ثلاثة كيلو مترات وإلى الجنوب جبال حوران الممتدة حتى البادية وتبعد عن دمشق ثلاثين كيلومترا،وإلى الشرق البادية المطلقة ومنها تهب الرياح الحارة في فصل الصيف وإلى الشرق الجنوبي تمتد الغوطة حتى بحيرة الهيجانة التي يصب بها نهر بردى ،وتلك البقعة يكثر فيها السباخ والمستنقعات.

فموقع دمشق الجغرافي متوفرة فيه الشروط الصحية لأن الجبال التي تكتنف المدينة بعيدة لا تمنع الشمس عن إرسال أشعتها القاتلة للجراثيم ولا توقف الأرياح العاصفة عن الوصول إلى المدينة فتجدد حتى في أضيق أزقتها الهواء تجديداً دائماً.وإنما وجود الغوطة في الجهة الشرقية من المدينة يجعل البعوض يتكاثر والبرداء وحمى الأيام الثلاثة تتفشيان تفشياً شديداً ،وهذا يمكن القضاء عليه بتجفيف المستنقعات مهما كلف الأمر.وإن دمشق متوفرة فيها من الوجهة الجيولوجية ومسيل الماء الشروط الملائمة للصحة لأن آبارها عميقة لا يوصل إلى المناء فيها قبل حفر عشرات من الأمتار .

2 ـ الارتفاع عن سطح البحر:

إن الارتفاع يؤثر شديداً في هواء المدن فيصلحه أو يفسده ولعله أقوى المؤثرات ,اهمها حتى أن بعض علماء الصحة يرى فرقاً بين حي وآخر من أحياء مدينة واحدة لا يتجاوز فرق ارتفاعهما عشرين متراً أو أربعين،والبرهان على ذلك جليّ واضح في دمشق فإن حي الصالحية والمهاجرين القائم في سفح جبل قاسيون أجود هواء من سائر أحياء دمشق لأنه أكثر ارتفاعاً منها.

وإن للارتفاع حداً إذا تجاوزه أضرَ بالصحة ضرراً بليغاً لأن الضغط الهوائي ينقص كلما علت المدينة،وكلما خف الضغط الهوائي نقصت كمية الأوكسجين في الهواء فينشأ عن ذلك النقص تبدل محسوس في الصحة،وهذا الارتفاع المضر يحدث عندما يقع الارتفاع بعد ألف وخمسمائة متر.وخير المدن هواء ما تراوح ارتفاعها عن سطح البحر بين سبعمائة وألف متر.

3 ـ الوجهة الجيولوجية أو تركيب طبقات الارض:

حيث تقسم المدن إلى صخرية ورملية وصلصالية ولحقية وهي أرض مركبة جيولوجياً من مواد كانت عالقة بالماء فرسبت بعد نضوب الماء منها .وقد أضيف إلى هذه الأقسام قسم خامس وهو المدن التي تقام على أرض اصطناعية.

فالمدن الصخرية أجود هواء من سائر المدن الأخرى وذلك بسبب صلد أرضها أي عدم نفوذها وسيلان المواد العفنة والمياه القذرة عليها دون أن تمتصها الأرض فتبقى كامنة فيها وتنشر الأوبئة والأمراض متى تيسرت لها الذرائع الملائمة.

وأما المدن الرملية فلا تعد ملائمة للصحة إلا متى كانت الطبقة الواقعة تحت الرمل غير صلداء لأنها إذا كانت صلصالية اجتمع الماء فيها ورطب الأرض وكانت تلك الطبقة كخزانات للمواد العفنة تجتمع فيها فتلوث طبقة الأرض السطحية وتفسد الهواء.

وأما المدن اللحقية فإنها مدن يكثر فيها السباخ وتتوفر فيها الشروط الملائمة لنمو البعوض وتكاثره.

4 ـ الأرياح:

أما الأرياح التي تنقل الرطوبة أو الجفاف فإن لها الأهمية الكبرى من الوجهة الصحية لأن لها حسنات وسيئات،فمن حسناتها تجديد الهواء واستبدال ما أشبع منه بذرات الفحم وحامض الفحم وسائر المواد الأخرى المضرة بهواء آخر آت من البحر والجبل وصالح للتنفس وتنقية الدم،وهذه التهوية الطبيعية لا بد منها في مدن يكثر عدد سكانها وتتراصف بيوتها وتقام فيها الأبنية الشاهقة المتعددة الطبقات.ومن سيئاتها أنها متى كانت خفيفة حملت الغبار الملقى على الأرض فتطاير في الفضاء ناقلاً معه الجراثيم المرضية.وملافاة لهذا المحذور يجب علينا أن نجعل الغبار ملتصقاً بالأرض فنكثر من رش الأسواق والمنعطفات ولا ندع للرياح تأثيراً فيه.

5 ـ غرس الأشجار ووجود الساحات الكبيرة:

إن الأشجار من العوامل التي تبدل تركيب الهواء وتجعله صالحاً للتنفس،ومن العناصر التي تصلح حالة الارض وتجففها،فإن أوراق الأشجار تمتص من الهواء حامض الفحم وتحوله إلى فحم فتغتذي به وإلى أوكسجين لا تحتاج إليه فتبعثه بالهواء رحمة بالإنسان والحيوان وإن معظم الأوكسجين تلقيه الأشجار بهيئة اوزون وهو من الغازات التي عرفت اليوم قيمتها الكبيرة.

وفضلاً عن ذلك فإن الأشجار تمتص قسماً كبيراً من رطوبة الهواء،ويقال أن ما تمتصه شجرة واحدة كبيرة مورقة بمائة ليتر ماء كل يوم.وكما أنها تمتص من الهواء البخار المائي فتجففه فإنها تمتص من رطوبة الا{ض القسم الاكبر من الماء الذي تحتاج إليه في يومها بجذورها المرسلة بعيداً إلى أعماق الا{ض.ويقال أن الشجرة تمتص من رطوبة الأرض خمسة أضعاف ما تمتص من الهواء تحت تأثير حرارة الشمس فكم هي عظيمة كمية الماء الذي تمتصه أشجار أحد الشوارع من أرض البيوت المشيدة على أطرافها؟

ولا تنحصر فائدة الأشجار بامتصاص رطوبة الهواء والأرض ولن الظل الذي تنشره على الأرض يأتي بفوائد جليلة مدة الصيف،ولا سيما في البلاد الحارة،فإنه يقي الكثيرين من الرعن أي ضربة الشمس.

6 ـ الغبار وتأثيره في هواء المدن:

إن الغبار المنتشر في الهواء ينقل معه كثيراً من الجراثيم المرضية متى عصفت الريح ووجدت المجاري الهوائية فتدخل تلك الجراثيم بطرق متعددة بأحذيتنا وأثوابنا وبشرة أجسادنا والحيوانات الداجنة وكل ما في الأسواق من البضائع والمواد الغذائية.ولا يؤثر الغبار في الإنسان والحيوان فقط بل يؤثر في النباتات أيضاً لأنها تتنفس  كليهما فإن الأشجار متى كسا أوراقها الغبار تذوي وتموت وإذا لم تمت تضعف خاصة التنفس فيها فتفقد وظيفتها الأساسية وهي تجديد الأوكسجين وتنقية الهواء الذي يتنفسه الإنسان.

ولا تنتشر الجراثيم بالأرياح فقط بل تنتشر أيضاً بطرق أخرى منها نفض الطنافس في الشرفات والنوافذ وندف القطن والصوف المحشوة بهما لحف المرضى وفرشهم في المخازن المشرفة على الطرق العامة.إن أهم المشاكل التي تنجم عن الفساد الذي ألحقه الانسان في البيئة يتمثل :
1 ـ الاحتباس الحراري
2 ـ فجوة الأوزون
3 ـ تلوث البيئة
وقبل الحديث عن هذه المشاكل لابد من التعرف على بعض المصطلحات ومنها :
1_ غلاف الأرض الجوي :
يطلق اسم سماء على كل ماعلا رؤوسنا، وسقف الأرض هو الغلاف الجوي الذي يرتفع الى علو ألف الكيلومترات فوق سطح الأرض والذي تمسكه الأرض وتمنع انفلاته إلى الفضاء الكوني من خلال قانون الجاذبية الأرضي ، وصدق الله تعالى : { اللهُ الذي رفعَ السَّمواتِ بغيرِ عَمَدٍ تَرونها} [الرعد 2] ، وأما القبة الزرقاء فهي ناجمة عن تشتت أشعة الشمس الزرقاء بوفرة في طبقات الهواء الكثيفة نسبيا قرب سطح الارض إلى علو نحو 200 كم .
وهذا الغلاف هو طبقة من خليط من غازات تُحيط بالكرة الأرضية مجذوبة إليها بفعل الجاذبية الارضية . يحوي على 78 بالمائة من غاز النيتروجين،وهو غاز خامل لا يساعد على الاشتعال وغير قابل للذوبان في الماء. و21 بالمائة من الأوكسجين وهو غاز نشيط يساعد على الإشتعال وقابل للذوبان في الماء من إجل الأحياء المائية التي تعتمد في حياتها على الأوكسجين المذاب في الماء ، والبقية غازات أخرى ، ومنها الأرغون وثاني أوكسيد الكربون والهيدروجين وأول اوكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت والهيليوم والميتان والأوزون والنيون والزينون وغيرها .
وفي درجة حرارة تبلغ 40 درجة يمكن للهواء أن يحتوي من 0 الى 7 بالمائة من بخار الماء . وتختلف هذه النسبة باختلاف الرطوبة .
ويحمي الغلاف الجوي الأرض من امتصاص الأشعة فوق البنفسجية ويعمل على اعتدال درجات الحرارة فوق سطح الكوكب .
ومن آيات الله سبحانه وتعالى أن نسبة غاز النتروجين العالية 78( بالمائة) وهو الغاز الخامل الذي لايساعد على الاشتعال مُقدرة تقديراً دقيقاً من قبل الخالق العليم الخبير . إذ لو كانت نسبته أقل من هذه النسبة المقدرة وحدث أن سقطت شرارة كهربائية من الفضاء الخارجي نحو الأرض لأحترق كل شئ على سطح الأرض إذ أن هذه النسبة هي التي تضبط وتقنن طبيعة الأوكسجين القابل للإشتعال .
وأما غاز ثاني أوكسيد الكربون والذي نسبته (3)’بالمائة من حجم الهواء فإنه بهذه النسبة يلعب دوراً مهماً جداً في إعالة الحياة على سطح الارض ، حيث أودع الله في هذا الغاز خاصية امتصاص الموجات الحرارية الأرضية أي الأشعة تحت الحمراء، والاحتفاظ بها في الغلاف الجوي، وإنه يمكن له ان يمررهذه الاشعة تحت الحمراء بسهولة من الشمس إلى الارض،وهذا يعطي هذا الغلاف درجة مناسبة من الحرارة التي تسمح بوجود الحياة، ومعنى هذا أن الإخلال بنسبة الغاز زيادة أو نقصانا تعني في حد ذاتها زيادة أو نقصانا في درجة حرارة الغلاف الجوي وما يحمل ذلك من مخاطر كثيرة وهذا ما يفسر لنا الوضع القلق الذي تعيشه البشرية حالياً بسبب الزيادة المطردّة في نسبة ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي منذ الخمسينيات من القرن الماضي حيث زادت النسبة من 3‘عام 1950 الى 325‘عام 1970 الى 345‘ عام 1980 وما يصاحب هذا من ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي . وإذا زاد تركيز هذا الغاز عن 5000 جزء من المليون (وهو الحد الأعلى الأمن في منطقة العمل) فإنه ذو تاثير خانق .
وعلى الرغم من ضآلة تركيز الغازات النادرة فإن وجود كل منها وبتركيز محدد يُمكّن الغلاف الجوي من تأدية وظيفته على الوجه الأكمل، وغياب أي من هذه المكونات أواختلاف تركيزها يؤثر في وظيفة الغلاف الجوي وخاصة مناخ الأرض ودرجة حرارتها .
ان الغازات النادرة تعمل على منع تسرب حرارة الأرض للفضاء الخارجي ، إذ يقوم بعضها بامتصاص جزء من الإشعاعات المرتدّة من الارض، ويؤدي إلى سخونة هذه الغازات فتشع حرارة في كل الإتجاهات،ويتجه نصفها تقريبا نحو الأرض مرة أخرى فتعمل على الحفاظ على درجة حرارتها، كما يعمل الغلاف الجوي والغلاف المائي للأرض على الحدّ من التفاوت الكبير بين درجات حرارة النهار والليل والصيف والشتاء،وهذا ما يجعل الأرض موطنا صالحا للمياه ، ويمكننا أن نقدر أهمية الغلاف الجوي المحيط بالارض مقارنة بين جو الأرض وجو القمر،فالقمر يبعد المسافة نفسها تقريبا التي تبعدها الارض عن الشمس ولكن لا يحيط به غلاف هوائي ولا يحتوي على بحار،ولذا فهناك تفاوت كبير بين درجة حرارته العظمى والصغرى فترتفع درجة الحرارة الى 100 درجة مئوية في نهاره الطويل الذي يبلغ حوالي أربعة أسابيع وتهبط الى 1500 في ليله الطويل ايضا .
إن الغازات النادرة الموجودة في الغلاف الجوي هي خاصة في الحفاظ على درجة حرارة الأرض ولو كان الغلاف الجوي خاليا منها واقتصر تكوينه فقط على النتروجين والأوكسجين اللذين يشكلان 99 بالمائة من حجمه لأصبحت درجة حرارة الارض حوالي 20 تحت الصفر وذلك لأن النتروجين والأوكسجين لا يمتصان إلا القليل من الإشعاعات تحت الحمراء .
يقول الدكتور عبد المحسن صالح في أحد أعداد مجلة الفيصل :
” الخلق كله من أوله إلى أخره،ومن بدايته حتى نهايته، يسير بموازين حساسة لا خلل فيها ولافوضى، صحيح أن كفتي الميزان قد تتأرجحان ذات اليمين وذات الشمال، ولكنهما لا بد الى التوازن عائدتان . والغلاف الهوائي قد جاء بدوره موزوناً ومتوازناً،ولكن يبدو أن الإنسان قد بدأ يتلاعب بالميزان دون أن يدري أو يدري، ولكن الذي ندريه حقاً أن نسبة الغازات فيه قد بدأت تختلف ، وقد يدفع الإنسان الثمن غالياً ما لم يعد إلى رشده ويحاول أن يصلح ما أفسده في موازين الخلق التي جاءت متعادلة من لدن حكيم خبير .
ويتابع :” يشير بعض العلماء الى أن الغلاف الهوائي قد ظل ثابتاً متوازنا بغازاته لأكثر من ألفي مليون عام ، ويقدر بعض العلماء أن كتلة الهواء التي تحيط بالأرض تصل الى حوالي 5 مليون بليون وهي دائماً في دورة مستمرة لا تتوقف ابدا،ً والعامل الأساسي في بقاء غازالأوكسجين وثاني أوكسيد الفحم هي عملية التمثيل الضوئي في المملكة النباتية .
إنّ النشاطات البشرية ومنها حرق الغابات، والوقود وإطلاق الغازات الملوّثة للجو لا تؤثرعلى تركيز الغازات الرئيسية في الغلاف الجوي مثل النتروجين والأوكسجين ولكن تؤثرعلى الغازات النادرة ذات التراكيز الزهيدة،وأي زيادة في تركيز هذه الغازات النادرة يؤدي الى امتصاص كمية أكبر من الحرارة وبالتالي إعادة جزء منها للأرض وبالتالي رفع درجة حرارة الأرض . ويعد ارتفاع غاز ثاني أوكسيد الكربون من أهم أسباب ارتفاع درجة حرارة الارض ولذا ظهر اهتمام عالمي بقياس تركيز هذا الغاز في الجو، ويقدر العلماء ان تركيز هذا الغاز كان حوالي 270 جزءا من مليون في عام 1850 ثم أصبح 315 عام 1957 والآن يزيد عن 345، ويزداد بمعدل 1،5 جزء من مليون في السنة وصحيح أن الزيادة طفيفة وقد لا تتعدى جزء من المليون في كل عام ولكن القليل مع القليل كثيرولو استمرت هذه الزيادة بمعدلها الحالي لعشرات اخرى من السنين فقد يؤدي ذلك الى كوارث ليست في الحسبان، وإن الزيادة بمعدل واحد في المليون في تركيز هذا الغاز قد تبدو شيئاً تافهاً ولكنك لو حسبتها بالنسبة للغلاف الهوائي ككل لتبين لك أن هذه النسبة تعني بالأرقام خطورة كبيرة في تركيب غازات الغلاف الهوائي .
وان أهم مصادر ارتفاع تركيز هذا الغاز أي ثاني اوكسيد الكربون :
1ـ استعمال واحتراق الوقود وخاصة الفحم والبترول والغاز الطبيعي، حيث تطلق وحدها سنوياً حوالي 18 ألف مليون طن من هذا الغاز مع ازدياد هذه النسبة عاماً بعد عام لزيادة استهلاك الوقود.
2 ـ اختفاء مساحات واسعة من الغابات والأشجار : بسبب زحف المدينة وهدم الأراضي الزراعية وقطع الأشجاء وزحف الصحاري على الأراضي الزراعية .
3 ـ تنفس أحياء الأرض من إنسان وحيوان ونبات حيث تُطلق سنوياً ما معدله 20 الف مليون طن من هذا الغاز .
2_ طبقات الجو :
من رحمة الله أن هذه البيئة التي جهزّها الله سبحانه وتعالى بكل مقومات الحياة لتصبح ملاذاً آمنا للإنسان وقد حفظها الله من مخاطر الإشعاعات الكونية الفضائية والشهب والنيازك التي تندفع من الفضاء الخارجي نحو الارض يقول تعالى : {وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون} ” [الأنبياء 32 ].
يتألف الجو من طبقات مختلفة تتغير كلما ارتفعنا عن سطح الأرض ولكل طبقة وظيفة في إعالة الحياة وحمايتها،وفي عام 1962 قررت المنظمة الدولية للأرصاد الجوية تقسيم الغلاف الجوي المحيط بالارض والبالغ سمكه 35 ألف كم الى الطبقات التالية :
ـ تروبوسفير : أو الطبقة السفلى الملاصقة لسطح الارض : تمتد من سطح الارض وترتفع ما بين 7 كلم عند القطبين و17 كلم عند خط الاستواء وتحتوي على تسعة أعشار الغازات الجوية . وفيها تتكون الظواهر المناخية وتغير مستمر لدرجات الحرارة،ولذا تسمى الطبقة المناخية ، لأنها الطبقة المؤثرة في تغيّرات المناخ، وفيها تحدث كافة الظواهر الجوية، كالأمطار والسحاب والضباب والعواصف …وتحتوي على معظم بخار الماء الموجود في الغلاف الجوي، وتقل درجة حرارة الهواء وكثافته وضغطه كلما ارتفعنا لاعلى .
ـ الستراتوسفير : أو الطبقة الوسطى : وهي الطبقة بين 7 ـ 17 كلم الى 50 كلم
وتتميز هذه الطبقة بالاستقرار التام في جوها ،حيث ينعدم بخارالماء فيها وتخلو من الظواهر الجوية .
ويوجد فيها الأوزون الذي يحمي من الاشعاعات المؤذية وهي إحدى الطبقات الحافظة والدرع الواقي للبيئة ضد مخاطر الأشعة فوق البنفسجية الضارة التي لو وصلت الى سطح الأرض بكامل قوتها المنبعثة بها من الشمس لدمرت كل مظاهر الحياة .
والأوزون يوجد في هذه الطبقة بكميات هائلة ومن أهم وظائفه ضبط وتقنين وصول الاشعة فوق البنفسجية الى الأرض حيث لا تسمح إلا بمرور كميات محددة ومقدرة من قبل الخالق الذي يراها بعلمه أنها مفيدة وضرورية للحياة . والأوزون يوجد بنسب قليلة جدا في أجزاء الباردة من التربوسفير،ويتم تشكيل الأوزون عندما يتعرض الأوكسجين الى وابل من الأشعة فوق البنفسجية ويتم هذا غالبا في طبقة الستراتوسفير حيث تفتت الأشعة جزيئات الأوكسجين إلى ذرات الأوكسجين ثم تتحد بعض تلك الذرات مع جزيئات الأوكسجين مكّونة الأوزون. والأوزون له قدرة فائقة على امتصاص الاشعة فوق البنفسجية وبذلك يحمي جزيئات الأوكسجين والموجودة على ارتفاعات منخفضة من التفكك كما يقي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية ، وعند امتصاص الأوزون لهذه الاشعة فإن حرارته تزداد وبذلك تتكون طبقات دافئة تعمل كغطاء للتربو سفير .
ولعل أهمية هذه الطبقة كدرع واق يفسر لنا القلق والخوف الذي يساور البشرية بعد اكتشاف وجود ثقب في طبقة الأوزون في منطقة القطب الجنوبي عام 1985 ولعل أول من نبّه إلى وجود نقص في طبقة الأوزون الباحث الامريكي شيروود رولاند حيث ذكر حوالي عام 1974 أن هناك نقصا في الأوزون في طبقة الستراتوسفير ، وقد تشكلت عام 1987 اتفاقية دولية لحماية طبقة الأوزون نصّت على ضرورة إيجاد بديل غيرمُلوّث لغاز الكلور وفلورو كربون الذي تبين أنه المسئول الرئيسي عن تدهور طبقة الاوزون،إذ عندما يصل غاز الكلور وفلوروكربون إلى طبقات الجو العليا يتحلل بفعل الأشعة فوق البنفسجية وينطلق ما فيه من كلور قاتل للأوزون،إذ أن كل ذرة من الكلور قادرة على تحطيم 100ألف جزئ أوزون حيث أن ذرة الكلور تهاجم الأوزون وتفككه إلى أوكسجين وأوكسيد الكلوروتهاجم ذرة أوكسجين جزئ أول اوكسيد الكلور وتفككه وتتكون ذرات الكلورالحرة وهكذا دواليك .
ومما يدل على خطورة ما أصاب طبقة الأوزون من تدهوروالخوف من استمرار هذا التدهور عقد مؤتمر دولي في 18 اذار 1989 في مدينة لاهاي حضره 24 رئيس دولة وحكومة لمناقشة مشكلة طبقة الاوزون والإجراءات الكفيلة بحمايتها من خطر الملوثات الهوائية ومنها سرعة الحد من استخدام الكلور وفلوركربون وقد بلغ إنتاج أمريكا وحدها من كلورفلور كربون عام 1974 حوالي 380 مليون كغم . وفي عام 1989 تم اكتشاف ثقب صغير نسبيا في منطقة القطب الشمالي مما يشير الى أن تدمير الطبقة مستمر وما يحمله من مخاطر كبيرة ومنها وصول الأشعة فوق البنفسجية بكميات متزايدة الى الأرض وما تسببه من مخاطر ومنها سرطان الجلد والتاثير في جهاز المناعة في الجسم والتاثير في المقدرة الإنتاجية للحيوانات والنباتات والتاثير في المادة الوراثية لخلايا الحمض النووي إضافة الى التغيرات المناخية المتوقعة .
إن الأوزون الموجود في طبقات الجو العليا مفيد جدا،ولكن ارتفاع تركيز الأوزون بالقرب من سطح الارض له تأثيرات ضارة جدا على الطبيعة والبيئة والانسان ، ويشكل في تفاعلاته مع بعض المركبات والمخلفات الصناعية مركبات ضارة، ويساهم في تسميم الأشجار والنباتات وحتى بتراكيز منخفضة جدا أي التي لا تزيد عن جزء واحد من المليون ، وتعزى تأثيراته الضارة الى قوته المؤكسدة القوية والفعالة . وغاز الأوزون غاز سام لذلك يستخدم في عمليات التعقيم بدلا من الكلور،وان تنفس هذا الغاز يؤدي الى تدمير الرئتين،على العكس من غاز الاوكسجين الضروري للحياة .
كما يوجد في الجزء الأسفل من هذه الطبقة جزيئات من الكبريت التي تلعب دورا في عمليات الأمطار .
ـ الطبقة العليا : او الميسوسفير : وتبدا من 50 كلم وحتى ارتفاع 80 الى 85 كلم وتتميز بتناقص مستمر في درجات الحرارة حتى تصبح درجة الحرارة في أعلى هذه الطبقة منخفضة جداً حوالي 90 تحت الصفر , وهي تمثل أيضاً درعاً واقياً أخر للبيئة وخاصة من خطر الشهب والنيازك التي تضل طريقها وتندفع من الفضاء الخارجي نحو الارض . إذ تحترق هذه الشهب والنيازك في هذه الطبقة وتتحول الى رماد يتساقط بخفة فوق سطح الارض ويمكن أن نطلق على هذه الطبقة “محرقة الشهب والنيازك”، والشهب هو مايحترق في الغلاف الجوي،أما إذا وصلت الى الأرض وارتطمت بها فتسمى النيازك ، ولولا وجود هذه الطبقة لتعرضت الأرض للإرتطام بهذه الكواكب وأجزائها والذي قد يشكل تهديدا حقيقيا للبشر على ارضها ، ولعدم وجود غلاف غازي للقمر فإنه يتعرض للإصابة بهذه الكواكب وهذا من المشكلات الكبرى لحلم البشرية في استعمار القمر.
ـ الطبقة الرابعة وتسمى الإيونوسفير: تبدا من 80 ـ 85 كلم الى 700كلم ، وهي تحتوي على كميات كبيرة من الأوكسجين والنيتروجين المتأين والالكترونات الحرة بعد تأين جزيئات الأوكسجين والنتروجين المتعادلة بفعل الأشعة السينية الصادرة من الشمس .
وهذه الطبقة مقسمة بدورها إلى ثلاثة طبقات داخلية لكل منها خصائصها المتميزة ويتغير سمكها بتغير الليل والنهار وبتغير الفصول .
ـ الطبقة الخامسة : وتسمى الطبقة الحرارية أي الثيرموسفير .
ـ الطبقة السادسة وتسمى الاكسوسفير : وتمتد حتى تختلط مع فراغ الفضاء وهذه الطبقة يقل فيها الهواء إلى أن ينعدم .ويتراوح ارتفاع هذه الطبقة من حوالي 700 كم الى 35 ألف كم ، وهي قليلة الكثافة ولذا فإن الجزيئات في هذه الطبقة تكون لها حرية في الحركة تسمح بهروبها من الغلاف الجوي للأرض .
الطبقة السابعة وتسمى الماجنتو سفير : يمتد المجال المغناطيسي للأرض الذي يشكل غلافا حولها الى مسافة 50 ألف كم . ويقوم هذا الغلاف المغناطيسي إما بصد الجسيمات المشحونة القادمة من الفضاء الخارجي اواصطيادها واقتيادها ناحية قطبي الأرض المغناطيسي .
الإحتباس الحراري:
ابتكر هذا المصطلح ـ أي الإحتباس الحراري ـ العالم الكيميائي السويدي سفانتي ارينيوس عام 1896،وقد أطلق أرينيوس نظرية أن الوقود المحترق سيزيد من كميات ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي وأنه سيؤدي إلى زيادة درجة حرارة الأرض . وتعرف هذه الظاهرة علمياً بأنها الزيادة التدريجية في درجة حرارة أدنى طبقات الغلاف الجوي المحيط بالأرض كنتيجة لزيادة انبعاث العديد من الغازات التي تعرف بغازات الإحتباس الحراري وذلك منذ بداية الثورة الصناعية .
قبل الحديث عن ظاهرة الإحتباس الحراري لابد من ذكر بعض المعلومات الضرورية عن حرارة الارض ، فالأرض كوكب دافئ يبلغ متوسط درجة حرارة الارض حوالي 15 درجة مئوية،وهذا الرقم متوسطي ثابت تقريبا على مدى السنين والأحقاب الممتدة، ورغم أن الأرض تدور في فضاء شديد البرودة بل هو قارس البرودة حيث تصل درجة حرارة الفضاء الذي يحيط بالارض 270 تحت الصفر،ولكي تحتفظ الأرض بحرارتها بشكل ثابت ودائم فلابد من وجود مصدر دائم للطاقة الحرارية وهذا المصدر هو أشعة الشمس .
تنتقل أشعة الشمس الى الأرض على هيئة أشعة قصيرة الموجة،تمتص الأرض جزءاً منها فتسخن وتشع بنفس الوقت أشعة حرارية طويلة الموجات،وهناك توازن حراري للأرض بحيث تتساوى كمية الحرارة التي تمتصها الأرض من الأشعة الشمسية القصيرة الأمواج خلال فترة زمنية محددة مع كمية الحرارة التي تفقدها على هيئة اشعاعات مرتدة طويلة الأمواج خلال نفس الفترة الزمنية،ولا يمنع هذا التوازن الحراري وجود تغيرات يومية وفصلية ، فقد تكسب أجزاء من الأرض كمية من الحرارة خلال النهار أو خلال الصيف أكبر مما تفقده خلال الليل أو الشتاء . ولكن التوازن الحراري يتحقق للأرض ككل خلال فترة زمنية طويلة . ويلاحظ أنه عند خطي عرض 40 شمالاً أو جنوباً تتعادل كمية الحرارة المكتسبة مع كمية الحرارة المفقودة للفضاء الخارجي، أما في المناطق الموجودة إلى الشمال من خط عرض 40 شمالا أو الى الجنوب من خط عرض 40 جنوبا فإن كمية الحرارة التي تفقدها الارض أكبر من كمية الحرارة التي تكسبها ولذلك فهي مناطق باردة،وعلى العكس من ذلك المناطق الواقعة بين خطي العرض 40 شمالا وجنوبا ولذلك فهي مناطق حارة وتنتقل الحرارة من المناطق الحارة الى الباردة عن طريق الجو وعن طريق البحر )نقلاً عن مقال د. أمين حامد مشعل مجلة العربي الكويتية العدد 375 شباط 1990م).
جاء في ويكبيديا الموسوعة الحرة :
“الإحتباس الحراري ” :هو ظاهرة ارتفاع درجة الحرارة في بيئة ما نتيجة تغيير في سيلان الطاقة الحرارية من البيئة وإليها . وعادة ما يطلق هذا الإسم على ظاهرة ارتفاع درجات حرارة الأرض عن معدلها . وعن مسببات هذه الظاهرة على المستوى الأرضي،أي عن سبب ظاهرة ارتفاع حرارة كوكب الأرض ينقسم العلماء إلى من يقول أن هذه الظاهرة ظاهرة طبيعية وأن مناخ الأرض يشهد طبيعياً فترات ساخنة وفترات باردة،مستشهدين بذلك عن طريق فترة جليدية أو باردة نوعاً ما مابين القرن السابع عشر والثامن عشر في أوروبا . هذا التفسير يريح كثيراً الشركات الملوثة مما يجعلها دائماً ترجع الى مثل هذه الأعمال العلمية لتتهرب من مسؤوليتها أو من ذنبها في ارتفاع درجات الحرارة .وحيث أن أغلبية كبرى من العلماء والتي قد لا تنفي أن الظاهرة طبيعية أصلاً متفقة على أن إصدارات الغازات الملوثة كالآزوت وثاني أوكسيد الكربون يقويان هذه الظاهره،و في حين يرجع بعض العلماء ظاهرة الانحباس الحراري الى التلوث وحده فقط وحيث يقولون بأن هذه الظاهرة شبيهة الى حد بعيد بالدفيئات الزجاجية وأن هذه الغازات والتلوث يمنعان أو يقويان مفعول التدفئة لأشعة الشمس . ففي الدفيئة الزجاجية تدخل أشعة الشمس حاملة حرارتها الى داخل الدفيئة،ومن ثم لا تتسرب الحرارة خارجاً بنفس المعدل ، مما يؤدي الى ارتفاع درجة الحرارة داخل الدفيئة ، كذا تتسبب الغازات الضارة التي تنبعث من أدخنة المصانع ومحطات تكرير البترول ومن عوادم السيارات مثلاً في نفس الظاهرة مسببة ارتفاع درجة حرارة الأرض .
ورغم التقنيات المتقدمة والأبحاث المضنية نجد أن ظاهرة الإحتباس الحراري بالجو المحيط بالأرض مازالت لغزاً محيراً ولاسيما نتيجة ارتفاع درجة حرارة المناخ العالمي خلال القرن الماضي نصف درجة مئوية أخذ الجليد في القطبين وفوق قمم الجبال الاسترالية في الذوبان بشكل ملحوظ وانصهار كميات كبيرة من الثلوج في مناطق القطبين وتحرك هذه المياه لتسهم في رفع منسوب المياه في البحار والمحيطات واحتمالات تعرض بعض المدن الساحلية للغرق. وتشير سجلات المد والجزر في مناطق كثيرة من العالم أن منسوب مياه البحار قد ارتفع بمقدار 45 مليمتر في الفترة من 1890 الى 1940 وأخذ المنسوب في الارتفاع بمعدل 3 ميلمتر سنويا حتى عام 1970 ثم ازداد المعدل ليصل الى 14 مليمتر حاليا .
ولاحظ علماء المناخ أن مواسم الشتاء ازدادت خلال الثلاثة عقود الأخيرة دفئاً عما كانت عليه من قبل وقصرت فتراته .فالربيع يأتي مبكراً عن مواعيده . وهذا يرجحونه لظاهرة الإحتباس الحراري .
ويعلق العالم الانجليزي ريكيامار على هذه الظاهرة المحيرة بقوله : إن استراليا تقع في نصف الكرة الجنوبي وبهذا المعدل لذوبان الجليد قد تخسر تركة البيئة الجليدية خلال هذا القرن . وقد لوحظ أن الأشجار في المنطقة الشبه قطبية هناك قد ازداد ارتفاعها عما ذي قبل، فقد زاد ارتفاعها 40 مترا على غير عادتها منذ ربع قرن،وهذا مؤشر تحذيري مبكر لبقية العالم لأن زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري قد تحدث تلفا بيئياً في مناطق أخرى وهذا الإتلاف البيئي فوق كوكبنا قد لا تحمد عقباه فقد يزول الجليد من فوقه تماما خلال هذا القرن وهذا الجليد له تأثيراته على الحرارة والمناخ والرياح .
ويربط العديد من العلماء بين المحيطات والتيارات الموجودة بها وبين درجة حرارة الأرض حيث أن هذه التيارات الباردة والساخنة عبارة عن نظام تكييف للأرض أي نظام تبريد وتسخين، وقد لوحظ مؤخراً أن هذه التيارات قد غيّرت مجراها مما جعل التوازن الحراري الذي كان موجوداً ينقلب، ويستدل بعض العلماء على ظهور أعاصيرفي أماكن لم تكن تظهر من قبل . كما يربط بعض العلماء التلوث الحاصل بتغير في عدد حيوانات البلانكتون في البحار نتيجة زيادة حموضة البحار نتيجة لإمتصاصها ثاني أوكسيد الكربون ،ويفسرون أن التلوث الذي يحدثه الإنسان هو شبيه بمفعول الفراشة أي أنها مجرد الشعلة التي تعطي الدفعة الأولى لهذه العملية والبلنكتون يقوم بالباقي .
إن الإحتباس الحراري يؤدي الى ارتفاع الحرارة في الأرض ولكن هذا الارتفاع يتفاوت من منطقة لأخرى،فقد وجد أن المناطق الباردة ستتأثر بمعظم الدفء فترتفع درجة حرارتها ارتفاعا ملحوظا ، بينما المناطق الحارة لا تحظى إلا بقدر بسيط من الدفء فلا تكاد تتأثر حرارتها ، وأن ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجة مئوية واحدة فقط يعني زيادة كبيرة في حرارة المناطق الباردة القريبة من القطبين مثل شمال القارة الامريكية الشمالية وأوروبا .
من أثار ارتفاع درجة حرارة الأرض ذوبان الجليد عند القطبين .. وهو ما يقدر العلماء أنه في حال استمراره فإن ذلك سيؤدي الى إغراق كثير من المدن الساحلية حول العالم ،كما سيؤدي ارتفاع درجة حرارة الأرض الى تغير المناخ العالمي وتصّحر مساحات كبيرة من الأرض .
وإن تغيير متوسط الحرارة في الأرض سيؤدي الى تغيير في خريطة سقوط الأمطار، وفي نظام الريح ، وبحيث تصبح بعض أجزاء من العالم أكثر أمطاراً عما كانت عليه،وبعضها أكثر جفافاً من ذي قبل ، كما أن نظام الرياح سوف يختلف ومن المحتمل أن يزداد هبوب العواصف ، ويصبح الصيف أشدّ حرارة عما كان عليه والشتاء أكثر برودة في بعض المناطق ، ولعل أخطر عواقب زيادة حرارة الارض وأخطرها كما ذكرنا هو ارتفاع منسوب سطح البحار ويقدر العلماء أنه في نهاية القرن الواحد والعشرين سيرتفع متوسط درجة حرارة الأرض حوالي خمس درجات مئوية وسوف يؤدي الى ارتفاع منسوب سطح البحر حوالي مترا واحدا فتغمر مياه البحر جميع المناطق الساحلية التي يقل ارتفاعها عن متر واحد وهذا يعني انه سيغمر مدينة الإسكندرية وأجزاء من دلتا النيل فيما يتعلق بالبحر الابيض المتوسط ، وأما بالنسبة للمحيط الاطلنطي فإنه سيغمر بعض سواحل المغرب ، وأما بالنسبة لمياه الخليج فانه يعني أنه سيغمر كثيرا من المدن الساحلية في الكويت والسعودية وقطر والبحرين والإمارات .
إن الأنشطة البشرية مثل تكرير النفط ومحطات الطاقة وعادم السيارات أسباب مهمة لارتفاع حرارة الكون وإن الغازات المسببة للإحتباس الحراري تتراكم في غلاف الأرض نتيجة أنشطة بشرية مما يتسبب في ارتفاع المتوسط العالمي لحرارة الهواءعلى سطح الأرض وحرارة المحيطات تحت السطح، ويتوقع أن يرتفع مستوى سطح البحر 48سم مما يمكن ان يهدد المباني والطرق وخطوط الكهرباء وغيرها من البنية الأساسية في المناطق ذات الحساسية المناخية وإن ارتفاع مستوى البحربالمعدلات الواردة في تقريروكالة حماية البيئة يمكن أن يغمر حي مانهاتن في نيويورك بالماء حتى شارع وول ستريت،وتعتبرالولايات المتحدة هي أكبر منتج لإنبعاثات ثاني اكسيد الكربون الناتجة عن الإنسان والتي يقول العلماء إنها السبب الرئيسي للغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري وتنبعث الغازات من مصانع الطاقة والسيارات وصناعات أخرى . ولقد شهد العالم في العقد الأخير من القرن الماضي أكبر موجة حرارية شهدتها الأرض منذ قرن حيث زادت درجة حرارتها 6 درجات مئوية وهذا معناه أن ثمة تغيراً كبيراً في مناخها لايحمد عقباه ،فلقد ظهرت الفيضانات والجفاف والتصحروالمجاعات وحرائق الغابات،وهذا ماجعل علماء وزعماء العالم ينزعجون ويعقدون المؤتمرات للحد من هذه الظاهرة الحرارية التي باتت تؤرق الضمير العالمي مما أصابنا بالهلع، وهذا معناه ان الأرض ستكتسحها الفيضانات والكوارث البيئية والأوبئة والأمراض المعدية، وفي هذا السيناريو البيئي نجد أن المتهم الاول هو غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي أصبح شبحا تلاحق لعنته مستقبل الارض،وهذا ماجناه الإنسان عندما أفرط في إحراق النفط والفحم والخشب والقش ومخلفات المحاصيل الزراعية، فزاد معدل الكربون بالجو، كما أن إجتثاث أشجار الغابات وانتشار التصحر قلل الخضرة النباتية التي تمتص غاز ثاني اوكسيد الكربون من الجو مما جعل تركيزه يزداد .
ولنبين أهمية المناخ وتأرجحه أنه قد أصبح ظاهرة بيئية محيرة فإنه عندما انخفضت درجة حرارة الأرض نصف درجة مئوية عن معدلها لمدة قرنين منذ عام 1570 ميلادي مرت اوروبا بعصر جليدي جعل الفلاحين يهجرون أراضيهم ويعانون من المجاعة لقلة المحاصيل،وطالت فوق الأرض فترات الصقيع ، والعكس لو زادت درجة الحرارة زيادة طفيفة عن متوسطها تجعل الدفء يطول وفترات الصقيع والبرد تقل مما يجعل النباتات تنمو والمحاصيل تتضاعف والحشرات المعمرة تسعي وتنتشر،وهذه المعادلة المناخية نجدها تعتمد على ارتفاع أو انخفاض متوسط الحرارة فوق كوكبنا .
ولاحظ العلماء أن ارتفاع درجة الحرارة الصغرى ليلاً سببها كثافة الغيوم بالسماء لأنها تحتفظ تحتها بالحرارة المنبعثة من سطح الأرض ولا تسربها للأجواء العليا أو الفضاء، لأن هذه السحب تعكس ضوء الشمس بكميات كبيرة ولا تجعله ينفذ منها للأرض كأنها حجب للشمس أو ستر لحرارتها، وفي الأيام المطيرة نجد أن التربة تزداد رطوبة ورغم كثرة الغيوم وكثافتها بالسماء إلا أن درجة الحرارة لا ترتفع لأن طاقة الشمس تستنفد في عملية التبخير والتجفيف للتربة .
ودرجة حرارة الأرض تعتمدعلى طبيعتها وخصائص سطحها سواء لوجود الجليد في القطبين أو فوق قمم الجبال أو الرطوبة بالتربة والمياه بالمحيطات التي لولاها لأرتفعت حرارة الأرض . لأن المياه تمتص معظم حرارة الشمس الواقعة على الأرض، وإلا أصبحت اليابسة فوقها جحيماً لا يطاق مما يهلك الحرث والنسل . كما أن الرياح والعواصف في مساراتها تؤثرعلى المناخ الإقليمي أو العالمي من خلال المطبات والمنخفضات الجوية لهذا نجد ان المناخ العالمي يعتمد على منظومة معقدة من الأليات والعوامل والمتغيرات في الجو المحيط أو فوق سطح الأرض . فالأرض كما يقول علماء المناخ بدون الجو المحيط بها سينخفض درجة حرارتها الى 15 دون الصفر بدلا من كونها حاليا متوسط حرارتها 15 فوق الصفر لأن الجو المحيط بها يلعب دورا رئيسيا في تنظيم معدلات الحرارة فوقها لأن جزءا من هذه الحرارة الوافدة من السمس يرتد للفضاء ومعظمها يحتفظ به في الأجواء السفلى من الغلاف المحيط ، ولأن هذه الطبقة الدنيا من الجو تحتوي على بخار ماء وغازات ثاني اوكسيد الكربون والميتان وغيرها وكلها تمتص الأشعة دون الحمراء فتسخن هذه الطبقة السفلى من الجو المحيط لتشع حرارتها مرة ثانية فوق سطح الأرض يطلق عليها. ومع ارتفاع الحرارة فوق سطح الارض أو بالجوالمحيط بها تجعل مياه البحار والمحيطات والتربة تتبخر . ولو كان الجو جافا أودافئا فيمكنه استيعاب كميات بخار ماء أكثر مما يزيد رطوبة الجو وكلما زادت نسبة بخار الماء بالجو المحيط زادت ظاهرة الاحتباس الحراري لأن بخار الماء يحتفظ بالحرارة ثم يشعها للأرض .
والغيوم قادرة على امتصاص الأشعة تحت الحمراء،لأن الغيوم العالية تكون طبقاتها الفوقية أكثر برودة من نظيرتها في الغيوم المنخفضة وبالتالي فإنها تعكس قدرا أقل من الأشعة تحت الحمراء للفضاء الخارجي.
تلوث البيئة:
ونقصد بتلوث الهواء وجود المواد الضارة به مما يلحق الضرر بصحة الإنسان في المقام الاول ومن ثم البيئة التي يعيش فيها.
ويمكننا تصنيف ملوثات الهواء الى قسمين :
1ـ مصادر طبيعية: أي لا يكون للإنسان دخل فيها مثل الأتربة .. وغيرها من العوامل الأخرى.
2 ـ مصادر صناعية: أي أنها من صنع الإنسان وهو المُتسبب الأول فيها فاختراعه لوسائل التكنولوجيا التي يظن أنها تزيد من سهولة ويسر حياته فهي على العكس تماما تزيدها تعقيدا وتلوثا : عوادم السيارات الناتجة عن الوقود ، توليد الكهرباء .. وغيرها مما يؤدي الى انبعاث غازات وجسيمات دقيقة تنتشر في الهواء من حولنا وتضر بيئتنا الطبيعية . ونجد أن المدن الصناعية الكبرى في جميع أنحاء العالم هي من أكثر المناطق تعرضا لظاهرة التلوث ، بالإضافة الى الدول النامية التي لا تتوفر لها الامكانيات للحد من تلوث البيئة .
ومن أكثر العناصرانتشارا والتي تلوث الهواء : الجسيمات الدقيقة وهي الأتربة الناعمة العالقة في الهواء والتي تاتي من المناطق الصحراوية . أو تلك الملوثات الناتجة من حرق الوقود ومخلفات الصناعة بالإضافة إلى وسائل النقل وهو غاز ثاني أوكسيد الكربون والمصدر الرئيسي له هي الصناعة وخاصة الناتج عن الكميات الهائلة من الوقود التي تحرقها المنشئات الصناعية ومحطات الوقود ومحركات الإحتراق الداخلة في وسائل النقل والمواصلات والتي ينجم أيضا عنها ثاني أوكسيد اكبريت،وأيضا أكاسيد النيتروجين والتي تنتج من حرق الوقود والأوزون وياتي نتيجة تفاعل اكاسيد النيتروجين مع الهيدروكربون في وجود أشعة الشمس وهو أحد مكونات الضباب الدخاني اي السموغ وأول اوكسيد الكربون ويوجد بتركيز عالي وخاصة مع استعمال الغاز في المنازل وأيضا دخان السجائروهو من أهم اسباب التلوث داخل البيئة الصغيرة للانسان أي في المنازل والمكاتب ونذكر أيضا الرصاص والزرنيخ والفسفور والزئبق والحديد والزنك والكبريت ونذكر ايضا مركبات الكلورو فلوروكربون وهي غازات تنتج عن استخدام الثلاجات وبعض المبيدات وبعض مواد تصفيف الشعرأوالمزيلات لروائح العرق .
إن المصادر التي تعرضنا إلى التسمم بالرصاص كثيرة ومتنوعة،وهي تشمل المصاهر، والمصانع، ووقود السيارات(البنزين)، والأصباغ، والأطعمة المحفوظة في العلب المعدنية،والتربة الملوثة.وإن اللعب في التربة الملوثة واستنشاق غبار المنازل من المصادر الهامة التي تؤدي لدخول الرصاص في أجسامنا وخاصة عند الأطفال.ولذلك كانت التوصيات والتي يعمل فيها في عدد من دول العالم للتقليل من التسمم بالرصاص نزع الرصاص من البنزين.
وتتسبب ملوثات الهواء في وفاة حوالي 50 الف شخص سنويا أي بنسبة 2 بالمائة من مجمل الوفيات ويعتبر الدخان المنبعث من التبغ او السيجائر مسؤولا عن مقتل حوالي 3 مليون شخصا سنويا ومن المتوقع ان تصل النسبة الى 10 مليون شخص في الأربعة عقود القادمة .
إن ماينجم عن دخان المصانع وحرق النفايات والمخلفات الزراعية واستخدام الأفران في الصناعات المعدنية والطائرات النفاثة تنتج جميعها سحاباً يؤثر على المناخ وعلى الحياة البرية ، فالوقود المستخدم في الطائرات النفاثة الحديثة يحتوي على الهيدروجين الذي يتحد مع الاوكسجين في الهواء الجوي مما يؤدي لتشكل بخار الماء والذي يبقى في الجو لفترة طويلة . والمصانع تنتج غازات سامة ودخان كثيف وهذا الدخان لا ينتشر بسرعة بل يتراكم يوماً بعد يوم وحيث تكثر المصانع يصبح الهواء رمادي اللون، مشبع بالدخان والغازات،وهذا يؤثر على صحة الإنسان والحيوان والنبات،ويؤدي اختلاط الضباب مع الدخان إلى صعوبة التنفس لدى كثيرمن الناس وخاصة المسنين .
ولعل السيارات من أهم اسباب التلوث البيئي،فعوادم السيارات لا تحتوي فقط على غاز أول اوكسيد الفحم وهو غاز سام ولكنها تحتوي ايضاً على مركبات الرصاص التي تضاف إلى وقود السيارات لتحسين أداء المحركات،ومركبات الرصاص هذه تترسب على سطح الارض بعد انطلاقها من العوادم ،والرصاص سم خطير ويحدث العديد من الأمراض .
إن تلوث الهواء يؤدي بالتالي لتلوث الارض، فالهواء وما يحتويه من الجسيمات الضارة والغازات السامة التي تذوب بدورها في الماء، وعندما تمطر السماء أو تتساقط الثلوج ، فإن هذه الجسيمات والغازات تهبط الى الأرض مع المياه وتمتصها التربة ، وكذلك فإنها تتساقط الى البحيرات وخزانات المياه والبحار والمحيطات، وكثير من ربات المنازل لاحظن كيف يتسخ الغسيل عندما يترك على حبال الغسيل وتتساقط الامطار،مع أن ماء المطر هو بحد ذاته نقياً ، ولكن تلوث الجو هو المسؤول عن ذلك .
وإن التلوث الهوائي هو أشدّ ضرراً في المناطق الباردة منها في الحارة ، وذلك لأنه في المناطق الحارة يكون المجاور منه لسطح الأرض أكثر حرارة من الموجود في الطبقات العليا ، ولذا يرتفع الهواء الساخن ومعه الدخان الملوث الى طبقات الجو العليا فيقل ضرره على الناس،والعكس يحدث في المناطق الباردة ، فالهواء البارد لا يرتفع فيخيم الدخان الملوث على المدن ويزداد الضرر الناتج عنه .
وتلوث الهواء تنقله الرياح من مكان لأخر،فكثير من الغازات الضارة في ألمانيا وانجلترا تحملها الرياح الغربية الى شمال غرب روسيا وإلى الدول الإسكندينافية
كما أن النشاط الإشعاعي وخاصة السترونسيوم والذي ينجم عن التفجيرات الذرية يسبب تلوث البيئة وهذا العنصر الشعاعي يتساقط في المراعي التي تتغذى عليها الأبقارمما يؤدي لتلوث الألبان والحليب .
وهناك شركات غربية تعمل في مجال تخزين النفايات السامة ، وهي تستغل فقر بعض دول العالم الثالث وتعقد معها صفقات مشبوهة من أجل تخزين هذه النفايات في هذه الدول مقابل ترضية مادية متواضعة ، والمخاطر هنا لا تقتصر فقط على الدول الفقيرة بل تشمل العالم كله.
وهذه النفايات السامة تتميز بخاصتين :
1ـ أنها تتحلل ببطء شديد جداً فتتراكم في البيئة يوما بعد يوم.
2 ـ أنها مواد عالية السمية وتسبب الأمراض أوالموت اذا تسربت للإنسان والحيوان . وهذه النفايات معظمها غير مشع والقليل منها يصدر إشعاعا .
والنفايات غيرالمشعة تنجم عن أعمال التنقيب في المناجم، ومعالجة المجاري ، ومن مخلفات البناء،ومن المصانع التي تنتج مبيدات الأعشاب والحشرات ، والأدوية والأنسجة ومواد الصباغ والدهان وغيرها .
وعلى هذا يمكن أن نصنف التلوث البيئي الى الأقسام التالية :
1 ـ التلوث الغذائي : وخاصة بإستعمال المخصبات الزراعية والمبيدات ..
2 ـ التلوث المائي : ينزل الماء إلى الأرض في صورة نقية خالية من الجراثيم والعناصر الممرضة والملوثات الاخرى ، ولكن بسبب التلوث البيئي وخاصة الهوائي فإنه يصاب بالتلوث وقد يصبح غير صالح للشرب والاستهلاك اليومي وخاصة تلوث الماء بالسموم التي تطلقها المصانع من أبخرة وغازات ومايسمى ايضاً المطر الحمضي ، وهناك خطورة تلوث الماء بمخلفات الصرف الصحي التي تحمل الكثير من العوامل الممرضة الجرثومية والفيروسية والفطرية
3 ـ التلوث الإشعاعي :والذي يعتبر حاليا من أخطر الملوثات البيئية على المدى القريب أوالمدى المديد
4 ـ التلوث الهوائي : وقد تكلمنا عنه.
وتدور عجلة الزمان،ويستمر مسلسل الفساد والإفساد على مرِّ العصور وكرِّالدهور، يقوده الإنسان الذي أكرمه الله وسخّر له الكون بما فيه ومن فيه ،وجعله خليفته على الأرض، من أجل أن يتابع مسيرة الإصلاح والتعميروالبناء ولكنه منذ أن بدأت الخليقة في سنواتها الأولى أبى إلا الفساد فكان أول جريمة له على هذه الأرض أن قتل الأخ أخاه حسداً وطمعاً وظلماً وفساداً، واستمرالفساد بما جنته أيدي الإنسان فكان مما شهدته الأرض وماتشهده من كوارث ومصائب على مستوى البشر والحجر،اللهم إلا في بعض الفترات القصيرة الأمد من عمر التاريخ حيث طغى الإصلاح على الفساد، وعاد الإنسان إلى العقل والحكمة بدلاً من الرعونة والجنون، وكان ذلك عندما حكم الإنسان وقاد مسيرة الحياة وحقق رسالة الله على أرضه وملكه، وبمجرد أن ابتعد هذا الإنسان عن ربه ودينه وأنضى عنه لباس الدين والحكمة تحوّل من ملاك طاهر إلى شيطان غادر،فـألحق بنفسه وعشيره وما حوله الضرر والمرض وسوء العاقبة.
هذه خلاصة موجزة لنظرة الإسلام وهو دين الكمال والشمول الذي يتناول جميع شؤون الحياة،والذي كانت شرائعه لمصلحة الإنسان وخدمة الإنسان أثناء فترة إقامته على هذه الأرض خليفة لخالق الأكوان،ولكنه إذا ابتعد عن شريعة الله، ألحق الضرر بنفسه وبحياته التي يسرّها الله له وسخّر كل شيء من أجله،فإن لم يثب إلى رشده، ويستعين بربه، كانت نهايته على يديه، وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.