الحقُّ الضائع

الحقُّ الضائع

الحقّ واحد لايتعدّد، أزلي أبدي لايبلى ولايتجدّد،قوي صالح لكل زمان ومكان،على مرِّ الأيام، وكرِّ الاعوام،فإذا رأيت حقّاً مُضيّعاً، فالضعف لا يكمن في كينونة الحقّ وجوهره،بل في أنصاره ودعاته وحملة راياته،وإذا رأيت باطلاً سائداً وظلماً طاغياً، فليس لأن أنصار الباطل أقوياء، بل لأن دعاة الحق ضعفاء، وإذا استنوقت الجمال ياصاحبي فمن الطبيعي أن تستنسر البغاث!

والضعف في أنصار الحق والداعين إليه له صور متعددة وأشكال مختلفة، منها مايظهر واضحاً جليّاً للعيان ولكل من له عينين،ولكن الكثير منها مستترٌ خفي قد لا يخطر على بال،وقد يكون على مستوى القادة والروّاد، وقد يكون على مستوى القواعد والأفراد،وقد يكون الضعف عن خبث نية وسوء طويّة،وقد يكون عن سذاجة وغفلة في التعامل مع متغيرات الحياة مع توفر حسن النية وإخلاص الهوية.

فالحقُّ ضائع:

إذا لم يكن دعاته أقوياء :علماً وعملاً، تطبيقاً ومثابرةً واستمراراً،وعياً وإدراكاً،شجاعةً وإخلاصاً وتضحيةً في صفوف متراصّة تحت قيادة رشيدة واحدة.يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: “لا ينتصر الباطل إلا بضعف الحق، فلا تجعلوا أنفسكم سبباً في انتصار الباطل في بلادكم أو في عالمكم أو في أي ميدان من ميادين الحياة وإلا كنتم وإن لم ترغبوا أو تعترفوا شركاء الباطل في جرائمه”. وجاء في العقد الفريد(ج5 ص109): “قال عمرو بن العاص رضي الله عنه”من أعجب الأشياء غلبة من لاحقّ له ذا الحق على حقه، فأجابه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه”أعجب من ذلك أن يعطى من لاحق له ماليس له بحق من غير غَلَبة”

والحقُّ ضائع:

إذا كان الداعية إليه لم يؤت نصيباً واسعاً من العلم والمعرفة،وإنّما يدعو إليه حماسةً  وانفعالاً، فالحقّ إذا لم يصاحبه العلم الذي ينير السبل، ويُوضّح الحقائق،هو حقًّ مضاع.يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله: “توضيح معالم الحق يجب أن يسبق الدعوة إليه وإلا كثر المختلفون الذين يدّعون أنهم يمثلون الحق أو يدافعون عنه وأكثرهم مبطلون أو مستغلون”. ويقول الأستاذ عصام العطار”شريك المبطلين في باطلهم من يساعدهم بجهله على الباطل ولا يُكّلف نفسه عناء المعرفة والبحث عن الحق”،وقديماً قالوا ياصاحبي: إنّ مقاتل المرء تبدو متى عالج عملاً ليس منه بسبيل!

والحقُّ ضائع:

إذا لم يصدق القول العمل وحسن التطبيق. يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:

“شرُّ الدعاة إلى الحق من يكذب بعمله وسيرته ما يدعو إليه بلسانه ومقالته”، ويقول عتبة بن أبي سفيان(العقد الفريد ج4 ص 196)في هؤلاء القوم من الناس الذين عندهم جرأة القول والجبن عند العمل يقول:”خَفَّ على ألسنتكم مدحُ الحق ولا تفعلونه،وذم الباطل وأنتم تأتونه، كالحمار يحمل أسفاراً أثقله حملها ولم ينفعه ثقلها”. وجاء في العقد الفريد(ج4 ص24)”قدم أعرابي إلى السلطان فقال له: قُلِ الحق وإلا أوجعتك ضرباً، فقال له: وأنت فاعمل به، فوالله ما أوعدك الله على تركه أعظم مما توعدني به”.

والحقُّ ضائع:

إذا فترت العزائم بعد نشاط، وتقاعست الهمم بعد سعي ودأب،ودبّ الكسل والملل إلى النفوس، بحيث لم تتابع المسير في نشر الحق والدعوة إليه. يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:

“أعظم مصيبة للحق في جنوده اليوم فتورعزائمهم، وقد كانوا في صدر الإسلام يكهربون الدنيا بنبضات قلوبهم”.

إن الاستمرار في نشر دعوة الحق هو من أهم الأمور التي تساعد على تحقيقه وتبليغ دعوته وجلب الأنصار إليه وتحريك الطاقات الكامنة التي تعمل له. يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج9 ص1979) :

“كما علمتني التجارب أن الناس إزاء هذا(أي الدفاع عن الحق) أصناف ثلاثة: قليلون جداً ينصرون الحق ويتشجعون في الجهر به والدفاع عنه،وقليلون أيضاً مجرمون يقفون في وجه الحق لأسباب تافهة ومصالح شخصية كاذبة باطلة،واكثر الناس يحبون الحق، ويحبون نصرته ولكن ينتظرون أحداً يجهر به ليكونوا أتباعه، إذا جهر به تبعوه، وهم إلى نصرة الحق أقرب منهم إلى نصرة الباطل، وإلى نصرة المدافع عن الحق ولو كان صغيراً اقرب من أن ينصروا الباطل أو المبطل ولو كان كبيراً”

ويقول الأستاذ عصام العطار:

“لا تبالغوا في إساءة الظن بالإنسان ، ولا تقطعوا الأمل من استجابة الناس للحق مهما بدا في أول الأمر من الصدّ والإعراض، فقد يكون من وراء صخور القلوب البادية للعيون، ينابيع كامنة للإيمان والخير.ولكن أين من يُفجّر بإيمانه وصدقه وصبره ومثابرته ووعيه واقتداره هذه الينابيع الكامنة ليكون لنا من بعض هؤلاء المعرضين الأن ما كان في الماضي من عمر بن الخطاب وخالد ابن الوليد وأمثالهما على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم والسابقين الكرام من أصحابه إلى الإسلام”

نعم ، إننا وللأسف الشديد  مانلحظه اليوم هو استماتة أهل الباطل في الدفاع عن باطلهم، وفتور أهل الحق في الدفاع عن حقوقهم، ورحم الله أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما خاطب بعض أتباعه(العقد الفريد ج4 ص192) :”فواعجباً من جدّ هؤلاء في باطلهم وفشلكم في حقكم،حتى اصبحتم غرضاً، تُرمونَ ولا تَرمون، ويُغارُ عليكم ولاتُغيرون،ويُعصى الله فيكم وتَرضون، يا أشباه الرجالِ ولا رجالِ،ويا طغام الأحلام،ويا عُقولَ ربات الحِجال”

ويقول الأستاذ عصام العطار:

“لو بذل ادعياء الإسلام في محاربة اعداء الله المبطلين عُشر ما يبذلونه في حرب اولياء الله الصادقين لأنتصر الإسلام من زمن بعيد ولكن من النفوس من ينشط في الباطل مالا ينشط في الحق، ويندفع لأهوائه ودنياه مالا يندفع لآخرته ومرضاة الله عز وجل.ويقول الشيخ محمد عبده رحمة الله عليه”بقاء الباطل في غفلة الحق عنه”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(فصول إسلامية ص208):

“حقيقة اعترف بها وذقني من الخجل تضرب صدري وبصري من الحياء إلى الأرض، هي ان أهل الباطل لهم من إيمانهم بباطلهم وحماستهم له ودفاعهم عنه وبذلهم في سبيله المال والنفس أكثر مما لنا(نحن أهل الحق) من الإيمان بحقنا، والجهاد في سبيله، وحمل الأذى في الذود عنه، إنهم يمشون إلى مجاهل الأرض، يسكنون أكواخاً كأنها قبور، ويصبرون على معاشرة أصحابنا ليدعوهم إلى ما يؤمنون هم به،ومنهم من يقاتل في سبيل معتقده الأرضي أقوى دول الأرض وهو ماضٍ لا ينثني، ونحن، نحن المؤمنين بأن الجهاد أصل من أصول ديننا، نحن الذين نؤمن بأن شهيدنا حي في ضيافة ربنا، نحن أبناء من مشوا على أرجلهم من المدينة إلى قلب فرنسا من هنا، وقلب الهند من هناك ففتحوها كلها، لا ليأكلوا خيراتها، بل ليهدوا إلى الحق اهلها ويحملوا إليهم من هذا الخير الّي أنزله الله من السماء على غار حراء، نحن ننتهي إلى هذه النهاية…”

والحقُّ ضائع:   

إذا قلّ وعي القيادة والأفراد، وانجرّوا إلى الحلول الوسط ومهادنة الباطل بما يُسمى”أنصاف الحلول”،ومداهنة الظالم بما يُسمى”الواقعية”، فإن من وراء هذه الحلول الإنهزامية،  والدعوات الباطلة ضياع الحق وانتصار الباطل، لأنه لا يمكن للباطل والحق أن يلتقيا، كما أنه لايمكن اجتماع الليل والنهار، والنور والظلام،وإن الحق الذي يستنصر بالباطل يُسيّره الباطل كما يشاء.يقول الشهيد عبد القادر عودة رحمه الله(الإسلام وأوضاعنا القانونية) : “إن الدستور الأساسي للمسلم هو الشريعة الإسلامية فكل قانون وضعي جاء  متفقاً مع نصوصها أو مسايراً لمبادئها العامة أو روحها التشريعية فهو على العين والرأس يطيعه المسلم بأمر الله، وكل قانون جاء على خلاف ذلك فهو في الرّغام وتحت الأقدام، ولا كرامة لما يخالف الإسلام ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”، يقول الأستاذ عصام العطار معقباً على كلمات الشهيد عودة:

” من الذي يقرأ هذا الكلام ولا يشعر فيه باستعلاء المؤمن بالحق واعتزازه به ولا يحس فيه الجرأة التي لا تعرف خوفاص، والاستقامة التي لا تنحرف بها مواربة”.

وأين ذهبتم بالحق لما                                             ركبتم في قضيته الظلاما

والحقُّ ضائع:

إذا دُعي إليه في أوقات السلم والأمن، وجُبن عن الدعوة إليه ايام الشدّة والمشقة والخوف، سواء كان الخوف ظاهرياً او حقيقياً، يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه(بهجة المجالس ج2 ص626): “ومن البخل ترك حق قد وجب لخوف شئ لم يقع”

عجبتُ لإدلال العَيِّ بنفسهِ                                  وصمتِ الذي قد كانَ بالحقِّ اعلما

أليس عظيماً أن تُلِّم مُلِّمةٌ                                   وليس علينا في الحقوقِ مُعوّلُ

فإن نحن لم نملك دفاعاً بحادثٍ                            تُلِّمُ به الأيام فالموتُ أجملُ

يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:

” ثلاثة يُضيّعون الحق: مخلص يسكت عند قوم مبطلين،وعالم يسكت بين قوم جاهلين،ومنافق يتقرّب إلى قوم ظالمين” ويقول أيضاً رحمه الله:”أقبح أنواع الجبن الخوف من الجهر بالحق خشية من ألسنة المبطلين” ويقول أيضاً”الإعراض عن الحق مع نصوع برهانه صنيع الغافلين،والسكوت عن الحق مع القدرة على بيانه صنيع الشياطين، والإستعلاء على الحق مع تطاول بنيانه صنيع المغرورين، والاستخفاف بالحق مع كثرة أعوانه صنيع المستبدين الهالكين”، ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله :

“إننا لانفتقر إلى الذين لا يقولون كلمة الحق إلا إذا ملكوا معها اسباب الوقاية والنصر، وإنما نفتقر إلى الذين يقولون كلمة الحق وهم لا يملكون معها ولا يملكون لها ولا يملكون بها إلا الموت”ويقول أيضاً”كيف ينتصر بك الحق، وكيف تربط به الناس، إذا كنت لا تؤمن به حق الإيمان، ولا تقف معه في مختلف الظروف، ولا تتحمل في سبيله ما ينزل بك من الأذى”.

والحقُّ ضائع:

إذا ركبت النفوس الأهواء، وساءت النيات، وتحكّمت المصالح والمنافع الشخصية والحزبية،فاحكم على الحق بالضياع، يقول ابراهيم بن أدهم رحمه الله”أنا منذ عشرين سنة في طلب أخٍ إذا غضب لم يقل إلا الحق فما أجده” ،وجاء في بهجة المجالس(ج2 ص585):”من لم يعمل من الحق إلا بما وافق هواه، ولم يترك من الباطل إلا ماخف عليه، لم يؤجر فيما أصاب، ولم يفلت من إثم الباطل” وقال أخر(نفس المرجع) “اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع”، وقال معاوية رضي الله عنه  ” مارأيتُ تبذيراً إلا وإلى جانبه حقٌّ مُضيّع”. ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله: “إنّما يضيع الحق بين ثلاث شهوات: شهوة الجاه والشهرة،وشهوة المال والمنفعة،وشهوة اللذة والمتعة”، ويقول أيضاً رحمه الله” لا تنتصر دعوة الحق بستة:مستعجل في الشهرة متهالك عليها،جرئ في القول جبان عند العمل،عامي في ثقافته ملتوٍ في أساليبه،ومؤثر للسلامة على التضحية،ومغرور يقدر نفسه بأكثر مما هو عليه،وضعيف يسيّره من هو أخبث منه”، وقال أيضاً رحمه الله” لايؤتى الحق إلا من الدخلاء في حشوده،والأغرار في قيادته،والنائمين في حراسته،والمفسدين في أسلحته”، ويقول أيضاً رحمه الله”وهناك من يتبع الحق وينادي به ثم ينقلب عليه، لقد عاش شيخاً وهو شاب، وعاش شاباً وهو شيخ، عصى هواه صغيراً وأطاعه كبيراً”

ولا خيرَ في الدنيا ولا في حقوقها                        إذا قيل طُلّاب الحقوق بغاة

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

“ماقيمة الحياة وما فائدتها إذا أدرنا ظهورنا للحق، ودعاة الحق،ووجّهنا وجوهنا للباطل وأعوان الباطل،وزحفنا نُجررُ أغلالنا المنظورة أو المستورة في طوابير العبيد،عبيد الطغيان وعبيد الأهواء والشهوات”.

ويقول الأستاذ الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص49):

“لا أعرف مظلوماً تواطأ الناس على هضمه، وزهدوا في إنصافه كالحقيقة!!

ما أقل عارفيها، وما أقلّ ـ في أولئك العارفين ـ من يقدّرها ويُغالي بها ويعيش لها!!

إنّ الأوهام والظنون هي التي تمرح في جنبات الأرض،وتغدو وتروح بين الألوف المؤلفة من الناس.

ولو ذهبتَ تبحث عن الحق في أغلب ماترى وتسمع لأعياك طِلابه.

هناك ألوف الصحف والإذاعات تموج بها الدنيا صباحاً ومساء، لو غلغلتَ النظر فيما ينطقها ماوجدت إلا حقاً قليلاً يكتنفه باطل كثيف،حقاً يبرق في خفوت كأنه نجمة توشك أن تنطفئ في أعماء الليل.

في مجال العقيدة كم من دين قام على إشاعة كاذبة أو خرافة سمجة.

وفي ميدان السياسة كم من هوىً جعله الجَور عدلاً،وقوّة أحالت الخير شراً.

ولهذا قال الله لنبيه ولكل معتصم بالصدق في مجتمع طافح بالزّيغ:{وإن تُطِعْ أكثرَ من في الأرضِ يُضلُّوكَ عن سبيل الله إن يَتّبعونَ إلا الظنَّ وإن هُم إلاّ يَخرُصون}[الأنعام 116] وقال تعالى:{فإن شَهدوا فلا تَشهدْ مَعَهُم ولاتَتّبع أهواءَ الذينَ كَذّبوا بآياتِنا والذينَ لايُؤمنونَ بالآخرةِ وهُم بربّهم يعدلون}[الأنعام 150] وقال تعالى:{وما يَتّبعُ أكثرُهم إلا ظنّاً إنّ الظنَّ لايُغني من الحقِّ شيئاً إنّ الله عليمٌ بما يفعلون}[يونس 36].

ويتابع الشيخ الغزالي:”وجدير بالإنسان في عالم استوحش فيه الحق على هذا النحو أن يجتهد في تحرِّه، وأن يلتزم الأخذ به،وأن يرجع إليه كلما بعدّته التيارات عنه.

ولعل هذا هو السر في أن الله طلب إلى كل مؤمن أن يسأله الهدى، وكلّفه الا يسأم من تكرار هذا السؤال حيناً بعد حين.

ففي كل صلاة مفروضة أو نافلة يقف المرء بين يدي ربه يقول:{اهدنا الصراطَ المستقيم*صراطَ الذينَ أنعمت عليهم غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالين}[الفاتحة 6 ـ 7].

على أن الاهتداء إلى الحق والثبات على صراطه يحتاج إلى جهد ودأب، ويحتاج كذلك إلى استلهام طويل من عناية الله…وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزَبَهُ أمرٌ جَنحَ إلى الصلاة يضمُّ إلى عزيمته وجَلَده حَول الله وطَوله.

والحقُّ ضائع:

إذا تشّعبت الآراء، وتشّتت الجماعات، واختُرقت الصفوف،وتعددت المشارب، وتنوعّت المطاعم،ولعلّ هذا من أهم عناصر ضياع الحق في عصرنا الحاضر وزماننا الراهن،حيث ذهب صاحب كل رأي برأيه،وكل جماعة ظنّت انها حاملة لواء الحق الوحيدة، وأن غيرها من الجماعات والحركات على باطل، وفي نفس الجماعة قد تجد كل فرد من أفرادها مشغول بذاته، مُسّفه لغيره،وأصبح الهوى والغرور والتسّلط على مستوى القيادات قد حلّ محل العقل والمصلحة والشورى، وأصبح الإنشغال بتوافه الأمور،وأدنى الفروع الشغل الشاغل للأفراد، وأصبحنا نعيش في زمان يصدق فيه قول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله :”ما عجبت لشئ عجبي من يقظة أهل الباطل واجتماعهم عليه،وغفلة أهل الحق وتشتت أهوائهم فيه”، ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: “من أخطر ما يفتك بنا من داخل صفوفنا: الجهلُ، وصغرُ العقل، وضيق الافق، والولع بالجزئيات على حساب الكليات،والعجز عن تجاوز ما يقع بنا أو نقع فيه من الأمور”.

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه(مشاهد يوم القيامة ص77):

“ومن علامات القيامة الصغرى هي ضياع الحق، أو كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم”إعجاب كل ذي رأي برأيه”،وإعجاب الناس بأرائهم هو بداية الخروج من الحق إلى هوى النفس، وكل واحد يقول: هذا رأي ولابد أن يُتّبع، ويحاول بشتى الطرق أن يُزّين هذا الرأي ولو بالباطل وان يجمع الأدلة عليه ولو كذباً،فإذا رأى الحق فإنه ينسى أن الرجوع إلى الحق فضيلة، ويرفض أن ينهزم وان يؤخذ بغير رايه، فكأن الناس قد وصفوا انفسهم فوق الحق بينما الحق هو الذي كان  يجب أن يسود الجميع وأن يخضع له الناس، ويصبح كل صاحب رأي يحاول أن يحقق غايته بأي طريق بالضلال والإضلال، وهكذا يختلّ ميزان الدنيا لأنه مُقام على الحق، ويصبح الحق ضائعاً لا صاحب له، لأن كل صاحب  رأي معتزٌ برأيه، بصرف النظر عن الحق، وهذا ما نجده الآن فالناس  تحاول ان تفعل أشياء بغية تخليد أسماءها، أو ليقُال أنها فعلت دون أن يكلّف إنسان جهده في أن يسأل نفسه أين الحق وأين الباطل من كل مايجري”.

وإن الرجوع إلى الحق بعد معرفته واستبانة أمره من الظواهر السلوكية لخلق حب الحق وإيثاره، فقد يكون الحق بالنسبة لبعض الدعاة مستبهماً غير واضح ولاجلي، كالقمر الذي غطت على ضيائه بعض الغيوم فحجبته عن عيون البشر، ولكن بمجرد أن تنجلي هذه الغيوم فإنه يبدو واضحاً جلياً. ولذلك من صفاة دعاة الحق الرجوع إليه إذا تبين لهم وعدم اللجوج في الباطل وإبداء المبررات الكاذبة والحجج الواهية الباطلة.وإن الإصرار على الباطل رغم انجلاء الحق ووضوح معالمه تدل على خلق منحرف وسلوك مريض وقلوب سقيمة وعقول تحكمت بها الأهواء والنوازع الفردية والشخصية.

لقد أراد امير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه أن يصدر أمراً بتحديد المهور بعد أن غالى الناس فيها، وأراد أن يسهل من ذلك أمر الزواج،ويخفف من الأعباء على الراغبين في الزواج.فخطب في الناس وأشار إليهم بما أراد التوجه إليه وكان اجتهاداً منه،فلما قامت امرأة من المسلمين وقالت له يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول:{ وآتيتم إحداهنّ قنطاراً}، رجع الفاروق إلى الحق بعدما تبين له ولم يتمادى في اجتهاده، وقال كلمته المأثورة التي يجب على كل داعٍ من الدعاة أن يحفظها ويعمل بها قال الفاروق:”أصابت امرأة وأخطا عمر، وفي رواية أخرى:”امرأة خاصمت عمر فخصمته”.نعم لم يحاول عمر الفاروق رضي الله عنه وهو الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله جعل الحق على لسانه وقلبه، وبأن الشيطان مالقيه سالكاً طريقاً إلا سلك طريقاً غيره، نعم قبل الحق وأذعن إليه، ولم يحاول كالكثير من الدعاة والمشايخ أن يجد التبريرات  ويضع التاويلات لاجتهاده ورؤيته رحم الله الفاروق ورضي عنه.

وقد جاءت الكثير من النصوص الدينية التي تربي المؤمن على الرجوع إلى الحق وعدم التمادي في الباطل.

روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”من حلف على يمين فرأى خيراً منها، فليكفر عن يمينه وليفعل“.

وعلى مستوى الجماعات تجد بدلاً من التناصح والتشاور والالتقاء، نجد هناك الخصام والعداء والاستمراء في اللجاجة والتمادي في الباطل، وكل يسوق مقدمات باطلة لاتنتهي إلا بنتائج كارثية لا على مستوى الجماعات فقط بل على مستوى الحق والإسلام،وإذا اختلفت الآراء وتشّعبت المذاهب فلابد من محاولة الرجوع إلى ينابيع الحق الصافية والأبتعاد عن الإنغماس في المياه الآسنة والوحول النتنة،يقول سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: ” لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك، وهُديت لرشدك أن ترجع عنه ، فإن الحق قديم والرجوع إليه خير من التمادي في الباطل”.

نعم لا بدّ من الإصلاح ومحاولة لمّ الشمل، وإصلاح ذات البين، وجمع الفرقاء، وأن تكون مصلحة الدين والحق فوق الجميع، فوق الأهواء، وفوق المصالح والمنافع الشخصية والحزبية ،ومع معرفتهم حقّ المعرفة أنه لا يجب لإختلاف الرأي أن يقسد للودّ قضية. . يقول الأستاذ أحمد امين رحمه الله (فيض الخاطر ج3 ص188): “خالف أبو ذر معاوية واشتدّ في مخالفته، وخالف عثمان واشتدّ في مخالفته،ولكن رأى أن الأمور لا تصلح إلا بطاعة من بيده الأمر بعد أن يُبين له  وجه الحق في صراحة، وأنه إذا عمل كل حسب رأيه من غير طاعة لرئيسه أصبح الناس فوضى، فكان من هذا من أجمل المواقف لأبي ذر…حدّث المؤرخون أن أبا ذر وعثمان تناجيا حتى ارتفعت اصواتهما، ثم خرج أبو ذر مبتسماً فأتاه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا ذر فعل لك هذا الرجل وفعل، فهل أنت ناصب لنا راية(يريدون راية الثورة)؟ قال: يا أهل الإسلام لا تعرضوا علي ذاك وتذلوا السلطان، والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورأيت أن ذلك خير لي، ولو سيرني مابين المشرق والمغرب لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورأيت أن ذلك خير لي”

اما إذا ركبت الأهواء النفوس،وداست الشهوات المصالح والعقول، وبدلاً من الإلتقاء على كليات وأصول الحق والدين،وشُرّعت السنان وفُوّقت السهام،وسُلطّت الألسن والسيوف،فقل على الحق السلام ، وأنعِم بها من هدية تُقدّم لأهل الباطل على صحيفة من ذهب ممّن يدّعون أنهم من أهل الإسلام!!والنفس كما يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه”إذا لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل”. يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله معقباً على هذا(جدد حياتك ص64):

“هذا صحيح فإن النفس لا تهدأ، إذا لم تَدُرْ في حركة سريعة من مشروعات الخير والجهاد والإنتاج المنظم،لم تلبث أن تنهها الأفكار الطائشة، وأن تلفّها في دوامة من الترهات وافضل ما تصوب من حياة الإنسان أن ترسم لها منهاجاً يستغرق أوقاته ولا تترك فرصة للشيطان أن ينظر إليه بوسوسة أو إضلال،ويتابع” إن الحق إذا استنفد مالدى الإنسان من طاقة مختزنة لم يجد الباطل بقية يستمد منها، وإذا استولى على قلبه ولبه فلا مجال للوساوس والهواجس”.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

” يجب على المسلمين أن يستمع بعضهم إلى بعض ليتفاهموا ويتكاملوا ويتعاونوا، أما إذا اكتفى كل فرد أو فريق بإسماع رأيه دون اهتمام حقيقي بسماع رأي الآخرين، فلن يكون هناك تفاهم ولا تكامل ولا تعاون، وأكاد أقول أيضاً: ولا صواب” ويقول أيضاً حفظه الله”لا تلبسوا أهواءكم الشخصية وحزازتكم النفسية رداء المصلحة العامة والإسلام، فذلك خيانة لله ورسوله والمؤمنين، وإذا خدعتم بذلك الناس فلن تخدعوا بذلك الله عز وجلّ والله لا يهدي كيد الخائنين” ، ويقول أيضاً حفظه الله”عندما يعجز الناس عن عظائم الأمور ومعاليها، ويدبّ في قلوبهم الإحباط واليأس من إدراكهان يشتغلون بصغائر الأمور وسفاسفها،فتمتلئ بها قلوبهم وعقولهم وأوقاتهم، كما تمتلئ قلوب الموتى ورؤوسهم وقبورهم بالديدان والحشرات، وهذا شأن كثير من الناس في بلادنا ومجتمعاتنا هذه الأيام”

ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص121):

” والتفرغ للخصومات دَيدن من لا عمل لهم إلا اللجاجة وإيثار النزاع، كذلك كان العرب في جاهليتهم حتى نزل القرآن يناديهم:{يا أيها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين}[البقرة 208،]فجمعهم على الحق،وشغلهم به بدل أن يشتغل بعضهم بالبعض الآخر، وقد عادت هذه الجاهلية إلى الجماهير الفارغة من أمتنا فهم بين مُقاتلات وثارات لاتنتهي لأنهم ليسوا أصحاب رسالة يَحيون لها وينشغلون بحقوقها”

ومما يساعد وللأسف على إذكاء الخصومات،وإشعال الخلافات بين هذه الجماعات والحركات والفرق والطوائف أن قادتها وزعمائها ومشايخها قد خلقوا حولهم وأنشأوا أناس إمعّات  يتابعونهم في أرائهم ويدافعوا عن أهوائهم وذلك لأنهم ليسوا على درجة من الوعي والعلم والتفكير.  يقول الأستاذ عصام العطار:قال التلميذ الناشئ لشيخه الحكيم:كم في صفوف المسلمين ـ وللأسف ـ من إمعّات وإمرّات وبنات جبل، وكم يقتقر المسلمون إلى رجال لهم شخصية مستقلة وقناعة صادقة وإرادة ماضية كحد السيف، رجال يرون الحق بوضوح ويلتزمونه بإخلاص، ويقفون معه ولو حاربته وحاربتهم من أجله الدنيا، ويمضون على نهجهم المبين القويم بكل ثقة وعزم وإصرار مهما كانت العقبات والتبعات والتضحيات”

(الإمعّة:الذي يتابع كل احد على رأيه، الإمرّة: الذي يتابع كل أحد على أمر،ومثلهما بنت الجبل ومعناه الصدى يجيئك من الجبل أي هو مع كل متكلم يجيئه بمثل كلامه)

وفي حالات أخرى  قد يكون القادة على حق ولكن أتباعهم قد يكونوا على درجة شديدة من التخلف وقلّة الوعي وعدم الطاعة للرؤساء وعدم الإنصياع للحق وإن بدا لهم ، وهذا ماقد رأيناه قديماً في قصة الخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي كرّم الله وجهه، وقالوا سمعنا وعصينا، ورفعوا السلاح في وجهه بدلاً من أن يوجهوه لأهل الباطل، واستعملوا شعارات هي بمثابة دسّ السم في الدسم ومنها عندما قالوا في أمر التحكيم” لا حُكم إلا لله” فلما سمع سيدنا علي بما قالوه قال قولته المأثورة”كلمة حق يُراد بها باطل”، وانظر إلى سيدنا علي يخاطب اتباعه ويحذرهم من عواقب أمرهم: “لقد خشيت أن يُدال هؤلاء القوم عليكم0أي تكون لهم الدولة عليكم) وليس ذاك إلا أن تكونوا أولى بالحق منهم،ولكن بطاعتهم إمامهم، وعصيانكم إمامكم،وإصلاحهم في أرضهم وفسادكم في أرضكم،واجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم”

والحقُّ ضائع:

إذا لم تتضح الرؤية،ولم تتضح معالم الحق{فهدى الله الذين أمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه}[البقرة213]،وهنا لابد من التجرد والمتابعة واللجوء إلى الله والدعاء المستمر ،جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ““اللهم ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك،إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم”.

وروى ابن أبي شيبة عن حذيفة بن اليمان أنه قال: ” لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك،إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل”، وجاء في البصائر والذخائر للتوحيدي”قيل لأحدهم: فيم السرور؟قال: في إيضاح حقٍّ قد التبس بباطل، وإزالة باطلٍ قد جارَ على الحق”

يقول الأستاذ عصام العطار:

“أنا ضامن أن تصلوا إلى الحق والصواب في كثير من الأمور الملتبسة عليكم الآن شريطة أن يكون عندكم التجرد لله عز وجل، والصدق والإخلاص في طلب الحق، فالأهواء والمصالح والعبودية للدنيا تحجب الرؤية الواضحة، وتجعل اصحابها يكابرون في المحسوسات ويجادلون في نور الشمس أسطع ما يكون”

نعم، ما أحوجنا إلى الله في هذه الحياة التي تعدّدت فيها الصوارف عن الحق، وازدادت فيهاالشبهات والشهوات والإغراءات، وما أجمل قول الجاحظ: “جنبّك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة،وجعل بينك وبين المعرفة نسباً، وبين الصدق نسباً،وحَبّب إليك التثبت، وزيّن في عينك الإنصاف،وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عزَّ الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذل اليأس،وعرّفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلّة”.

اللهم ارنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه”