وقُل جاء الحقُّ وزهقَ الباطل

وقُل جاء الحقُّ وزهقَ الباطل

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطرج8 ص160):

“إننا نرى ما يسود العالم من الأباطيل أكثرمما يسود من الحق، فأكثر أهل الأرض خاضع لعقائد باطلة وخرافات وأوهام فاسدة ونظريات سياسية واجتماعية تدعمها الدعاية المختلفة المصطنعة ، ولو غربلت ما عليه الناس من عقائد وعادات وأوضاع وتقاليد وسلوك وأخلاق ومعاملات لرأيت فيها من الحق كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كحبة قمح تائهة في تل من تبن”.ويقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه(جدد حياتك ص49):”إن الأوهام والظنون هي التي تمرح في جنبات الأرض وتغدو وتروح بين الألوف المؤلفة من الناس، ولو ذهبت تبحث حن الحق في أغلب ماترى لأعياك طِلابه. هناك الوف الصحف والإذاعات التي تموج بها الدنيا صبحاً ومساء، ولو بالغت النظر فيما ينطقها ما وجدت إلا حقاً قليلاً يكتنفه باطل كثيف”.

نعم، هذا مانشاهده في عالمنا اليوم وواقعنا المعاصر على كل المستويات وفي مختلف الأصعدة،حيث حلّ الفساد وانتفشّ الباطل،وانتشرت شرائع الغاب تسود وتحكم،وتصول وتجول،في كل أرجاء الأرض والعالم، وأصبح حالنا كما يقول الشاعر:

إذا جفا الحق أرضاً هان جانبها                     كأنها غابة من غير رئبال

هذا من جهة، ومن جهة اخرى فإن الله الحقّ خلق السموات والأرض بالحقّ{ ربنا ماخلقت هذا باطلاً}،ووضع الميزان }{والسماء رفعها ووضع الميزان} ،وأمر خليفته على الأرض أن يحكمها وفق شريعة الله القائمة على الحق {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق}[ص26] ، فإذا لم يتحقق حكم الله ظهر الفساد وحكم الباطل،يقول الإمام مالك بن أنس”إذا ظهر الباطل على الحق ظهر الفساد في الأرض”،فهل هذا قدرنا أن نعيش تحت جور الباطل وحكم الفاسدين المفسدين في الأرض، وهل هذا قدرنا أن نعيش عصر الطغاة البغاة اصحاب الجبروت والطاغوت؟

إن الباطل ومنذ أن خلق الله الأرض ومن عليها فإن له جولة وللحق جولات، وإن الحق قد يصاب بالنكسة وربما النكسات ولكن العاقبة كانت دائماً للحق وأهله والنصر كان دائماً حليف الحق وأهله، هذا ماتخبرنا به أيات الله وسنة نبيه العظيم، وهذا مايقدمه لنا التاريخ وأحداثه، فمهما طال الظلام لابد أن يظهر النور، ومهما طال الليل فإن بعده فجر بازغ وشمس ساطعة تطرد خفافيش الظلام،وتعيد الأمن والطمأنينة والدفء للأنام.ومهما علا الباطل فماهو إلا زَبد يعلو أمواج البحار ومصيره إلى الانمحاق والزوال مع أول موجة قوية تلقي به إلى شواطئ البر والأمان فيتكسر على صخورها ويدفن في رمال ترابها.

نعم إن الباطل إلى زوال والحق لابد له من الانتصار، ولابد من إحقاق الحق بعد كل دورة من دورات الزمان عاث فيها الباطل فساداً،ولابد من انتصار الحق لتعود موازين الأرض إلى ما أنشأها الله عليها وتقوم من جديد على الحق والعدل ،إنها سنة الله :{ولن تجد لسنة الله تبديلاً}{ولن تجد لسنة الله تحويلا}.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز:{بل نقذف بالحقِّ على الباطلِ فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون}[الأنبياء 18].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“والتعبير رسم هذه السنّة في صورة حسية حيّة متحركة فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة تقذف به على الباطل فيشق دنماغه! فإذا هو زاهق هالك ذاهب.

هذه هي السنة المقررة،فالحقّ أصيل في طبيعة الكون،عميق في تكوين الوجود.والباطل منفي عن خلقة هذا الكون أصلاً،طارىء لا أصالة فيه،ولا سلطان له،يطارده الله،ويقذف عليه بالحق فيدمغه،ولا بقاء لشىء يطارده الله،ولا حياة لشىء تقذفه يد الله فتدمغه.

ولقد يخيل للناس أحياناً أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشاً كأنه غالب،ويبدو فيها الحق منزوياً كأنه مغلوب.وإن هي إلا فترة من الزمان،يمد الله فيها ما يشاء،للفتنة والابتلاء،ثم تجري السنّة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض ،وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء.

والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده،وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه،وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه.فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حيناً من الدهر عرفوا أنها الفتنة،وأدركوا أنه الابتلاء،وأحسوا أن ربهم يبتليهم لأن فيهم ضعفاً أو نقصاً،وهو يريد أن يعدّهم لاستقبال الحق المنتصر،وأن يجعلهم ستار القدرة،فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف..وكلما سارعوا إلى العلاج قصر الله عليهم فترة الابتلاء،وحقق على أيديهم ما يشاء.أما العاقبة فهي مقررة”بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه” والله يفعل ما يريد.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:

إن الباطل كان زهوقا“…حقيقة لدنية يقررها بصيغة التوكيد.وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة.فالباطل ينتفخ ويتنفج وينفش،لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة،ومن ثم يحاول أن يموه على العين،وأن يبدو عظيماً كبيراً ضخماً راسخاً،ولكنه هشّ سريع العطب،كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عالياً ثم تخبو سريعاً وتستحيل إلى رماد،بينما الجمرة الذاكية تدفىء وتنفع وتبقى،وكالزبد يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء.

إن الباطل كان زهوقا“…لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته،إنما يستمد حياته الموقوتة من عوامل خارجية وأسناد غير طبيعية،فإذا تخلخلت تلك العوامل،ووهت هذه الأسناد تهاوى وانهار.فأما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده،وقد تقف ضده الأهواء وتقف ضده الظروف ويقف ضده السلطان…ولكن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى ويكفل له البقاء،لأنه من عند الله الذي جعل”الحق”من أسمائه وهو الحي الباقي الذي لا يزول.

إن الباطل كان زهوقا”…ومن ورائه الشيطان،ومن ورائه السلطان،ولكن وعد الله أصدق،وسلطان الله أقوى،وما من مؤمن ذاق طعم الإيمان،إلا وذاق طعم حلاوة الوعد،وصدق العهد،ومن أوفى بعهده من الله؟ومن أصدق من الله حديثاً”.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

“مهما بدا الطريق مسدوداً، مهما بدا مظلماً موحشاً، مهما عربد فيه زبانية الظلم ونسجت فيه عناكب اليأس ونعقت فيه أغربة الموت، لابد أن تأتي لحظات يشع فيها نور، وتنفتح فيها ثغرة، ويكون من ورائها تحول. المهم دائماً: ألا نفقد الإيمان والأمل والعزم والرؤية البعيدة والصبر الجميل.المهم ألا يفترس اليأس قلوبنا وإرادتنا وكرامتنا وثقتنا بربنا وأنفسنا ومستقبلنا وألا نسقط أبداً أبداً على ركبنا راكعين ساجدين، مستسلمين للقنوط والطاغوت، وألا نتوقف لحظة واحدة عن السير الحثيث إلى الغاية والنهوض القوي الأمين بالواجب.إن لحظات النور والفرج والتحول التاريخي ستأتي، ما في ذلك شك ولكن لن يستفيد منها إلا من انتظرها وسهر لها وكدح من أجلها ورفع نفسه إلى مستواها ومستوى الأستفادة منها على كل صعيد ممكن” ويقول ايضاً حفظه الله: ”

عندما تَغور النجومُ في السماء

وينفرد الظلام بالسلطان

عندما تعوي الغرائز والأهواء

وتفترس العقل والضمير

عندما تطارد أشباح الموت عرائس الحياة

عندما يغوصُ خنجر اليأس في قلب الأمل

ويخنق القنوط أجنّة المستقبل

عندما تملأ كلمة اليأس الصدور والأفواه والأذان

ويتردد في كل مكان على كل لسان

لا فائدة..لا فائدة..لا رجاء

عندها تنتقل النجوم والشموس والآمال إلى بعض الصدور

ويبدأ من داخلنا انبثاق الفجر والأمل من جديد وتنفتح بنا صفحة جديدة للحق والخير والنور في هذا الوجود.

فالحق منتصرٌ لا محالة:

لأن الله تعالى الحق يقول:{وكان حقاً علينا نصر المؤمنين} ويقول تعالى:{ولينصرن الله من ينصره}، فالله قد بينّ وبشكل لايدعو للبس بحتمية انتصار الحق وانكسار الباطل ولكن الشرط في تحقيق ذلك وجود“المؤمنين“و”لينصرن الله من ينصره“، فلابد من توفر دعاة الحق الذين يؤمنون به حق الإيمان ويعتقدونه حق اليقين، يدافعون عنه ويضحون من أجله، ويذودون عن حياضه، ويصبرون على اللأواء والشدائد والصعاب ويتحملون من أجله ماتعجز عن حمله الرواسي، ويكونون على ثقة ويقين أنه مهما تكاثفت الظلمات، ومهما اشتدت الأزمات ،فإن شعاع الشمس لا يخفى وأن نور الحق لا يُطفأ.

وهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها قافلة تتلو قافلة ،وطائفة تتبع طائفة ،وقد بشرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف المتفق عليه عن ثوبان رضي الله عنه”لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك”

إن هذه الطائفة التي تمضي وقد خذلها الناس، وتتابع السير وقد  خالفهاالناس و حاربوها  بكل الوسائل، تمضي لايهمها خذلان الخاذلين ولا مخالفة المخالفين، ومحاربة المحاربين،لأنها ارتبطت قلوباً وعقولاً ومصيراً بالله رب العالمين،يحسّون بأنهم بربهم أقوى من الدنيا ولو خذلتهم كل الدنيا،ويبقون على هذا التصميم والسير في طريق الحق حتى يأتي أمر الله .

يقول الأستاذ العلامة الشيخ محمد لطفي الصباغ رحمه الله في مقال له بعنوان”طوبى للغرباء”:

“يشعر كثيرٌ من المسلمين اليوم في بعض بلدان العالم الإسلامي بغربة شديدة،ذلك أن هذه البلدان يغيب فيها حكم الله،ولا يحتكم الناس فيها في محاكمهم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتراهم يعلنون الشعارات الجاهلية من قومية واشتراكية ونحو ذلك.وقد توقع هذه الغربة بعض الناس بالحسرة والحزن،واليأس والإحباط،ولكن ينبغي للغرباء ان يسعدوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح”فطوبى للغرباء”.

طوبى لهم،لأنهم ثبتوا على الحقِّ حين انحرف كثيرٌ من الناس إلى الباطل.

طوبى لهم،لأنهم استقاموا على الطريقة القويمة،فقاموا بما أمر الله به،وانتهوا عما نهى الله عنه.

طوبى لهم،لأنهم لم يُبالوا بالأعراف الدخيلة عليهم،بل انطلقوا في هذه الحياة يتعلمون دين الله ويُعلمونه،ويدعون إلى الله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدا، فطوبى للغرباء”[رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه والدارمي].

نعم بدأ الإسلام غريباً…لقد واجه الإسلام العالم وهو يقوم على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان،وتسوده الجهالة الجهلاء،ظلماتٌ بعضها فوق بعض،وتصوره كلمة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة،إذ قال:”أيها الملك كنّا قوماً أهل جاهلية،نعبد الأصنام،ونأتي الفواحش،ونقطع الأرحام،ويأكل القويُّ منا الضعيف،فكنّا كذلك حتى بعث الله فينا رسولاً منا”.

لقد كان الإسلام أمراً غريباً،أثار عجبَ الوثنيين، قال الله تعالى:{بل عَجِبوا أن جاءهم منذرٌ منهم فقال الكافرونَ هذا شيءٌ عجيبٌ*أئذا مِتنا وكنّا تُراباً ذلكَ رجعٌ بعيد}[ق2 ـ 3]،وقال تعالى:{وعجبوا أن جاءَهم منذرٌ منهم وقال الكافرونَ هذا ساحِرٌ كذّاب*أجعلَ الآلهة إلهاً واحداً إنَّ هذا لشيءٌ عُجاب}[ص3 ـ 4].

ويتابع الأستاذ محمد لطفي الصباغ رحمه الله:”إن الغربة قد تحدث،ولكن يبقى الإسلام في يقيننا هو الدين الحق،قال الله تعالى:{إنّ الدين عند الله الإسلام}[آل عمران19]،فمهما عظمت غربة هذا الدين فهو الدين عند الله،ونحن مأمورون بإتباعه مهما كانت الظروف التي تحيط بنا،قال الله تعالى:{ومن يبتغِ غيرَ الإسلامِ ديناً فلن يُقبل منهُ وهو في الآخرة من الخاسرين}[آل عمران85]، والمتمسك بالإسلام في حال غربته هو أسعد الناس كما جاء في الحديث الشريف”فطوبى للغرباء”.

ألا فليطمئن الغرباء،إن المستقبل للإسلام إذا هم استمسكوا بأحكام الإسلام،فوعد الله حق لا يتخلّف،يقول تعالى:{إنا لننصرُ رُسُلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقومُ الأشهاد}[غافر 51]،ويقول تبارك وتعالى:{وعدَ الله الذينَ آمنوا منكم وعملوا الصالحاتِ ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لايشركون بي شيئاً ومن كفرَ بعدَ ذلك فأولئكَ همُ الفاسقون}[النور55].انتهى كلام الأستاذ الصباغ.

إذا وجد هؤلاء الدعاة فإن انتصار الحق مسألة وقت لا أكثر حتى تُستكمل أسباب النصر، وإن لم يتواجدوا فعلى دعاة الحق أن يسبروا أغوار شخوصهم وعالمهم وأحوالهم ويكتشفوا ماهو الخطأ الذي يمنع من تحقيق النصر، لأنه لن يتم قبل أن يغيروا ما بأنفسهم حتى يكونوا أهلاً لأن يكونوا دعاة الحق ورسل الله على الأرض لتحقيق موعود النصر بهم:{إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، وإذا لم تتوفر بهم شروط تحقيق النصر فالنصر آت ولاشك وبدون أدنى ريبة فإن الله سيبعث أقواماً أخرين يحققون في أنفسهم صفات دعاة الحق ورسل الله على الأرض ويتحقق النصر الموعود على أيديهم وبفضل جهودهم وإيمانهم وصدق يقينهم:{أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين}هؤلاء من ينصرون الحق وينشرونه من جديد.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص54):

“فإذا عرف الإنسان الحقائق المتصلة به،وسَبرَ غَورها جميعاً دون دهشة أو رَوع، بقيت أمامه الخطوة الأخيرة، وهي أن يتصرّف بحزم وقوة، وأن ينفِّذ القرار الذي انتهى إليه بعزم صادق”.

أجل.. فإن للبحث والتبصر أجلاً يتضح بعده كل شئ،ولايبقى مكان إلا للعمل السريع وفق ماهَدت إليه الرويّة واستبانة الصواب،وقد قال الله عزّ وجلّ:{ وشاورهم في الأمر فإذا عزمتَ فتوكل على الله إنّ الله يحبُّ المتوكلين}[آل عمران 159].

والحقُّ منتصرٌ لامحالة:

لأن الباطل مهما صال وجال، ومهما ثار وفار،فإن كيده ضعيفاً، ومصيره للإنمحاق والزوال،وإنه إذا استطاع أن يخدع بعض الناس بعض الوقت غير أنه لا يستطيع أن يخدع كل الناس كل الوقت،مهما تعدّدت أساليبه ومهما تنوّعت حيله، يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(هكذا علمتني الحياة):

“تحدى الباطل الحق يوماً فقال له:إن عندي من الوسائل ما أغطي به وجهك عن الناس. فأجابه الحق: وعندي من القوة ما أهتك به تغريرك بالناس. قال الباطل: سأظل ملاحقاً لك بالأكاذيب حتى تمل.قال الحق:سأهتك سترك الجديد كما فعلت بالقديم.قال الباطل:سأظل متتبعاً لك بالأكاذيب حتى تمل.قال الحق : لن أمل مادام للكون إله عادل، وللناس عقول وفكر.قال الباطل: وما أكثر الناس ولو حرصت بمفكرين.قال الحق:وما أكثر دعاتي ـ ولو غضبت ـ بيائسين.قال الباطل: هبك أقنعت الناس فإن سندي إبليس باق إلى يوم يبعثون.قال الحق: ولكن ربي هو الذي يحكم بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، يوم يكون سندك الأكبر يتلظى في نار جهنم هو وأتباعك جزاءً وفاقاً كما كنتم في الحياة تفسقون”.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

“صدّقوني إنّ الباطل حقيرٌ ضعيف زائل ولو أمسك بصولجان سُلطة أو حمى نفسه ببروج مشيّدة،وملك أفتك مافي العالم من سلاح، فلا تذلّوا له ولا تجعلوا أنفسكم سَدنته، ولا تكونوا معه رغبةً أو رهبةً ضد الحق، أو تتخلوا له خوفاً أو طمعاً عن الحق”

ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه:

“الحقُّ صخرة عاتية لا تزعزعه العواصف ولا تعبث به عاديات الأيام،والباطل لا قوة له وإن اجتمعت في يده جميع القوى”.

والحقُّ منتصرٌ لامحالة:

وإن شُرّد أتباعه وذبحوا أو سجنوا أو عذبوا…فعامل الزمان يعمل لصالح الحق ، ودعاة الحق كأمواج البحر المتلاطمة، قد يتكّسر بعضها على الصخور، ولكن الأمواج تتبع الأمواج،والقافلة تتبعها القوافل،ومهما طال ليل الباطل والظلام فإن شعاع الفجر وخيوط النور آتية لامحالة.يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:”تمشّى الباطل يوماً مع الحق. فقال الباطل: أنا أعلا منك رأساً.قال الحق: أنا أثبت منك قدماً.قال الباطل: أنا أقوى منك.قال الحق: انا أبقى منك. قال الباطل: انا معي الأقوياء والمترفون. قال الحق: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون}. قال الباطل: أستطيع أن أقتلك. قال الحق: ولكن أولادي سيقتلونك ولو بعد حين”

إنّما الحق الذي ماتوا له                              حَقُّنا نمشي إليه أين كانا

لا يموت الحق مهما لطمت                         عارضيه قبضةُ المغتصب

والحقُّ منتصر لامحالة:

وإن  بدا لأعشى البصر وأعمى البصيرة أنه راكدٌ لا يتحرك، ساكتٌ لا ينطق، ولكن خلف سكون البحرأمواجٌ تتحرك، وإعصارٌ يتأهب، ومن وراء آهات الحزين قد تتحول إلى زئير لا يرحم” ومن الحق جذوة لفحها حرّر الأمم”

هو الحقُّ يبقى راكداً فإذا طغى                     بأعماقه السخطُ العصوف يدمدمُ

وينحطُّ كالصخر الأصّم إذا هوى                  على هام أصنام العتو فيحطم

والحقُّ يبدأ في آهات مُكتئبٍ                     وينتهي بزئير ملؤه نِقَمُ 

قل لمن حددّ القيود رويداً                          يعرف الحقُّ أن يفك قُيوده  

والحقُّ منتصرٌ لامحالة:

قد يكون للباطل ساعة، ولكن الخلود للحق حتى قيام الساعة،وللحق دولة وللباطل جولة،وصولة الحق في ساعات تقضي على ما بناه الباطل في سنوات،والغالب بالشرِّ مغلوب كما يقول عمر الفاروق رضي الله عنه،ومن صارع الحق صرعه كما يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه،والحقُّ حليم والباطل سفيه كما يقول الشيخ محمد عبده رحمه الله، ولولا إيماننا بخلود الحق  لحسدنا أهل الباطل كما يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله، والحقُّ يعلو ولا يُعلى عليه.

فأنا للحق كالبرهان لا يترك زوراً                         وعلى الباطل كالبركان ويلاً وثبورا

الباطل صولته وسيادته سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، ومآل الباطل في الدنيا إلى زوال، وفي الآخرة إلى الدرك الأسفل من النار، فلا تحسدوا الباطل على سيادته الزائفة، فإنما هو “كالهر يحكي انتفاشاً صولة الأسد”

يقول ابراهيم بن العباس الصولي(معجم الأدباء لياقوت الحموي ج1 ص122):”ووجدَ أعداءُ الله زُخْرف باطلهم وتمويه كذبهم سراباً بقِيعةٍ  يحسبهُ الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، وكوميض برقٍ عَرَضَ فأسرع، ولمع فأطمع،حتى انحسرت مغاربه، وتشّعبت مُوَليّةً مذاهبه، وأيقن راجيهِ وطالبه ألا ملاذَ ولاوَزَر ولا مورد ولا صَدَر،ولا من الحرب مفر، هناك ظهرت عواقب الحق مُنجيّةً، وخواتم الباطل مُردية، سنة الله فيما أزالهُ وأدالهُ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولا عن قضائه تحويلاً”

والحقُّ قادمٌ آتٍ لامحالة:

إنه وعد الله ومن أصدق من الله حديثاً :

{وعدَ الله حقَّاً ومن أصدقُ من الله قيلا“} [النساء 122]،{ويُريدُ اللهُ أن يُحِقَّ الحَقَّ بكلماتِهِ ويقطعَ دابرَ الكافرين} [الأنفال 7]

{ألا إنَّ وعدَ الله حقٌّ ولكنَّ أكثرَهُم لا يعلمون} [يونس 55]،{ وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون[الروم 6]

 {وقُلْ جاءَ الحقُّ وزهقَ الباطلُ إنَّ الباطلَ كان زهوقاً} [الإسراء81]،{بل نقذِفُ بالحَقِّ على الباطلِ فيدمَغُهُ فإذا هوَ زاهقٌ} [الأنبياء 18]

{قُلْ جاءَ الحقُّ وما يُبدئُ الباطلُ وما يُعيد}[ سبأ 49]،{ ويَمحُ اللهُ الباطلَ ويُحِقُّ الحقَّ بكلماتِهِ إنَّهُ عليمٌ بذاتِ الصدور}[الشورى 24].

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

“وثقوا أيها الاخوة مهما كانت المصاعب والعقبات، ومهما كانت قوّة العدو الظاهر والمُقّنع أننا سنحوّل الجزر إلى مدّ، والهزيمة إلى نصر بإيماننا العظيم بالله وباليوم الأخر وبثقتنا بالله وصدق اعتمادنا عليه وبوعينا العميق لديننا وواقع أمتنا وعالمنا واستبانتنا الواضحة لأهدافنا ووسائلنا وتصميمنا القاطع على الجهاد الدائب والتضحية المستمرة حتى تكتب لنا الشهادة أو النصر،و لابد أن ينتصر الحق هذه عقيدتنا التي لا تكون إن جحدناها مسلمين. لا بد أن ينتصر الحق مهما كانت جولة الباطل وأوهمت بخلاف ذلك الظواهر، ولا بد أن ينتصر جند الله المؤمنون عندما ينصرون الله ويأخذون بما أوجب الأخذ به من الأسباب”.

ويقول الأستاذ عصام العطار أيضا:

أكُلّما غابتِ الشمس توهمنا أنها لن تعود

وكُلّما عمَّ الظلامُ حسبنا أنه لن يزول

وكُلّما هيمن الباطل ظننا أنه لن يضمحل

وكلما ساد الظلام خفنا أنه لن يندحر وينحسر

يا أخواني وإخوتي ثقوا كل الثقة بنواميس هذا الكون:

إن الشمس الغائبة ستشرق من جديد

وسَتشُّلُ مواكب النور أطباق الظلام

ويدفعُ الحقّ الباطل، ويزهق الباطل في مواجهى الحق

ويكون الظلمُ ظلماتٍ عللى أصحابه في الدنيا والأخرة

نعم، الحقُّ والله آتٍ لامحالة، تعلو رايته، ويعلُّ الناهل من نبعه، ويرتوي الصادي من عطشه وظمأه،قادماً لامحالة واطئاً داعساً على هامات الباطل، مُذكياً نيران الحق والعدل ، ويبعث الروح في النفوس الخامدة، ويبعث الضياء والنور في الآفاق الغائمة المكفهرة، ويرسل نفحة القوة في النفوس الضعيفة، ويبعث الربيع الممرع، ويُحي الروح المبدع،ويعلو نداء الحق في  قمم الجبال، وفي سفوح الوديان،ومدارج السبل، مبشراً بقدومه ونذيراً شؤماً على خصومه اعداء الحق والإنسانية”

{وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}

وأخيراً أنشر مقالاً كنت قد كتبته قبل أكثر من عشرين سنة يتكلم عن أن المستقبل للإسلام وأن النصر آتٍ لامحالة بعنوان.

أما آن لهذا الجزر أن يعقبه مدّ؟

إننا نعيش ـ نحن المسلمين ـ ومنذ عشرات السنين حرباً طاحنة ضروس لا هوادة فيها ولا رحمة، ولا أمان فيها ولا راحة،تهدف إلى استئصال شأفة الإسلام والمسلمين، يقودها ويُسّعر سعيرها شياطين الإنس من عبيد البقر والعجل والأوثان والصليب والسلطة والشهوات.

ولكن هذه الحرب، كغيرها من الحروب التي فرضت على الإسلام،مصيرها إلى الفشل الذريع،وسوف يصطلي بنارها من أشعل جذوتها،وأوقد جمرتها،ولكي يتحقق موعود الله لنا بالنصر، لابد من وجود النخبة المؤمنة، التي تتصدّى لمجموعة الشر وتواجهها بطلائع الخير،وإننا لنلمح طلائع هذه النخبة، ونشهد ميلادها في كثير من بلاد المسلمين،ولكن لابد لهؤلاء الأحبّة أن يستوعبوا بعض الحقائق وأن يتعرفوا على بعض الأمور لكي تكون العاقبة لهم،ولكي يتحقق موعود الله بهم ومن خلالهم:

1ـ يجب أن يكون ارتباطهم بالله ارتباطاً وثيقاً لا انفصام له،واتصالهم بمنهج الله شديداً لا انفصال معه،مهما كانت الظروف، ومهما عظمت التضحيات. يجب أن يدركوا أن الإيمان بالله وبمنهجه القويم، قرين الروح للجسد،وبمثابة الدم الذي يسري في العروق ويغذي كل خلايا البدن،إنه بالنسبة لهم كاحمرار الوردة، واخضرار الشجرة،ووهج الجمرة المتقدّة لا يمكن الفصل بينها إلابالقضاء التام عليها.

2 ـ ويجب أن يعلموا، أنه ليس بالشنار على الإسلام إن لم يصل إلى هدفه بعد وثبة أو وثبات،أو من خلال جيل أو عدة أجيال،أو على مدى قرن أو عدة قرون، ولكن الشنار كل الشنار أن يقعد أفرادها قعدة البائس اليائس، قعدة المنهوك المقهور،قعدة الخاسر الحائر، وليعلموا أن اليأس والإيمان لا يجتمعان أبداً في قلب مؤمن موحد، مهما كانت الظروف، ومهما  كانت العقبات والخسائر.

3 ـ وليعلموا أيضاً، أن هناك هدف لابد من الوصول إليه،والسعي من أجله، وأن لا يجعلوا الوسيلة مقام الهدف،وأن لا تشيح هذه الفئة بوجهها عن الهدف قائلة أنه خيال،أو ضرب من المحال،أو تتخلى عنه من أجل زخرف زائف، أو متاع زائل،والحذار الحذار أن تستبدل نور الشمس الساطع بضوء ذبالة فتيلة خادع، فما أبعد الفرق بينهما.

4 ـ ويجب أن يفرقوا بين الضعف والتخلف الموقوتين في حال المسلمين، وما بين تعاليم الإسلام الثابتة، وروحه الخالدة،التي لا تعرف الحدود، ولا تتقيد بحدود الزمان والمكان.

5 ـ ويجب على هذه الفئة المؤمنة أن تسعى إلى الهدف المرسوم بخطى لا تردد فيها،وعزم لا التواء فيه،وإرادة لا تعرف الهزيمة، وهمّة لا يعتريها شك أو ارتياب.

وعندها، سوف يتراجع هذا الجزر الذي نعيشه في هذه الأيام على مختلف المستويات وعلى جميع الأصعدة، وسوف يتبعه إن شاء الله مدّ رباني:

ـ يحمل معه النماء والعطاء،ولا يحمل معه عتو العواصف، وصخب الزلازل، وزعازع الأنواء،وهدير الرعود

ـ ويحمل معه الدواء والشفاء، ولا يحمل معه روح الانتقام، وحب التدمير والفناء.

ـ ويحمل معه العدالة والمساواة والحرية للبشرية،التي قتلتها الشرائع الوضعية، ومسخت قيمها الحضارات القائمة على العنصرية والعصبية.

ـ ويحمل معه نور الله،يبدّد الظلمات المتراكبة،والمصائب اللازبة،ويرسل الأشعة الحانية التي تبعث الحياة: في النفوس التي سُبيت،والأفكار التي سُجنت،والأرواح التي بالوساوس والشكوك قد ابتليت،وبالقلوب التي بالأسى والشقاء قد مزقت.

ويتساءل المحبون بلهفة وإشفاق……ماهو مستقبل الإسلام؟

ويتغامز الحاقدون بمكر ونفاق……. متى ينتهي الإسلام؟

ونقول للمحبين…. لا تفزعوا… ونقول للحاقدين…. لا تُخدعوا

فإننا على ثقة ويقين بموعود الله لنا، وبنصره الأكيد، ونجيبكم على سؤالكم، ما هو مستقبل الإسلام؟ فنقول:

إن المستقبل…. للإسلام العظيم، والإسلام هو المستقبل الكريم، مهما علا الباطل وأربد، ومهما انتفش الطاغوت وأرغى وأزبد،فالباطل إلى زوال وانسحاق، وستعلو رايات الإسلام خفاقة في الأفاق.

ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريباً، { وتحسبونه بعيداً ونراه قريباً}