الصحة النفسية بين الطب والإسلام

وبسم الله الرحمن الرحيم

الصحة النفسية بين الطب والإسلام

الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيدنا ورسولنا وحبيبنا وشفيعنا يوم الدين،محمد بن عبد الله خاتم الانبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً،أرسله الله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.

اللّهم باسمك نبتدي، وبهديك نهتدي، وبك يامعين، نسترشد ونستعين، ونسألك أن تكّحل بنورالحقِّ بصائرنا،وأن تجعل إلى مرضاك مصائرنا، نحمدك على أن سددت في خدمة دينك خطواتنا، وثبتَ على صراط الحق أقدامنا.

أما بعد:

إن الإسلام كدين ومنهج شامل لكل نواح الحياة،قد راعى من خلال تشريعاته وأحكامه وقواعده من جملة ماراعاه موضوع النفس البشرية التي استخلفها الله في أرضه،والأخذ بها من أوحال وأوضار الإثم والضلال والضياع إلى برِّ السلامة وشواطئ الإيمان ، وإلى الراحة والسعادة في الدارين.

لقد شملت تشريعات الإسلام وقواعده بناء النفس البشرية من النواحي الدينية والأخلاقية والاجتماعية والصحية…ونجد من خلال مبادئ وقواعد الطب الوقائي المنبثقة من كتاب الله الكريم، وسنة نبيه العظيم الكثير من الأمور الوقائية والعلاجية لصحة الإنسان لا من الناحية البدنية والجسمية فحسب، بل وأيضاً من الناحية النفسية.إذ أنه لابد من بناء النفس المسلمة على أساس متين وصلب لتحمل المشقات والتكاليف، ولابد من تربية المسلم منذ نعومة أظفاره على المبادئ الإسلامية التي تمكنه من تجاوز الأزمات والمآزق التي يمكن أن يتعرض لها وتعترضه في دار الابتلاء.

تعريف الصحة النفسية وعلم النفس:

يقول الدكتور محمد فائز الحاج علي في كتابه “الصحة النفسية”:

الصحة النفسية بالتعريف:

مجموعة الشروط التي يلزم توافرها حتى يتم التكيف بين المرء ونفسه، وكذلك بينه وبين العالم الخارجي، تكيفاً يؤدي إلى أقصى مايمكن من الكفاية والسعادة لكل من الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه”.

ويقول عظيم الإسلام الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة الجزء السادس ص574):

“أما علم النفس:

فهو علم الإنسان في عالمه الداخلي كلّه، وهو ألصق بالإنسان وأحرى بعنايته وأهدى إلى أسباب سعادته وشقائه ـ من ذلك العالم الخارجي الأكبر الذي يتناوله ذانك العلمان الآخران:علم الاقتصاد السياسي، وعلم الكيمياء.

تشعبت فروعه وتعمقت جذوره حتى أوشكت أن تسع كل ماوسعته نفس الإنسان من معرفة وعاطفة، ومن حق ووهم،ومن واقع وخيال.

ويتابع:”وعلم النفس كله موكل بالأعماق الخفية.علم النفس كله موكل بالبواطن التي تفسر لنا أعمالنا الظاهرة،كلما احتاجت إلى تفسير صحيح فلم نجد تفسيرها الصحيح في الظواهر المحسوسة.

ويتابع:”ونخص الدين الإسلامي في هذا المقام بتوكيد العلاقة بينه وبين الدراسات النفسية وما تهتدي إليه مذاهبها ومدارسها من ضروب الوقاية والرياضة، لأننا مع الإيمان بالإسلام نرى من الوجهة العلمية أن العقيدة هي التي تعصم الإنسان من أكبر دواعي المرض النفساني،وهو باتفاق المذاهب يرجع إلى علة واحدة محيطة بجميع العلل،وهي علة الانقسام الداخلي،أوعلة التصدع التي توزع النفس شيعاً بين النقائض والأضداد،وتفقدها الوسيلة التي ترأب بها صدوعها وتعيد بها الوئام والألفة بين مقاصدها ونزعاتها.

وفي الإسلام عصمة من كل داء من أدواء هذا الفصام الذي يمزق طويّة الفرد،أو يُمزق صورة الوجود كله بين خصومات الفكر وخصومات العقيدة وخصومات المثل العليا في كل قبلة تتجه إليها.

فليس في الإسلام عداء بين الروح والجسد،وليس للجسد فيه محنة تمتحنه بالصراع بين الطيبات من متعة الروح أو متعة الجسد:{وابتغِ فيما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخرةَ ولاتنسَ نصيبَكَ من الدُّنيا}[القصص 77].

وليس في الوجود عالم لله وعالم للشيطان أو عالم للسماء وعالم للهاوية{بل لله الأمر جميعاً}{ولله المشرق والمغرب}{ما جعلَ اللهُ لرجلٍ من قلبينِ في جوفه}[الأحزاب4].

فليس في العقيدة الإسلامية إنسان متصدع يتوزع بين نوازع الروح ونوازع الجسد،وليس فيه ضمير متصدع يتوزع بين الدنيا والآخرة،وليس فيه عالم متصدع يتوزع بين السماء والهاوية،ولا خليقة متصدعة تتوزع بين اللعنة الأبدية أو المغفرة الأبدية.

وفي اسم الإسلام دليل على مافي العقيدة الإسلامية من دعائم الثقة واليقين.فالإسلام تسليم وسلام، ومن تمكن في قلبه فهو أمان وإيمان.

وصفوة القول في هذه الصلة بين عالم النفس والدين الإسلامي أن دراسات العلماء تجمع الأدواء النفسية كلها في داء واحد،هو داء الضمير المدخول، أو الضمير المنقسم على نفسه،وأنها تجمع الطب النفساني كله في دواء واحد، هو دواء اليقين والإيمان، وذلك دواء عند الدين وليس منه عند العلم غير القليل،لأن العلم سبيل مايعرف ولاحاجة به إلى ثقة وتسليم، وإنما يؤمن الإنسان ليعرف كيف يثق وكيف يبصر موئل الأمان،ثم يركن إليه ركون العارف الآمن أو ركون الإسلام والتسليم”.انتهى كلام العقاد.

ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(الرسالة العدد115):

“لست أدري لماذا يؤمن الناس أشد الإيمان بمرض أجسامهم،ولا يؤمنون بمرض نفوسهم،فإذا شعر أحدهم بمرض جسمي أسرع إلى الطبيب يصف له أعراضه،ويستوصفه دواءه،وينفذ أوامره مهما دقت،ويبذل في ذلك الأموال مهما جلّت،ثم هو يمرض نفسياً،فلا يأبه لذلك،ولا يعيرهُ عناية،ولا يستشير طبيباً نفسياً،ولا يعنى بدرس الأعراض،ومعرفة الأسباب،وقد يلح عليه مرض النفس،ويصل به إلى الياس،فلا يسعى لعلاج،ولا يجد في معرفة دواءنكأن نفسه أهون عليه من جسمه،وروحه أتفه من بدنه.

لعل الذي صرف الناس عن علاج نفوسهم إلى علاج جسومهم أنهم أو الكثير منهم لا يزالون يسبحون في دائرة الحس وحده،ولم يرتقوا إلى ملاحظة النفوس وشؤونها،فإذا جرح الإنسان جرحاً بسيطاً في جسمه هرع إلى الطبيب يعالجه ويحتاط له،وإذا كسر عظمه ذهب إلى الطبيب ليجبر كسرهنولكن إذا جرحت نفسه ولو جرحاً عميقاًنوكسرت ولو كسراً خطيراً احتمل الألم من غير بحث عن علته أو نتائجه أو طرق مداواته لأنه لا يزال مادياً في إدراكه وتفكيره.

أو لعل السبب أن الناس لا يؤمنون بأطباء النفوس إيمانهم بأطباء الأجسام،فهم لا يعتقدون في صلاحيتهم،ويشكون كل الشك في قدرتهم على علاجهم،فيستسلمون للمرض النفسي كما يستسلمون لمرض جسمي استحال شفاؤه،ولم يستكشف دواؤه.

وقد يكون السبب أن الناس يؤمنون بسهولة أمراض النفس وقدرتهم على علاجها والإشتفاء من غير طبيبنفما عليه إن كان حزيناً إلا أن يضحك،أو منقبضاً إلا أن يتسلى،وهذا خطأ بيّننفأمراض النفوس كأمراض الجسم فيها ما يداوى بحمية وفيها ما يستعصي على الطبيب الماهر والخبير الحاذق.

ويتابع رحمه الله:”إن ضحايا أمراض النفوس كثيرون،وصرعى المرض لا يحصون،والالتفات إلى هذا النوع من الأمراض ضعيف فاتر،فهناك صرعى الخوف من الموت ومن الفقر ومن الرؤساء،وهناك صرعى الشك في الدين وفي الحياة وقيمتها وفي كل ما يحيط بهم مما في الأرض وما في السماء،وهناك صرعى الحزن لا يسرهم شىء في الحياةنويودون أن يبكوا دائماً ويسوّدون كل منظر يرونه،ويحزنون عند ما يحزن الناس ويحزنون عند ما يضحك الناس،فإذا عدموا أسباب الحزن خلقوها حتى من أعمق منابع السرور.وهكذا تتعدد الصرعى كصرعى السل والسرطان وما إليها يبدو فيهم مكروب النفس صغيراً ثم ينمو شيئاً فشيئاً حتى يفترسهم،ثم من العجيب ألا يتوجهوا قليلاً ولا كثيراً إلى قتلها قبل أن تقتلهم وهزيمتها قبل أن تهزمهم،كأنهم يظنون أن المرض فوق أن يعالج والأمر ايأس من أن يفكر فيه”.

ويمكن أن نقسم الموضوع إلى عدة عناصر:

أولاً: القواعد الوقائية  لصحة النفس:

أي التي تمنع من وقوع النفس في إسار الاضطرابات النفسية.

ثانياً:القواعد العلاجية لصحة النفس:

أي الوسائل العلاجية التي تساعد النفس المريضة على الشفاء السريع ومنع تفاقم المرض.

ثالثاً: بعض ظواهر الإعجاز في الطب النفسي من  القرآن والسنة.

القواعد الوقائية للصحة النفسية

1 ـ الإيمان بالله وعلاقته بصحة النفس

إننا نعيش اليوم في عالم مُضطرب ومُتشتت، الصراع دائم فيه بين مختلف الطوائف، ومابين الأغنياء والفقراء، ومابين البيض والسود…وليس هذا فحسب، بل إن الإنسان بحد ذاته يعيش صراعاً في نفسه، مع نفسه،لعدم إيمانه الوثيق بالله تعالى، ولعدم ثقته بنفسه وبغيره، يعيش ويلهث وسوط المادة من خلفه يلهب ظهره، ليسرع في جمع مال، واغتصاب حق الآخرين.

إن تجارب التاريخ والواقع تنطق جميعها بفضل الإيمان بالله وضرورته للإنسان،فهو ضروري للفرد لكي يكون مطمئناً سعيداً في حياته،بعيداً عن المُنغصات والاضطرابات، وإن النفس المحرومة من العقيدة الربانية، والبعيدة عن الروح الدينية، سوف ينتهي بها الأمر إلى مهاوى الخوف والقلق والضلال واليأس، ومايجره كل ذلك من أمراض نفسية وعصبية وبدنية.

والإيمان بالله هو ضروري للمجتمع لكي ينعم بالإستقرار والتماسك والرقي وإلا وقع في براثن الاستغلال والأثرة والأنانية ..ومايؤدي فيما بعد لانهياره وانحلاله وسقوطه في مهاوى الرزيلة والضياع والفساد والسقوط والانهيار.

إن الإيمان بالله يعطي الإنسان دفعاً ومحركاً للأخلاق الطيبة،والمشاعر النبيلة، وهذا مصدر قوة العقيدة،يقول تعالى:{قد أفلحَ من تَزَكّى* وذكرَ اسمَ ربِّهِ فَصَلى}[الأعلى14 ـ 15]،والفلاح أن يظفر الإنسان بما يحب، وينجو مما يكره، والفلاح هنا الفوز بالجنة في الآخرة، وأن يرزقه الله الطمأنينة والسكينة في الأولى، كما قال تعالى:{ هُوَ الذي أنزلَ السَّكينةَ في قُلُوبِ المؤمنينَ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم}[الفتح4]وقوله تعالى:{الذينَ آمنوا وتَطمئنُّ قُلُوبُهم بذكرِ الله إلا بِذكرِ الله تطمئنُّ القلوب}[الرعد28].

يقول تعالى في سورة الحجرات:{بل الله يمنُّ عليكُم أن هداكُم للإيمانِ إن كنتم صادقينَ}[الحجرات 17].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:”إن الإيمان هو كبرى المنن التي ينعم بها الله على عبد من عباده في الأرض.إنه أكبر من منّة الوجود الذي يمنحه الله ابتداء لهذا العبد،وسائر ما يتعلق بالوجود من الأمن والرزق والصحة والحياة والمتاع.إنها المنّة التي تجعل للوجود الإنساني حقيقة مميزة،وتجعل له ىفي نظام الكون دوراً أصيلاً عظيماً.

وأول ما يصنعه الإيمان في الكيان البشري،حين تستقر حقيقته في قلبه هو سعة تصوره لهذا الوجود،ولارتباطاته هو به،ولدوره هو فيه،وصحة تصوره للقيم والأشياء والأشخاص والأحداث من حوله،وطمأنينته في رحلته على هذا الكوكب الأرضي حتى يلقى الله.وأنسه بكل ما في الوجود حوله،وأنسه بالله خالقه وخالق هذا الوجود،وشعوره بقيمته وكرامته،وإحساسه بأنه يملك أن يقوم بدور مرموق يرضى عنه الله،ويحقق الخير لهذا الوجود كله بكل ما فيه وكل من فيه”.

وإن علماء النفس يؤكدون أنه لاشئ يملأ نفس الإنسان بالسعادة والطمأنينة قدر الإيمان بالله،فالإنسان المريض يرتاح عندما يتوجه إلى الله في أزماته ومتاعبه النفسية والصحية، يشكو آلامه، ويبثُّ همومه، كما يتجه المريض المعذب المتألم لطبيبه الواثق منه ليخفف عنه وليساعده ويخلصه مما يُعانيه.

يقول ديل كارنيجي في كتابه”دع القلق وابدأ الحياة”:

” إن أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي والتمسك بالدين كفيلان بأن يقهرا القلق والتوتر النفسي وأن يساعدا على الشفاء من الامراض”.

ويقول المؤرخ والعالم والفيلسوف البريطاني أرنولد توينبي:

“الدين احدى الملكات الضرورية للطبيعة البشرية، وحسبنا أن نقول بأن افتقار الإنسان للدين يدفعه إلى اليأس الروحي”.

ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد العاشر ص327):

“إن الشوق إلى الإيمان من اقوى أشواق النفس الإنسانية، شوق متصل بحب الحياة وحب المعرفة وحب الجمال وحب الكمال،وحسبنا منه أنه شوق يعيننا على اليأس ويمنحنا الأمل ويجعل للحياة معنى يتصل بالدوام”.

ويقول الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد679):

“يزعمون أننا في عصر العلم،وفي دهر القانون،ويريدون أن يسلبوا الناس إيمانهم،كأن الإيمان هو مشكلة الإنسانية،مع أنه لا حل لمشكلتها إلا به.إن مسألة الغنى والفقر،وما كان من بابهما لا يحلها العلم ولا القانون إذ هي من مواد القضاء والقدر في إنشاء الىلام والأحزان وأضدادها التي تقابلها،وما كان فوق الإنسانية من السماء قوة لا تحد،وتحت الإنسانية من القبر هوة لا تسد،فلا نظام إلا على تصريف النفس أمراً ونهياً،وتأويل الحياة معنى وغاية،فإن لم يكن الشأن في ذلك مقرراً في الغريزة على جهة الإيمان،فلن يكون العلم والقانون على ظاهر النفس إلا ثورة بما في باطنها،ولن يبرح الناس على ذلك بعضهم من بعض كالهارب منه وهو مضطر إليه،أو كالمضطر إليه وهو هارب منه،وكلّ من كلٍ في معنى من معاني النفس لا إنسانية فيه”.

ويتابع رحمه الله:”مازاد العلماء على أن خلقوا في ساعدي الحياة هذه العضلة البخارية،وذلك العصب الكهربائي.فمن لم يستطع أن يتوقى ضربة الحياة المدنية بعدة من قوة،وعتاد من مال،طاحت به فدكته دكَّ الخسف،ووضعته من الناس موضع الحبة من الرحى الدائرة.فما بينه وبين أن ينهار موضع يستمسك عليه،وإنما هذا الموضع هو إيمان المؤمن إذ يعطف على الضعفاء أو يسعد أو يبرّ بما كتب عليه أن يرق لهم من ذات نفسه ويتحنى ويتوجع.

ومتى كان العلم والدين يقومان جميعاً على تنظيم الطبيعة في مادتها وإنسانيتها لم تجر الإنسانية إلا على بقاء الأصلح في الجهتين،فإذا تخلى بها العلم وحده فلن تجري أبداً إلا على ناموس بقاء الأصلح في ظاهرها لإيجاد الأفسد في باطنها”.

ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد145):

“والدين هو حقيقة الخلق الاجتماعي في الأمة،وهو الذي يجعل القلوب كلها طبقة واحدة على اختلاف المظاهر الاجتماعية عالية ونازلة وما بينهما،فهو بذلك الضمير القانوني للشعب،وبه لا بغيره ثبات الأمة على فضائلها النفسية،وفيه لا في سواه معنى إنسانية القلب.

ولولا التدين بالشريعةنلما استقامت الطاعة للقانون في النفس،ولولا الطاعة النفسية للقوانين،لما انتظمت أمةنفليس عمل الدين إلا تحديد مكان الحي في فضائل الحياة،وتعين تبعته في حقوقها وواجباتها،وجعل ذلك كله نظاماً مستقراً فيه لا يتغير،ودفع الإنسان بهذا النظام نحو الأكمل،ودائماً نحو الأكمل.

وكل أمة ضعف الدين فيها،اختلت هندستها الاجتماعية،وماج بعضها في بعض،فإن من دقيق الحكمة في هذا الدين أنه لم يجعل الغاية الأخيرة من الحياة في هذه الارض،وذلك لتنظيم الغايات الأرضية في الناسنفلا يأكل بعضهم بعضاً،فيغتني الغني وهو آمن،ويفتقر الفقير وهو قانع،ويكون ثواب الأعلى في أن يعود على الأسفل بالمبرّة،وثواب الأسفل في أن يصير على ترك الأعلى في منزلته،ثم ينصرف الجميع بفضائلهم إلى تحقيق الغاية الإلهية الواحدة،التي لا يكبر عليها الكبير،ولا يصغر عنها الصغير،وهي الحق،والصلاح والخير،والتعاون على البر والتقوى.

ومادام عمل الدين هو تكوين الخلق الثابت الدائب في عمله،المعتز بقوته ،المطمئن إلى صبره،النافر من الضعف الأبي على الذل،الكافر بالاستعباد،المؤمن بالموت في المدافعة عن حوزته،المجزي بتساميه وبذله وعطفه وإيثاره ومفاداته،العامل في مصلحة الجماعة،المقيد في منافعه بواجباته نحو الناس ـ مادام عمل الدين هو تكوين هذا الخلق ـ فيكون الدين في حقيقته هو جعل الحس بالشريعة أقوى من الحس بالمادة،ولعمري مايجد الاستقلال قوة هي أقوى له وأرد عليه من هذا المعنى إذا تقرر في نفس الأمة وانطبعت عليه”.

ويقول الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(مقدمة كتابه الإيمان والحياة):

“والفرد بغير إيمان ولادين ريشة في مهبِّ الريح لاتستقر على حال،ولاتعرف لها وجهة،ولاتسكن إلى قرار مكين.

الفرد بغير دين ولاإيمان إنسان ليس له قيمة ولاجذور، إنسان قلق متبرم حائر،لايعرف حقيقة نفسه ولاسرّ وجوده،لايدري من ألبسه ثوب الحياة،ولماذا ألبسه إياه،ولماذا ينزعه عنه بعد حين؟! وهو بغير دين ولا إيمان، حيوان شره أو سبع فاتك.لاتستطيع الثقافة ولا القانون ـ وحدهما ـ أن يَحدّا من شراهته، أو يُقلّما أظافره.

والمجتمع بغير دين ولا إيمان، مجتمع غابة. وإن لمعت فيه بوارق الحضارة:الحياة والبقاء فيه للأشد والأقوى، لا للأفضل ولا للأأتقى…مجتمع تعاسة وشقاء وإن زخر بأدوات الرفاهية وأسباب النعيم..مجتمع تافه رخيص،لأن غايات أهله لاتتجاوز شهوات البطون والفروج. فهم:{يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام}.

و(العلم) المادي وإن امتد رواقه، واتسعت ميادينه، ليس بمستطيع أن يحقق الطمأنينة والسعادة للناس،لأن العلم يرقي الجانب المادي للحياة،فيختصر الشقة البعيدة، والزمن الطويل، إلى مدة أقصر،ولهذا سموا عصرنا هذا”عصر السرعة”أو عصر”التغلب على المسافات”.

ولكن هل يستطيع أحد أن يسميه “عصر الفضيلة” أو “عصر الطمأنينة” أو “عصر السعادة للبشر”؟؟

إن العلم هيأ للإنسان الحديث وسائل الحياة،ولكنه لم يهده إلى غاياتها إنه زين له ظاهرها، ولكنه لم يصله بأعماقها، وما أتعس الإنسان إذا أغرقته الوسائل فذهل عن الغايات.وإذا شغل بالسطح عن القاع،وبالقشر عن اللباب!.

ويتابع الدكتور القرضاوي:”ونحن حين نتحدث عن ثمرات الإيمان وآثاره في النفس والحياة إنما نعني الإيمان القوي الدافق.الإيمان حين يبلغ مداه، ويشرق على القلوب سناه،ويخط في أعماق النفوس مجراه،لانتحدث عن الإيمان الضعيف المزعزع، الإيمان المخدر النائم،إنما نتحدث عن الإيمان الحي اليقظ.

ولايضيرنا أن أصحاب هذا الإيمان، قليلون..فإننا نناقش هنا الماديين الذين يشككون في قيمة الإيمان.ليتعلموا أن الإيمان الذي يحاربونه كلما زاد عمقه في القلوب وسلطانه على النفوس، ازداد أثره المبارك في حياة الأفراد والجماعات.

ويتابع:”إن عقيدة الإسلام عقيدة تتسع للروح والمادة، والحق والقوة، والدين والعلم، والدنيا والآخرة،إنها عقيدة التوحيد التي تغرس في النفس الكرامة أو الحرية، وتجعل الخضوع لغير الله كفراً وفسقاً وظلما، وتأبى على الناس أن يتخذ بعضهم أرباباً من دون الله”.

ويقول الدكتور القرضاوي(الإيمان والحياة ص83):

“السعادة هي جنة الأحلام التي ينشدها كل بشر،من الفيلسوف في قمة تفكيره وتجريده، إلى العامي في قاع سذاجته وبساطته،ومن الملك في قصره المشيد،إلى الصعلوك في كوخه الصغير.ولانحسب أحداً يبحث عن الشقاء لنفسه، أو يرضى بتعاستها.

هل السعادة في النعيم المادي؟

لقد ظن ذلك قوم، فحسبوا السعادة في الغنى، وفي رخاء العيش، ووفرةالنعيم، ورفاهية الحياة، ولكن البلاد التي ارتفع فيها مستوى المعيشة،وتيسرت فيها لأبنائها مطالب الحياة المادية،من مأكل ومشرب،وملبس ومسكن ومركب،مع كماليات كثيرة لاتزال تشكو من تعاسة الحياة،وتحس بالضيق والانقباض،وتبحث عن طريق آخر للسعادة.

ويتابع:”وقد لاحظ هذه التعاسة وهذا الشقاء كل من له عين تبصر من أهل الشرق والغرب،فمن أهل الشرق الشهيد العظيم”سيد قطب” رحمه الله الذي سجل ذلك في كتابه”أمريكا التي رأيت”.

ويتابع:”فكثرة المال ليست هي السعادة،ولا العنصر الأول في تحقيقها،بل ربما كانت كثرة المال أحياناً وبالاً على صاحبها في الدنيا قبل الآخرة،لذا قال الله في شأن قوم من المنافقين{فلاتعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا}[التوبة55]،والعذاب هنا هو المشقة والنصب والألم والهمّ والسقم،فهو عذاب دنيوي حاضر، وهذا مانشاهده بأعيننا في كل من جعل المال والدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه،ومنهى أمله،فهو دائماً معذب النفس،متعب القلب،مثقل الروح،لايغنيه قليل،ولايشبعه كثير.

وفي الحديث الذي رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، تصوير لهذه النفسية المعذبة،قال:”من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه،وجمع له شمله،وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله،ولم يأته من الدنيا إلاّ ماقدّر له“[رواه الترمذي].

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا}[الشورى36]يقول رحمه الله:

“وقيمة الإيمان أنه معرفة بالحقيقة الأولى التي لا تقوم في النفس البشرية معرفة صحيحة لشىء في هذا الوجود إلا عن طريقها.فمن طريق الإيمان بالله ينشأ إدراك لحقيقة هذا الوجود،وأنه من صنع الله،وبعد إدراك هذه الحقيقة يستطيع الإنسان أن يتعامل مع الكون وهو يعرف طبيعته كما يعرف قوانينه التي تحكمه.ومن ثم ينسق حركته هو مع حركة هذا الوجود الكبير،ولا ينحرف عن النواميس الكلية،فيسعد بهذا التناسق،ويمضي مع الوجود كله إلى بارىء الوجود في طاعة واستسلام وسلام.وهذه الصفة لازمة لكل إنسان،ولكنها ألزم ما تكون للجماعة التي تقود البشرية إلى بارىء الوجود.

وقيمة الإيمان كذلك الطمأنينة النفسية،والثقة بالطريق،وعدم الحيرة أو التردد،أو الخوف أو اليأس.وهذه الصفات لازمة لكل إنسان في رحلته على هذا الكوكب،ولكنها ألزم ما تكون للقائد الذي يرتاد الطريق،ويقود البشرية في هذا الطريق.

وقيمة الإيمان التجرد من الهوى والغرض والصالح الشخصي وتحقيق المغانم.إذ يصبح القلب متعلقاً بهدف أبعد من ذاته،ويحس أن ليس له من الأمر شىء،إنما هي دعوة الله،وهو فيها أجير عند الله!وهذا الشعور ألزم ما يكون لمن توكل إليه مهمة القيادة كي لا يقنط إذا أعرض عنه القطيع الشارد أو أوذي في الدعوة،ولا يغتر إذا ما استجابت له الجماهير،أو دانت له الرقاب،فإنما هو أجير”.

ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{ألا بذكرِ الله تطمئن القلوب}[الرعد 28]،يقول رحمه الله:

“تطمئن بإحساسها بالصلة بالله،والأنس بجواره،والأمن في جانبه وفي حماه.تطمئن من قلق الوحدة،وحيرة الطريق.بإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير.وتطمئن بالشعور بالحماية من كل اعتداء ومن كل ضر ومن كل شر إلا بما يشاء مع الرضى بالابتلاء والصبر على البلاء.وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة.

ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم،فاتصلت باللهنيعرفونهانولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوهانلأنها لا تُنقل بالكلمات،إنما تسري في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام،ويحس أنه في هذا الوجود ليس مفرداً بلا أنيس،فكل ما حوله صديق، إذ كل ما حوله من صنع الله الذي هو في حماه.

وليسَ اشقى على وجه هذه الارض ممن يحرمون طمأنينة الانس إلى الله.ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الرض مبتوت الصلة بما حوله من الكون لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربطه بما حوله في الله خالق الكونزليس أشقى ممن يعيش لا يدري لما جاء؟ولم يذهبظولم يعاني ما يُعاني في الحياة.ليس أشقى ممن يسير في الأرض يوجس من كل شىء خيفة لا،ه لا يستشعر الصلة الخفية بينه وبين كل شىء في هذا الوجود.ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه فريداً وحيداً شارداً في فلاة،عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين.

وإن هناك للحظات في الحياة لا يصمد لها بشر إلا أن يكون مرتكناً إلى الله،مطمئناً إلى حماه،مهما أوتي من القوة والثبات والصلابة والاعتداد…ففي الحياة لحظات تعصف بهذا كله.فلا يصمد لها إلا المطمئنون بالله”.

ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور}[إبراهيم 2]:

“لتخرج هذه البشرية من الظلمات.ظلمات الوهم والخرافة،وظلمات الاوضاع والتقاليد.وظلمات الحيرة في تيه الارباب المتفرقة،وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين.

لتخرج البشرية من هذه الظلمات كلها إلى النور…النور الذي يكشف هذه الظلمات.يكشفها في عالم الضمير وفي دنيا التفكير.ثم يكشفها في واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد.

والإيمان بالله نور يشرق في القلب،فيشرق به هذا الكيان البشري،المركب من الطينة الغليظة ومن نفخة روح الله.فإذا ما خلا من إشراق هذه النفخة،وإذا ما طمست فيه هذه الإشراقة استحال طينة معتمة.طينة من لحم ودم كالبهيمة،فاللحم والدم وحدهما من جنس طينة الأرض ومادتها.لولا تلك الإشراقة التي تنتفض فيه من روح الله،يرقرقها الإيمان ويجلوها،ويطلقها تشفّ في هذا الكيان المعتم،ويشفّ بها هذا الكيان المعتم.

والإيمان بالله نور تشرق به النفس،فترى الطريق.ترى الطريق واضحة إلى اللهنلا يشوبها غبش ولا يحجبها ضباب.

غبش الأوهام وضباب الخرافات.أو غبش الشهوات وضباب الأطماع.ومتى رأت الطريق سارت على هدى لا تتعثر ولا تضطرب ولا تتردد ولا تحتار.

والإيمان بالله نور تشرق به الحياة.فإذا الناس كلهم عباد متساوون.تربط بينهم آصرتهم في الله وتتمخض دينونتهم له دون سواه.فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة.وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة.معرفة الناموس المسيّر لهذا الكون وما فيه،ومن فيه.فإذا هم في سلام مع الكون وما فيه ومن فيه.

والإيمان بالله نور.نور العدل.ونور الحرية.ونور المعرفة.ونور الإنس بجوار الله،والاطمئنان إلى عدله ورحمته وحكمته في السّراءِ والضّراء.ذلك الإطمئنان الذي يستتبع الصبر في الضراء والشكر في السراء على نور من إدراك الحكمة في البلاء.

والإيمان بالله وحده إلهاً وربّاً،منهج حياة كامل لا مجرد عقيدة تغمر الضمير وتسكب فيه النور.منهج حياة يقوم على قاعدة العبودية لله وحده،والاستعلاء على حاكمية العبيد”.

ويقول الأستاذ عبد الغني الدقر(مقال:الشباب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ مجلة المجمع العربي بدمشق):

“حين تلفظ الحياة سمائمها وتنضح من طبائعها فتستشرى بعنت الزمن وتتنزى بموبقات المادة ولا تؤمن إلا بالقوة ولا تستسلم إلا لموجبات حيوانية فما على الناس ـ والأمر كذلك ـ إلا أن يهرعوا من حمارة هذه الهاجرة التي تنذر بالثبور فيتفيؤا النعمة الوارفة في قرارة الأمن والسعادة من جنة الإيمان،فلولا الإيمان الذي كان مفزع الأمم في الغابر والحاضر ومثوى أفئدتها حين تعصف بها أعاصير الويلات والمحن وتدكها زلازل النوازل أقول لولا الإيمان لخلت الحياة من كل معنى إلا ميكانيكيتها التي تجري مطردة تحسن مرة وتسىء مرات وتُرضي حيناً وتسخط أحياناً بل لولا الإيمان لما كان لإحسانها وإساءتها ولا إرضائها وإسخاطها قيمة ولا وزن.فإذا آمن الإنسان فرجت له مشاكل الحياة وانحلت له عقدة الموت وفرح بعقيدة الخلود وثاب إلى الطمأنينة وراحة الأبد،وما كان الإيمان يوماً ملكنت عن التقدم إلا إذا أساء أهله استعماله إنما الإيمان داعية ملحة إلى العمل والتسابق في ميادين النهضات لالا لشىء إلا إرضاء الله فيما ينفع الفرد وينفع المجموع ويقضي على فردية غاشمة تعيث بمصلحة عامة كما يقضي على إجماع يعبث بمصلحة الفرد هذا هو الإيمان الذي أثبت القدرة الهائلة وأنتج الاقدام الرهيب في تهذيب البشرية وتقويم طبائعها “.

ويقول الإمام ابن القيم في كتاب(إغاثة اللهفان):

“ومن أبلغ العذاب في الدنيا تشتيت الشمل وتفريق القلب، وكون الفقر نصب عينيه لايفارقه،ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب…”.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 988 بتاريخ التاسع من حزيران عام 1952):

“صدقوني أني لم أجد أشق علي من هذا الحديث.كيف أشق بصوتي عجيج المعامل،وضجيج المصافق وصياح الملاهي والحانات؟

كيف أخاطب خطاب الروح من لا يعيش إلا للجسد،وأحدث حديث الآخرة من لا يؤمن إلا بالدنيا؟كيف أنه جاء من التراب وسيعود إلى التراب،من نقر الصخر،ونقل البحر،وخرق الأرض،وركب الهواء،وفجر الذرة،وأنطق الجماد،فامتلأ كبراً وغروراً،حتى نسي من خلقه،فقال:أنا ربكم الأعلى؟!

ومن جعل من الحديد والنحاس آلات لها لسان،فيه أجلى البيان،وأذنان تسمعان،ما لاتسمع الآذان،وعقل يحسب ما يعجز عن حسابه عقل الإنسان؟

نعم،إنكم تستطيعون أن تصنعوا من المادة تمثالاً على صورة الحبيبة،له لونها ولينها،وله رائحتها وحرارتها،وأن تلمسوه بأيديكم،وتسمعوا معه صوتها من الراد،وتروا صورتها في الرائي،فتشغلوا حواسكم الثلاث بها،ولسانكم بمناجاتها،وعقلكم بتصورها،ولكن هل يغنيكم ذلك عن جسدها النابض بالحياة؟

هل تجدون في ذلك لذة الوصال؟

كلا.إنكم صنعتم الجسد،ولكنه كان جسداً بلا روح.وكذلك كانت حضارتكم.لقد ملكتم عالم المادة،ولكنكم خسرتم عالم الروح تقولون:ما عالم الروح؟

أما قمتم مرة في هدأة الليل،فتأملتم صفاء السماء ولمعة النجم،فأحسستم في قلوبكم بعظمة الكون؟

أما سمعتم مرة نغمة عذبة تسري في جنبات الليل سريان الصحة في الأجسام ،فحملتكم نبراتها إلى أودية الأحلام؟

أما تركتم مرة زحمة الناس،وضجة الحياة،ودخلتم بيتاً من بيوت الله ساكناً،فشعرتم بهوان الدنيا،وصغر الأرض،في جنب الملك الجبار،ووجدتم حلاوة الإيمان ولذة الاستغراق في العبادة؟

هذه لمحات من عالم الروح.

إنكم غارقون في لج المادة،فمن أين يتنفس الغريق في البحر نسمات الأسحار؟

إنكم تركضون في حلقة مفرغة،تسيرون سير السواني،تفيقون فتسرعون إلى الطعام تبتلعونه ابتلاعاً،والجريدة تلتهمونها التهاما،فإذا لبستم ثيابكم أسرعتم إلى العمل فانغمستم فيه،فإذا كان الظهر عدتم مسرعين إلى الدار فأكلتم وأسرعتم إلى الخروج،ثم عدتم مسرعين إلى المنام.

ثم بدأتم من غد من حيث انتهيتم اليوم!ركض أبداً،وإسراع دائماً،ولا تعرفون إلى أين المسير!

ويتابع رحمه الله:”إنكم أغنى منا مالاً،وأقوى قة،وأكثر عمراناً،وأعرف منا بأسرار المادة وسنن الكون،ولكننا أغنى منكم بكنوز الروحيات،فتعالوا خذوا منا،فإن الإنسان قد عاش بلا علم ولا مال،ولكنه لا يعيش بلا روح”.

ويقول الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص94):

“سكينة النفس ـ بلاريب ـ هي الينبوع الأول للسعادة،ولكن كيف السبيل إليها إذا كانت شيئاً لايثمره الذكاء ولا العلم ولا الصحة ولا القوة، ولا المال والغنى،ولا الشهرة والجاه،ولاغير ذلك من نعم الحياة المادية؟

إننا نجيب مطمئنين: أن للسكينة مصدراً واحداً لاشريك له،هو الإيمان بالله واليوم الآخر، الإيمان الصادق العميق،الذي لايُكدره شك،ولايُفسده نفاق.

ويتابع:”هذه السكينة روح من الله، ونور، يسكن إليه الخائف،ويطمئن عنده القلق،ويتسلى به الحزين،ويستروح به المتعب،ويقوى به الضعيف،ويهتدي به الحيران”.

ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد365):

“ما الحياة؟ما الإنسان؟ما العقل؟ما الحضارة؟إلى أين نسير؟كيف نعمل؟لماذا نعيش؟فيم نتعب؟تبا لكل هذه الضلالات الداجية التي لايبرق فيها نجم واحد يقول للإنسان:اتبعني،سوف تهتدي!!

هذه هي الحضارة الأوربية الحديثة قد انتهت بالناس إلى خلق هذا الإشكال الدائم الذي لا يحل،وساقت الناس إلى مرعى من الشك وبىء،كلما ازدادوه غذاء زادهم بلاء،فلا ينتهي من ينتهي إلا إلى هلكة تدع فكرة الحياة خرافة عظيمة قد اتخذت لها أسلوباً تتجلى فيه،فكان أبلغ اسلوب وافظع أسلوب،هذا الإنسان الذي يحمل من رأسه قنبلة حشوها المادة المتفجرة التي تهلكه وتهلك ما يطيف به أو يقاربه،فلا هو ينتفع بنفسه،ولا ينتفع العالم به.

لو سئل إنسان هذا القرن:ما أنت؟لقال:أنا اللعنة الملعونة التي تشأم نفسها وتشأم من يعترض انصبابها وسيلها.أنا الناب الذي ينقع في الإنسانية سمه حتى تبرد حياتها في عضته.أنا الهالك المهلك،هذه حياتي،وهذا عقلي،وهذه حضارتي،ومن أجل هذا خلقت،وفي سبيله أعيش،وعلى قضائه أعمل…!!

المدنية الأوربية الحديثة هي التي استطاعت أن تنفذ بالعقل في ضمير الحياة تستنبط منه نلموس الحياة التي تدب على الأرض ومع ذلك فهي التي سلبت هذا العقل قدرته على الخضوع للروح لتمده بالنور المشرق الذي يستضىء به في رفع الإنسانية درجة بعد درجة إلى مراتب الملائكة،اي إلى مرتبة الروحانية الصافية التي تنهل أضواؤها على النفس والقلب والروح،فتروى من فيضها،وترث من ذلكم نوراً ورحمة وسكينة،وتنبت غرسها الإلهي الذي يجنيه الإنسان هداية وعدلاً وسعادة،فتتضاعف به الحياة حتى يقوى الخير فيها ويضوي الشر.

لقد أخفقت هذه المدنية في سعيها لخير الإنسان،وأثبتت بكل دليل أنها مهما تكن أحسنت إلى الإنسانية فلم تحسن مرة واحدة أن تضبط نوازع النفس،وتردها إلى الطريق الواحد الذي ينبغي أن تصدر عنه،حتى تكون أعمالها نقية طاهرة متشابهة.ذلك الطريق هو طريق الروح الذي لايتم لعمل تمام ولايظفر بخلود أو بقاء،إلا أن يكون فيه مس الروح وطهارة الروح،وقدس الروح.

أطلقت هذه المدنية في الدم الإنساني كل ذئاب الشر والرذيلة،فخرجت من مكامنها جائعة قد سلبها الجوع كل إرادة تحملها على بعض الورع الذي يكف منها،فعائت في إنسانية الإنسان حتى جُنّ،وتنزى في الأرض وحشاً يجعل شريعته المقدسة تنبع أحكامها من معدته،ومن أحكام هذه المعدة ومطالبها،وكذلك انقلب النظام الاجتماعي في العالم من نظام روحي عقلي سام،إلى نظام اقتصادي تجاري ضار،الآكل والمأكول فيه سواء.لأن النية انعقدت في كليهما على الافتراس،وما فرق بينهما إلا فرق القوة التي أعدت هذا للظفر،وأسلمت ذلك إلى العجز،فدفعت به إلى رحى تدور بأسباب من الطغيان والفجور.

وماهي شريعة المعدة في هذه المدنية الاقتصادية التجارية؟هي شريعة السوق التي لاتعرف قيمة الشىء إلا في ميزان من الطلب.فما طُلب فهو الجيد،وما عُميَ على الطالب فهو الردىء الذي لاقيمة له،وكل شيء قائم في جوهره على النزاع الذي لاتسامح فيه،والأمر كله للغلبة:غلبة الأقوىنلا غلبة الأعدل،غلبة الحيلة لا غلبة الصدق،غلبة البراعة لا غلبة الحق.

فهذه الشريعة هي شريعة إعزاز القويِّ،لأن القوة تسوّغه أن يتسلط،وإذلال الضعيف،لأن الضعيف تهالك به أن يتحكم،وليس بين هذين معادلة ولا نصفة،وليس أحدهما من الآخر إلا كالثعبان من العصفورإذا عرض له ،فسلط عليه الرعب من عينيه ،فينتفض في قبضة أشعتهما المفترسة المسمومة حتى يبرد دمه فلا يستطيع حركة،ولا ينتغش بدنه بذعاء من الحياة.هي الشريعة التي تجعل إنسانها القوي مقبرة لإنسانها الضعيف،فالقوي أبداً آكل قد أرمَّت في نفسه تلك الجيف التي انتهشها وألقى بها في معدته،فتجيفت وتعفنت،وتصاعدت أرواحها المنتنة في حياته،فجعلته متسرّعاً نفاذاً كأنما يريد أن يهرب بنفسه من نفسه التي لا يطيق جوها،لأنه جو خانق،تطوف فيه أشباح الفرائس المسكينة التي بطشت بها أنيابه ومخالبه.

إن الكون لا يصلح إلا على معنى الأقوى والأضعف.هذا حقٌّ لايماري فيه إلا مكابر أو مبطل أو أحمق.ولكن يبقىذلك العمل الإنساني الذي يثبت للإنسان معاني النبل المنحدرة في روحه من نبل النور الأزلي الذي بعث الحياة بعثاً في نفسه وفي أعماله،وبهذا العمل وحده يعرف الإنسان معنى السعادة في السراء والضراء،وفيما أرضى وما أسخط،وتكون حاله في الحالين واحدة،وذلك بأن تتسع روحه بالواجب الاجتماعي الروحي الذي يتراحب بإنسانيته في الكون كله،فموقع اللذة منها موقع الألم.وينزل الألم في منزل اللذة،وتمسح النظرة السامية عن الوجود كل الغبار الأرضي الذي يغطي محاسن الحياة وتنير الكلمة ظلمة النفس:الحمد لله فيما سر وما ساء.

والعمل الإنساني المستمد روحه من الجزاء الإلهي في الإنسان هو العدل والمساواة،وقدجعلت الحضارة الحديثة معنى العدل والمساواة صدقة يتصدق بها أغنياء قوم على فقرائهم،وأقوياؤهم على ضعفائهم،لا على معنى الصدقة في إخلاصها لله ثم للإنسانية ولكن على معنى التخفف من تعب الغنى وتعب القوة.

أما حقيقة العدل والمساواة،فهي عمل الإنسان الأقوى في رفع الإنسان الأضعف إلى مرتبته،فلايزال هو يرتفع بقوته،ولايزال الضعيف يسمو معه لأنه معقود الأواصر به.وإذا كان ذلك هو القاعدة فالاجتماع كله سام ذاهب إلى السمو،ولا لايكون فيه معنى للطبقات إلا على معنى التدرج،ولا يكون التدرج إلا على تماسك وتواصل،وليس تماسك ولا تواصل إلا علىحرص الأعلى على التعلق بالأدنى،وكذلك لا يرتفع شيء من المجتمع لأنه أعطى القدرة على الالاتفاع،ولا يسقط الشيء الآخر منه لأنه لم يجد مايتعلق إذ حرم هذه القدرة أو زويت عنه أسبابها.

فهذه هي شريعة الروح الطاهرة التي تتعطر من نواحيها برائحة جنة الخلد،فانظر ما بينها وبين شرائع المعدة التي جعلت أحشاءها مقابر للضعفاء تأكل منهم لتتسع بمعنى الجريمة الحيوانية،وتنقبض عن معنى الرحمة الإنسانية الإلهية.”.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:

“في القلب شعث لايلمه إلا الإقبال على الله.

وفيه وحشة لايزيلها إلا الأنس بالله.

وفيه حزن لايذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته.

وفيه قلق لايسكنه إلا الإجتماع عليه، والفرار إليه.

وفيه نيران حسرات لايطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه.

وفيه فاقة لايسدها إلا محبته والإنابة إليه،ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا ومافيها لم تسد تلك الفاقة أبداً”.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ حفظه الله (تذكرة للدعاة ص325):

“يقول الله تعالى:{ومن أعرضَ عن ذكري فإنّ له معيشةً ضَنكا ونحشرهُ يومَ القيامة أعمى*قالَ رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيراً* قال كذلك أتتكَ أياتي فنسيتها وكذلكَ اليومَ تُنسى}[طه 124 ـ 126].

يقول الدكتور الصباغ:”يئن العالم كله وعالمنا العربي خاصة من مشكلات وأزمات اقتصادية وسياسية وفكرية وخلقية واجتماعية…وقد نادى عدد من الكتاب والعلماء بضرورة إصلاح هذه المشكلات والتخلص من هاتيك الأزمات.

يشكو الناس من الغلاء الفظيع، والفقر المدقع،والديون المرهقة.ويسود الناس قلق نفسي يجتاح نفوس الفتيان والفتيات،والكهول والشيوخ..ويعاني الناس تفسخاً في الأسرة،وانهياراً في الروابط الزوجية،وفساداً خلقياً يعم المجتمع كله، ولاتخلو منطقتنا من اضطرابات أمنية وسياسية تفزع وترعب..

من اجل ذلك سيطر اليأس على كثير من الناس..وظنوا ان هذا الواقع المؤلم لازم لهم لامناص منه. فكان سوء الظن والحقد والأثرة والنزاع والشجار والإجرام نتيجة طبيعية لهذا الواقع.

هذه هي المعيشة الضنك وسبب قيامها الإعراض عن ذكر الله والإسراف في المعصية والتخلي عن الإيمان{وكذلكَ نجزي من أسرفَ ولم يُؤمن بآياتِ ربِّهِ ولعذابُ الآخرةِ أشدُّ وأبقى}.[طه127]”.

ويقول الشهيد سيد قطب في الآيات الكريمة من سورة طه{ومن أعرض عن ذكري…]يقول:

“والحياة المقطوعة الصلة بالله ورحمته الواسعة، ضنك مهما يكن فيها من سعة ومتاع.إنه ضنك الانقطاع عن الاتصال بالله والاطمئنان إلى حماه.ضنك الحيرة والقلق والشك ،ضنك الحرص والحذر:الحرص على مافي اليد والحذر من الفوت. ضنك الجري وراء بارق المطامع والحسرة على كل مايفوت.ومايشعر القلب بطمأنينة الاستقرار إلا في رحاب الله.وما يحس راحة الثقة إلا وهو مستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها..

إن طمأنينة الإيمان تضاعف الحياة طولاً وعرضاً وعمقاً وسعة، والحرمان منه شقوة لاتعدلها شقوة الفقر والحرمان”.

ويقول صاحب تفسير التحرير والتنوير الشيخ ابن عاشور رحمه الله:

“يقول تعالى:{والذين كفروا فتعساً لهم وأضلّ أعمالهم}[محمد8] يقول:”التعس: الشقاء، ويطلق على عدة معان: الهلاك والخيبة والانحطاط والسقوط، وهي معان تحوم حول الشقاء، وقد كثر أن يقال تعساً له: للعائر البغيض، أي سقوطاً لانهوض منه، ويقابله قولهم للعائر لعاً له أي ارتفاعاً قال الأعشى:

بذات لَوث عفرناةٍ إذا عثرت        فالتعسُ أولى لها من أقول لَعَا

ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله[موقع القرضاوي مقالة بعنوان المتقون]:

“الإيمان بالله فكرة مركوزة في حنايا النفس، كلُّ مولود يُولد على الفطرة،لو تُرك ونفسه، وإنما أبواه يُهودّانه، أو ينصرانه، أو يُمجسانه،كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”ما من مولود إلا يُولد على الفطرة، فأبواه يُهودّانه أوينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تُحسُّون فيها من جدعاء“ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه:{فِطرتَ الله التي فطرَ الناسَ عليها}[الروم30].

ويتابع فيقول” يهدد الإيمان في حياة الناس ثلاث آفات:آفة الالحاد، وآفة الشرك، وآفة النفاق.

والإلحاد:هوجحود الخالق عزّ وجلّ. أن يزعم بعض الناس أنه صنعة من غير صانع، أنه خُلق وحده،ليس له خالق خلقه، ولامدبر دبرّ أمره، هو نبات شيطاني، لم يزرعه زارع،ولم يغرسه غارس.هكذا يقول الماديون والملاحدة، حتى قال بعضهم زاعماً: ليس صواباً أن الله خلق الإنسان، وإنما الصواب أن الإنسان هو الذي خلق الله!!

قال الشيوعيون:إن الألوهية والفكرة الدينية عموماً، من اختراع الأغنياء ليلهوا بها الفقراء. هكذا زعموا!

قامت دولة للإلحاد، هي دولة الشيوعية والماركسية، أعظم دولة ملحدة، وأقوى دولة ملحدة، ثم انهارت فجأة، وذهب ريحها، لأنها قامت ضد الفطرة، وضد العقل، قامت على أساس ألا إله والحياة مادة، ولاشئ غير المادة. فانهارت دولة الإلحاد.

ويتابع:”وأكثر الملاحدة ألحدوا، لأنهم انحرفوا وفسقوا وفجروا، فأرادوا أن يبرروا فجورهم وانحرافهم، واتّباعهم للشهوات، وجريهم وراء الفسوق والملذات فقالوا: لا إله ولانبوة، ولا آخرة ولاجنة ولا نار.إنه تبرير وتسويغ لما وقعوا فيه، فليس إلحادهم إلحاد عقل وفكر، إنما هو إلحاد بطن وفرج. فجروا ثم كفروا، وكفرهم تبرير لفجورهم”.

نعم، لقد شقي الإنسان شقاءً مراً تعيساً حين رفض الدين جملة وتفصيلاً،وأنكر الفطرة التي فطره الله عليها{فأقم وجهكَ للدينِ حنيفاً فطرتَ الله التي فطرَ الناسَ عليها لاتبديل لخلق الله ذلكَ الدينُ القيّم ولكنَّ أكثرَ الناسِ لايعلمون} [الروم30]،فوقع في عبادة الحزب أو الفرد أو الشهوات أو الأهواء أو الأوثان البشرية وغير البشرية، ونسي في غمار هذا أن فطرة الله لايمكن نسخها ولافسخها{لاتبديل لخلق الله}.

ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:

“ضلّت البشرية حينما عبدت غير الله عز وجل، ولا زالت البشرية إلى اليوم، وبعد أن غزا الإنسان الفضاء، وصنع الكمبيوتر، لاتزال البشرية إلى اليوم تعبد الأصنام، مئات الملايين بل آلاف الملايين من البشر لا زالت تعبد الأصنام، وتعبد الحيوانات، وتعبد الشيطان، وتعبد آلهة شتى”.

وإذا نظرنا إلى أمثال هؤلاء الذين عبدوا المادة والأهواء والأوثان من دون الله نجد في داخلهم قلقاً رهيباً، يؤرقهم ويخيفهم على الرغم من النجاح المادي الذي يحصلون عليه، ونجد أن أعلى نسبة للانتحار والجنون هي في دول العالم الاسكندينافي كالسويد والدانمرك على الرغم من أنها أكثر دول العالم تقدماً على المستوى المادي، ولكنها من أفقر دول العالم على المستوى الروحي والديني.إنهم على الرغم من نجاحهم المادي لم يصلوا إلى تحقيق الانسجام المطلوب مابين الإنسان والكون الذي يعيش فيه، وهذا لايمكن أن يتحقق إلا بالإيمان بخالق هذا الكون ومافيه والذي أجرى عليه سننه ونظامه.

إن كهنة الحضارة المادية الحديثة وأعني بهم أعلام الملحدين والمشككين قد دأبوا على الزعم والافتراء بأن الدين طور متخلف من أطوار الحياة،وأنه قد أدى دوره في العصور السالفة، ولم يعد صالحاً للعصور الحاضرة،وأنه كلما تقدّم الإنسان حضارياً وعلى مستوى مختلف العلوم والفنون فإنه يستغني عن الدين بضوابط العقل وفنون العلم ووسائل الثقافة والفكر ، ومراسة المجتمع والدولة.وهذه هي مزاعم ومبادئ الالحاد والوجودية وهي مزاعم موغلة في السذاجة والخطأ،متجذرة في الغباء المطلق.إن من ينادون بهذه المبادئ ويطلقون هذه المزاعم هم أناس مرضى منحرفين أرادوا إرضاء غرائزهم وتحقيق شهواتهم، وهذا لايكون إلا من خلال التحرر من كل القيود والأعراف والمسؤليات”.

يقول الأستاذ محمد عبد الله دراز رحمه الله:

“إن هذه الفوضى الخلقية لايمكن أن تنمو وتوجد على أوسع نطاق لها إلا في جو الإلحاد،الذي ينكر القوانين السماوية، ويسخر من كل الأديان،ويرفع من القلب شعور الاستحياء من الله، لأن الذي يريد أن يعطي لنفسه هذه الحرية الخلقية المطلقة لايمكنه أن يتجنب وخز ضميره مادام هذا الضمير يقظاً واعياً، ومادامت فكرة الرقيب الأعلى تحتل مكانتها القدسية في هذا الضمير، فلابد أن يبدأ بمحاولة تخريب هذا الجهاز القدسي لإخفاء الصورة المرسومة في ضميره، ولايتم له ذلك إلا إذا أغلق النوافذ التي يرى منها نور الله والتي يسمع مها داعي الله، ثم لايكفيه هذا لأنه لايرضى إلا أن يكون كالنعامة تخفي رأسها في التراب فتظن أن الصائد لايراها مادامت هي لاتراه،فلابد أن يتقدم خطوة أخرى، لا لإخفاء الصورة عن عينيه فحسب، بل لينزعها من نفسه، فيأخذ بالاستماع لكلمات التشكيك في وجود الله، ثم كلمات الإنكار لوجود الله، وهكذا يتقلص إيمانه وينزوي شيئاً فشيئاً حتى يكفر، لاحُبّاً في الكفر، ولا اقتناعاً به في أول الأمر، ولكن لإخلاء الطريق أمام غرائزه وشهواته. إنه يكفر ليفجر، وينكر الإله، ليتخذ إلهه هواه”.

ويقول الأستاذ أحمد فائز في مقدمة كتابه” طريق الدعوة في ظلال القرآن”:

“إن الأرزاق المادية والتيسيرات المادية يمكن أن تصبح من أسباب شقوة البشرية ـ لافي الآخرة المؤجلة وحدها ـ ولكن في هذه الحياة الواقعة كما نشهد اليوم في حضارة المادية الكالحة.

إن هذا الصياح المستمر بتضخيم المادية والانتاج المادي بحيث يطغى الانشغال به على حياة الناس وتفكيرهم وتصوراتهم كلها، وبحيث يتحول الناس إلى آلات تلهث وراء هذه القيم، وتعدها قيمة الحياة الكبرى،وتنسى في عاصفة الصياح المستمر:الانتاج…الانتاج..كل القيم الروحية والأخلاقية..إن هذا الصياح ليس بريئاً، إنما هو خطوة مدبرة لإقامة أصنام تعبد بدل أصنام الجاهلية الأولى، وتكون لها السيادة على القيم جميعاً، وعندما يصبح الانتاج المادي صنماً يكدح الناس حوله، يطوفون به في قداسة الأصنام،فإن كل القيم والاعتبارات تداس في سبيله، وتنتهك الأخلاق والأسرة، والأعراض والحريات”.

نعم ، إنه بدون القيمة العليا لمنهج الله وسيادته تصبح الأرزاق والتيسيرات المادية لعنة ،لأنها تستخدم في إعلاء القيم الحيوانية الدنيا على حساب القيم الإنسانية العليا، وصدق الله تعالى:{ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}.

الإيمان بالله ودور الإنسان والهدف من الحياة

هناك أسئلة تدور في ذهن الإنسان وتملك عليه أحياناً وقته وتشغله عن عمله وقد تسبب له التوتر والقلق وقد تودي به لأمراض نفسية وأحياناً نفسية ـ جسمية وقد تكون أحياناً ذات نتائج وخيمة وعقابيل خطيرة.

ومن هذه الأسئلة والتساؤلات كيف خلقت ولما؟ ومن الخالق، وهل هناك حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا؟وما الهدف من هذه الحياة؟ ولماذا المرض والأحزان؟ولماذا نفقد الأحباب والأصحاب؟…

وقد عبّر الشاعر إيليا أبو ماضي عن هذه الأسئلة والتساؤلات في قصيدته”الطلاسم” والتي يقول فيها:

جئت لا أعلم من أين،  ولكني أتيت

ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت

وسأبقى سائراً إن شئتُ هذا أم أبيت

كيف جئت؟كيف أبصرتُ  طريقي ؟

لست أدري!

وقبله بعدة قرون عبرّ الشاعر عمر الخيام عن حيرته وشكه :

لبست ثوب العيش لم أستشر

وحرت فيه بين شتى الفكر

وسوف أنضو الثوب عني ولم

أدر:لماذا جئت؟ أين المفر؟

وللأسف فهذه ليست قصائد يرتلها المئات من القراء بل هي أغاني ينشدها المشاهير من أعلام الغناء وترددها الملايين من الناس ويعتنقون مافيها عن قناعة أو غباء أو جهل أو غفلة!!

يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص114):

“إن هذا الشك والاضطراب والقلق الذي يتقلب على جمره الحائرون والمرتابون في وجود الله وحكمته،وعدله ورحمته، وجزائه في الآخرة، ووحيه إلى رسله، هذا الشك ليس شيئاً هيناً. إنه عذاب أليم، وكوة من الجحيم فتحت على أهله،تلفحهم بنارها،وتشوي قلوبهم بحميمها،وكلما خفّ لهيبها هبّت عليهم عواصف الشك من جديد، فاشتعلت النار، ليذوقوا العذاب.

إن هذا القلق أمر لامناص لهم منه،إنه سيحرمهم سكون النفس، وهدوء الضمير،سيقض عليهم مضاجعهم،وينغص عليهم حياتهم،ويؤرق عليهم ليلهم،ويكدر عليهم نهارهم، إنهم يعيشون كما قال الله”معيشة ضنكاً”.

ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 288):

“ونظرت حولي أفتش عن هذا الخالق،فرأيت ناساً مثلي،وما هؤلاء بخالقين يحتاجون إلى من يخلقهم،وحالهم كحالي،ورأيت جبالاً وبحاراً وكواكب،ولكن ذلك كله جامد لا حياة فيه.فهل يمنحني الحياة وهو لا يملكها؟هذه هي الطبيعة فهل تخلق الطبيعة شيئاً؟ثم إن معنى(الطبيعة) ـ كما تعلمت بعد ـ أنها (مطبوعة) فأين الطابع؟.

فتشت عنه فإذا الإيمان في أعماق نفسي،لا أدري من أين دخل إليها،ولعله من وضع الخالق الذي وضع السمع والبصر في الوجه،والقلب في الصدر،والعقل في الرأس؟ووجدتني أعود في ساعات الشدة إلى الخالق ـ الذي يَرى ولا يُرى ـ أرجوه وأخافه،وأسأله وأعوذ به،ووجدتني أنه لا يشبه شيئاً مما أرى،ولا يحده مكان ولا زمان،لأن الزمان والمكان مخلوقات هو خالقها،وأنه قديم باق متصف بكل كمال مطلق،منزه عن النقائص كلها.

فآمنت به إيماناً لا يزعزعه(بحمد الله) شك!

ولكني لبثت اسأل نفسي:لماذا خلقت؟وهل الحياة(تكليف) عليّ أن أحمله،أو أن لي الحق بالتخلي عنها وطرحها؟فقالت النفس:بل عليك أن تحملها.إنك لست مالك نفسك ولا أنت موجدها،وإنما هي وديعة في يدك،يكافئك صاحبها إن استعملتها في الذي خلقها له،ويعاقبك إن اتخذتها وسيلة إلى لذتك،وأطعت فيها هواك،وحدت بها عن سبيلها.

قلت:فما هي الغاية من الحياة،أهي الأكل والشرب واللذة؟

قالت النفس:كلا. هذه أسباب الحياة بها تقوم وتبقى،وليست هي الغاية منها.

قلت:افخدمة الناس ونفع البشر،وان أتخذ فيهم حسناً،وأبقى فيهم ذكراً،هي غاية الحياة؟

قالت:كلا.إن الناس لا يمكن أن يحيوا للناس، وما خدمة البشر إلا عرضٌ من أعراض الحياة وليست بجوهرها.إن المسافر يحرص على راحته في سفره،فيتخذ خير المركبات،ويبتغي أطايب الزاد،ويصحب خير الرفاق،ولكن للمسافر وراء ذلك كله غاية من سفره،والحياة سفر فإلى أين المسير؟

قلت: لا أدري!

قالت: أعوذ بالله! وهل يتميز الإنسان عن الحيوان إلا بأنه يدرك غاية الحياة؟أما من يأكل كما تأكل الأنعامنويشرب كما تشرب،ويلد كما تلد،فهو مثلها أو أضل منها سبيلا.

قلت:فخبريني أنت ما هي الغاية؟

قالت: لو سألت الجنين في بطن أمه وكان قادراً على الفهم والإجابة:ما هي دنياك،وما هي حياتك،وما غاية الحياة،لقال لك أن دنياه هذه الأحشاء الضيقة،وهذه الظلمة المستمرة،وإن حياته هذه الجلسة المتعبة،وهذا السكون الدائم،وإن غايته…ليس يدري ما غايته!

ولو أفهمت هذا الجنين أن هناك دنيا واسعةنفيها شمس وقمر،وفضاء رحب،وبحر وسماءنوأن غايته أن يبلغها،وأنه سيعرفها ويراها حقاً..

لو أفهمته هذا لكذبك وأعرض عنك،لأنه لا يستطيع أن يتخيل إلا ما هو فيهنولا يقدر أن يتصور ماذا يكون البحر والشمس والقمر؟

فإذا جاء إلى الدنيا وصار رجلاً،نسي حياته الأولى وكذب بها،وقال: إن هي إلا دنيا فيها نموت ونحيا..فغذا خبره الرسل أن هناك حياة أخرى:حياة ثالثة،وأنها هي دار البقاء،وأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر،وأن غايته بلوغ تلك الحياة في طاعة الله وعبادته..

غذا خبر بها كذب به كذب ذلك الجنين..

أفتكذب أنت بذلك؟

قلت: لا

قالت:(فتلك إذن غاية الحياة) أن تتصل بالله وتعبده،وأن تعد نفسك لحياة الخلود”.

ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله في مقالة له بعنوان”ويلك آمن…! (الرسالة العدد 365 عام 1940م):

“ماالحياة؟ما الإنسان؟ما العقل؟ ما الحضارة؟ إلى أين نسير؟كيف نعمل؟ لماذا نعيش؟ فيم نتعب؟تباً لكل هذه الضلالات الداجية التي لايبرق فيها نجم واحد يقول للإنسان: اتبعني، سوف تهتدي!!

هذه هي الحضارة الأوروبية الحديثة قد انتهت بالناس إلى خلق هذا الإشكال الدائم الذي لايحل،وساقت الناس إلى مرعى من الشك وبئ، كلما ازدادوه غذاء زادهم بلاء،فلاينتهي من ينتهي إلا إلى هلكة تدع فكرة الحياة خرافة عظيمة قد اتخذت لها اسلوباً تتجلى فيه، فكان أبلغ أسلوب وأفظع اسلوب، هذا الإنسان الذي يحمل من رأسه قنبلة حشوها المادة المتفجرة التي تهلكه وتهلك مايطيف به أو يقاربه، فلا هو ينتفع بنفسه، ولا ينتفع العالم به.

لو سئل إنسان هذا القرن: ما أنت؟ لقال: أنا اللعنة الملعونة التي تشأم نفسها وتشأم من يعترض انصبابها وسيلها.أنا الناب الذي ينقع في الإنسانية سُمَّه حتى تبرد حياتها في عضته.أنا الهالك المهلك، هذه حياتي، وهذا عقلي، وهذه حضارتي، ومن أجل هذا خلقت، وفي سبيله أعيش، وعلى قضائه أعمل..!!

ويتابع الأستاذ شاكر:

“المدنية الأوروبية الحديثة هي التي استطاعت أن تنفذ بالعقل في ضمير الحياة تستنبط منه ناموس الحياة التي تدب على الأرض ومع ذلك فهي التي سلبت هذا العقل قدرته على الخضوع للروح لتمده بالنور المشرق الذي يستضئ به في رفع الإنسانية درجة بعد درجة إلى مراتب الملائكة،أي إلى مرتبة الروحانية الصافية التي تنهل أضواؤها على النفس والقلب والروح، فترى من فيضها ذلك نوراً ورحمة وسكينة، وتنبت غرسها الإلهي الذي يجنيه الإنسان هداية وعدلاً وسعادة، فتتضاعف به الحياة حتى يقوى الخير فيها ويضوى الشر.

لقد أخفقت هذه المدنية في سعيها لخير الإنسان، وأثبتت بكل دليل أنها مهما تكن أحسنت إلى الإنسانية فلم تحسن مرة واحدة أن تضبط نوازع النفس، وتردها إلى الطريق الواحد الذي ينبغي أن تصدر عنه،حتى تكون كل أعمالها نقية طاهرة متشابهة. ذلك الطريق هو طريق الروح الذي لايتم لعمل تمام ولايظفر بخلود أو بقاء، إلا أن يكون فيه مس الروح وطهارة الروح، وقدس الروح.

ويتابع رحمه الله:

“أطلقت هذه المدنية في الدم الإنساني كل ذئاب الشر والرذيلة، فخرجت من مكانها جائعة قد سلبها الجوع كل إرادة تحملها على بعض الورع الذي يكف منها،فعاثت في إنسانية الإنسان حتى جُنّ،وتنزّى في الأرض وحشاً يجعل شريعته المقدسة تنبع أحكامها من معدته،ومن أحكام هذه المعدة ومطالبها،وكذلك انقلب النظام الاجتماعي في العالم من نظام روحي عقلي سام، إلى نظام اقتصادي تجاري ضار، الآكل والمأكول فيه سواء،لأن النية انعقدت في كليهما على الافتراس، وما الفرق بينهما إلا فرق القوة التي أعدت هذا للظفر، وأسلمت ذلك إلى العجز، فدفعت به إلى رحى تدور بأسباب من الطغيان والفجور.

وما هي شريعة المعدة في هذه المدنية الاقتصادية التجارية؟هي شريعة السوق التي لاتعرف قيمة الشئ إلا في ميزان من الطلب.فما طلب فهو الجيد، وما عُمِّيَ على الطالب فهو الردئ الذي لاقيمة له، وكل شئ قائم في جوهره على النزاع الذي لاتسامح فيه، والأمر كله للغلبة:غلبة الأقوى، لاغلبة الأعدل، غلبة الحيلة لاغلبة الصدق، غلبة البراعة لا غلبة الحق.

فهذه الشريعة هي شريعة إعزاز القويّ، لأن القوة تسوِّغه أن يتسلط،وإذلال الضعيف، لأن الضعف تهالك به أن يتحكم،وليس بين هذين مَعدلة ولا نصَفة،وليس أحدهما من الآخر إلا كا لثعبان من العصفور إذا عرض له،فسلط عليه الرعب من عينيه،فينتفض في قبضة أشعتهما المفترسة المسمومة حتى يبرد دمه فلا لايستطيع حركة، ولا يتنغش بدنه بذَماء من الحياة.

إن شريعة إعزاز القويّ وإعلاء الأقوى،وإذلال الضعيف وإسقاط الأضعف،هي الشريعة الحيوانية التي لم تعل إلا بإذلال الروح والعقل وإسقاطهما ونبذهما، هي شريعة البغي والعدوان على الروح بالروح الشيطانية،وعلى العقل بالعقل المتمرد، وكلما استحكم أمرها كانت الإنسانية ذاهبة إلى نبع نجس تنغمس فيه لتصدر عنه أقوى مما وردت ـ أي أنجس مما وردت”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال في قوله تعالى في سورة الطور:{الذين هم في خوض يلعبون}[الطور 12]،يقول:

“وهذه حقيقة لا يدركها الإنسان إلا حين يستعرض كل تصورات البشر المشهورة سواء في معتقداتهم أو أساطيرهم أو فلسفاتهم في ظل التصور الإسلامي للوجود الإنساني ثم للوجود كله…إن سائر التصورات حتى لكبار الفلاسفة الذين يعتزّ بهم تاريخ الفكر الإنساني تبدو محاولات أطفال يخبطون ويخوضون في سبيل الوصول إلى الحقيقة.تلك الحقيقة التي تعرض في التصور الإسلامي وبخاصة في القرآن عرضاً هادئاً ناصعاً قوياً بسيطاً عميقاً.يلتقي مع الفطرة التقاء مباشراً دون كدّ ولا جهد ولا تعقيد لأنه يطالعها بالحقيقة الأصيلة العميقة فيها.ويفسر لها الوجود وعلاقتها به كما يفسر لها علاقة الوجود بخالقه تفسيراً يضاهي ما استقر فيها ويوافقه.

ويتابع رحمه الله:”وطالما عجبت وأنا أطالع تصورات كبار الفلاسفة،وألاحظ العناء القاتل الذي يزاولونه،وهم يحاولون تفسير هذا الوجود وارتباطاته،كما يحاول الطفل الصغير حل معادلة رياضية هائلة…وأمامي التصور القرآني واضحاً ناصعاً سهلاً هيناً ميسراً طبيعياً،لا عوج فيه ولا لفّ ولا تعقيد ولا التواء.وهذا طبيعي،فالتفسير القرآني للوجود هو تفسير صانع هذا الوجود لطبيعته وارتباطاته.أما تصورات الفلاسفة فهي محاولات أجزاء صغيرة من هذا الوجود لتفسير الوجود كله..والعاقبة معروفة لمثل هذه المحاولات البائسة”.

وجاء في مقال للأستاذ زكي نجيب محمود يتحدث عن رحلة البحث عن الحق والوصول لنعمة اللإيمان عند أبي حامد الغزالي رحمه الله وصاحب المؤلف العظيم إحياء علوم الدين(الرسالة العدد 550):

“هل جاءك حديث الإمام الغزالي وهو(حجة الإسلام وزين الدين)؟ لقد قرأ إبان نشأته ما قاله الحكماء والفلاسفة،فارتجت له نفسه وأخذه الشك من كل جانب.اقرأ له(المنقذ من الضلال)لتستمع إلى قصته عن نفسه يروي لك ما قاساه في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق،مبتدئاً بعلم الكلام،ومنتقلاً بعد ذلك إلى دراسة الفلسفة،ومنهياً بطريق الصوفية،خائضاً في كل ذلك بحر الخلاف،متوغلاً في كل مظلمة،متهجماً على كل مشكلة،فاحصاً عن عقيدة كل فرقة ومذهب،وهو يقول إن التعطش إلى درك حقائق الأمور كان دأبه وديدنه من أول عمره،غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلته من غير اختيار منه،فلما أدت به دراسته الطويلة العميقة إلى حيرة الشك،(حزن قلبه،وانحطت صحته،ثم التجأ إلى الله يجيب المضطر إذا دعاه،فأجابه…)وعاد إلى الإمام المؤمن يقينه(ولم يكن ذلك بنظم دليل،وترتيب كلام،بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر،وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف،فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة فقد ضيق لرحمة الله الواسعة)”.

ويقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله في مقالة بعنوان”حاجة الإنسان إلى التدين”:

“حاجة الإنسان إلى عقيدة دينية تنبثق ـ أول ما تنبثق ـ من حاجته إلى معرفة نفسه ومعرفة الوجود الكبير من حوله،أي إلى معرفة الجواب عن الأسئلة التي شغلت بها فلسفات البشر ولم تقل فيها ما يشفي.

فالإنسان منذ نشأته تلح عليه اسئلة يحتاج إلى الجواب عنها:من أين؟ وإلى أين؟ولم؟ ومهما تشغله مطالب العيش عن هذا التساؤل فإنه لابد واقف يوماً ليسأل نفسه هذه الأسئلة الخالدة.

1 ـ يقول الإنسان في نفسه: من أين جئت وجاء هذا الكون العريض من حولي؟هل وجدت وحدي أم هناك خالق أوجدني؟ومن هو؟ وما صلتي به؟ وكذلك هذا العالم الكبير بأرضه وسمائه، وحيوانه ونباته وجماده وأفلاكه،هل وجد وحده أو أوجده خالق مدبر؟

2 ـ ثم ماذا بعد هذه الحياة…وبعد الموت؟إلى أين المسير بعد هذه الرحلة القصيرة على ظهر هذا الكوكب الأرضي؟أتكون قصة الحياة مجرد”أرحام تدفع، وأرض تبلع” ولاشئ بعد ذلك؟وكيف تستوي نهاية الأخيار الطاهرين الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الحق والخير، ونهاية الأشرار الملوثين الذين ضحوا بغيرهم في سبيل الهوى والشهوة؟ أتُختتم الحياة بالموت؟..أم هناك وراء الموت حياة يجزى فيها الذين اساءوا بما عملوا والذين أحسنوا بالحسنى؟

3 ـ ثم لماذا وجد الإنسان؟ لماذا أُعطي العقل والإرادة وتميّز عن سائر الحيوان؟لماذا سخر له مافي السموات وما في الأرض؟أهناك غاية من وجوده؟أله مهمة في حياته؟ أم وجد لمجرد أن يأكل كما تأكل الأنعام، ثم ينفق كما تنفق الدواب؟ وإن كانت هناك غاية من وجوده فماهي؟ وكيف يعرفها؟

أسئلة تلح على النسان في كل عصر وتتطلب الجواب الذي يشفي الغليل ويطمئن به القلب،ولاسبيل إلى الجواب الشافي إلا باللجوء إلى الدين إلى العقيدة الصافية؟

الدين هو الذي يعرف الإنسان ـ أول مايعرفه ـ إنه لم يخرج من العدم إلى الدين صدفة،ولا قام في هذا الكون وحده، وإنما هو مخلوق لخالق عظيم،هو ربه الذي خلقه فسواه فعدله ونفخ فيه من روحه، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وأمدّه بنعمه الغامرة، منذ كان جنيناً في بطن أمه{ألم نَخلُقكُم من ماءٍ مهين*فجعلناهُ في قرارٍ مَكين*إلى قدرٍ معلوم* فقدرنا فنعم القادرون}.[المرسلات20 ـ23].

وهذا الكون الكبير من حوله ليس غريباً عنه ولاعدواً له، إنه مخلوق مثله لله، لايسير جزافاً ولايمشي اعتباطاً، كل شئ فيه بقدر، وكل أمر فيه بحساب وميزان،إنه نعمة من الله للإنسان ورحمة، ينعم بخيراته، ويستفيد من بركاته، ويتأمل في آياته، فيستدل به عن ربه{الذي خلق فسوى*والذي قدر فهدى}.{الأعلى 2 ـ 3].

بهذه العقيدة يرتبط الإنسان بالوجود الكبير،وبرب الوجود كله،ولايعيش منطوياً عن نفسه معزولاً عما حوله، أو خائف منه.

والدين هو الذي يعرف الإنسان: إلى أين يسير بعد الحياة والموت؟ إنه يعرفه أن الموت ليس فناءً محضاً، ولاعدماً صرفا، إنما هو انتقال إلى مرحلة أخرى…إلى حياة برزخية بعدها نشأة أخرى تُوفى كل نفس ماكسبت، وتخلد فيما عملت، فلايضيع هناك عمل عامل من ذكر أو أنثى، ولايفلت من العدل الإلهي جبار أو مستكبر:{يومئذٍ يصدُرُ النّاسُ أشتاتاً لِيُروا أعمالَهُم*فَمن يعمل مِثقالَ ذرَّةٍ خيراً يَره* ومن يعمل مِثقالَ ذرّةٍ شرّاً يره}[الزلزلة6 ـ8]، بهذا يعيش الإنسان بوجدانه في الخلود، ويعلم أنه خلق للأبد، وإنما انتقل بالموت من دار إلى دار.

والدين هو الذي يعرف الإنسان: لماذا خلق؟ ولماذا كرم وفضل؟ يعرفه بغاية وجوده، ومهمته فيه، إنه لم يخلق عبثاً،ولم يترك سدى،إنه خلق ليكون خليفة الله في الأرض، يعمرها كما أمر الله، ويسخرها لما يحب الله،يكشف مكنوناتها، ويأكل من طيباتها،غير طاغ على حق غيره،ولاناس حق ربه.

وأول حقوق ربه عليه أن يعبده وحده، ولايشرك به شيئاً،وأن يعبده بما شرع، على ألسنة رسله، الذين بعثهم إليه هداة معلمين، مبشرين ومنذرين، فإذا أدى مهمته في هذه الدار المحفوفة بالتكليف والابتلاء،وجد جزاءه هناك في الدار الآخرة:{يومَ تجِدُ كُلُّ نفس ماعملت من خَيرٍ مُحضراً وما عملت من سُوءٍ}.[آل عمران30].

بهذا يدرك الإنسان سر وجوده، ويستبين مهمته في الحياة، بيّنها له بارئ الكون، وواهب الحياة، وخالق الإنسان”.

ويتابع الأستاذ الدكتور القرضاوي حفظه الله:

“إن الذي يعيش بغير دين ـ بغير عقيدة في الله والآخرة ـ إنسان شقي محروم حقاً.إنه في نظر نفسه مخلوق حيواني، ولايفترق عن الحيوانات الكبيرة التي تدب على الأرض من حوله…والتي تعيش وتتمتع ثم تموت وتنفق، بدون أن تعرف لها هدفا، أو تدرك لحياتها سرا، إنه مخلوق صغير تافه لاوزن له ولاقيمة،وُجد ولايعرف: كيف وُجد، ولا من أوجده؟ويعيش ولايدري: لماذا يعيش؟ ويموت ولايعلم لماذا يموت؟وماذا بعد الموت؟إنه في شك ـ بل في عمى ـ من أمره كله:محياه ومماته، مبدئه ومنتهاه، كالذين قال الله فيهم:{بل ادّاركَ علمُهُم في الآخرة بل هُم في شَكٍ منها بل هُم عنها عَمُون} [النمل66].

وما أقسى حياة إنسان يعيش في جحيم الشك والحيرة أو في ظلمات العمى والجهل، في أخص مايخصه: في حقيقة نفسه، وسر وجوده، وغاية حياته.

إن حاجة الإنسان إلى الدين تنبثق ـ قبل كل شئ ـ من حاجته إلى معرفة حقيقة نفسه وإلى معرفة حقائق الوجود الكبرى،وأول هذه الحقائق وأعظمها وجود الله تعالى ووحدانيته وكماله سبحانه، فبمعرفته والإيمان به ـ جل شأنه ـ تنحل عقد الوجود، ويتضح للإنسان الغاية والوجهة، ويتحدد المنهج والطريق.

ويتابع حفظه الله:

“ماذكرناه من حاجة الإنسان إلى الدين يتصل بحاجاته العقلية، ولكن هناك حاجة الوجدان والشعور أيضاً،فالإنسان ليس عقلاً فقط، كالأدمغة الإلكترونية، إنما هو عقل ووجدان وروح، وهكذا تكونت فطرته،ونطقت جبلته،فالإنسان بفطرته لايقنعه علم ولاثقافة، ولايشبع نهمته فن ولا أدب، ولايملأ فراغ نفسه زينة أو متعة، ويظل قلق النفس، جوعان الروح،ظمآن الفطرة، وشاعراً بالفراغ والنقص، حتى يجد العقيدة في الله، فيطمئن بعد قلق، ويسكن بعد اضطراب،ويأمن بعد خوف، ويحس بأنه وجد نفسه”.

ويتابع حفظه الله:

“وثمة حاجة أخرى إلى الدين: حاجة تقتضيها حياة الإنسان وآماله فيها، وآلامه بها..حاجة الإنسان إلى ركن شديد يأوي إليه، وإلى سند متين يعتمد عليه، إذا ألمت به الشدائد، وحلّت بساحته الكوارث، ففقد مايحب، أو واجه مايكره، أو خاب مايرجو، أو وقع به مايخاف، هنا تأتي العقيدة الدينية، فتمنحه القوة عند الضعف، والأمل في ساعة اليأس، والرجاء في لحظة الخوف، والصبر في الباساء والضراء، وحين البأس”.

ويقول الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص102):

“إن في أعماق كل إنسان أصواتاً خفية تناديه، وأسئلة تلح عليه منتظرة الجواب الذي يذهب به القلق،وتطمئن به النفس. ماالعالم؟ما الإنسان؟من أين جاءا؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ماهدفهما؟كيف بدءا؟كيف ينتهيان؟مالحياة؟ ماالموت؟أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة؟هل يوجد شئ بعد هذه الحياة العابرة؟ وماعلاقتنا بهذا الخلود؟

هذه الأسئلة التي الحت على الإنسان من يوم خلق، وستظل تلح عليه إلى أن تطوى صفحة الحياة. لم تجد ـ ولن تجد ـ لها أجوبة شافية إلا في الدين.

والإسلام خاصة خير دين أجاب على هذه الأسئلة إجابة شافية، ترضي الفطرة النيرة،والعقل السليم،بل إجابة تنبع من أعماقهما، بل أعلن القرآن أن هذا الدين هو الفطرة الأصيلة نفسها{فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها}[الروم30]،فلو تركت الفطرة الإنسانية ونفسها بلا مؤثر خارجي، لأنتهت إلى الإسلام نفسه.وفي هذا جاء الحديث الصحيح عن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم:”كل مولود يولد على الفطرة….”.

ويقول الدكتور القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص114):
“غير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة، وتتنازعه غايات شتى،هذه تميل به إلى اليمين،وتلك تجذبه إلى الشمال،فهو في صراع دائم داخل نفسه،وهو في حيرة بين غرائزه الكثيرة، أيها يرضي.غريزة البقاء أم غريزة النوع، أم المقاتلة، أم … أم ..

وهو حائر مرة أخرى بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء المجتمع الذي يحيا فيه،وهو حائر مرة ثالثة في إرضاء المجتمع،أي الأصناف يرضيهم، ويسارع في هواهم، فإن رضا الناس غاية لاتدرك.

وقد استراح المؤمن من هذا كله، وحصر الغايات كلها في غاية واحدة عليها يحرص، وإليها يسعى،وهي رضوان الله تعالى، لايبالي معه برضى الناس أو سخطهم.

كما جعل المؤمن همومه همّاً واحداً، هو سلوك الطريق الموصل إلى مرضاته تعالى والذي يسأل الله في كل صلاة عدة مرات أن يهديه إليه، ويوفقه لسلوكه{اهدنا الصراط المستقيم}، وهو طريق واحد لاعوج فيه ولا التواء{وان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}[الأنعام 153].

وما أعظم الفرق بين رجلين: أحدهما عرف الغاية، وعرف الطريق إليها،فاطمأن واستراح،وآخر ضال،يخبط في عماية، ويمشي إلى غير غاية،لايدري إلام المسير؟ولا إلى أين المصير؟{أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم}[الملك 22].

لقد عرف المؤمن الغاية فاستراح إليها، وعرف الطريق فاطمأن به:إنه طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.{وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم *صراط الله الذي له مافي السموات وما في الأرض}[الشورى 52 ـ 53]”.

ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر(نفس المرجع السابق في مجلة الرسالة):

“إن الكون لايصلح إلا على معنى الأقوى والأضعف! هذا حقّ لايمارى فيه إلا مكابرٌ أو مبطل أو أحمق.ولكن يبقى ذلك العمل الإنساني الذي يثبت للإنسان معاني النبل المنحدرة في روحه من نبل النور الأزليّ الذي بعث الحياة بعثاً في نفسه وأعماله،وبهذا العمل وحده يعرف الإنسان معنى السعادة في السراء والضراء،وفيما أرضى وما أسخط، وتكون حاله في الحالين واحدة، وذلك بأن تتسع روحه بالواجب الاجتماعي الروحي الذي يتراحب بإنسانيته في الكون كله، فتقع اللذة منها موقع الألم، وينزل الألم في منزل اللذة، وتمسح النظرة السامية عن الوجود كل الغبار الأرضي الذي يغطي محاسن الحياة وتنير الكلمة ظلمة النفس: الحمد لله فيما سرّ وما ساء.

ويتابع رحمه الله:

“فهذه هي شريعة الروح الطاهرة التي تتعطر من نواحيها برائحة جنة الخلد، فانظر مابينها وبين شرائع المعدة التي جعلت أحشاءها مقابر للضعفاء تأكل منهم لتتسع بمعنى الجريمة الحيوانية، وتنقبض عن معنى الرحمة الإنسانية الإلهية”.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

“ألا ما أنبل السعي وراء المعرفة، والتعب في طلب الحقيقة، والكفاح الدائم للسمو على معيشة الأنعام والهوام، وما أعظم أن يصل الإنسان إلى اليقين فيجد الطمأنينة بعد القلق،والأمن بعد الخوف، والراحة الندّية بعد مشقة السير ولفحة الهجير.

أما الذين تشعبت بهم الطرق وغاب عنهم الهدى وتاهوا في أودية الضلال ولم يجدوا السبيل إلى الله فهم في بلاء وعناء وغمّ شديد، وما أروع ماتفصح عن حالتهم تلك النصيحة التي أرسلها تولستوي كما يرسل الغريق المتخبط في اليّم صيحته العالية التي تحمل كل ماعنده من رجاء وكل ماينطوي عليه من أسى ويأس”رب هبني إيماناً وهب لي أن أساعد الناس ليجدوه”.

النهي عن : الغضب والقلق والهَمّ والتوتر..

أولاً: النهي عن الغضب

من الناحية الدينية:

الأحاديث النبوية:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ليس الشديد بالصُّرَعَة،إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب“[رواه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه].

(الصرعة:من يصرع الناس ولايصرعونه).

وفي رواية مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ماتعدُّون الصُّرعة فيكم؟ قالوا: الذي لايصرعه الرجال. فقال:”ليس بذاك ولكنّه الذي يملك نفسه عند الغضب“.

وجاء عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يصطرعون فقال :ماهذا؟قالوا: فلان لايصارع أحداً إلا صرعه فقال:”أفلا أدلكم على من هو أشد منه؟ رجل كلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه“[رواه البزار قال ابن حجر بإسناد حسن]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال:”لاتغضب” فردّد مراراً قال: لاتغضب”[رواه البخاري وأحمد والترمذي].

عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رجلاً سأل  النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً :”دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال: لاتغضب “.[رواه أو يعلى والطبراني وقال الألباني صحيح لغيره ] .

وقد كان كلام الرسول صلى الله عليه وسلم تطبيقاً لأفعاله، وكان صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة في أقواله والتي توافقها أفعاله،وكان المثال الخُلقي للمسلمين في حسن الخلق، وكان لايغضب إلا لله، وإذا غضب كفّ نفسه.

يقول أنس بن مالك الأنصاري:”خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي:أفّ قط وما قال لشئ فعلته لم فعلته؟ ولا لشئ تركته لمَ تركته؟ ولكن كان يقول: ماقضى كان“.[متفق عليه]

وعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه جبذة شديدة فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال: يامحمد مُر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم فضحك، ثم أمر له بعطاء“[متفق عليه].

وقد اتبع الصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم هذا الهدي النبوي والشمائل المحمدية والتزموا بها.

حدثوا أن جعفر الصادق كان ذات يوم يصب خادمه على يده الماء، فسقط منه الإبريق، وتناثر الماء على سيده، فنظر جعفر الصادق مغضباً، فقال له خادمه:{والكاظمين الغيظ}. فقال: كظمت غيظي. قال:{ والعافين عن الناس}. قال: عفوت عنك. قال الخادم:{والله يحب المحسنين}. فقال له جعفر الصادق: اذهب فأنت حر لوجه الله.

وقال صلى الله عليه وسلم:” ما من جرعة أعظم أجراً عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله“[رواه ابن ماجة وأحمد والبخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما]، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم الأشج قائلاً له:”إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة“[رواه مسلم].

وعن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين فيزوجه منها ما شاء“[رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة]

وجاء في الحديث الشريف:”اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر“.

لماذا غريزة الغضب؟

يقول الدكتور محمد فائز الحاج في كتابه الصحة النفسية:

“الغضب انفعال هام يؤدي وظيفة هامة للإنسان حيث أنه يساعده على حفظ ذاته.فحينما يغضب الإنسان تزداد طاقته على القيام بالمجهود العضلي العنيف مما يمكنه من الدفاع عن النفس أو التغلب على العقبات التي تعوقه عن تحقيق اهدافه الهامة.

ويتابع:”ويميل الإنسان إلى أن يستجيب لانفعال الغضب بتوجيه العدوان إلى العقبات التي تعوق إشباع دوافعه أو تحقيق أهدافه، سواء كانت هذه العقبات أشخاصاً،أو عوائق مادية،أوقيوداً اجتماعية.غير أن كثيراً ما يحدث أن يُنقل الغضب أو يُحوّل إلى أشخاص آخرين لم يكونوا هم السبب الحقيقي في إثارة انفعال الغضب.فقد يغضب الطفل مثلاً من أبيه فينقل غضبه إلى أخيه الأصغر فيضربه لأتفه الأسباب.وتعرف هذه العملية بالنقل.وقد ورد في القرآن أمثال لنقل الغضب فيما قام به موسى عليه السلام حينما غضب من قومه لعبادتهم العجل، ولكنه وجه غضبه لأول وهلة إلى أخيه هارون عليه السلام،فأمسك برأسه ولحيته يجره إليه غاضباً.

ويتابع :”وقد يحدث أحياناً ان يغضب الإنسان من شخص ما، ولكنه في الوقت نفسه يخشى أن يظهر غضبه نحوه لما يمكن أن يلحق به من عقاب.وفي مثل هذه الحالات قد ينقل الغضب أيضاً فيتجه إلى أشخاص آخرين،أو إلى أشياء مادية فيقوم بتحطيمها، أو قد يتجه إلى ذاته هو نفسه فيقوم ببعض السلوك العدواني الموجه إلى ذاته.وذكر القرآن مثالاً واقعياً يوضح عملية نقل العدوان وتوجيهه إلى الذات بدلاً من توجيهه إلى الشخص المثير للغضب في الحقيقة، وذلك حينما وصف القرآن المنافقين وذكر أنهم يعضون أناملهم من غيظهم من المؤمنين.وحينما يعض الإنسان أنامله من الغيظ، فهو إنما يوجه العدوان إلى نفسه ويقوم بإيذائها ـ ولو بشكل رمزي ـ بدلاً من توجيه العدوان إلى الآخرين.

يقول تعالى:{ها أنتم أُولاءِ تُحبونَهُم ولا يُحبونَكُم وتؤمنونَ بالكتابِ كُلِّهِ وإذا لقوكم  قالوا أمنّا وإذا خلوا عَضُّوا عليكم الأناملَ من الغيظِ  قُل موتوا بغيظكم إنَّ الله عليمٌ بذاتِ الصّدور}[آل عمران 119].

ويتابع:” وحينما يتملك انفعال الغضب الإنسان تتعطل قدرته على التفكير السليم، وقد تصدر عنه الأفعال أو الأقوال العدوانية التي قد يندم عليها فيما بعد حينما يهدأ غضبه.وقد رأينا من الآيات التي تصف غضب موسى عليه السلام أنه ألقى الألواح وأمسك برأس أخيه ولحيته وجره إليه غاضباً ومعاتباً ظناً منه أنه قصّر في نهيهم عما فعلوا من عبادة العجل. فلما زال غضبه وعاد إلى هدوئه وعرف أنه نهاهم عن ذلك ولكنهم استضعفونه وكادوا يقتلونه استغفر الله على مافعل بأخيه قبل أن يعرف حقيقة ماحدث.{قالَ رَبِّ اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتكَ وأنت أرحمُ الراحمين} [ الأعراف 151]”.

ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله[موقع القرضاوي مقالة بعنوان:”الغضب نزعة الشيطان”:

“إن الله قد ركّب في الإنسان غريزة الغضب، كما ركّز فيه غريزة الشهوة لحكمة يعلمها الله، فبالشهوة إلى الطعام يضرب في الأرض،ويسعى ويطلب الرزق، ويعمر هذه الأرض…وتستمر الحياة…وكذلك الشهوة الجنسية، هذه الغريزة تدفع الإنسان إلى أن يُشبعها بالزواج، فيأتي النسل ويستمر هذا العمران، وتتحقق إرادة الله في بقاء هذا النوع الإنساني، إلى ماشاء الله.

وركّب الله في الإنسان الغضب،غريزة بها يدافع عن نفسه، ويدفع عن حرماته، ولكن كل شئ إذا زاد عن حدِّه انقلب إلى ضده، فإذا استسلم الإنسان للشهوة، أو استسلم للغضب، خرج عن طور الرّشد الإنساني، وأصبح حين يستسلم لشهوته كالبهيمة، وحينما يستسلم لغضبه كالسبع، كالوحش المفترس.

لهذا أوصى الدين الإنسان أن يكون ضابطاً لزمام نفسه،قادراً على شهوته وعلى غضبه، مُتحكماً في هواه.

الراشد من الناس هو الذي يضبط إرادته، بحيث يسيطر على الغرائز ويستعلي عليها، ويحكمها وفقاً لأوامر الله وإرشاده.

هذا هو المؤمن، وهذا هو المتقي، وهذا هو الإنسان القوي الشديد الحق،كما جاء في الحديث الشريف المذكور أعلاه:”ليس الشديد بالصرّعة..” القدرة على النفس، التحكم في زمامها، هذه والله هي القوة، وهذه وأيم الله هي الشدة.

من هنا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ، بكفِّ النفس وكبح جماحها عند الغضب،وليس معنى هذا أن الإنسان ليس له أن يغضب، ولا ينفعل أبداً، فهذا لايملكه الإنسان،إنما يملك الإنسان ألا يستسلم لغضبه، ولايسترسل مع غريزته ،ولايطلق لها العنان…يترك لسانه عند الغضب، يسب ويشتم، ويترك يده تبطش وتؤذي، ويسلّ سيفه ويشهر سلاحه، لا …وإنما يؤمر المؤمن ـ إذا غضب ـ أن يكفّ نفسه، وأن يملك لسانه،وأن يمسك يده عن البطش والإيذاء.وقد سأل رجل سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال: إني لا أملك نفسي إذا غضبت. فقال له: فاملِك لسانك ويدك”. أي إذا كنت لاتسيطر على نفسك، لاتستطيع أن تكبح هيجان غضبك وانفعالاتك، فإنك تملك لسانك وتملك يدك..فلا ينطق لسانك بسوء، ولاتمتدّ يدك بشرّ أو بسوء.

ويتابع الشيخ القرضاوي حفظه الله:

“هذا هو الذي يؤمر به المؤمن…أن يكظم غيظه،وقد وصف الله المتقين فقال:{الذين ينفقون في السّراءِ والضّراءِ والكاظمينَ الغيظَ والعافين عن الناس واللهُ يحبُّ المحسنين}[آل عمران 134].

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”ماتجرّع عبد جرعة أفضل عند الله عز وجل من جرعة غيظ، يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى”[رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما].

إنسان قادر على الانتقام،ولكنه مع هذا تجرّع هذه الجرعة المرّة،جَرعة الغيظ، وكظم غيظه، وحبس نفسه، وكفَّ لسانه ويده..إنسان كهذا يملأ الله قلبه أمناً وإيماناً يوم القيامة”.

ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدّد حياتك ص118):

“إنّ الغضب مسٌّ يسري في النفس كما تسري الكهرباء في البدن.قد يُنشئ رِعدةً شاملة واضطراباً مذهلاً،وقد يشتد التيار فيصعق صاحبه ويقضي عليه.

ومحافظة على الإنسان من ثورات الغضب، ومن آثاره البدنية والنفسية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ثلاث من كُنَّ فيه آواه الله في كنفه، وستر عليه برحمته،وأدخله في محبته:من إذا أُعطي شكر،وإذا قدر غفر،وإذا غضب فتر“[رواه الحاكم].

وظاهر أن المرء مع تفاقم الغضب يغيب عنه وعيه ويتّسلم الشيطان زِمامه، وكما تعصف الاضطرابات بمشاعره تُطيشُ لُبّه، فلا يعي مايوجه إليه من نصحٍ ولو كان من كلام الله وحكمة الرسول.

فقد جاء في الصحيح: استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل أحدهما يغضب ويحمرُّ وجهه، وتنتفخُ أوداجه، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:”إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه هذا…أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”، فقام إلى الرجل أحد ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقال له:هل تدري ماقال رسول الله آنفاً؟قال: لا، قال: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه هذا…أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”. فقال له الرجل:0أمجنوناً تراني؟..)[رواه البخاري]

وهكذا بلغ الغضب بالرجل حداً لم يكترث فيه بتوجيه النبوة.

وسر الاستعاذة أنّ الغضب يُمهّد النفس لقبول شتّى الوساوس ويجعلها بحالة تستسهل فيها أشد الجرائم،حتى إذا صحا الغضوبُ من نَزوته راح يندم على مافرط منه، ولات ساعة مندم”.

يقول الأستاذ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص134):

“ومن الناس من لايسكت عنه الغضب،فهو في ثورة دائمة، وتغيظ يطبع على وجهه العبوس. إذا مسّه احد ارتعش كالمحموم، وأنشأ يرغي ويزبد ويلعن ويطعنزوالإسلام برئ من هذه الخلال الكدرة.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولابذئ“برواه الترمذي].

أقوال السلف الصالح:

جاء في بهجة المجالس لإبن عبد البر(ص375):

“أوحى الله إلى موسى عليه السلام:اذكرني عند غضبك، أذكرك عند غضبي، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلمتَ فارضَ بنصرتي لك، فإنها خيرٌ من نصرتك لنفسك”.

“قال عيسى عليه السلام:

“يباعدك من غضب الله ألا تغضب”.

” قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

“إنما يُعرف الحلمُ ساعة الغضب”.وعنه أيضاً:”عدوُّ العقل الغضب”.

“قال سليمان بن داود عليهما السلام:

“أُعطينا ما أُعطي الناس ومالم يُعطوا،وعُلّمنا ما عُلِّم الناس ومالم يُعلّموا، فلم نرَ شيئاً أفضل من العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وخشية الله في السرِّ والعلانية”.

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:

” متى رأيت صاحبك قد غضب وأخذ يتكلم بما لايصلح، فلا ينبغي أن تقعّد على مايقوله خِنصرا ولا أن تؤاخذه به،فإن حالَه حال السّكران لايدري مايجري،بل اصبر لفورته ولاتعوِّل عليها،فإن الشيطان قد غلبه والطبعَ قد هاج والعقل قد استتر،ومتى أجبته بمقتضى فعله كنتَ كعاقلٍ واجه مجنوناً، فالذنب عليك”.

وقيل لعبد الله بن المبارك: أجمل لنا حسن الخلق، فقال: ترك الغضب”.

وجاء في الأمالي للقالي(ص128):

“العرب تقول عند الغضب يَغضبهُ الرجلُ على صاحبه:”هو يَحرقُ عليَّ الأُرَّمَ” ـ أي الأسنان ـ ، وحَرق أنيابه: إذا حكّ بعضها ببعض.

عبد الله بن المقفع في “الأدب الكبير”:

“احترس من سورة الغضب وسورة الحِمية وسورة الحقد وسورة الجهل، وأعدد لكل شئٍ من ذلك عُدَّةً تُجاهده بها: من الحلم والتفكر والرّوية وذكر العاقبة وطلب الفضيلة”.

ويقول عبد الله بن المقفع في كتابه”الأدب الكبير:

“اعلم أنّ من الناس ناساً كثيراً يبلغ من أحدهم الغضب، إذا غضب، أن يحمله ذلك في الكلوحِ والقُطوب في وجه غيرِ من أغضبه،وسوء اللفظ لمن لاذنب له، والعقوبة لمن لم يكن يهم بمعاقبته، وشدة المعاقبة باللسان واليد لمن لم يكن يريد به إلا دون ذلك.ثم يبلغ به الرضى، إذا رضي، أن يتبرع بالأمر ذي الخطر لمن ليس بمنزلة ذلك عنده،ويُعطي من لم يكن يريد إعطاءه،ويكرم من لم يُرد إكرامه ولاحق له ولامودة عنده.فاحذر هذا الباب الحذر كله!فإنه ليس أحدٌ اسوأ فيه حالاً من أهل السلطان الذين يفرطون باقتدارهم في غضبهم، وبتسرعهم في رضاهم”.

والعرب تقول:”أول الغضب جنون، وآخره ندم، ولايقوم عزّ الغضب بذلِّ الاعتذار”.

ومن الأشعار:

عبد الله بن قيس الرّقيات:

ما نَقموا من بَني أُميّةَ إلاّ              أنَّهمْ يَحْلُمونَ إن غَضبوا

وأنَّهُمْ سادةُ المُلوكِ ولا                 تَصلُحُ إلا عَليهمُ العَربُ

أبو العتاهية:

ولم أرَ في الأعداء حين اختبرتهم    عدواً لعقلِ المرء أعدى من الغضب

أحدهم:

لم أقضِ من صُحبةِ زيدٍ أرَبي         فتىً إذا نَهنهتهُ لم يَغضبِ

أحدهم:

خذي العفو مني تستديمي مودتي    ولاتنطقي في سورتي حين أغضب  

من الناحية الطبية:

يتأثر القسم المتوسط من المخ والذي يُسمى ماتحت المهاد في حالات الغضب ويرسل إشارات إلى الغدة النخامية وغدة الكظر(فوق الكلية) فيتم إفراز هرمون “الأدرينالين” من لب غدة الكظر، وهذا الهرمون يسبب ازدياداً في سرعة نبضان القلب، كما يزيد من تقلصات وانقباض عضلة القلب، وسرعة التنفس وارتفاع التوتر الشرياني وازدياد التعرق واحمرار الوجه،ويجعل الإنسان في حالة من التوتر الشديد وكأنه يتأهب لخوض معركة حامية.

وإن ارتفاع التوتر الشرياني، وازدياد نتاج القلب بسبب ازدياد تقلص عضلة القلب وانقباضها والذي لايمكن أن يُتحكم فيه والسيطرة عليه، وحدوث تشنج في أوعية القلب التي يسببها هذا الهرمون قد تفسر لنا حدوث الذبحة الصدرية وخناق الصدر والاحتشاء القلبي والذي قد يشاهد في حالات الغضب الشديد والانفعال المرافق له.

كما أن ارتفاع التوتر الشرياني قد يؤهب لحدوث نزيف دماغي وبالتالي الإصابة بالفالج الدماغي أو الوفاة.

كما أن ارتفاع التوتر الشرياني قد يؤثر على أوعية العين وخاصة ارتفاع التوتر داخل العين والذي قد يؤدي لمضاعفات أخطرها العمى المفاجئ.

كما أن الأدرينالين يسبب ارتفاع السكر في الدم وخاصة أنه يحرر الغليكوجين من مدخراته في الكبد وهذا قد يؤدي لحدوث الداء السكري(وليس من النادر مشاهدة الداء السكري بعد نوبات توتر شديدة مرافقة لحالات الغضب الشديد).

كما أن الغضب الشديد قد يسبب ضيق التنفس وربما حدوث نوبات من الربو الشديد وخاصة عند المرضى بالربو والتهاب القصبات المزمن الساد .

ولذا كانت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية والتي تحض على كظم الغيظ وعدم الانفعال والغضب وخاصة عند بعض الأشخاص الذين يغضبون وينفعلون لأدنى الأمور.

يقول تعالى:{خذ العفو وأُمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}[الأعراف 199]،ويقول تعالى في صفات المتقين:{الذين يُنفقونَ في السَّراءِ والضَّراءِ والكاظمينَ الغيظَ والعافينَ عنِ النَّاسِ واللهُ يُحِبُّ المُحسنين} [آل عمران134].

وكظم الغيظ هو أن يمسك الإنسان على مافي نفسه بالصبر بحيث لايظهر أثر الغيظ عليه، أي المسلم الذي يقوى على كتم الغيظ وعلى محو أثاره ظاهرياً وباطنياً ولايحمل في قلبه الحقد والضغينة، بل يتصف بالعفو والمغفرة،قال تعالى:{والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ماغضبوا هم يغفرون}[الشورى37]

كما أن على الإنسان المسلم أن لاينفعل وإذا ماتعرض له الغضب بسبب نزغ الشيطان فليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم:{وإمّا يَنزغنَّكَ من الشّيطانِ نَزغٌ فاستعذْ بالله إنَّهُ هوَ السّميعُ العليم}[فصلت36].

وجاءت الأحاديث الشريفة  والهدي النبوي في علاج الغضب في بعض القواعد وهي:

1 ـ السكوت عند الغضب والإمساك عن الكلام:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”علموا وبشروا ولاتعسروا وإذا غضب أحدكم فليسكت“[رواه البخاري والإمام أحمد].

2 ـ الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:

عن سلمان بن صُرَد رضي الله عنه قال: استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم وأحدهما يسبّ  وهو مُغضب قد احمرَّ وجهه ،فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه مايجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم[رواه الشيخان وأحمد وأبو داود].

يقول الشيخ القرضاوي:”إن مجرد هذه الكلمة تُذهب الشيطان الذي ينفخ في النفس،ويتحكّم بالإنسان عند الغضب وعند الشهوة”.

3 ـ تغيير الوضعية:

عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع“[رواه أبو داود وأحمد وابن حبان والبيهقي وصححه الألباني].

4 ـ الوضوء:

عن عروة بن محمد السعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” الغضب من الشيطان، والشيطان خُلق من نار، وإنما تُطفأ النار بالماء ،فإذا غضب أحدكم فليتوضأ“[رواه أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي وضعفه الألباني].

5 ـ الصاق الخد بالأرض:

روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فمن وجد من ذلك شيئاً فليلزق خده بالأرض“[رواه الترمذي وأبو داود وابن حبان].

متى يستحسن الغضب؟

إن هناك نوعاً من الغضب يسمى الغضب المحمود بل المطلوب ، وهو الغضب لله تعالى إذا انتهكت حرماته، وهذا يدل على قوة إيمان المرء وحسن إسلامه،وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب في حال انتهاك حرمات الله ، ووصفه أصحابه أنه: لم يكن يغضب إلا لله، فإذا انتهكت حرمات الله، لم يقم لغضبه شئ،روى الترمذي والطبراني والبيهقي عن هند بن أبي هند:”ولاتغضبه الدنيا،ولا ماكان لها،فإذا تعدي الحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شئ حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولاينتصر لها“.

جاءه رجل وهو يقسم الغنائم يوماً، وكان أعرابياً لم يهذبه الإسلام، فقال: يامحمد! هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فتغيّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: رحم الله أخي موسى، لقد أوذي أكثر من هذا فصبر“.[متفق عليه]

وقصة المرأة المخزومية التي سرقت وكيف حاول الناس أن يشفعوا لها بعدم تطبيق الحد عليها وإرسالهم  أسامة بن زيد حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف غضب رسول الله وقال له: “أتشفع في حدٍ من حدود الله ؟”.

وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهر ذلك في وجهه حين تفوه الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري قائلاً لبلال رضي الله عنهما:يا ابن السوداء، وقال صلى الله عليه وسلم:” طفّ الصاع..وتزلزل الصحابي العظيم أبو ذر الغفاري وبكى ووضع خده على الأرض طالباً من بلال أن يطأه بقدمه..

وقد جاء في القرآن الكريم غضب موسى عليه السلام حينما عاد إلى قومه ووجدهم يعبدون العجل الذي صنعه السامري من الذهب :{ولَمّا رَجَعَ موسى إلى قومهِ غَضبانَ أَسِفاً قالَ بِئسما خَلَفتُموني من بعدي أعَجِلتُم أمرَ رَبِّكم وألقى الألواحَ وأخذَ برأسِ أخيهِ يَجُرّهُ إليهِ قال ابنَ أُمَّ إنَّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلاتُشمِت بي الأعداءَ ولاتجعلني مع القومِ الظالمين}[الأعراف150].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“لقد عاد موسى إلى قومه غضبان أشد الغضب. يبدو انفعال الغضب في قوله وفعله.يبدو في قوله لقومه:{بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم}، ويبدو في فعله إذ يأخذ برأس أخيه يجره إليه ويعنفه{وأخذ برأس أخيه يجره إليه}، وحق لموسى عليه السلام أن يغضب فالمفاجأة قاسية. والنقلة بعيدة.

فأما هارون فيستجيش في نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة، ليسكن من غضبه، ويكشف له عن طبيعة موقفه،وأنه لم يقصّر في نصح القوم ومحاولة هدايتهم:{قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني}.وهنا ندرك كيف كان القوم في هياجهم واندفاعهم إلى العجل الذهب ،حتى لهمّوا بهارون إذ حاول ردهم عن التردي والانتكاس:

ابن أم”…بهذا النداء الرقيق وبهذه الوشيجة الرحيمة.

{إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني}…بهذا البيان المصور لحقيقة موقفه.

{فلاتشمت بي الأعداء}…وهذه أخرى يستجيش بها هارون وجدان الأخوة الناصرة المعينة، حين يكون هناك الأعداء الذين يشمتون.

{ولاتجعلني مع القوم الظالمين}..القوم الذين ضلوا وكفروا بربهم الحق، فأنا لم أضل ولم أكفر معهم، وأنا برئ منهم.

عندئذ تهدأ ثائرة موسى أمام هذه الوداعة وأمام هذا البيان. وعندئذ يتوجه إلى ربه،يطلب المغفرة له ولأخيه، ويطلب الرحمة من أرحم الراحمين:{قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين}.

ويتابع سيد قطب رحمه الله:”يقول تعالى:{ولمّا سكتَ عن موسى الغضبُ أخذَ الالواحَ وفي نُسخَتها هُدىً ورحمةٌ للذين هم لربهم يرهبون}[الأعراف154].

“والتعبير القرآني يشخص الغضب، فكأنما هو حي،وكأنما هو مسلط على موسى، يدفعه ويحركه…حتى إذا “سكت” عنه، وتركه لشأنه! عاد موسى إلى نفسه، فأخذ الألواح التي كان قد ألقاها بسبب دافع الغضب له وسيطرته عليه”..

ثانياً: النهي عن الحسد والحقد والبغضاء

الآيات الكريمة:

قال تعالى:{ودّ كثيرٌ من أهلِ الكتابِ لو يَرُدُّونَكُم من بعد إيمانِكُم كُفاراً حَسداً من عند أنفُسِهِم من بعدِ ماتَبيّنَ لهُمُ الحق}[البقرة109]

{أم يَحسُدُونَ النَّاسَ على ما آتاهُمُ اللهُ من فضله}.[النساء 54]

{ومن شر حاسدٍ إذا حسد}[الفلق 5]

الأحاديث النبوية الشريفة:

“دبّ إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما أني لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفس محمد بيده لاتؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بشئ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم” [أخرجه أحمد والترمذي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه].

لاتقاطعوا ولاتدابروا ولا تباغضوا ولاتحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا” “.[رواه البخاري]

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إياكم والحَسَد، فإنَّ الحَسَد يأكلُ الحسنات كما تأكل النارُ الحطب“[أخرجه أبو داود  ولإبن ماجة من حديث أنس نحوه].
وروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” ولايجتمعان في قلب عبد: الإيمان والحسد“.

تعريف الحسد:

يعرف الإمام ابن الجوزي الحسد:

” بأنه مرض نفساني واجتماعي خطير ويرجع الإمام سبب الحسد إلى حب التميّز وكراهية المساواة، فإذا حصلت للغير نعمة تميّز بها تألم هذا الإنسان، والألم لايزول إلا بزوال تلك النعمة عن المحسود”.

فالحسد إذاً:

“تمني الإنسان أن يحوّل الله إليه نعمة الآخر أو فضيلته، ويسلبها منه، وهو مقبوح محرم مذموم.سواء أحب ذلك محبة استقرت في قلبه ولم يجاهد نفسه عنها، أو سعى مع ذلك في إزالتها وإخفائها وهذا أشد وأقبح لأنه ظلم متكرر”.

وأما الحسد المأذون به شرعاً فهو مايسمى حسد الغبطة،وهو أن يرى الإنسان ماوهب الله غيره من نعمة حقيقية فيتمنى لنفسه من فضل الله مثلها، دون أن يريد في قلبه زوال النعمة عن صاحبها.وهذه المنزلة لايكاد يسلم منها احد، إذ هي من الدوافع الفطرية الطبيعية التي لايملك الإنسان دفعها، والتي تعتبر من الحوافز التي تدفع الإنسان إلى طلب الكمال الذي يمكن الوصول إليه،لذلك كان الحرج مرفوعاً عنها،فلايؤاخذ الإنسان على مايكون منه في مستواها(الأخلاق الإسلامية ج1 ص790 عبيد الرحمن حسن حبنكة الميداني).

ويقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ في كتابه( الإنسان في القرآن الكريم ص 60نقلاً عن فتح الباري):

الحسد:تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها سواء سعى في ذلك أم لا،فإن سعى كان باغياً، وإن لم يسع في ذلك ولا أظهره ولاتسبب في تأكيد أسباب الكراهة التي نهى المسلم عنها في حق المسلم نُظر:فإن كان المانع له من ذلك العجز بحيث لو تمكن لفعل، فهو مأزور، وإن كان المانع له من ذلك التقوى فقد يعذر لأنه لايستطيع دفع الخواطر النفسانية فيكفيه في مجاهدتها ألا يعمل بها ولايعزم على العمل بها”.

قال الحسن البصري”مامن آدمي إلا وفيه من الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شئ”.

وهناك قلة من الناس إذا نظر إلى شئ بعينه عن حسد فإنه قد يتلفه ويفسده وهذا يسمى “العائن”، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” العين حق”[ رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].، والعين تدخل الرجل القبر والجمل القدر“.

وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”العين حق،فلو كان شئ سابق القدر سبقته العين “.

وثبت أن جبريل عليه السلام كان يرقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يشفيه من شرّ حاسد إذا حسد ومن شرّ كل ذي عين.

روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل قال:”باسم الله يُبريك، ومن كل داءٍ يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين“.

وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:” يامحمد اشتكيت؟فقال: نعم، قال:” باسم الله أرقيك،من كل شئ يؤذيك،ومن شر كلِّ نفس، أو عينِ حاسدٍ يشفيك، باسم الله أرقيك“.

وثبت في الأدعية النبوية قول الرسول صلى الله عليه وسلم:” أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة“.وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعوّذ بهذا الدعاء الحسن والحسين رضي الله عنهما.

وروى الترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوّذ من الجان وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلت أخذ بهما وترك ماسواهما“.

وكان أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم من كبار المشركين يرون مايتحلى به الرسول من كمالات يمتاز عليهم بها، حتى كادت أعينهم بتأثيرها تصيبه، إلا أن الله عصمه، وفي ذلك يقول تعالى:{وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر}[القلم 51].

وأما أن يتمنى النعمة لنفسه من غير أن تزول عن صاحبها فهذا يسمى  “الغبطة” وهذا من باب تمني الخير، وهذا مستحسن مقبول مباح، وخاصة إذا ترافق مع السعي والعمل لتحصيل ذلك، وهذا قريب من المنافسة يقول تعالى:{ في ذلك فليتنافس المتنافسون}.

جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”لاحسد إلا في اثنتين:رجل آتاه الله مالاً وسلّطه على هلَكَته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس“.

وهناك حديث آخر:”لاحسد إلا في اثنتين:  رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، لو أُتيت ، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه  آناء الليل وآناء النهار“.[أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما].

يقول الاستاذ ناجي الطنطاوي رحمه الله(كلمات نافعة ص425):

“التمني أن تتمنى في نفسك مثل حال من أنعم الله عليه من غير تمني زوالها عنه فقد أجازه العلماء،وقد أفرد الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه باباً سماه(كتاب التمني) صدّره بقول النبي صلى الله عليه وسلم:”لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا“، وذكر فيه قوله عليه الصلاة والسلام:”لاتحاسد إلا في اثنتين رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار يقول لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل ورجلٌ آتاه الله مالاً ينفقه في حقه فيقول لو أوتيت مثل ما أوتي لفعلت كما يفعل“.

وإذا تمنى المرء على الله من غير أن يقرن أمنيته بشئ فذلك جائز، ومن أدلتهم على الجواز ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”إنما الدنيا لأربعة نفرٍ:رجلٌ آتاه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل، ورجلٌ آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو صادق النية يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلانٍ فهو بنيته فأجرهما سواء…” إلى آخر الحديث والله أعلم”.

إن الحسد لايخلو منه إنسان وهنا لاتكمن الخطورة وإنما الخطورة عندما يتعاظم في نفس الحاسد حتى يتمنى زوال النعمة عن المحسود.

يقول معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه:

“كلُّ الناس أقدِرُ اُرضيهم، إلا حاسدَ نعمة، فإنه لايُرضيه إلا زوالها”.

ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه(العقد الفريد ج2 ص148):

“لاتُعادوا نِعم الله! قيل له ومن يُعادي نعمَ الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله”.

ويقول الحسن البصري:

“أصول الشر وفروعه ستة:فالأصول الثلاثة: الحسد، والحرص، وحُب الدنيا.والفروع كذلك: حب الرياسة، وحب الثناء، وحب الفخر”.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:

“إن الرجل قد يكون عنده الحسد، ولكن يخفيه ولايظهر عليه بوجهه ولابقلبه ولابلسانه ولابيده، بل لايجد في قلبه شيئاً من ذلك، ولايعامل أخاه إلا بما يحب الله، فهذا لايكاد يخلو منه أحد إلا من عصم الله ، ولذا اشترط الله تعالى أن يترافق الحسد مع شر الحاسد يقول تعالى:{ ومن شر حاسدٍ إذا حسد}“.

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الفوائد):

“أركان الكفر أربعة:الكبر والحسد والغضب والشهوة.فالكبر يمنعه الانقياد والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها،والغضب يمنعه العدل،والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة.

والحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله،فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله ،ويحب زوالها عنه والله يكره ذلك.فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته،ولذلك كان ابليس عدوه حقيقة لأن ذنبه كان عن كبر وحسد”.

ويقول الأستاذ العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص183):

“وإن أدنى ثمرات المحبة التي يغرسها الإيمان في قلب المؤمن هي سلامته من الغل والحسد.فإن أنوار الإيمان كفيلة أن تبدد دياجير الحسد من قلبه،وبذلك يمسي ويصبح سليم الصدر، نقي الفؤاد،يدعو بما دعا به الصالحون:{ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}[الحشر10].

المؤمن لايحسد، لأن الحسد كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم”داء” من أدواء الأمم، داء نفسي يصنع بالروح ماتصنع الأوبئة بالأجسام،فهو غمّ على صاحبه، ونكد دائم له، وغيظ لقلبه لاينتهي أمده،بل هو داء جسدي أيضاً: ينهك القوى،ويؤذي البدن،ويغبر الوجه.

والمؤمن لايحسد،لأنه يحب الخير لعباد الله جميعاً، وهو لايعارض ربه في رعاية خلقه أو تقسيم رزقه{إن ربك  يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيراً بصيرا}[الإسراء 30].

إنه مؤمن بعدل ربه فيما قسم من حظوظ، وماوزع من مواهب،ويعتقد أن قضاءه تعالى في خلقه صادر عن حكمة بالغة يعرف منها ويجهل.وقد قيل:”الحاسد جاحد، لأنه لم يرض بقضاء الواحد”،{أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله}[النساء54].

ومن هنا نرى المؤمن لايفرح بالمصيبة تنزل بغيره،ولايحزن للنعمة يسوقها الله إلى عبد من عباده،بل يقول ماعلمه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:”اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لاشريك لك فلك الحمد ولك الشكر”.

والمؤمن لايحسد، لأن همته منوطة بما هو أرفع وأبقى من الدنيا التي يتنافس عليها الناس، ويتحاسدون، وإنما يوجه همته إلى معالي الأمور، إلى المعاني الباقية: إلى الآخرة والجنة.

روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”لاحسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها“.ويقول تعالى:{ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}[المطففين 26]، ويقول تعالى:{سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة}[الحديد21].

والمؤمن لايحقد،لانه عفو كريم، يكظم غيظه وهو يستطيع أن يمضيه،ويعفو وهو قادر على الانتقام،ويتسامح وهو صاحب الحق،لايشغل نفسه بالخصام والعداوات،فالعمر لايتسع لمثل هذا العداء،والدنيا لاتستحق عنده هذا العناء.فكيف يسلم قلبه للعداوة والأحقاد فتنهشها أفاعيها السامة؟وكيف يبيت وفي قلبه لأخيه شحناء العداء فيبيت بعيداً عن رحمة الله؟

في الحديث الشريف:” تعرض الأعمال كل يوم اثنين وخميس،فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لايشرك بالله شيئاً، إلا امرءاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول:”اتركوا هذين حتى يصطلحا“[ رواه مسلمٍ.

والمؤمن لايحسد ولايبغض،لأن الحسد  والبغضاء من بذور الشيطان،والمحبة والصفاء من غرس الرحمن{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء}[المائدة91]، {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة}[الممتحنة 7]،{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا}[مريم 96].

هذا وسلامة القلب من الضغن والحسد أول مايتصف به المؤمن، بل أدنى مايتصف به. ولايكمل إيمان المؤمن حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه، ويكره له مايكره لنفسه”.انتهى كلام الشيخ القرضاوي.

ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص101):

“ليس أروح للمرء ولا أطرد لهمومه، ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب،مبرأ من وساوس الضغينة،وثوران الأحقاد، إذا رأى نعمة تنساق إلى أحد رضي بها،وأحس فضل الله فيها،وفقر عباده إليها،وذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لاشريك لك، فلك الحمد ولك الشكر“[رواه أبو داود]،وغذا رأى اذى يلحق أحداً من خلق الله رثى له، ورجا الله أن يفرج كربه ويغفر ذنبه.وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة، راضياً عن الله وعن الحياة،مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى ،فإن فساد القلب بالضغائن داء عياء،وما أسرع أن يتسرب الإيمان من القلب المغشوش كما يتسرب السائل من الإناء المثلوم”.

والحسد هو أول ذنب عُصي الله به في السماء، وذلك حينما أمر الله إبليس بالسجود لأدم فامتنع حسداً، فكان نصيبه اللعنة الأبدية والطرد من الجنة.

يقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج1 ص805):

“وقد بلغ الحسد بإبليس مبلغ التورط في الكفر والتمرد على طاعة أمر الله،إذ اقترن في نفسه برذيلة خلقية أخرى، هي الكبر والعجب بالنفس، فكان مصيره اللعن والطرد من رحمة الله، وكان مصيره أيضاً الانطلاق في الإفساد والكيد لآدم وذريته من بعده،حتى يكونوا من الغاوين، ومن أصحاب الجحيم، ويكونوا شركاءه في العذاب الاليم.ومع إبليس جنود كثيرون من شياطين الجن والإنس، أكل الحسد قلوبهم فانطلقوا يُغوون الناس، ويفسدون في الأرض.

ويتابع:”إن العلة النفسية الأولى لدى إبليس قد كانت علة الكبر، ثم لما ظهر فضل آدم بالعلم والمعرفة واكتشاف خصائص الأشياء وسماتها أكلت نيران الحسد قلبه على آدم وذريته،فأعلن عداوته لهم، وقرّر أن يتابعهم بالإغواء والتضليل،حتى يوقعهم في الهلاك والشقاء الأبدي،إذا استجابوا له فكفروا بربهم وعصوا أوامره ونواهيه.

وكان حسد إبليس من مستوى أخسّ دركات الحسد،إذ توّلد عنه وعن خلق الكبر معه البغض والعداء الشديد، والرغبة بإهلاك المحسود وتحطيمه، ودفعه إلى دركات الجحيم.

والحسد هو أول ماعُصي الله به في الدنيا وكان من عاقبته قَتلُ قابيل لأخيه هابيل حسداً من عنده لأن الله تقبلّ قربان أخيه ولم يتقبل قربانه.يقول تعالى:{واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحقِّ إذ قرّبا قُربانا فَتُقبلَ من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين}المائدة 27].

وجاء في الحديث الشريف الذي رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لاتقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أوّل من سنَّ القتل“.

وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى (كما جاء في العقد الفريد):{رَبّنا أرِنا اللذينِ أضلاّنا من الجِنِّ والإنسِ نجعلهُما تحتَ أقدامِنَا ليكُونا من الأسفلين}[فصلت29]. إنه أراد بالذي من الجن إبليس، والذي من الإنس قابيل. وذلك أن ابليس أول من سنَ الكفر، وقابيل أول من سن القتل، وإنما أصل ذلك كله الحسد.

أضرار الحسد:

الحسد إذا استولى على نفس الحاسد وسكن قلبه وظهر على جوارحه فإنه يسبب العلل ودوام الأحزان وقد ينتهي بالحاسد إلى سئ الأسقام والأوجاع وكيف لا وهو طويل السهر، دائم الحزن، كثير التبرم والسخط والشكوى..وقد يقل طعامه، ويطول سقامه.

يقول الإمام علي رضي الله عنه(العقد الفريد ج2 ص148 باب الحسد):

“لاراحة لحسود، ولا إخاء لِملول، ولامُحبّ لسئِ الخُلُق”.

وقال الحسن(نفس المرجع):”مارأيت ظالماً اشبهَ بمظلوم من حاسد:نفَسٌ دائم، وحُزن لازم، وغمٌ لايَنفد”.

يقول الإمام الغزالي رحمه الله:”الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا دواء لأمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف أن الحسد ضرره عليك في الدين والدنيا. والمحسود لاضرر عليه في الدنيا ولا في الدين، بل ينتفع بحسدك في الدين، لأنه مظلوم من جهتك، لاسيما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل”.

ويقول الجاحظ(أمراء البيان ـ محمد كرد علي ص302ـ ومجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا العدد 31ـ30):

“الحسد  ـ أبقاك الله ـ  داء ينهك الجسد،ويفسد الأود،علاجه عَسِر،وصاحبه ضَجِر،وهو باب غامض وأمر متعذر، فما ظهر منه فلا يُداوى، وما بطن منه فمداويه في عناء، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:”دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم الحسدُ والبغضاء“،وروي عن الحسن أنه قال:”الحسد اسرع في الدين من النار في الحطب اليابس، وما أتى لمحسود من حاسد إلا من قبل فضل الله إليه ونعمته عليه، قال الله تبارك وتعالى:{ أم يحسُدُونَ النّاسَ على ما آتاهُمُ اللهُ من فضلِهِ فقد آتينا آلَ إبراهيمَ الكتابَ والحِكمةَ وآتيناهُم مُلكاُ عظيما}.[النساء54].

والحسد عقيد الكفر وحليف الباطل، وضد الحق وحرب البيان. وقد ذمّ الله أهل الكتاب فقال:{ودّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ماتبين لهم الحق}[البقرة 109] فمنه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومنتج كل وحشة، ومفرّق كل جماعة، وقاطع كل رحم بين الأقرباء، ومحدث التفرق بين القرناء،وملقّح الشرّ بين الخلطاء، يكمن في الصدور، كُمُون النار في الحجر، ولو لم يدخل رحمك الله، على الحاسد بعد تراكم الهموم على قلبه، واستمكان الحزن في جوفه،وكثرة مضضه، ووسواس ضميره،وتنغيص عمره وكدر نفسه، ونكَد لذاذة معاشه،إلا استصغاره لنعمة الله تعالى عنده، وسخطه على سيده،بما أفاده الله عبده،وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه،وأن لايرزق أحداً سواه،لكان عند ذوي العقول مرحوماً، وكان عندهم في القياس مظلوماً”،وقد قال بعض الأعراب:” مارأيت ظالماً اشبه بمظلوم من الحاسد، نفس دائم،وقلب هائم،وحزن لازم،و الحاسد مخذول ومأزور، والمحسود محبوب ومنصور، والحاسد مهموم ومهجور، والمحسود مغشي ومزور.

والحسد ـ رحمك الله ـ أول خطيئة ظهرت في السموات، وأول معصية حدثت في الأرض،عصى به إبليس ربه، وقايسه بخلقه واستكبر عليه وقال:{خلقتني من نار وخلقته من طين} فلعنه الله . وأما في الأرض فإبنا آدم حيث قتل أحدهما أخاه، فعصى ربه وأثكل أباه، وبالحسد طوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين.لقد حمله الحسد على غاية القسوة، وبلغ به أقصى حدود العقوق، وإذ ألقى عليه الحجر شادخاً، فأصبح عليه نادماً صارخاً.

ويتابع الجاحظ:”فمن شأن الحاسد إن كان المحسود غنياً، توبيخه على المال، وقال جمعه حراماً ومنعه أثاماً.وألبّ عليه محاويج أقاربه وتركهم له خصماء، وأعانهم في الباطل، وحمل المحسود على قطيعتهم في الظاهر، وقال له:كفروا معروفك، وأظهروا في الناس ذمك، فليس أمثالهم يوصلون،فإنهم لايشكرون. وإن وجدَ له خصماً، أعانه عليه ظلماً، فإن كان ممن يعاشره فاستشاره غَشّه، أو تفضل عليه بمعروف كفره،أو دعاه إلى نصره خذله، أو حضر مدحه ذمه،وإن سئل عنه هَمَزه،أو كانت عنده شهادة كتمها، وإن كانت منه إليه زلة عظمها، وقال:إنه يحب أن يعاد ولا يعود، ويرى عليه العقود”.

ويتابع الجاحظ:”وإن كان المحسود عالماً قال: مبتدع، ولرأيه متبع، حاطب ليل،ومتبع نَيل،مايدري ماحمل،قد ترك العمل، وأقبل على الحيل، قد أقبل بوجوه الناس إليه،وما أحمقهم إذا مالوا عليه، فقبحه الله من عالم ما أعظم بليته،وأقل رعيته، وأسوأ طِعمته”.

وإن كان المحسود ذا دين قال متصنع يغزو ليوصى إليه، ويحج ليثنى عليه،ويقرأ في المسجد ليزوجه جاره ابنته، ويحضر الجنائز لتعرف شهرته،وما لقيت حاسداً قط إلا تبين لك مكتومه بتغيير لونه،وتخويص عينه، وإخفاء سلامه والإعراض عنك والإقبال على غيرك،والاستثقال لحديثك والخلاف لرأيك.

لقد كان عبد الله بن أبي سلول قبل نفاقه نسيج وحده بجودة رأيه وبعد همته،ونبل شيمته،وانقياد العشيرة له بالسيادة والسعادة، وإذعانهم له بالرياسة، وما استوجب ذلك إلا بعدما استجمع له لبّه، وتبيّن لهم عقله وافتقدوا منه جهله،ورأوه لذلك أهلاً،لما أطاق له حملا،فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، قدم المدينة ورأى عزّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شمخ بأنفه فحسده،فهدم إسلامه وأظهر نفاقه،وما صار منافقاً حتى صار حسوداً، فحمق بعد اللبّ،وجهل بعد العقل،وتبوأ النار بعد الجنة.

وكيف يصبر من استقر الحسد في قلبه على أمانيه،وقد كان أخوة يوسف علماء حلماء ولدهم الأنبياء فلم يغفلوا عما قدح في قلوبهم من الحسد بيوسف عليه السلام، حتى أعطوا أباهم المواثيق المؤكدة، والعهود المقلدة،والأيمان المغلظة أنهم له حافظون، وهو شقيقهم وبضعة منهم،فخانوا العهود، ووثبوا عليه بالظلم فألقوه في غيابة الجب،وجاءوا على قميصه بدم كذب، فبظلمهم يوسف ظلموا أباهم طمعاً أن يخلوا لهم وجه أبيهم ويتفردوا بحبه،وظنوا أن الأيام تسليه ،وحبه لهم عن بعده يلهيه،فأسالوا عبرته وأحرقوا قلبه.

ويتابع الجاحظ:”فإذا أحسست ـ رحمك الله ـ من صديقك بالحسد فأقلل مااستطعت من مخالطته، فإنه أعون الأشياء لك على مسالمته،وحصن سرك منه تسلم من شذاة شره،وعوائق ضره،وإياك والرغبة في مشاورته، فتمكن نفسك من سهام مساورته، ولايغرنك خدع ملقه وبيان زلقه، فإن ذلك من حبائل ثقافه، فإن أحببت أن تعرف آية مصداقه فدس له من يهجنك عنده ويذمك بحضرته،فإنه سيظهر لك من تشبيبه لك ما أنت به جاهل،ومن خلاف المودة ما أنت عنه غافل.

وربما كان الحاسد المصطنع إليه بالمعروف أكفر له واشد اجتهادا وأكثر تصغيراً لذاك من أعدائه.

ومتى رأيت حاسداً يصوب لك رأياً وإن كنت مصيباً؟أو يرشدك إلى صواب وإن كنت مخطئاً؟أو نصح لك في غيبه عنك أو قصر في عيبه لك؟؟

إنك غير سالم منه وإن رفعت القذى عن لحيته،وسويت عليه ثوبه فوق منكبه، ولبست ثوب الاستكانة عند رؤيته،واغتفرت له الزلة بعد زلته، واستحسنت كل مايقبح من شيمه،وصدقته على كذبه، وأعنته على فجرته فما هذا العناء؟وماهذا الداء العياء؟كأنك لم تقرأ المعوذة ولم تسمع مخاطبة الله نبيه صلى الله عليه وسلم في التقدمة إليه بالاستعاذة من شر حاسد إذا حسد؟أتطلب ويحك أثراً بعد عين؟أو عطراً بعد عروس؟أو تريد أن تجني عنباً من شوك؟أو تلتمس حلب لبن من حائل؟إنك إذاً لأعيا من باقل، واحمق من الضبع، إن كنت تجهل بعدما علمناك.وتعوج بعدما قومناك.وتبلد بعدما ثقفناك.وتضل إذ هديناك،وتنسى لما ذكرناك، وتغبى عما فهمناك،وأنت كمن أضله الله على علم فبطلت عنده المواعظ، وعمي عن المنافع،فختم على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة،ونعوذ بالله من الخذلان.

ورأيت الله جل ثناؤه ذكر الجنة في كتابه فحلاها بأحسن حلية وزينها بأحسن زينة ،وجعلها دار أوليائه ومحل أنبيائه،ففيها مالاعين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر، فذكر في كتابه مامنّ عليهم من السرور والكرامة عندما دخلوها وبوأها لهم فقال:{إنّ المُتّقينَ في جَنّاتٍ وعُيون* ادخُلُوها بسلامٍ آمنين* ونَزعنَا مافي صُدُورِهِم من غِلٍّ إخواناً على سُرُرٍ متقابلين*لايَمسُّهُم فيها نَصَبٌ وماهُم منها بِمُخرجين}.[الحجر45 ـ48]

فما أنزلهم دار كرامته إلا بعدما نزع الغل من صدورهم فبافتقاد الغل والحسد تهنّوا بالجنة وقابلوا إخوانهم على السرر وتلذذوا بالنظر في مقابلة الوجوه بسلامة صدورهم ونزع الغل والحسد من قلوبهم،ولو لم ينزع ذلك من صدورهم ويخرجه من قلوبهم لافتقدوا لذاذة الجنة، ولتدابروا وتقاطعوا وتحاسدوا، وواقعوا الخطيئة ولمسّهم فيها النصب وأعقبوا فيها الخروج، لأنه عز وجل فضّل بينهم في المنازع ورفع درجات بعضهم فوق بعض في الكرامات وسني العطيات،فلما نزع الغل والحسد ظن أدناهم منزلة فيها وأقربهم بدخول الجنة عهداً أنه أفضلهم منزلاً وأكرمهم درجة وأوسعهم داراً بسلامة قلبه ونزع الغل من صدره، فقرّت عينه وطاب أكله”.

ويقول عبد الله بن المقفع:

“الحاسد لايزال زارياً على نعمة الله ولايجد لها مزالاً،  ومكدراً على نفسه مابه من النعمة فلايجد لها طعماً، ولايزال ساخطاً على من لايترضاه،ومتسخطاً لما لاينال، فهو كظوم هلوع جزوع، ظالم أشبه شئ بمظلوم، محروم الطّلبة منغّص العيش، دائم التسخط، لابما قُسم له يقنع، ولا على مالم يُقسم له يغلب،والمحسود يتقلّب في فضل  نعم الله مباشراً للسرور، ممهلاً فيه إلى مدة لايقدر الناس لها على قطع ولا انتقاص، ولو صبر الحاسد على مابه لكان خيراً له لأنه كلما أراد أن يطفئ نور الله اعلاه، {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون}.

ويقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة(الأخلاق الإسلاميةج1 ص789):

“الحسد من الرذائل الخلقية ذات النتائج النفسية والإجتماعية السيئة جداً على الأفراد والجماعات، وهو داءٌ دوي إذا أصاب النفس الإنسانية أضناها وأشقاها،وجعلها مصدر اذىً للآخرين الذين امتحنهم الله بفضائل من نعمه ومزيد من عطائه.

والحسد من شر معاصي القلوب، ومعاصي القلوب أشد إثماً من كثير من معاصي الجوارح،نظراً إلى آثارها الخطيرة في السلوك.

وعلة داء الحسد ترجع إلى الإفراط في الأنانية وحب الذات،مع ضعف في الإيمان بكمال حكمة الله تعالى، الأمر الذي يفضي إلى الإعتراض على الله في حكمته التي وزع عطاءه بين خلقه ليبلوهم فيما آتاهم، فضرره من هذه الناحية يمس جوانب الإيمان ويؤثر فيه.

ويتابع:”ومتى بدأ الحسد يأكل قلب الحاسد قامت في نفسه عداوة للمحسود،وحقد قاتل له،دون أن يكون للمحسود كسبٌ في ذلك، إلا أنه منعمٌ عليه من ربه”.

ويقول بعضهم:”أ لزم الناس كآبة أربعة: رجل حَديد،ورجل حسود، وخليط الأدباء وهو غير أديب، وحكيم محقّر لدى الأقوام”.

وقال سليمان التيمي:”الحسد يُضعف اليقين،ويُسهر العين،ويُكثر الهم”.

وقال أحدهم:”ما أمحق للإيمان ولا أهتك للستر من الحسد، وذلك أن الحاسد مُعاند لحكم الله،باغٍ على عباده،عاتٍ على ربه،يعتدّ نِعمَ الله نِقماً ومَزيدهُ غِيراً، وعدل قضائه حَيفاً،للناس حال وله حال، ليس يهدأ ليله، ولاينام جشعه،ولاينفعه عيشه،محتقر لنعم الله عليه، متسخط ماجرت به أقداره،لايبردُ غليله، ولاتؤمن غوائله، إن سالمته وتَرك، وإن واصلته قَطعك، وإن صرمته سبقك”(العقد الفريد ج2 ص151)

قال الراغب الأصبهاني:توصل رجل إلى ابليس فقال له:لي إليك حاجة،إن لي ابن عم ذا ثروة،وله إحسان كثير إلي،ولي بماله نفع بين،ولكن أريد أن تزيل نعمته وإن افتقرت بفقره.فقال غبليس لاصحابه:من أراد أن يرى من هو شر مني فلينظر إليه.

والحسد إذا زاد عن حدّه انقلب إلى الحقد والبغضاء وهذا يؤدي بصاحبه قبل أن يودي بالمحسود أو الحاقد عليه .

يقول عبد الله بن المقفع:”مثلُ الحقد في القلب إذا لم يجد مُحرِّكاً مَثَلُ الجمر المكنون إذا لم يجد حطباً،فليس ينفكُّ الحقدُ مُطلّعاً إلى العَلل كما تبتغي النار الحطب،فإذا وجدَ علّةً استعر فلا يطفئه: حسن كلام، ولالين ولارفق ولا خُضوع ولا تضرّع ولا مصانعة، ولاشئ دون تَلف الأنفس وذهاب الأرواح”.

ويقول عباس محمود العقاد(المجموعة الكاملة ج15 ص115):

“والحقد توأم الحسد في خلة الأثرة الحيوانية والأنانية الصماء، فلهذه الخلة يستكبر الحاقد الإساءة الصغيرة إلى نفسه كما يستكثر الحاسد النعمة القليلة على غيره،والسبب في الحالتين واحد.وهو انه لغلوه في حب نفسه واستغراقه في الأثرة الحيوانية لايريد أن يساء هو ولا أن يُسر غيره،وليس يعنيه أن يُساء بالحق أو بغير الحق وأن يكون عادياً في هذه الإساءة أو معدّواً عليه.فإن ذلك كله من وراء تفكيره وحسابه، ولافرق عنده بين أن يظلمه الناس في الإساءة إليه أو ينصفوه وبين أن يسيئوا إليه بالعدوان عليه أو بصده هو عن العدوان،فمن الحاقدين من يحقد على الناس لأنهم أبوا عليه أن يضرهم ليستفيد من ضررهم ووقفوا بينه وبين مصلحته ولو كان وقوفهم هذا من حقهم ولإنقاذ حياتهم!!وهو لايفكر بالعدل ولايكره العدوان لأنه جور وعسف ولايعرف من الكراهة إلا أن يكره مايسوءه كائناً ماكان وبالغاً مابلغ فيه العذر والاضطرار،وهذا غير الشعور الذي يشعر به المرء حين يعتدى عليه بغير الحق فيسوءه ذلك ثم يتوالى العدوان فيتوالى الاستياء ويطول السخط والامتعاض، فإن من النبل أن يغضب المرء للعدوان وقع به أو وقع بغيره فإن لم يرتفع بغض العدوان إلى مقام النبل فهو لايهبط بصاحبه إلى مادون منزلة العذر المعقول والطبع المستقيم”.

ويقول مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله(الأعمال الكاملة ص224 تحت عنوان الحسد):

“لو عرف المحسود ماللحاسد عنده من يد،وما أسدى إليه من نعمة لأنزله من نفسه منزلة الأوفياء المخلصين،ولوقف بين يديه تلك الوقفة التي يقفها الشاكرون بين أيدي المحسنين.

لايزال صاحب النعمة ضالاً عن نعمته،لايعرف لها شأناً، ولايقيم لها وزناً، حتى يدله الحاسد عليها بنكرانها،ويرشده إليها بتحقيرها، والغض منها، فهو الصديق في ثياب العدو، والمحسن في ثياب المسئ.

أنا لا أعجب لشئ عجبي لهذا الحاسد، ينقم على محسوده نعم الله عليه،ويتمنى لو لم تبق له واحدة منها وهو لايعلم أنه في هذه النقمة، وفي تلك الأمنية قد أضاف إلى محسوده نعمة هي أفضل من كل مافي يديه من النعم.

ليس بين النعم التي ينعم بها الله على عباده نعمة أصغر شأناً،وأهون خطراً من نعمة ليس لها حاسد،فإن كنت تريد أن تصفو لك النعم فقف بها في سبيل الحاسدين،وألقها في طريق الناقمين،فإن حاولوا تحقيرها وازدراءها، فاعلم أنهم قد منحوك لقب”المحسد” فليهنأ عيشك وليعذب موردك.

قد جعل الله لكل ذنب عقوبة مستقلة يتألم لها المذنب عند حلول أجلها،فالشارب يتألم عند حلول المرض،والمقامر يتألم يوم نزول الفقر،والسارق يتألم يوم دخول السجن.

أما الحاسد فعقوبته حاضرة دائمة، لاتفارقه ساعة واحدة.

إنه يـألم لمنظر النعمة كلما رآها،والنعمة موجود من الموجودات الثابتة التي لايلم بها إلا التنقل من مظهر إلى مظهر، والتحوّل من موقف إلى موقف فهيهات أن يفنى ألمه، أو ينقضي عذابه،حتى تقر عينه التي تبصر، ويسكن قلبه الذي ينبض.

الحسد مرض من الأمراض القلبية الفاتكة،ولكل داء دواء، ودواء الحسد أن يسلك الحاسد سبيل المحسود ليبلغ مبلغه من تلك النعمة التي يحسده عليها،ولا أحسب أنه ينفق من وقته ومجهوده في هذه السبيل أكثر مما ينفق من ذلك الغض من شأن محسوده،والنيل منه،فإن كان يحسده على المال،فلينظر أي طريق سلك إليه فيسلكه،وإن كان يحسده على العلم فليتعلم أو الأدب فليتأدب، فإن بلغ من ذلك مأربه فذاك، وإلا فحسبه أنه ملأ فراغ حياته بشؤون لولاها لقضاها بين الغيظ الفاتك، والكمد القاتل”.

علاج الحسد:

بالنسبة إلى الحاسد:

يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله:” علاج هذا المرض هو الإيمان، فمن الضروري أن يؤمن الإنسان بأن الأقدار تجري حسبما قدّر القدير والاحتيال إلى صرفها غير مجد، وإن الله مالك الملك يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فهو المالك المتصرف، يقول تعالى{ قُلِ اللّهُمَّ مالكَ المُلكِ تؤتي المُلكَ من تشاءُ وتنزِعُ المُلكَ ممّن تشاءُ وتُعِزُّ من تشاءُ وتُذِلُّ من تشاءُ بيدِكَ الخيرُ إنّكَ على كُلِّ شئٍ قدير}[آل عمران 26].

وبالنسبة إلى المحسود:

إذا أحسّ بأن هناك من يحسده وخاصة إذا عرف عنه أنه ذو عين حاسدة فعليه بذكر اسم الله وأن يتعوّذ منه بقراءة القرآن وخاصة المعوذتين والصمد وفاتحة الكتاب وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة.وهناك كثير من الأحاديث النبوية الشريفة في الوقاية من الحاسد وشره.ومايسمى أيضاً في الطب النبوي باسم “الرقية” وهو أن يقرأ “الراقي” المعوذتين وينفث في كفه، والنفث نفخ مع ريق قليل ثم يمسح بكفيه جسد المحسود، وهذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومما يساعد أيضاً أن يصبر المحسود على الحاسد وأن يعفو عنه ولايُحدّث نفسه بأذاه ، وأن لايشغل فكره وقلبه فيه، بل إن أمكن أن يحسن إليه ويريه من محبته وعطفه عليه، فهذا من أنفع الأدوية أيضاً، كما أن مما يقلل من الإصابة بالعين والحسد بالإضافة إلى التقوى وذكر الله والتوكل على الله أن يكثر المحسود من الصدقات والإحسان ما أمكن فإن لهذا تأثيراً كبيراً في دفع البلاء وإتقاء شر العين والحاسد.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:”ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:

الأول:التعوذ بالله من شره:

والتحصن به والملجأ إليه وهو المقصود بسورة الفلق، والله تعالى سميع

لإستعاذته، عليم بما يستعيذ منه.والسمع هنا المراد به: سمع الإجابة لا السمع العام، فهو مثل قوله:{سمع الله لمن حمده} وقول الخليل:{إنّ ربي لسميع الدعاء}[إبراهيم39] ومرة يقرنه بالعلم، ومرة بالبصر لاقتضاء حالة المستعيذ ذلك، فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله يراه ويعلم كيده وشره.فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته، أي مجيب، عليم بكيد عدوه ،يراه ويبصره لينبسط أمل المستعيذ، ويُقبل بقلبه على الدعاء.

وتأمل حكمة القرآن كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولانراه بلفظ{السميع العليم} في الأعراف وحم والسجدة، وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ{السميع البصير} فقال:{ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطانٍ أتاهم إن في صدورهم إلا كِبرٌ ماهم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير}[غافر56]، لأن أفعال هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر، وأما نزغ الشيطان فوساوس وخطرات يلقيها في القلب يتعلق بها العلم.فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها،وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب مايرى بالبصر ويدرك بالرؤية. والله أعلم.

الثاني:تقوى الله:

وحفظه عند أمره ونهيه، فمن اتقى الله تولى حفظه ولم يكله إلى غيره، قال تعالى:{وإن تصبروا وتتقوا لايضركم كيدهم شيئاً}[آل عمران 120].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما:”احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك“. فمن حفظ الله حفظه الله، ووجده أمامه أينما توجه،ومن كان الله حافظه وأمامه فمن يخاف ومن يحذر؟

الثالث:الصبر على عدوه:

وأن لايقاتله ولايشكوه، ولايحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نُصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله،ولايستطل تأخيره وبغيه،فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جنداً وقوة للمبغي عليه المحسود يقاتل به الباغي نفسه وهو لايشعر،فبغيه سهام يرميها من نفسه إلى نفسه،ولو رأى المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه، ولكن لضعف بصيرته لايرى إلا صورة البغي دون آخره ومآله،وقد قال تعالى:{ومن عاقبَ بمثلِ ماعُوقب به ثُمَّ بغي عليه لينصرنّهُ الله}[الحج60]، فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقه أولاً، فكيف بمن لم يستوفٍ شيئاً من حقه بل بُغي عليه وهو صاب؟وما من الذنوب ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم وقد سبقت سنة الله{إنه لو بغى جبل على جبل جعل الباغي منهما دكا}.

الرابع: التوكل على الله:

فمن يتوكل على الله فهو حسبه،والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لايطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم،وهو من أقوى الأسباب في ذلك،فإن الله حسبه أي كافيه،ومن كان الله كافيه وواقيه فلامطمع فيه لعدوه،ولايضره إلا أذى لابد منه كالحر والبرد والجوع والعطش.

وأما مايضره بما يبلغ منه مراده فلايكون أبداً. وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه،وبين الضرر الذي يتشفى به منه.قال بعض السلف :جعل الله لكل عمل جزاء من جنسه،وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده فقال:{ومن يتوكل على الله فهو حَسبه}[الطلاق3]. ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال،بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه.فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له ربه مخرجا من ذلك وكفاه ونصره.

الخامس:فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه:

وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له! فلايلتفت إليه، ولايخافه،ولايملأ قلبه بالفكر فيه،وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره، فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه، فإذا لم يتعرض له ولايتماسك هو وإياه بل انعزل عنه لم يقدر عليه،فإذا تماسكا وتعلّق كل منهما بصاحبه حصل الشر.وهكذا الأرواح سواء. فإذا علق روحه وشبثها به، وروح الحاسد الباغي متعلقة به يقظة ومناما لايفتر عنه،وهو يتمنى أن يتماسك الروحان، ويتثبتا،فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى، عدم القرار، ودام الشر حتى يهلك أحدهما.فإذا جبذ روحه منه، وصانها عن الفكر فيه والتعلق به،وأن لايخطر بباله ،فإذا خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به: بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضا، فإن الحسد كالنار فإذا لم تجد ماتأكله أكل بعضها بعضاً،وهذا باب عظيم النفع لايلقاه إلا أصحاب النفوس الشريفة والهمم العالية،والنفوس المطمئنة الوادعة اللينة التي رضيت بوكالة الله لها، وعلمت أن نصره لها خير من انتصارها هي لنفسها،فوثقت بالله وسكنت إليه،واطمأنت به، وعلمت أن ضمانه حق، ووعده صدق، وأنه لا أوفى بعهده من الله،ولا أصدق منه قيلا، فعلمت أن نصره لها أقوى وأثبت وأدوم وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها أو نصر مخلوق مثلها لها.

السادس: الإقبال على الله والإخلاص له:

وجعل محبته ورضاه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها تدب فيها دبيب تلك الخواطر شيئاً فشيئاً حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب، والتقرب إليه وتملقه وترضيته واستعاطفه وذكره كما يذكر المحب التام المحبة محبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه فلا يستطيع قلبه انصرافاً عن ذكره،ولاروحه انصرافاً عن محبته،فإذا صار كذلك فكيف يرضى لنفسه أن يجعل بيت أفكاره وقلبه معموراً بالفكر في حاسده والباغي عليه والطريق إلى الانتقام منه والتدبير عليه؟هذا مالايتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله ،وطلب مرضاته.

قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس أنه قال:{فَبعزّتكِ لاغوينّهم أجمعين* إلا عبادكَ منهم المُخلصين}[ص82 ـ 83]، فقال تعالى:{ إنّ عبادي ليسَ لكَ عليهم سلطان}[الحجر 42]، وقال تعالى:{إنه ليس لهُ سلطان على الذين أمنوا وعلى ربهم يتوكلون* إنما سلطانهُ على الذينَ يتولونه والذين هم به مشركون}[النحل 99 ـ 100].

وقال في حق الصديق يوسف عليه السلام:{كذلكَ لنصرفَ عنهُ السُّوءَ والفحشاءَ إنّهُ كان من عبادنا المُخلصين} [يوسف24].

فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن، لقد آوى إلى حصن لاخوف على من تحصّن به، ولاضيعة على من آوى إليه، ولامطمع للعدو في الدنو إليه منه:{ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاءُ واللهُ ذو الفضلِ العظيم}[الجمعة4].

السابع: تجديد التوبة إلى الله:

من الذنوب التي سلّطت عليه أعداءه فإن الله تعالى يقول:{وما أصابتكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم}[الشورى30]، وقال لخير الخلق، وهم أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{أولما اصابتكم مصيبةٌ قد أصبتُم مِثليها قُلتُم آنى هذا قُل هوَ من عندِ أنفسكم}[آل عمران 165].

فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لايعلمه.وما لايعلمه العبد من ذنوبه أضعاف مايعلمه منها،وما ينساه مما عمله أضعاف مايذكره. وفي الدعاء المشهوريقول صلى الله عليه وسلم:”اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم“.فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لايعلمه أضعاف مايعلمه،فما سُلط عليه مؤذ إلا بذنب.

وعلامة سعادة العبد أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه، فيشتغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها،فلا يبقى فيه فراغ لتدبر مانزل به،بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه، والله يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه ولابد،فما أسعده من عبد!

الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه:

فإن لذلك تاثيراً عجيباً في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسدين ولو لم يكن في هذا إلا بتجارب الأمم قديماً وحديثاً لكفى به،فما تكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن أصابه شئ من ذلك كان معاملاً فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة.فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته عليه من الله جنة واقية، وحصن حصين،وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل مايكون سبباً لزوالها.

ومن اقوى الأسباب حسد الحاسد والعائن، فإنه لايفتر ولايني ولايبرد قلبه حتى تزول النعمة عن المحسود، فحينئذ يبرد أنينه وتنطفئ ناره ـ لا أطفأها الله ـ فما حرس العبد نعمة الله عليه بمثل شكرها، ولاعرّضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله، وهو كفران النعمة وهو باب إلى كفران المنعم.

فالمحسن المتصدق يستخدم جنداً وعساكراً يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه. فمن لم يكن له جند، ولاعسكر، وله عدو فإنه يوشك أن يظفر به عدوه، وإن تأخرت مدة الظفر، والله المستعان.

التاسع:إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه:

وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها ولايوفق إلا من عظم حظه من الله،وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه.فكلما ازداد أذى وشراً وبغياً وحسداً ازددت إليه إحساناً، وله نصيحة، وعليه شفقة، وما أظنك تُصدّق بأن هذا يكون فضلاً عن أن تتعاطاه فاسمع الآن قوله عز وجل:{ولاتستوي الحسنةُ ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسنُ فإذا الذي بينكَ وبينهُ عداوةٌ كأنّهُ وليٌّ حميم*وما يُلقاها إلا الذين صبروا وما يُلقاها إلا ذو حظٍ عظيم*وإما ينزغنّكَ من الشيطانِ نَزغٌ فاستعذ بالله إنّهُ هو السميعُ العليم} [فصلت34 ـ 36].

وتأمل حال النبي صلى الله عليه وسلم حين ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلت الدم عنه ويقول:”اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون“.

كيف جمع في هذه الكلمات الأربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه؟

أحدها: عفوه عنهم.

والثاني: استغفاره لهم.

والثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لايعلمون

والرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه،فقال:{اغفر لقومي} كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به: هذا ولدي، هذا غلامي، هذا صاحبي، فهبه لي.

واسمع الآن مالذي يسهل هذا على النفس ويطيبّه إليها وينعمها به:

اعلم أن لك ذنوباً بينك وبين الله،تخاف عواقبها وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك.ومع هذا لايقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك، ويجلب لك من المنافع والإحسان فوق ماتؤمله.

فإذا كنت ترجو هذا من ربك وتحب أن يقابل به إساءتك، فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه،وتقابل به إساءتهم ليعاملك الله تلك المعاملة، فإن الجزاء من جنس العمل ،فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك، يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاءً وفاقاً،فانتقم بعد ذلك أو اعف، وأحسن أو أترك،فكما تدين تدان وكما تفعل مع عباده يفعل معك. فمن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه.

وهذا مع مايحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي شكى إليه قرابته، وأنه يحسن إليهم وهم يسيئون إليه فقال:”لايزال معك من الله ظهير مادمت على ذلك“.

هذا مع مايتعجله من ثناء الناس عليه،ويصيرون كلهم معه على خصمه، فإن كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير، وهو مُسئ إليه، وجد قلبه ودعاءه وهمته مع المحسن على المسئ، وذلك أمر فطري فطر الله عليه عباده.

العاشر:تجريد التوحيد:

وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب. وهو تجريد التوحيد، والترحل بالفكر في الاسباب إلى المسبب العزيز الحكيم،والعلم بأن هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح،وهي بيد محركها، وفاطرها وبارئها،ولاتضر ولاتنفع إلا بإذنه، فهو الذي يحسن عبده بها وهو الذي يصرفها عنه وحده،لا أحد سواه. قال تعالى:{وإن يمسسكَ الله بضر فلا كاشفَ لهُ إلا الله وإن يُردكَ بخيرٍ فلا رادَ لفضله} [يونس107].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لإبن عباس رضي الله عنهما:”واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ كتبه الله عليك“.

فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ماسواه،وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة،وقد أمنه منه،وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلاً وااشتغالاً به عن غيره،فيرى أن إعماله  فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده،وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل.والله يتولى حفظه والدفع عنه ،فإن الله يدافع عن الذين أمنوا، فإن كان مؤمنا، فالله يدافع عنه ولابد،وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه، فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج مزج له،وإن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة،كما قال بعض السلف:” من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة، ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرة ومرة فالله مرة ومرة”.

فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين،قال بعض السلف:” من خاف الله خافه كل شئ، ومن لم يخف الله أخافه من كل شئ”.انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.

ومن الناحية الأدبية:

الكثير من الأدباء والشعراء تكلموا عن الحسد  ونذكر منهم:

ابن الرومي:

وذي حسدٍ يُكاشِرُني (يضاحكني)           وتحت جنانه رَصَدُه

يبيتُ إذا تذَّكرني                              وحُمّى خَيبرٍ تَرِده

ويرَمدُ حين يبصرني                         فدامَ بعينه رَمده

أصبتُ سواء مقتله                          على أن لستُ اعتمده

ابن الرومي:

يا دافن الحقد في ضعفي جوانحه                  ساد الدفين الذي أمست له جدثا

الحِقدُ داءٌ دويُّ لادواءَ لهُ                          يَرِى الصُّدورَ إذا ماجمره حُرثا (يري: يشعل)

فاستشفِ منهُ بصفحٍ أو معاتبةٍ                    فإنما  يبرأ المصدورُ ما نفثا

يزيد بن الحكم الثقفي (أمالي ابن الشجري ج1 ص270):

تُكاشِرُني كَرْهاً كأنكَ ناصِحٌ                       وعَينُكَ تبدي أنّ صَدْرَكَ لي دوي  (دَوي :الذي به داء)

لِسانُكَ لي أَرْيٌ وغيبُكَ عَلقَمٌ                     وشَرُّكَ مبسوطٌ وخيرُكَ مُلتوي (أرى:العسل)

تفاوض من أطوي طوى الكشح دونه           ومن دون من صافيته أنت منطوي

أراك إذا استغنيت عنا هجرتنا                    وأنت إلينا عند فقرك منضوي

إليك أنعوى نصحي ومالي كلاهما              ولستَ إلى نصحي ومالي بمنعوي(انعوى: انعطف)

أراكَ إذا لم أهوَ أمراً هويتَهُ                    ولستَ لِما أهوى من الأمرِ بالهوي

أراك اجتويت الخير مني وأجتوي              أذاك فكل مجتوٍ قرب مجتوي(الاجتواء:الكره)

فليت كفافاً كان خيرك كله                       وشرك عني، مارتوى الماء مرتوي

لعلك أن تنأى بأرضك نية!                     وإلا فإني غير أرضك منتوي

تبدل خليلاً بي،كشكلك شكله                    فإني خليلاً صالحاً بك مقتوي(خادم)

فلم يغوني ربي فكيف اصطحابنا             ورأسك في الأغوى من الغي منغوي!

عَدٌّوكَ يخشى صولتي إن لقيتهُ          وأنتَ عَدوِّي ليس ذاك  بِمستوي

وكم موطن لولاي طحت كما هوى            بأجرامه من قلة النيق منهوي(قلة النيق:ذروة الجبل)

نداك عن المولى ونصرك عاتمُ               وأنت له بالظلم والغمر مختوي(الغمر:الحقد،المختوي:الجائر)

تود له ،لو ناله نابُ حية                     ربيب صفاة بين لِهيين منحوي(اللهب: الشق في الجبل،المنحوي:المجتمع)

إذا ما ابتنى المجدَ ابنُ عَمِّكَ لم تُعِنْ      وقُلتَ :ألا بل ليتَ بُنيانَهُ خَوِي

وإنّكَ إن قيلَ ابنُ عَمِّكَ غانمٌ             شَجٍ أو عَميدٌ أو أخو مَغْلَةٍ لوي  (لَوي :وجع الجوف)

(الشجي:الحزين المهموم، العميد:الذي فدحه المرض حتى احتاج الى من يعمده اي يسنده ، المغلة : وجع البطن

تملأتَ من غيظٍ عليه فلم يزل          بكَ الغيظُ حتى كِدْتَ بالغيظِ تنشوي

فما برحت نفسٌ حسودٌ حشيتها            تذيبك حتى قيل:هل أنت مكتوي

وقال النِّطاسيُّونَ: إنّكَ مُشْعَرٌ             سُلالاً !ألا بل أنتَ من حسدٍ جوي (جَوي :داء القلب)

فديت امرءاً لم يدوَ للنأي عهده            وعهدك من قبل التنائي هو الدوي

جَمعتَ فُحشاً وغيبةً ونميمةً            خِلالاً ثلاثاً لستَ عنها بِمُرعوي

أتجمع تسآل الأخلاء مالهم              ومالك من دون الأخلاء تحتوي!

بدا منك غشٌ طالما قد كتمته            كما كتمتْ داء ابنها أمّ مُدوي

ذو الإصبع العدواني:

لي ابنُ عمٍ ماكان من خُلُق              مُحاسدٌ ليَ أقليه ويَقليني

أزرى بنا أننا شالت نَعامتنا             فخالني دونَه أو خِلته دوني

ياعمرو إلا تَدع شتمي ومنقصتي     أضربُكَ حتى تقول الهامةُ اسقوني

ماذا عليَّ وإن كنتم ذوي رَحِمي       ألا أُحبَّكم إن لم تحبوني

لا أسألُ الناس عما في ضمائرهم      مافي ضميري لهم من ذاك يكفيني

المتنبي:

سوى وجعِ الحُسّادِ داوِ، فإنّهُ                إذا حلَّ في قلبٍ فليسَ يحولُ

ولا تطمعنْ من حاسدٍ في مودَّةٍ               وإن كنتَ تُبديها لهُ وتُنيلُ

أبو تمام:

لولا التّخَوُّفُ للعواقبِ لم تزلْ               للحاسدِ النُّعمى على المحسودِ

وإذا أرادَ الله نشرَ فضيلةٍ                    طُويتْ أتاحَ لها لِسانَ حَسودِ

لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورتْ            ما كانَ يُعرفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ

البحتري:

ولنْ تستبينَ الدَّهرَ موضعَ نعمةٍ           إذا أنتَ لم تُدلَلْ عليها بحاسدِ

أحدهم:

كلُّ العداوةِ قد تُرجى إماتتُها                إلا عداوة من عاداكَ من حسد

فإنّ في القلبِ منها عُقدة عُقدت         وليس يفتحها راقٍ إلى الأبدِ

إلا الإله فإن يرحم تُحلَّ به                وإن أباهُ فلا ترجوهُ من أحدِ

أبو العتاهية:

ياربِّ إنّ الناس لايُنصفونني            وكيف ولو لأنصفتُهم ظلموني

وإن كان لي شئٌ تصدّوا لأخذهِ         وإن جئتُ أبغي سَيبهَم منعوني

وإن نالهم بَذلي فلا شُكر عندهم        وإن أنا لم أبذُل لهم شتموني

وإن طرقتني نِقمةٌ فرحوا بها           وإن صحبتني نعمةٌ حسدوني

سأمنعُ قلبي أن يَحنَّ إليهمُ              وأحجبُ عنهم ناظري وجفوني

بشار بن برد:

قد أذهبَ الداءَ حُسّادي بكثرتهمْ        ولو فُنُوا عزَّ دائي من يداويني

لا عشتُ خِلواً من الحُسّادِ إنّهُمُ      أعَزُّ فقداً من اللائي أحبّوني

أبقى ليَ الله حُسّادي وغَمّهمُ          حتى يموتوا بداءٍ غير مكنونِ

أحدهم:

اصبِرْ على حسدِ الحسودِ              فإنّ صَبركَ قاتِله

كالنارِ تأكلُ  بعضها                   إن لم تجد ما تأكله

أحدهم:

إنَّ العَرانينَ تلقاها مُحسَّدةً           ولاترى للئامِ الناس حُساداً

أحدهم:

إن يحسدوني فإني غيرُ لائِمهمْ    قَبلي من الناس أهلِ الفضلِ قد حُسدوا

فدامَ لي ولَهُم مابي ومابهمُ        ومات أكثرُنا غَيظاً بما يَجدُ

أنا الذي يجدوني في صدورهمُ     لا أرتقي صَدَراً عنها ولا أرِدُ

(أنا كالشجى الدائم الذي لاسلامة لأعدائي منه) .

ثالثاً: النهي عن الهَمِّ والغَمِّ والحزن

الأحاديث الشريفة:

“من كانت الأخرة همّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، وإن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرّقَ عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ” [رواه الترمذي].

اللهم إني أعوذ بك من الهَمِّ والحزن“.

مايصيب المؤمن من هَمٍّ ولانَصَبٍ ولاحزن،إلا كَفّر الله به من خطاياه”.

من الناحية اللغوية:

الحزْن والحزَن:

ضد السرور، ويقول العلامة الراغب الأصفهاني في كتاب “المفردات في علوم القرآن”:

“الحزن والحزَن: خشونة في الأرض، وخشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم،ويضاده الفرح، ولاعتبار الخشونة بالغم قيل: خشنت بصدره إذا حزنته،ويقال: حزن يحزن، وحزنته وأحزنته،قال عزّ وجلّ:{لِكيلا تحزنوا على مافاتَكُم}،{الحمد لله الذي أذهبَ عنّا الحَزَن}،{تولّوا وأعينُهُم تفيضُ من الدّمعِ حَزَناً}،{إنّما أشكو بَثّي وحُزني إلى الله}، وقوله تعالى:{ولاتحزنوا}،{ولاتحزن}.

أسباب الحزن:

يقول الدكتور محمد فائز الحاج علي في كتابه”الصحة النفسية”:

“الحزن انفعال مضاد للفرح والسرور، وهو يحدث إذا فقد الإنسان شخصاً عزيزاً، أو شيئاً ذا قيمة كبيرة، أو إذا حلت به كارثة ما، أو فشل في تحقيق أمر هام.ويشعر الآباء والأمهات عادة بالحزن إذا ماغاب أبناؤهم عنهم، أو إذا مالحق بهم أذى أو أصابهم مكروه.

وقد أشار القرآن إلى حزن أم موسى عليه السلام حينما ابتعد عنها ابنها بعد أن وضعته في صندوق وألقت به في النهر وقذف به الموج بعيداً عنها:{فَرَددناهُ إلى أمهِ كي تَقَرَّ عينُها ولاتحزن} [القصص13]، وقوله تعالى:{ فَرَجعناكَ إلى أمكَ كي تقرَّ عَينُها ولاتحزن}[طه 40].

ووصف القرآن الكريم حزن يعقوب عليه السلام من فقد ابنه يوسف عليه السلام:{وتولّى عنهم وقال يا أسفى على يُوسُفَ وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم* قالوا تالله تفتؤا تذكرُ يوسفَ حتى تكونَ حَرَضاً أو تكونَ من الهالكين* قال إنما أشكو بثّي وحُزني إلى الله وأعلمُ من الله مالاتعلمون}[يوسف84 ـ 86].

ويتابع:”وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بالحزن حينما يرك كفار مكة لايستجيبون لدعوته بالإيمان بالله، وبما أنزل عليه من القرآن:{ولايحزُنكَ الذينَ يُسارعونَ في الكفرِ إنّهم لن يضروا الله شيئاً يريدُ الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ولهم عذابٌ عظيم}[آل عمران176].

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 348):

يقول تعالى:{يا أيُّها الرسولُ لايحزُنكَ الذينَ يُسارعونَ في الكُفرِ من الذين قالوا آمنا بأفواهِهم ولم تُؤمن قلوبُهُم} [المائدة41].

“والحزن ضد السرور وهو ضرب من آلام النفس يجده الإنسان عند فوت مايحب.والحزن مذموم طبعاً وشرعاً مهما كان سببه،ولهذا نهى الله تعالى عنه في هذه الآية وفي آيات أخرى وجعل التجرد منمه ومن مقابله وهو فرح البطر والخفة بالأشياء المحبوبة غاية الكمال والإيمان في قوله تعالى:{لكيلا تاسوا على مافاتكم ولاتفرحوا بما آتاكم}بالحديد23] وأما الفرح والسرور بالحق والفضل دون اعراض الدنيا لذاتها فهو محمود:{قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}[يونس 58] كما أن حزن الرحمة والرأفة عند موت الولد وغيره من الصفات الفطرية الشريفة، لا ماتكلفه المرء من لوازمه.

فإن قيل :إن الحزن ألم طبيعي يعرض للإنسان عند فوت ما يحبه وليس أمراً اختيارياً فكيف نهى الله عنه؟قلنا: إن النهي عن الحزن يراد به النهي عن لوازمه التي يفعلها كثير من الناس مختارين فتكون محركة لذلك الألم ومجددة له.ومبعدة أمد السلوى ـ والأمر بضدها من تكلف الأعمال التي تشغل النفس وتصرفها عن التذكر والتفكر فيما حزنت لأجله احتساباً ورضاء من الله تعالى،وهذه الأفعال تكون بدنية نفسية وتكون نفسية أو بدنية فقط.

ويتابع رحمه الله:”وللناس في المصائب عادات رديئة، وأعمال سخيفة ضارة،تدل على ضعف البشرنوالسخط على القدر،ومعظم العقلاء والحكماء يذمونه وينهون عنه كما نهى عنه الدين”.

يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص133):

“في الحديث الشريف:”إن الله عزّ وجلّ بقسطه جعل الفرح والرّوح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك“.

يقول القرضاوي:

“في هذا الحديث الشريف كشف عن حقيقة نفسية باهرة،فكما أن سنة الله تعالى قد ربطت الشبع والري بالطعام والشراب في عالم المادة،فإن سنته تعالى في عالم النفس والروح قد ربطت الفرح والرّوح، وبعبارة أخرى السرور وراحة النفس بالرضا واليقين، فبرضا الإنسان عن نفسه وربه يطمئن إلى يومه وحاضره ،وبيقينه بالله والآخرة والجزاء يطمئن إلى غده ومستقبله، كما ربطت سنة الله الغم والحزن بالسخط والشك.

فالساخطون والشاكون لايذوقون للسرور طعماً. إن حياتهم كلها سواد ممتد،وظلام متصل، وليل حالك لايعقبه نهار، ولايرتقب له فجر صادق.

وقد ربط الحديث النبوي الكريم بين السخط والشك وهما متلازمان، فلاسخط من غير شك،ولاشك من غير سخط.

قال الإمام ابن القيم:

“قلّ أن يسلم الساخط من شك يداخل قلبه ويتغلغل فيه، وإن كان لايشعر به، فلو فتش نفسه غاية التفتيش، لوجد يقينه معلولا مدخولا.فإن الرضا واليقين أخوان مصطحبان والشك والسخط قرينان”.

الساخط إنسان دائم الحزن، دائم الكآبة،ضيق الصدر، ضيق الحياة، ضيق بالناس، ضيق بنفسه،ضيق بكل شئ، كأن الدنيا ـ على سعتها ـ في عينيه سَمِّ الخياط.

إن المؤمن قد تصيبه الكآبة، وقد يعتريه الحزن، ولهذا قال الله لرسوله الكريم{ولاتحزن عليهم}، {ولايحزنك قولهم} ولكن حزن المؤمن لغيره أكثر من حزنه لنفسه،وإذا حزن لنفسه فلآخرته قبل دنياه.وإذا حزن لدنياه فهو حزن عارض موقوت كغمام الصيف، سرعان ماينقشع إذا هبت عليه ريح الإيمان.حتى النفوس المنقبضة والطبائع المتشائمة، ينشر الإيمان عليها من ضيائه وإشراقه ،فيبدّد كثيراً من ظلامها ويخفف كثيراً من انقباضها ويطارد أسباب السخط والتشاؤم من وجودها.

ويتابع الأستاذ القرضاوي:

“أما المرتاب في الله والآخرة فهو يعيش في مأتم مستمر، ومناحة دائمة.لأنه يعيش في سخط دائم، وغضب مستمر. ساخط على الناس، ساخط على نفسه، ساخط على الدهر، ساخط على كل شئ”.

ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج2 ص200):

“مما لاشك فيه أن غلبة الحزن مرض قد ينشأ من عوامل كثيرة مختلفة،فمن الخطأ رجوعها كلها إلى علّة واحدة،وإذاً فمن الخطأ وضع علاج واحد للعلل كلها، ولكن فحص كل نفس وأسباب حزنها ووضع العلاج الخاص بها لايستطيعه إلا طبيب نفسي ماهر.

ولعل من أهم أسباب الحزن ضيق الأفق وكثرة تفكير الإنسان في نفسه،حتى كأنها مركز العالم، وكأن الشمس والقمر والبحار والأنهار والأمة والحكومة والميزانية والسعادة والرخاء، كلها خلقت لشخصه،فهو يقيس كل المسائل بمقياس نفسه،ويديم التفكير في نفسه وعلاقة العالم بها، وهذا من غير ريب يُوجد البؤس والحزن،فمحال أن يجري العالم وفق نفسه لأن نفسه ليست المركز،وإنما هي نقطة حقيرة على المحيط العظيم، فإن هو وسّع أفقه،ونظر إلى العالم الفسيح، ونسي نفسه أحياناً، ونسي نفسه كثيراً،شعر بأن الأعباء التي ترزح تحتها نفسه، والقيود الثقيلة التي تثقل بها نفسه قد خفت شيئاً فشيئاً وتحللت شيئاً فشيئاً. وهذا هو السبب في أن أكثر الناس فراغاً أشدهم ضيقاً بنفسه،لأنه يجد من زمنه مايطيل التفكير فيها إلى درجة أن يجن بنفسه، فإن هو استغرق في عمله وفكّر في أمته وفكّر في عالمه، كان له من ذلك لذة مزدوجة، لذة الفكر والعمل، ولذة نسيان النفس”.

ومن أسباب الحزن والهم والغم العودة إلى الأمس القريب أو البعيد واجترار آلامه وأحزانه والعيش في مآسيه.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ـ مقال لا تبكِ على فائت ـ ص100):

“أما العودة إلى الامس القريب أو البعيد لنجدّد حزناً،أو ننكأ جرحاًنأو ندور حول مأساة حزَّت في نفوسنا لنقول:”ليت”،و”لو”،فإن هذا ما يكرهه الإسلام وينفّر من التردّي فيه،بل إنّ هذا كان ديدن الحيارى والمترددين من المنافقين ومرضى القلوب:{يُخفونَ في أنفسهم ما لا يُبدون لك يقولونَ لو كان لنا من  الأمرِ شيئاً ما قُتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرزَ الذين كُتبَ عليهم القتل إلى مضاجعهم}[آل عمران154]،{الّذينَ قالوا لإخوانِهمْ وقعدوا لو أطاعونا ما قُتلوا قُلْ فادرءوا عن أنفسكمُ الموتَ إن كنتم صادقينَ}[آل عمران 168].

وهذه التأوهات المنكسر،والتحسرات المفجوعة التي سيطرت على ضعفاء الإيمان بعد غزوة أحد،فإن الخسائر التي أصابت أهل المدينة بعد هجوم المشركين عليها خلّفت آثاراً غائرة،وفتحت أمام الحاقدين على الإسلام ثغرات للتشفي واللمز.

لكن الله عز وجل أنزل آياتٍ مفصّلة في مداواة هذه الجراح ولمِّ شمل المسلمين عقب النكبة التي أصابتهم ،فكان من تأديبه لهم أن علّق عيونهم بالمستقبل،وصرف أذهانهم عن الماضي،وزجرهم عن الوقوف بأطلال الأمس يبكون ويولولون.

لا،ليست هذه شيمة الرجولة،ولا منطق الإيمان،يجب أن نتعرّف سرَّ الخطأ لنتقّيه في المستقبل،ولن ننظر فيما وقع إلا بمقدار ما نستخلص العبرة منه،وذاك ما تكفّل به القرآن الكريم،فقد أشار إلى علّة الهزيمة في إيجاز:{حتى إذا فشلتُم وتنازعتُم في الأمر وعصيتم من بعد ماأراكم ما تُحبُّون}[آل عمران 152].{إنَّ الّذينَ تولَّوا منكم يومَ التقى الجمعانِ إنّما استزلّهم الشيطانُ ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم}[آل عمران 155].

ثم واساهم بما يهوّن وقع الألم عليهم،فإن الألم إذا قيدّ النفوس بسلاسله الغلاظ ربطها في زمنٍ يتحرّك،فلم تحسن شيئاً،ولم تكسب خيراً.

ما قيمة لطم الخدود،وشق الجيوب على حظٍّ فات أو غُرْمٍ نابَ؟

ما قيمة أن ينجذب المرء بأفكاره ومشاعره إلى حدثٍ طواه الزمن ليزيد ألمه حُرقةً وقلبهُ لذعاً؟

لو أن أيدينا يمكنها أن تمتد إلى الماضي لتمسك حوادثهُ المُدبرة،فتغيّر منها ما تكره،وتحوِّرها على ما تحب،لكانت العودة إلى الماضي واجبة،ولهرعنا جميعاً إليه،نمحو ما ندمنا على فعله،ونضاعف ما قلّت أنصبتنا منه.

أما وذلك مستحيل فخيرٌ لنا أن نكرّس الجهود لما نستأنف من أيام وليالٍ ،ففيها وحدها العِوض.

ذلك حق،وإليه يشير الحديث الشريف:“استعن بالله.ولا تعجز،وإن أصابك شيء فلا تقل:لو أني فعلتُ كذا كان كذا وكذا.ولكن قُلْ:قدّرَ الله وما شاء فعل،فإن لو تفتح عمل الشيطان”.[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]

وبهذا نُعَفِّي على الماضي،ونستانف المسير في نشاط ورجاء”.

النهي عن الحزن والهَمّ شرعاً:

جاء في موقع دار الإسلام:

“ليس فيما ذكر بنهي عن تحصيل الحزن، فالحزن ليس يحصل بالاختيار، ولكن النهي في الحقيقة إنما هو عن تعاطي مايورث الحزن واكتسابه،وإلى معنى ذلك أشار الشاعر:

ومن سرّه أن لايرى مايسوءه           فلايتخذ شيئاً يبالي له فقدا

وأيضاً يجب على الإنسان أن يتصوّر ماعليه جبلت الدنيا، حتى إذا مابغتته نائبة لم يكترث لها لمعرفته إياها، ويجب عليه أن يروض نفسه على تحمل صغار النوب حتى يتوصل بها إلى تحمل كبارها.

والحزن يكون على فقد ممتلك ونحوه، ويكون خوفاً من فقدان ممتلك أو من مفارقة محبوب بموت أو سفر، وهو بمعناه العام أثر لوقوع مكروه،أو هو توقع نزوله وحدوثه، فيحدث في النفس انقباض وميل إلى الخلوة، ويقوى هذا الميل أحياناً إلى أن يصبح مرضاً أو طبعاً شاذاً.

وهذا النوع من الحزن، هو غير ماعند أصحاب العلم والعرفان وأهل الكشف، فحزن هؤلاء شعور بالتقصير أمام الحق سبحانه،في القيام بالمفروضات كلها صغيرها وكبيرها،بل وأكثر من الواجبات والمفروضات، لأنهم يرون أن كل مايعملونه من البر والطاعات، لايساوي نفساً من الأنفاس التي منّ بها المنعم المنّان،والحزن عند هؤلاء هو من الخوف مما يتوقعون أن يجري لهم في أيام الدنيا من تقلب الأحوال، فالمؤمن ـ كما في الحديث الشريف ـ “قلبه بين اصبعين من أصابع الرحمن يقلبّه كيف يشاء”، ومن الخوف من أهوال الساعة، ومن أهوال أيام الآخرة، فالعارف المؤمن وجل حزين، مشفق من وصول الساعة ومابعدها، والجاهل الغارق بالمتارف واللذات غافل وغير مكترث، ولايريد أن يمر بباله موت أو وصول الساعة، وهذا ماصوره التنزيل أصدق صورة وأجملها:{يَستعجِلُ بها الذّين لايؤمنونَ بها والذين آمنوا مُشفقونَ منها ويعلمونَ أنّها الحَقُّ ألا إنّ الذينَ يُمارونَ في الساعةِ لفي ضلالٍ بعيد}[الشورى18].

والعارفون المؤمنون عندهم إحساس عميق بالأوجاع والأوصاب التي تقع بهم وبالناس، فيحزنون لأسبابها ولآثارها،ويحزنون لهؤلاء الناس الذين هم في غفلة ساهون،فلايتذكرون ولايعتبرون، قد انغمسوا بالخطيئات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً،فإذا دعوهم إلى التبصرة فلايستجيب لهم أحد، وربما ألحقوا بهم الأذى والضرر إذا أعادوا عليهم الدعوة والتذكير”.

علاج الحزن والهم:

إن المسلم الحق ، والذي يعود في سيرة حياته وممارساته اليومية إلى الكتاب والسنة، يتمكن من دفع الحزن والهمّ والغمّ عن نفسه ما أمكن لأنه يعرف أن الدنيا دار ابتلاء وفتنة وأنها لاتساوي شيئاً، وأن مايصيبه من وصب ولانَصب ولاهم ولاحزن فإنه ابتلاء من الله وأنه مجازى على صبره واحتسابه خير الجزاء من الله العزيز القادر.

ـ إن المسلم الحق وفي عقيدته وإيمانه يؤمن بالحديث الشريف الصحيح الذي رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:”واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على ان يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك“.فهذا يبين له أن الله هو القادر المتصرف وإنه لايوجد أحد من العباد قادر على أن يؤذيه أو يمنعه رزقه وأن يسبب له الضرر فالأمر كله لله.

فالأجل والرزق بيد الله وليس بيد أحد من عباده فلم الخوف والحزن، ولم التفكير في الماضي الذي ولّى، والحاضر بيد المولى، ولم التفكير في المستقبل وما يحمله له من مفاجأت في حياته ورزقه وأن هذا كله بيد الرحمن الرحيم.وأن العطاء والمنع بيد الكريم العليم.

يقول الأستاذ العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص135):

“في الحديث الشريف:”من سعادة المرء استخارته ربه ،ورضاه بما قضى، ومن شقاء المرء تركه الاستخارة وعدم رضاه بعد القضاء“[رواه البزار ومعناه عند أحمد والترمذي].

فكل أمر مقدوره يكتنفه أمران:الاستخارة قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه،والسعيد من جمع بينهما، وذلك هو المؤمن،والشقي من حرمهما.

المؤمن يسأل الله قبل إقدامه على أمر من الأمور أن يهديه إلى أرشد الأعمال وأهدى السبل،ومن الأدعية التي علمها لنا الرسول صلى الله عليه وسلم:”اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فيسّره لي،وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه،واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به“[رواه البخاري وغيره].

والمؤمن وحده هو الذي يغمره الإحساس بالرضا بعد كل قدر من أقدار الله.

الرضا نعمة روحية جزيلة، هيهات أن يصل إليها جاحد بالله، أو شاك فيه،أو مرتاب في جزاء الآخرة، إنما يصل إليها من قوي إيمانه بالله،وحسن اتصاله به.

وقد خاطب الله رسوله عليه السلام بقوله:{فاصبِر على مايقولونَ وسَبِّح بِحمدِ رَبِّكَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقبلَ غُرُوبِها ومن آناءِ الّليلِ فَسبِّح وأطرافَ النّهارِ لعلّكَ ترضى}[طه 130]، وامتنّ عليه بقوله:{ ولسوف يُعطيكَ ربُّكَ فترضى}[الضحى5].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:”ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبإلإسلام ديناً، وبمحمد رسولا“[رواه أحمد ومسلم والترمذي].

وأثنى الله تعالى على المؤمنين بقوله:{رضي الله عنهم ورضوا عنه}[البينة 8]”.

ـ إن المسلم الحق والذي يؤمن بأن الحياة الدنيا دار مرور وعبور، وأن الآخرة دار الاستقرار، فإنه لايتملّكه ولايسيطر عليه الحزن والهم والاكتئاب لفقد صحة أو الإصابة بمرض أو فقد غالي وعزيز لأنه يعلم أن هذه الدنيا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم”لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ماسقى كافراً منها شربة ماء” . فالإيمان بقضاء الله وقدره من جهة والإيمان باليوم الآخر هو مما يخفف عن المسلم تبعات مايلقاه من مصائب وأوصاب ولايلقي به في الاكتئاب والحزن المفرط الشديد ويمنع اليأس من أن يستولي عليه.

ـ إن المسلم الحق يعلم أن الله إذا أحبّ عبده ابتلاه، وأن أكثر الناس عرضة لإمتحانات وابتلاءات الحياة هم الرسل والصالحون وعباد الله المؤمنين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أشدّ الناس بلاءً:الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل“[رواه الطبراني وجاء في صحيح الجامع الصغير]،فكلما زاد الإيمان زاد الابتلاء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”فإن كان في دينه صلبة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه“[صحيح الجامع الصغير].

ـ والمسلم الحق يعلم أن الابتلاء إذا ترافق مع الصبر والاحتساب فإن له عظيم الأجر في الدارين. يقول تعالى:{إنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}[الزمر10]ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”مايُصيب المسلم من نَصب ولاوصب، ولاهمّ ولاحزن، ولاأذى ولاغمّ، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّرّ الله بها من خطاياه”[رواه أحمد والشيخان].

فالمسلم أمره كله خيركما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم:”عجباً لأمر المؤمن، إنّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن:إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له،وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له”[رواه مسلم].

أقوال السلف الصالح:

قال سيدنا علي رضي الله عنه:”الهمُّ نصف الهرم.”

جاء في زاد المعاد [ابن القيم ج1 ص 184] :

“والفرق بين بكاء السرور والفرح،وبكاء الحزن،أن دمعة السرور باردة والقلب فرحان،ودمعة الحزن حارة والقلب حزين،ولهذا يقال لما يُفرح به : هو قُرَّة عين ، وأقرَّ الله به عينه ، ولما يُحزن : هو سخينة العين ، وأسخن الله عينه به “.

جاء في كتاب حياتي [أحمد أمين ص 19] :

“فقد كان لي أخت في الثانية عشرة من عمرها ، شاء أبي الا تستمر في البيت من غير عمل ، فأرسلها الى معلمة تتعلم عندها الخياطة والتفصيل والتطريز،وقامت يوماً تعدّ القهوة لضيوف المعلمة ، فهبت النار فيها واشتعل شعرها وجسمها وحاولت أن تطفئ نفسها أول ألامر فلم تنجح فصرخت ، ولكن لم يدركوها إلا وهي شعلة نار ، ثم فارقت الحياة بعد ساعات، وكان ذلك وانا حَملٌ في بطن أمي،فتغذيت دماً حزيناً ورضعت بعد ولادتي لبناً حزيناً، واسُتقبلت عند ولادتي استقبالاً حزيناً ، فهل كان لذلك أثر فيما غلب علي من الحزن في حياتي ، فلا أفرح كما يفرح الناس  ولاابتهج بالحياة كما يبتهجون ؟ علم ذلك عند الله والراسخين في العلم “.

وقال مصطفى لطفي المنفلوطي:

“الأشقياء في الدنيا كثير، وأعظمهم شقاء ذلك الحزين الصابر الذي قضت عليه ضرورة من ضرورات الحياة أن يهبط بآلامه وأحزانه إلى قرارة نفسه فيودعها هناك، ثم يُغلق دونها  باباً من الصمت والكتمان  ثم يصعد إلى الناس باش الوجه ، باسم الثغر، منطلقاً متهللاً ، كأنه لا يحمل بين جنبيه هَمَّاً ولا كمداً”.

وجاء في كتاب لاتحزن [د. عائض القرني ص73-75وتحت عنوان “الحزن ليس مطلوباً شرعاً ولا مقصوداً أصلاً]:

“فالحزن منهيٌ عنه في قوله تعالى”ولا تهنوا ولا تحزنوا” وقوله”ولا تحزن عليهم” ، وقوله “لا تحزن إن الله معنا” والمنفي كقوله” فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون“.

ويتابع:”فالحزن خمود لجذوة الطلب، وهمود لروح الهمة ، وبرود في النفس،وهو حُمّى تشلُّ جسم الحياة . وسرُ ذلك : أن الحزن مُوَقِفّ غير مُسَيّر، ولا مصلحة فيه للقلب ، وأحبُّ شئ إلى الشيطان : أن يُحزِنَ العبد ليقطعه عن سيره، قال تعالى{إنما النجوى من الشيطان لِيحزُنَ الذين آمنوا}[المحادلة 10] ونهى النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة”أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث، لأن ذلك يحزنه“، وحزن المؤمن غير مطلوب ولا مرغوب فيه ، لأنه من الأذى الذي يصيب النفس وقد طُلِبَ من المسلم طردهُ وعدم الاستسلام له ودحضه وردّه ومقاومته ومغالبته بالوسائل المشروعة .

وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الحزن “اللهم إني أعوذ بك من الهّمِ والحَزن“، والفرق بينهما : “أن المكروه الذي يَرِد على القلب إن كان لما يُستقبل أورثه الهم ّ، وإن كان لما مضى أورثه الحزن ، وكلاهما مضعف للقلب عن السير ، مُفَترٌ للعزم .

ويتابع:”يقول اهل الجنة إذا دخلوها ” الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَن“[فاطر34] فهذا يدلُّ على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن ، كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم  بغير اختيارهم ، فإذا حلَّ الحزن وليس للنفس فيه حيلة ، وليس لها في استجلابه سبيل ، فهي مأجورة على ما أصابها ، لأنه نوع من المصائب ، فعلى العبد أن يدافعه إذا نزل بالأدعية والوسائل الحيّة الكفيلة بطرده .

وأما قوله تعالى { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلتَ لا أجدُ ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيضُ من الدمعِ حَزَناً ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة92]فلم يمدحوا على نفس الحزن ، وإنما مدحوا على ما دلّ عليه الحزن من قوة إيمانهم ، حيث تخلفّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجزهم عن النفقة ، ففيه تعريضٌ بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلّفهم  بل أغبطوا نفوسهم به “.

فإن الحزن المحمود إن حُمد بعد وقوعه –وهو ما كان سببه فوت طاعة أو وقوع معصية – فإنّ حزن العبد على تقصيره مع ربه وتفريطه في جنب مولاه دليلٌ على حياته وقبوله الهداية ونوره واهتدائه .

أما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح”ما يُصيب المؤمن من هَمٍّ ولا نَصَب ولا حَزن، إلا كفّرَ الله به من خطاياه” فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد ، يُكَّفر بها من سيئاته، ولا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه ، فليس للعبد أن يطلب الحزن ويستدعيه ويظن أنه عبادة ، وأن الشارع حثّ عليه أوأمر به أو رضيه أو شرعه لعباده ، ولو كان هذا صحيحاً لقطع  صلى الله عليه وسلم حياته بالأحزان  وصرفها بالهموم ، كيف وصدره منشرح ووجهه باسم وقلبه راض، وهو متواصل السرور .

وأما حديث “أنه متواصل الأحزان ” فحديث لا يثبت وفي إسناده من لا يُعرف وكيف يكون متواصل الأحزان ، وقد صانه الله عن الحزن على الدنيا وأسبابها ، ونهاه عن الحزن على الكفار، وغفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر. فمن أين يأتيه الحزن،وكيف يصل إلى قلبه ، ومن أي الطرق ينساب إلى فؤاده ، وهو معمورٌ بالذكر، رَيّان بالاستقامة ، فياضٌ بالهداية الربانية ، مطمئنٌ بوعد الله ، راضٍ بأحكامه وأفعاله ، بل كان دائم البِشر  ضحوك السن،كما في صفته “الضحوك القتّال” صلوات الله عليه وسلم .

وأما الخبر المروي “إن الله يحب كل قلب حزين” فلا يعرف إسناده ، ولا من رواه ولا نعلم صحته .

واما قوله تعالى عن نبيه إسرائيل{وابيضّت عيناه من الحزنِ فهو كظيم}[يوسف84]  فهو إخبار عن حاله بمصابه بفقد ولده وحبيبه ، وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه ، ومجرد الإخبار عن الشئ لا يدل على استحسانه ولا على الأمر به ولا الحثّ عليه ، بل أمرنا أن نستعيذ بالله من الحزن،فإنه سحابة ثقيلة وليل جاثم طويل ، وعائق في طريق السائر إلى معالي الأمور” .

دعاء كشف الكُرب والهمّ والحزن:

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ما أصاب مسلماً قط همٌّ ولاحزن فقال: اللهم إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سَميّت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أوعلَّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي وجلاء حزني، وذهاب همي وغمّي، إلا أذهب الله عنه همّه وأبدله مكان حزنه فرحاً“[مسند الإمام أحمد]

اللهم إني أعوذ بك من الهَمِّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال“[رواه أحمد والشيخان عن أنس رضي الله عنه].

في هذا الحديث الشريف يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية أدواء هي فروع وأغصان من شجرة خبيثة،وكل واحد منها يجلب الضرر، فكيف إذا اجتمعت جميعاً في نفس واحدة لامعاذ الله.

والهم كما ذكرنا هو انشغال القلب بما يثير الكآبة دون قدرة على رده،والحزن هو انهزام النفس أمام ألم غالب، والمحزون سجين يتحكم فيه يأسه ويسيطر القنوط عليه ويجعله قعيداً مشلولاً لاحراك به ولاقدرة.

” لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب  العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك استغيث

اللهم رحمتك أرجو ، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، وأصلح لي شأني كله ، لا إله إلا أنت“.

رابعاً :النهي عن التطّير والتشاؤم والتنجيم والكهانة

التطيّر…المفهوم والدلالة:

جاء في مقال للأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز الكريم (في مجلة الإعجاز العلمي العدد 38 بتاريخ ربيع الآخر 1431هجري):

“إن كلمة التطيّر تعني في الدلالة النفسية التشاؤم والاعتماد على اتخاذ قرار سابق في نواحي الحياة معتمداً في ذلك على أول شئ يصادفه الإنسان وارتبط الاسم بلفظة(التطيّر) أو(الطيرة) لارتباط التشاؤم بالطيور وكما أن هنالك تشاؤم بالطيور هناك تشاؤم بالأسماء والألفاظ وتشاؤم بالمدن والقرى وتشاؤم بالأشخاص والأشهر والأيام والأرقام والألوان ولأن العرب في الجاهلية كانت تعتمد التشاؤم بالطيور فقد جاءت التسمية تحديداً للتشاؤم بالطيرة فغلب الاسم على كل التشاؤم”.

ويذكر الشيخ ابن عثيمين في تعريفه العام للتشاؤم:”هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم، والتشاؤم بالمرئي مثلاً لو رأى طيراً فتشاءم منه لكونه موحشاً، والتشاؤم بالمسموع مثلاً من همّ بأمر فسمع أحداً يقول للآخر ياخسران أو يا خائب فيتشاءم، والتشاؤم بالمعلوم مثلاً:التشاؤم ببعض الأيام أو بعض الشهور أو بعض السنوات فهذه لاترى ولاتسمع”.

والإنسان إذا فتح على نفسه باب التشاؤم ضاقت الدنيا عليه وصار يتخيل كل شئ أنه شؤم، حتى إنه يوجد أناس إذا أصبح وخرج يتخيل كل شئ أنه شؤم.

لقد جاء النهي النبوي الكريم في قوله صلى الله عليه وسلم(لاطيرة) ليعبر عن حالة نفسية كان يعيشها بعض العرب في الجاهلية حيث سادت في نفوسهم ظاهرة الشؤم فينفرون الظباء والطيور فإن أخذت ذات اليمين تبركوا بها ومضوا في سفرهم وحوائجهم وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجاتهم وتشاءموا بها فكانت تصدّهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم، ولذلك كانت رسالة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لمعالجة هذه الظاهرة هو القضاء عليها تماماً بالنهي عنها في قوله صلى الله عليه وسلم(لاطيرة)، وقد أخرج الطبري عن عكرمة قال كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما فمرّ طائر فصاح، فقال رجل: خير خير، فقال ابن عباس “ماعند هذا خير ولاشر”.

يقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ (في كتابه الإنسان في القرآن الكريم):

“إن الإسلام هو الدين الوحيد الحقّ الذي حافظ على صفائه ونقائه خالصاً من كل الشوائب،وقد بقي كما أنزله الله رب العالمين،ولقد واجه الجاهلية بكل صنوفها وأنواعها،فهدم باطلها، وأزال سلطانها على النفوس والعقول،وأقام معالم الحق،ورسخها في النفس والحياة. لقد كان الناس يعيشون في ظلمات الخرافة والجهالة، ودياجير الشرك والضلالة، ويرسفون في قيود الظلم والباطل،فحررهم من ذلك كله، وسما بهم إلى مستوى رفيع لم يبلغه إلا من كان مثلهم على مدى الزمان.ومن ذلك ماكان يشيع عند الناس من التشاؤم السخيف، من التطيّر بالأيام والشهور، والأسماء والطيور، والكلمات والعبارات.

ويتابع:”والتشاؤم يعكر على من يتخلّق به حياته، فهو مذعورٌ أبداً،قلق دائماً،معذباً في كل حين، يترقب الشر كل لحظة، ويتوقع الهلاك في كل آن..إنه مشدود الأعصاب، ثائر النفس، هائج الأنفعال،يتصور الدنيا سهاماً مصوّبة نحوه، ويرى أحداث الحياة مرتبة للإساءة إليه.

من أجل ذلك حرّم الإسلام الطيرة… لكنّ الشيطان وأعوانه من الجنّ والإنس ينشطون لنشر الاباطيل وترسيخها في النفوس.

والتطيّر فيه منافاة للتوكل على الله، الذي لاينفع ولايضر غيره. أما اعتقاد أن النفع والضر في طائر لاعلم عنده ولاقصد، فذلك من السخف والفساد والجهل”.انتهى كلام الدكتور الصباغ.

وجاء في محاضرة للشيخ علي محفوظ (أحد أعداد مجلة الحديقة لصاحبها محب الدين الخطيب خال الشيخ علي الطنطاوي رحمهما الله):

“لقد غلب على الناس اليوم عقائد وأوهام،حتى أصبح لها السلطان الأعلى في أعمالهم وتصرفاتهم،مع أنه لا يقرها شرعٌ ولا يقبلها عقل،بل هي من بقايا الجاهلية الأولى.

فمن تلك الأوهام:اليُمن والشؤم في مثل المنازل والأزواج والدواب والضيف،فإذا حدث شىءٌ من الخير أو الشر بمصادفة الأقدار عند شراء منزل أو السكنى فيه،أو عقد زواج،أو شراء دابة،أو قدوم ضيف،زعموا أنه منها وبسببها.وربما استأنسوا لذلك بما رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما،أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:“الشؤم في الدار والمرأة والفرس“[رواه الشيخان]،وهو خطأ معيب،فقد ورد في بعض رواياته تفسير الشؤم واليمن والشر والخير في هذه الأمور على غير ما زعموا.

روى الطبراني من حديث أسماء بنت عميس قالت:يا رسول الله،ما شؤم الدار؟قال:”ضيق ساحتها وخبث جيرانها”.قيل:فما سوء الدابة؟قال:”عقم رحمها وسوء خلقها”.وروى الإمام أحمد (وحسنه الأرناؤوط)والحاكم والبهقي وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنها:”إن من يُمن المرأة تيسر خطبتها وتيسر صداقها وتيسر رحمها” يعني الولادة”.انتهى كلام الشيخ.

والتشاؤم والتطير أمر قديم ـ حديث، كان في الأجداد ومازال موجوداً في الأولاد وسينتقل إلى الأحفاد.

وقديماً تشاءم قوم موسى به وبمن معه، يقول تعالى{فإذا جاءتهُمُ الحسنةُ قالوا لنا هذهِ وإن تُصبهُم سيئةٌ يَطّيّروا بموسى ومن معه}[الأعراف131]، وتشاءم قوم صالح به{قالوا اطيّرنا بك وبمن معك} [النمل47]، وتشاءم أهل القرية برسلهم{قالوا إنا تطيّرنا بكم}[يس18].

وكان الردّ القرآني والرباني عليهم أن الشرّ أتاهم من قبل أنفسهم لامن قبل رسلهم وذلك بسبب كفرهم وعنادهم وإهمالهم سنن الحياة يقول تعالى{ألا إنّما طائرُهُم عند الله}[الأعراف 131]، وقوله تعالى{طائركم معكم}[يس19].

وقد جاءت الأحاديث النبوية الشريفة في النهي عن الطيرة والتشاؤم.

روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني قوله صلى الله عليه وسلم:”الطيرة شرك“، وجاء أيضاً في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:” لاعدوى ولاطيرة ويعجبني الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: كلمة طيبة“.

وقد ذكر كثير من الشعراء والأدباء الطيرة وأنها لاتنفع ولاتضر وأن الغيب من اختصاص الله الواحد الأحد.يقول الشاعر:

لعمرك ماتدري الضواربُ بالحصى     ولازاجراتُ الطّيرِ مااللهُ صانعُ

وقال ضابئ بن الحارث البرجمي:

وما عاجلاتُ الطير، تُدني من الفتى      نجاحاً ولاعن رَيثهنَّ يخيبُ

ولاخير فيمن لايوطِّنُ نفسهُ                 على نائباتِ الدّهرٍ حين تنوبُ

ورُبَّ أمورٍ لاتضيرُك ضَيرةً             وللقلب من مَخْشاتِهنَّ وَجيبُ

وقال الكميت ابن زيد:

ولا أنا ممن يَزجرُ الطيرَ همّهُ             أصاحَ غرابٌ أم تَعرَّضَ ثعلبُ

ولا السانحاتُ البارحات عشيةً            أمرَّ سَليمُ القَرْنِ أم مرَّ أعْضَبُ

وقال أحدهم:

لا يعلمُ المرءُ ليلاً ما يُصَبّحهُ               إلا كواذبَ ممّا يُخبرُ الفالُ

والفالُ والزَّجرُ والكُهّانُ كُلُّهمُ                مُضلّلونَ ودونَ الغيبِ أقفالُ

يقول الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله(الأعمال الكاملة ص163):

“وقف آدم أمام باب السريرة يوم الشجرة يعالج فتحه فاستعصى عليه،ثم وقف بنوه من بعده موقفه فعجزوا عجزه،فلجّ بهم الشوق إليها لجاجاً طار بعقولهم وذهب بألبابهم، فتراموا على أقدام المنجمين والعرافين لثماً وتقبيلاً،وابتدروا النصب والتماثيل ركوعاً وسجوداً، وهاموا بزاجرات الطيروالضوارب بالحصى هيام الإبل العطاش بمنازل الماء،يطلبون ماوراء السيرة، والسريرة كنز مرصود لاتنجع فيه النفثات، ولاتجدي معه العزائم والرقي”.

وهناك بعض المروجين  لظاهرة التشاؤم الفاسدة يحتجون على وجودها بقوله تعالى في وصف العذاب الذي نزل بقوم عاد:{إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحسٍ مستمر}[القمر19]، وقوله تعالى:{فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات}[فصلت16]، وقال هؤلاء الادعياء إن القرآن يرشد بهذه الآيات إلى أنه في الأيام توجد أيام نحسٍ وسعود.

ويجيب على هؤلاء الإمام الآلوسي رحمه الله في تفسيره فيقول:

“إن حادثة عاد استوعبت أيام الأسبوع كلها، يقول تعالى:{سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً}[الحاقة7]، فإن كانت نحوسة الأيام لذلك فقل لي أي يوم من أيام الاسبوع خلا منها.

ويتابع:”والحق أن كل الأيام سواء ولا اختصاص ليوم بنحوسة ولا لآخر بسعد، وإنه مامن ساعة من الساعات إلا وهي سعد على شخص ونحس على آخر باعتبار مايقع فيها من الخير على هذا والشر على ذاك.

ويتابع:” وإن كنا لاننكر أن لبعض الأوقات شرف ترجع إليه في نظر الشرع مضاعفة الجزاء لعاملي الخير أو الشر، ولكن شرف الأوقات الذي يضاعف به جزاء العاملين شئ، ونحوسها وسعودها باعتبار ذاتها، وعلى وجه يعم الناس جميعاً شئ آخر،لايعرفه الإسلام ولايبيح لأحد أن ينسبه إليه”.

يقول الشيخ عبد الله الخياط:”إن من لازم صفاء العقيدة ومقتضيات الفطرة القضاء على عناصر الخرافة في كل صورها واشكالها، سواء ماكان منها تقليداً موروثاً له أصل في عقائد الجاهلية كخرافة التشاؤم بشهر صفر وبيوم الأربعاء، وبأصوات الغربان والبوم، أو ماكان منها وليد اختراع أو من تلقينات العجائز كالتشاؤم بصياح صاحب العاهة، واختلاج العين اليسرى، وبالكلمة التي يسمعها المرء عن بعد ولايكون معنياً بها، كمن يسمع ويقول لك الخيبة، لن تنال مطلوبك، أو الموت ياغافل، فيحز ذلك في نفسه ويحدث فيه انقباضاً  وتأثراً ويمضي طوال اليوم مهموماً متكدراً.

إن كل ذلك يقدح في صفاء العقيدة، وهو من التحريف والباطل الذي يحاربه الدين بكل شدة، إذ لايصح أن يجتمع في قلب المسلم دين وخرافة، كما لايصح أن يجتمع حق وباطل{قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا}وقوله تعالى{وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} وقوله تعالى{وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير}”.

ويقول شيخ الأزهر العلامة محمود شلتوت رحمه الله:

“وبذلك ضعفت عزيمة الإنسان في الحياة، وعطّل أعماله، وأهمل التعويل على سنن الله التي وضعها للسعادة والشقاء،فكدّر صفو الحياة على نفسه بمنظر يراه، أو كلمة يسمعها، أو طير يمر به من هنا أو هناك،أو خيال يغرسه في نفسه دجال أو منجم أو كاهن، حتى وصل الأمر إلى استخدام المصحف وآياته التي أنزلت لتقوية الإيمان والعزائم وطرد الوساوس والأوهام في استطلاع الغيب او التشاؤم.

ويتابع: وكم رأينا من أهل بيت نكصوا عن تزويج كريمتهم بعد الخطبة والإتفاق بكلمة سمعوها، أو خيال رؤى لهم في المنام فعنسوا البنت وأفسدوا عليها الحياة. وكم رأينا من تاجر قعد عن السفر وأهمل تجارته اعتماداً على تشاؤم، أو نبوءة دجال كاذب.

وكم رأينا من مصاب بمرض فاتك ووباء مهلك اعتمد في علاجه رقية أو بخور أو حجاب، وترك المرض يسري في جسمه سريان النار في الهشيم، وكم رأينا على وجه عام من ضحايا لأدعياء فتح الكتاب واكتشاف الغيب وخواص النفوس والتنويم وما إلى ذلك مما حلّ عند الناس محل العقائد، فالتوت بهم السبل وألقوا بأنفسهم وحياتهم في مهامة العبث والضلال والحيرة”.

وتبين الدراسات والبحوث في علم النفس أن التشاؤم والتطير تولّد الاكتئاب والقلق والتوتر وغيرها من الاضطرابات النفسية الحادة والمزمنة..

وقد جعل لها النبي صلى الله عليه وسلم علاجاً عندما قال لمن ابتلي بها بأن يقول:”اللهم لاطير إلا طيرك ولاخير إلا خيرك ولا إله غيرك“[رواه أحمد وصححه الألباني]،وروى أبو داود بسند صحيح عن عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:”أحسنها الفال ولاترد مسلما” أي الفال الحسن خير من التطير، وذلك كأن يسمع أحدنا ويقول ياراشد، أو حاجتك مقضية فيستبشر ، أما إذا رأى المرء أو سمع مايكره فعلاج ذلك ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:”فإذا رأى أحدكم مايكره فليقل:” اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولايدفع السيئات إلا أنت ولاحول ولاقوة إلا بك”.

فائدة:

من الذين اشتهروا بالتشاؤم والطيرة النعمان بن المنذر بن ماء السماء حيث كان له يومي سعد ونحس، ومن لاقاه في يوم نحسه كان يوقع فيه الموت ومن الذين قتلهم بسبب ذلك الشاعر الجاهلي عبيد بن الأبرص وقصته معروفة.

ومن الذين اشتهروا أيضاً بالتشاؤم الشاعر العباسي المعروف ابن الرومي، وله قصص في هذا المجال معروفة .

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد15 ص153):

“الطيرة شعبة من مرض الخوف الناشئ من ضعف الأعصاب واختلالها، إلا أنها خوف خاص له بواعثه وأعراضه،وهي في ابن الرومي خلة خاصة قد بلغت مداها ولبست ألواناً غير ألوانها في أكثر المتطيرين.

فأصل البواعث التي أصابت ابن الرومي بداء الطيرة هو اختلال الأعصاب قبل كل شئ.

فالرجل السليم لا يتطير ولا يتشاءم،لأنه ينتظر من الدنيا خيراً ولا يحس النفرة بينه وبينها،ومن ثم لايحس الخوف والتطير منها.

وقد تصادفه الحوادث كما تصادف الناس كافةً فتقع على نفسه موقعاً خفيفاً يملك معه عزمه ويضبط معه شعوره،فهو في غنى عن الحذر والتوجس مذ كان يلقى الخطر ـ حين يلقاه ـ بعدة كاملة ونفس مطمئنة، لايتسلف الفزع منه قبل وقوعه ولايفرط في الفزع منه متى وقع واستحال عليه دفعه.وقد تؤدي به هذه الطمأنينة إلى نقيض الطيرة، فيحتجب عنه الخطر الصحيح والمتوّهم على السواء،ويستسلم للأمن الصادق والكاذب استسلام المتطير لكاذب الخوف وصادقه وظاهر الوهم ومكنونه،فهو أبداً في حالة سلم وأمان،إذ يكون المتطير أبداً في حالة حرب وارتياب.

هذه طبيعة السليم من حيث التطير خاصة والخوف من الطوارئ عامة.

أما مختل الأعصاب فالصغائر مكّبرة في حسه والأشباح والأطياف كثيرة في وهمه،يتخيل ويتوهم،ثم يزيده الفزع من الأخيلة والأوهام.فإن كان إلى ذلك شاعراً وكان خياله قوياً فللطيرة فيه مَعين لاينضب من الخلق والابتكار والطوارق.

وتتوارد عليه المنبهات ـ وكل طارق في الدنيا منبه لأصحاب هذا المزاج ـ فيتيقظ فيه الشعور بالخطر ويلمح المخاوف حيث لايلمحها الآخرون.كما هو الشأن في كل مستحضر للحذر متوقع للمفاجأة.

فأنت تسير في الطريق المأمون فلا تزعجك نبأة ولايلفتك ماقد يوجب التلفت.ولكنك إذا أدلجت في الأجمة المرهوبة واستحلك الليل حولك خيّل إليك أنك تسمع في كل همسة فحيح أفعى وفي كل نفخة همهمة اسد وفي كل خبطة تليك هجمة عدو ينتحيك بمكروهنوما اختلف على حسك بين الطريق المأمون والأجمة المرهوبة إلا اختلاف التوقع واستحضار الحذر من كل مجهول غير منظور،وذلك هو موضع الاختلاف بعينه بين المتطيرين وغير المتطيرين.

ولقد كان ابن الرومي أوعى لنفسه من أن تخفى عليه طبيعة الحذر المركبة فيه:فهو يشعر من دخيلة طبعه بأنه حذور،ويعلم ألا مفر له من الحذر فيتخذ من الضرورة فصيلة ـ كما يقولون ـ ويزعم أن الحذر باب الأمان:

فآمن ما يكون المرء يوماً            إذا لبس الحذار من الخطوب

ويحتج لذلك بحجج كثيرة من القرآن والحديث والمنطق والروايات ، ثم لايشك في أنه محق مصيب ضعفت حجته أو قويت وصدقت محاذيره، أو كذبت.لأن الحجة في العقائد الشعورية تلحق العقيدة ولاتسبقها،وتؤكدها إذا وافقتها ولكنها لا تفندها إذا عارضتها.

وأما تداعي الخواطر فصاحبه أبداً يستخرج من الكلمة أو الفكرة غاية ماتؤدي إليه وتتقلب عليه:ومتى كانت طبيعته الحذر ومزاجه مركباص على التشاؤم فليس اسهل من اتجاه خواطره السريعة إلى حيث ألفت طبيعته واستمر مزاجه.

فلكل كلمة عنده سر ولكل سر مخافة!ويسير عليه أن يعرف ذلك السر ويكشف تلك المخافة لأنه سريع حركة الذهن يتنقل كومضة البرق بين المعاني ومشايهاتها ومناقضاتها وبين الكلمات وما يجانسها ويشاكل حروفها وأوزانها،فلا ريشق عليه أن يعثر بطلبته الموافقة لنزعة طبعه ومتوجّه ذهنه عند معنى من تلك المعاني ومشاكلة من تلك المشاكلات.

وذوق الجمال وتداعي الخواطر كانا في ابن الرومي على أدق وأيقظ مايكونان في إنسان.كانت له عين خاطفة تلتهم الألوان والأشكال التهام الجائع المنهوم الذي لايشبع.

ثم كان مع هذه النظرة الخاطفة يشنأ القبح ويحسبه ذنباً يُعاف ويُستر،وكان يبالغ في إخفائه من نفسه إذا ابتلي به كما كان يبالغ في إخفاء صلعه والسخط على من يسألونه عنه! فالقبح عنده شر أو نذير بالشر، ولايرى الأحدب أو الأعور أو الخصيّ أو الأشقر الذي يحكي لون وجهه لون الجلد المسلوخ أو غيرهم من المشوهين الخارجين عن سواء الخلقة إلا انقبضت نفسه وأسرع إليه مايلازم الانقباض من التوجس والحذر والوجوم.

وتداعي الخواطر ملحوظ في جميع شعره لايستدل منه بغرض دون غرض ولابقصيدة دون قصيدة،فهو يُسلسل المعنى ويشعبّه حتى يُستنفد،وكلما عنّ له خاطر لحق به ما يقاربه وما يناسبه حتى تبطل المناسبة ويضطر إلى الوقوف.هذا في المعاني.أما في الألفاظ فإنه يغوص في تصحيف حروفها مثل هذا الغوص ويستخرج البعيد والقريب من رمزها وقراءتها ويستنبط منها مايشاء من ملامح اليمن والتشاؤم ودفائن المدح والذم..فجعفر عنده تساوي”جاع وفر”والخان يذكره بالخيانة.

فكم خان سَفر خان فانقض فوقهم    كما انقض صقر الدّجن فوق الأرانب

ويلعب بتصحيف الكلمات في السمع والخط أحياناً لينقلها إلى المدح أو الهجاء فيقول في القيان:

لا تلح من تفتنه”قينة”      فإن تصحيف اسمها”فتنة”

ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(الرسالة العدد244):

“كان شوبنهور إمام المتشائمين الساخطين على الحياة المستريبين بالناس،المتوجسين من ضمائر الغيب.

كان لا يسلم وجهه قط إلى حلاق مخافة أن يذبحه أو يجرحه،وكان يغلق الأقفال على أدوات تدخينه مخافة أن تمزج بالسموم،وكان ينام وإلى جانبه مسدساته محشوة مهيأة للإطلاق،وكان لا يطيق معاشرة الناس ولا سماع الأصوات،وكان يقول إن الحياة نقمة لاتحمد ومحنة لا تطاق.

كان كذلك يخاف الموت ويهرب من الطاعون،فكيف يكون التوفيق بين هذا الفزع من الموت وذلك التشاؤم بالحياة؟

هما في الحقيقة شيء واحد!

فالمتشائم لا يتشاءم إلا لأنه شديد الإحساس بالخطر،شديد الغلو والإراق في هذا الإحساس،وليس مقتضى ذلك أن يطمئن إلى الأوبئة والأمراض ويركن إلى السرائر والنيات كما يلوح في باديء الرأي،بل مقتضاه أن يفزع من النذير إذا كان غيره لا يفزع من الحقيقة الواقعة،وأن يكتفي بالإيماء إذا كان غيره لا يكتفي إلا بالصيحة العالية،وأن يهرب من الطاعون قبل أن يهرب منه المستريحون المطمئنون إلى العيش الواثقون بالمصير”.

أما استطلاع الغيب والكهانة والتنجيم:

يقول شيخ الأزهر محمود شلتوت رحمه الله:”إن الإنسان ـ وقد خلق من عجل ـ تملكه أمران استصعب بهما طريق العلم، واستبطأ بهما طريق البحث والنظر، واستعاض عنهما بطريق التخيل والتخمين، وظنه طريقاً من طرق المعرفة، به يستريح دون عناء ودون حذر، أمران تملكّاه في هذا الشأن:

أحدهما: رغبته الملحة في سرعة اكتشاف الغيب، وخاصة فيما يتعلق بمستقبله ومستقبل من يتصل به.

وثانيهما: خوفه الشديد من اعتراض مايعوقه عن أهدافه التي يتجه إليها ويعزم عليها.

وفي سبيل تلك الرغبة الملحة، وذلك الخوف الشديد، أخذ يتسمع لما يجري بين الناس ويتناقلونه عن الآباء والأجداد من أحاديث الوهم والخيال عن طريق معرفة الغيب في خيره وشره،واكتشاف المعوقات ذات الشؤم، والميسرات ذات التفاؤل.راجت هذه الطرق وتأثر بها ونزل على حكمها كثير من الناس فاصطنعوها وخضعوا لها، فاستطلعوا الغيب على مايظنون عن طريق الولاية والكهانة والتنجيم،وعن طريق ضرب الحصا والودع، وعن طريق خطوط الرمل والفنجان والكف،وعن طريق المندل واستخارة السبحة واستخارة القرآن،وعن طريق التشاؤم بالزمان في الساعة واليوم والشهر والمكان والأشخاص والأشياء والكلمات وأضغاث الأحلام، وبهذا وقع الإنسان أسيراً في حياته وأعماله وعقائده لشئون لايعقل وجه اتصالها بما يسعد أو يشقى، وظن أنه بذلك قد وضعت بيده مفاتح الغيب، وشارك الله في الاستيلاء عليها”.

ويتابع رحمه الله:”وقد أطمع الناس في ذلك كله ـ بعد رغبتهم الملحة في استطلاع الغيب، وخوفهم الشديد من المعوقات، أطمعهم في الركوب إلى تلك السبل والإتجاه إليها والاعتماد عليها وإسلام النفس لها،أطمعهم صدق بعض التنبؤات أو بعض صور التشاؤم عن طريق المصادفة التي لاينبغي للعقول السليمة أن تتخذها أساساً أو موجهاً في نواحي الحياة والعمل.وكم من كتاب فتح، ومن مصحف قلبت أوراقه وعدّت آياته،وكم من طير مر وكم من ودع ضُرب وكم وكم…وترقب الناس الأحداث التي أوحت بها إليهم هذه الوسائل ثم خاب فألهم، وطاش سهمهم، ومرت الأيام ولم يحدث شئ مما شاع وذاع، وملأ الأسماع،وما حديث الناس عن انتهاء العالم، وتخمينهم عن وقوع الوباء العام أو القحط الشامل وترقبهم للأحداث المفاجئة إلا اسلوب من أساليب الدجل ، قصد به أربابه زلزلة الإنسانية الضعيفة وصرفها عن جهات العمل النافع الذي يطمئنها في الحياة، وهناك أيضاً وللأسف بعض المنتسبين إلى الدين ـ ظلماً وزوراً ـ من أشغل نفسه بهذه الوسائل يعلمونها ويظهرون تصديقهم إياها ويدعون الناس لها، ويوجهونهم إليها.ومما يتصل بهذا مانقرؤه في بعض المجلات والصحف من إعداد إطار خاص يرشد إلى حظ القارئ ونجمه وسعادته وشقائه باعتبار ميلاده ، وبرجه، والمفروض أن الصحف مصادر التثقيف والتوجيه وأن المشرفين عليها أرباب ثقافة، أخذوا بها على عاتقهم توجيه الناس إلى مافيه خيرهم وسعادتهم”.انتهى كلام الشيخ شلتوت.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ (في كتاب تذكرة للدعاة ص266):

“إن المسلم الواعي مسؤول عن حماية هذا الدين من التحريف والتشويه والدّس، ذلك لأن كثيراً من الخرافات الزائفة القديمة السخيفة ماتزال قائمة في أذهان نفر من الناس،فالتمائم، والكهانة، وتعظيم القبور، وإسناد التأثير للمقبورين فيها، ومحاولة التعرف على الغيب من النظر في الرمل أو الكف أو النجوم خرافات ذات نفوذ على عقول كثير من السذج والمغفلين..والدين منها براء…لايقرها ولايهادنها..بل إن عقيدة التوحيد التي يقوم عليها كيانه والبراء من الشرك والوثنيات..إن ذلك ليفرض على أتباعه كلهم أن ينقوا عقولهم من زيف هذه الخرافات وأن ينكروها في كل زمان ومكان”.انتهى كلام د الصباغ.

إن علم الغيب اختص الله به وحده من دون الخلق من بشر أو جن أو ملائكة، يقول تعالى{عالم الغيب فلايظهر على غيبه أحداً* إلا من ارتضى من رسول}[الجن27 ـ 27]، وقوله تعالى{وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو}[الأنعام 59].وقوله تعالى{إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وماتدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير}[لقمان34]

وقد أكدّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى ،يقول تعالى{قل لا أملك لنفسي نفعاً ولاضراً إلا ماشاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء}[الأعراف188].

إنما الغيبُ كتابٌ صانَهُ            عن عيون الخلق ربِّ العالمين

ليس يبدو منهُ للناس سوى       صفحة الحاضر حيناً بعد حين

ويقول المعري:

يُنّجمونَ، وما يدرونَ لو سئلوا   عن البعوضة:أنّى منهمُ تقِفُ

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد376 الموافق 18 نيسان عام 1917):

والغيب قسمان:

غيب حقيقي مطلق وهو ما غاب علمه عن جميع الخلق حتى الملائكة وفيه يقول الله عزّ وجلّ:{قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} ،وغيب إضافي وهو ماغاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره ولايعلمه البشر،وأما ما يعلمه بعض البشر من أسبابه واستعمالهم لها ولايعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب أو عجزهم عن استعمالها فلا يدخل في عموم معنى الغيب الوارد في كتاب الله، وهذه الأسباب منها ما هو علمي كالدلائل العقلية والعلمية،فإن بعض علماء الرياضيات وغيرها يستخرجون من دقائق المجهولات ما يعجز عنه أكثر الناس،ويضبطون ما يقع من الخسوف والكسوف بالدقائق والثواني قبل وقوعه بالألوف من الأعوام،ومنها ما هو عملي كالتلغراف الهوائي أو اللاسلكي الذي يعلم المرء به بعض ما يقع في أقاصي البلاد وأجواز البحار التي بينه وبينها ألوف من الأميال، ومنها ما قد يصل إلى حد العلم من الإدراكات النفسية الخفية كالفراسة والإلهام…

ويتابع رحمه الله:”وإذا كان الله تعالى لم يؤت الرسل مالم يؤت غيرهم من أسباب التصرف في المخلوقات ومن علم الغيب. وكان كل من التصرف بالقدرة الذاتية وعلم الغيب خاصاً به عز وجل يستحيل أن يشاركه غيره فيه ،فمن أين جاءت دعوى التصرف في الكون وعلم الغيب لمن هم دون الرسل منزلة وكرامة عند الله تعالى من المشايخ المعروفين وغير المعروفين حتى صاروا يدعون من دون الله تعالى لما عز نيله بالأسباب والسنن الإلهية”.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى(المنار العدد378):

“”وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو” المفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن وبكسرها وهو المفتاح الذي تفتح به الأقفال. ويجوز استعمال اللفظ في معنييه أي أن خزائن الغيب وهو ماغاب علمه عن الخلق هي عند الله تعالى وفي تصرفه وحده،وأن المفاتيح أي الوسائل التي يتوصل بها إلى علم الغيب هي عنده أيضاً لايعلمها علماً ذاتيا إلا هو فهو الذي يحيط بها علما وسواه جاهل بذاته لايمكن أن يحيط علملاً بها ولا أن يعلم شيئاً منها إلا بإعلامه عز وجل”.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المار العدد 210):

“علمنا الله تعالى في كتابه وبسيرة خاتم رسله أن الأنبياء بشر وإنهم عبيد لله تعالى لايمتازون على غيرهم إلا بالوحي الذي يلقيه سبحانه وتعالى إليهم ليبلغوه للناس ولايكتموه ولوازمه.

يقول الله عز وجل:{قل لايعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ومايشعرون أيان يبعثون}أي فإنه هو الذي يعلمه وحده.

وروى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت”من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم يخبر الناس بما يكون في غد ـ وفي رواية يعلم مايكون في غد ـ فقد أعظم على الله الفرية والله تعالى يقول:{ قل لايعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} فهكذا كان الصحابة يفهمون ويعتقدون .

ويتابع الشيخ رشيد رضا :”علم الغيب لانهاية له لأن منه علم المستقبل الذي لانهاية له وليس في وسع مخلوق ولا استعداده أن يحيط علماً  بما لانهاية له فعلم الغيب كله محال عقلاً على البشر والملائكة وجميع المخلوقين وهو ممنوع نقلاً بنص الآية وما يؤيدها من الآيات الكثيرة فلو ورد نص بأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي علم ماكان في الماضي من سيرة الأنبياء مثلاً وما يكون من أمر العصاة والطائعين في الىخرة من العذاب والنعيم لأن هذا العلم هو الذي يتعلق ببعثته.فكيف ولم يرد ان الله تعالى أطلعه على كل غيبه تخالف العقل والنقل .

لا نقول أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم كل الغيب لأن هذا ممنوع عقلاً ونقلاً ولا نقول أن الله تعالى لم يطلعه على شئ من الغيب لأن النص ورد بأنه أطلعه وأطلع غيره من الرسل  قال تعالى:{عالمُ الغيبِ فلا يُظهرُ على غيبهِ أحداً إلا من ارتضى من رسول} إلى قوله:{ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} فعلم أنه يظهرهم على الغيب الذي يتعلق به تبليغ الرسالة وذلك مشروح في القرآن ومنه الملائكة والجنة والنار والحساب وغير ذلك فالواجب في هذا المقام الوقوف عند النص لانتعداه بزيادة ولانقصان لأنه ليس للعقل مجال في علم الغيب فيقيس ويستنبط”.انتهى كلام الشيخ رحمه الله.

جاء في مجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(العدد286):

“نص الكتاب العزيز نصاً صريحاً لا يقبل التأويل على أن الغيب علمه عند الله لا يعلمه إلا هو وأن الأمور كلها بيد الله يصرفها كما يشاء لايراعي فيها مجاملة أحد من عباده فقال مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وسلم:{قل لا أملكُ لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ماشاء الله ولو كنتُ أعلمُ الغيبَ لاستكثرتُ من الخيرِ وما مَسَّنيَ السُّوءُ إن أنا إلا نذيرٌ وبشيرٌ لقوم ٍيؤمنون}[الأعراف 188]”.

وقد حذّر الشارع الحكيم من إتيان الكهان والعرافين الذين يدّعون معرفة الغيب، وقد يدخلهم في دائرة الشرك الخفي وخاصة لمن آمن بهم وصدّقهم في افتراءتهم ومايدعونه من علم الغيب.

قال صلى الله عليه وسلم:”من أتى كاهناً أو عرافاً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد“[رواه أحمد ـ صحيح الجامع]، وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ليس منا من تطيّر أوتُطير له أو تكّهن أو تُكهّن له أو سحر أو سُحر له ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم“[رواه البزار بإسناد جيد].

وأما من يذهب  إلى الكاهن أو العراف من باب التسلية أو التجربة دون أن يصدقهم فلاتقبل له صلاة أربعين ليلة، أي أنه لايؤجر على صلاته أربعين ليلة، مع وجوب أدائه لهذه الصلوات لتسقط عنه الفريضة بأدائها، ولكنه لايؤجر عليها. قال صلى الله عليه وسلم:”من أتى عرافاً فسأله عن شئ لم تقبل له صلاة أربعين ليلة“[رواه مسلمٍ](كتاب الكبائر للإمام شمس الدين الذهبي).

خامساً: النهي عن اليأس والقنوط

إن اليأس داء قتّال، يدعو إلى القنوط والاكتئاب،والعزلة والانكفاء على الذات، ويظن المبتلى به أنه أتعس وأشقى الناس، وقد يوصل به الاكتئاب والقنوط إلى الأمراض النفسية والعضوية وقد تدفع البعض من المصابين به إلى الانتحار.

ولذا نهى القرآن الكريم والسنة النبوية عن الوقوع في اليأس والقنوط وأن الإنسان المسلم لابد أن يدرك أن الله تعالى فوق الأسباب والمسببات وأنه قد جعل لكل ضيق فرجاً وأنه لابد من أن يكون بعد العسر يسراً ولايمكن لعسر أن يتغلب على يسرين كما في سورة الإنشراح.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص165):

“وضد الأمل اليأس…هو انطفاء جذوة الأمل في الصدر.وانقطاع خيط الرجاء في القلب، فهو العقبة الكئود، والمعوق القاهرالذي يحطم في النفس بواعث الأمل، ويوهي في الجسد دواعي القوة. ورحم الله من قال:

واليأس يحدث في أعضاء صاحبه       ضعفاً ويورث أهل العزم توهينا

وقال ابن مسعود رضي الله عنه:”الهلاك في اثنتين:القنوط والعُجْب”… والقنوط هو اليأس، والعُجب هو الإعجاب بالنفس والغرور بما قدمته.

وقال الإمام الغزالي رحمه الله:”إنما جمع بينهما:لأن السعادة لاتنال إلا بالسعي والطلب،والجلد والتشمر،والقانط لايسعى ولايطلب،والمعجب يعتقد أنه قد سعى وأنه قد ظفر بمراده، فلايسعى، فالموجود لايطلب، والمحال لايطلب، والسعادة موجودة في اعتقاد المعجب حاصلة،ومستحيلة في اعتقاد القانط…فمن هاهنا جمع بينهما”.

ويتابع القرضاوي:”وهكذا إذا تغلب اليأس على إنسان أي إنسان اسودت الدنيا في وجهه،وأظلمت في عينه،وأغلقت أمامه الأبواب، وتقطعت دونه الأسباب،وضاقت عليه الأرض بما رحبت.

ذلك هو اليأس، سم بطئ لروح الإنسان،وإعصار مدمر لنشاط الإنسان،وتلك حال اليائسين أبد الدهر:لا انتاج للحياة، ولاإحساس بمعنى الحياة.

ويتابع الشخ القرضاوي:”وليس بعجيب أن تجد هذا الصنف من الناس بوفرة وغزارة بين الجاحدين بالله أو ضعاف الإيمان به، لأنهم عاشوا بأنفسهم فحسب ـ زعموا ـ وقطعوا الصلة بالكون ورب الكون،فلا غرو أن نجد هؤلاء الكافرين أيأس الناس، كما نجد اليائسين أكفر الناس،فهناك ارتباط بين اليأس والكفر، كلاهما سبب للآخر وثمرة له: اليأس يلد الكفر والكفر يلد اليأس.{إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[يوسف87]،{ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون}[الحجر56].

وأظهر مايتجلى هذا اليأس في الشدة ونزول الشر،وقد كرّر القرآن ذمه لهذا النوع من الناس فقال تعالى:{ولئن أذقنا الإنسانَ منّا رحمةً ثُمَّ نزعناها منّهُ إنّهُ ليئوسٌ كَفور}[هود9]، وقال:{وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسّه الشر كان يئوسا}[الإسراء83]، وقال تعالى:{وإن مسّه الشر فيئوس قنوط}[فصلت 49].

وليس اليأس من لوازم الكفر فحسب، بل من لوازم الشك أيضاً،فكل من فقد اليقين الجازم بالله ولقائه، وحكمته وعدله،فقد حرم الأمل والنظرة المتفائلة للناس والكون والحياة، وعاش ينظر إلى الدنيا بمنظار أسود قاتم،ويرى الأرض غابة والناس وحوشاً والعيش عبثاً لايطاق…”.

ويقول الشهيد سيد قطب في قوله تعالى الآية 87 من سورة يوسف:{ إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}، فأما المؤمنون الموصولة قلوبهم بالله، الندية أرواحهم بروحه ،الشاعرون بنفحاته المُحيية الرخية، فإنهم لاييأسون من روح الله ولو أحاط بهم الكرب، واشتد بهم الضيق. وإن المؤمن لفي روح من ظلال إيمانه،وفي أنس من صلته بربه ،وفي طمانينة من ثقته بمولاه ،وهو في مضايق الشدة ومخانق الكروب..

ويقول الشهيد سيد قطب في قوله تعالى من سورة الحجر{ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون}،إنه لايقنط من رحمة ربه إلا الضالون. الضالون عن طريق الله، الذين لايستروحون روحه،ولايحسون رحمته،ولايستشعرون رأفته وبره ورعايته. فأما القلب الندي بالإيمان، المتصل بالرحمن،فلا ييأس ولايقنط مهما أحاطت به الشدائد، ومهما ادلهمت حوله الخطوب، ومهما غام الجو وتلبد،وغاب وجه الأمل في ظلام الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر..فإن رحمة الله قريب من قلوب المؤمنين المهتدين. وقدرة الله تنشئ الأسباب كما تنشئ النتائج، وتغير الواقع كما تغير الموعود”.

ويقول صاحب مجلة المنارالشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(العدد259):

“الأمل ضياء ساطع في ظلام الخطوب، ومرشد حاذق في بهماء الكروب،وعلم هاد في مجاهيل المشكات، وحاكم قاهر للعزائم إذا اعترتها فترة،ومستفز للهمم إن عرض لها سكون، ليس الأمل هو الأمنية والتشهي اللذان يلمحهما الذهن تارة بعد أخرى ويعبر عنهما بليت لي كذا من الملك وكذا من الفضل مع الركون إلى الراحة والاستلقاء على الفراش واللهو بما يبعد عن المرغوب كأن صاحبهما يريد أن يبدل الله سنته في سير الإنسان عناية بنفسه الشريفة أو الخسيسة فيسوق إليه ما يهجس بخاطره بدون أن يصيب تعباً أو يلاقي مشقة.إنما الأمل رجاء يتبعه عمل ويصحبه حمل للنفس على المكاره،وعرك لها في المشاق والمتاعب،وتوطينها لملاقاة البلاء بالصبر،والشدائد بالجلد،وتوطين كل ملم يعرض لها في سبيل الغرض من الحياة حتى يرسخ في مداركها أن الحياة لغو إذا لم تغدُ بنيل الإرب فيكون بذل الروح أول خطوة يخطوها القاصد فضلاً عن المال الذي لا يقصد منه إلا وقاية بناء الحياة من صدمات حوادث الكون.

ويتابع رحمه الله:”ماذا يكون حال القانطين المنقطعة آمالهم؟يحكمون على أنفسهم بالحطة،ويسجلون عليها العجز عن كل رفعة،فيأتون الدنايا ويتعاطون الرذائل ولا ينفرون من الإهانة والتحقير بل يوطنون أنفسهم على قبول ما يوجه إليهم من ذلك أيّا كان فتسلب منهم جميع الإحساسات والوجدانيات الإنسانية التي يمتاز بها الإنسان على الأنعام فيرضون بما ترضى به البهائم” .

يقول الشيخ عبد الله الخياط:

“إن شرّ مامنيت به النفوس يأس يميت الشعور، وقنوط تظلم به الدنيا وتتحطم الأمال.واليأس والقنوط بمعنى واحد ذكرها الله تعالى في أيتين من كتابه في معرض الذم لهما والتنفير منهما لأنهما من كبار الذنوب، قال تعالى:{إنه  لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[يوسف86]، وقوله تعالى:{ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} [الحجر56].فالقرآن الكريم يقرن اليأس مع الكفر، ويقرن القنوط مع الضلال كما في الآيتين السابقتين.

إن المؤمن لايكون يائساً قانطاً بل يكون على الدوام مؤملاً راجياً، يؤمل رحمة ربه وعفوه، مع العمل بطاعته ويرجو مغفرته ومثوبته، يقول تعالى:{قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم}.

وروى الترمذي في سننه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو بالموت فقال:”كيف تجدك؟” قال: “والله يارسول الله إني لأرجو الله، وإني أخاف ذنوبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لايجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله مايرجو، وآمنه مما يخاف“[صحيح الترمذي].

إن المسلم  يجب ان يكون بين درجتي الخوف من عذاب الله، والرجاء في رحمته سبحانه وتعالى، بحيث أن الخوف لايوصله إلى درجة القنوط واليأس من رحمة الله ومغفرته مهما كثرت ذنوبه وعظمت خطاياه مادام لايشرك بالله أحداً ومادام باب التوبة مفتوح كما في الآية السابقة، وهو أيضاً يرجو ربه ولكن لايصل به إلى درجة التمني على الله  وأن يأمن مكره  ويستخف  ويتساهل  بعمل المعاصي واقتراف الآثام وبدون أن يعمل صالحاً ويظن أن مجرد نطق الشهادتين كفيلاً له بدخول الجنة بدون أن يقرن ذلك بالعمل الصالح وأداء ماعليه أمام ربه والعباد من حقوق، يقول تعالى:{أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} ,وقال تعالى:{إن الذين لايرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون}.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل:”يا ابن آدم إنك مادعوتني ورجوتني غفرت لك ماكان منك ولا أبالي.يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لاتشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة“.

وحدّث الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول:”لايموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل”[رواه مسلم]

إن حسن الظن بالله تعالى يجب أن لايكون مقصوراً على زمن دون آخر، أو على حالات معينة، وحوادث مخصوصة، بل كما أن العبد يحسن الظن بالله تعالى وهو مقبل عليه، يرجو عفوه ومغفرته، كذلك يجب أن يحسن الظن بالله تعالى في كل مايعرض له في هذه ىالحياة من متاعب وشدائد ومحن ومصائب،فإذا ابتلي المرء بالمرض أو الفقر أو بجائحة من الجوائح..وجب عليه ألا ييأس من فرج الله وألا يقنط من رحمة الله، بل يجب أن يحسن الظن بالله، وأن يؤمن بأنه مابتلي بما ابتلي به إلا ليرفع الله درجاته، أو يدفع عنه شراً أعظم مما ابتلاه به، أو ليعوضه عما فقده خيراً في عاجله أو آجله.

إن الذين ينظرون إلى هذه الحياة الدنيا بمنظارهم الأسود إذا نزلت بهم نازلة، أو ابتلوا بفقر أو مرض أو بغير ذلك مما يكدر صفو العيش يئسوا من الفرج،وأمنوا أن بلواهم سوف تطول، وأن أمراضهم سوف تأخذ بهم إلى القبور، وإن الشدائد سوف تلاحقهم، وأن المحن لاتفتأ تنزل بهم أولئك ممن لايحسنون الظن بالله تعالى”.

إن الذين يملأ السخط والشك عقولهم وقلوبهم ينعكس ذلك على حياتهم غماً وحزناً وتشاؤماً وهذا يؤدي فيما بعد لإصابتهم بالاكتئاب والسوداوية واليأس.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الله عز وجل بقسطه، جعل الفرح والرَّوح في الرضا واليقين، وجعل الغمَّ والحزن في السخط والشك“[رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب].

يقول الأستاذ عصام العطار:

اليأس مَوتٌ، وشَرُّ الموتِ موتُ فتىً      يَدِبُّ في الأرضِ لاعَزمٌ ولاعَمَلُ

واليأسُ كفرٌ بِرَوحِ اللهِ ويلَ فتىً           قدْ فاتهُ في دُناهُ النورُ والأملُ

إمتَدَّ ياليلُ وازدَدْ رَهبةً ودُجىً            فلن يُخالطَنا يأسٌ ولاوَجلُ

النورُ يُشرِقُ هَدياً في جوانِحِنا           ومن جَوانحِنا للِكونِ يَنتِقِلُ

لنْ يملكَ الظّلمُ والظلماءُ عالَمنا          فالدهرُ في جَريهِ ايّامهُ دُوَلُ

والحقُّ والعدلُ نصرُ اللهِ نَصرُهُما       والظُّلمُ ـ لابُدّ ـ مهزومٌ ومُنخَذِلُ

وقال أيضاً:

اليأسُ في ديننا كفرٌ ومَنقصةٌ            لايُنبتُ اليأسَ قلبُ المؤمنِ الفَهمِ

سادساً:تحريم الانتحار والنهي عنه

الانتحار جريمة لاتقل في فظاعتها عن جريمة قتل الآخرين،فالله تعالى خلق الإنسان وتعهده بالعناية والرحمة منذ أن كان نطفة أمشاج في رحم أمه، وهيأ له أسباب الحماية والرعاية أثناء الحمل وبعده ، وهيأ له أسباب الرزق والصحة صغيراً ويافعاً وشاباً وكهلاً وشيخاً إلى أن ينقضي أجله ويوارى في تربته.

إن الله البارئ المصور قد خلق الإنسان من تراب ثم من نطفة أمشاج ونفخ فيه من روحه، فانشأه نفساً سوية في أحسن تقويم،وحرّم عليه أن يؤذي جسده{ولاتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة}، وحرّم عليه أن يزهق روحه{ولاتقتلوا أنفسكم}،فالله قد استودع الإنسان هذه الوديعة ، وأمره أن يحافظ عليها إلى أن يستردّ الله هذه الأمانة، فإذا ما لجأ الإنسان إلى ايذاء جسده وروحه فقد خان الأمانة وقد حقّ عليه العقاب والعذاب.

إن الله تعالى قد خلق الإنسان لغاية في هذه الحياة الدنيا وهي عبادة الله وحده{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، واستأمنه على روحه وجسده فحرّم عليه التصرف بهما بما يخالف الشرع الحكيم{ولاتقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق}.وقتل النفس من الكبائر التي تتلو كبيرة الشرك بالله، فالله واهب الحياة وليس لغيره أن يسلبها إلا بأمره.

جاء في موسوعة السفير المجموعة 27 ـ 28 تحت عنوان الانتحار:

“وقد نهى الإسلام عن الانتحار أشدّ النهي، وحذر منه بالغ التحذير، فإذا كان قول الله تعالى:{ولاتقتلوا أنفسكم}[النساء29] محمولاً عند جمهرة المفسرين على النهي عن أن يقتل المسلم أخاه، فإن معناه الأوسع يشمل ـ كذلك ـ النهي عن قتل المسلم نفسه،فكما يحرم هدم بنية الغير بالقتل، يحرم ـ كذلك ـ أن يهدم الإنسان بنيته بالانتحار،لأن  كلتا البنيتين ليست ملكاً لأحد من البشر، وإنما هُما ملك لله سبحانه، وقد ورد التحذير والوعيد الشديدان من النبي صلى الله عليه وسلم لمن قتل نفسه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يَتَوجأ بها في بطنه، في نار جهنم خالداً مُخلّداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه، فهو يتحسّاه في نار جهنم خالداً مُخَلّداً فيها أبداً،ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالداً مُخلّداً فيها أبداً“[رواه مسلم].

(يتوجأ: يطعن، يتحساه: يتجرعه).

(وهذا يبين أن قاتل نفسه والذي أراد كما يظن أن يرتاح من مصائب وآلام الحياة أنه قد كتب على نفسه آلاماً مستمرة دائمة في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:”شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يَدّعي الإسلام:هذا من أهل النار، فلما حضر القتال، قاتل الرجلُ من أشدِّ القتال، فكثرت به الجراحُ فاَثبَتَتهُ(أي: أسكنت حركته لشدتها)، فجاء رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله،أرأيت الذي تحدثتَ أنه من أهل النار قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال،فكثرت به الجراح،فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه من أهل النار.فكاد بعض المسلمين يرتاب، فبينما هو على ذلك، إذ وجد الرجل ألمَ الجراح، فأهوى بيده إلى كنانته، فانتزع منها سهماً فانتحر بها،فاشتدَّ رجالٌ من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:يارسول الله، صدَّقَ الله حديثك،قد انتحر فلان فقتل نفسه،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يابلال، قم فأذِّن: لايدخل الجنة إلا مؤمن،وإن الله ليُؤيِّدُ هذا الدين بالرجل الفاجر“.[أخرجه البخاري].

نعم إن قاتل نفسه ومهما كان السبب والدافع إلى ذلك قد كتب على نفسه سوء العذاب وأشدّه وأقصاه، يقول تعالى:{ولاتقتلوا أنفُسَكُم إنَّ الله كانَ بِكُم رحيماً* ومن يفعل ذلكَ عُدواناً وظُلماً فسوفَ نُصليهِ ناراً وكانَ ذلكَ على الله يسيراً}.[النساء 29 ـ 30]

ولم يحرم الإسلام على المسلمين “الانتحار” فحسب، بل كرّه لهم ـ أيضاً ـ مجرد تمني الموت، مهما أصاب الواحد منهم من محن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لايتمنى أحدكم الموت، ولايَدْعُ به منْ قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لايزيد المؤمنَ عُمرهُ إلا خيراً“.[رواه مسلم].

بل قد تعدى الأمر أكثر من هذا، فحين سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟ قال: من طال عمره وحَسُن عمله“[أخرجه الترمذي].

وقال صلى الله عليه وسلم:“لايتمنين أحدكم الموت لضرٍّ أصابه فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحييني ماكانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي“[رواه الشيخان].

وقال صلى الله عليه وسلم:”لايتمنين أحدكم الموت، إما محسناً فلعلّه يزداد، وإما مسيئا فلعلّه يستعتب“.

ومن الناحية الطبية والواقعية:

جاء في موسوعة السفير(المرجع السابق):

الانتحار:مصطلح يستخدمه علماء النفس ويقصدون به قتل المرء نفسه أو تدمير الذات.ويفرقون ـ في هذا الصدد ـ بين ” الانتحار” و”محاولات الانتحار”، والمحك الرئيسي للتمييز بينهما هو النتيجة، نظراً لأن النية لاتكون معلنة بطبيعة الحال.وتُشير بعض الإحصائيات إلى أن مايقرب من 50 إلى 70 بالمائة من حالات الانتحار الفعلية ـ وليس مجرد المحاولة ـ ترجع إلى مرض الاكتئاب الذي لم يُشَخّص،لأنه في بعض الأحيان يزحف ببطء، وبأعراض غير واضحة، بحيث لايشكو المريض منه، ومن ثم لا يُتوّصل إلى التشخيص الدقيق، إلا بعد أن يُقبل المريض على الانتحار.

ويشير بعض الباحثين إلى أن هناك علاقةً بين محاولات الانتحار، والأحداث المثيرة للشفقة، التي يتعرض لها الأفراد في حياتهم اليومية، كالطلاق، والفشل الدراسي،والإصابة بأمراض مزمنة، والفصل من العمل، والأزمات المالية، وغيرها،كما أن هناك فئات معينة تُعَدُّ أكثر استهدافاً للانتحار بالمقارنة بغيرها، منها:كبار السن، ومتعاطو الكحوليات،ومدمنوا المخدرات،ومرضى الفصام، وكذلك فإن ” الانتحار” يرتبط بعدد من الانفعالات، كاليأس، والشعور بالعجز، وعدم الثقة بالنفس،والشعور بالذنب،والاكتئاب، وتجدر الإشارة إلى أن محاولات الانتحار المرتبطة بالاكتئاب تأخذ طابعاً جدّياً، بخلاف محاولات الانتحار المرتبطة بالهستيريا،فيحاول المريض بالاكتئاب شنق نفسه، أو إلقاء نفسه من أعلى، أو نحو ذلك.

وقد يصاحب ” الانتحار” قتل بعض الأعزاء أو الأقارب، اعتقاداً من المريض أنه ينقذهم من الحياة المظلمة، والتعاسة الأبدية، وأنه لايستطيع تركهم يعانون كما يعاني هو، فيقتلهم قبل أن ينتحر.

وتختلف معدلات انتشار الانتحارمن بلد إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى،فتُشير الدراسات إلى أن معدل الانتحار في الولايات المتحدة الأمريكية يتراوح بين 10 و12 لكل 100000 نسمة،في حين يصل في بلدان أخرى كالسويد وسويسرا والدانمرك واليابان إلى أكثر من 25 لكل 100000نسمة.

كما تختلف معدلات انتشار الانتحار بين الذكور والإناث، إذ تشير معظم الدراسات إلى أن انتشاره بين الرجال أعلى من انتشاره بين النساء بنسبة3:1 في حين أن النساء يفقن الرجال في معدلات انتشار محاولات الانتحار بالنسبة نفسها تقريباً.

الأحكام الشرعية للمنتحر:

1ـ أنه يُغسّل ويُكّفن ويُصلى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين، ويرثه ورثته إن كان له مال يورث، وذلك لأن ” الانتحار” ـ في حد ذاته ـ ليس كفراً، كما اشتهر عند العامة،لأن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعاً عدا الشرك. قال تعالى:{إن اللهَ لايغفرُ أن يُشركَ بهِ ويغفرُ مادونَ ذلكَ لمن يشاء}[النساء116].

وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالمغفرة لمنتحر،ودعاؤه صلى الله عليه وسلم لايكون إلا للمسلم، روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال:”فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطُفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه،فاجتووا المدينة(اي: كرهوا المقام بها لضجر ونوع من سقم)، فمرض (اي: هذا الرجل) فجزع، فأخذ مَشاقِصَ له (جمع مِشقص:وهو سهم فيه نصل عريض) فقطع بها براجمه(جمع بُرجُمه: مفاصل الأصابع)، فشخبت يداه(أي : سال الدم منها) حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنةٌ، ورآه مغطياً يديه، فقال له:ماصنع  بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: مالي أراك مغطياً يديك؟قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللُهمَّ وليديه فاغفرْ“.[رواه مسلم]، ولذلك فإن مارواه جابر بن سَمُرة رضي الله عنه قال: :”أُتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصلِّ عليه“[رواه مسلم] محمول عند العلماء على المبالغة في الزجر(مجموعة السفير ـ المرجع السابق).

من الناحية الأدبية:

يقول الاستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في موضوع الانتحار ونفسية المنتحرين(وحي القلم ج2 ص101):

“إن المرء لايقتل نفسه من نجاحٍ بل من خيبة،فإذا كانت الخيبة من مال فهي كالفقر أو الحاجة،وإن كانت من عافية فهي المرض أو الاختلال، وإن كانت من عزّة فهي الذل أو البؤس،وإن كانت مما سوى ذلك ـ كالنساء وغيرهن ـ فهي العجز عن الشهوة أو التخيل الفاسد.

وليس يخيبُ الإنسانُ إلا خيبة عقلٍ أو إرادة،وإلا فالفقر والحاجة، والمرض والاختلال، والذل والبؤس،والعجز عن الشهوة وفسادُ التخيل،كل ذلك موجود في الناس، يحمله أهله راضين به صابرين عليه،وهو الغبار النفسي لهذه الأرض على نفوس أهلها.وياعجباً! لإن العميانَ هم بالطبيعة أكثرُ الناس ضحكاً وابتساماً وعبثاً وسخرية، أفتريدون أن تخاطبكم الحياةُ بأفصحَ من ذلك؟.

ليست الخيبةُ هي الشر، بل الشرُّ كله في العقل إذا تبلد فجمد على حالةٍ واحدة من الطمع الخائب، أو في الإرادة إذا وهنت فبقيت متعلقة بما لم يُوجد.إفلا ترون أنه حين لايُبالي العقلُ ولا الإرادة لايبقى للخيبة معنىً ولا أثرٌ في النفس، ولايخيب الإنسان حينئذ، بل تخيب الخيبة نفسها؟.

ويتابع الرافعي رحمه الله:”لهذا يأبى الإسلام على أهله التّرفَ العقلي والتخيّل الفاسد، ويشتدُّ كلَّ الشدة في أمر الإرادة،فلايترخص في شئ يتعلق بها، ولايزال يُنميها بأعمالٍ يومية تشدُّ منها لتكون رقيبةً على العقل حارسةً له،فإن للعقل أمراضاً كثيرة يقيس فيها درجاتٍ من الطيش حتى يبلغ الجنون أحياناً،فكانت الإرادة عقلاً للعقل،هي لينهُ إذا تصلّب، وهي حركته إذا تبلد، وهي حلمه إذا طاش، وهي رضاه إذا سخط”.

ويقول الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي(الأعمال الكاملة المجلد الأول ص100 تحت عنوان الانتحار):

“في كل موسم من مواسم الإمتحان المدرسي نسمع بكثير من حوادث الانتحار بين المتخلفين من التلاميذ والراسبين، ولو ربي التلميذ تربية دينية لما هان عليه أن يخسر سعادته الأخروية خسراناً مبيناً اسفاً على أن لم ينل كل حظه من السعادة الدنيوية،ولو ربي تربية أدبية لما احتقر حياته الثمينة وازدراها ولوى وجهه عنها لأنها لم تقدم إليه في لفافة الشهادة المدرسية،ولو أن أستاذه ملأ قلبه بنور الإيمان ولقنه فيما يلقنه من قواعد الدين وأحكامه: أن جناية المرء على نفسه أكبر إثماً عند الله وأعظم جرماً من جنياته على غيره،لما خاطر بدينه في آخر ساعة من ساعات حياته،وهي الساعة التي ينيب فيها العاصي إلى ربه،ويستغفر فيها المذنب من ذنبه.ولو أنه لقنه فيما يلقنه من دروس الأخلاق والآداب أن العلم صفة من صفات الكمال لاسلعة من سلع التجارة يجب أن ينظر إليه طالبه من حيث ذاته،لامن حيث كونه وسيلة من وسائل العيش، لما جرى على القاعدة الفاسدة”والشهادة بلاعلم خير من العلم بلا شهادة” ولو أنه رباه على الاستقلال الذاتي وعلمه أن الشرففي هذه الحياة على قدر مايبذل الإنسان من الجهد في خدمة الأمة أو المجتمع سواء أكان في قصر الملك أم في دار الوزارة، وفي حانوت التجارة،أم في معمل الصناعة،لما أكبر مناصب الحكومة هذا الإكبار،ولا احتفل بها احتفال من لايرى للحياة معنى بدونها،ولو أنه نفث في روعه روح الشجاعة النفسية وعوده الصبر والجلد في مواقف الشدة والبلاء، لما جزع هذا الجزع الفاضح،ولا جن هذا الجنون الذي خيل إليه أن عذاب النزع أهون من عذاب الهم.

أيها الناشئ: لقد جهل أبوك،وغشك أستاذك، وخدعك هذا المجتمع الفاسد، فكن أحسن حالاً منهم،واعلم أن شرف العلم أكبر من شرف المنصب،وأن المنصب ماكان شريفاً إلا لأنه حسنة من حسنات العلم،وأثر من آثاره،فإن فاتك حظك منه فلا تحفل به، فهو أحقر من أن تشتد في أثره،أو تبذل حياتك وجداً عليه،ولاتحسد أرباب المناصب على مناصبهم، فإنما هم يخدعونك بزخرف من القول، وظاهر من النعمة،وبهرج من الابتسام،ووراء ذلك لو علمت قلب يقطر دماً، وفؤاد يضطرم لوعة وأسى”.

ويقول المنفلوطي رحمه الله(المرجع السابق ص250):

“إن الانتحار نزعة فاسدة وعادة مستهجنة، رمتنا بها المدنية الغربية فيما رمتنا به من مفاسدها وآفاتها.

الانتحار منتهى ماتصل إليه النفس من الجبن والخور،ومايصل إليه العقل من الاضطراب والخبل،وأحسب أن الإنسان لايقدم على الانتحار،وفي رأسه ذرة من العقل والشعور.

حب النفس غريزة ركبها الله تعالى في نفس الإنسان لتكون ينبوع حياته وعماد وجوده،والمنتحر يبغض نفسه أشد مما يبغض العدو عدوه،فهو شاذ في طبيعته، غريب في خلقه،معاند لإرادة الله تعالى في بقاء الكون وعمرانه، ومن كان هذا شانه كان بلا قلب ولاعقل.

لاعذر للمنحر في انتحاره مهما امتلأ قلبه بالهم ونفسه بالأسى،ومهما ألمت به كوارث الدهر، وأزمت به أزمات العيش،فإن ماقدم عليه أشد مما فر منه،وماخسره أضعاف ماكسبه.

ولو كان ذا عقل لعلم أن سكرات الموت تجمع في لحظة جميع ماتفرق من آلام الحياة وشدائدها في الأعوام الطوال،وأن قضاء ساعة واحدة فيما أعد الله لقاتل نفسه من العذاب الأليم أشد من جميع مايشكو منه،وما يكابده من مصائب حياته وأرزائها لو يعمر ألف سنة.

ما أكثر هموم الدنيا،وما أطول أحزانها،لايفيق المرء فيها من هم إلا إلى هم، ولايرتاح من فاجعة إلا إلى مثلها،ولايزال بنوها يترجحون فيها مابين صحة ومرض،وفقر وغنى،وعز وذل،وسعادة وشقاء،فإذا صح لكل مهموم أن يمقت حياته،ولكل محزون أن يقتل نفسه،خلت الدنيا من أهلها،واستحال المقام فيها،بل استحال الوفود إليها،وتبدلت سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

ما سمي القاتل مجرماً إلا لأنه قاسي القلب متحجر الفؤاد،وأقسى منه قاتل نفسه،لأنه ليس بينه وبينها من الضغينة والموجدة مابين القاتل والمقتول،فهو أكبر المجرمين، وأقسى القاتلين.

يخدع المنتحر نفسه إن ظن أنه مقتنع بفضل الموت على الحياة، وأنه إنما يفعل فعلته عن رؤية وبصيرة،فإنه لايكاد يضع قدمه في المأزق الأول من مآزق الموت حتى يثوب إلى رشده وهداه ويحاول التخلص مما وقع فيه لو وجد إلى ذلك سبيلاً.

إن ألقى نفسه في الماء تخبط وبسط يده إلى من يرجو الخلاص على يده وودّ لو يفتدي نفسه بكل ماتملك يمينه،وإن حبس نفسه في غرفته ليموت مختنقاً بالغاز ودّ لو سقط عليه سقف الغرفة ليستنشق نسمة من نسمات الهواء ولو عاش بعد ذلك كسير اليد والرجل، فاسد السمع والبصر.

إن فكرة الانتحار نزغة من نزغات الشيطان،وخطرة من خطرات النفس الشريرة،فمن حدثته نفسه بقتل نفسه فليتريث ريثما يتبين كيف يكون صبره على احتمال سكرات الموت، وآلام النزع، وماذا يكون حديث الناس عنه بعد موته،وهل يمكن أن يوجد بينهم عاذر له أو مشفق عليه،أو مقتصد في النيل منه والسخرية به؟وليعرض على مخيلته قبل ذلك اشكال العذاب وأنواع العقاب التي أعدها الله في الدار الآخرة لأمثاله.

إني لا أظنه بعد ذلك فاعلاً إلا إذا كان وحشاً في ثوب إنسان،أو بطلاً من أبطال المارستان”.

الشاعر أحمد شوقي في قصيدة “انتحار الطلبة”:

ناشئٌ في  الوَردِ من أيامهِ                   حَسْبُهُ اللُهُ ، أبالوردِ عَثر؟

سَّددَ السهمَ إلى صدرِ الصِّبا                 ورماه في حَواشيه الغُرَر

بيدٍ لاتعرفُ الشرَّ، ولا                       صَلَحتْ إلا لتلهُو بالأُكَر(الكرة)

بُسِطَتْ للسّم والحبل  ،وما                  بُسِطت للكأس يوماً والوتَر

غفرَ اللهُ له، ماضرّه                        لو قضى من لذّةِ العيشِ الوَطر؟

كل يوم خبر عن حَدثٍ                       سئم العيشَ، ومن يسأمْ يَذَرْ

عاف بالدنيا بناءً بعد ما                    خَطب الدّنيا، وأهدى، ومهر

حلَّ يوم العُرس منها نفسه                      رحِمَ اللهُ العروسُ المُختَضَر

ضاقَ بالعيشةِ ذرعاً، فهوى                    عن شَفا اليأسِ، وبئسَ المُنحدر

راحلاً في مثل أعمارِ المنى                      ذاهباً في مثلِ آجالِ الزَهر

هارباً من ساحةِ العيشِ، وما                  شارفَ الغَمرةَ منها والغُدُر

لا أرى الأيامَ إلا مَعركاً                         وأرى الصِّنديدَ فيهِ من صَبر

ربَّ واهي الجأشِ فيه قَصَفٌ                  مات بالجبن، وأودى بالحذّر   

لامه الناسُ، وما أظلمَهم                     وقليلٌ من تَغاضَى أو عذَر

قال ناسٌ : صَرعَةٌ من قدر                 وقديماً ظلم الناس القدر

ويقول الطبُّ: بل من جِنَّةٍ                  ورأيتُ العقلَ في الناسِ نَدَر

ويقولون: جفاءٌ راعَه                       من أبٍ أغلظَ قلباً من حَجر

وامتحانٌ صَعَبتهُ وَطأةٌ                      شدّها في العلم أستاذٌ نَكِر

لا أرى إلا نِظاماً فاسداً                       فَكّكَ العلمَ، وأودى بالأُسر؟

من ضحاياه ـ وما أكثرها! ـ                 ذلك الكارِهُ في غضِّ العُمُر

ما رأى في العيشِ شيئاً سَرّهُ              وأخفُّ العيشِ ماساءَ وسَر

نزل العيشَ، فلم ينزل سوى                 شعبة الهمِّ ، وبيداءِ الفِكر

ونهارٍ ليس فيهِ غبطةٌ                      وليالٍ ليس فيهن سَمر            

قاتل النفس –ولو كانت له-               أسخط الله ، ولم يرض البشر

نشأَ الخيرِ، رويداً ، قتلُكم                 في الصِّبا النفسَ ضلالٌ وخُسُر

لو عصيتُم كاذبِ اليأسِ ، فما            في صِباها يَنحرُ النفسَ الضّجَر

تُضمِرُ اليأسَ من الدنيا وما              عندها عن حادثِ الدّتيا خبر

فيمَ تجنون على آبائكم                    ألمَ الثّكل شديداً في الكبر؟

وتعقّونَ بلاداً لم تزل                     بين إشفاق عليكم وحذر؟   

ليس يدري أحدٌ منكم بما                 كان يُعطى لو تأنى وانتظر

رُبَّ طفلٍ برّح البؤسُ به                مُطِرَ الخيرَ فَتيّاً ومطر

وصبيٍّ أزرت الدنيا به                  شبَّ بين العزِّ فيها والخطر

ورفيعٍ لم يُسوِّدهُ اب                    مَنْ أبو الشمس، ومن جدُّ القمر؟

فلكٌ جارٍ، ودنيا لم يدُم                    عندها السعدُ، ولا النحسُ استمرّ

قاتلُ النفس ـ ولو كانت له ـ           أسخطَ اللهَ، ولم يُرضِ البشر

ساحةُ العيش إلى الله الذي            جعلَ الوِردَ بإذنٍ والصّدَر

لاتموتُ النفسُ إلا باسمه                  قامَ بالموتِ عليها وقهر

إنما يسمحُ بالروح الفتى               ساعةَ الرّوعِ إذا الجمعُ اشتجر

فهناك الأجرُ والفخرُ معاً                من يَعِش يُحمَد، ومن ماتَ أُجِر

عمرو بن شأس الأسدي:

فكِدتُ أذوقُ الموتَ لو أنّ عاشقاً      أَمرَّ بمساه الشوارب فانتحر(عروق في الحلق).

سابعاً:تحريم القمار وأضرابه

القمار: “هو آفة الكسب وجائحة المال ومفسدة الأعمال وميكروب الكسل ومجلبة الزلل “كما يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد119).

وعلى الرغم من الصرخات والصيحات المتصاعدة والمتوالية من قبل الأطباء وعلماء النفس وعلماء الاجتماع وبعض الساسة تجاه المشاكل والمخاطر التي تواجه الناس من خلال ممارسة القمار بأشكاله المختلفة وبحيث أن بعض أطباء وعلماء النفس أدروجه مع الأمراض المدمنة كالخمر والتدخين والمخدرات…ومع ذلك فإن أعداد الممارسين لهذه العادة المذمومة والسيئة في ازدياد وعدد صالات القمار في جميع أنحاء العالم في زيادة بل إن هناك بعض الدول تحصل على القسم الاكبر من الضرائب من صالات القمار المنتشرة فيها والتي يأتي إليها الملايين من البشر من كل انحاء العالم ليمارسوا هذه العادة الذميمة الحقيرة!!

ولم يقتصر الأمر على صالات القمار الكبيرة ومايسمى”الكازينوات”، بل وصل الأمر إلى وجود العديد من آلات القمار المنتشرة في كل شارع وكل حي في بعض البلدان والتي تستولي على أموال الشباب، وتقضي على صحتهم بالتدريج.

وجاء في تقرير لمجلة الشبيجل الألمانية أن حوالي 27 مليون شخص سافروا إلى مدينة “اتلانتيك” في أمريكا عام 1983 لتعاطي القمار هناك، ويقدر ماتحصل عليه نوادي القمار من ذلك حوالي 2مليار دولار سنوياً.وتسبقها في ذلك مدينة لاس فيجاس حيث يقدر ماتكسبه نوادي القمار هناك أكثر من 2 مليار دولار سنوياً.ومع ازدهار القمار ازدهرت الجريمة أيضاً وانتشرت عصابات المافيا التي تسعى للسيطرة على نوادي القمار وحركة الاستيلاء على الأراضي وبناء صالات جديدة!

وجاء في العدد 120 من مجلة المسلمون بتاريخ 23 أيار عام 1987 مايلي:”بدأت الولايات المتحدة الأمريكية إعادة النظر في القوانين والنظم التي تبيح القمار، وبلغ عدد المقامرين في أمريكا حوالي 100 مليون،منهم 9 ملايين يعتبرون من المدمنين، ويتردد على أندية القمار في بريطانيا أكثر من نصف مليون يومياً،ويصل حجم صناعة القمار هناك إلى حوالي بليون ونصف جنيه استرليني.

وتبين الدراسات أن العديد من المقامرين خسر أمواله وممتلكاته وأصبح من المشردين، وتقول الإحصاءات أن ثلاثة من كل خمسة في أمريكا يقامرون، وأن 46 ولاية في أمريكا تسمح وتبيح القمار.وقد ازدادت عدد حالات ممارسة القمار بين الشبان واليفعان والذين قد يرتكبوا الجرائم من أجل الحصول على المال من أجل إشباع إدمانهم وممارستهم للقمار.

وللقمار أشكال عديدة ومختلفة ولكنها تتفق جميعا في أنها تجلب الخسران المادي والعذاب النفسي والبدني ولذلك قال الله تعالى في كتابه الكريم:{إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون [المائدة 90].

ومن أشكال القمار والميسر في مانراه اليوم مايسمى باليانصيب،وله أشكال كثيرة،ولعب الورق على مبالغ مالية أو غيرها،والبوكر، والمراهنات على مباريات كرة القدم أو سباق الخيل، أو سباق السيارات…فكل هذا من الحرام الذي يجلب الخسران في الدارين.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد229):

“وأما الميسر فهو القمار واشتقاقه من يسر إذا وجب أو من اليسر بمعنى السهولة لأنه كسب بلا مشقة ولاكد أو من اليسار وهو الغنى لأنه سببه للرابح أو من اليسر بمعنى التجزئة والاقتسام يقال :يسروا الشئ إذا اقتسموه”.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد357 ):

“يقول الله تعالى:{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة}يقول رحمه الله:

“وأما الميسر فهو مثار للعداوة والبغضاء أيضاً ولكن بين المتقامرين، فإن تعداهم فإلى الشامتين والعائبين،ومن تضيع عليهم حقوقهم من الدائنين وغير الدائنين، وإن المقامر ليفرط في حقوق الوالدين والزوج والولد،حتى يوشك أن يمقته كل أحد.قال الفخر الرازي:وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الإجحاف بأرباب الأموال،لأن من صار مغلوباً في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالباً فيه،وقد يتفق أن لايحصل له ذلك إلى أن لايبقى له شئ من المال،وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولدهّ!!ولاشك أنه بعد ذلك يصير فقيراً مسكيناً، ويصير من أعدى الاعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له.

ويتابع الشيخ رشيد رضا رحمه الله:”وأما كون كل من الخمر والميسر يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ـ وهو مفسدتهما الدينية ـ فهو أظهر من كونهما مثاراً للعداوة والبغضاء ـ وهو مفسدتهما الاجتماعية ـ لأن كل سكرة من سكرات الخمر، وكل مرة من لعب القمار، تصد السكران واللاعب وتصرفه عن ذكر الله الذي هو روح الدين،وعن الصلاة التي هي عماد الدين،إذ السكران لاعقل له يذكر به آلاء الله وآياته،ويثني عليه بأسمائه وصفاته،والمقامر تتوجه جميع قواه العقلية إلى اللعب الذي يرجو منه الربح ويخشى الخسارة فلا يبقى له من نفسه بقية يذكر الله تعالى بها،أو يتذكر أوقات الصلاة وما يجب عليه من المحافظة عليها،ولعله لا يوجد عمل من الا‘مال يشغل القلب ويصرفه عن كل ماسواه ويحصر همه فيه مثل هذا القمار، حتى إن المقامر ليقع الحريق في داره،وتنزل المصائب في أهله وولده،ويُستصرخ ويستغاث فلا يُصرِخ ولايُغيث،بل يمضي في لعبه.على إن المقامر إذا تذكر الصلاة أو ذكره غيره بهان وترك اللعب لأجل أدائها، فإنها لا يكاد يؤدي منها إلا الحركات البدنية بدون أدنىتدبر أو خشوع، ولاسيما إذا كان يريد أن يعود إلى اللعب.

نعم إن المقامر يأتي بأفعال الصلاة تامة فيفضل السكران بهذا إذ لا يكاد يأتي منه ضبط أفعالهانولكن السكران قد يفضله بأعمال القلب والخشوع ولو بغير عقل.فكم من سكران يذكر الله تعالى ويذكر ذنوبه حتى سكره ويبكي ويدعو الله تعالى ان يتوب عليه؟

ويتابع الشيخ رشيد رضا:”إن الخمر والميسر لهما من الآثام الكثيرة نذكر منها

ـ إن الله تعالى جعل الخمر والميسر رجساً وكلمة الرجس تدل على منتهى القبح والخبث ولذلك أطلقت على الأوثان.

ـ إنه صدر الجملة بإنما الدالة على الحصر للمبالغة في ذمهما، كأنه قال ليست الخمر وليس الميسر إلا رجساً فلاخير فيهما البتة.

ـ أنه قرنهما بالأنصاب والأزلام التي هي أعمال الوثنية وخرافات الشرك.

ـ أنه جعلهما من عمل الشيطان، لما ينشأ عنهما من الشرور والطغياننوهل يكون عمل الشيطان، إلا موجباً لسخط الرحمن؟

ـ أنه جعل الأمر بتركهما من مادة الاجتناب وهو أبلغ من الترك لأنه يفيد الأمر بالترك مع البعد عن المتروك بان يكون التارك في جانب بعيد عن جانب المتروك.ولذلك نرى القرآن لم يعبر بالاجتناب إلا عن ترك الشرك والطاغوت الذي يشمل الشرك والأوثان وسائر مصادر الطغيان،وترك الكبائر عامة وقول الزور الذي هو من أكبرها.

ـ أنه جعل اجتنابهما معدّاً للفلاح ومرجاة له،فدّل ذلك على أن ارتاكابهما من الخسران والخيبة في الدنيا والآخرة.

ـ أنه جعلهما مثاراً للعداوة والبغضاء وهما شر المفاسد الدنيوية المتعدية إلى أنواع من المعاصي في الأموال والأعراض والأنفس،ولذلك سميت الخمرة بأم الخبائث وأم الفواحش.

ـ أنه جعلهما صادين عن ذكر الله وعن الصلاة وهما روح الدين وعماده،وزاد المؤمن وعتاده.

من الناحية الأدبية:

يقول الأستاذ أحمد مظهر العظمة في مقال له بعنوان “القمار والمقامرون”[مجلة التمدن الإسلامي السنة الأولى العدد الثالث 1354هجري] :

“هناك في “بلودان” تجري معارك للقتال، يحمد رعراعها(الجبان: والمعنى يحمد الجبان الذي لايقرب هذه المعارك) ويذم شجاعها الرابح فيها والخاسر سيان،إذ الفوز فيها سجال ولكل من شأنيها معان للخسران.

إن لم تلعلع في آفاقها رعود المدافع، وتطوِّح برقاب شياطينها شفار القواطع،ويرن في أرجائها رشق البنادق، وتعن في انحائها أشباح المنون تأتي خماصاً خفافاً،وتعود بطاناً ثقالا  ـ إن لم يكن فيها ذلك ـ فلها بمعاني الحرب صلات،ولاتغني الأسماء عن الحقائق، ولاتقي مظاهر الباطل من مصارع السوء.

إنها معارك”القمار”أو شباك الدمار، بين أولئك الذين وصلت إليهم أطراف النعم فنفروها بقلة الشكر، وضِلة الوزر،وما إليهما من استخفاف بالرزق،واستحلال في طلبه للمحارم، واستمتاع بشهوات منحطة، واسترضاء لنزوات طائشة ولو كان في ذلك فقد نفس ونكد أسرة وفساد أمة.

تبذر الأموال على موائد النضال بأمل وسخاء، وقد تكون عزيزة على ابن فاقة ذي عيال يرتمضون من الهم ويمزقون كبد الحنان بأنين الفقر وقلة الحيلة،وينادي منادي الحرب، وشاهد الفتنة وداعي الضلالة:الصفقة جليلة، والدورة ثقيلة، والفوز للمكثر الرابح، وجنود إبليس عن اليمين وعن الشمال، يبسطون الأيد كل البسط ويبعثون الآمال مترعة بالفوز!

فإذا هي جولة استعلى فيها الرجاء الشارد على اللب المتدبر،وغلب الطمع فيها القناعة فتوارت كما تتوارى الشمس في ظلمة الليل البهيم والأبصار شاخصة، والقلوب ترتجف والفضيلة تتململ من الآسى،والحقيقة ساخرة ممن سخرتهم الأوهام، وقادتهم الأحلام، فمشوا إلى الغنى في طريق الفقر يبغونه عوجاً ويحسبون أنه يحسنون صنعاً!

وإذا هي برهة وقف فيها دولاب الدمار ليبرم حكمه ويستانف دورته، فإذا الرابح فلان يلقف الأموال لا لتستقر لديه، بل لتهدأ قليلاً ثم تسير سيرتها الأولى وتتحول إلى غيره وهكذا دواليك!وإذا الخاسرون الواجمون خصوم لذاك،يشعرون نحوه بالضغينة والجِدة والعداء، وربما كان من قبل صديقهم الحميم! ينظرون إليه فتقذف عيونهم بالشرر لحظاً، وتلهف مشاعرهم ندامة وغيظاً وتجف(تضطرب) قلوبهم من حصاد مافرطوا فيه مستسلمين للظن الأثيم وماتهوى الأنفس الأمارة بالسوء.

يا ويلتنا! لقد نكر الأمر: أمهات، وأخوات، وزوجات، وبنين، وبنات، أسأنا إليهم وظلمناهم، أيتكففون بعد سوء فعالنا الناس!

ثم يذكرون الرابح ومازعموا له من عيش مخضل سيغدو فيه، فيودون لو أن لهم كرة فيربحون كما ربح، ويتناسون خسارتهم ومصيبة أسرتهم وأمتهم بهم، ويتخذون ذلك مبرراً لخوض غمارها ثانية!ولكن قد لايكون لديهم مهر لحسنائهم فماذا يعملون؟إن إبليس يهمس في آذانهم:نقذاً لكم ايها العاثرون ولاتقنطوا من وعدي..! وهم جنوده الذين يقنعهم منطقه، ويرضيهم نصحه، فيسمعون ويطيعون وربما استدان أحدهم ورهن أمتعته، أو سرق، أو أتى بإحدى الإحَد(المنكر العظيم)، كي يقوم بواجبه نحو القمار، إذ من شأن هذا أن يستحوذ على عشاقه ويملك مشاعرهم،فلا يدع لهم روية في التفكير، ولاقوة في الضمير، ولاشدة في الإرادة، ولاخشية في القلب ولاسُؤدة من شباب ولابُلغة للعيش ولاركزاً في المجتمع!.

وكثيراً مايغدو (المقامر) يائساً ينتظر الراحة من الموت ،وهو يذوقه مراراً في شقائه وبؤسه،وقد صدق الأديب المنفلوطي إذ يشبه المقامر”بالرجل الذي علم أن في صحراء من صحاري أفريقيا كنزاً مدفوناً لاتعرف له بقعة، وليس إليه دليل فحمل فأسه على كتفه ومشى في تلك الصحراء يحفر الحفرة التي تستنفد قوته، وتستهلك منته،وتبلغ من نفسه مالايبلغ منها كر الغداة ومر العشي، حتى إذا بلغ مستقرها، وعلم أنه لم يعثر بضالته المنشودة تركها وبدأ يحفر غيرها بجانبها، فلايكون نصيبه من الأخرى أوفر من نصيبه من الأولى وهكذا حتى أدركه الموت”.

وهكذا قد ترى ذلك الملتهي غِين على قلبه فأصبح من عشاق القمار لايستطيع عن تلبيته صبراً وأصبح له فيه:”أمل كالحياة لف به الدنيا فضاقت وضاق فيها امتداده”، ربما يأمل به أن يكون ملكاً من الملوك! وللأحلام والأوهام رجال!!

فرفقاً بأنفسكم وأسركم وأمتكم أيها المقامرون، لاتدخلوا البيوت من غير أبوابها.ولاتسلكوا لليسار غير سبيله. وليكن لكم من القناعة والروية، وقوة الإرادة نصيب يصرفكم عن الباطل.

ويا ولاة الأمور إن القمار لخطر عظيم سيزيد أمتنا المنكودة بلاءً إلى بلاء إن لم تتلافوا الأمر بالحكمة قبل تفاقم الداء واستعصاء الدواء.

وسيان في الميزان الرضى بالخطر أو إباحة مايؤدي إليه. فماذا أنتم فاعلون؟.

ويقول الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله(الأعمال الكاملة المجلد الأول ص231 تحت عنوان القمار):

“العقل قوة يقتدر بها المرء على ضبط نفسه عن شهواتها، فموقفه أمامها موقف واحد،فإما أن يغلبها جميعاً أو تغلبه جميعها.

لاتقل إن السكير عاقل إن رأيته غير فاسق ولاعاهر،واعلم أنه يؤثر الفسق ولاتجذبه إليه جواذبه،ولو آثره لكان موقفه من المواخير موقفه من الحانات،ولاتقل إن الفاسق عاقل إن رأيته غير سارق ولامختلس،فإنه لايحب السرقة ولا الاختلاس، ولو أنه أحبهما لكان في التسلل إلى أعماق الدور والقصور، أبرع منه في التسلل إلى مكامن الفسق والفجور،ولاتقل إن المقامر عاقل إن رأيته لا شارباً ولا فاسقاً،فإن القمار قد استهلك شهوته واستخلصها لنفسه،ولم يدع فيها فضيلة لسواها،ولولا ذلك لكان أكبر السارقين،وأفسق الفاسقين.

ماجلس المقامر إلى مائدة القمار، إلا بعد أن استقر في ذهنه أن الدرهم الذي في يده سيتحول بعد هنيهة من الزمن إلى دينار،ويعود به إلى أهله فرحاً مغتبطاً،وأحسب أن العقول العشرة مجتمعة ومتفرقة، تعجز عن إدراك هذه العقلية ومثارها.

إن كان يؤمل الربح لأنه يرى عن يمينه رجلاً قد ربح.فلم لايخاف الخسران لأنه يرى عن يساره مائة خاسرين؟وإن كان يضحكه منظر الربح لأنه يرى في بعض مواقفه أحد الرابحين ضاحكاً،فلم لايبكيه منظر أصدقائه ورفقائه الخاسرين، وهم يتساقطون حواليه تساقط جنود المعركة تحت القذائف المنطلقة.

ما أشبه المقامر الذي يطلب من الدينار الواحد مائة دينار بالكيميائي الذي يطلب من القصدير فضة،ومن النحاس ذهباً،كلاهما يتاجر بالأحلام في سوق الأوهام،فيربح ربحاً مقلوباً ويكسب كسباً معكوساً، وما أشبههما جميعاً بذلك الرجل الذي علم أن في صحراء من صحاري أواسط أفريقيا كنزاً دفيناً لاتعرف له بقعة معينة،وليس عليه دليل فحمل فأسه على كتفه ومشى في تلك الصحراء يحفر الحفرة التي تستنفذ قوته وتستهلك منته…وتبلغ من نفسه مالايبلغ كر الغداة ومر العشي..حتى إذا بلغ قرارتها…وعلم أنه لم يعثر بضالته..تركها وبدأ يحفر غيرها بجانبها..فلايكون نصيبه من الأخرى أوفر من نصيبه من الأول..وهكذا ..حتى أدركه الموت،وهو في بعض تلك الحفر..فكان هو نفسه الكنز الدفين… إلا أنه كنز لايطمع فيه طامع ولايرغب فيه راغب.

إن كنت لم تسمع في حياتك باجتماع النقيضين وتلاقي الضدين،فاعلم أن المقامر في آن واحد أجشع الناس،وأزهد الناس،فلولا حبه المال لما هان عليه أن يبذل راحته وشرفه وسعادته وحياته في سبيله!ولولا زهده فيه لما أقدم باختياره على تبديده على مائدة القمار لا لغاية يطلبها ولا لمأرب يسعى إليه.

أنا لا أريد أن أنصح للمقامر بترك القمار،لأني أعتقد أن من يملك عقلاً مثل عقله،وفهماً مثل فهمه ،لايستطيع أن يفهم كلمة مما أقول،ومن عجزت حوادث الدهر وعبر الأيام عن أن ترد عليه ضالة عقله وتهديه السبيل إلى نفسه لاتنفعه كلمة كاتب،ولا موعظة واعظ،وإنما أريد أن أقول للذين لم يقدر لهم أن يخطو خطوة واحدة في هذه الطريق الوعرة حتى اليوم:لاتقامروا جداً ولاهزلاً،فإن هزل القمار يجر إلى جده،ولاتمروا بمعاهد القمار قصداً ولاعفواً،فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه،ولاتصاحبوا المقامرين بحال من الأحوال،فإنهم لايرضون عنكم حتى تتخذوا ملتهم،فإن فعلتم خسرتم مالكم وشرفكم وعزتكم وكرامتكم من حيث لاتجدون من رحمة القلوب ورأفتها مايعوّض ماخسرتم،فارحموا أنفسكم إن كنتم راحمين،واتقوا الله إن كنتم مؤمنين”.

يقول الشاعر نجيب الحداد في القمار:

هوَ الداءُ الذي لا برءَ منهُ     وليسَ لذنبِ صاحبه اغتفارُ

تُشادُ لهُ المنازلُ شاهقات      وفي تشييدِ ساحتها الدمارُ

نصيبُ النازلينَ بها سهاد       فإفلاس فيأس فانتحارُ

عصائبُ لا يودُّ المرءُ فيها     أخاهُ ولا يراعي الجارَ جارُ

القواعد العلاجية في الصحة النفسية

كما أن هناك الوسائل الوقائية التي تمنع أو تقلل من حدوث الاضطرابات النفسية وتؤثر بشكل سلبي على الصحة النفسية للإنسان فإن هناك أيضاً وسائل علاجية عديدة يمكن اللجوء إليها لمن قد أصابه شئ من الاضطرابات النفسية، واعتلّت صحته النفسية ومن هذه الوسائل نذكر:

1 ـ اللجوء إلى الله

وذلك بالإيمان القوي بالله وأحكامه والرضا بما كتبه الله واليقين القوي بأنه لايريد لعبده المسلم إلا الخير في الدارين، والعمل بما يرضيه ذكراً ودعاءً وعبادة وصلاة وترتيلاً للقرآن والصبر على البلاء واحتسابه عند الله.
1ـ الإيمان القوي:

وتقوى الله، والتوحيد الخالص لله عز وجل، يقول تعالى:{الذين آمنوا ولم يَلبسُوا إيمانَهُم بظلمٍ أولئكَ لهمُ الأمنُ وهم مُهتدون}[الأنعام 82].

(والظلم هنا: الشرك).

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في مقال بعنوان “الإيمان سبيل الإطمئنان”:

“لما كنت في رحلة المشرق، وامتدت بي تسعة أشهر تباعاً كنت أفكر في بناتي هل عرّاهن شئ؟ هل أصابتهن مصيبة؟

ثم أقول لنفسي:يانفس ويحك، هل كنت تخافين لو كان معهنّ أخ يحنو عليهنّ أو جد يحفظهنّ، فكيف تخافين والحافظ هو الله، ولو كنت معهن هل أملك لهنّ شيئاً إن قدر الله الضرّ عليهنّ؟ فلا ألبث أن أشعر بالاطمئنان.

ودهمني مرة همّ مقيم مقعد، وجعلت أفكر في طريق الخلاص، وأضرب الأخماس بالأسداس، ولا أزال مع ذلك مشفقاً مما يأتي به الغد، ثم قلت: ما أجهلني إذ أحسب أني أنا المدبر لأمري وأحمل هم غدي على ظهري، ومن كان يدبر أمري لما كنت طفلاً رضيعاً ملقى على الأرض كالوسادة لا أعي ولا أنطق ولا أستطيع أن أحمي نفسي من العقرب إن دبّت إلي، والنار إن شبت إلى جنبي،أو البعوضة إن طنت حولي؟ومن رعاني قبل ذلك جنيناً، وبعد ذلك صبياً؟ أفيتخلى الله الآن عني؟

ورأيت كأن الهمّ ثقل كان على كتفي وألقى عني، ونمت مطمئناً”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي أيضاً(البواكير ):

“أما والله لو عرف هؤلاء “المجددون” أي لذة يشعر بها المؤمن إذ يلتجىء إلى الله أو يقف خاشعاً بين يديه لباعوا دنياهم  كلها بصلاة واحدة،إنهم يصبحون وقد أضحى النهار،فيغسل أحدهم وجهه ويديه ثم يتناول طعامه ويذهب إلى عمله،حتى إذا كان المساء انصرف إلى مقهى ساء هواؤه وفسد جوّه وقبح مشهده،فقضى فيه ثلثاً من ليله ثم فارقه وهو تَعب محطم إلى الفراش!ويصبح المؤمن قبل الفجر أو بعده بقليل،فيشهد جمال الطلبعة التي خطّت سطورها في صفحة الكون يد الله،فيمتلىء قلبه تعظيماً لله فيقف فيصلي خاشعاً خاضعاً،ثم يشهد بزوغ الشمس ويرقب أشعتها الذهبية إذ تتساقط على الاشجار والبُنى والبطاح،ثم يتناول طعامه بادئاً باسم الله خاتماً بحمد الله،ويذهب إلى عمله…أيّفرق بين صباح هذا وصباح ذاك،وأي جزاء يصيب به الله هؤلاء أكثر من حرمانهم هذه اللذة التي تتقطع دونها الأعناق؟

ويصاب الملحد بالمصيبة فتضيق به الدنيا،فلا يجد مخلصاً له إلا الانتحار أو الفرار،ويصاب المؤمن فيقول:”إنا لله وإنا إليه راجعون،اللهم أنت وهبت وأنت أخذت،فلا حول ولا قوة إلا بك”،ثم يدعها لله فيبدله الله خيراً منها ويرزقه الصبر على فقدها.

ألا إن السعادة والهناءة في هذه الحياة الدنيا لا تأتي إلا من طريق الإيمان،ولا يعرف الإيمان إلا من ذاق لذته وخالطت قلبه حلاوته،وأما من طمس الله على قلبه وضرب على فؤاده فلا يشتمّ ريحه ولايدرك له مغزى”.

ويقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله:

“إن العقيدة في الله وعدله ورحمته، وفي العوض والجزاء عنده في دار الخلود، تهب الإنسان الصحة النفسية والقوة الروحية،فتشيع في كيانه البهجة، ويغمر روحه التفاؤل، وتتسع في عينه دائرة الوجود، وينظر إلى الحياة بمنظار مشرق، ويهون عليه مايلقى ومايكابد في حياته القصيرة الفانية، ويجد من العزاء والرجاء والسكينة مالايقوم مقامه ولايغنى عنه علم ولافلسفة ولا مال ولا ولد ولاملك المشرق والمغرب.ورضي الله عن عمر إذ قال:” ما أصبت بمصيبة إلا كان لله علي  فيها  أربع نعم: أنها لم تكن في ديني..وأنها لم تكن منها.. وأنني لم أحرم الرضا عند نزولها.. وأنني أرجو ثواب الله عليها”.

ويتابع حفظه الله:”أما الذي يعيش في دنياه بغير دين، بغير إيمان،يرجع إليه في أموره كلها وبخاصة إذا ادلهمت الخطوب، وتتابعت الكروب، والتبست على الناس المسالك والدروب، يستفتيه فيفتيه، ويسأله فيجيبه، ويستعينه فيعينه،ويمنحه المدد الذي لايغلب، والعون الذي لاينقطع، الذي يعيش بغير هذا الإيمان يعيش مضطرب النفس، متحير الفكر، مبلبل الاتجاه، ممزق الكيان.ولهذا نرى الذين يعيشون بغير عقيدة راسخة يتعرضون أكثر من غيرهم للقلق النفسي، والتوتر العصبي، والاضطراب الذهني، وهم ينهارون بسرعة إذا صدمتهم نكبات الحياة، فإما انتحروا انتحاراً سريعاً ، وإما عاشوا مرضى النفوس، أمواتاً كالأحياء”!

قد حارب الدينَ خوفاً من زواجره                  كأنَّ بين الورى والدين عدوانا

إني ليأخذني من أمره عَجبٌ                       أكثلّما زادَ علماً زادَ كفرانا؟

وكُلّما انقادت الدنيا وصار له                     زُمامها انقاد للأثام طغيانا

إذا ارتدى المرءُ ما في الأرض من بُرُدٍ           وعاف للدين بُرداً عاد عريانا

هو الحياة التي ما غادرت جسداً                    إلا اغتدى الميتُ أحيا منهُ وجدانا

(ايليا أبو ماضي)

ويقول الشيخ العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص167):

“وفي الجانب الآخر نجد الإيمان والأمل متلازمين،فالمؤمن أوسع الناس أملاً،وأكثرهم تفاؤلاً واستبشاراً وأبعدهم عن التشاؤم والتبرم والضجر،إذ الإيمان معناه الاعتقاد بقوة عليا تدبر هذا الكون لايخفى عليها شئ،ولاتعجز عن شئ،الإعتقاد بقوة غير محصورة،ورحمة غير متناهية،وكرم غير محدود،الإعتقاد بإله قدير رحيم،يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء،يمنح الجزيل،ويغفر الذنوب،ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات،إله هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها،وأبرّ بخلقه من أنفسهم.

إنه يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل.

إله يفرح بتوبة عبده أشد من فرحة الضال إذا وجد، والغائب إذا وفد،والظمآن إذا ورد.

ويتابع الشيخ القرضاوي:

“المؤمن الذي يعتصم بهذا الإله البر الرحيم،العزيز الكريم، الغفور الودود،ذي العرش المجيد،الفعال لما يريد،يعيش على أمل لاحدّ له،ورجاء لاتنفصم عراه.إنه دائماً متفائل، ينظر إلى الحياة بوجه ضاحك،ويستقبل أحداثها بثغر باسم،لابوجه عبوس قمطرير.

ويتابع:”إن الماديين يقفون عند السنن المعتادة،والأسباب الظاهرة، لايطمعون في شئ وراءها، أما المؤمنون فيعلون على ظواهر الأسباب،وينفذون إلى سر الوجود،إلى الله خالق الأسباب والمسببات،الذي عنده من الأسباب الباطنة مايخفى على إدراك عباده،فلماذا لاتتجه قلوبهم إليه حين تدّلهم الأزمات، وتستحكم الحلقات ويضيق على أعناقهم الخناق؟

إنهم يجدون فيه الملاذ في الشدّة، والأنس في الوحشة،والنصير في القلة.يتجه إليه المريض الذي استعصى مرضه على الأطباء، ويدعوه آملاً الشفاء.ويتجه إليه المكروب يسأله الصبر والرضا، والخلف من كل فائت، والعوض من كل مفقود.ويتجه إليه المظلوم آملاً يوماً قريباً ينتصر فيه على ظالمه. فليس بين دعوة المظلوم وبين الله حجاب.ويتجه إليه المحروم من الأولاد سائلاً أن يرزقه ذرية طيبة.وكل واحد من هؤلاء آمل في أن يجاب إلى ماطلب،ويحقق له ما ارتجى. فما ذلك على قدرة الله ببعيد وما ذلك على الله بعزيز”.

يقول الله تعالى:{والَّذينَ آمنوا وعملوا الصّالحاتِ وآمنوا بما نُزِّلَ على محمدٍ وهوَ الحقُّ من رَّبِّهم كفَّرَ عنهُم سيئاتِهم وأصلحَ بالَهُم}[محمد 2].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:”وإصلاح البال نعمة كبرى تلي نعمة ألغيمان في القدر والقيمة والأثر.والتعبير يُلقي ظلال الطمأنينة والراحة والثقة والرضى والسلام،وماذا بعد هذا من نعمة أو متاع؟ألا إنه الافق المشرق الوضىء الرّفاف”.

ويقول تعالى:{فمن يؤمنُ بِرَبِّهِ فلا يخافُ بَخساً ولا رَهقاً}[الجن 13].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:”وهي ثقة المطمئن إلى عدل الله،وإلى قدرته،ثم إلى طبيعة الإيمان وحقيقته…فالله سبحانه عادل.لن يبخس المؤمن حقّه،ولن يرهقه بما فوق طاقته،والله سبحانه قادر فسيحمي عبده المؤمن من البخس وهو نقص الاستحقاق  إطلاقاً،ومن الرهق وهو الجهد والمشقة فوق الطاقة.ومن ذا الذي يملك أن يبخس المؤمن أو يرهقه وهو في حماية الله ورعايته؟ولقد يقع للمؤمن حرمان من بعض أعراض هذه الحياة الدنيا،ولكن هذا ليس هو البخس،فالعوض عما يحرمه منها يمنع عنه البخس،وقد يصيبه الأذى من قوى الأرض،لكن هذا ليس هو الرهق،لأن ربه يدركه بطاقة تحتمل الألم وتفيد منه وتكبر به.وصلته بربه تهوِّن عليه المشقة فتمحضها لخير في الدنيا والآخرة.

المؤمن إذن في أمان نفسي من البخس والرهق.وهذا الأمان يولد الطمأنينة والراحة طوال فترة العافية،فلا يعيش في قلق وتوجس.حتى إذا كانت الضراء لم يهلع ولم يجزع،ولم تغلق على نفسه المنافذ…إنما يعدّ الضراء ابتلاء من ربه يصبر له فيؤجر.ويرجو فرج الله منها فيؤجر.وهو في الحالين لم يخف بخساً ولا رهقاً.ولم يكابد بخساً ولا رهقاً”.

ويقول تعالى:{وما يستوي الأعمى والبصير*ولا الظُّلماتُ ولا النُّورُ}[فاطر 19 ـ 20].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:”وبين طبيعة الكفر وطبيعة كل من العمى والظلمة والحرور والموت صلة.كما أن هناك صلة بين طبيعة الإيمان وطبيعة كل من النور والبصر والظل والحياة.

إن الإيمان نور،نور في القلب ونور في الجوارح،ونور في الحواس.نور يكشف حقائق الأشياء والقيم والأحداث وما بينها من ارتباطات ونسب وأبعاد.فالمؤمن ينظر بهذا النورننور الله.فيرى تلك الحقائق،ويتفاعل معها،ولا يخبط في طريقه ولا يلطش في خطواته.

والإيمان بصر يرى.يرى رؤية حقيقية صادقة غير مهزوزة ولا مخلخلة.ويمضي بصاحبه في الطريق على نور وعلى ثقة وفي اطمئنان.

والإيمان ظل ظليل تستر وجه النفس ويرتاح له القلب،ظل من هاجرة الشك والقلق والحيرة في التيه المظلم بلا دليل!

والإيمان حياة.حياة في القلوب والمشاعر.حياة في القصد والاتجاه.

كما أن الإيمان حركة بانية،مثمرة،قاصدة.لا خمود فيها ولا همود.ولا عبث فيها ولا ضياع.

والكفر عمى.عمى في طبيعة القلب،وعمى عن رؤية دلائل الحق.وعمى عن رؤية حقيقة الوجود.وحقيقة الارتباطات فيه.وحقيقة القيم والأشخاص والأحداث والأشياء.

والكفر ظلمة أو ظلمات.فعندما يبعد الناس عن نور الإيمان يقعون في ظلمات من شتى الأنواع والأشكال.ظلمات تعز فيها الرؤية الصحيحة لشىء من الأشياء.

والكفر هاجرة . حرور.تلفح القلب فيه لوافح الحيرة والقلق وعدم الاستقرار على هدف،وعدم الاطمئنان إلى نشأة أو مصير.ثم تنتهي إلى حر جهنم ولفحة العذاب هناك.

والكفر موت. موت في الضمير.وانقطاع عن مصدر الحياة الأصيل.وانفصال عن الطريق الواصل.وعجز عن الانفعال والاستجابة الآخذين من النبع الحقيقي،المؤثرين في سير الحياة”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(أمريكا التي عرفتـ الرسالة العدد957):

“أمريكا…تلك المساحات الشاسعة من الأرض بين الأطلنطي والباسيفيكي.تلك الموارد التي لا تنضب من المواد والخامات،ومن القوى والرجالزتلك المصانع الضخمة التي لم تعرف لها الحضارة نظيراً.ذلك النتاج الهائل الذي يعيا به العدو الإحصاء،تلك المعاهد والمعامل والمتاحف المبثوثة في كل مكان.عبقرية الإدارة والتنظيم التي تثير العجب والإعجاب.ذلك الرخاء السابغ كأحلام الجنة الموعودة.ذلك الجمال الساحر في الطبيعة والوجود والأجسام ،تلك اللذائذ الحرة المطلقة من كل قيد أو عرف.تلك الأحلام المجسمة في حيز من الزمان والمكان…

أمريكا هذه كلها…ما الذي تساويه في ميزان القيم الإنسانية؟وما الذي أضافته إلى رصيد البشرية من هذه القيم،أو يبدو أنها ستضيفه إليه في نهاية المطاف؟

لقد قابلوا الطبيعة بسلاح العلم وقوة العضلنفلم تثر فيهم إلا قوة الذهن الجاف،وقوة الحس العارم،ولم تفتح لهم منافذ الروح والقلب والشعور،كما فتحتها في روح البشرية الأولى،التي احتفظت بالكثير منها في عصر العلم،واضافت به إلى رصيدها من القيم الإنسانية الباقية على الزمان.

وحين تغلق البشرية على نفسها منافذ الإيمان بالدين،والإيمان بالقيم الروحية جميعاً،لا يبقى هنالك متصرف لنشاطها إلا في العلم التطبيقي والعمل،وإلا في لذة الحس والمتاع”.

ويقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله:

“إذا ابتلي العبد ببلية تحرك أولاً في نفسه بنفسه، فإن لم يتخلص منها استعان بغيره من الخلق كالسلاطين وأرباب المناصب وأبناء الدنيا، وأصحاب الأموال، وأهل الطب في الأمراض والأوجاع، فإن لم يجد في ذلك خَلاصه، رجع حينئذ إلى ربه بالدعاء والتضرع والثناء. فمادام يجد عند نفسه نصرة لم يرجع إلى الخلق، ثم مادام يجد عند الخلق نصرة لم يرجع إلى الخالق، ثم إذا لم يجد عند الخالق نصرة، استطرح بين يديه مديماً للسؤال والدعاء والتضرع والثناء، والافتقار مع الخوف منه والرجاء.ثم يعجزه الخالق عز وجل عن الدعاء ولم يجبه، حتى ينقطع عن جميع الأسباب، فحينئذ ينفد فيه القدر، ويفعل الفعل، فلايرى إلا فعل الحق عز وجل فيصير موقناً موحداً ضرورة، ويقطع أن لافاعل عن الحقيقة إلا الله، ولامحرك ولامسكن إلا الله،ولاخير ولاشر، ولاضرر ولانفع، ولاعطاء ولامنع، ولافتح ولاغلق، ولا موت ولاحياة، ولاعز ولاذل، ولاغنى ولافقر، إلا بيد الله، فيصير حينئذ كالطفل الرضيع في يد الظئر، والميت الغسيل في يد الغاسل، والكرة في صولجان الفارس، فلا يرى غير مولاه ، ولايسمع ولايعقل من غيره”.

ويقول الشيخ عبد الله الخياط :

“إن ثقة المؤمن بربه، ويقينه بأنه المتولي لأموره، وأنه مصدر كل خير وكاشف كل ضر، لاتتركه نهباً للوساوس والأوهام، ولو عضّه الفقر أو نزل به الضر، فيقنط من رحمة الله وييأس من فرجه، بل على العكس تزيد من يقينه، فيتضرع إلى الله أن يكشف عنه. إن إحساس المؤمن بحفظ الله له، وأنه يستمع إليه إذا شكا، ويجيبه إذا ناداه، ويأخذ بيده إذا كبا، ويمده إذا ضعف، ويعينه إذا احتاج، يملأ النفس سكينة وراحة، ويخلق فيها القوة والعزم والثقة بالله والرضا عنه”.

ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:

“الرضا نعمة روحية جزيلة، هيهات أن يصل إليه شاك بالله أو مرتاب في جزاء الآخرة،إنما يصل إليها من قوي إيمانه بالله، وحسُن اتصاله به، وقد خاطب الله رسوله بقوله:{فاصبر على مايقولون وسَبّح بحمد ربِّكَ قبلَ طلوعَ الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبّح وأطراف النهار لعلّكَ ترضى}[طه 130]، وأثنى الله على عباده المؤمنين بقوله:{ رَضيَ اللهُ عنهم ورَضوا عنه}[المائدة 119].

المؤمن راض عن نفسه، عن وجوده ومكانه في الكون، لأنه يعلم أنه ليس ضارة ضائعة، ولاكماً مهملاً، ولاشيئاً تافهاً، بل هو قبس من نور الله ونفخة من روح الله، وخليفته في أرضه.

وهو راض عن ربه، لأنه آمن بكماله وجماله،وأيقن بعدله ورحمته، واطمئن إلى علمه وحكمته،أحاط سبحانه بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا، ووسع كل شئ رحمة ،لم يخلق شيئاً لهوا،لم يخلق شيئاً سُدى، له الملك وله الحمد، نعمه عليه لاتُعد، وفضله عليه لايُحد، فما به من نعمة فمن الله، وما أصابه من حسنة فمن الله،وما أصابه من سيئة فمن نفسه…يُردد المؤمن هذا الثناء الذي ردّده من قبل أبونا إبراهيم خليل الرحمن:{الذي خلقني فهو يهدين*والذي هو يطعمني ويَسقين*وإذا مرضت فهو يشفين*والذي يُميتني ثمّ يُحيين*والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}[الشعراء 78 ـ 82].

المؤمن مُوقن تمام اليقين أن تدبير الله تعالى له أفضل من تدبيره لنفسه،ورحمته تعالى به أفضل من رحمة أبويه به، ينظر في الأنفس والآفاق فيرى آثار برّه تعالى ورحمته، ينادي ربه:{بيدكَ الخير إنّكَ على كلِّ شئٍ قدير}[آل عمران 26]،”الخير بيديك، والشر ليس إليك“[جزء من حديث رواه مسلم]، وما يظنه الناس شراً في الوجود ليس هو شراً في الحقيقة، وإذا كان لابد من تسميته شراً فإنما هو شرّ جزئي مغمور في جانب الخيرالكلي العام،وهذا الشر الجزئي اقتضاه التكافل بين أجزاء هذا الوجود”.

2ـ الأعمال الصالحة :

والطاعة المتجددة الدائمة، يقول تعالى:{من عملَ صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنُحيّينهُ حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون}[النحل 97].

فالحياة الطيبة في الدنيا هي السعادة والإطمئنان،وكما يقول ابراهيم بن أدهم رحمه الله:”والله إننا لفي نعمة لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف”.

يقول الشيخ ابن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنويرفي قوله تعالى:{والذين أمنوا وعملوا الصالحات وأمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}[محمد2]، يقول:

“البال: يطلق على القلب أي العقل ومايخطر للمرء من التفكير.وإصلاح البال يجمع الأمور كلها ، فالتوحيد أصل صلاح بال المؤمن ومنه تنبعث القوى المقاومة للأخطاء والأوهام التي تلبس بها أهل الشرك وحكاها عنهم القرآن في مواضع كثيرة، والمعنى أقام أنظارهم وعقولهم فلايفكرون إلا صالحاً ولايتدبرون إلا ناجحاً.وجاء في تفسير آخر: بالهم: أصلح أحوالهم وشؤونهم وخواطرهم لأن البال يطلق لغة على الحال والشأن والخاطر”.

3ـ ذكر الله تعالى:

يقول تعالى:{الذين آمنوا وتطمئنُ قُلوبُهم بذكرِ الله ألا بذكرِ الله تطمئنُ القلوب}[الرعد28].

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله (في المنار العدد452):

“وللذكر المحض فوائد كثيرة في تغذية الإيمان ومراقبة الله تعالى وحبه والخشوع له والرغبة فيما عنده واحتقار مصائب الدنيا وقلة المبالاة والتألم لما يفوت المؤمن من نعيمها،ولذلك ورد في الحديث الصحيح:”من نزل به غم أو كرب أو أمر مهم فليقل:لا إله إلا الله العظيم الحليم،لا إله إلا الله رب العرش العظيم،لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم“[رواه الشيخان والترمذي والنسائي]”.

ويقول الأستاذ عبد الوهاب خلاف العلامة الفقيه رحمه الله(مجلة كنوز الفرقان العدد 3و4 يناير 1950) تحت عنوان ” ألابذكر الله تطمئن القلوب“:

“سعادة الإنسان في هذه الحياة في اطمئنان قلبه،وراحة باله، واستقرار خواطره،وقد أرشد الله عباده في كلمة موجزة حكيمة إلى الوسيلة التي تحقق لهم هذه السعادة وتقيهم من عذاب القلق والاضطراب، وآلام الجزع والهلع، وشقاء الشك والارتياب، فقال جل ثناؤه وهو أصدق القائلين:{ألا بذكر الله تطمئنُ القلوب}[الرعد28].

وذكر الله الذي تطمئن به القلوب، ليس هو مجرد ترديد اللسان لإسم من أسمائه،أو صفة من صفاته، وإنما هو تذكير ألوهيته وعظمته، واستشعار رأفته ورحمته، وقهره وعزته، واستحضار حكمته في سننه، وعدالته في قضائه.

فمن راض نفسه على أن يتذكر ربه في جميع حالاته: في سرائه وضرائه، وفي شدته ورضائه، وفي صحته وسقمه، وفي طاعته ومعصيته، أسند كل أمر إلى مصدره واطمأن إلى حكمة الله فيما نزل به، فسّكن قلبه، واستراح من الهمّ والحزن على مافاته، ومن الزّهو والبطر بما جاءه، وأمِن متاعب القلق والاضطراب.

ـ فإذا أبتلي بفقد عزيز عليه، أو بكارثة نزلت به، وتذكر ربه وأن كل ماكان وما يكون، إنما هو مقتضى إرادته ونفاذ لحكمه، وإنه لارادّ لما أراده، ولامعقب لحكمه، واطمأن قلبه، وسكن إلى ماقضى به ربه، وسلم واستسلم، ولم يجد في صدره حرجاً مما أراد الله،ولا اعتراضاً على ماحكم به الله، وفي هذا الاطمئنان عزاء وسلوان، ورضا وراحة بال.

قال تعالى:{ما أصابَ من مصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبلِ أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد22].

ـ وإذاخسر التاجر في تجارته، أو خاب العامل في سعيه، أو رسب الطالب في امتحانه، أو فات الإنسان أي خير كان يرجوه، وتذكّر ربه، وأنه لن يصيب أحداً إلا ماكتبه الله له، وإن يرده بخير فلا رادّ لفضله، اطمأن قلبه إلى أن مافاته لم يكن له،وإلى أنه لو كان له مافاته، وفي هذا راحة من الاسترسال في الهم والحزن ووقاية من السخط واليأس.

قال تعالى:{مايفتحِ اللهُ للناسِ من رحمةٍ فلا مُمسكَ لها ومايُمسك فلا مُرسلَ له}[فاطر2].

ـ وإذا أوتى الإنسان نعمة وزاده الله بسطة في الرزق والعلم، أو العافية أو الثراء أو الجاه، وتذكّر ربه، وأن هذا الذي ينعم فيه ـ إنما هو من فضل الله عليه وإحسانه إليه ـ اطمأن قلبه إلى رحمة الله وكرمه، وانطلق لسانه بحمده وشكره، وشكر النعمة يزيد المنعم كرماً وإحساناً.

قال تعالى:{لئن شكرتُم لأزِيدَنكم ولئِن كفرتُم إنّ عذابي لشديد}[إبراهيم 7].

ـ وإذا وفق الإنسان إلى طاعة ربه والعمل بما يرضيه، وتقرّب إليه وتذكر ربه، وأنه لايضيع أجر من أحسن عملاً، وأنه يجزي العامل على نيته، وأنه ينظر إلى القلوب والسرائر، لا إلى الصور والمظاهر، أخلص في عمله، ووجّه وَجههُ لمن يهديه ويجزيه.

قال صلى الله عليه وسلم:”إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى“.

ـ وإذا وقع الإنسان في خطيئة أو اقترف إثماً وتذكّر ربه، وأنه غافر الذنب وقابل التوبة لم ييأس من رحمة الله، ووجد السبيل ممهدة للتوبة والإنابة، ورجاء العفو والمغفرة.

قال تعالى:{والذينَ إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفرُ الذنوبَ إلا الله}[آل عمران 135].

فتذكر الله وصفاته وآيات رحمته وقدرته، يحيى الضمير، وتستيقظ حاسة الخير، وتسكن النفس إلى الحقائق، وبهذا يطمئن القلب وتهون الشدة، ويستق الإنسان معونة ربه وتوفيقه.

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”مثل الذي يذكر ربه والذي لايذكر مثل الحيّ والميت“[رواه البخاري].

روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”يقول الله عز وجل:”أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني“.

ومن هذا نتبين الحكمة في أن الله أعد المغفرة والأجر العظيم، للذاكرين الله كثيراً والذاكرات. وعدّ أولى الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، وعدَّ ذكر الله أكبر من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر:{إنَّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاءِ والمُنكر ولذِكرُ الله أكبر}[العنكبوت 45].

وتتبين الحكمة في أن الله سبحانه توعدّ الغافلين عن ذكره، ونهى عن طاعتهم وإتباعهم، وأمرباجتنابهم والإعراض عنهم فقال عز شأنه:{ولاتُطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواهُ وكان أمرهُ فُرُطا}[الكهف28وقال سبحانه:{فأعرِض عن من تولى عن ذكرنا ولم يُرِد إلا الحياةَ الدنيا} [النجم29]، وقال جل ثناؤه:{ومن يَعْشُ عن ذِكرِ الرحمن نُقيّض له شيطاناً فهو له قرين}[الزخرف36].

ذلك لأن الغافل عن ذكر ربه لايستشعر آياته وصفاته في محنة ولانعمة ولافي طاعة ولامعصية يشقى حتى في النعمة ويضل حتى في الطاعة.

فإن أصابته محنة لم يجد ملجأ ولامفزعا وتضيق الدنيا في وجهه وتتراكم خواطر الشر والسوء في عقله، ويستولي عليه اليأس والقنوط، مصداق قول الله سبحانه:{ ومن أعرضَ عن ذكري فإنّ لهُ معيشةً ضنكاً}[طه124].

وإذا نالهُ خير استقبله بالأشر والبطر، والزهو والغرور،وفي غفلة عن ذكر الله يستخدم نعم الله لمعصيته، ولهذا يعرض النعمة للزوال، وفي الأثر يقول:”إذا رأيتم الله يعطي العبد مايحب وهو مقيم على معصيته، فإن ذلك منه استدراج، ثم تلا قوله تعالى:{فلما نَسوا ماذُكروا به فتحنا عليهم أبوابَ كلِّ شئٍ حتى إذا فَرحوا بما اُوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مُبلسون}[الأنعام44] (اي آسفون حزينون).

وإذا وفق إلى طاعته اغتر بظاهر عمله، ونسي أن لن يدخل أحد الجنة بعمله، إلا أن يتغمده الله برحمته، ويتقبل عمله بقبول حسن وإذا وقع في معصية استمرأ العصيان وأصرّ على مافعل، وران على قلبه ماكسبه.

فمن أراد الله له الخير، وفقّه إلى أن يكون على ذكر ربه في كل حالاته، فيحيا ضميره، ويطمئن قلبه، وتستيقظ حاسة الخير فيه، ومن أراد الله به السوء أغفل قلبه عن ذكره، فاستسلم لهواجسه، واستحوذت عليه وساوسه وشكوكه، وكان أمره فُرطاً ـ أي بعيداً عن الصواب ـ غير واقف عند الحدّ الذي حده ربه{من يهدِ الله فهوَ المُهتدِ ومن يُضلل فلن تجدَ لهُ ولياً مرشداً}[الكهف 17]. انتهى كلام الشيخ رحمه الله.

قراءة القرآن:

يقول تعالى:{ونُنزّلُ من القرآنِ ماهو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين}[الإسراء 82].

وقال تعالى:{ يا أيُّها الناسُ قد جاءتكُم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور وهدى ورحمةٌ للمؤمنين}[يونس57]، {قل هو للذين أمنوا هُدى وشفاء} [فصلت44].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الداء والدواء ص14):

يقول تعالى:{ وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمةٌ للمؤمنين}[الإسراء 82].

و”من” هنا لبيان الجنس لا للتبعيض:فإن القرآن كله شفاء، فهو شفاء للقلوب من الجهل والشك والريب، فلم ينزل الله سبحانه وتعالى من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن”.

ويمكن الرجوع إلى الموضوع بالتفصيل في مقال”إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا”.وموضوع “التداوي بين الطب واللإسلام”.

الدعاء والتسبيح:

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الداء والدواء ص15 ـ 16):

“وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلّف أثره عنه، إما لضعفه في نفسه ـ بأن يكون دعاء لايحبه الله لما فيه من العدوان ـ وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله  وقت الدعاء، فيكون بمنزلة  القوس الرخو جداً، فإن السهم يخرج منه خروجاً ضعيفاً، وإما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والشهوة واللهو وغلبتها عليه.

وجاء في مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:”ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة”.

إن الدعاء قد يكون وقائياً كما ذكرنا في الدعاء الذي يقي من الحزن والغم والهم، وكذلك الدعاء يكون علاجياً عندما يضيق الصدر ويعتمل الحزن في الصدر ويسيطر عليه وعندها فإن اللجوء إلى الدعاء يعتبر من المنجيات وانظر إلى قوله تعالى مخاطباً خير الأنبياء والرسل عندما ضاق صدره لعدم استجابة الكفار لدعوته:{ولقد نعلمُ أنّك يضيقُ صدرُكَ بما يقولون* فَسَبِّح بحمدِ رَبِّكَ وكُن منَ الساجدين *واعبدْ ربَّكَ حتَّى يأتيكَ اليقين}.[الحجر 97 ـ 99].

وانظر إلى الرسول العظيم الكريم عندما خرج إلى الطائف ولاقى من أهلها الخذلان والسخرية ورماه أطفالها بالحجارة حتى أدمت قدماه الطاهرتان، فماذا كان طريق الشفاء لهذه النفس الصابرة المؤمنة المتوكلة، كان اللجوء إلى الله خالق الأسباب والمسببات، والدعاء والتوجه إليه بقلب ملؤه الإيمان والاطمئنان إلى حكم الله وحكمته، والرضوخ عن ثقة ويقين بمشيئته، يتوجه الكريم إلى الرب العظيم قائلاً داعياً:

اللهم إني أشكو إليك  ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين ،أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكّته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولاحول ولاقوة إلا بك“.

يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص129):

“أي طمأنينة ألقيت في قلب محمد رسول الإسلام يوم عاد من الطائف دامي القدمين، مجروح الفؤاد،من سوء مالقي من القوم، فما كان منه إلا أن رفع يديه إلى السماء يقرع أبوابها بهذه الكلمات الحيّة النابضة التي دعا بها محمد ربه. فكانت على قلبه برداً وسلاماً”.

وجاء في سيرة ابن اسحق عن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه وأخزى أباه:”لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ذهب عكرمة فاراً منها، فلما ركب البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة فقال أهلها:ياقوم، اخلصوا لربكم الدعاء لايُنجي هاهنا إلا هو. فقال عكرمة: والله لئن كان لايُنجي في البحر غيره فإنه لايُنجي في البر أيضاً غيره، اللهم لك عليّ عهد لئن خرجت لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد فلأجدنه رؤوفاً رحيما. فكان كذلك.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

“وباب الاطمئنان، والطريق إلى بلوغ حلاوة الإيمان هو الدعاء، ادع الله دائماً، واسأله ماجلّ ودقّ من حاجتك،فإن الدعاء في ذاته عبادة، وليس المدار فيه على اللفظ البليغ، والعبارات الجامعة، وما يدعو به الخطباء على المنابر، يريدون إعجاب الناس بحفظهم وبيانهم،أكثر مما يريدون الإجابة، فإن هؤلاء كمن يتكلم كلاماً طويلاً في الهاتف، وشريط الهاتف مقطوع، بل المدار على حضور القلب، واضطرار الداعي، وتحقق الإخلاص، ورب كلمة عامية خافتة مع الإخلاص والاضطرار أقرب إلى الإجابة من كل الأدعية المأثورة تلقى من طرف اللسان”.

ويقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله (كتاب جدد حياتك ص18):

“إن صوت الحق يهتف في كل مكان ليهتدي الحائرون ويتجدد البالُون.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إذا مضى شطر الليل،أو ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول:هل من سائل فيُعطى؟ هل من داعٍ فيستجاب له؟هل من مستفغر فيُغفر له؟ ..حتى ينفجر الفجر”[رواه مسلم]. وفي رواية:” أقرب مايكون العبد من الربَّ في جوف الليل”[رواه الترمذي].

إنها لحظة إدبار الليل وإقبال النهار، وعلى أطلال الماضي القريب أو البعيد يمكنك أن تنهض لتبني مستقبلك.

ولا تؤودنّك كثرة الخطايا، فلو كانت ركاماً أسود كزبد البحر مابالى الله عزّ وجلّ بالتعفية عليها إن أنت اتجهت إليه قصداً وانطلقت إليه ركضاً.

إن الكُنود القديم لايجوز أن يكون عائقاً أمام أوبة صادقة{قل ياعباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمةِ الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم*وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له}[الزمر53 ـ 54].

وفي حديث قدسي عن الله عز وجل:”يا ابن آدم إنك مادعوتني ورجوتني غفرت لك على ماكان منك ولا أبالي.يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عَنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.يا ابن آدم لو أتيتني بقِراب الأرض خطايا ثم لقيتني لاتشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة”[رواه  الترمذي].

وهذا الحديث وأمثاله جُرعة تُحيي الأمل في الإرادة المخدّرة، وتُنهض العزيمة الغافية وهي خجلى لتستأنف السير إلى الله، ولتجدد حياتها بعد ماضٍ ملتوٍ مستكين.

ويتابع الشيخ الغزالي:

“لا أدري لماذا لايطير العباد إلى ربهم على أجنحة من الشوق بدل أن يُساقوا إليه بسياط من الرهبة؟

إن الجهل بالله وبدينه هو عِلّة هذا الشعور البارد،أو هذا الشعور النافر ـ بالتعبير الصحيح ـ مع أن البشر لن يجدوا أبرّ بهم ولا أحنى عليهم من الله عز وجل.

ومع هذا الضلال الذي خبطوا فيه فإن منادي الإيمان يهتف بهم أن عودوا إلى بارئكم.

إن فرحته بعودتكم إليه فوق كل وصف.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لله أفرحُ بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دَويّة مُهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته!! فطلبها، حتى إذا اشتدّ عليه الحرُّ والعطش، أو ماشاء الله، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت.. فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله أشدّث فرحاً بتوبة المؤمن من هذا براحلته“[رواه البخاري].

ويتابع الشيخ الغزالي:”إن أنبل الناس عِرقاً وأطهرهم نفساً قلما يجد فؤاداً يتلّهف على لقائه بمثل هذا الحنين. فكيف بخطاء أسرف على نفسه وأساء إلى غيره؟إنه لو وجد استقبالاً يستر عليه مامضى لكان بحسبه ذلك الأمان المبذول ليستريح ويشكر.أما أن يفاجأ بهذه الفرحة، وذلك الاستبشار، فذاك مايثير الدهشة.لكن الله أبرُّ بالناس وأسرُّ بأوبة العائدين إليه مما يظن القاصرون!!وطبيعيُّ أن تكون هذه التوبة نُقلة كاملة من حياة إلى حياة،وفاصلاً قائما بين عهدين متمايزين، كما يفصل الصبح بين الظلام والضياء.

إن هذه العودة الظافرة التي يفرح الله بها هي انتصار الإنسان على أسباب الضعف والخمول،وسحقه لجراثيم الوضاعة والمعصية، وانطلاقه من قيود الهوى والجحود، ثم استقراره في مرحلة أخرى من الإيمان والإحسان،والنضج والاهتداء”.

ويقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص299):

“أي سكينة يشعر بها المؤمن حين يلجأ إلى ربه في ساعة العسرة ويوم الشدة، فيدعوه بما دعا به محمد صلى الله عليه وسلم من قبل:”اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم.ربنا ورب كل شئ، فالق الحب والنوى.منزل التوراة والإنجيل والقرآن. أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. أنت الأول فليس قبلك شئ. وأنت الآخر فليس بعدك شئ.وأنت الظاهر فليس فوقك شئ. وأنت الباطن فليس دونك شئ.اقض عني الدين واغنني من الفقر“[رواه مسلم].

اللجوء إلى الاستغفار:

جاء في موسوعة السفير للمعارف الإسلامية:

الاستغفار في اللغة:

مصدر للفعل “استغفر”أي طلب المغفرة والستر.ومن أسماء الله تعالى:الغفور، والغفار، والغافر.وقد ورد لفظ”استغفار” وبعض مشتقاته في القرآن الكريم مرات عديدة، منها قوله تعالى:{وماكانَ استغفارُ إبراهيمَ لأبيهِ إلا عن موعدةٍ وعدها إياه}[التوبة114]، وقوله تعالى:{وماكان اللهُ لِيعذّبَهُم وأنتَ فيهم وما كان الله مُعَذِّبَهُم وهم يستغفرون}[الأنفال33].

كما ورد في السنة النبوية عدة مرات، منها مارواه ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لايحتسب”[رواه أبو داود].

والاستغفار من أرفع أنواع الذكر لله سبحانه، وله فضل عظيم، وقد أمر الله تعالى به كثيراً في كتابه العزيز وحثّ عليه، وأثنى على أهله، ومن ذلك قوله نعالى:{واستغفر لذنبكَ وسَبّح بحمدِ رَبِّكَ بالعَشيِّ والإبكار}[غافر55]، وقوله تعالى:{واستغفر الله إنَّ الله كانَ غفوراً رحيماً}[النساء106]، وقوله تعالى في صفة المؤمنين:{الصابرينَ والصادقينَ والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار}[آل عمران17].وقوله تعالى:{وبالأسحار هم يستغفرون}[الذاريات 18].

وقد داوم النبي صلى الله عليه وسلم على “الاستغفار”، وحث عليه في أحاديث كثيرة، منها:

مارواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة“[رواه البخاري].

وللاستغفار فوائد جمّة وآثار عظيمة،فهو يجلب سعة الرزق، وتفريج الكرب،وتكثير الولد، قال الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام:{فقلتُ استغفروا رَبّكم إنّهُ كانَ غفَّاراً*يُرسلِ السّماءَ عليكُم مِدراراً*ويُمدِدكُم بأموالٍ وبنينَ ويجعل لكُم جناتٍ ويجعل لكُم أنهاراً}[نوح 10 ـ 12].

ومن أعظم آثاره: أنه سبيل مغفرة الذنوب ورضوان الله تعالى عن المستغفر وإدخاله الجنة، ففيما روى أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول”قال الله تعالى:يا ابن آدم،إنك مادعوتني ورجوتني غفرت لك على ماكان فيك ولا أبالي.يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي،يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لاتشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة“[رواه الترمذي].

ويستحب أن يكون “الاستغفار” بالصيغ الواردة في القرآن الكريم والحديث الشريف. ومن ذلك ماورد في قوله تعالى:{رَبّنا ظلمنا أنفُسَنا وإن لم تغفر لنا وتَرحمنا لَنَكُونَنَّ من الخاسرين}[الاعراف23]، وقوله تعالى:{رَبّنا اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنينَ يومَ يقومُ الحِساب}[إبراهيم41].

ومما ورد في السنة الشريفة ماجاء في حديث شداد ابن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”سيد الاستغفار، أن يقول العبد:”اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت،خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ماصنعت ،أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لايغفر الذنوب إلا أنت“[رواه البخاري].

ومنها أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم:”من قال:”أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غُفر له،وإن كان قد فرّ من الزحف“[رواه أبو داود].

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في قوله تعالى:{الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار}[آل عمران 17].يقول رحمه الله:

“والمستغفرين بالأسحار” يجب أن نأخذ هذا الوصف بعد مجىء الأوصاف الأخرى في النفس البشرية.البداية هي إقرارهم بالإيمان،ودعاؤهم الحق سبحانه أن يغفر لهم وقد طلبوا الوقاية من عذاب النار،وصبروا،وصدقوا،وقنتوا في العبادة،وأنفقوا في سبيل الله،إن كل هذه الأوصاف تبرىء ذمتهم من أنهم مقصرون في حقوق إلههم لذلك فهم يأتون حال السكون بالليل،ويستغفرون الله.

إما أن يستغفر العبد لأنه قد فرطت منه هفوة في ذنب،وإما أن يستغفر لأنه لم يزد فيما يفعله من أمور الطاعة.وكلمة(بالأسحار) توضح لنا لحظات من اليوم يكون الإنسان فيها محل الكسل والراحة،إن الذي سوف يصحو في السحر لابد أن يكون قد اكتفى من الراحة،ولم يكن قد أخذ منه كد الحياة كل النهار،ثم إن بعضهم يأخذه لهو الحياة ليلا.

وهذا هو وجه الخيبة لما يحدث في زماننا.إن كد الحياة ـ إن أخذ ـ يأخذ نهارا،وبعد ذلك يأخذنا لهو الحياة ليلا،مما نشاهده من لهو الحديث،ولهو السهرات،وبعد ذلك يأتي الإنسان لينام متأخرا،فكيف نطلب من هذا الإنسان أن يصحو في السحر؟إن الذي يصحو في السحر هو من أخذ حظه في الراحة،فبعد أن جاء من كد العمل نام نوما هادئاً،ويصحو بعد ذلك في السحر ليذكر ربه،في الوقت الذي نام فيه غيره من الناس،لماذا؟لأن الحق سبحانه وتعالى في لحظة سكون الليل يوزع رحمته،وعندما يصحو إنسان في السحر ويدعو الله ويستغفره فإنه يأخذ من رحمة الله النازلة.وعندما يأخذ هذا العبد من رحمة الله النازلة في ذلك الوقت،فمعنى هذا أنه سيأخذ الكثير من رحمة الله.وإياك أن تقول:لو صحونا جميعاً في الأسحار لنفدت الرحمة والعطاء (لا) لأن الله قد قال:{ما عندكم ينفَد وما عند الله باقٍ}[النحل 96].

وجاء في تفسير الظلال لسيد قطب رحمه الله :

“كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون*وبالأسحار هم يستغفرون}،يقول رحمه الله:

“فهم الأيقاظ في جنح الليل والناس نيام،المتوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام لا يطعمون الكرى إلا قليلا،ولا يهجعون في ليلهم إلا يسيرا.يأنسون بربهم في جوف الليل فتتجافى جنوبهم عن المضاجع،ويخف بهم التطلع فلا يثقلهم المنام.

جاء في موقع صيد الفوائد(مقال وبالأسحار هم يستغفرون):

“إن سجود المحراب…واستغفار الأسحار..ودموع المناجاة بالليل…سيماء يحتكرها الخواص من المؤمنين…ولئن توهم الدنيوي جنته في الدنيا…في الدينار والدرهم،والنساء والقصر المنيف…فإن جنة المؤمن في محرابه….نعم يا محب…وبالأسحار هم يستغفرون…في آخر ساعات الليل…وفي الثلث الأخير منه بالتحديد…

لأهل الإيمان…وعباد الرحمن…وأهل الصيام والقيام…موعد مع ربهم ..الواحد الديان الرحمن الرحيم…شعارهم فيه “وبالأسحار هم يستغفرون”و”المستغفرون بالأسحار”.

يقول الحسن البصري رحمه الله:”مدّوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون”.وكان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي ثم يقول لمولاه نافع:”يا نافع:هل جاء السحر؟فإذا قال نعم،أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح”.ويقول الفضيل بن عياض:”بكاء النهار يمحو ذنوب العلانية،وبكاء الليل يمحو ذنوب السر”.وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله ويخفي ذلك…فإذا كان عند الصباح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة…

السحر وقت غافلات الغافلين..والوساد العريض للنائمين…يتعرض فيه أرباب العزائم للنفحات الرحمانية،والألطاف الإلهية،والمنح الربانية…حينئذ تكون العبادة أشق وأخلص،والنية أدق وأمحص..المستغفرون بالأسحار نجاتهم في مناجاتهم،وصلتهم في صلاتهم”.

7ـ الصبر على الابتلاء:

إن المؤمن يعلم ويدرك أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وأنها جُبلت على الآلام والمصاعب والأوصاب ، فهو يستقبل كل ذلك بما أودعه الله في صدره وقلبه من إيمان ويقين بنفس صابرة محتسبة، طمعاً في رحمة الله وفي ما أعدّه لعباده الصالحين من جنات النعيم حيث لامرض ولاوصب ولا ابتلاء.

يقول تعالى:{لقد خلقنا الإنسان في كبد}، وقال عز وجل:{ونبلوكم بالشر والخير فتنة}، وقال:{ ولَنبلونَّكُم بشئٍ من الخوفِ والجُوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفُسِ والثمراتِ وبَشِّرِ الصابرينَ* الذينَ إذا أصابتهُم مُصيبةٌ قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئكَ عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمةٌ وأولئك هُمُ المهتدون} [البقرة  155ـ157].

وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:”مايصيب المسلم من نصب ولا وصب ولاهم ولاحزن ولا أذى ولاغم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه“.

ويقول تعالى:{فإنّ مع العسر يُسرا* إنّ مع العسر يسرا}[الانشراح5 ـ 6]، فهذه الآيات الكريمة تبين بشكل صريح وواضح وبدون أدنى شك أنه مهما طال البلاء واستطال الداء فإن اليسر قادم وإنه لايمكن للعسر أن يغلب يسرين.فكم من نعمة في طي نقمة وكم من منحة في ثنايا محنة،وكم من ليالٍ حالكات طوال أتبعها ايام مشرقات تحمل بشائر الخير، وشآبيب الرحمة.

ويمكن الرجوع إلى الموضوع بشكل مفصل من خلال “سنة الابتلاء”.

العبادات: وخاصة منها الصلاة:

الصلاة: هي صلة العبد بربه حيث يقف الإنسان في خشوع وتضرع بين يدي مولاه الرحمن الرحيم، القادر المتحكم في أمور الحياة، خالق الأسباب والمسببات،الرازق المانع المعطي، فارج الكرب مزيل الهم. يدعوه ويتضرع إليه ويسأله رحمته وتيسير أموره…

إن الصلاة ووقوف العبد الصالح وبكل خشوع بين يدي ربه، بكل جوارحه وحواسه، وهو يناجيه ويدعوه تعطي الإنسان دفقاً روحياً ،وزخماً معنوياً ، وصفاءً نفسياً،لايمكن أن يصفه إلا من عاش هذه اللحظات الرائعة، حيث تسكب في قلبه الطمأنينة وتبعث في نفسه الحرّة السكينة، ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الشريف:” إذا حَزَبهُ أمر صلى“[رواه أبو داود]، وكان يقول لبلال الحبشي رضي الله عنه”يابلال أرحنا بالصلاة“[رواه أحمد].وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”جعلت قرّة عيني في الصلاة“[رواه النسائي والحاكم].

كما أن القرآن الكريم قد بيّن دور الصلاة في معالجة النفس القلقة الجزعة وخاصة لمن أقام الصلاة بشكل دائم وأداها بخشوع.

يقول تعالى:{ إنّ الإنسانَ خُلِقَ هلوعاً* إذا مسّهُ الشرُّ جزوعاً*وإذا مسّهُ الخيرُ منوعاً* إلاّ المصلينَ* الذينَ هم على صلاتهم دائمون*[المعارج 19 ـ 23].

وفي الحديث الشريف عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”الطّهور شطر الإيمان،والحمد لله تملأ الميزان،وسبحان الله والحمد لله تملأن ـ أو تملأ ـ مابين السموات والأرض،والصلاة نور، والصدقة برهان،والصبر ضياء،والقرآن حجة لك أو عليك. كلُّ الناس يغدو فبائع نفسه: فمعتقها أو موبقها“[رواه مسلم].

فالصلاة نور: أي هدى ورشاد، وهي نور لأصحابها يوم القيامة، وهي نور وهدى للمصلين في حياتهم وسلوكهم.

يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله(رسائل الإمام ص73):

“إن منزلة الصلاة من الإسلام منزلة الرأس من الجسد،فهي عماده ودعامته وركنه وشعيرته ومظهره الخالد وآيته الباقية،وهي مع ذلك قرة العين وراحة الضمير وأنس النفس وبهجة القلب والصلة بين العبد والرب،والمرفأة تصعد برقيها أرواح المحبين إلى أعلى عليين فتنعم بالأنس وترتع في رياض القدس وتجتمع لها أسباب السعادة من عالمي الغيب والشهادة.وتلك بارقة تسطع في نفس من قدح زنادها،وحلاوة يستشعرها من تذوق شهدها،وهل رأيت بربك أعذب وأحلى وأروع وأجلى من مظهر ذلك الخاشع الراكع الساجد القانت آناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه وقد نامت العيون وهدأت الجفون واطمأنت الجنوب في المضاجع وخلا كل حبيب بحبيبه ونادى منادي العارفين من المحبين:

سهر العيون لغير وجهك ضائع           وبكاؤهن لغير فقدك باطل

آه يا أخي،إن موقفاً واحداً من هذه المواقف أنفع للقلب وأفعل في النفس وأزكى للروح من ألف عظة قولية وألف رواية تمثيلية وألف محاضرة كلامية، وجرّب ترَ،ولأمر ما كان ذلك في لسان القرآن آية الإحسان{إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلاً من الليل مايهجعون وبالأسحار هم يستغفرون}[الذاريات 18].

ولأمر ما كان أجر هؤلاء سنيا خفيا{فلاتعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون}[السجدة 17]، ألم يكن عملهم خفياً كذلك،وهل تصلح الخلوات في حضرة الرقباء؟وهل يلذ لمحب في غير خلوة نجاء؟وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ولقد حدثوا أن أبا القاسم الجنيد رؤي بعد وفاته فقيل له:مافعل الله بك؟ فقال: طاحت الإشارات وفنيت العبارات وغابت العلوم وضاعت الرسوم وما نفعنا إلا رُكيعات كنا نركعها في جوف الليل.

لاتستغرب ـ أيها القارئ الكريم ـ فما نفع القلبَ خير من خلوة يدخل بها ميدان فكره،وما تزكت النفس بأفضل من ركعات خاشعات تجلو القلوب وتقشع صدأ الذنوب وتغسل درن العيوب وتقذف في القلب نور الإيمان وتثلج الصدر ببرد اليقين”.

قال تعالى:{تتجافى جُنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم يُنفقون}[السجدة 16].

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:

“التجافي:يعني الترك،لكن الترك قد يكون معه شوق ويصاحبه ألم،كما تودع حبيباً وتتركه وأنت غير زاهد فيه ولا قالٍ له،أما الجفوة فترك فيه كراهية للمتروك،فهؤلاء المؤمنون الذين يتركون مضاجعهم كأن جنوبهم تكره المضجع وتجفوه،لأنها تتركه إلى لذة أبقى وأعظم هي لذة الاتصال بالله ومناجاته.

والمضاجع هي آخر مرحلة من اليقظة،ولم تأتِ إلا بعد عدة مراحل من التعب،ومع ذلك شوق المؤمنين إلى ربهم ورغبتهم في الوقوف بين يديه سبحانه يُنسيهم هذه الراحة،ويزهدهم فيها،فيجفونها ليقفوا بين يدي الله”.

ويقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:”وهي صورة وضيئة للأرواح المؤمنة،اللطيفة،الشفيفة الحساسة المرتجفة من خشية الله وتقواه،المتجهة إلى ربها بالطاعة المتطلعة إليه بالرجاء،في غير ما استعلاء ولا استكبار.هذه الأرواح هي التي تؤمن بآيات اللهنوتتلقاها بالحس المتوفز والقلب المستيقظ والضمير المستنير.

إنهم يقومون لصلاة الليل،صلاة العشاء الآخرة.الوتر.ويتهجدون بالصلاة ودعاء الله.ولكن التعبير القرآني يعبر عن هذا القيام بطريقة أخرى”تتجافى جنوبهم عن المضاجع“.فيرسم صورة المضاجع في الليل تدعو الجنوب إلى الرقاد والراحة والتذاذ المنام.ولكن هذه الجنوب لا تستجيب وإن كانت تبذل جهداً في مقاومة دعوة المضاجع المشتهاة.لأن لها شغلاً عن المضاجع اللينة والرقاد اللذيذ.شغلاً بربها.شغلاً بالوقوف في حضرته.وبالتوجه إليه في خشية وفي طمع يتنازعها الخوف والرجاء.الخوف من عذاب الله والرجاء في رحمته.والخوف من غضبه والطمع في رضاه.والخوف من معصيته والطمع في توفيقه”.

ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد93):

“ولهذا سمي الدينُ(بالإسلام)،لأنه إسلام النفس إلى واجبها،أي إلى الحقيقة من الحياة الاجتماعية،كأن المسلم ينكر ذاته فيسلمها إلى الإنسانية تصرفها وتعتملها في كمالها ومعاليها،فلا حظ له من نفسه يمسكها على شهواته ومنافعه،ولكن للإنسانية بها الحظ.

وما الإسلام في جملته إلا هذا المبدأ:مبدأ إنكار الذات و(إسلامها)طائعة على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها،وكلما نكصت إلى منزعها الحيواني،أسلمها صاحبها إلى وازعها الإلهي.وهو أبداً يروضها على هذه الحركة مادام حيا،فينتزعها كل يوم من أوهام دنياها ليضعها مابين يدي حقيقتها الإلهية:يروضها على ذلك كل يوم وليلة خمس مرات مسماة في اللغة خمس صلوات،لايكون الإسلام إسلاماً بغيرها،فلا غرو كانت الصلاة بهذا المعنى كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم:هي عماد الدين.

بين ساعات وساعات في كل مطلع شمس من حياة المسلم صلاة،أي إسلام النفس إلى الإرادة الاجتماعية الشاملة القائمة على الطاعة للفرض الإلهي،وإنكار لمعانيها الذاتية الفانية التي هي مادة الشر في الأرض،وإقرارها لحظات في حيز الخير المحض البعيد عن الدنيا وشهواتها وآثامها ومنكراتها.ومعنى ذلك كله طرقاً تتشتت فيها الأرواح وتتبعثر،حتى تضل روح الأخ عن روح أخيه فتنكرها ولاتعرفها.

بالانصراف إلى الصلاة وجمع النية عليها،يستشعر المسلم أنه حطم الحدود الأرضية المحيطة بنفسه من الزمان والمكان،وخرج منها إلى روحانية لايحد فيها إلا بالله وحده.

وبالقيام في الصلاة،يحقق المسلم لذاته معنى إفراغ الفكر السامي على الجسم كله ليمتزج بجلال الكون ووقاره،كأنه كائن منتصب مع الكائنات يسبح بحمده.

وبالتولي شطر القبلة سمتها الذي لا يتغير على اختلاف أوضاع الأرض،يعرف المسلم حقيقة الرمز للمركز الثابت في روحانية الحياة،فيحمل قلبه معنى الاطمئنان والاستقرار على جاذبية الدنيا وقلقها.

وبالركوع والسجود بين يدي الله،يشعر المسلم نفسه معنى السمو والرفعة على كل ماعدا الخالق من وجود الكون.

وبالجلسة في الصلاة وقراءة التحيات الطيبات،يكون المسلم جالساً فوق الدنيا يحمد الله ويسلم على نبيه وملائكته ويشهد ويدعو.

وبالتسليم  الذي يخرج به من الصلاة يقبل المسلم على الدنيا وأهلها إقبالاً جديداً من جهتي السلام والرحمة.

هي لحظات من الحياة كل يوم في غير أشياء هذه الدنيا،لكبح الشهوات وتقييدها بين وقت وآخر بسلاسلها وأغلالها من حركات الصلاة،ولتمزيق الفناء خمس مرات كل يوم عن النفس،فيرى المسلم من وراءه حقيقة الخلود،فتشعر الروح أنها تنمو وتتسع.وهي خمس صلوات،هي كذلك خمس مرات يفرغ فيها القلب مما امتلأ به من الدنيا،فما أدق وأبدع وأصدق قوله صلى الله عليه وسلم:“جعلت قرةُ عيني في الصلاة”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال في قوله تعالى من سورة المعارج{إلا المصلين* الذين هم على صلاتهم دائمون}[المعارج22 ـ 23]:

“والصلاة فوق أنها ركن الإسلام وعلامة الإيمان، هي وسيلة الاتصال بالله والاستمداد من ذلك الرصيد. ومظهر العبودية الخالصة التي يتجرد فيها مقام الربوبية ومقام العبودية في صورة معينة.وصفة الدوام التي يخصصها بها هنا:”الذين هم على صلاتهم دائمون“..تعطي صفة الاستقرار والاستطراد، فهي صلاة لايقطعها الترك والإهمال والكسل وهي صلة بالله مستمرة غير منقطعة..وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل شيئاً من العبادة أثبته ـ أي داوم عليه ـ وكان يقول:”وإن أحبّ الأعمال إلى الله تعالى مادام وإن قل“[أخرجه الستة عن السيدة عائشة رضي الله عنها]… لملاحظة صفة الاطمئنان والاستقرار والثبات على الاتصال بالله،كما ينبغي من الاحترام لهذا الاتصال فليس هو لعبة توصل أو تقطع، حسب المزاج!

ويتابع: {والذين هم على صلاتهم يحافظون}[المعارج34]، وهي صفة غير صفة الدوام التي ذكرت. وهي تتحقق بالمحافظة على الصلاة في مواعيدها، وفي فرائضها، وفي سننها،وفي هيئتها،وفي الروح التي تؤدى بها. فلا يضيعونها إهمالاً وكسلا.ولايضيعونها بعدم إقامتها على وجهها..”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{يا أيُّها المُزَّملُ* قُمِ الليلَ إلا قليلاً}[المزمل 1 ـ 2]،يقول رحمه الله:

“وإن قيام الليل والناس نيام،والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفاسفها،والاتصال بالله،وتلقي فيضه ونوره،والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه،وترتيل القرآن والكون ساكن،وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود،في لحظة الترتيل  بلا لفظ بشري ولا عبارة ،واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي.إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل،والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل.وينير القلب في الطريق الشاق الطويل،ويعصمه عن وسوسة الشيطان،وعن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير.

{إنَّ ناشئةَ الليلِ هيَ أشدُّ وطأ وأقومُ قيلاً}[المزمل6].

ناشئة الليل” هي ما ينشأ منه بعد العشاء،والآية تقول:”هي أشد وطاً” أي أجهد للبدن،و”أقوم قيلاً” أي أثبت في الخير(كما يقول مجاهد)فإن مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش،بعد كدّ النهار،أشد وطأ وأجهد للبدن،ولكنها إعلان لسيطرة الروح،واستجابة لدعوة الله،وإيثار للانس به،ومن ثم فإنها أقوم قيلاً،لأن للذكر فيها حلاوته،وللصلاة فيها خشوعها،وللمناجاة فيها شفافيتها.وإنها لتسكب في القلب أنساً وراحةً وشفافية ونوراً،قد لايجدها في صلاة النهار وذكره…والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره،ويعلم ما يتسرب إليه وما يوقع عليه،وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحاً واستعداداً وتهيؤأً،وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيراً فيه”.

يقول تعالى:{واذكُرِ اسمَ رَبِّكَ بُكرةً وأصيلاً*ومن الليلِ فاسجُدْ لهُ وسَبّحهُ ليلاً طويلاً}[الإنسان 25 ـ 26].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:”هذا هو الزاد.اذكر اسم ربك في الصباح والمساء،واسجد له بالليل وسبحه طويلا…إنه الاتصال بالمصدر الذي نزّل عليك القرآن،وكلّفك الدعوة،هو ينبوع القوة ومصدر الزاد والمدد…الاتصال به ذكراً وعبادةً ودعاءً وتسبيحاً.ليلاً طويلاً…فالطريق طويل، والعبء ثقيل.ولا بد من الزاد الكثير والمدد الكبير.وهو هناك، حيث يلتقي العبد بربه في خلوة،وفي مناجاة،وفي تطلع وفي أنس،تفيض منه الراحة على التعب والضنى وتفيض منه القوة على الضعف والقلة.وحيث تنفض الروح عنها صغائر المشاعر والشواغل،وترى عظمة التكليف،وضخامة الأمانة،فتستصغر ما لاقت وما تلاقي من أشواك الطريق”.

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد288):

“إن غاية الحياة تتحقق كلها في الصلاة.فالصلاة اتصال بالله ،واستعداد لحياة الخلود.ثم إنها لذّة لا تعدلها إذا أقيمت على وجهها لذّة من لذائذ الدنيا،ولذلك عدّها النبي صلى الله عليه وسلم حين عدّد اللذائذ:الطيب والنساء والصلاةنليدل الناس على أنها من جنسها،وأنها راحة للنفس ومتعة،وليست تكليفاً شاقاً،ولا (مهمة )صعبة،وليست الصلاة ركوعاً وسجوداً،ورياضة فإن ذلك جسمها،والجسم لا يقوم إلا بالروح،فإذا خلت منها الصلاة كانت صلاة ميتة،لا تنهى عن فحشاء ولا منكر،ولا تشعر بلذة.أما روح الصلاة فهي أنك إذا طهرت أعضاءك بالماء،طهرت نفسك بالتوبة،وذلك هو الوضوء الحق،وإذا قمت إلى الصلاة وقلت:الله أكبر،خرجت من دنياك،وارتفعت عنها كمن يرتفع في طيارة،حتى تراها ـ كما هي في الحقيقة ـ ذرة صغيرة تافهة..ولم تخش عدواً،ولا شغلك حب حبيب ولا ملأ نفسك همّ ولا غمّ،ولا لذة ولا متعةنلأنك تتوجه إلى الله،والله أكبر من ذلك كله ،وبيده كل شيء،فأنت كمن يتصل بالوزير أو الحاكم المطلق،(ولله المثل الأعلى)فهل يفكر بين يديه بحاجة له عند موظف صغير،ويشتغل بذلك عن حديث الحاكم أو الوزير؟”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي أيضاً (الرسالة العدد59):

“يتوضأ،ثم يستقبل(الحرم) وينسى كل شيء إلا (الحرم)،ثم يخشى أن يشغله الحرم عن الصلاة،والصلاة انقطاع الدنيا الفانية،واتصال بجلال الله الباقي،فيرفع يديه ويقول:الله أكبر،ويدخل في الصلاة فينسى كل شيء،إلا الله الذي يقوم بين يديه.

ويستقبله إذا زال النهار،وقامت الدنيا على قدم وساق،تدعو أبناءها وعبادها،إلى ما أعدت لهم من اللهو واللعب،فاستبقوا إليع،واقتتلوا عليه….معرضاً عن نداء الدنيا،مجيباً داعي الله،فيقوم بين يدي رب العالمين،مولياً وجهه شطر المسجد الحرام،تاركاً وراء ظهره الدنيا وما فيها!

ويستقبله إذا أخذت نفسه حظها من طعامها وشرابها وراحتها وقنعت من الدنيا بما نالت منها ـ وما الدنيا إلا ما يملأ بطناً،ويكسو جسماً،ويريح نفساً…يستقبله حامداً شاكراً.

(الحمد لله رب العالمين،الرحمن الرحيم،مالك يوم الدين،(يوم لا ينفع مال ولا بنون،إلا من أتى الله بقلب سليم)إياك نعبد وإياك نستعين(لا نعبد غيرك،ولا نخشى سواك،ولا نرجو النفع إلا منكنولا نخاف الضر ممن دونك.أنت الضار وأنت النافع،وأنت المعطي،وأنت المانع،لا معطي لما منعت ،ولا مانع لما أعطيت ،ولا يجير عليك من نبي ولا ولي،ولا يشفع عندك إلا بإذنك ملك ولا رسول).

ويستقبله إذا أطفىء المصباح الأعظم،وغطى الليل بسواده الفاحم على بهاء الدنيا وجمال الأصيل،فلا تشغله الرياض والجنان ،ولا الورود والثمار،عن واد غير ذي زرع،عند بيت الله المحرم.

ويستقبله إذا عمّ الظلام ونام الكون،وأقبل على الفراش يسلم روحه إلى خالقها.لا يدري أتعود أم تبقى في عالم الخلود.فيكون(الحرم)آخر ما يقبل عليه ويذكره من هذه الدنيا”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي(البواكير ـ الصلاة وأسرارها):

“ولو أقمنا الصلاة على وجهها وفهمناها على حقيقتها لنهتنا عن الفحشاء والمنكر وأصلحت لنا أمرنا كله.وأيّ منكر يُقدم عليه من لايغيب عن الله طرفة عين،ومن يقف خاشعاً خمس مرات كل يوم بين يدي رب العالمين الذي يعلم السرّ والخفي؟يفكر في عظمته وجلاله،فيتضاءل العالم في عينيه حتى يصبح ـ بجانب ما يفكر فيه ـ كالحلم من الحقيقة والفناء من البقاء،فلا يرى إلا الله الحي الباقي،فيسأله أن يارب{اهدنا الصراط المستقيم}ووفقنا إلى اطريق السويّ{صراط الذين أنعمت عليهم}فوفقتهم وهديتهم،فيجيب الله دعاءه ويمنحه ماطاب،لأنه قال:ادعوني ،ووعدنا بالاستجابة.

أي مسلم يذوق حلاوة الصلاة ثم يتأخر لحظة واحدة عن إجابة داعي الله إذ ينادي”حيّ على الصلاة،حيَّ على الفلاح” ولايدع عمله وشغله مهما عظم وكبر؟وماذا يضرّه تركه وهو ذاهب ليجيب داعي الله،والله قادر على أن يمنحه بدلاً عنه عشرة أمثاله؟ومن ترك شيئاً لله عوضه ىالله خيراً منه.

لو كنا نصلي الصلاة التي أمر بها ربنا إذن ما بقي فينا ـ والله ـ ضعيف ولا فقير ولا بائس.

والله لو كنا نبتدر باب المسجد حين نسمع الأذان مابقي فينا من يُخلف الوعد أو يكذب إذا قال،لأننا نكون اقوياء الإرادة حافظين للمواعيد.ولو كنا نسبغ الوضوء لكل صلاة ونأتي بسننها ونوافلها ما بقي فينا مريض ولا واهن القوى،لأنها تقوّي أجسامنا  وتشحذ أدمغتنا،وتثبتنا وتشد من أزرنا.ولو كنا ندرك الحكمة من صلاة الجماعة ونتذاكر في شؤون المسلمين وأحوالهم وما وقع لهم وعليهم،مانزلت بنا هذه النكبات التي نضجّ اليوم بالشكوى منها ولا نطيق لها دفعاً.

الصلاة مِلاك الإسلام وعموده،فحافظوا عليها وأقيموها لأول أوقاتها،لا تؤخروها،واخشعوا فيها واطمئنوا،واذكروا أنكم واقفون بين يدي خالقكم الذي يعلم سركم ونجواكم”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(البواكير ـ مقال:الصلاة)ـ نشر عام 1931:

“الصلاة رياضة،ولكنها رياضة للنفس الخالدة لا لهذا الجسد الفاني،هي اتصال بالله وانقطاع عن هذا العالم،وإن المصلي لايزال يرى الدنيا تتضاءل في عينيه وتصغر حتى لايبقى لها من أثر،فلا يفكر إلا في الله جلّ وعزّ،مؤمناً بأنه ليس في الوجود من يقدر على نفعه وضرّه إلا هو،ويستقر هذا الإيمان في نفسه ثم يفيض على لسانه فيقول:”لا إله إلا الله”،أي لا موجود غيره يؤثّر في هذا الكون،فلأرجعنَّ إليه ولأقفنّ ببابه وعند أمره ونهيه،فإذا فعلت أغناني وأرضاني وأبلغني من كل شيء ما أريد.

هذه هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر،فلا يُقدم عليهما من يعلم أن الله مطّلع عليه وأنه سيقف عما قليل بين يديه،وأنه إن سأل عباده ولم يسأله كان كالذي يدخل على الملك فلا يسأله حاجته ثم يخرج فيتوسل إلى خادمه ويطلبها منه،ولا يقدر عليها هذا إلا بأمر سيده!

لقد اختلفوا في عقاب تارك الصلاة،ولكن أكبر عقاب له هو حرمانه من هذه اللذة العظيمة،لذة الإيمان والاطمئنان التي لا توصف ولا تُدرك بوصف.

المصلي جريء شجاع،لا يرهب مخلوقاً ولا يطمع فيه لأنه يسمع صوت الخالق يدعوه أن سلني أُجبك،واطلب مني أُعطِك،وادعني أستجِب لك.أفتدع الله وتقصد العبد الضعيف؟

المصلي إنسان كامل رقيق الشعور حي العاطفة،لأنه يفيق كل يوم سَحَراً،والليل خاشع ساكن،والكون صامت هادىء لا يُسمع فيه إلا صدى صوت المؤذن العذب،فيرى جمال الطبيعة ويشهد ساعة التجلي والنور،في حين أن تارك الصلاة يغط في نومه غطيط البَكر!

المصلي صادق المواعيد قوي الإرادة،لأنه يريد النهوض،فيدع فراشه الوثير وما فيه من راحة ودفء ثم يعمد من فوره إلى الماء البارد،في حين أن تارك الصلاة يريد أن يقوم،فلا يزال يتمطّى كالكلاب ويقوم ويقعد كمن به مَسّ،فغذا ترك السرير استقبل الأريكة،وإذا قام عن الأريكة ابتدر الكرسي!

الصلاة ليست ركوعاً وسجوداً وقياماً وقعوداً،بل إن هذا كله بمثابة الجسد منها،أما روحها فهي الخشوع،فمن لم يخشع في صلاته كان كمن يرفع إلى الله جسداً ميتاً،ولا خشوع لمن عقله في بيته أو دكانه،وفي تجارته أو ولده.

وصلى الله على محمد،لقد كانت قرّة عينه في الصلاة”.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص127):

“ومن أسباب السكينة النفسية التي حرمها الماديون،ونعم بها المؤمنون، مايناجي به المؤمن ربه كل يوم من صلاة ودعاء.

فالصلاة لحظات ارتقاء روحي يفرغ المرء فيها من شواغله في دنياه،ليقف بين يدي ربه ومولاه ويثني عليه بما هو أهله، ويفضي إليه بذات نفسه،داعياً راغباً ضارعاً.وفي الاتصال بالله العلي الكبير قوة للنفس،ومدد للعزيمة، وطمأنينة للروح.

لهذا جعل الله الصلاة سلاحاً للمؤمن يستعين بها في معركة الحياة، ويواجه بها كوارثها وآلامها، قال تعالى:{يا أيها الذين أمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين}[البقرة 153]، وكان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حَزَّ به أمر فزع إلى الصلاة ولم تكن صلاته مجرد شكل أو رسم يؤدى،وإنما كانت استغراقاً في مناجاة الله،حتى أنه كان إذا حان وقتها قال لمؤذنه بلال في لهفة المتشوق واشتياق الملهوف:”أرحنا بها يابلال“..وكان يقول:”جعلت قرة عيني في الصلاة“.

ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص 197):

“هل ندع نفوس الناس تنساب في فجاج الحياة وحدها، وتتوغّل في متاهاتها،دون مولى يرعاها، ودون نصير يعضدها؟

إن الإنسان مهما ادّعى القوة ضعيف.

ومهما انفرد بنفسه فسوف تكتنفه الوحشة والحَيرة.

ومهما أكثر المسارب والمتشعبات التي يصل المرء إليها ثم لايدري: أيها يأخذ؟ وأيها يترك؟

وهو إن ضلّ الطريق يوماً في معضلة واجهته فقد يظل يتعسّف السير أياماً أو أعواماً من غير أن يبلغ غاية يستقر عندها.

لأنه يضرب ابتداءً على غير هدى؟!

ما أفقرنا إلى من يلهمنا الصواب، ويهدينا إلى الحق كلما اشتبهت علينا الأمور.

والإنسان مُعرّضٌ للآلام من كل ناحية فيه، إنه كمدينة مفتوحة يمكن أن تُدّك في أي وقت، ومن أي جهة.

والمرء إذا نظر إلى بدنه وجد أن كل ذرّة فيه يمكن أن تكون منفذاً لمرض عضال يبعثه على الأنين العالي.

وإذا نظر إلى شأنه كله وجد أنّ أي أمرٍ من أموره يمكن أن ينقلب عليه ليجرّ وراءه الشقاء الطويل.

ما أفقرنا إلى استدامة النعمة، واتقاء النقمة،والاسترواح في الحياة إلى مايجعل الله في الحياة من يُسر وبركة وسكينة!!

إن هذا كله هو ماتكفله الصلاة للمؤمن.

إن الإسلام نظّم وقفات كريمة يناجي الإنسان فيها ربّه عدة مرات في اليوم الواحد.في هذه الوقفات يكلم الإنسان ربه، فيعترف أولاً بحمده ومجده،ثم يسأله بعد ذلك هداية تحفُّ النعمة ويجانبها السخط.في هذه الوقفات يقف الإنسان أمام ربه يستعينه ويسترضيه. يقف أمام ذي العلم الشامل ليكمّل قصور معرفته.وأمام ذي القدرة الهائلة ليكّمل مايعجز عنه حتماً لضعف قواه.

يقول الله تعالى ـ في حديث قدسي ـ :”قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين.فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي.وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليّ عبدي.وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجّدني عبدي.وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله: هذا عهد بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل.فإذا قال:اهدِنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، قال اله: لعبدي ما سأل“.[رواه أحمد].

إن الركض في ميادين الحياة بقدر مايجّلل البدن بالغبار والعرق يجعل

المرء ـ إثر كل شَوط طويل ـ يحتاج إلى ساعة يلمّ فيها شَعَثه، ويعيد النظافة والنظام إلى ماتعكّر وانتكث من شأنه كله.

وليست الصلاة إلا لحظات لاسترجاع هذا الكمال المفقود أو المنشود.

ويتابع:” فلاعجب إذا شرع الله الصلاة للناس كيما تنجيهم من هذا السعير بين الحين والحين.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن لله مَلَكاً ينادي عند كل صلاة: يابني آدم،قُوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها“.[رواه الطبراني].

ويتابع الغزالي:”الصلاة تَسَامٍ يرفع المرء إلى السماء كلّما أخلد إلى الأرض، ويصله بالله كلّما قطعته عنه أسباب الغفلة والذهول.

ويتابع رحمه الله:” والصلاة في الإسلام تعني شيئين، أحدهما خاص، والآخر عام.

أحدهما هذه الوجبات الروحية الموّزعة على آناء الليل وأطراف النهار متضمنة أفعالاً شتى من قراءة، وتسابيح، وخشوع، وتنزيه، وركوع، وسجود، وقيام، وقعود، وفق مارسم لها الشارع من صور وهيئات.

وهذه الصلاة ركن في الإسلام لايُعفى مؤمن من أدائها، وهي لقلبه ويقينه كالغذاء لجسمه.فمن حافظ عليها صحّ دينه، ورَبا إيمانه، وترّشح لغفران الله ورضوانه.ومن تهاون بها مع علمه بحقها وثمرتها تعرّض للضياع والهَلَكة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”خمس صلوات افترضهنّ الله، من أحسن وضوءهنّ وصلاهنّ لوقتهنَ، وأتم ركوعهنّ وسجودهنَ وخشوعهنّ كان له على الله عهدٌ أن يغفر له.ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه“.[أخرجه أبو داود].

أما من أهملها عن جحد واستهانة فهو أقل من أن ينسب إلى إيمان أو يحترم له دين.

وقد تعني الصلاة الدعاء المطلق.كلما ساورت الإنسان حاجةً، أو أقلقه همّ،أو هدّده مرض،أو أزعجته أزمة هرع إلى الله يستنجد به ويسأله الرحمة والعافية.والإسلام مشحون بمئات الأدعية المفصّلة كلها بين يدي الإنسان،ليجأر بها إلى الله كلما جاش بفؤاده شعور.والجميل أن الله يحبّ من عبده أن يطلب منه مايبتغي، وأن يسأله من فضله كيف شاء.بل إنّ الله يحذّر الإنسان من الاكتفاء بقواه الخاصة.فإنّ هذا القصور يحرم صاحبه بركات العناية العليا،ويسجنه طول حياته في حدود ضعفه وجهله.وفي الحديث القدسي:

“ياعبادي كلُّكم ضالٌ إلاّ من هديته، فاستهدوني أهدكم.

ياعبادي كلّكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم.

ياعبادي كلّكم عارٍ إلاّ من كسوته، فاستكسوني أكسُكُم.

ياعبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم”.[رواه مسلم].

أرأيت هذا الإلحاح في ردِّ الإنسان التائه إلى ربه ليتزّود منه، ويستقوي به، ويعتمد عليه؟إنه مايحرم من هذا الخير المبذول إلاّ شقي مسكين”.

وأما الصيام فإن له فوائده الجسمية والنفسية  ويمكن الرجوع إلى موضوع “رمضان حزين يا أمة الحق” حيث عولج الموضوع بشكل مفصل.

2 ـ التكافل والتضامن بين المسلمين

إن الدنيا وماتحمله بين ثنيات أيامها وأعطاف لياليها من كرب ومحن تجعل العبد المؤمن في حيرة من أمره، وقد تكون من الشدّة والحدّة بحيث تجعل الحليم حيرانا. ولكن مما يخفّف منها ويقلل من متاعبها وعذاباتها هو تضافر الأخوة المؤمنين ومساعدتهم من وقع في هذه الكروب والآلام والهموم بمختلف أشكالها وألوانها، ومحاولة إخراجهم منها وعدم تركهم وحدهم يتجرّعون الغصص ويغصون بالآلام، بل يقفون مع المتألم المصاب يشدون من أزره،ويعينونه على مانال به من حمله وثقله.

يقول تعالى:{المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}.وقال تعالى:{وألفَ بين قلوبهم لو أنفقت مافي الأرض جميعاً ما ألفتَ بين قلوبهم ولكنَ الله ألفَ بينهم}[الأنفال 63].وقال تعالى:{إنما المؤمنون إخوة}[الحجرات10].

وقال صلى الله عليه وسلم:”مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد ،إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.[متفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه].

وقال صلى الله عليه وسلم:”المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضه بعضا”.[متفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه“[رواه مسلم وأبو داود].

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”المسلمون تتكافا دماؤهم ويسعى بذّمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم. يردُّ مشدُّهم على مُضعفهم ومتسّريهم على قاعدهم، لايقتل مؤمن بكافر، ولاذو عهد في عهده“. [أخرجه أبو داود]

(المشدّ: الذي تكون دوابه شديدة قوية، والمضعف: دوابه ضعيفة، أي أن القوي يساعد الضعيف. المتسري: الذي يخرج في السرية).

وجاء في حديث الوحي مايبين الصفات الحميدة والخصلات الجميلة التي كان يتحلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة والنبوة.حيث جاء في حديث الوحي أنه عندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وأرضاها فقال:زملوني زملوني!فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوع،فقال لخديجة ـ وأخبرها الخبر ـ :لقد خشيتُ على نفسي قالت خديجة:كلا،والله ما يخزيك الله أبداً،إنكَ لَتصِلُ الرَّحم وتَحمِلُ الكَلَّ،وتَكسِبُ المعدوم،وتَقري الضيف،وتُعينُ على نوائب الحق”.

يقول الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله(المختار من كنوز السنة النبوية ص29):

“أقسمت السيدة خديجة على ذلك استناداً إلى ماعرفته من شريف خصاله التي يجمعها:نصرة الحق ومعونة الخلق.وقد قيل:“صنائع المعروف تقي مصارع السوء”.

“إنك لَتصلُ الرَّحم”:أي القرابة،وصلة الرحم:تكون بالإحسان إلى الأقارب بالمال وغيره من أنواع البرِّ  مَنْ وَصلها وصلَهُ الله ومن قطعها قطعه الله .

“وتحمل الكلَّ:أي العاجز الذي لا يستقلُّ بنفسه،بل يحتاج إلى عائل يعوله كاليتيم والضعيف.

“وتَكسب المعدوم”:أي تنال من المكارم ومعالي الأمور ما لايناه غيرك،لأنك سبّاقٌ إلى المكرمات،منقطع النظير فيها،أو تنال من الحظوظ في الأرزاق بالتجارة،وسَداد الرأي فيها ما لايناه غيرك،لأنك ميمون الطّلعة،مبارك الغُدوة والرَّوحة.

“وتقري الضيف”:أي تقدم له قِراه وهو مايلزم لضيافته.

وقد بيّنت السيدة خديجة في هذه الجمل الأربع شمول بِرِّه عليه السلام للقريب والبعيد والعاجز والقادر والمحروم والواجد.

“وتعين على نوائب الحق”:أي تساعد من نابته نائبةٌ تستحق المعاونة،أي يُقضي الحق بمعونته فيها.وهذه الجملة بعمومها تشمل ما ذُكر ومالم يُذكر من خصال البرِّ بالناس،كأنها قالت:وهلمَّ جرّا…ثم لا يخفى وجه التقييد بالحق،ففيه احترازٌ من عصبية الجاهلية التي لا يبالي المرءُ فيها بممالأة المستجير ظالماً أو مظلوماً،محقاً أو مبطلاً.

ويقول الأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا (مجلة المنار العدد 214 بتاريخ 26 إيلول عام 1904):

يقول تعالى:{ليسَ البِرَّ أن تولوا وجُوهَكُم قِبَلَ المشرقِ والمغربِ ولكنَّ البِرَّ من آمنَ بالله واليومِ الآخرِ والملائكةِ والكتابِ والنبيّينَ وآتى المالَ على حُبّهِ ذوي القُربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السّبيلِ والسّائلينَ وفي الرّقابِ وأقامَ الصلاة وآتى الزكاةَ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرينَ في البأساءِ والضّرّاءِ وحينَ البأس أولئكَ الذين صدقوا وأولئكَ همُ المُتّقون}[البقرة 177].

يقول الشيخ رحمه الله:”ثم ذكر الله تعالى بعد بيان أصول الإيمان أصول الأعمال الصالحة التي هي ثمرته وبدأ بأقواها دلالة عليه فقال{وآتى المال على حبه}أي وبذل المال لأجل حبه تعالى أو على حبه إياه أي المال.قال الأستاذ الإمام(يعني الشيخ محمد عبده) وهذا الإيتاء غير إيتاء الزكاة الآتي وهو ركن من أركان البر وواجب كالزكاة وذلك حيث تعرض الحاجة إلى البذل في غير وقت أداء الزكاة بأن يرى الواجد مضطراً بعد أداء الزكاة أو قبل تمام الحول.وهو لا يشترط فيه نصاب معين بل هو على حسب الاستطاعة فإذا كان لايملك إلا رغيفاً ورأى مضطراً إليه في حال استغنائه عنه بأن لم يكن محتاجاً إليه لنفسه أو لمن تجب عليه نفقته وجب عليه بذله.وليس المضطر وحده هو الذي له الحق في ذلك بل أمر الله تعالى المؤمن أن يعطي من غير الزكاة{ذوي القربى} وهم أحق الناس بالبر والصلة فإن الإنسان إذا احتاج وفي أقاربه غني فإن نفسه تتوجه إليه بعاطفة الرحم،ومن المغروز في الفطرة أن الإنسان يألم لفاقة ذوي رحمه وعدمهم أشد مما يألم لفاقة غيرهم،فإنه يهون بهوانهم،ويعتز بعزتهم،فمن قطع الرحم ورضي بأن ينعم وذوو قرباه بائسون، فهو برئ من الفطرة والدين، وبعيد من الخير والبر،ومن كان أقرب رحماً كان حقه آكد،وصلته أفضل،{واليتامى} فإنهم لموت كافلهم تتعلق كفالتهم وكفايتهم بأهل الوجد واليسار من المسلمين كيلا تسوء حالهم وتفسد تربيتهم فيكونوا مصاباً على أنفسهم وعلى الناس،{والمساكين} فإنهم لما قعد بهم العجز عن كسب ما يكفيهم وسكنت قلوبهم للرضى بالقليل، عن مد كف الذليل،وجبت مساعدتهم ومواساتهم على المستطيع،{وابن السبيل}المنقطع في السفر لا يتصل بأهل ولا قرابة حتى كأن السبيل أبوه وأمه ورحمه وأهله وهذا التعبير بمكان من اللطف لا يرتقي إليه سواه.وفي الأمر بمواساته وإعانته في سفره ترغيب من الشرع في السياحة والضرب في الأرض.{والسائلين} الذين تدفعهم الحاجة العارضة إلى تكفف الناس ، والسؤال محرم شرعاً إلا لضرورة يجب على السائل ألا يتعداها.{وفي الرقاب} أي في تحريرها وعتقها . وفي جعل هذا النوع من البذل حقاً واجباً في أموال المسلمين دليل على رغبة الشريعة في فك الرقاب واعتبارها أن الإنسان خلق ليكون حراً إلا في أحوال عارضة تقضي المصلحة العامة فيها أن يكون الأسير رقيقاً.

ويتابع الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله:”ومشروعية البذل لهذه الأصناف من غير مال الزكاة لاتتقيد بزمن ولا بامتلاك نصاب محدود ولا يكون المبذول مقداراً معيناً ، وإنما هو أمر مطلق بالإحسان موكول إلى أريحية المعطي وحالة المعطى”.

يقول تعالى:{والّذينَ جاءُوا من بَعدِهمْ يقولونَ رَبَّنا اغفِرْ لنا ولإخوانِنا الّذينَ سَبقونا بالإيمانِ ولا تجعلْ في قُلوبنا غِلاً للّذينَ آمنوا رَبَّنا إنَّكَ رؤوفٌ رحيمٌ}[الحشر 10].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:”هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار سمة نفوسهم أنها تتوجه إلى ربها في طلب المغفرة،لا لذاتها ولكن كذلك لسلفها الذين سبقوا بالإيمان،وفي طلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا على وجه الإطلاق،ممن يربطهم معهم رباط الإيمان،مع الشعور برأفة الله،ورحمته ودعائه بهذه الرحمة،وتلك الرافة”ربنا إنك رؤوف رحيم”.

وتتجلى من وراء تلك النصوص طبيعة هذه الأمة المسلمة وصورتها الوضيئة في هذا الوجود.تتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها،وآخرها بأولهانفي تضامن وتكافل وتواد وتعاطف.وشعور بوشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب،وتنفرد وحدها في القلوب،تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة،فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة،كما يذكر أخاه الحي،أو أشد في إعزاز وكرامة وحب.ويحسب السلف حساب الخلف.ويمضي الخلف على آثار السلف،صفاً واحداً وكتيبة واحدة على مدار الزمان واختلاف الأوطان،تحت راية الله تغذ السير صعداً إاى الأفق الكريم ،متطلعة إلى ربها الواحد الرؤوف الرحيم”.

يقول الاستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(عبقرية محمد):

“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على جبر القلوب،وتطبيب الخواطر،وتوخي المؤاساة، واجتناب الإساءة،يتفقد أصحابه كباراً وصغاراً ويسأل عنهم،ويتحدث إلى ذوي الأقدار،وعامة الناس،فلايحسب صغيرهم أن أحداً أكرم عليه منه ،ويتحدث إليه من شاء فلايقطع عليه حديثه،وإن طال،وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس،ومن جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف ،وما أخذ أحد بيده فأرسلها حتى يكون الآخذ  هو الذي يرسلها.ومن سننه التي اتبعها وأوصى بإتباعها،أن يجيب دعوة من دعاه،ولايرد دعوة عبد ولاخادم ولا أمة ولافقير، يبدأ من لقيه بالسلام ويمر بالصبيان فيقرئهم سلامه، وربما خفف صلاته إذا جاءه أحد وهو يصلي ليسأله عن حاجته ويلقاه بالتحية”.

ويقول الاستاذ محمد عبد الله دراز رحمه الله في كتابه”الدين”:

“إن الخدمة الجليلة التي تؤديها الأديان للجماعة،لاتقف عند تهذيب السلوك،وتصحيح المعاملة وتطبيق قواعد العدل،ومقاومة الفوضى والفساد فحسب،بل إن لها وظيفة إيجابية أعمق أثراً في كيان الجماعة. ذلك أنها تربط بين قلوب معتنقيها برباط من المحبة والتراحم،لايعدله رباط آخر من الجنس أو اللغة أوالجوار أوالمصالح المشتركة.بل إن هذه العلائق مجتمعة مهما يكن أثرها الظاهري من كفّ الأذى، وبذل المعروف المتبادل،تظل روابط سطحية تضم الأفراد،كما تضم الأعواد في ضغث،ولاتزال تتخللها الفجوات والثغرات والحواجز النفسية، حتى تشدها رابطة الإخوة في العقيدة والمشاركة في المثل العليا، فهناك تعود الكثرة وحدة،وتصبح النفوس كالمرايا المتقابلة،تنعكس صور بعضها في بعض،بل كثيراً ماتستغني هذه الوحدة الروحية عن سائر الوحدات الأخرى،فتنعقد بها أقوى الوشائج وأدومها، بين أفراد اختلفت أجناسهم، وتبا ينت لهجاتهم، وتباعدت ديارهم،وتفاوتت مصالحهم،وكثيراً مانرى في الدول التي تقوم على قاعدة المصالح المشتركة في الوطن بين ملل مختلفة تضطر إلى الاستنجاد بما في هذه الأديان كلها من مبدأ التعاون على الخير والتناصر على دفع عدوان المغيرين”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في مقال له بعنوان”نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام” يقول رحمه الله:

“لقد تعودنا حين نذكر(التكافل الاجتماعي) ونتحدث عن دور العقيدة الدينية فيه،أن تخطر ببالنا كلمات الإحسان،والصدقة والبر،وعلى الأكثر كلمة: الزكاة.

أريد أن أقرر أن هذه الكلمات، وماوراءها من مدلولات وماتلقيه حولها من صور وظلال،لاتمثل حقيقة الدور الذي تقوم به عقيدة كالعقيدة الإسلامية في ميدان التكافل الاجتماعي.

إن التكافل الاجتماعي في الإسلام نظام كامل، نظام لكل ماتحمله هذه الكلمة من معنى هذا النظام قد تدخل في عناصره مدلولات الإحسان والصدقة والبر والزكاة وما إليها،ولكنها هي بذاتها لاتدل على حقيقته،لأن حقيقته أوسع منها جميعا.إن هذه المدلولات هي بعض وسائل ذلك النظام، ولكنها ليست هو لأن الوسيلة غير الماهية.

إن نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام لايعني مجرد المساعدات المالية ـ أيا كانت صورتها ـ كما تعني مثلا كلمات الضمان الاجتماعي فالمساعدات المالية هي نوع واحد من المساعدات التي يعينها التكافل في الإسلام.ثم إنها هي وغيرها من المساعدات الأخرى ليست صلب النظام، إنما هي وسائل لتحقيقه.

والآن نجئ إلى بيان حقيقة نظام التكافل الاجتماعي كما عناه الإسلام.

لقد عني الإسلام بالتكافل الاجتماعي أن يكون نظاماً لتربية روح الفرد وضميره وشخصيته وسلوكه الإجتماعي،وأن يكون نظاماً لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها،وأن يكون نظاماً للعلاقات الإجتماعية بما في ذلك العلاقات التي تربط الفرد بالدولة، وأن يكون في النهاية نظاماً للمعاملات المالية، والعلاقات الاقتصادية التي تسود المجتمع الإسلامي”.

والبرُ عندكَ ذِمة وفريضة                        لا منة ممنونة وجباءُ

جاءت فوَحدّت الزكاةُ سبيلهُ                       حتى التقى الكرماءُ والبخلاءُ

أنصفتَ أهلَ الفقر من أهل الغنى                  فالكلُّ في حقِّ الحياة سواءُ

فلو أنَّ إنساناً تخيّرَ مِلة                           ما اختارَ إلا دينَكَ الفقراءُ

(شوقي)

ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص206):

“إن الأثرة الغالبة آفة الإنسان وغول فضائله.إذا سيطرت نزعتها على امرئ محقت خيره ونمت شره،وحصرته في نطاق ضيق خسيس لايعرف فيه إلا شخصه، ولايهتاج بالفرح أو الحزن إلا لما يمسه من خير أو شر.وقد حارب الإسلام هذه الأثرة الظالمة بالإخوة العادلة، وأفهم الإنسان أن الحياة ليست له وحده. وأنها لا تصلح به وحده، فليعلم أن هناك أناساً مثلهنإن ذكر حقه عايهم ومصلحته عندهم فليذكر حقوقهم عليه ومصالحهم عندهنوتذكر ذلك يخلع المرء من أثرته الصغيرة، ويحمله على الشعور بغيره حين يشعر بنفسه ،فلايتزيد ولايفتات.

من حق أخيك عليك أن تكره مضرته، وأن تبادر إلى دفعها،فإن مسّه ما يتأذى به شاركته الألم،وأحسست معه بالحزن،أما أن تكون ميت العاطفة قليل الاكتراث، لأن المصيبة وقعت بعيداً عنك فالأمر لايعنيك فهذا تصرف لئيم.وهو مبتوت الصلة بمشاعر الأخوة الغامرة التي تمزج بين نفوس المسلمين فتجعل الرجل يتأوه للالم ينزل بأخيه.والتألم الحق هو الذي يدفعك دفعاً إلى كشف ضوائق إخوانك،فلا تهدأ حتى تزول غمتها وتدبر ظلمتها. فإذا نجحت في ذلك استنار وجهك واستراح ضميرك.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”المسلم أخو المسلم لايظلمه ولايثلمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته.ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة. ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة“.

إن أعباء الدنيا جسام ،والمتاعب تنزل بالناس كما يهطل المطر فيغمر الخصب والجدب.والإنسان وحده أضعف من أن يقف طويلاً تجاه هذه الشدائد.ولئن وقف إنه لباذل من الجهد ما كان في غنى عنه لو أن إخوانه هرعوا لنجدته وظاهروه في إنجاح قصده ،وقد قيل:”المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 765):

“فتشوا حولكم عن هذه الطفولة المحرومة وهذه النفوس المعذبة،ثم أولوها الإحسان،وليست قيمة الإحسان بكثرة المال ،إن المال ينفع الفقير ولكنه لا ينزع من قلبه النقمة على الحياة،ولا يستل منها بغض الأغنياء ولا يملؤها بالحب.إن الذي يفعل هذا كله هو العطف،وأن تشعر الفقير بأنه مثلك،وأن تعيد إليه كرامته وعزّة نفسه.ورُبّ تحية صادقة تلقيها على سائل تكون أحبّ إليه من درهم،ودرهم تعطيه فقيراً وأنت تصافحه يكون آثر عنده من دينار تدفعه إليه متكبراً مترفعاً،يدك تمتد إليه بالمال،ووجهك يجرعه كأس الإذلال..إن كل غني يستطيع أن يتصدق بالكثير،ولكن غنى القلب بالإنسانية والنبل والحب،هو وحده الذي يستطيع أن يتصدق،مع المال،بالعاطفة المنعشة…فلا تضنوا على الفقراء بإنسانيتكم،ولا تبخلوا عليها بعطاء قلوبكم،وذكروهم أنهم لا يزالون معدودين من البشر،وأنهم مثلكم لأب واحد ولأمنلآدم وحواء،وأنهم لم ينحدروا إلى دركة الدواب والبهائم.

ذكروهم بهذه الحقيقة التي طالما نسيتموها أنتم،ونسوها هم أنفسهم.ولم لا ينسونها وهم يعيشون كما تعيش البهائم:ينامون مثلها على الأقذار،في الأكواخ والحقول،وفي الأزقة المعتمة،وفي الخرائب المهجورة،ويأكلون مثلها من فضلات الناس،ويشربون مثلها من البرك الآسنة،والأنهار العكرة،ولم ينالوا تعليماً يرفعهم عنها ولا مدنية تميزهم منها،يسهرون في عصر الكهرباء على السرج والقناديل،ويركبون في عهد الطيران على العربات التي تجرها الحمير،ويسكنون في الأكواخ على التراب في زمان ناطحات السحاب،ومن تشبه منهم بالناس المتحضرين،لم يكد يصل إلى مثل حضارة الغنسانية الأولى،يحلق مثل (الناس) ولكنه يقعد على الأرض،على رصيف الشارع،وبيده مرآة مكسورة يرى فيها وجهه،والصابون القذر يغطيه،وموسى الحلاق المفلولة تجري فيه،والدم ينبثق من نواحيه،ثم تمر على هذا الوجه البشري ممسحة لا ترضونها أنتم والله لمسح أحذيتكم.ويركبون مثلما يركب الناس،ولكن على عربات الكارو،والعشرة على متر مربع من الخشب،محمول على دولابين من الحديد يسحبه حيوان هزيل،والعربة ترتج بهم،فترقص معدهم ،وتزلزل أمعاءهم،ثم لا تصل بهم إلى نهاية الميل الواحد إلا بعد ساعة.ولهم قهوات،ولكن قهواتهم اصطبلات فيها ركائز تسمى مناضد أمامها عيدان تدعى كراسي.ولهم مطاعم ولكن مطاعمهم يقدم فيها المرض في طباق قذرة…

فتداركوهم قبل أن يكفروا بالإنسان ،فينقلبوا حرباً عليه ليس معها أمان.أشعروهم أنه لا يزال في الدنيا فضل وعدل ونبل.

إذا شئتم أن تذوقوا أجمل لذائذ الدنيا،وأحلى افراح القلوب،فجودوا بالحب وبالعواطف كما تجودون بالمال.”.

ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد397):

“أمر القرىن الكريم بالرحمة العامة والإحسان الشامل،الرحمة التي تنال القريب والبعيد والإنسان والحيوان،والإحسان الذي يعم الناس جميعاً ويشمل كل فعل وكل قول…

ثم خص ضروباً من الناس فوكد الأمر بالإحسان إليهم وكرر الوصية بالبرّ بهم،ومن هؤلاء ضعاف الناس من الفقراء واليتامى إذ كانوا أحوج إلى العطف،وأجدر بالبر،وأولى بالإحسان.

وممن وكد القرآن الأمر ببرهم والإحسان إليهم،ذوو القرابة لأن القريب أعرف بقريبه وأدنى إليه،ولأن الغحسان العام يبدأ بالقرابة ثم يتسع فيعم،ولأن مودة القرابة تمكن الأواصر بينهم وتشيع المحبة فيهمنوتقربهم إلى التعاون.ومن هذه المودة في القربى تستحكم روابط الأسرنومن الأسر تتألف الأمة متينة الأساس محكمة البناء.فمودة القربى دُربة على المودة العامة،وتمهيد للإحسان الشامل.والقطيعة بين الأقرباء فساد وإن صغر كبير،وشر وإن قل مستطير.

لذلك وكد كتاب الله الأمر بمودة ذوي القرابة وصلة الأرحام ولاسيما الوالدين.

عظم القرآن صلة الأرحام إذ قرن تقواها بتقوى الله تعالى فقال:{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}[النساء 1].وأمر بتوفية القرابة حقها إذ قال:{وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل}[الإسراء26].

وقرن قطع الأرحام بالإفساد في الأرض إذ قال:{فهل عَسَيتُمْ إن تَوَلَّيتُمْ أن تُفسدوا في الأرضِ وتُقَطِّعوا أرحامكم}[محمد 22].

وقد جاء في حديث الرسول صلوات الله عليه وسلامه:”إنّ الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت:هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم،أما ترضين أن أصِل من وصلك،وأقطع من قطعك؟قالت: بلى،قال:فذلك لك”،ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اقرؤوا إن شئتم:{فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم*أولئك الذين لعنهم الله فأصمَّهم وأعمى أبصارهم}[محمد 22 ـ 23][حديث متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه].وفي حديث آخر أن رجلاً قال:يارسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة،فقال القوم:ماله ماله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أرَبٌ ما لهُ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ذرها قال كأنه كان على راحلته”[متفق عليه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه].وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لا يدخل الجنة قاطع”قال سفيان في روايته:يعني قاطع رحم[متفق عليه عن أبي محمد جُبير بن مُطعم رضي الله عنه]”.

يقول تعالى:{فآتِ ذا القُربى حقَّهُ والمسكينَ وابنِ السبيلِ ذلكَ خيرٌ للّذينَ يريدونَ وجهَ الله وأولئكَ همُ المفلحونَ}[الروم38].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:”ومادامَ المال مال الله،أعطاه رزقاً لبعض عباده،فالله صاحب المال الأول قد قرر قسماً منه لفئات من عباده,يؤديها إليهم من يضع يده على ذلك المال،ومن ثم سماها حقاً.ويذكر هنا من هذه الفئات”ذا القربى والمسكين وابن السبيل”..ولم تكن الزكاة بعد قد حددت ولا مستحقوها قد حصروا.ولكن المبدأ كان قد تقرر.مبدأ أن المال مال الله،بما أنه هو الرازق به ،وأن لفئات المحتاجين حقاً فيه مقرراً لهم من صاحب المال الحقيقي،يصل إليهم عن طريق واضع اليد على هذا المال.

وهذا هو أساس النظرية الإسلامية في المال.وإلى هذا الاساس ترجع جميع التفريعات في النظرية الاقتصادية للإسلام.فما دام المال مال الله،فهو خاضع إذن لكل ما يقرره الله بشأنه بوصفه المالك الاول،سواء في طريقة تملكه أو في طريقة تنميته،أو في طريقة إنفاقه.وليس واضع اليد حرأً في أن يفعل به ما يشاء”.

ويقول الأستاذ عبد الرحمن عزام(الرسالة العدد705):

“وكتاب الله وحياة رسوله صلى الله عليه وسلم يفيضان بفضل الإنفاق في سبيل الله،واتخاذ الدنيا مطية للآخرة.ولم يكتف صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم بأن تكون دعوته موجهة بكل قوتها للبر بالفقراء والمساكين والضعفاء والمصابين والمعوزيننبل جعل البر بهم حقاً مفروضاً لا سبيل إلى المماطلة فيه،حتى أن العرب لما ارتدت عن دفع الزكاة عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ،ونصح الخليفة الأول بأن يداريهم،وقد تفاقم الشر،قال رضي الله عنه:”والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه”.اي أنه يوجه كل قوى الدولة لقتال قوم يمنعون حق الفقير فيما قيمته حبل يعقل به بعير”.

يقول الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير في قوله تعالى:{وفي أموالهم حقٌّ للسائل والمحروم}[الذاريات 19].

“وحق السائل والمحروم:هو النصيب الذي يعطونه إياهما،أطلق عليه لفظ الحق، إما لأن الله أوجب على المسلمين الصدقة بما تيّسر قبل أن يفرض عليهم الزكاة فإن الزكاة فرضت بعد الهجرة فصارت الصدقة حقاً للسائل والمحروم أو لأنهم ألزموا ذلك أنفسهم حتى صار كالحق للسائل والمحروم.

والسائل:الفقير المظهر فقره فهو يسال الناس، والمحروم:الفقير الذي لا يُعطى الصدقة لظن الناس أنه غير محتاج من تعففه عن إظهار الفقر، وهو الصنف الذي قال الله تعالى في شانهم:{يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف” وقال النبي صلى الله عليه وسلم:”ليس المسكين الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان، و التمرة والتمرتان،  ولكن المسكين الذي  لا يجد غنى

يغنيه،ولا يُفطن به فيتُصدق عليه،ولا يقوم فيسأل الناس“[رواه الشيخان].

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان،ولا اللقمة واللقمتان،وإنما المسكين الذي يتعفف”[رواه الشيخان]

وإطلاق اسم المحروم ليس حقيقة لأنه لم يسأل الناس ويحرموه ولكن لما كان مآل أمره إلى مايؤول إليه أمر المحروم أطلق عليه لفظ المحروم تشبيهاً به في أنه لا تصل إليه ممكنات الرزق بعد قربها منه فكأنه ناله حرمان.

والمقصود من هذه الاستعارة ترقيق النفوس وحثّ الناس على البحث عنه ليضعوا صدقاتهم في موضع يحب الله وضعها فيه ونظيرها في سورة المعارج”.

ويقول تعالى:{والّذينَ في أموالِهمْ حقٌّ معلومٌ*للسائلِ  والمحرومِ}[المعارج 24 ـ 25].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:”وهي الزكاة على وجه التخصيص والصدقات المعلومة القدر.وهي حق في أموال المؤمنين..أو لعل المعنى أشمل من هذا وأكبر.وهو أنهم يجعلون في أموالهم نصيباً معلوماً يشعرون أنه حق للسائل والمحروم.وفي هذا تخلص من الشح واستعلاء على الحرص.كما أن فيه شعوراً بواجب الواجد تجاه المحروم،في هذه الأمة المتضامنة المتكافلة…

والسائل الذي يسأل والمحروم الذي لا يسأل ولا يعبر عن حاجته فيحرم. أو لعله الذي نزلت به النوازل فحرم وعف عن السؤال.والشعور بأن للمحتاجين والمحرومين حقاً في الأموال هو شعور بفضل الله من جهة،وبآصرة الإنسانية من جهة،فوق مافيه من تحرر شعوره من ربقة الحرص والشح.وهو في الوقت ذاته ضمانة اجتماعية لتكافل الأمة كلها وتعاونها.فهي فريضة ذات دلالات شتى،في عالم الضمير وعالم الواقع سواء.وذكرها هنا فوق أنه يرسم خطاً في ملامح النفس المؤمنة فهو حلقة من حلقات العلاج للشح والحرص في السورة”.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 449 بتاريخ التاسع من شباط عام 1942م):

“عالج الإسلام الفقر علاج من يعلم ـنه أصل كل داء ومصدر كل شر.وقد أوشك هذا العلاج أن يكون بعد توحيد الله أرفع أركان الإسلام شأناً،وأكثر أوامره ذكراً،وأوفر مقاصده عناية.ولو رحت تستقصي مانزل من الآيات وورد من الأحاديث في الصدقات والبر،لحسبت أن رسالة الإسلام لم يبعث الله بها محمداً صلى الله عليه وسلم آخر الدهر إلا لتنقذ الإنسانية من غوائل الفقر وجرائر الجوع.وحسبك أن تعلم أن آي الصيام في الكتاب أربع ،وآي الحج بضع عشرة،وآي الصلاة لاتبلغ الثلاثين،أما آي الزكاة والصدقات فإنها تُربي على الخمسين.

ويتابع رحمه الله:”ولم يقف الإسلام في علاج الفقر عند فرض الزكاة،وإنما شرع للبر في العبادات والمعاملات موارد لا يأسن لها مَعين ولاينقطع عنها رافد:

يحنث الرجل في يمينه فيكفر بإطعام عشرة مساكين من أوسط مايطعم أهله،أو كسوتهم،أو تحرير رقبة.

ويقسم ألا يفعل شيئاً،ثم يرى أن فعله خير من تركه فيكفر بإطعام المساكين ثم يفعله.

ويظاهر من زوجه ثم يبدو له أن يعود،فيطعم ستين مسكيناً أو يحرر رقبة.

ويرمي فيقتل نفساً من غير عمد،فيطعم أو يعتق فضلاً عن أداء الدية.

ويعجز عن صوم رمضان،لسقم أو هَرم ن،فيفطر ويطعم كل يوم مسكيناً.

ويفطر عامداً في رمضان من غير علة،فيطعم ستين فقيراً أو يفك رقبة.

ويخل الحاج بشرط من شروط الحج فيكفر بذبح يقدمه للمساكين.

ويتجرد عن المخيط فإذا لبس شيئاً منه لزمته الفدية.

ويُرزق الرجل غلاماً فيعُق عنه بذبيحة يطعمها الفقراء.

ويقبل عيد الصوم أو عيد الحج فيجب على الأغنياء أن يرفهوا عن الفقراء بزكاة الفطر أو بلحوم الأضاحي.

وينذر المسلم لله نذراً فيوجب الدين عليه أن يفي به براً بالفقراء وعوناً للمساكين.

ويعجز الرجل عن تكاليف العيش فيوجب الدين على من يرثه بعد موته أن ينفق عليه! فينفق الابن على الأب،والأب عن الابن،والأخ على الأخنوالزوج على الزوج،عملاً بالقاعدة الإسلامية الحكيمة:الغُرم بالغُنم.ولقد رأى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهودياً لايقدر على شيء،فوقف به ثم قال له:ما أنصفناك أيها الذمي!أخذنا منك الجزية في قوتك،فيجب أن لا نضيعك في ضعفك .ثم أجرى عليه من بيت المال مايمسك نفسه.

وجاءت الشريعة بالوصية لمن حضره الموت:يوصي بثلث ماله لوجوه البر فضلاً عن الوصية للوالدين والأقربين.

ونوهت السّنة بالصدقة الجارية،فكان بركة من بركات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على المرضى والزّمنى وذوي الخصاصة وأبناء السبيل وطلاب العلم وحجاج البيت،بما يوقف عليهم أولو الفضل والسعة من المستشفيات والملاجئ والخانات والزوايا والأربطة والمدارس والمساجد والمكاتب.

كل أولئك إلى ماجاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الحث على الإنفاق في سبيل الله،والترغيب فيما عند الله من حسن المثوبة،بفنون من القول الرائع والتشبيه المحكم.

كذلك عالج الإسلام الفقر من طريق آخر غير طريق الزكاة والصدقات والكفارة:عالجه من طريق الكسر من حدة الشهوة،والكف من سَورة الطموح،والغضّ من إشراف الطمع ،فرغّب الغنى في الزهد،وأمر الواجد بالقناعة،ومدح الفقير بالتعفف.

ذلك ما عالج به الإسلام داء الفقر الذي أعيا الإنسانية منذ الدهر الأول.وهو على إحاطته وبساطته ونجوعه ينهض وحده دليلاً على أفن الذين يقولون إن دستور القرآن لا يأتلف مع المدنية،وشريعة نابليون أصلح للناس من شريعة اللهنونظام ماركس أجدى على العالم  من نظام محمد.

فلو أن كل مسلم أدى حق الله في ماله،ثم استفاد لأريحية طبعه وكرم نفسه ،فأعطى من فضل،وواسى من كفاف،وآثر من قلة،ثم قيض الله لهذا كله من ولاة الأمر من يجمعه على أكمل حال،ويدبره على أفضل وجه،ويوزعه على أعدل قسمةنلكان ذلك عَسِيّاً أن يُقر السلام في الأرض،ويُشيع الوئام في الناس،فتهدا ضلوع الحاقد،وترقأ دموع البائس،ويسكن جوف الفقير،ويذهب خوف الغنينويتذوق الناس في ظلال الرخاء،سعادة الأرض ونعيم السماء”.

قد نجا المُنعمُ الجوادث من الموتِ           بفضلِ الزكاة والإنعامِ

وعلمنا أنَّ الزكاةَ سبيلُ الله                  قبلَ الصلاة قبل الصيام

خصّها الله في الكتابِ بذكرٍ                 فهي ركنٌ الأركان في الإسلام

بدأت مبدأ اليقين وظلّتْ                     لحياة الشعوب خير قوام

لو وفى بالزكاة من جَمعَ الدنيا                وأهوى على اقتناءِ الحطام

ما شكا الجوعَ معدِمٌ أو تصدّى              لركوبِ الشرورِ والآثام

راكباً رأسه طريداً شريداً                   لا يُبالي بشرعةٍ أو ذمام

سائلاً عن وصيةِ الله فيه                    آخذاً قوتهُ بحدِّ الحسام

(حافظ ابراهيم)

ويقول شاعر النيل حافظ إبراهيم أيضاً:

خير الصنائع في الأنام صنيعة      تنبو بحاملها عن الإذلال

وإذا النوال أتى ولم يهرق له        ماء الوجوه فذاك خير نوال

من جاد من بعد السؤال فإنه         وهو الجواد يعدُّ في البخال

لله درُّ الساهرين على الألى             سهروا من الأوجاع والأوجال

القائمينَ بخير ما جاءت به              مدنية الأديان والأجيال

فتسابقوا الخيرات فهي أمامكم          ميدان سبق للجواد النال

والمحسنون لهم على إحسانهم         يوم الإثابةِ عشرة الأمثال

وجزاءُ ربِّ المحسنينَ يجلّ عن       عدّ وعن وزن وعن مكيال    

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 289 بتاريخ 16 كانون الثاني عام 1939):
“يا صاحب السعادة،لمَ ترضى أن أكون صاحب الشقاء؟أنا وأنت نبعتان من دوحة آدم نمتا في ثرى النيل،ولكن مغرسك لحسن حظك كان أقرب إلى الماء،ومغرسي لسوء حظي كان أقرب إلى الصحراء، فشبعت أنت وارتويت،على قدر ما هزلت أنا وذويت،لأن الماء والغذاء يطلبانك وأنت ضاجع وادع،وأنا أطلبهما بالكدح والمتح فما أنال غير الجفاف أو النطاف.!

لقد ضمن الله لك حق الملك لصلح الدنيا،ولكنه فرض عليك بإزاء ذلك الزكاة تحقيفاً لهذا الصلاح.فإذا خشيت أن تمتد عيني إلى مالك بالحسد والشهوة،ويدي إلى نفسك بالعنف والقسوة،فاكسر نظرتي وحدّتي عنك بأداء ما جعل الله لي عندك،وإلا كان من الإنصاف  في رأيي على الأقل أن يكون اعترافي بالحق لك،معادلاً لأعترافك بالواجب عليك”.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 292 بتاريخ السادس من شباط عام 1939):

“من أجل ذلك كان تنظيم العلاقة بين القوة والضعف،والغنى والفقر،عملاً من أعمال الله وحده،يرفّه عليه النفوس،ويرفع به الإنسانية،ويجّمل به الحياة.فإذا حاربنا الفاقة بسلاح الاقتصاد المحض كسِّ النظم،وتوسيع الموارد،وتوزيع العمل،وأغفلنا أثر الحظوظ والميول والأحوال والأمراض في حياة المرء،قتلنا الفقر بقتل الفقير،كما يقتل الطبيب المرض بقتل المريض.إنما يُحارب الفقير بسلاح الدين ليس غير.وسلاح الدين في مجاهدة البؤس أنه يجعل للفقير في مال الغني حقاً معلوماً لا يصح إسلامه إلا باعتقاده وأدائه،وأنه يقوي الإنسانية في الإنسان حتى يشعر بالأخوة لكل مسكين،وبالرحمة لكل بائس.

الدين هو الطب الوحيد لأدواء المجتمع،فإذا غرستموه في قلوب النشء،وقويتموه في نفوس الشباب،جعل من الأمة أسرة متماسكة البناء،متضامنة الأعضاء،يعين سعيدها الشقي،ويحمل قادرها العاجز،حتى يقطعوا مراحل الحياة رافهين لا يمسّهم نصب،ولا تجافي بينهم عداوة.

مَنْ غير الله يستطيع أن يرقق هذه الكبد الغليظة في هذا الغني المبطان الذي غلا في الكبر ولجّ في الهوى،ودلّل نفسه على ذل الناس، وأمسك رزق الله في خزائنه فلا يطلقه إلا لشهوة أو نزوة؟

من غير الله يستطيع أن يقلب العَبر على عيني هذا المغرور فيريه بالشكل والمرض والهمم أن الراحة في النفس ألذّ منها في الجسم،وأن الجمال في الرحمة أسمى منه في الجبروت،وأن السعادة في الإعطاء أعظم منها في الأخذ،وأن خير ما في الدنيا هو ما انتقل معه إلى الآخرة؟

هيهات أن يكون في الأرض إيمان مادام في الأرض فقر.فإن أسباب الفقر ممدودة من الطمع والشحّ والأثرة،وهذه الخلال السوء لا تطمئن عليها نفسٌ مؤمنة.وإن من ضلال الإفهام أو الأقلام أن نعالج الفقر على أنه من ندرة العمل في البلد أو قلّة الخير في الدنيا،فإن العمل ميسور للقادر،ورزق الله موفور للحي.فهل يفكر أولو الأمر أن يعالجوا الفقر كما عالجه الله به فيجبوا الزكاة وينظموا الإحسان؟إنهم إن يفعلوا ذلك لا يجدوا في البيوت عائلاً،ولا في الطريق سائلاً،ولا في السجون قاتلاً،ولا في المواخير ساقطة”.

ويقول الشيخ محمد محمد المدني (كتاب المجتمع الإسلامي كما تنظمه سورة النساء):

يقول تعالى:{واعبدوا الله ولاتشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لايحب من كان مختالاً فخوراً}

“وقد أجملت هذه الآيات ما أمرت به في شأن هذا التضامن والتراحم في كلمة جامعة هي كلمة”الإحسان” فقالت:”وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى…”الخ.

والإحسان مرتبة فوق العدل، فإذا تعاملت مع الناس فأخذت منهم حقك وأعطيتهم حقوقهم،فقد جريت على سنة العدل والمبادلة بالحق،ولكن إذا تجاوزت هذه المنزلة إلى ما هو فوقها من الرفق والإيثار،فقدمت لله ولإخوانك في المجتمع بعض حقك راضياً لتنفع به من هو في حاجة إليه أو تقبلت منهم اقل مما لك لهذا الغرض الشريف، فأنت تجري على سنة”الإحسان” والله يأمر بالعدل والإحسان.

للإنسان مع والديه نوع من المعاملة أساسه التكريم والرعاية،وحسن الأدب،ورد الجميل،ومكافأة العاطفة بالعاطفة،والصبر على ما عسى أن يكون لهما من متاعب وأخطاء أو إساءات،فهذا هو الإحسان بالوالدين.

وللإنسان مع ذوي قرباه نوع آخر من المعاملة والمجاملة يقوم على أساس من الصلة والبر والمودة والتجاوز والغفران، فهذا نوع ىخر من الإحسان.

وللإنسان نوع من المعاملة مع اليتامى يقوم على أساس من الرحمة واللطف ورقة القلب،وإدراك أن هذا اليتيم قد فقد من يحبه،ويمنحه الود صافياً،ويستعذب العذاب في سبيله،وأنه أصبح وحيداص في حياته يعاني آلام هذا اليتم،ويرى الأبناء من حوله يعانقون آباءهم ولايرى له أباً يعانقه،فبهذا يرحمه،ويحبه ويجعل رحمته إياه وحبه في مظهر كريم لايجرحه،ولايسيئ إلى عاطفته، ولايشعره بأن هذا يفعل معه من أجل أنه يتيم.

والذي يقال في القريب،وفي اليتيم،يقال مثله وعلى هداه، في المسكين، وفي الجار ذي القربىن وفي الجار الجنب،وفي الصاحب بالجنب،وفي ابن السبيل،وفيما ملكت الأيمان،كل له أسلوب يجب أن يعامل عليه،وكل له حقوق يجب أن ترعى،وأن تتحقق برعايتها صورة التضامن الإجتماعي كاملة واضحة جميلة”.

ويقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج2 ص628):

“في الحديث الشريف الذي رواه مسلم”من نفس عن مؤمن كربة….”

والتنفيس في اللغة يأتي بمعنى التفريج والتوسعة،وكأن هذا المصدر مأخوذ من النَّفْس التي يضغط فيها الهم والغم والحزن،فالتنفيس عنها هو إخراج ما يضغط في داخلها من ذلك،بتوسعة وتفريج، أو مأخوذ من النَّفَس وهو الذي يتنسمه الإنسان فيستروح به،ويخلص به من حالة الضيق المادي الذي يصيبه إذا هو لم ياخذ منه جديداً ولم يطرد منه محترقاً، ثم جرى نقل هذا المعنى المادي على سبيل الاستعارة إلى المعاني النفسية.

والكَرْب في اللغة الحزن والغمّ الذي ياخذ بالنفس، ويضغط فيها ضغطاً مؤلماً، والاسم منه الكُرْبة، وجمعها كُرَب.

والكُرَب الضاغطات في الانفس المؤلمات لها، لاتستريح الأنفس منها إلا بالتنفيس.

ويتابع الشيخ حبنكة:”وهنا يأتي دور مساعدة المؤمن لأخيه المؤمن، بتنفيس الكُرب عنه إذا هي حلّت به، أو حلّ به شئٌ منها.وبغية مساعدته ينظر في سبب الكربة:فإذا كانت كربته من جهة فقره وحاجته ساعده حتى يسدّ حاجته،ويرفع عنه ضرورته،سواء أكان ذلك من ماله، أو من مساعيه الحسنة،بدعوة ذوي الإحسان إلى البذل له والتوسعة عليه.وإذا كانت كربته بسبب حاجته إلى قرض حسن يدفع به ضرورة ملحّة أقرضه.وإذا كانت كربته بسبب مصيبة حلّت فيه واساه وعزّاه حتى تنفرج عنه الكربة.وإذا كانت كربته بسبب حاجته إلى شفاعة حسنة شفع له…..

ويتابع الشيخ حبنكة الميداني:

“والموضوع الثاني في الحديث الشريف”ومن يسر على معسر…”

والتيسير هو التسهيل والمسامحة، ويكون التيسير على المعسر من وجوه شتى. منها التيسير على المدين إذا حلّ أجل الدين ولم يجد عنده مايفي به دينه،يقول تعالى:{وإن كانَ ذو عُسرةٍ فَنظرةٌ إلى مَيسرةٍ وأن تصدقوا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة 280].

فأمر بالنظرة إلى الميسرة، والنظرة هي الانتظار، ووجه إلى ماهو خير منها وهو التجاوز والمسامحة، وسمّى ذلك صدقة،لأنه من قبيل الصدقة الخفية.

ومن التيسير على المعسر التيسير في المبايعات، وذلك بالتساهل معه إذا لم يكن لديه مايفي بثمن السلعة،أو بتأجيل بقية ثمنها….

والموضوع الثالث في الحديث”ومن ستر مسلماً..”

فمن أخلاق المسلم أن يستر أخاه ولايفضحه ،مالم يجاهر في معصيته أمام الناس،ومالم تكن معصيته مما يتعلق بها حقٌّ من حقوق الناس،أو حقٌّ من الحقوق العامة، أو تفضي إلى الإضرار بمصالح المسلمين الكبرى.

والموضوع الرابع:”والله في عون العبد..”فمعاونة المسلم لأخيه المسلم فضيلة خلقية يقترن بها دائماً عون من الله له مكافأة له على عمله.انتهى كلام الشيخ حبنكة.

وإن كرب الدنيا متعددة الألوان والأشكال فمنها تخفيف العبء على المعسرين ومن أقلقتهم وأرقتهم الديون، فالدين ذلة في النهار وهمّ في الليل،ولذلك حضّ الله تعالى ورسوله على معاونة المعسرين المديونين الذين لايملكون دفع ديونهم عند قرب وقت تسديدها، يقول تعالى:{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}[البقرة 280]، والأفضل من انتظار المعسر وتأجيل دفع ديونه ابراء ذمته وإحلاله من الدين الذي عجز عن تسديده و أن يتصدّق الإنسان عليه ويعفيه منه:{وأن تصدّقوا خير لكم إن كنتم تعلمون}[البقرة280]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من أنظر معسراً أو وضع له ـ أي تنازل له عن جزء من الدين ـ أظله الله يوم القيامة يوم لاظل إلا ظله“.

ومن علامات التكافل والتعاضد بين المسلمين أن يستر المسلم على من وقع في معصية ولم يجاهر بها لعلّه يتوب ويندم وقد ستره الله .

ذهب رجل إلى أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه وقال له أنه رأى فلاناً قارف إثماً لم يبلغ به الحد.فقال له: هلا سترت عليه ورجوت له التوبة. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” من ستر أخيه ستره الله في الدنيا والآخرة”. ثم قال: إذا رأى مسلم أخاه زلّ زلة فسددوه وأدعوا أن يتوب الله عليه، ولاتكوناً عوناً عليه للشيطان.

ومن مظاهر التكافل والتعاون الإجتماعي إطعام الجائع وعيادة المريض وفك العاني.يقول تعالى:{ويُطعمونَ الطَّعامَ على حُبّهِ مِسكيناً ويتيماً وأسيراٍ* إنَّما نُطعِمُكُم لوجهِ الله لانريدُ منكُم جَزاءً ولاشُكوراً}[الإنسان 8 ـ 9].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:”وهي تصور شعور البر والعطف والخير ممثلاً في إطعام الطعام،مع حبّهِ بسبب الحاجة إليه.فمثل هذه القلوب لا يقال عنها:إنها تحب الطعام الذي تُطعمه للضعاف المحاويج على اختلاف أنواعهم.إلا أن تكون في حاجة إلى هذا الطعام.ولكنها تؤثر به المحاويج…

وهذه اللفتة تشي بقسوة البيئة في مكة بين المشركين،وأنها كانت لا تفضي بشىء للمحاويج الضعاف،وإن كانت تبذل في مجالات المفاخرة بالشىء الكثير.فأما الأبرار من عباد الله فكانوا واحة ظليلة في هذه الهاجرة الشحيحة.وكانوا يطعمون الطعام بـريحيّة نفس،ورحمة قلب،وخلوص نيّة.واتجاه إلى الله بالعمل،يحكيه السياق من حالهم،ومن منطوق قلوبهم…

“إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منطم جزاءً ولاشكورا”.

فهي الرحمة الفائضة من القلوب الرقيقة الرفيقة،تتجه إلى الله تطلب رضاهنولا تبتغي جزاء من الخلق ولا شكرا،ولا تقصد بها استعلاء على المحتاجين ولا خيلاء”.كما تقي بها يوماً عبوساً شديد العبوس،تتوقعه وتخشاه وتتقيه بهذا الوقاء.وقد دلّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:”اتق النار ولو بشق تمرة”[أخرجه الشيخان عن عدي بن حاتم].

وقد كان إطعام الطعام هكذا مباشرة هو وسيلة التعبير عن هذه العاطفة النبيلة الكريمة،ووسيلة الإشباع لحاجات المحاويج،ولكن صور الإحسان ووسائله قد تتغير بحسب البيئات والظروف،فلا تظل في هذه الصورة البدائية المباشرة.إلا أن الذي يجب الاحتفاظ به هو حساسية القلوب،وحيوية العاطفة،والرغبة في الخير ابتغاء وجه الله،والتجرد من البواعث الأرضية من جزاء أو شكر أو نفع من منافع الحياة”.

في الحديث الشريف الذي رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟قال:”تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف”

قال تعالى:{ماسلككم في سقر* قالوا لم نك من المصلين* ولم نك نطعم المسكين}[المدثر42 ـ 44].

وقال صلى الله عليه وسلم:”ليس مني من بات شبعان وجاره جائع وهو يدري“.وقال صلى الله عليه وسلم:”إن الأشعريين ـ قبيلة من اليمن ـ إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد  ثم اقتسموه بينهم بالسوية فهم مني وأنا منهم“. [متفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه].

(أي افتقروا وأصابهم الجدب والقحط).

وقال صلى الله عليه وسلم:”أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة،وأيما مؤمن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسا مؤمناً عن عري كساه الله من حلل الجنة“.

وقال صلى الله عليه وسلم:”من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لاظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لازاد له“[رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه].

وقال صلى الله عليه وسلم:”أفشوا السلام وأطعموا الطعام“.فإن إفشاء السلام يورث المودة والمحبة بين المسلمين، وهو تحية أهل الجنة{تحيتهم يوم يلقونه سلام}،{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم}.

وعيادة المريض إيناساً له ومواساة وليشعر أنه في مرضه وابتلائه ليس وحيداً، وذلك يشد من عزمه ويعجل في شفائه.

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إذا دخلتم على المريض فنفّسوا له في الأجل فإن ذلك لايرد شيئاً“(ويمكن الرجوع إلى هذا الموضوع بالتفصيل في موضوع عيادة المريض وسننه وأحكامه).

كما أنه من التضامن والتعاون الاجتماعي أن تخفف عن المصاب والمبتلى والمكروب وأن تسهل عليه الأمور ولاتعسّر عليه وأن تجعله يركب مركب التفاؤل لإن هذا يشيع الراحة النفسية في قلبه ويساعده على تجاوز محنته . يقول صلى الله عليه وسلم:”يسروا ولاتعسروا، وبشروا ولاتنفروا“.

ومن مظاهر التكافل الاجتماعي رعاية الأيتام ومدّ يد العون والمساعدة إليهم وإعطائهم حقوقهم ورعايتهم.

يقول تعالى:{أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسغبة*يتيماً ذا مقربة* أو مسكيناً ذا متربة}[البلد14 ـ 16]،ويقول تعالى:{كلا بل لاتكرمون اليتيم* ولاتحاضون على طعام المسكين}[الفجر 17 ـ 18]،ويقول تعالى:{وإذا حضر أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً}[النساء 8]، ويقول تعالى:{أرأيتَ الذي يكذب بالدين* فذلكَ الذي يدُعُّ اليتيم* ولايحضُّ على طعام المسكين}[الماعون 1 ـ 3]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنةوأشار بالسبابة والوسطى.[متفق عليه].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ـ وأحسبه قال ـ وكالقائم الذي لايفتر وكالصائم الذي لايفطر“.[متفق عليه].

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد230):

“نعم إن آيات الوصية في اليتامى كثيرة ومنها مانزل في مكة كقوله تعالى:{ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}[الإسراء 34]وقوله تعالى:{فأما اليتيم فلا تقهر}[الضحى9]وقوله تعالى{فذلك الذي يدع اليتيم}[الماعون 2]جعل دَعَ اليتيم وهو دفعه وزجره بعنف أول آيات التكذيب بالدين.وأجمع ماورد في ذلك وآكده في آيات سورة النساء وهي سورة مدنية.

ويتابع رحمه الله:”وهذا الذي هدانا إليه الكتاب العزيز في شأن اليتامى من معاملتهم كالإخوان مبني على ما أودع الفطرة السليمة من الحب والإخلاص للاقربين  وقد طرأ الفساد على هذه الرابطة النسبية في بلاد كثيرة بما افسدت السياسة في الأمة فصار الأخ يطمع في مال أخيه،ويحفر له من المهاوي مالعله يقع فيه”.

إنّ الإسلام حضّ على مساعدة الأرملة التي لديها أيتاماً لاعائل لهم، ولاتستطيع الكسب فتنفق عليهم،وعن الشيخ الكبير الذي وهن منه العظم وليس لديه مال يستعين به في هرمه، أو ولد بار يسعفه في شيخوخته،وإعانة العامل الذي كسدت صناعته،والعاجز الذي أفقدته عن الكسب زمانته، وصاحب المورد الضئيل الذي لايقوم مورده بسدّ نفقات من يعوله، كل أولئك ومن على شاكلتهم في حاجة إلى التخفيف من متاعبهم ومد يد العون لهم على الدوام.

أما المسلم الذي يعيش لنفسه ويترك أخاه يقطع الطريق وحده، وتلم به المحن فلا يمده بعون،ويستباح ماله وعرضه، فلا يظاهره أو يثأر له، وكأنه لايعنيه ذلك في قليل أو كثير، ذلكم هو المسلم الأناني، والأنانية علّة التفرقة، وعامل العزلة.

وما ضعف المسلمون وهانوا على أنفسهم واستخذوا لأعدائهم إلا بعد أن دبّ إليهم داءالأنانية وأصبح كل فرد في كل مجتمع يعيش لنفسه ويسعى لمصلحته الخاصة،ولو كانت على حساب أخيه ومضرته، ويضع يده في يد عدوه ويخذله وهو أحوج مايكون لنصرته، وتلك هي الهزيمة المنكرة. والمسلمون كما يصفهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم”كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” ،وقال فيهم الله عز وجل:{والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لاتكونوا إمعة ـ أي لارأي لكم ـ تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤا فلا تظلموا“، وقال تعالى:{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}، وقال صلى الله عليه وسلم:”من لايهتم بأمر المسلمين فليس منهم“.

يقول الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي(الأعمال الكاملة  المجلد الأول ص54 تحت عنوان الرحمة):

“ايها الرجل السعيد: كن رحيماً، اشعر قلبك الرحمة، ليكن قلبك الرحمة بعينها.

ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفؤؤد فتبتسم سروراً ببكائك…واغتباطاً بدموعك، لأن الدموع التي تنحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور..تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء: إنك إنسان.

إن السماء تبكي بدموع الغمام…ويخفق قلبها بلمعان البرق…وتصرخ بهدير الرعد،وإن الأرض تئن بحفيف الريح.. وتضج بأمواج البحر، وما بكاء السماء ولا أنين الأرض إلا رحمة بالإنسان… ونحن ابناء الطبيعة فلنجارها في بكائها وأنينها.

إن اليد التي تصون الدموع، أفضل من اليد التي تريق الدماء،والتي تشرح الصدور، أشرف من التي تبقر البطون،فالمحسن أفضل من القائد وأشرف من المجاهد، وكم بين من يحيي الميت، ومن يميت الحي.

لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولامغبون ولامهضوم..ولأقفرت الجفون من المدامع… ولاطمأنت الجنوب في المضاجع، ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام.

أيها الإنسان . ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية صغارن ودموع غزار،ارحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها فتؤثر الموت على الحياة.

ارحم الزوجة أم ولدك وقعيدة بيتك ومرآة نفسك وخادمة فراشك لأنها ضعيفة، ولأن الله قد وكل امرها إليك،وما كان لك أن تكذب ثقته بك.

ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه فإنك ألا تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين.

ارحم الجاهل لاتتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل والظلم،ولاتتخذ عقله متجراً تربح فيه ليكون من الخاسرين.

ارحم الحيوان لأنه يحس كما تحس ويتألم كما تتالم ويبكي بغير دموع،ويتوجع ولايكاد يبين…

أيها السعداء أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.

إن التكافل والتلاحم والتراحم بين أفراد المجتمع الواحد يجعل من هذا المجتمع عنواناً للسعادة والاطمئنان، ويجعل أفراده الذين اجتمعوا على الأخوة البشرية أخوة الدين والإنسانية.

عيّن أبو بكر الصديق رضي الله عنه عمر بن الخطاب قاضياً على المدينة، فمكث عمر سنة لم يفتتح جلسة، ولم يختصم إليه اثنان،وطلب من أبي بكر إعفاءه من القضاء. فقال أبو بكر: أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء ياعمر؟ فقال له عمر:لا ياخليفة رسول الله، ولكن لاحاجة بي عند قوم مؤمنين’عرف كل منهم ماله من حق فلم يطلب أكثر منه، وماعليه من واجب فلم يقصر عن أدائه، أحب كل منهم لأخيه مايحب لنفسه. إذا غاب أحدهم تفقدوه، وإذا مرض عادوه، وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب واسوه، دينهم النصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيم يختصمون؟.

3 ـ الترويح عن النفس والمزاح والدعابة

المزاح لغة:

هو الدعابة، ونقيض الجد. كما قال ابن منظور.

أما المزاح شرعاً:

فقد عرفه الزبيدي بقوله: هو المباسطة إلى الغير على جهة التلطف والاستعطاف دون أذية(ليخرج بذلك الاستهزاء والسخرية).

إن المسلم الذي يضم إلى الجد روح الدعابة ومفاكهة الحديث وعذوبة المنطق وطرافة الحكمة، لاشك أنه يملك القلوب بجاذبية حديثه ويأسر النفوس بلطيف معشره وكريم مداعبته.فالمزاح سنة، وقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم واًصحابه الذين تربوا في مدرسته.فقد كانوا يتمازحون فيما بينهم ولكن إذا جدّ الجدّ كانوا هم الرجال.

إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، ولهذا فإن المزاح الصادق المشروع فيه تطييب القلب وتوثيق المحبة والإلفة وتجديد النشاط.

يقول عظيم الإسلام الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(الموسوعة الجزء16 ص333):

“ماالضحك؟ولماذا نضحك؟وما الضحك بشئ واحد..ومانضحك لسبب واحد..وما نفكر في الضحك على نحو واحد..ولكنها الكلمة التي لاغنى عنها، ونحن نضحك لأسباب كثيرة،ولسنا نضحك لسبب فرد لايتعدد،ويوشك أن يكون لكل حالة من حالات ضحكتها التي تصدر عنها ولاتصدر عن حالة غيرها، كأنما هي لغة كاملة على أسلوبها في التعبير.

ويتابع العقاد:”هناك ضحك السرور والرضى،وهناك ضحك السخرية والازدراء،وهناك ضحك المزاح والطرب،وهناك ضحك الشماتة والعداوة،وهناك ضحك العجب والإعجاب ،وهناك ضحك العطف والمودة،وهناك ضحك المفاجأة والدهشة، وهناك ضحك المقرور وضحك المشنوج وضحك السذاجة وضحك البلاهة، ومايختاره الضاحك وما ينبعث منه على غير اضطرار.بل ربما كان لكل مضحكة من هذه المضحكات ألوان لاتتشابه في جميع الأحوال.فالضاحك المسرور قد يكون سروره زهواً بنفسه واحتقاراً لغيره،وقد يكون سروره فرحاً بغيره، لازهو فيه بالنفس ولا احتقار للآخرين”.

ويقول العقاد(نفس المرجع ص395 تحت عنوان الضحك في الكتب الدينية):

“جاءت الإشارة إلى الضحك في القرآن الكريم مرة في قصة ابراهيم ومرة في قصة سليمان عليهما السلام.

ففي قصة ابراهيم يقول تعالى:{فلما رأى أيدِيَهُم لاتصِلُ إليهِ نَكرهُم وأوجسَ منهُم خيفةً قالوا لاتخف إنّا أُرسلنا إلى قوم لوط*وامرأتُهُ قائمةٌ فضحكت فبشَّرناها بإسحاقَ ومن وراءِ إسحاقَ يعقوب *قالت ياويلتى ألِدُ وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشئٌ عجيب}.[هود70 ـ 72].

فهنا خوف فاطمئنان فبشرى مفاجئة على غير انتظار، فتعجّبٌ لاتملك سارة أن تجهر فتقول:إن هذا لشئ عجيب..

ويتابع العقاد:”كل عوامل الضحك النفسية التي ظهرت للباحثين النفسيين في تفسيراتهم تعرضها هذه الآية الكريمة على نسقها المتتابع فتأتي بالضحك حيث يأتي الضحك مطرداً في مواضعه المختلفة من تحول الشعور طمأنينة بعد خوف، ومعرفة بعد نكران،وبشارة بما ليس في الحسبان من الولادة بعد سن اليأس وخيبة الأمل في الذرية زمناً طويلاً تعتلج فيه النفس بأشتات من دواعي الحزن والعزاء والغيرة والتسليم.ولاتغني هنا كلمة”سُرّت أو كلمة استبشرت أو فرحت” في مكان كلمة ضحكت.فإن الضحك هو الأثر الملائم لهذه الحالة التي تشابكت فأصبحت في قرارة النفس حالات متناقضات.

وجاء في القرآن الكريم عن قصة سليمان عليه السلام:{حتى إذا أتَوا على وادِ النّملِ قالت نملةٌ يا أيُّها النّملُ ادخُلوا مَسَاكِنَكُم لايَحطِمنّكُم سليمانُ وجنودُهُ وهم لايشعرون* فتبسّمَ ضاحكاً من قولِها وقالَ رَبِّ أوزِعني أن أشكُرَ نعمتَكَ التي أنعمتَ عليَّ وعلى والديّ وأن أعملَ صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتكَ في عبادِكَ الصالحين}.[النمل 18 ـ 19].

فها هنا عوامل الضحك على سجيتها ماثلة في نقائضها الدقيقة ومصاحباتها التي تقترن بها على حسب المناسبة دون غيرها، وهي مناسبة مخالفة في بعض أجزائها لمناسبة الضحك في قصة إبراهيم عليه السلام.هنا الفارق الشاسع بين ضآلة النمل وبين ضخامة الملك الذي أوتيه سليمان..وهنا رضى سليمان بما تفيضه نعمة الملك العريض في نفسه من السعة ولايفهم عنها ماتقول.وهنا رضى سليمان بما تفيضه نعمة الملك العريض في نفسه من السعة والغبطة وتلهمه من الشكر والخشوع، وكل ذلك من حيث لاينتظر:من نملة ضئيلة تخشى أن تُحطم هي وواديها ولايشعر بهم سليمان العظيم.

وورد الضحك في آيات متفرقة بمعنى السخرية والاستهزاء، فجاء في سورة المطففين:{إنَّ الذين أجرمُوا كانوا من الذين آمنوا يضحكون* وإذا مَرُّوا بهم يتغامزون* وإذا انقلبوا إلى أهلِهمُ انقلبوا فكهين* وإذا رأوهُم قالوا إنَّ هؤلاءِ لضالون* وما أُرسِلوا عليهم حافظين *فاليومَ الذين آمنوا من الكفارِ يضحكون* على الأرائك ينظرون* هل ثُوّبَ الكفارُ ماكانوا يفعلون}.[المطففين29 ـ 36].

فالضحك هنا مقترن بالتغامز الخفي كأنما يحسب المستهزئون أنهم يستغفلون المؤمنين الذين يمرون بهم فيسخرون منهم بالتغامز بينهم،ويضحكون إذا التفت إليهم المؤمنون على حين فجأة فلايملكون إخفاء العبث والسخرية، كما يحدث دائماً بين المتغامزين إذا انكشفوا وامتنع عليهم الكتمان والتمادي في الاستهزاء من وراء الأنظار.والضحك الأخير يأتي حين لم يكن في الحسبان،لأن الكفار كانوا يضحكون فإذا بهم قد انقلب عليهم الأمر فهم أضحوكة للضاحكين، وهؤلاء وادعون على الأرائك ينظرون.

وجاء في سورة الزخرف:{ولقد أرسَلنا موسى بآياتنا إلى فرعونَ وملأه فقال إنّي رسولُ ربِّ العالمين* فلمّا جاءَهُم بآياتِنا إذا هم منه يضحكون}.[الزخرف 46 ـ 47].

وضحك المفاجأة هنا واضح من طلب الآيات ثم إخلاف ظن موسى عليه السلام لأنهم عبثوا به وهو ينتظر منهم بعد مجيئهم بالآيات أن يؤمنوا فإذا هم يفاجئونه بما لم ينتظر من إصرارهم على الكفران.

وفي سورة النجم عن نوح عليه السلام:{وقومَ نوحٍ من قبلُ إنّهُم كانوا هم أظلمَ وأطغى* والمؤتفكةَ أهوى* فغشّاها ماغشّى* فبأيِّ آلاءِ ربِّكَ تتمارى* هذا نذيرٌمن النُّذُرِ الأُولى* أزِفتِ الآزفة* ليسَ لها من دُونِ الله كاشفة *أفَمِن هذا الحديث تعجبون *وتضحكونَ ولاتبكون* وأنتم سامدون* فاسجُدوا لله واعُبدوا}[النجم52 ـ 62].

ففي هذه الآيات يحسب الرسول أنه يأتيهم بما يبكيهم فلايحسون داعية للبكاء ويستغربون فينتقل بهم الاستغراب من أحاديث الرسول عن نذير الآزفة المطبقة إلى الأمان الذي يتصورونه ولايحسون غيره.وبين هذين النقيضين المتباعدين يتعجب القوم ويضحكون: موقف لاوسط فيه بين البكاء والضحك. فإما أن يحس السامع نذير الآزفة فيبكي أو يستغربها ويستبعدها فيضحك تعجباً من كلام القائل واطمئنانه إلى الأمان الذي يقال لهم أنهم مهددون فيه.

والضحك من البلاء الذي لايحسه السامع ويحس نقيضه كالضحك من البلاء الذي يحسه ويحس أنه ناج منه، وقد تكرر ذكر الضحك بهذا المعنى فجاء في سورة التوبة عن المخلفين الذين فرحوا بمقعدهم عن القتال:{فرِحَ المُخَلّفونَ بِمقعَدهِم خِلافَ رسولِ الله وكرِهوا أن يُجاهدوا بأموالِهم وأنفُسِهم في سبيل الله وقالوا لاتَنفروا في الحرِّ قل نارُ جهنَّمَ أشدُّ حرّاً لو كانوا يفقهون* فليضحَكُوا قليلاً وليَبكُوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون}.[التوبة 81 ـ 82].

وهذا الضحك ايضاً مقرون بالسماع عن الخطر مع الشعور بالأمان،فهو كما تقدم كالشعور بالخطر حيث يغلب اليقين بامتناعه أو يمتنع بعد نذير لايخيف”.انتهى كلام العقاد.

ويقول الاستاذ أحمد امين رحمه الله(فيض الخاطر ج2 ص197 تحت عنوان فن السرور):

“نعمة كبرى أن يمنح الإنسان القدرة على السرور، يستمتع به إن كانت أسبابه، ويخلقها إن لم تكن. يخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية،فيشترط ليُسَرّ مالاً وبنين وصحة، فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف،وفي الناس من يشقى في النعيم ومنهم من ينعم في الشقاء،وفي الناس من لايستطيع أن يشتري ضحكة عميقة بكل ماله وهو كثير،وفيهم من يستطيع أن يشتري ضحكات عالية عميقة واسعة بأتفه الأثمان، وبلاثمن”.

ويقول الدكتور محمد فائز الحاج علي في كتابه الصحة النفسية:

“يشعر الإنسان بانفعال الفرح أو السرور إذا نال ماتمناه، وحصل مايجب ان يحصل عليه من مال، أو نفوذ، أو نجاح، أو علم، أو إيمان وتقوى. فالفرح أمر نسبي يتوقف على أهداف الإنسان في الحياة. فمن كان هدفه في الحياة جمع المال، والحصول على القوة والنفوذ وغير ذلك من متاع الحياة الدنيا، كان نجاحه في تحقيق هذه الأهداف باعثاً على فرحه وسروره ،ومن كان هدفه في حياته التمسك بالإيمان والتقوى والعمل الصالح لكي يحصل على السعادة في الحياة الآخرى، كان مصدر أمنه وطمأنينته وسروره.

وقد ذكر القرآن هذين النوعين من الفرح، فذكر فرح الكفار بمتاع الحياة الدنيا، يقول تعالى:{وفرحوا بالحياةِ الدّنيا وما الحياةُ الدُّنيا في الآخرةِ إلاّ متاعٌ}[الرعد26].

وذكر القرآن ايضاً فرح المؤمنين بما أنزل إليهم من آيات القرآن الذي يهديهم إلى الحق،والذي فيه شفاء لهم ورحمة وهدى.يقول تعالى:{يا أيها الناسُ قد جاءتكم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور وهدىً ورحمةٌ للمؤمنين*قل بفضل الله وبرحمته فبذلكَ فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون}[يونس57 ـ 58].

ويتابع:”ومن كان متاع الحياة الدنيا هو مصدر فرحه وسروره، وهو شأن معظم الناس، فإنه لاينعم في الواقع بالحياة السعيدة المطمئنة المستقرة.وذلك لأنه إذا ما أنعم الله عليه بنعمة الصحة وسعة الرزق ووفرة المال شعر بالفرح والسعادة،وشغله متاع الدنيا ونعمتها عن ذكر الله تعالى وشكره.وإذا ما أصابه ضرر أو بلاء، وفقد بعض النعم التي كان يتمتع بها، تملكه اليأس، وجحد النعم الأخرى التي لايزال ينعم بها. وهكذا يعيش مثل هذا الإنسان في اضطراب مستمر،وفي تقلب دائم بين الشعور بالسعادة، والشعور باليأس.يقول تعالى:{ولئن أذقنا الإنسانَ منّا رحمةً ثمَّ نزعناها منهُ إنّهُ لَيؤوسٌ كفور*ولئن أذقناهُ نعماءَ بعد ضراءَ مسّتهُ ليقولنَّ ذهبَ السيئاتُ عني إنّهُ لفرحٌ فخور}[هود9 ـ 10].

أما من كان مصدر فرحه وسروره هو تمسكه بالإيمان والتقوى والعمل الصالح واتباع منهج الله في حياته فهو يشعر في الواقع بالسعادة الحقيقية المستقرة الدائمة. يقول تعالى:{من عملَ صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فَلنحيينهُ حياةً طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون}[النحل96].

ويصف القرآن أيضاً السرور الذي يشعر به المؤمن يوم الحساب حينما ينجيه الله تعالى من شر ذلك اليوم ويدخله برحمته في جنة النعيم{ فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم ولقاهُم نَضرةً وسُروراً}[الإنسان11]”.

ويقول الأستاذ الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله[موقع القرضاوي مقال بعنوان مزاح النبي]:

“بعض الناس تكونت لديه فكرة: أن الدين يحرم على الإنسان الضحك والمزاح والتنكيت والمداعبة،ويفرض عليه الجدّ والصرامة في كل أحواله.ويؤيدون هذا الاعتقاد بأمرين:

الأول:موقف كثير من المتدينين، أو المتحمسين للدين، حيث لايرى أحدهم إلا مقطب الجبين، عبوس الوجه،متجهماً عند اللقاء،خشناً في الكلام،فظاً في المعاملة مع الناس،وخصوصاً غيرالمتدينين.

والثاني:بعض النصوص، التي قرأوها أوسمعوها من بعض الوعاظ والخطباء ففهموا منها أن الإسلام لايرحب بالضحك والفرح والمزاح، مثل حديث”لاتكثر من الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب“.وحديث:”ويل للذي يحدث الحديث ليضحك به القوم، فيكذب، ويل له، ويل له“[رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، كما حسنه الألباني في غاية المرام].

وحديث وصف النبي  صلى الله عليه وسلم بأنه”كان متواصل الأحزان”. وقوله تعالى على لسان قوم قارون{لاتفرح إن الله لايحب الفرحين}[القصص 76].

ويتابع الشيخ القرضاوي :”وحسب قراءتي ومعلوماتي عن الإسلام ـ وهي محدودة ـ أعتقد أن هذا ظلم للإسلام الذي جاء بالاعتدال في كل شئ.الإسلام دين الفطرة ولايتصور منه أن يصادر نزوع الإنسان الفطري إلى الضحك والإنبساط  بل هو على العكس يرحب بكل مايجعل الحياة باسمة طيبة، ويحب للمسلم أن تكون شخصيته متفائلة باشّة، ويكره الشخصية المكتئبة المتطيرة، التي لاتنظر إلى الحياة والناس إلا من خلال منظار قاتم أسود.وأسوة المسلمين في ذلك هو: رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان برغم همومه الكثيرة والمتنوعة يمزح ولايقول إلا حقاً، ويحيا مع الصحابة حياة فطرية عادية،يشاركهم في ضحكهم ولعبهم ومزاحهم، كما يشاركهم في آلامهم وأحزانهم ومصائبهم.يقول زيد بن ثابت رضي الله عنه وقد طلب إليه أن يحدثهم عن حال رسول اله صلى الله عليه وسلم فقال:كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته له، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا،وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا،وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا،وقال: فكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”   [رواه الطبراني بإسناد حسن كما في مجمع الزوائد].

وقد رأيناه في بيته صلى الله عليه وسلم يمازح زوجاته ويداعبهن، ويستمع إلى أقاصيصهن، كما في حديث أم زرع الشهير في صحيح البخاري.

وكما رأينا في تسابقه مع عائشة رضي الله عنها،حيث سبقته مرة، وبعد مدة تسابقا فسبقها، فقال لها: هذه بتلك.

وقد روي أنه وطأ ظهره لسبطيه الحسن والحسين، في طفولتهما ليركبا، ويستمتعا دون تزمت ولاتحرج، وقد دخل عليه أحد الصحابة ورأى هذا المشهد فقال: نعم المركب ركبتما، فقال عليه الصلاة والسلام:”ونعم الفارسان هما”.

ورأيناه يمزح مع تلك العجوز التي جاءت تقول له: ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال لها:”يا أم فلان، إن الجنة لايدخلها عجوز”! فبكت المرأة حيث أخذت الكلام على ظاهره، فأفهمها :أنها حين تدخل الجنة لن تدخلها عجوزاً بل شابة حسناء.وتلا عليها قول الله تعالى في نساء الجنة:{إنا أنشأناهن إنشاء* فجعلناهن أبكارا*عرباً أترابا}[الواقعة35 ـ 37]والحديث أخرجه الترمذي والبيهقي وحسنه الألباني.

وقال أنس رضي الله عنه:كان لأبي طلحة ابن يقال له أبو عمير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم ويقول:” يا أبا عمير مافعل النغير؟”[متفق عليه].

(والنغير هو فرخ العصفور).

وكان صلى الله عليه وسلم يحب إشاعة السرور والبهجة في حياة الناس، وخصوصاً في المناسبات مثل الأعياد والأعراس.ولما أنكر أبو بكر الصديق رضي الله عنه غناء الجاريتين يوم العيد في بيته وانتهرهما، قال له” دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد” وفي بعض الروايات:” حتى يعلم يهود أن في ديننا فسحة“. وقد أذن للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده عليه الصلاة والسلام في أحد أيام الأعياد ،ووكان يحرضهم ويقول:”دونكم  يابني أرفدة“.وأتاح لعائشة رضي الله عنها أن تنظر إليهم من خلفه، وهم يلعبون ويرقصون، ولم ير في ذلك بأساً ولاحرجا.

واستنكر يوماً أن تزف فتاة إلى زوجها زفافاً صامتاً، لم يصحبه لهو ولاغناء، وقال:”هلا كان معها لهو؟فإن الأنصار يعجبهم اللهو، أو الغزل“. وفي بعض الروايات:”هلا بعثتم معها من تغني وتقول:أ تيناكم اتيناكم…فحيونا نحييكم“.

وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان في خير قرون الأمة يضحكون ويمزحون،اقتداءً بنبيهم صلى الله عليه وسلم واهتداء بهديه. حتى إن رجلاً مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ على ماعرف عنه من الصرامة والشدة ـ يروى أنه مازح جارية له، فقال لها:خلقني خالق الكرام، وخلقك خالق اللئام! فلما رآها ابتأست من هذا القول، قال لها مبيناً:وهل خالق الكرام واللئام إلا الله عز وجل؟.

ويتابع الشيخ القرضاوي:”ولاريب أن هناك من الحكماء والأدباء والشعراء من ذم المزاح، وحذر من سوء عاقبته، ونظر إلى جانب الخطر والضرر فيه وأغفل الجوانب الأخرى.ولكن ماجاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحق أن يتبع، وهو يمثل التوازن والاعتدال.وقد قال لحنظلة حين فزع من تغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهم نفسه بالنفاق:”ياحنظلة لو دمتم على الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ياحنظلة ساعة وساعة”، وهذه هي الفطرة، وهذا هو العدل.

(الحديث كاملاً:يقول حنظلة الأسيدي: يارسول الله، نكون عندك، تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والصنيعات نسينا كثيراً.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ماتكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. ولكن ياحنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات“.

ويتابع الشيخ القرضاوي:”وبهذا يكون موقف أولئك النفر من المتدينين أو المتحمسين للدين،وعبوسهم وتجهمهم لايمثل حقيقة الدين في شئ، ولايتفق مع هدي الرسول الكريم وأصحابه وإنما يرجع إلى سوء فهمهم للإسلام، أو لطبيعتهم الشخصية، أو لظروف نشأتهم وتربيتهم.وعلى كل حال، لايجهل مسلم أن الإسلام لايؤخذ من سلوك فرد أو مجموعة من الناس، يخطئون ويصيبون. والإسلام حجة عليهم، وليسوا هم حجة على الإسلام، إنما يؤخذ الإسلام من القرآن والسنة الثابتة.

إن قوله تعالى على لسان قوم قارون له ناصحين:{لاتفرح إن الله لايحب الفرحين} لايفهم منه ذم الفرح بإطلاق، بل الفرح المراد هنا ـ كما يدل السياق ـ هو فرح الأشر والبطر والغرور والانتفاخ الذي ينسي صاحبه فضل الله عليه،وينسب كل فضل إلى نفسه،فهو فرح بغير الحق، كذلك الذي ذم به القرآن المشركين حين قال لهم بعد دخولهم النار:{ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون}[غافر 75].وهو أشبه بفرح الذين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود عن شئ فكتموه إياه، وأخبروه بغيره،وخرجوا من عنده فرحين بما صنعوا من الكتمان والكذب ولم يكتفوا بذلك، بل طلبوا الحمد على أنهم سئلوا فأجابوا بالحقيقة وفيهم نزل قوله تعالى:{لاتحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب اليم}[آل عمران188].ومثل ذلك الذين غرّهم علمهم المادي، فوقفوا عنده، ورفضوا ماجاء به الوحي، وفيهم جاء قول الله تعالى:{فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ماكانوا به يستهزئون}[غافر83].

وقوله صلى الله عليه وسلم “لاتكثر من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب“.فالحديث واضح الدلالة على أن المنهي عنه ليس مجرد الضحك، بل كثرته، وكل شئ خرج عن حده انقلب إلى ضده.وأما وصفه صلى الله عليه وسلم”بأنه متواصل الأحزان”. فالحديث ضعيف، والضعيف لاتقوم به حجة.ويعارضه الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، أنه كان صلى الله عليه وسلم“يستعيذ بالله من الهم والحزن“.

ويتابع الشيخ القرضاوي:”ومن هنا نقول: إن الضحك والمرح والمزاح أمر مشروع في الإسلام، كما دلت على ذلك النصوص القولية، والمواقف العملية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وما ذلك إلا لحاجة الفطرة الإنسانية إلى شئ من الترويح يخفف عنها لأواء الحياة وقسوتها، وتشعب همومها وأعبائها.وفي هذا قال الإمام علي رضي الله عنه”إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة”.وقال: “روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلب إذا أكره عمي”.

كما أن هذا الضرب من اللهو والترفيه يقوم بمهمة التنشيط للنفس، حتى تستطيع مواصلة السير والمضي في طريق العمل الطويل، كما يريح الإنسان دابته في السفر، حتى لاتنقطع به.وفي هذا يقول أبو الدرداء رضي الله عنه”إني لأستجم نفسي بالشئ من اللهو ليكون أقوى لها على الحق”.

فمشروعية الضحك والمرح والمزاح لاشك فيها في الأصل، ولكنها مقيدة بقيود وشروط لابد أن تراعى:

أولها: ألا يكون الكذب والاختلاق أداة الإضحاك للناس، كما يفعل بعض الناس في أول إبريل ـ نيسان ـ فيما يسمونه”كذبة إبريل”.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:”ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك القوم، ويل له، ويل له، ويل له“.وقد كان صلى الله عليه وسلم يمزح ولايقول إلا حقاً.

ثانياً:ألايشتمل على تحقير لإنسان آخر، أو استهزاء به وسخرية منه، إلا إذا أذن بذلك ورضي.قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولانساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولاتلمزوا أنفسكم ولاتنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}[الحجرات11].وجاء في الحديث الصحيح:”بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم“[رواه مسلمٍ].

وذكرت عائشة رضي الله عنها أمام النبي صلى الله عليه وسلم إحدى ضرائرها، فوصفتها بالقصر تعيبها به، فقال:”ياعائشة، لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته“.وقالت: وحكيت له إنساناً ـ أي قلدته في حركته أو صوته أو نحو ذلك ـ فقال: “ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا“.[رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح].

ثالثاً: ألا يترتب عليه تفزيع وترويع لمسلم.

فقد روى أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل منهم، فانطلق بعضهم إبلى حبل معه فأخذه، ففزع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لايحل لرجل أن يروع مسلماً“.

رابعاً: ألا يهزل في موضع الجد، ولايضحك في مجال يستوجب البكاء، فلكل شئ أوانه، ولكل أمر مكانه، ولكل مقام مقال.والحكمة وضع الشئ في موضعه المناسب.

وفي الحديث الشريف:”ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق“.

وقد عاب الله تعالى على المشركين أنهم كانوا يضحكون عند سماع القرآن وكان أولى بهم أن يبكوا، فقال تعالى:{أفمن هذا الحديث تعجبون*وتضحكون ولاتبكون*وأنتم سامدون}[النجم59 ـ 61].

وعاب على المنافقين فرحهم وضحكهم لتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وافتعالهم الأعذار الكاذبة للقعود مع الخوالف، فقال تعالى:{فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لاتنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون*فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون}[التوبة81 ـ 82].

خامساً:أن يكون ذلك بقدر معقول، وفي حدود الاعتدال والتوازن، الذي تقبله الفطرة السليمة، ويرضاه العقل الرشيد، ويلائم المجتمع الإيجابي العامل.والإسلام يكره الغلو والإسراف في كل شئ، ولو في العبادة، فكيف باللهو والمرح؟!ولهذا كان التوجيه النبوي:”ولاتكثر من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب” فالنهي عنه هو الإكثار والمبالغة.

وقد ورد عن علي رضي الله عنه قوله:”أعط الكلام من المزح، بمقدار ماتعطي الطعام من الملح”.

والمبالغة هي التي يخشى من ورائها الإلهاء عن الأعباء، أو تجريئ السفهاء، أو إغضاب الأصدقاء، ولعل هذا المراد من حديث”لاتمار أخاك ولاتمازحه“[ رواه الترمذي]. فالمبالغة في المزاح كالمماراة، كلتاهما تؤدي إلى إيغار الصدور.

وخير الأمور هو الوسط دائماً وهو نهج الإسلام وخصيصته الكبرى، ومناط فضل أمته على غيرها.وهو الصراط المستقيم الذي ندعو الله أن يهدينا إليه، ويثبتنا في الأقوال والآراء والأعمال والمواقف، اللهم آمين. انتهى كلام الشيخ القرضاوي.

يقول الاستاذ عباس محمود العقاد في كتاب عبقرية محمد:”من سعة النفس أن ينهض الرجل بعظائم الأمور،بل بأعظمها جداً ووقاراً:وهو إقامة الأديان، وإصلاح الأمم، وتحويل مجرى التاريخ ثم يطيب نفساً للفكاهة، ويطيب عطفاً على المتفكهين، ويشركهم فيما يشغلهم من طرائف الفراغ.فقد نجد صرامة تستغرق بعض النفوس فلا تتسع لهذا الجانب اللطيف من جوانب الحياة، ولكن النفوس لاتستغرق هذا الاستغراق إلا دلت على شئ من ضيق الحظيرة(أي الخير)ونقص المزايا وإن نهضت بالعظيم من الأعمال.فاستراحة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الفكاهة:هي مقياس تلك الآفاق النفسية الواسعة التي شملت كل ناحية من نواحي العاطفة الإنسانية، وهي المقياس الذي يبدي من العظمة مايبديه الجد في أعظم الأعمال.

ويتابع العقاد:”وكان محمد صلى الله عليه وسلم يتفكه ويمزح،كما كان يستريح إلى الفكاهة والمزاح،وكان دأبه في ذلك كدأبه في جميع مزاياه:يعطي كل مزية حقها،ولايأخذ لها من حق غيرها،أو يعطي الفكاهة حقها،ولاينقص بذلك من حق الصدق والمروءة. وإذا مزح محمد صلى الله عليه وسلم فإنما كان يعطي الرضى والبشاشة حقهما، ولايأخذ لهما من حق الصدق والمروءة..فكان مزاحه آية من آيات النبوة، لأنه كان كذلك آية من آيات الإنسانية، ولم يكن بالنقيض الذي يستغرب من نبي كريم”.

ويقول الأستاذ عصام العطار في كتاب التلميذ الناشئ والشيخ الحكيم:

“إن الإسلام دين الحياة كل الحياة،والناس كل الناس، فهم يستطيعون أن يعيشوا به حياة طبيعية غنيّة سليمة،ويستجيبوا به استجابة كاملة لكل حاجاتهم الإنسانية المشروعة، بما في ذلك حاجتهم أحياناً إلى بعض المزاح المهذب،يستعينون به على الجدّ، ويجدّدون به مافَتَر من النشاط،ويستمتعون به أيضاً متعة بريئة دون أن يتجاوزوا به الحدود.وهذا القدر البرئ المشروع من المزاح يُحمد ولا يُذم عقلاً ولاشرعاً. ألم تسمع قول أبي تمام الطائي:

الجِدُّ شِيمَتُهُ  وفيه فكاهةٌ           سُحُجٌ ولاجِدٌ لمن لم يلعبِ

والسجح هو اللين.

ويتابع الأستاذ العطار:”وما أحوجنا إلى أن يكون المسلم سُجُحاً، من غير ضعفٍ ولاتفريطٍ ـ في أسرته مع زوجه وأطفاله، وفي مجتمعه مع إخوانه وأصحابه، ومع سائر الناس، فإذا كان مايقتضي الصلابة في أي وقت أو ظرف كان أصلب على الخطوب من الخطوب، وعلى عوِج الزمان من الزمان كما يقول أبو تمام أيضاً في نفس القصيدة:

صُلْبٌ إذا اعوّجَ الزمانُ ولم يكنْ         لِيُلينَ صُلْبَ الخَطبِ من لم يَصْلُبِ

أقوال وأمثال في الترويح عن النفس:

علي رضي الله عنه:”أجموا هذه القلوب(أريحوها) والتمسوا لها طرف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان. والنفس مؤثرة للهوى، آخذة بالهوينى، جانحة إلى اللهو، أمارة بالسوء، مستوطنة للعجز، طالبة للراحة، نافرة عن العمل، فإن أكرهتها أنضيتها(أتعبتها وأبليتها) ،وإن أهملتها أرديتها”.

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:” إن للقلوب شهوة وإقبالاً، وإن للقلوب فترة وإدبارا، فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها”.

وقال ايضاً:”أريحوا القلوب، فإن القلب إذا أُكره عَمي”.

الحسن البصري:”حادثوا هذه القلوب، فإنها سريعة الدثور، واقدعوا(ازجروا) هذه الأنفس فإنها طُلَعة(كثيرة التطلع)، ذلكم إلا تزعوها(تزجروها) تنزع بكم إلى شر غاية”.

في صحف إبراهيم عليه السلام:”وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعةٌ يناجي فيها ربه، وساعةٌ يحاسب بها نفسه، وساعةٌ يخلّي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحلّ ويَجمل، فإن هذه الساعة عونٌ له على سائر الساعات(بهجة المجالس ج1 ص116)

أحدهم: “لاينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من أربع:عدة لمعاده، وصلاح لمعاشه، وفكر يقف به على مايصلحه من فساده، ولذة في غير محرم يستعين بها على الحالات الثلاث”.

وجاء في الأدب الصغير لإبن المقفع:”وعلى العاقل، مالم يكن مغلوباً على نفسه، أن لايشغله شَغَلٌ عن أربع ساعاتٍ:ساعةٍ يرفعُ فيها حاجته إلى ربه،وساعةٍ يحاسبُ فيها نفسه، وساعةٍ يُفضي فيها إلى إخوانه وثقاته الذين يَصدقونهُ عن عيوبه وينصحونه في أمره،وساعةٍ يُخلي فيها بين نفسه وبين لذّتها مما يَحلُّ ويَجمُل،فإن هذه الساعة عَونٌ على الساعات الأخر، وإن استجمام(راحة) القلوب وتوديعها(تركها وادعة مطمئنة) زيادةُ قوّةٍ لها وفَضلُ بُلغة(مايكفي من العيش ولايفضل منه)”.

قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه يوماً: يا أبت إنك تنام نوم القائلة وذو الحاجة على بابك غير نائم. فقال: “يابني إن نفسي مطيتي فإن حملت عليها فوق الجهد قطعتها”.

عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:”تحدثوا بكتاب الله تعالى، وتجالسوا عليه، وإذا مَللِتم فحديثٌ من أحاديث الرجال حسنٌ جميل”(بهجة المجالس ج1 ص116).

4 ـ الابتعاد عن بؤر التوتر والانفعال السلبي والخوف

جاء في مجموعة دائرة سفير للمعارف الإسلامية:

الانفعال في اللغة:

التأثر بالشئ انبساطاً وانقباضاً، وهو مصدر للفعل”انفعل”.

والانفعال في علم النفس:

حالة وجدانية شعورية تنشأ عن إعاقة السلوك أو التفكير المعتاد، وتشمل الفرد كله وتؤثِّرـ وفقاً لشدتها ـ في كل سلوكه وتعبيراته الظاهرة، وخبراته الشعورية، ووظائفه الفسيولوجية، ومن صوره:الخوف والغضب والسرور.

وتُصنف الانفعالات بحسب مصدرها والموقف الذي تظهر فيه إلى فئات أربع:

الفئة الأولى:

وهي الانفعالات التي تُسثار من خلال مؤثرات حسيّة مباشرة، وتضم ثلاثة أنواع:

ـ الشعور باللذة، وينتج عن مصدر تنبيه ملائم.

ـ والشعور بالألم وينتج عن مصدر تنبيه مؤذٍ.

ـ والشعور بالتقزّز وينتج عن مصدر تنبيه كريه

وكل هذه الانفعالات أساسية لازمة لبقاء الكائن الحي.

والفئة الثانية:

وتُستثار من خلال التقدير المعرفي للمواقف، أو مصدر التنبيه، ومن أمثلتها:

ـ الشعور بالسرور والسعادة، للاقتراب مما يحبّ،أو لإنقطاع ضرر.

ـ والشعور بالحزن والأسى، لفقدان شئ مما يحب أو لحدوث شئ ضار.

والشعور بالغضب، نتيجة وجود عقبة أمام السلوك الذي يحقق الهدف.

ـ والشعور بالدهشة، نتيجة الظهور المفاجئ لموضوع محّبب غير متوقع

ـ والشعور بالخوف، نتيجة توقع حدوث مكروه أو خطر، مما يمكّن الكائن الحي من الهروب من مصدر الخطر أو التهديد.

والفئة الثالثة:

انفعالات معقدة تنتج عن شعور الشخص تجاه المواقف الاجتماعية، وتتمثل في الشعور بالفخر، أو الشعور بالخزي، أو الشعور بالذنب.

والفئة الرابعة:

انفعالات ناتجة عن علاقات الفرد مع الآخرين، وتشمل الشعور بالحب، والشعور بالكراهية.

وقد جاء ذكر انفعالي الخوف والحزن في القرآن الكريم في وصف انفعالات الإنسان عند الموت،وهو خوفه مما يحدث له بعد الموت من مكروه، ويكون حزيناً على حرمانه من رعاية من يعولهم ومودتهم، وحيال هذين الانفعالين يُطمئن الله العباد الصالحين، فيقول تعالى:{تتنزّلُ عليهم الملائكةُ ألا تخافوا ولاتحزنوا وأبشروا بالجنّةِ التي كنتم تُوعدون*نحنُ أوليأؤُكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة}[فصلت30 ـ 31]، ويقول تعالى أيضاً:{لِكيلا تاسوا على مافاتكم ولاتفرحوا بما آتاكم}[الحديد23].

ويمكن التمييز بين الانفعالات وفقاً لعدد من الخصائص، منها:

ـ الطابع الوجداني الذي يتراوح بين السرور والكدر، وتعنى بصفة عامَّة التوجه إلى الموقف بإقبالٍ أو نفور.

ـ الشدّة أو “الحدّة” التي تتراوح الاستثارة تبعاً لها بين الارتفاع والتوسط والانخفاض.

ـ الاستمرار أو المدّة،فمن الانفعالات ما يستغرق مدّة زمنية طويلة، ومنها ما لايمكن أن يكون كذلك بطبعه، كالألم، حيث إنه ربما يفضي إلى القضاء على الإنسان، ومنها مايستنفد طاقته استنفاداً، كالخوف والغضب، وذلك إذا طالت فترته الزمنية،وقد يؤدي إلى إصابته بالأمراض النفسية والجسمية.

ـ البساطة والتعقيد:وتنقسم الانفعالات على أساسها إلى”انفعال بسيط” كالسرور أو الحب، و”انفعال مركب” من عدة انفعالات إيجابية مثل السرور مع الفخر والحب، و”انفعال مركب” من أكثر من “انفعال متعارض ممتزج” كالحب مع الخوف والقلق.

وقد يصعب في النوع الثاني أن يتم إدراك”الانفعال” الغالب على هذا المزيج.

وتتم دراسة الانفعال من خلال جوانب ثلاثة رئيسية، هي:

1ـ الجانب الفسيولوجي المتمثل في التغيرات الجسمية الفسيولوجية، التي تنتج عن تنشيط أجزاء الجهاز العصبي، وإمداده الجسم بالطاقة التي تساعده على مواجهة الطوارئ، ومن هذه التغيرات:

ـ زيادة سرعة ضربات القلب.

ـ وارتفاع ضغط الدم

ـ ونقصان اللعاب

ـ وزيادة كمية العرق

وتختلف درجة هذه التغيرات بحسب درجة الموقف، فالخوف في حال الحرب غير الخوف من ضياع أموال قليلة.

وقد يعكس ردّ الفعل المتمثل في التغير الفسيولوجي حالة اضطراب لدى من ينفعل بالموقف، فقد يكون”الانفعال” سوياً كالخوف، استجابة لمثير مخيف، وقد يكون”انفعالاً”يعكس الاضطراب كالاستجابة لمثير لايخيف عادة.

2 ـ الجانب الإدراكي المعرفي، وهو تفسير للموقف الانفعالي يترتب على المعرفة والاعتقاد،فمثلاً غذا رأيت رجلاً يعلّشق طفلاً من رجليه ويضربه على ظهره فإنك قد تغضب، ولكنك إذا علمت أن هذا الطفل قد بلع قطعة نقود معدنية، وأن الرجل يحاول إنقاذه فإنك ستهدأ، أي أن التدبر المعرفي يحدد “درجة الانفعال”.

ومنه ما يخفف”درجة الانفعال”، كالفرق بين ركوب سيارة تنحدر بسرعةٍ غلى هُوّة،وأن تكون هذه السيارة من لعب الملاهي.

3 ـ والجانب التعبيري: ومنه جانب خاصّ بفئة أو طائفة من الناس كإخراج اللسان عند الّهش لدى أهل الصين، ومنه ماهو عامّ كبعض النماذج السابقة.

وقد أكدت البحوث النفسية وجود علاقة بين”درجة الانفعال”ودرجة الأداء العقلي والأداء الإبداعي، فالانفعال الشديد أو المنخفض يترتب عليهما ضعف الاداء العقلي،أما “الانفعال المعتدل”فهو التربة الصالحة للإبداع وعمل العقل.

وللإنفعال وظائف مهمة في حياة الإنسان والحيوانن”فانفعال الخوف”يدفعنا إلى تجنب الأخطار، و”انفعال الغضب” يدفعنا إلى الدفاع عن النفس والجهاد وغيرهما،و”انفعال الحب” يُعدّ أساس التآلف بين الناس وانجذاب بعضهم إلى بعضهم الآخر، وغير ذلك.

وأما الأمن والخوف:

جاء أيضاً في مجموعة السفير:

الأمن في اللغة:اطمئنان النفس وسكونها، وهو مصدر للفعل”أمِنَ”. يقال:أمِنَ، أي اطمأن، وهو مقابل الخوف.

وقد وردت كلمة الأمن في القرآن الكريم في مثل قوله تعالى:{وإذا جاءهم أمرٌ من الأمنِ أو الخوفِ أذاعوا به}[النساء 83].

كما ورد في السنة المطهرة،ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:”من كظم غيظاً وهو قادرٌ على أن ينفذه ملأه الله أمناً وإيماناً“[سنن أبي داود].

والأمن إحدى ثمرات الإيمان والعمل الصالح. قال تعالى:{وعدَ الله الذينَ آمنوا منكم وعملوا الصالحاتِ ليستخلفنهم في الأرضِ كما استخلفَ الذينَ من قبلهم ولَيُمكننَّ لهم دِينَهُم الذي ارتضى لهم ولَيُبدِّلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لايشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هُمُ الفاسقون}[النور55].

ومقابل الأمن: الخوف. وقد جعل الله تعالى الخوف والجوع نقمة يسلّطها على الكافرين والجاحدين.قال تعالى:{وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقها رَغَداً من كلِّ مكان فكفرت بانعم الله فأذاقها الله لِباسَ الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} [النحل 112].

5ـ تجنب القلق

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(كتاب جدد حياتك ص23):

“من أخطاء الإنسان أن ينوء في حاضره بأعباء مستقبله الطويل.والمرء حين يؤمل ينطلق تفكيره في خط لانهاية له،وما أسرع الوساوس والأوهام إلى اعتراض هذا التفكير المُرسل،ثم تحويله هموماً جاثمة،وهواجس مقبضة.

لماذا تخامرك الريبة ويخالجك القلق؟!عِشْ في حدود يومك فذاك أجدر بك، وأصلح لك.والعيش في حدود اليوم يتسق مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم:”من أصبح آمناً في سِربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها”.[رواه الترمذي].

إنك تملك العالم كله يوم تجمع هذه العناصر كلها في يديك فاحذر أن تحقرها؟

إن الأمان والعافية وكفاية يوم واحد قوى تُتيح للعقل النيّر أن يفكر في هدوء واستقامة تفكيراً قد يُغيّر به مجرى التاريخ كلِّه، بَلْهَ حياة فرد واحد.

إن هذه النعم المُيسّرة ضمان كبير لصاحبها كي يقطع من الزمن فترة كاملة الإنتاج، مطّردة السير، مُراحة من العوائق والمثبطات.

والحق أن استعجال الضوائق التي لم يحن موعدها حمق كبير، وغالباً مايكون ذلك تجسيداً لأوهام خلقها التشاؤم،ولو كان المرء مصيباً فيما يتوقع فإن إفساد الحاضر بشؤون المستقبل خطأ صرف،والواجب أن يستفتح الإنسان يومه وكأن اليوم عالم مستقل بما يحويه من زمان ومكان.

كان الخليل إبراهيم عليه السلام إذا طلع عليه الصباح يدعو:”اللهم هذا خلق جديد فافتحه عليَّ بطاعتك،واختمه لي بمغفرتك ورضوانك وارزقني فيه حسنة تقبلها مني وزكِّها وضعِّفها لي،وما عملت من سيئة فاغفره لي،إنك غفور رحيم ودود كريم“.[الإحياء].وكان يقول :“من دعا بهذا الدعاء إذا أصبح فقد أدّى شكر يومه“.

وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلفتنا إلى صحة هذه الطريقة في تجزئة الحياة، واستقبال كل جزء منها بنفس محتشدة وعزم جديد.

فهو إذا أصبح يقول:”أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله ، لاشريك له، لا إله إلا هو وإليه النشور“.[أخرجه الترمذي]، وإذا أمسى قال مثل ذلك، وقد يدعو:”اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية وستر، فأتمم نعمتك عليَّ وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة“[رواه أبو داود]، وإذا أمسى دعا بمثل ذلك.

وبعض الناس يستهين بما أولاه الله من سلامة وطمأنينة في نفسه وأهله،وقد يزدري هذه الآلاء العظيمة،ويضخم آثار الحرمان من حظوظ الثروة والتمكين.وهذه الاستهانة غَمط للواقع ومَتلفة للدين والدنيا.

روي أن رجلاً سأل عبد الله بن عمرو بن العاص:ألست من فقراء المهاجرين؟فقال له عبد الله:ألكَ امرأة تأوي إليها؟قال:نعم. قال: ألكَ مسكن تسكنه؟قال: نعم.قال: فأنت من الأغنياء..قال: فإن لي خادماً. قال: فانتَ من الملوك[رواه مسلم].

إنّ الاكتفاء الذاتي، وحسن استغلال مافي اليدين ونبذ الاتكال على المُنى هي نواة العظمة النفسية وسر الانتصار على الظروف المُعنتة.

والذين لايشكون الحرمان ـ لأنهم أُوتوا الكثير ـ قلّما ينتفعون بما أوتوا إذا هم فقدوا الطاقة النفسية على استغلال مامعهم والإفادة مما حولهم.هذه حقيقة يؤكدها النبي الكريم مطلع كل صباح فيقول:”ماطلعت شمسٌ قطُّ إلا وبعث بجنبيها ملكان يُسمعان أهل الأرض :يا أيها الناس، هَلُّموا إلى ربكم ،فإنّ ماقلّ وكفى خير مما كثر وألهى. ولاغربت شمسُ قطُّ، إلا وبُعث بجنبيها ملكان يناديان:اللهم عجّل لمنفق خَلَفاً وعجّل لِمُمسك تَلَفاً“[الترغيب والترهيب].

ويتابع الشيخ الغزالي:”على أن العيش في حدود اليوم لايعني تجاهل المستقبل، أو ترك الإعداد له، فإن اهتمام المرء بغده وتفكيره فيه حَصافة وعقل.وهناك فارق بين الاهتمام بالمستقبل والاغتمام به،بين الاستعداد له والاستغراق فيه ،بين التيقظ في استغلال اليوم الحاضر وبين التوجّس المربك المحيّر مما قد يفد به الغد.

إن الدين في حظره للإسراف وحبه للاقتصاد إنما يؤمن الإنسان على مستقبله، بالأخذ من صحته لمرضه، ومن شبابه لهرمه، ومن سِلمه لحربه.

أتدري كيف يُسرق عمر المرء منه؟يذهل عن يومه في ارتقاب غده، ولايزال كذلك حتى ينقضي أجله، ويده صِفر من أي خير؟

ويتابع الغزالي:”في هؤلاء الذين ضيّعوا أعمارهم سُدىً، وتركوا الأيام تفلت من أيديهم لُقىً، يقول الله تعالى:{يوم تقوم الساعةُ يُقسمُ المجرمون مالبثوا غير ساعةٍ}[الروم55]، ويقول تعالى:{كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشيّة أو ضحاها}[النازعات46]”.

هؤلاء الناس المساكين الذين يتوقعون الهمّ قبل حدوثه ويتأهبون للموت قبل مجيئه، يعيشون أيامهم سوداء كالحة مخافة أن تمر عليهم أيام مقبلة مظلمة،خسروا حاضرهم وهدموا مستقبلهم.ومن هؤلاء من يحاول تفادي هذه الأوهام والهواجس بالتكالب على الدنيا والركض المتواصل في تحضير مكاسبها والحصول على مغانمها فيقع فريسة العطشان الصادي الذي أراد أن يروي ظمأه وعطشه بالارتواء من ماء البحر المالح كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً!

نعم،إن المدنية الحديثة وما جلبته من بعض المنافع المادية لبني البشر إلا أنها بالمقابل جلبت لهم مايسمى “أمراض المدنية الحديثة”وهذا سببه كله ما أصاب الناس من “السعار”،فهم لايبرحون يتأرجحون في معيشتهم بين عمل دائب،وهَمٍّ ناصب،وطمع شره،وتنافس دنيء بله،وعداوة راصدة،وضغائن قائمة،وحسد مقيم،وصراع مستديم….واستبحرت المدنية المادية فخفت بين ضجيجها الآلي،وصخبها  الجاري،خفت صوت الضمير،وهلك في عبابها المزبد وموجها المتلاطم سلام النفس والهدوء والصفاء المنير،وعاد الناس فيها كأوابد الوحش وضواري الغاب لا يقودهم إلا غريزة الآثرة،ولا يحكمهم إلا قانون الاستعلاء.

يقول الشيخ الغزالي رحمه الله (جدّد حياتك ص37):

“الخبراء بحياة الغرب يشكون من مرارة الكفاح الدائر في أرجائه للحصول على المال والمكاثرة به. فالأفراد والجماعات منطلقون في سباق رهيب لإحراز أكبر حظّ مستطاع من حُطام الدنيا.وقواهم البدنية والنفسية تدور كالآلة الدائبة وراء هذه الغاية، وقد احتشدت فيها جميع الخصائص الإنسانية الدنيا والعليا.

إلا أن الآلات قد يُقطر عليها من الزيت مايُرّطب حدّة الاحتكاك في حركتها،ويمنع الشرر المتولد من إحراقها. أما أعصاب الناس في عراك المادة الرهيب فكثيراً ماتفقد هذا العنصر الملّطف، وتمضي مُستثارةً يستبد بها القلق والضيق حتى تشتعل فتأتي على الأخضر واليابس.

وقد كتب “ديل كارنيجي” يصف مشاهد هذا السّعار المادي وماخلّفه في النفوس والجسوم من بلاء فقال:”عشت في نيويورك أكثرمن سبع وثلاثين سنة، فلم يحدث أن طرق أحد بابي ليحذرني من مرض يدعى”القلق”، هذا المرض الذي سبّب في الأعوام السبعة والثلاثين الماضية من الخسائر أكثر مما سببه الجدري بعشرة آلاف ضعف،نعم لم يطرق أحدٌ بابي ليحذرني أن شخصاً من كل عشرة أشخاص من سكان أمريكا معرّض للإصابة بانهيار عصبيٍّ مرجعه في أغلب الاحوال إلى القلق!!ويقرر الأطباء أن واحداً من كل عشرين أمريكياً سوف يقضي جانباً من حياته في مصحٍّ للامراض العقلية، ومن الحقائق المريرة أن واحداً من كل ستة شبان تقدموا للالتحاق بالخدمة العسكرية في خلال الحرب العالمية الأخيرة رُدّ على أعقابه لأنه يعاني مرضاً جسمياً أو نقصاً عقلياً.

ويتابع الشيخ الغزالي:”على ضوء هذه الصيحات المحزونة نحب أن نذكر بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذم هذا التكالب والترهيب من عقباه،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من جعل الهمَّ همّاً واحداً كفاه الله همَّ دنياه. ومن تَشعّبتهُ الهموم لم يُبالِ الله في أيّ أودية الدنيا هَلك“[رواه الحاكم].

هذا اللون من التوجيه النبوي يقصد به بثّ السكينة في الأفئدة،واستئصال جراثيم الطمع والتوجع التي تُطيل لُغُوبَ الإنسان وراء الدنيا وتحسِّره على مايفوته منها،وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من كانت الآخرة همّه جعل الله غِناه في قلبه،وجمع له شَمله، وأتته الدنيا وهي راغمة.ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ماقُدِّر له“[رواه الترمذي].ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إرضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس“[رواه أحمد]”.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 362 بتاريخ العاشر من حزيران عام 1940):

“يقول الأغرار من الناس إن السرعة الخاطفة عبقرية هذا العصر ومزيته.فمن لم يجرِ مرَّ على ظهره المتأخر وغيّر في وجهه المتقدم.وواجب السرعة أن تعمل ولا تستريح،وتفكر ولا تتأمل،وتأكل ولا تتذوق،وتنام ولا تحلم،وتموت ولا تمرض.ونحن نقول لهم إن السرعة ليست عبقرية ولا مزية،وإنما هي مسّ من الجنون اصاب العالم منذ اخترعت الآلة.ذلك أن الآلة مخلوق أرضي جهزه العلم بعشرات الأعضاء ليس بينها اللسان ولا القلب ولا العقل ولا الروح، فهي تلد ولا ترأم ما تلد،وتعمل ولا تضمن ما تعمل،وهي تكون للشر كما تكون للخير،وتنتج للموت كما تنتج للحياة.وطبيعة الآلة سرعة الحركة ووفرة الانتاج،فلم تكد تسيطر على مجاري العمل في أقطار الأرض حتى دفعت العالم دفعاً عنيفاً إلى الاستهلاك والإهتلاك والتسابق والتنافس،والاصطراع والكدح،فهو دأب لا يفتر،ونصب لا يستروح،ونهم لا يشبع ،وعراك لا ينقطع.ولئن سألت المتبجحين بعصر السرعة على العُصر الخوالي كيف يجد الجسم راحته في هذا الاضطراب الدائم،وأين يلتمس القلب سعادته في هذا الجحيم المستعر،لا تسمع منهم غير جواب أشعب حين اجرى الصبيان إلى الوليمة خادعاً بالحيلة،ثم جرى معهم مخدوعاً بالوهم!

هذه هي الحرب التي عرفها العالم منذ خلق الله آدم وإبليس قد انقلبت في عصر السرعة آلية لا تعتمد على فضائل النفس ولا على خصائص الروح،وإنما تعتمد على سرعة الدواليب في الطيارة والسيارة والدبابة والدراجة والغواصة والبارجة.فأصبح الفرق بين الآلة والسيف في حصد الأرواح كالفرق بين الماكينة والمنجل في حصد الحنطة!”.

ويقول الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد 117 بتاريخ 30 إيلول عام 1935):

“المدنية الأوربية،على خيراتها وما أجدت على الناس من علمها ورفاهيتها،مدنية مادية دعائمها المعادن والأحجار، يصاغ قلبها من الذهب والحديد وأشباههما،ويغذى بالفحم والنفط وأخواتهما،وتدور بهما دواليب المصانع والمغازل والمناسج.قد استحكمت فيها الآلات،وأتقنت الصناعات حتى أغنت عن الإنسان أدواتها،ونافسه عتادها،فثارت العداوة بين الآلات وصانعيها وعمالها ومالكيها.

طبع إنسان هذا العصر آلياً دائراً لا يألف الاستقرار ولا يعرف السلام،ولا تتمكن في قلبه المحبة، ولا تستقر في سريرته الشفقة.واستكلبت هذه الآلات على غذائها،وتنافست في أقواتها،وأحس كل أنها القوة لا العدل،والغلبة لا الإنصاف، فنفخوا في الأمم روح العصبية،وغرور العنجهية،وزعم كل قبيل أن أوله خير الأولين، وأنه سيد الحاضرين،وأن بنيه سادة الآتين،وأن الأرض كلها له،وأن الويل لمن جادله”.

يقول الأستاذ ناجي الطنطاوي رحمه الله(كلمات نافعة ص429):

“وهذه الحياة بزخرفها ومتاعها وزينتها لاتدوم لأحدٍ وهي لاتستحق أن نحصر تفكيرنا فيها ولا أن نعمل لها وحدها،بل علينا أن نأخذ منها مايكفينا كالمسافر الذي يأخذ من الزاد مايبلغه المحل، لانه سوف يقضي أياماً معدودةً في الطريق إلى أن يصل إلى البلد الذي يقصده كي يستقر فيه.

والنفس مفطورةٌ على الطمع فلايكفيها شئٌ وكلما نالت نصيباً من الدنيا طلبت المزيد،وقد ورد:”منهومان لايشبعان طالب علمٍ وطالب مال“.وجاء في الأثر:”لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً ولن يملأ فم ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب“.

أما هؤلاء الذين يعيشون للمادة وحدها ولايفكرون في صباحهم ومسائهم إلا بأمور التجارة والأعمال والحسابات، ولايتركون ساعةً من يومهم لتغذية أرواحهم بالمواعظ الرقيقة وتنمية عقولهم بالعلوم النافعة فإنهم سوف يندمون حين يبلغون الشوط الأخير من حياتهم ويستلم ورثتهم أموالهم من بعدهم ويحاسبون في الآخرة على كل قرشٍ منها”.

وهناك أناس يعيشون قلقاً مستمراً يخافون المرض قبل حدوثه، ويموتون من الموت خوف حدوثه هم في هَمٍّ دائم، وغمٍّ ملازم، يتوقعون أسوأ العواقب والنتائج لصدمات بسيطة وحوادث تافهة تحيط بهم أو تقع فيما حولهم .

يقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله (جدد حياتك ص28):

“إذا دهمتك شدة تخاف منها على كيانك كلّه ، فما عساك تصنع؟.

تدع الرّوع ينهب فؤادك، والعواصف الجائحة ترمي بك في مكان سحيق؟أم تقف مطمئناً وتحاول أن تتلّمس بين هذه الضوائق مأمناً يهديك إليه الفكر الصائب؟

ويتابع:” وقد يتوقع الإنسان بعض النوازل المخوّفة، ويستبد به القلق في انتظارها، وكأنما هي الموت أو أشد.

وربما لم يهنأ له طعام، ولا ارتسم على فمه ابتسام من تفكيره المشدود إلى مايتوقع.والناس من خوف الفقر في فقر، ومن خوف الذل في ذل!!

وهذا خطأ بالغ. فالمؤمن الراشد يفترض أن أسوأ مايقلقه قد وقع بالفعل، ثم ينتزع مما تبقى له ـ بعد هذا الافتراض  ـ عناصر حياة تكفي، أو معاني عزاء تشفي، على نحو ماقال الرسول صلى الله عليه وسلم:”لِتعزِّ المسلمين في مصائبهم المصيبة فيَّ،إنهم لن يصابوا بمثلي“.

أجل فقد كانت حياته لهم بركةً ماتُعوّض، ثم حُمَّ القضاء وذهب، فكل مُصاب بعده هيِّنٌ.

إن الإنسان يتخوّف فقدان ما ألف، أو وقوع مايفدح حمله، وكلا الأمرين ـ بعد حدوثه ـ يُستقبل دون عناء جسيم”.

ويتابع الغزالي:”والتحسّر على الماضي الفاشل، والبكاء المجهد على ماوقع فيه من آلام وهزائم هو ـ في نظر الإسلام ـ بعض مظاهر الكفر بالله والسخط على قدره.

ومنطق الإيمان يوجب نسيان هذه المصائب جملة، واستئناف حياة أدنى إلى الرجاء وأحفل بالعمل والإقدام.وفي هذا يقول الله عز وجل:{يا أيها الذين آمنوا لاتكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزىً لو كانوا عندنا ما ماتوا وماقُتلوا ليجعل الله ذلك حسرةً في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بماتعملون بصير}[آل عمران156].

ويتابع الشيخ الغزالي:”والإيمان الحق يجعل الرجل صُلب العود، لايميل مع كل ريح،ولاينحني مع أي خَلّة”.

إن القلق الدائم الذي يصاحب الكثير من الناس والذين ابتعدوا عن الدين والإيمان يجعلهم يعيشون حياة شقاء وبلاء، وحياة ضنك ونكد وهم في تفكير دائم ومستمر بما تحمله الأيام القادمة من أمراض ونكبات وكوارث تزلزل عليهم معيشتهم وتراهم في بركان داخلي يستعر بالنيران التي تحرق الأفئدة والعقول، وتمنعهم من برد اليقين وحرارة ودفء الدين.

وعلى النقيض من ذلك نجد هناك أناساً يعيشون تجارب الماضي الفاشلة، ومرارات الأيام السالفة،يتجرعون الألم عند الذكرى، ويغصون بالحرق عند التذكر، يعيشون مابين “لو” و”ليت” لايبتعدون عنهما تشاطرهم يقظة الحاضر والصحو، وتهجم عليهم في النوم وعند الغفو.

يقول الأستاذ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص75):

“إحساس المؤمن بأنّ زمام العالم لن يفلت من يد الله يقذف بمقادير كبيرة من الطمأنينة في فؤاده.

والحقُّ أنه لامعنى لتوتر الأعصاب واشتداد القلق بإزاء أمور تخرج عن نطاق إرادتنا.

أما إذا فرغت نفسه من الله، ونظر إلى الأحداث كأنها موج يتدّفع مدّاً وجَزراً،يغرق فيها من يغرق،وينجو من ينجو،فإنه يحيا بفؤادٍ هواء،تلعب به الأحداث والظنون.

إن كثيراً من الناس يجهلون هذه الحقيقة أو يجحدونها،ويباشرون أعمالهم وهم يحملون بين جوانبهم هموماً مقيمة، ومشاعر عقيمة.وهم لايجزعون من أحزان تصيبهم فحسب، بل يجزعون من أحزان يتوقعونها،ويفترضون أن المستقبل قد يرميهم يها.

وكم يجمح بهم الخيال فيملأ حياتهم بأشباح الموت والدمار،ويوهمهم أنهم بين الحين والحين معرّضون لهجوم من هنا وغدر من هناك!!.

ويقول الأستاذ الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص109):

“أما العودة إلى الأمس القريب أو البعيد لنجدّد حزناً،أو ننكأ جرحاً، أو ندور حول مأساة حزّت في نفوسنا لنقول:”ليت”، و”لو”، فإن هذا مايكرهه الإسلام وينفّر من التردي فيه، بل إنّ هذا كان ديدن الحيارى والمترددين من المنافقين ومرضى القلوب:{يُخفُونَ في أنفُسِهِم مالايُبدونَ لكَ يَقولونَ لو كانَ لنا من الأمرِ شئٌ ماقُتلنا ها هنا قل لو كُنتُم في بُيوتِكُم لبرزَ الذين كُتِبَ عليهمُ القتلُ إلى مضاجِعِهم}[آل عمران 154]،{الذينَ قالوا لإخَوانِهِم وقعدُوا لو أطاعُونا ماقُتِلُوا قل فادرأوا عن أنفُسِكُمُ الموتَ إن كُنتُم صادقين}[آل عمران 168]”.

ويقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص130):

“وإن من أهم عوامل القلق الذي يفقد الإنسان سكينة النفس وأمنها ورضاها هو تحسره على الماضي وسخطه على الحاضر، وخوفه من المستقبل.

إن بعض الناس تنزل به النازلة من مصائب الدهر، فيظل فيها شهوراً وأعواماً، يجترّ آلامها ويستعيد ذكرياتها القاتمة، متحسراً تارة،متمنياً أخرى. شعاره:ليتني فعلت، وليتني تركت، لو أني فعلت كذا لكان كذا، وقديماً قال الشاعر:

ليت شعري، وأين مني “ليت”؟          إن “ليتاً” وإن “لواً” ..عناء

وأبعد الناس عن الاستسلام لمثل هذه المشاعر الأليمة، والأفكار الداجية هو المؤمن الذي قوي يقينه بربه، وآمن بقضائه وقدره،فلايسلم نفسه فريسة للماضي وأحداثه، بل يعتقد أنه أمر قضاه الله كان لابد أن ينفذ، وما أصابه من قضاء الله لايقابل بغير الرضا والتسليم.

إنه لايقول:”لو أني فعلت كذا لكان كذا،ولكن يقول: قدّر الله وماشاء فعل، فإن “لو” تفتح عمل الشيطان“كما علمه الرسول صلى الله عليه وسلم[الحديث رواه مسلم].

إنه يوقن أن قدر الله نافذ لامحالة، فلم السخط؟ ولم الضيق والتبرم؟والله تعالى يقول:{ما أصابَ من مُصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفُسِكُم إلا في كتابٍ من قبل أن نبرأها إنَّ ذلكَ على الله يسير*لكيلا تأسَو على مافاتَكُم ولاتفرحوا بما آتاكُم والله لايُحبُّ كُلَّ مُختالٍ فخور}[الحديد22 ـ 23].

إن شعار المؤمن دائماً”قدّر الله وماشاء فعل: الحمد لله على كل حال” وبهذا لايأسى على مافات، ولايحيا في خضم أليم من الذكريات، وحسبه أنه يتلو قوله تعالى:{ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم}[التغابن 11].

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد758):

“وإن متع الدنيا أوهام،من لم ينلها تشوّق إليها وحسد عليه،ومن نالها ملّها وتمنى غيرها:المتزوج يتمنى العزوبة،والعزب يشتهي الزواج،والمقيم يرجو السفر والمسافر يطلب المعاد،والريفي يحن إلى المدينة والمدني يتشهى الريف،ونحن كلنا أطفال…تشتري للطفل اللعبة النفيسة فيفرح بها،ويهش لها،ثم يلقيها ويطلب غيرها،ولو كان دونها ثم أن الآمال لا تنتهي…فمن أعطى المليون ابتغى المليونين،ومن رفع في الوظيفة درجة طلب درجتين فلا يزال في شقاءين شقاء بالحاضر الذي لا يقنع به وبالآتي الذي لا يصل إليه..”.

6ـ اغتنام الوقت وشغل الفراغ وتجنب السأم والملل

في الحديث الشريف:”نعمتان مغبون فيهما الكثير من الناس:الصحة والفراغ“.[رواه البخاري والترمذي وابن ماجة والحاكم وأحمد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما].

ويقول أبو العتاهية:

إنَّ الشبابَ والفراغَ والجِدَه            مُفسِدة للمرء أيَّ مفسده

يقول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد 22 ص136):

“أوقات العمل تملكنا.ولكننا نحن الذين نملك أوقات الفراغ ونتصرف فيها كما نريد، فهي من أجل هذا ميزان قدرتنا على التصرف وميزان معرفتنا بقيمة الوقت كله، وليست قيمة الوقت إلا قيمة الحياة..فالذي يعرف قيمة وقته يعرف قيمة حياته، ويستحق أن يحيا وأن يملك هذه الثروة التي لا تساويها ثروة الذهب، لأن مالك وقته يملك كل شيء ويصبح في حياته سيد الأحرار.

إن أفرغ الناس هو الذي لا يستطيع أن يملأ ساعات فراغه،وعندنا في الشرق كثيرون، بل كثيرون جداً، من هؤلاء الفارغين:على القهوات وعلى أفاريز الطرقات، في الصباح وفي المساء، خلال أيام الصيف وخلال الشتاء..

في كل وقت وكل موسم وكل مكان ألوف من الشبان الأقوياء والرجال الناضجين يقضون ساعات الفراغ في لعب النرد والورق أو في تعاطي الراح والدخان،أو في مراقبة الغادين والغاديات والرائحين والرائحات.ليس هذا وقتاً فارغاً لأنهم مشغولون فيه،وليس هذا وقتاً مملوءاً لأنهم يملأونه بما هو أفرغ من الفراغ.هذا ليس بوقت على الإطلاق.هذا عدم خارج من الزمان،خارج من الحياة.

وليس معنى”وقت الفراغ” أنه الوقت الذي نستغني عنه ونبدده ونرمي به مع الهباء، ولكن وقت الفراغ هو الوقت الذي بقي لنا لنملكه ونملك أنفسنا فيه،بعد أن قضينا وقت العمل مملوكين مسخرين لما نزاوله من شواغل العيش وتكاليف الضرورة”.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص275):

“كل مفقود عسى أن تسترجعه إلا الوقت، فهو إن ضاع لم يتعلق بعودته أمل،ولذلك كان الوقت أنفس مايملكه إنسان، وكان على العاقل أن يستقبل أيامه استقبال الضنين للثروة الرائعة،لا يفرط في قليلها بله كثيرها، ويجتهد أن يضع كل شئ، مهما ضؤل موضعه اللائق به.

إن المسلم الحق يغالي بالوقت مغالاة شديدة، لأن الوقت عمره ،فإذا سمح بضياعه، وترك العوادي تنهبه فهو ينتحر بهذا المسلك الطائش.

الإسلام دين يعرف قيمة الوقت، ويقدر خطورة الزمن، ويؤكد الحكمة الغالية”الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”. ويجعل من دلائل الإيمان وأمارات التقى أن يعي المسلم هذه الحقيقة ويسير على هداها.

وقد وزع الإسلام عباداته الكبرى على أجزاء اليوم وفصول العام. فالصلوات الخمس تكتنف اليوم كله.وأوقاتها تطرد مع سيره.{فَسبحانَ الله حينَ تُمسونَ وحينَ تصبحونَ ولهُ الحمدُ في السموات والأرض وعَشياً وحينَ تظهرون}[الروم8].

إن عمرك رأس مالك الضخم. ولسوف تُسأل عن إنفاقك منه،وتصرفك فيه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لاتزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع:عن عمره فيم أفناه؟وعن شبابه فيم أبلاه؟وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟وعن علمه ماذا عمل فيه“[رواه الترمذي].

والإسلام نظر إلى قيمة الوقت في كثير من أوامره ونواهيه. فعندما جعل الإعراض عن اللغو من معالم الإيمان ،كان حكيماً في محاربة طوائف المتبطلين الذين ينادي بعضهم بعضاً: تعال نقتل الوقت بشئ من التسلية!!وما درى الحمقى أن هذا لعب بالعمر،وأن قتل الوقت على هذا النحو إهلاك للفرد، وإضاعة للجماعة.

ومن المؤسف أن العوام لايبالون بإضاعة أوقاتهم سدى، ويضمون إلى هذه الجريمة السطو على أوقات غيرهم لإراقتها على التراب،وإنهم ليقتحمون على رجال الأعمال خلواتهم الجادة ليشغلوهم بالشئون التافهة”.

ويقول الأستاذ العلامة الشيخ محمد لطفي الصباغ حفظه الله(قضايا في الدين والحياة والمجتمع ص283):

“والفراغ نعمة عظمى لأن الشغل المستمر يوهن الجسم،ويحجب المرء عن مصادر الثقافة ويحول بينه وبين ارتقاء الروح، ويمنعه من التأمل في الكون،والحياة،وسنن الله في خلقه،ويحرمه الراحة والتمتع بمباهج الحياة وزينتها،ويمنعه من الاستكثار من الطاعات والقربات،ولايمكنه من مساعدة الآخرين ،فلايغيث ملهوفاً،ولايفعل معروفاً،ولاينصر مستجيراً، ولايدعو إلى الله،ولايأمر بالمعروف ولاينهى عن المنكر،بل لايمكنه من بناء بيته، فلايجد الوقت لتربية أولاده على مايريد.ومن هنا كان الفراغ نعمة كبرى لمن يكرمه الله، فإذا وجد الفراغ كان شكره أن يملأه بما يعود عليه وعلى أبناء أمته بالخير والثواب.

ويتابع الدكتور الصباغ:”المرء في سباق مع الأجل وظروف الحياة الصعبة، والعمر يمرُّ سريعاً، ولذا فقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تأمر بالمسارعة إلى الخير والمسابقة إلى الطاعة،لأن الإنسان لايشعر بنفسه إلا وقد وخطه الشيب، وتخطى مرحلة الشباب،واقترب من نهاية رحلة الحياة.

قال تعالى:{وسارِعُوا إلى مغفرةٍ من ربِّكُم وجَنَّةٍ عَرضُها السَّمواتُ والأرضُ أعِدَّت للمُتَّقين * الذينَ يُنفقونَ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والكاظمينَ الغيظَ واللهُ يُحِبُّ المُحسنين*والذينَ إذا فَعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفُسَهُم ذكروا اللهَ فاستغفروا لِذُنُوبِهم ومن يَغفِرُ الذُّنوبَ إلا اللهُ ولم يُصِرُّوا على مافعلوا وهم يعلمون}[آل عمران 133ـ 135]، وقال تعالى:{وسابقوا إلى مغفرةٍ من رَبِّكم وجنةٍ عرضها السماء والأرض أعدِّت للذين آمنوا بالله ورسله} [الحديد21].

فالله سبحانه يأمرنا بالمسارعة إلى المغفرة والجنة والمسابقة إليها قبل أن يحال بيننا وبينها،ولاينبغي أن تغرّنا الحياة الدنيا،فقد جاء قبل هذه الآية قوله سبحانه:{اعلمُوا أنّما الحياةُ الدُّنيا لَعِبٌ ولَهوٌ وزِينةٌ وتفاخرُ بَينَكُم وتكاثرٌ في الأموالِ والأولادِ كَمَثَلِ غَيثٍ أعجبَ الكُفَّارَ نباتُهُ ثُمَّ يهيجُ فتراهُ مُصفَرّاً ثُمَّ يكونُ حُطاماً وفي الآخرةِ عذابٌ شَديدٌ ومغفرةٌ من الله ورضوانٌ وما الحياةُ الدُّنيا إلا متاعُ الغُرور} [الحديد20].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك،وصحتك قبل سقمك،وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك،وحياتك قبل موتك“[رواه الحاكم والبيهقي وهو حديث صحيح].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسيا، أوغنى مطغياً،أو مرضاً مفسداً،أو هرماً مفنداً،أو موتاً مجهزاً،أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر“[رواه الترمذي، وفي سنده محرز وهو واه ولكن معناه صحيح رائع وتشهد له أدلة كثيرة ثابتة كما يقول الشيخ الصباغ].

ويتابع الدكتور الصباغ:”إن نعم الله لاتحصى{وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها}[إبراهيم 34، والنحل 18]، ومن أجلّها الإيمان، وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ههنا النعمتين(الصحة والفراغ)، لأن المرء بهما يقوم بالواجبات والمستحبات، وذلك يعود نفعه عليه وعلى مجتمعه في الدنيا والآخرة.

فإذا اجتمعت الصحة والفراغ لدى المسلم صاحب الهمة الذي يقدر هاتين النعمتين حق قدرهما استطاع أن يؤدي شكرهما وأن يبلغ رضوان الله.

إن الصحة وحدها لاتكفي لإنجاز أعمال الخير وفعل القربات،إذا كان الإنسان مشغولاً بأعمال أخرى، والصحة هي التي تمكن صاحبها من العمل، والفراغ هو الذي يوفر الظرف الزماني الذي يتم العمل فيه.

كثير من المسلمين في العالم الإسلامي اليوم يبددون أوقاتهم ويضيعونها فيما لا طائل تحته،تراهم يتسكعون في الطرقات،ويجلسون في القهوات، ويتحلقون حول أجهزة التلفزيون والمذياع،ويلعبون الورق وقد يقامرون ويعبثون، وغيرهم في جد دؤوب، واستفادة من الوقت والصحة. فكيف لايكونون مغبونين؟

ويتابع:”والصحة والفراغ رأس مال المسلم، وينبغي أن يعني المسلم الموفق برأس المال ويحافظ عليه، ويوظفه فيما يعود عليه بالربح الوفير.وابتغاؤه الربح يقتضيه بأن يستفيد من صحته وفراغه، فيؤدي الواجبات، ويجتنب المحرمات،ويستكثر من القربات.

فمن فعل ذلك حافظ على رأس المال وحصل على الربح الكثير، وكان موفقاً في تجارته التي يظهر ربحها في الآخرة{يوم تجد كلُّ نفسٍ ماعملت من خيرٍ محضرا}[آل عمران30] فَسُرَّ بالنعيم الأبدي في الجنة.ومن غلب عليه الكسل فلم يعمل الصالحات، واستعان بصحته على معصية الله، وشغل فراغه باقتراف المحرمات ،وانقاد إلى الهوى المهلك، والنفس الأمارة بالسوء، والشيطان الغرور،أضاع رأس المال، وخسر الخسارة العظمى، وهناك يدعو ثبوراً ويسحب على وجهه في النار،وإنه لمغبون حقاً،فالمغبون من باع بضاعته بثمن بخس يقلّ عن رأس المال فكيف بمن أضاع رأس المال كله”؟.

ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدّد حياتك ص63):

“في أحضان البطالة تولد آلاف الرذائل،وتختمر جراثيم التلاشي والفناء.

إذا كان العمل رسالة الأحياء فإن العاطلين موتى.وإذا كانت دنيانا هذه غِراساً لحياة تعقبها، فإن الفارغين أحرّى الناس أن يحشروا مُفلسين لاحصاد لهم إلا البوار والخسران.

أجل …فكم من سليم الجسم ممدود الوقت يضطرب في هذه الحياة بلا أمل يحدوه، ولاعمل يشغله،ولارسالة يخلص لها ويصرف عمره لإنجاحها.

ويتابع:”ومن أصدق مارواه الشافعي في أسس  التربية هذه الكلمة الرائعة:”إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل”.

وهذا صحيح، فإنّ النفس لاتهدأ.

إذا لم تَدُر في حركة سريعة من مشروعات الخير والجهاد والانتاج المنظم لم تلبث أن تنهبها الأفكار الطائشة، وأن تَلُفّها في دوامة من التُرّهات والمهازل.

وأفضل ماتصون به حياة إنسان أن ترسم له منهاجاً يستغرق أوقاته،ولاتترك فرصة للشيطان أن يتطرّق إليه بوسوسة أو إضلال.

وتوزع التكاليف الشرعية في الإسلام منظور فيه إلى هذه الحقيقة، ألاّ يُترك للنفس فراغ يمتلئ بالباطل، لأنه لم يمتلئ من قبل بالحق.

ويتابع:”إن الحق إذا استنفد مالدى الإنسان من طاقة مختزنة لم يجد الباطل بقية يستمد منها.وإذا استولى على قلبه ولبّه فلا مجال لوساوس اللهو وهواجس الريبة”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه(في سبيل الإصلاح ص110):

“ومن هذه الأخلاق أننا لانعرف قيمة الوقت،وأنا نضيع أوقاتنا سدى، ونذهب أعمارنا عبثاً لانعرف لها قيمة وهي أثمن مانملك.وإذا كان فينا من يحسن الاستفادة من وقته ،وينفقه في علم وأدب أو شئ مما ينفع الناس ،لم يعدم من الثقلاء من يضيع عليه وقته،ويسرق عمره ولا يتوهم أنه أساء…”.

الشيخ  أسامة الخياط: ويقول

“فالفراغ نعمة من نعم الله على عباده، وهو خلو الوقت من الشواغل، وخلو القلب من متاعب الحياة ومشاكلها ومن كل مايتنغّص به العيش، وتتكدر به الحياة.فإذا منّ الله على العبد بالراحة فعليه شكر هذه النعمة، وأن يصرّف أوقات الفراغ في الأصحّ والأمثل والأنفع له ولمجتمعه، وأن ينفق الوقت في إصلاح شأنه، وما يعلو به قدره.أما من يقطع الوقت لهواً ولعباً وإسفافاً، ويشغل أوقات الفراغ بالعبث والمجون والتهريج، وركن إلى القبيح وتعلّق بالأدنى، أو في العكوف على كتب الأساطير والقصص نسيجة الخيال أو القصص الخليعة وأحاديث الغرام التي تستثير الغرائز الكامنة وتحرض على الرزيلة، كل أولئك من اشتغل بالخسيس الأدنى، وأضاع الوقت الثمين سدى، وغبن غبناً فاحشاً،كان ممن عظمت مسؤوليته أمام مسدي النعمة.يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لاتزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس:عن عمره فيم أفناه،وعن شبابه فيم أبلاه،وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه،وماذا عمل فيم علم“.

وأقبح من هذا الفريق مسلكاً وأسوأ عاقبةً وأكثر غبناً من قطع الفراغ في القيل والقال، والتحبب لفلان على فلان طمعاً في جر مغنم لنفسه، أو لضعته وهوان نفسيته،أو مشى بالنميمة وأذاع الأراجيف، وروّج للأخبار الكاذبة، وإشاعة الفاحشة، واشتغل بالمهاترات الفاضحة، والهمز واللمز والسخرية، والنيل من المسلمين والتشهير بهم”.

ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج1 ص184 بعنوان الراحة في التغيير):

“خلق الإنسان ملولا، يمل النعيم إذا طال، ويمل الشقاء إذا طال، يمل الحَرّ إذا دام، ويمل البرد إذا دام، ويمل الأكل الشهي اللذيذ إذا استمر عليه، ويمل الأكل الخسيس إذا استمر عليه.

أخطأ الناس فظنوا أن الراحة معناها الانغماس في الكسل والإضراب عن العمل،والتمدد على سرير مريح، أو الاتكاء على كرسي مُجنّح أو نحو ذلك.

ما أصعب الحياة الراتبة وأشقها على النفس! إنها تميت القلب وتبعث على الخمود، ولابد لعلاجها من التجديد، وليس التجديد إلا نوعاً من التغيير.

ويتابع:”وأقدر الناس في هذه الحياة من استطاع ان يتغلب على السأم والملل بالتغيير المناسب في نفسه وفي غيره.وكثير من شرور هذا العالم سببه الملل،فكسل التلميذ وانصرافه عن الدرس نوع من الملل ،وخمول الموظف وقعوده عن الجد في العمل نوع من الملل،والخمود السياسي والفكري والاجتماعي نوع من الملل، والرغبة في الانتحار نوع من الملل،وكثيراً ما يكون الميل إلى الكيوف والإدمان عليها نوعاً من الملل،وكثيراً مايكون الشقاق العائلي وشقاء المنزل والمشادة بين الزوجين أحياناً والأبوين وأولادهما أحياناً نوعاً من الملل،إلى كثير من أمثال ذلك،وكلها أمراض صعبة التشخيص صعبة العلاج،تحتاج إلى نوع من الطب النفسي أدق من طب الأجسام، وتحتاج إلى بهارة في علم النفس لاتقل أهمية عن المهارة في علوم الطب”.

النفس الإنسانية وأحوالها في القرآن الكريم والسنة النبوية

جاء في القرآن الكريم وصف للشخصية الإنسانية وسماتها المختلفة وبجميع حالاتها الانفعالية وماتحمله في ثناياها من مشاعر الخير والشر، والتواضع والتكبر، والحلم والغضب، والإيثار والأثرة، والرحمة والقسوة…وهي أنماط عامة وشائعة نراها في المجتمعات القديمة والمعاصرة وفي كل الأوقات والعصور والدهور.

إن الإنسان خلق من ماء وطين وبالتالي تتمثل فيه بعض الصفات الحيوانية التي تنزع به إلى الأرض، كما أن الله نفخ فيه من روحه، فهو أيضاً يحمل بعض الصفات الملائكية التي تنزع به إلى السمو والسماء.

ويحدث هنا صراع بين مكوني تركيب الإنسان وهذا الصراع ومدى تأثيره على النفس الإنسانية يعطينا نموذجاً مختلفاً ومتعدداً لهذه النفس الإنسانية وماتحمله من سمات وصفات.

وهذا الصراع يتجلى بشكل خاص في الآيات القرآنية:{فأما من طغى* وآثر الحياة الدنيا* فإنّ الجحيم هي المأوى* وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإنّ الجنة هي المأوى}[النازعات 37 ـ 41]، وقوله تعالى:{وهديناه النّجدين}[البلد10]،وقوله تعالى:{إنا هديناهُ السبيل إما شاكراً وإما كفورا}[الإنسان3] وغيرها من الآيات الكريمة.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في كتابه مقومات التصور الإسلامي:

“إن القرآن يعرض أنماطاً من نماذج النفوس البشرية على نطاق واسع يشمل كل أنماط النفوس البشرية في أصالتها الفطرية، وفي حالاتها المنحرفة كذلك.في هداها وفي ضلالها، في رشدها وفي غيها،في استقامتها وفي إعراضها،في قوتها وفي ضعفها، في سرها وفي علانيتها، في فرديتها وفي جماعيتها.وفي شتى صورها وأشكالها وأوضاعها وأحوالها.يعرض ذلك كله في حيّزٍ من التعبير يستحيل ـ لو لم يكن من عند الله ـ أن يسع هذا الحشد الكبير من الأنماط والنماذج، والأحوال والأطوار،وأن يصوره في دقة وعمق لايبلغهما الأسلوب البشري ولا في أضعاف هذا الحيز من التعبير.

هذا المنهج لايعرض”النفس البشرية” في صورة مذهب. ولكنه يعرضها في صورة حقيقة.ويعرض الحقائق الكلية من خلال النماذج الفردية.كما أنه يعرض السُنة الثابتة من خلال الحديث العارض.إن عرض النفس في صورة “مذهب” ككلّ منهج مذهبي آخر ـ يجعل الكاتب يختار من الحقائق والملاحظات والوقائع والصور مايستقيم مع خطّ المذهب واتجاهه.ويميل إلى إغفال الحقائق والملاحظات والوقائع والصور التي تعارض خطه المذهبي ـ أو لا ينتظمها هذا الخط ـ أو تجريدها من أهميتها.ومن ثم تسقط جوانب شتى من الحقيقة الأساسية.وهذا هو المنهج البشري على الإطلاق! فأما المنهج القرآني فيعرض النفس الإنسانية كما هي في حقيقتها على النطاق الواسع الشامل، لأن العمود الأساسي في العرض هو حقيقة النفس الإنسانية في شتى حالاتها لامذهبٌ معين في النظر إليها”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(التصوير الفني في القرآن ص216):

“رسم القرآن في خلال تعبيره عن الأغراض الدينية المختلفة عشرات من “النماذج الإنسانية” في غير القصص. رسمها في سهولة ويسر واختصار، فما هي إلا جملة أو جملتان حتى يرتسم ” النموذج الإنساني” شاخصاً من خلال اللمسات، وينتفض مخلوقاً حياً خالد السمات.

تارة تكون هذه النماذج صورة للجنس الإنساني كله، وتارة تكون صورة لأفراد منه مكرورين، وهي في كلتا الحالتين نماذج خالدة، لايخطئها الإنسان في كل مجتمع، وفي كل جيل.

ولقد جاءت هذه الآيات لمناسبات خاصة، ولرسم نماذج شخصية واقعة. ولكن المعجزة الفنية في التصوير، جعلت هذه النماذج أبدية خالدة، تتخطى الزمان والمكان، وتتجاوز القرون والأجيال”.

ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد السابع ص389):

“وقد ذكرت النفس في القرآن بجميع قواها التي يدرسها اليوم علماء النفس المتخصصون لهذه الدراسات في موضوعاتها الحديثة…

فقوة الدوافع الغريزية تقابل النفس”الأمارة بالسوء”:{وما أُبرئ نفسي إنّ النفس لأمارةٌ بالسوء}[يوسف53] .

وقوة النفس الواعية تقابل النفس الملهمة:{ونفسٍ وماسَوّاها* فألهَمَها فُجُورَها وتَقواها* قد افلحَ من زكَّاها* وقد خاب من دَسّاها}[الشمس7 ـ 10] .

وقوة الضمير تقابل النفس اللوامة،وهي النفس التي يقع منها الحساب كما يقع عليها،وجاء ذكرها من أجل ذلك مقروناً بيوم القيامة:{لا أُقسِمُ بيومِ القيامة* ولا أُقسِمُ بالنّفسِ اللوّامة}[القيامة 1 ـ 2]

ثم ذكرت موصوفة بالإبصار والعلم بمواقع الأعذار:{بلِ الإنسانُ على نَفسهِ بصيرة* ولو ألقى مَعاذيره}[القيامة 14 ـ 15].

وقوة الإيمان والثقة بالغيب تقابل النفس المطمئنة:{يا أيتها النَّفسُ المُطمئنّة* ارجعي إلى ربِّكِ رَاضيةً مرضية}[الفجر27 ـ 28].

ويتابع رحمه الله:”فحساب النفس من حساب الإنسان، ولكن الذات الإنسانية أعمّ من النفس ومن العقل ومن الروح حين تذكر كل منها على حدة، فإن الإنسان يحاسب نفسه لينهاها عن هواها،ولكن الروح من أمر الخالق الذي لايعلم الإنسان منه إلا ماعلمه الله،ويتوسط العقل بين القوتين فهو وازع الغريزة ومستلهم لهداية الروح.

فالإنسان يعلو على نفسه بعقله، ويعلو على عقله بروحه،فيتصل من جانب النفس بقوى الغرائز الحيوانية ودوافع الحياة الجسدية، ويتصل من جانب الروح بعالم البقاء وسر الوجود وعلمه عند الله… وحق العقل أن يدرك ماوسعه من جانبه المحدود، ولكنه لايدرك الحقيقة كلها من جانبها المطلق إلا بإيمان وإلهام”.

ويقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص23):

“الإسلام  ـ كسائر رسالات السماء ـ يعتمد في إصلاحه العام على تهذيب النفس الإنسانية قبل كل شئ، فهو يكرس جهوداً ضخمة للتغلغل في أعماقها وغرس تعاليمه في جوهرها حتى تستحيل جزءاً منها.

وما خلدت رسالات النبيين وكونت حولها جماهير المؤمنين إلا لأن “النفس الإنسانية” كانت موضوع عملها ومحور نشاطها،فلم تكن تعاليمهم قشوراً ملصقة فتسقط في مضطرب الحياة المتحركة،ولا ألواناً مفتعلة.تبهتُ على مر الأيام. لا …لقد خلطوا مبادئهم بطوايا النفس، فأصبحت هذه المبادئ قوة تهيمن على وساوس الطبيعة البشرية وتتحكم في اتجاهاتها.

إن الأديان لن تخرج عن طبيعتها في اعتبار النفس الصالحة هي البرنامج المفصل لكل إصلاح،والخلق القوي هو الضمان الخالد لكل حضارة.والنفس المختلة تثير الفوضى في أحكم النظم،وتستطيع النفاذ منه إلى أغراضها الدنيئة، والنفس الكريمة،ترقع الفتوق في الأحوال المختلة ويشرق نبلها من داخلها، فتحسن التصرف والمسير،وسط الأنواء والأعاصير.ومن هنا كان الإصلاح النفسي الدعامة الاولى لتغليب الخير في هذه الحياة.فإذا لم تصلح النفوس أظلمت الآفاق، وسادت الفتن حاضر الناس ومستقبلهم،ولذلك يقول تعالى:{إنَّ اللهَ لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم}[الرعد11]وقوله تعالى:{ذلك بأنَ الله لم يَكُ مُغيّرا نعمة أنعمها على قومً حتى يغيروا ما بأنفسهم}[الأنفال 53].

والإسلام ـ في علاجه للنفس ابتغاء إصلاحها ـ ينظر إليها من ناحيتين:

أن فيها فطراً طيبة، تهفو إلى الخير،وتُسَرُّ إدراكه، وتأسى للشر وتحزن من ارتكابه.وترى في الحق امتداد وجودها وصحة حياتها.وأن فيها ـ إلى جوار ذلك ـ نزعات طائشة، تشرد بها عن سواء السبيل، وتزين لها فعل مايعود عليها بالضرر، ويُسِفُّ بها إلى منحدر سحيق.قال تعالى:{ونفسٍ وما سَوّاها*فألهَمهَا فُجُورَها وتَقواها*قد أفلحَ من زَكّاها* وقد خابَ من دسّاها}بالشمس 7 ـ 10]”.

أهم هذه النماذج الإنسانية :

1 ـ النفس الحائرة التعيسة التي استهوتها الشياطين بالشرك بعد التوحيد :

يقول تعالى:{قُل أندعو من دونِ الله مالا يَنفَعُنا ولا يضُرّنا ونُردُّ على أعقابِنا بعدَ إذ هدانا اللهُ كالذي استهوتهُ الشياطينُ في الأرضِ حيرانَ له أصحابٌ يدعونهُ إلى الهدى ائتنا قل إنّ هدى الله هوَ الهدى وأُمرنا لِنُسلمَ لِربِّ العالمين}[الأنعام 71].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(التصوير الفني في القرآن ص44):

“يريد أن يبرز الحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد،ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد والآلهة المتعددين، ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال،فيرسم هذه الصورة المحسَّة المتخيلة، فتبرز صورة هذا المخلوق التعيس الذي استهوته الشياطين في الأرض(ولفظ الاستهواء لفظ مصوّر لمدلوله) وياليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه، فتكون له راحةُ ذي القصد الموحد ـ ولو كان طريق الضلال ـ ولكن هناك من الجانب الآخر، إخوان له يدعونه إلى الهدى، وينادونه:”ائتنا”. وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء”حيران” موزع القلب، لايدري أي الفريقين يجيب، ولا اي الطريقين يسلك، فهو قائم هناك شاخص متلفت!

ويقول الشهيد في تفسير الظلال معقباً على الآية السابقة من سورة الأنعام:

“هذا الإيقاع القوي بحقيقة الألوهية وخصائصها، وباستنكار الشرك والعودة إليه بعد الهدى،وبمشهد الذي يرجع القهقرى مرتداً عن دين الله، وحيرته في التيه بلا اتجاه،وبتقرير أن هدى الله وحده هو الهدى..

ويتابع رحمه الله:”إنه مشهد حي شاخص متحرك للضلالة والحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد، ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد، والآلهة المتعددة من العبيد!ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال، فيذهب في التيه…إنه مشهد ذلك المخلوق التعيس”الذي استهوته الشياطين في الأرض”، وياليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه،فيكون له اتجاه صاحب القصد الموحد ـ ولو في طريق الضلال ـ ولكن هناك، من الجانب الآخر، أصحاب له مهتدون،يدعونه إلى الهدى، وينادونه”ائتنا” ـ وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء”حيران”لايدري أين يتجه، ولا اي الفريقين يجيب!

ويتابع رحمه الله:”ولقد كنت أتصور هذا المشهد وما يفيض به من عذاب الحيرة والتأرجح والقلقلة كلما قرأت هذا النص…ولكن مجرد تصور…حتى رأيت حالات حقيقية، يتمثل فيها هذا الموقف، ويفيض منها هذا العذاب…حالات ناس عرفوا دين الله وذاقوه ـ أياً كانت درجة هذه المعرفة وهذا التذوق ـ ثم ارتدوا عنه إلى عبادة الآلهة الزائفة،تحت قهر الخوف والطمع…ثم إذا هم في مثل هذا البؤس المرير…وعندئذ عرفت ماذا تعني هذه الحالة، وماذا يعني هذا التعبير!

2 ـ الشخصية الحائرة التي ضلت عن علم ومعرفة:

يقول تعالى:{واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناهُ آياتنا فانسلخ منها، فأتبعهُ الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنهُ أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثلهُ كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث}[الأعراف 175 ـ 176].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(المرجع السابق ص44):

“ويريد أن يكشف عن حال أولئك الذين يهيئ الله لهم المعرفة،فيفرون منها كأن لم تهيأ لهم أبداً،ثم يعيشون بعد ذلك هابطين، تطاردهم أنفسهم وأهواؤهم، بما علموا وبما جهلوا،فلاهم استراحوا بالغفلة، ولاهم استراحوا بالمعرفة، فيرسم لهم هذه الهيئة كما في الآية الكريمة، وفي الصورة تحقير وتقذيرـ وذلك غرض ديني لاشأن لنا به هنا ـ ولكنها من الوجهة الفنية صورة شاخصة، فيها الحركة الدائبة.وهي صورة معهودة، فهي في تثبيت المعنى المراد بها أشد وأقوى. وهكذا يلتقي الغرض الديني بالغرض الفني،كالشأن في جميع الصور التي يرسمها القرآن”.

ويقول رحمه الله في “الظلال” معقباً عن الآيات الكريمة في سورة الأعراف:

“إنه مشهد من المشاهد العجيبة،الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات…إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله،ويكسوه من علمه،ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع…ولكن هاهو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً.ينسلخ كأنما الآيات أديم متلبس بلحمه،فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة ،انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه..أو ليست الكينونة البشرية متلبسة بالإيمان بالله تلبس الجلد بالكيان؟.. هاهو ذا ينسلخ من آيات الله، ويتجرد من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى، ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم، فيصبح غرضاً للشيطان لايقيه منه واق، ولايحميه منه حام،فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه…ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد…إذا نحن بهذا المخلوق، لاصقاً بالأرض،ملوثاً بالطين،ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب،يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد…كل هذه المشاهد المتحركة تتابع وتتوالى، والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثر… فإذا انتهى إلى المشهد الأخيرمنها…مشهد اللهاث الذي لاينقطع… سمع التعليق المرهوب الموحي، على المشهد كله:{ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون* ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون} .

ذلك مثلهم! فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم. ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً. ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان، هابطون عن مكان “الإنسان” إلى مكان الحيوان..مكان الكلب الذي يتمرغ في الطين..وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى عليين،وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم، فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين!وهل أسوأ من هذا المثل مثلاً؟وهل أسوأ من الانسلاخ والتعري من الهدى؟ وهل أسوأ من الالتصاق بالأرض واتباع الهوى؟ وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟ من يعريها من الغطاء الواقي والدرع الحامي، ويدعها غرضاً للشيطان يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض، الحائر القلق، اللاهث لهاث الكلب أبداً!1!

ويتابع رحمه الله:”ما أكثر الذين يعطون علم دين الله،ثم لايهتدون به، إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه. واتباع الهوى به..هواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم ـ في وهمهم ـ عرض الحياة الدنيا.

وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها..ويعلن غيرها. ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل! يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعا!

إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله، فلم ينتفع بهذا العلم، ولم يستقم على طريق الإيمان،وانسلخ من نعمة الله. ليصبح تابعاً ذليلاً للشيطان.ولينتهي إلى المسخ في مرتبة الحيوان.

ثم ماهذا اللهاث الذي لاينقطع؟

إنه ـ في حسّنا كما توحيه إيقاعات النبأ وتصوير مشاهده في القرآن ـ ذلك اللهاث وراء أعراض هذه الحياة الدنيا التي من أجلها ينسلخ الذين يؤتيهم الله آياته فينسلخون منها.ذلك اللهاث القلق الذي لايطمئن أبداً.والذي لايتركه صاحبه سواء وعظته أم لم تعظه، فهو منطلق فيه أبداً.

والحياة البشرية ماتني تطلع علينا بهذا المثل في كل مكان وفي كل زمان وفي كل بيئة..حتى إنه لتمر فترات كثيرة، وما تكاد العين تقع على عالم إلا وهذا مثله. فهو مثل لاينقطع وروده ووجوده،وما هو بمحصور في قصة وقعت، وفي جيل من الزمان.

ولقد رأينا من هؤلاء ـ والعياذ بالله ـ في زماننا هذا من كان كأنما يحرص على ظلم نفسه، أو كمن يعض بالنواجذ على مكان له في قعر جهنم يخشى أن ينازعه إياه أحد من المتسابقين معه في الحلبة! فهو مايني يقدم كل صباح مايثبت به مكانه هذا في جهنم! ومايني يلهث وراء هذا المقطع لهاثاً لاينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا!

اللهم اعصمنا، وثبت أقدامنا، وأفرغ علينا صبراً، وتوفنا مسلمين”.

ويقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله:”من الناس من يستهويه الشيطان وينسى من نفسه معنى الإنسان ويهوي به الحنين إلى طينته، فإذا زل سكن إلى زلته، ولم يستطع أن يفيق من غفلته، أو ينهض من كبوته، فتحق عليه الكلمة ويهلك مع الهالكين”.

3 ـ الشخصية المتقلبة والمتزعزعة:

يقول تعالى:{ومنَ النّاسِ من يعبدُ الله على حَرْفٍ فإن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ بهِ وإن أصابتهُ فتنةٌ انقلبَ على وجههِ خَسرَ الدُّنيا والآخرة ذلكَ هوَ الخُسرانُ المبين}[الحج11].

وقوله تعالى:{ومن الناس من يقولُ آمنَّا بالله فإذا أُوذيَ في الله جعلَ فتنةَ النّاسِ كعذابِ الله ولئن جاءَ نَصرٌ من رّبكَ ليقُولُنّ إنّا كُنّا مَعكم أو ليسَ اللهُ بأعلمَ بما في صدورِ العالمين} [العنكبوت10].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(المرجع السابق ص45):

” يريد الله عز وجل أن يوضح حالة تزعزع العقيدة،حيث لايستقر الإنسان على يقين،ولايحتمل مايصادفه من  الشدائد بقلب راسخ،ولايجعل عقيدته في معزل عن ملابسات حياته، بعيدة عن ميزان الربح والخسارة.  فيرسم لهذا التزعزع صورة تهتز وتترنح، وتوشك على الانهيار.

ويتابع رحمه الله:”إن الخيال ليكاد يجسم هذا “الحرف” الذي يعبد الله عليه هذا البعض من الناس،وإنه ليكاد يتخيّل الاضطراب الحسي في وقفتهم، وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب،وإن هذه الصورة لترسم حالة التزعزع بأوضح مما يؤديه وصف التزعزع، لأنها تنطبع في الحس، وتتصل منه بالنفس.

يقول الشهيد سيد قطب في الآية العاشرة من سورة العنكبوت(الظلال):

“ذلك النموذج من الناس، يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحمل، هينة المؤونة،لاتكلف إلا نطقها باللسان،”فإذا أوذي في الله”بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى”جعل فتنة الناس كعذاب الله“فاستقبلها في جزع،واختلت في نفسه القيم، واهتزت في ضميره العقيدة، وتصور أن لاعذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه،حتى عذاب الله،وقال في نفسه:هاهو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شئ.فعلام أصبر على الإيمان، وعذاب الله لايزيد على ما أنا فيه من عذاب؟وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر، وعذاب الله الذي لايعرف أحد مداه.

هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة.”ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم“. إنا كنا معكم..وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي، وسوء التصوير وخطأ التقدير. ولكن حين يجئ الرخاء تنبث الدعوى العريضة، وينتفش المنزوون المتخاذلون، ويستأسد الضعفاء المهزمون، فيقولون:”إنا كنا معكم”.”أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين”.أو ليس يعلم ماتنطوي عليه تلك الصدور، من صبر أوجزع،ومن إيمان أو نفاق، فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموهون؟

ويتابع الشهيد رحمه الله:”ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول:”جعل فتنة الناس كعذاب الله“.

فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب، فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات ـ وللطاقة البشرية حدود ـ ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل مايملكه البشر لهم من أذى وتنكيل، وبين عذاب الله العظيم، فبل يختلط في حسهم أبداً عالم الفناء الصغير وعالم الخلود الكبير، حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدى الطاقة وجهد الاحتمال…إن الله في حس المؤمن لايقوم له شئ، مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله… وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق”.

ويقول الشهيد في الآية11  من سورة الحج (الظلال):

“إن العقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن، تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة وتتجاذبه الأحداث والدوافع فيتشبث هو بالصخرة التي لاتتزعزع، وتتهاوى من حوله الأسناد فيستند هو إلى القاعدة التي لاتحول ولاتزول.

هذه قيمة العقيدة في حياة المؤمن.ومن ثم يجب أن يستوي عليها، متمكناً منها، واثقاً بها،لايتلجلج فيها، ولاينتظر عليها جزاء،فهي في ذاتها جزاء.ذلك أنها الحمى الذي يلجأ إليه،والسند الذي يستند عليه.أجل هي في ذاتها جزاء على تفتح القلب للنور، وطلبه للهدى،ومن ثم يهبه الله العقيدة ليأوي إليها،ويطمئن بها.هي في ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله،تتجاذبهم الرياح، وتتقاذفهم الزوابع،ويستبد بهم القلق.بينما هو بعقيدته مطمئن القلب، ثابت القدم،هادئ البال،موصول بالله ،مطمئن بهذا الاتصال.

أما ذلك الصنف من الناس الذي يتحدث عنه السياق فيجعل العقيدة صفقة في سوق التجارة:”فإن أصابه خير اطمأن به” وقال: إن الإيمان خير.فها هو ذا يجلب النفع، ويدر الضرع،وينمي الزرع، ويربح التجارة، ويكفل الرواج”وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة”..خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليه،ولم يتماسك له،ولم يرجع إلى الله فيه.وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه، وانكفائه عن عقيدته،وانتكاسه عن الهدى الذي كان ميسراً له.

والتعبير القرآني يصوره في عبادته لله”على حرف” غير متمكن من العقيدة،ولامتثبت في العبادة.يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى.ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة، ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب!

إن حساب الربح والخسارة يصلح للتجارة،ولكنه لايصلح للعقيدة.فالعقيدة حق يعتنق لذاته ،بانفعال القلب المتلقي للنور والهدى الذي لايملك إلا أن ينفعل بما يتلقى.والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها، بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى، فهي لاتطلب جزاءها خارجاً عن ذاتها.

والذي ينقلب على وجهه عند مس الفتنة يخسر الخسارة التي لاشبهة فيها ولاريب:”ذلك هو الخسران المبين”..يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى.إلى جوار خسارة المال أو الولد، أو الصحة، أو أعراض الحياة الأخرى التي يفتن الله بها عباده،ويبتلي بها ثقتهم فيه،وصبرهم على بلائه، وإخلاصهم أنفسهم له،واستعدادهم لقبول قضائه وقدره…ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان. فياله من خسران!

وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد الله على حرف؟إلى أين يتجه بعيداً عن الله؟إنه”يدعو من دون الله مالايضره ومالاينفعه“… يدعو صنماً أو وثناً على طريقة الجاهلية الأولى،ويدعو شخصاً أو جهة أو مصلحة على طريق الجاهليات المتناثرة في كل زمان ومكان،كلما انحرف الناس عن الاتجاه إلى الله وحده،والسير على صراطه ونهجه.فما هذا كله؟إنه الضلال عن المتجه الوحيد الذي يجدي فيه الدعاء:”ذلك هو الضلال البعيد” المغرق في البعد عن الهدى والاهتداء…”يدعو لمن ضره اقرب من نفعه” من وثن أو شيطان، أو سند من بني الإنسان…وهذا كله لايملك ضراً ولانفعاً، وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضر.وضره أقرب من نفعه. ضره في عالم الضمير بتوزيع القلب،وإثقاله بالوهم وإثقاله بالذل.وضره في عالم الواقع وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران”لبئس المولى” ذلك الضعيف لاسلطان له في ضر أو نفع”ولبئس العشير” ذلك الذي ينشأ عنه الخسران. يستوي في ذلك المولى والعشير من الأصنام والأوثان، والمولى والعشير من بني الإنسان، ممن يتخذهم بعض الناس آلهة أو أشباه آلهة في كل زمان ومكان”!

ويقول سيد قطب رحمه الله :يقول تعالى:{فأمّا الإنسانُ إذا ما ابتلاهُ رَبُّهُ فأكرَمهُ ونَعَّمهُ فيقولُ رَبّي أكرَمنِ*وأمّا إذا ما ابتلاهُ فقدَرَ عليهِ رِزقَهُ فيقولُ ربّي أهاننِ}[الفجر 15 ـ 16]،يقول رحمه الله:

“فهذا هو تصورالإنسان لما يبتليه الله من أحوال،ومن بسط وقبض،ومن توسعة وتقتير،يبتليه بالنعمة والإكرام.بالمال أو المقام.فلا يدرك أنه الابتلاء تمهيداً للجزاء.إنما يحسب هذا الرزق وهذه المكانة دليلاً على استحقاقه عند الله للإكرام،وعلامة على اصطفاء الله له واختياره.فيعتبر البلاء جزاء والامتحان نتيجة!ويقيس الكرامة عند الله بعرض هذه الحياة!

ويبتليه بالتضييق عليه في الرزق فيحسب الابتلاء جزاء كذلك،ويحسب الاختبار عقوبة،ويرى في ضيق الرزق مهانة عند الله،فلو لم يرد مهانته ما ضيّق عليه رزقه.

وهو في كلتا الحالتين مخطىءفي التصور ومخطىء في التقدير.فبسط الرزق أو قبضه ابتلاء من الله لعبده ليظهر منه الشكر على النعمة أو البطر.ويظهر منه الصبر على المحنة أو الضجر.والجزاء على مايظهر منه بعد.وليس ما أعطي من عرض الدنيا أو منع هو الجزاء…وقيمة العبد عند الله لا تتعلق بما عنده من عرض الدنيا.ورضى الله أو سخطه لا يستدل عليه بالمنح والمنع في هذه الأرض،فهو يعطي الصالح والطالح،ويمنع الصالح والطالح.ولكن ماوراء هذا وذلك هو الذي عليه المعول.إنه يعطي ليبتلي ويمنع ليبتلي.والمعول عليه هو نتيجة الابتلاء”.

4 ـ الشخصية المكابرة والمعاندة:

الكِبر لغة:

قال ابن فارس:الكبر: العظمة، وكذلك الكبرياء. يقال ورثوا المجد كابراً عن كابر، أي كبيراً عن كبير في الشرف والعز.

الكِبر شرعاً:

عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”لايدخل الجنة من كان في قلبهِ مثقالُ ذرةٍ من كِبر. قال رجل:إنّ الرجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسناً ونعلهُ حسنةً. قال: إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال، الكِبرُ بَطرُ الحقِّ،وغَمطُ الناس“[رواه مسلم]

(بطر الحق: اي جحود الحق مع الاستهانة به والاستعلاء عن قبوله،غمط الناس:هو الاحتقار والازدراء والاستصغار).

يقول الأستاذ محي الدين القضماني(كلمات ومواقفص159):

“والكبر من أمراض النفس الخطيرة والطباع البشعة، يدفع صاحبه إلى التعالي بالباطل حتى على خالقه سبحانه وإلى رفض أمره،كما فعل إبليس،وإلى حب التميز على الناس والترفع عليهم بغير حق، وسببه الحمق وفساد الجبلّة،وربما كان مصدره الشعور بالنقص،حيث يحاول صاحبه إخفاء عيبه بالانتفاخ والاستكبار، فيفضح نفسه.

وقد عرف الحديث الشريف الكبر بأنه بطر الحق وغمط الناس.

وبطر الحق: جحوده والاستهانة به وعدم قبوله،كبطر النعمة،لأن الحق من أكبر النعم.والمتكبر يرفض الحق إذا صدر عن غيره،ظناً منه أن قبوله يخفض من قدره. مع أنه لو قبل الحق لانتفع به وعلا قدره.

وغمط الناس :احتقارهم وعدم الاعتراف بفضائلهم وحقوقهم وعدم شكرهم على إحسانهم.وكثيراً ما يدفع الكبر صاحبه إلى النيل من فضائل الناس وطمس محاسنهم بالكذب والبهتان والخصومة بالباطل.

ويتابع رحمه الله:”فالكبر بلاء عظيم على صاحبه،لأنه يحمله على كثير من المخالفات الشرعية التي تثقله بالذنوب والخطايا،كالهمز واللمز والهزء والسخرية بالناس والبحث عن عيوبهم وغيبتهم،وكالتبختر والمرح في المشية وتصعير الخد والإعراض عن المتحدث،وجر الثوب خيلاء،والتقعر في الكلام والتشدق فيه، والتعصب للرأي ورفض الحق ،والترفع عن مجالسة الفقراء والضعفاء”.

يقول تعالى:{ولو فتحنا عليهم باباً من السّماءِ فظلُّوا فيه يعرُجُون* لقالوا إنّما سُكّرت أبصارُنا بل نحنُ قومٌ مسحورون}[الحجر 14 ـ 15]. وقوله تعالى:{ولو نزَّلنا عليك كتاباً في قرطاسٍ فلمسوهُ بأيديهم لقالَ الذين كَفروا إن هذا إلا سِحرٌ مبين}[الأنعام7].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الآيتين من سورة الحجر(الظلال):

“ويكفي تصورهم يصعدون في السماء عن باب يفتح لهم فيها.يصعدون بأجسامهم،ويرون الباب المفتوح أمامهم،ويحسون حركة الصعود ويرون دلائلها.ثم هم بعد ذلك يكابرون فيقولون:لا.لا. ليست هذه حقيقة.إنما أحد سكّر أبصارنا وخدّرها فهي لاترى إنما تتخيل.

سكّرَ أبصارنا وسحرنا ساحر،فكل مانراهُ وما نحسّه وما نتحركه تهيؤات مُسكّر مسحور!

يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري ويتأكد أن لا لاجدوى من الجدل مع هؤلاء.ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل لإيمان..وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لاتنزل،فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة.إنما هم قوم مكابرون.مكابرون بلا حياء وبلا تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف.

إنه نموذج  بشري للمكابرة والاستغلاق والانطماس يرسمه التعبير،مثيراً لشعور الاشمئزاز والتحقير.وهذا النموذج ليس محلياً ولا وقتياً،ولا هو وليد بيئة معينة في زمان معين.إنه نموذج للإنسان حين تفسد فطرته،وتستغلق بصيرته،وتتعطل في كيانه أجهزة الاستقبال والتلقي،وينقطع عن الوجود الحي من حوله ،وعن إيقاعاته وإيحاءاته.

هذا النموذج يتمثّل في هذا الزمان في الملحدين وأصحاب المذاهب المادية التي يسمونها”المذاهب العلمية” وهي أبعد ما تكون عن العلم،بل أبعد ما تكون عن الإلهام والبصيرة”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الآية السابعة من سورة الأنعام(تفسير الظلال):

“إنه ليس الذي يجعلهم يعرضون عن آيات الله، أن البرهان على صدقها ضعيف، أو غامض، أو تختلف فيه العقول.إنما الذي يجعلهم يقفون هذا الموقف هو المكابرة الغليظة والعناد الصفيق!وهوالإصرار مبدئياً على الرفض والإنكار وعدم اعتبار البرهان أو النظر إليه أصلاً!ولو أن الله ـ سبحانه ـ نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القرآن، لاعن طريق الوحي الذي لايرونه،ولكن في ورقة منظورة ملموسة محسوسة،ثم لمسوا هم هذه الورقة بأيديهم ـ لاسماعاً عن غيرهم، ولامجرد رؤية بعيونهم ـ ماسلموا بهذا الذي يرونه ويلمسونه، ولقالوا جازمين مؤكدين:”إن هذا إلا سحر مبين“.

وهي صورة صفيقة، منكرة،تثير الاشمئزاز، وتستعدي من يراها عليها!صورة تثير النفس لتتقدم فتصفعها! حيث لامجال مع هذه الجبلات لحجة أو جدل أو دليل.

وتصويرها على هذا النحو ـ وهي صورة تمثل حقيقة لنماذج مكرورة ـ يؤدي غرضين أو عدة أغراض:إنه يجسم للمعارضين أنفسهم حقيقة موقفهم الشائن الكريه البغيض،كالذي يرفع المرآة لصاحب الوجه الشائه والسحنة المنكرة،ليرى نفسه في هذه المرآة، ويخجل منها!

وهو في الوقت ذاته يستجيش ضمائر المؤمنين تجاه إعراض المشركين وإنكار المنكرين، ويثبت قلوبهم على الحق،فلا تتأثر بالجو المحيط من التكذيب والإنكار والفتنة والإيذاء.

كذلك هو يوحي بحلم الله الذي لايعجل على هؤلاء المعارضين المكذبين،وهم في مثل هذا العناد المنكر الصفيق.

وكلها أسلحة وحركة في المعركة التي كانت تخوضها الجماعة المسلمة بهذا القرآن في مواجهة المشركين”.

ويقول في الآيات من سورة الحجر(الظلال):

“وليس الذي ينقصهم هو توافر دلائل الإيمان، فهم معاندون ومكابرون،مهما تأتهم من آية بينة فهم في عنادهم ومكابرتهم سادرون.وهنا يرسم السياق نموذجاً باهراً للمكابرة المرذولة والعناد البغيض: {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون* لقالوا سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}..

ويكفي تصورهم يصعدون في السماء من باب يفتح لهم. يصعدون بأجسامهم، ويرون الباب المفتوح أمامهم،ويحسون حركة الصعود ويرون دلائلها…ثم هم بعد ذلك يكابرون فيقولون:لا. لا. ليست هذه حقيقة. إنما أحد سكّر أبصارنا وخدّرها فهي لاترى إنما تتخيل:” سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون“.

سكر أبصارنا مسكر وسحرنا ساحر، فكل مانراه ومانحسه ومانتحركه تهيؤات مسكّر مسحور!

يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري.ويتأكد أن لاجدوى من الجدل مع هؤلاء. ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل الإيمان.وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لاتنزل.فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة. إنما هم قوم مكابرون. مكابرون بلاحياء وبل تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف!

إنه نموذج بشري للمكابرة والاستغلاق والانطماس يرسمه التعبير، مثيراً لشعور الاشمئزاز والتحقير..

وهذا النموذج ليس محلياً ولاوقتياً، ولاهو وليد بيئة معينة في زمان معين..إنه نموذج للإنسان حين تفسد فطرته ،وتستغلق بصيرته،وتتعطل في كيانه أجهزة الاستقبال والتلقي،وينقطع عن الوجود الحي من حوله، وعن إيقاعاته وإيحاءاته.

هذا النموذج يتمثل في هذا الزمان في الملحدين وأصحاب المذاهب المادية التي يسمونها”المذاهب العلمية!”وهي أبعد ماتكون عن العلم، بل أبعد ماتكون عن الإلهام والبصيرة..

إن أصحاب المذاهب المادية يلحدون في الله،ويجادلون في وجوده ـ سبحانه ـ وينكرون هذا الوجود..ثم يقيمون على أساس إنكار وجود الله، والزعم بأن هذا الكون موجود هكذا بذاته، بلا خالق، وبلا مدبر، وبلا موجّه..يقيمون على أساس هذا الزعم وذلك الإنكار مذاهب اجتماعية وسياسية واقتصادية و”أخلاقية” كذلك. ويزعمون أن هذه المذاهب القائمة على ذلك الأساس، والتي لاتنفصل عنه بحال…”علمية”…هي وحدها “العلمية”.!

وعدم الشعور بوجود الله سبحانه،مع وجود تلك الشواهد والدلائل الكونية، هو دلالة لاتنكر على تعطل أجهزة الاستقبال والتلقي في تلك الجبلات النكدة. كما أن اللجاجة في هذا الإنكار لاتقل تبجحاً عن تبجح ذلك النموذج الذي ترسمه النصوص القرآنية السابقة.

وإذا كانت هذه حقيقتهم، فإن ماينشئونه من مذاهب”علمية”!اجتماعية وسياسية واقتصادية، وما ينشئون من نظريات عن الكون والحياة والإنسان والحياة الإنسانية والتاريخ الإنساني، يجب أن ينظر إليها المسلم كما ينظر إلى كل تخبط، صادر عن أعمى،معطل الحواس الأخرى،محجوباً عن الرؤية وعن الحس وعن الإدراك جميعاً على الأقل فيما يتعلق بالحياة الإنسانية وتفسيرها وتنظيمها”.

ويقول تعالى:{ويلٌ لِكُلِّ أفاكٍ أثيم*يسمعُ آيات اله تُتلى عليه ثُمَّ يُصِرُّ مستكبراً كأن لم يسمعها فَبشّرهُ بعذابٍ أليم}[الجاثية 7 ـ 8].

يقول الشهيد سيد قطب في الظلال:

“وتصور هذه الآيات جانباً من استقبال المشركين لهذه الدعوة في مكة، وإصرارهم على باطلهم، واستكبارهم عن سماع كلمة الحق البين، ومكابرتهم في هذا الحق كأنه لم يطرق أذهانهم، وسوء أدبهم مع الله وكلامه..

“ويل لكل أفاك أثيم“.. والويل الهلاك. والأفاك الكذاب المارد على الكذب. والأثيم الكثير المقارفة للإثم.والتهديد شامل لكل من هذه صفته.وهو تهديد صادر من الله القوي القاهر الجبار.القادر على الهلاك والدمار.الصادق الوعد والوعيد والإنذار.فهو تهديد رعيب مفزع مرهوب.

هذا الأفاك الأثيم. آية إفكه وعلامة إثمه، أنه يصر على الباطل ويستكبر عن الحق ويتعالى عن الخضوع لآيات الله، ولايتأدب بالأدب اللائق مع الله:”يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها“.

ويقول صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(العدد 524 الموافق للخامس من أذار عام 1935):

“وهذا معنى يغفل عنه أكثرُ الناس أيضاً، ولذلك قرره القرآن كثيراً بأساليب بليغة، ومنها قوله تعالى{ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [هود20]، ونكتة اختلاف التعبير فيه أن الإنسان يسمع الأصوات وإن لم يقصد سماعها ولم يصخ لها، فالمراد هنا أنهم لشدة كراهتهم أن يسمعوا آيات الله وحججه في كتابه ما كانوا يستطيعون إلقاء السمع له إذا تلي لئلا يسمعوه فيحوّلهم عما كانوا فيه كما يدل عليه قولهم{إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها}ولو ألقوا السمع سماع فهم وتأمل، ولو سمعوا لما عقلوا وفقهوا كما قال تعالى في سورة الأنفال عن قوم مدين:{قالوا ياشعيب مانفقه كثيراً مما تقول}، وكذلك ما كانوا يبصرون الآيات المرئية إذا هم نظروا دلائلها ومنها رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم ولذلك قال فيهم:{وتراهم ينظرون إليك وهم لابصرون}”.

وهذه الصورة البغيضة ولو أنها صورة فريق من المشركين في مكة، إلا أنها تتكرر في كل جاهلية،وتتكرر اليوم وغداً.فكم في الأرض، وبين من يقال إنهم مسلمون، من يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها، لأنها لاتوافق هواه،ولاتسير مع مألوفه،ولاتعاونه على باطله،ولاتقره على شره،ولاتتمشى له مع اتجاه!

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد303 الموافق الخامس من آب عام 1910):

“يقول تعالى:{إن الله لايحب من كان مختالاً فخورا} ، والمختال هو المتكبر الذي يظهر على بدنه أثر من كبره في الحركات والأعمال،فيرى نفسه أعلى من نفوس الناس، وأنه يجب على غيره أن يتحمل من تيهه مالا يتحمله هو منه،فالمختال من تمكنت فيه نفسه ملكة الكبر وظهرأثرها في عمله وشمائله فهو شر من المتكبر غير المختال،والفخور هو المتكبر الذي يظهر أثر الكبر في قوله كما يظهر في فعل المختال فهو يذكر مايرى أنه ممتاز به على الناس تبجحاً بنفسه وتعريضاً باحتقار غيره.

فالمختال الفخور مبغوض عند الله تعالى لأنه احتقر جميع الحقوق التي وضعها عز وجل وأوجبها للناس وعمي عن نعمه تعالى وعنايته بهم بل لا يجد هذا المتكبر في نفسه معنى عظمة الله وكبريائه لأنه لو وجدها لتأدب وشعر بضعفه وعجزه وصغاره فهو جاحد أو كالجاحد لصفات الألوهية التي لا تليق إلا بها ولا تكون بحق إلا لها”.

ولعلّ إبليس اللعين هو أول من تميز بصفات الكبر والغرور والحسد، وقد جاءت آيات عديدة في القرآن الكريم تبرز هذه الصفات وأنه بسببها حقّت عليه لعنة الله وأُخرج من جنته.

يقول تعالى:{ولقد خلقناكم ثمَّ صورناكم ثمّ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين*قال مامنعكَ ألا تسجدَ إذ أمرتك قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين}.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في أحد أعداد مجلة المنار:

“إن جواب إبليس يتضمن ضروباً من الجهل الفاضح ما أوقع اللعين فيها إلا حسده وكبره فإنهما يعميان البصائر:

الأول:الاعتراض على ربه وخالقه كما تضمنه جوابه ومثله في هذا كل من يعترض على كلام الله تعالى فيما لايوافق هواه،وهذا كفر لايقع مثله من مؤمن بالله وبكتابه فإن المؤمن إذا خفيت عليه حكمة الله في شئ من كلامه بحث عنها بالتفكر والبحث وسؤال العلماء والصبر إلى أن يهتدي إلى ما يطمئن به قلبه مكتفياً قبل ذلك بأن الله تعالى يعلم ما لايعلم من حكم شرعه،وفوائد أمره ونهيه.

الثاني:الاحتجاج عليه بما يؤيد به اعتراضه والمؤمن المزعن لا يحتج على ربه بل يعلم أن الله الحجة البالغة.

الثالث:جعل امتثال أمر الرب مشروطاً باستحسان العبد له وموافقته لرأيه وهواه،وهو رفض لطاعة الرب، وترفع عن مرتبة العبد،وتعال منه إلى وضع نفسه موضع الند،وهو في حكم الدين كفر،وفي العقل حماقة وجهل.فإن الرئيس لأي حكومة أو جيش أو جمعية أو شركة إذا كان لايطيعه المرؤوسون له إلا فيما يوافق أهواءهم وآراءهم لايلبث أمرهم أن يفسد بأن تختل الحكومة وتسقط،وينكسر الجيش ويهلك،وتنحل الشركة وتفلس،وهكذا يقال في كل مصلحة يقوم بإدارتها كثرة،يرجع نظامها إلى جهة واحدة،ويشارك إبليس في هذا الجهل كثيرون ممن يسمون أنفسهم مؤمنين،يتركون طاعة الله تعالى فيما امر به مما يخالف أهواءهم،ويحتجون على ترك الصيام مثلاً بأن لافائدة في الجوع والعطش،أو بأن الله غني عن صيامهم!!

فهذه أصول الجهل والغباوة التي أوقع إبليس فيها حسده واستكباره عن طاعة الله بالسجود له.وأنت ترى أن أولياءه ونظرائه من شياطين الانس مرتكسون فيها كلها والعياذ بالله تعالى”.

ويمثل هذه النفس العصابية المتسلطة والمتكبرة والمتجبرة على مستوى البشر فرعون موسى يقول تعالى:{ فكَذّبَ وعصى*ثُمَّ أدبرَ يسعى *فَحشرَ فنادى* فقال أنا رَبُّكُم الأعلى}[النازعات21 ـ 24].

وقوله تعالى:{ونادى فرعونُ في قومهِ قال ياقومِ أليسَ لي مُلكُ مِصرَ وهذهِ الانهارُ تجري  من تحتي أفلا تبصرون* أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مَهينٌ ولايكادُ يُبين}[الزخرف 51 ـ 52].

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 394 بتاريخ 17 حزيران عام 1920):

“يقول تعالى في كتابه العزيز{ولو أننا نزَّلنا إليهم الملائكة وكَلمهُمُ الموتى وحشرنا عليهم كُلَّ شيءٍ قُبُلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكنَّ أكثرهم يجهلون}.

ومعنى هذا أن سنة الله تعالى في الخلق مضت بأن يكون الشرير المتمرد العاتي عن الحق والمعروف أي الذي لا ينقاد لهما كبراً وعناداً وجموداً على ما تعود يكون عدواً للدعاة إليهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن ورثتهم وناشري هدايتهم.وهكذا شأن كل ضدين يدعو أحدهما إلى خلاف ما عليه الآخر مما يتعلق بمنافعهم الاجتماعية، فإن كان أحدهما خيرا محقاً نسبت العداوة إلى الآخر الشرير المبطل لأنه هو الذي يسعى إلى إيذاء مخالفه بكل وسيلة يستطيعها لأنه مخالف وإن كان يعلم أنه يريد الخير له وليس كل مخابلف مبطل عدواً يسعى جهده لإيذاء مخالفه المحق.وإنما يتصدى لذلك العتاة المستكبرون المحبون للشهرة والزعامة بالباطل والمترفون الذين يخافون على نعيمهم.فلم يكن كل كافر بالأنبياء عليهم السلام ناصباً نفسه لعداوتهم وإيذائهم وصد الناس عنهم بل أولئك العتاة المتمردون من الرؤساء والمترفين والقساة الذين ضربت أنفسهم بالعدوان والبغي وأولئك هم الشياطين المفسدون في الأرض سواء كانوا من جنس الإنس الظاهر أو من جنس الجن الخفي وحكمة عداوة الأشرار للأخيار هي ما يعبر عنه في عرف علماء الاجتماع البشري بسنة تنازع البقاء بين المتقابلات التي تقضي بالجهاد والتمحيص إلى ما يسمونه(سنة الانتخاب الطبيعي) أي انتصار الحق وبقاء الأمثل التي ورد بها المثل في قوله تعالى من سورة الرعد{أنزلَ من السَّماءِ ماءً فسالت أودية بقَدَرِها فاحتملَ السَّيلُ زبداً رابيا ومما يوقدونَ عليهِ في النارِ ابتغاءَ حِليةٍ أو متاعٍ زَبَدٌ مثلُهُ كذلكَ يضربُ الله الحقَّ والباطلَ فامّا الزَّبدُ فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ النَّاسَ فيمكثُ في الأرض كذلكَ يضربُ الله الأمثال}[الرعد17].

يقول الشهيد سيد قطب في الآيات الكريمة من سورة النازعات:

“ويسارع السياق هنا إلى عرض قولة الطاغية الكافرة، مجملاً مشاهد سعيه وحشره للسحرة وتفصيلاتها.فقد أدبر يسعى في الكيد والمحاولة، فحشر السحرة والجماهير،ثم انطلقت منه الكلمة الوقحة المتطاولة،المليئة بالغرور والجهالة:”أنا ربكم الأعلى“.

قالها الطاغية مخدوعاً بغفلة جماهيره،وإذعانها وانقيادها.فما يخدع الطغاة شئ ماتخدعهم الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها.وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولاسلطاناً. إنما هي الجماهير الغافلة الذلول،تمطي له ظهرها فيركب!وتمد له أعناقها فيجر! وتحني له رؤوسها فيستعلي!وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى!

والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخرى.وهذا الخوف لاينبعث إلا من الوهم.فالطاغية ـ وهو فرد ـ لايمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين،لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها.وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئاً! وما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبداً.وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبداً.وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لايملك لها ضراً ولارشداً.

فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب من الإيمان، ماجرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة:”أنا ربكم الأعلى“.. وما كان ليقولها أبداً لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة، تعرف أنه عبد ضعيف لايقدر على شئ.وإن يسلبه الذباب شيئاً لايستنقذ من الذباب شيئاً”.

ويقول الشهيد سيد قطب في الآيات من سورة الزخرف:

“ولكن الجماهير قد تؤخذ بالخوارق المعجزة، وقد يجد الحق سبيلاً إلى قلوبها المخدوعة. وهنا يبرز فرعون في سلطانه وجاهه، وفي زخرفه وزينته،يخلب عقول الجماهير الساذجة بمنطق سطحي، ولكنه يروج بين الجماهير المستعبدة في عهود الطغيان، المخدوعة بالأبهة والبريق:“ونادى فرعون في قومه قال ياقوم أليس لي ملك مصر…”.

إن ملك مصر وهذه الأنهار التي تجري من تحت فرعون، أمر قريب مشهود للجماهير، يبهرها وتستخفها الإشارة إليه. فأما ملك السماوات والأرض ومابينهما ـ ومصر لاتساوي هباءة فيه ـ فهو أمر يحتاج إلى قلوب مؤمنة تحسه، وتعقد الموازنة بينه وبين ملك مصر الصغير الزهيد.

والجماهير المستعبدة المستغفلة يغريها البريق الخادع القريب من عيونها، ولاتسمو قلوبها ولاعقولها إلى تدبر ذلك الملك الكوني العريض البعيد.

ومن ثم عرف فرعون كيف يلعب بأوتار هذه القلوب ويستغفلها بالبريق القريب!”أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولايكاد يبين“.

وهو يعني بالمهانة أن موسى ليس ملكاً ولا أميراً ولاصاحب سطوة ومال مشهود. أم لعله يشير بهذا إلى أنه من ذلك الشعب المستعبد المهين.شعب إسرائيل. أما قوله” ولايكاد يبين” فهو استغلال لما كان معروفاً عن موسى قبل خروجه من مصر من حبسة اللسان.وإلا فقد استجاب الله سؤاله حين دعاه”رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي“…وحلت عقدة لسانه فعلاً، وعاد يبين.

ويتابع الشهيد:” فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين“.

واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لاغرابة فيه،فهم يعزلون الجماهير أولاً عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها،ولايعودوا يبحثوا عنها،ويلقون في روعهم مايشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة. ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك،ويلين قيادهم،فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين.

ولايملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لايستقيمون على طريق،ولايمسكون بحبل الله،ولايزنوا بميزان الإيمان. فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح”.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ( في كتابه الإنسان في القرآن الكريم ص303) يصف صاحب النفس المتكبرة والمصابة بالغرور والمتعالية عن الحق:

“هناك أخلاق سلبية حذر هذا الدين العظيم أتباعه من الاتصاف بها وبيّن المخاطر الهائلة التي تلحق بالفرد والأمة من وجودها في الناس وجعل لمن يتجنبها الجزاء الأوفى.ومن أشنع هذه الأخلاق السلبية خلق العُجب والغرور.

والغروريكون بالعلم، ويكون بالرأي، ويكون بالقوة، ويكون بالجمال، ويكون بالنسب إلى قوم أو أرض أو طبقة، ويكون بالمال، ويكون بالجاه ويكون بالأنصار والأتباع.

والغرور مرض قتال يحطم صاحبه إن عاجلاً وإن آجلاٍ، إنه كالسرطان لايكاد يحسّ من يُصاب به بالألم إلا في الوقت الذي يسبق وفاته.إنه يخزي صاحبه وهو يريد الرفعة، ويحرجه أشد الإحراج، وذلك عندما يجعله يبدو أمام الناس جاهلاً وهو يدّعي العلم، فيثير سخرية الناس به وازدراءهم له.

ويتابع الدكتور الصباغ:

“وغالباً مايحمل الغرور صاحبه على الكيد للناس الذين يعرفون حقيقته ومهاجمتهم والافتراء عليهم واتهامهم بشتى التهم. ومن أجل ذلك كان هذا النوع من الناس أسود القلب، تمتلئ جوانحه بالغلّ ويأكل قلبه الحقد.وقد ينتهي به الأمر إلى مرض يحسّ فيه أنه مضطهد اجتمع الناس على الإساءة إليه والتهوين من شأنه وطعنه فيما فاق به الأولين والآخرين.

والغرور صنو الكبرياء ومقدمته. يبدأ العجب يسيطر على الإنسان فلا يمضي وقت طويل حتى يصبح أسير التكبر.

ويتابع الأستاذ الصباغ:” ومن أنواع الغرور والعجب، العُجب بالعبادة..والتعالي على عباد الله بذلك،والعجب بهذا أغلبُ من العجب بالجمال والقوة والنسب وأنواع الغرور الأخرى، لأن الشيطان يزيّن للمغرور أنه في طريق التقوى سائر حتى يجعله من الهالكين”.

يقول تعالى:{أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً}[فاطر].

يقول سيد قطب رحمه الله:”هذا هو مفتاح الشر كله.أن يزين الشيطان للإنسان سوء عمله فيراه حسناً.أن يعجب بنفسه ولكل ما يصدر عنها.ألا يفتش في عمله ليرى مواضع الخطأ والنقص فيه.لأنه واثق من أنه لا يخطىء!متأكد أنه دائماً على صواب!معجب بكل ما يصدر منه!مفتون بكل ما يتعلق بذاته.لا يخطر على باله أن يراجع نفسه في شيء،ولا أن يحاسبها على أمر.وبطبيعة الحال لالا يطيق أن يراجعه أحد في عمل يعمله أو في رأي يراه.لأنه حسن في عين نفسه.مزين لنفسه وحسه.لا مجال فيه للنقد،ولا موضع فيه للنقصان.

هذا هو البلاء الذي يصبه الشيطان على إنسان،وهذا هو المقود الذي يقوده منه إلى الضلال.فإلى البوار.

إن الذي يكتب الله له الهدى والخير يضع في قلبه الحساسية والحذر والتلفت والحساب.فلا يأمن مكر الله.ولا يأمن تقلّب القلب.ولا يأمن الخطأ والزلل.ولا يأمن النقص والعجز.فهو دائم التفتيش في عمله.دائم الحساب لنفسه.دائم الحذر من الشيطان.دائم التطلع لعون الله.وهذا هو مفرق الطريق بين الهدى والضلال،وبين الفلاح والبوار”.

5 ـ شخصية الإنسان الجحود الكنود الكفور:

إن الآيات الكريمة التي تتعرض لمواقف النفس الإنسانية وتردداتها بين السراء والضراء والسخط والرضا قد تربو على أربع وثلاثين آية في كتاب الله عز وجل.وفي هذه الآيات تعكس حالة ونفسية النفس الإنسانية في السراء والضراء:

ففي السراء والنعم نجدها متصفة بالغرور والبطر والفرح والطغيان والنسيان والابتعاد عن الله عز وجل إلا من رحم ربي من عباده المخلصين الصالحين الصابرين.

وفي الضراءوالبلاء: نجد فيها الرجوع إلى الله والإلحاح في الدعاء والبكاء المستمر وأحياناً يصل بها الأمر إلى اليأس الشديد والقنوط .

يقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني( في كتابه الأخلاق الإسلامية ج1 ص394):

“من الصفات التي وصف الله بها الإنسان أنه جحود كنود كفور،إذا أصابته النعمة أعرض ونأى بجانبه،وكفر بأنعم الله عليه،وزعم أن ما أصابه من نعمة أو غنى كان بعلمه وسعيه ومهارته وحذقه وحسن تدبيره،وإذا مسه الضر كان يؤوساً متضجراً حزيناً، متسخطاً على ربه،زاعماً أن الله لم يعطه في الحياة مايستحق، شاكاً بعدل الله وحكمته،أو جاحداً لذلك.وإذا وقع في مأزق حرج، وأحاطت به المخاوف من كل جهة، لجأ إلى ربه يدعوه ويرجوه ويسأله أن ينجيه، ويعاهد ربه أن يكون له من الشاكرين إذا أنجاه وأنقذه مما هو فيه،فإذا استجاب الله له ورحمه وأنجاه نقض عهده،وأخذ يعلّل نجاته بالأسباب، ويمكر في آيات الله، وعاد إلى ماكان عليه من بغي في الأرض وإفساد”.

والنصوص القرآنية التي جاء فيها وصف الإنسان بهذه الصفات كثيرة.

ومن هذه الآيات الكريمة نذكر:

{وإذا مَسّ الإنسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنيباً إليهِ ثُمَّ إذا خَوَّلهُ نِعمةً منهُ نَسيَ ماكانَ يَدعو إليهِ من قبل}[الزمر8].

يقول الشهيد سيد قطب في الظلال:

“إن فطرة الإنسان تبرز عارية حين يمسه الضر،ويسقط عنها الركام، وتزول عنها الحجب،وتتكشف عنها الأوهام، فتتجه إلى ربها، وتنيب إليه وحده، وهي تدرك أنه لايكشف الضر غيره.وتعلم كذب ماتدعي من شركاء أو شفعاء.

فإما حين يذهب الضر ويأتي الرخاء، ويخوله الله نعمة منه، ويرفع عنه البلاء.فإن هذا الإنسان الذي تعرت فطرته عند مس الضر يعود فيضع عليها الركام،وينسى تضرعه وإنابته وتوحيده لربه. وتطلعه إليه في المحنة وحده،حين لم يكن غيره يملك أن يدفع عنه محنته..ينسى هذا كله ويذهب يجعل لله أنداداً.إما آلهة يعبدها كما كان في جاهليته الأولى، وإما قيماً وأشخاصاً وأوضاعاً يجعل لها في نفسه شركة مع الله،كما يفعل في جاهلياته الكثيرة!فإذا هو يعبد شهواته وميوله ومطامعه ومخاوفه وماله وأولاده وحكامه وكبراءه كما يعبد الله أو أخلص عبادة،ويحبها كما يحب الله أو أشد حباً! والشرك ألوان.فيها الخفي الذي لايحسبه الناس شركاً، لأنه لايأخذ شكل الشرك المعروف وإنما هو من الشرك في الصميم.

وتكون العاقبة هي الضلال عن سبيل الله. فسبيل الله واحد لايتعدد. وإفراده بالعبادة والتوجه والحب هو وحده الطريق إليه.والعقيدة في الله لاتحتمل شركة في القلب.لاتحتمل شركة من مال ولاولد ولاوطن ولا أرض ولاصديق ولاقريب،فأيما شركة قامت في القلب من هذا وأمثاله فهي اتخاذ أنداداً لله، وضلال عن سبيل الله، منه إلى النار بعد قليل من المتاع في هذه الأرض”

ويقول تعالى:

{ ولئن أذقنا الإنسانَ منّا رحمةً ثُمَّ نزعناها منهُ إنّهُ لَيؤوسٌ كفور*ولئن أذقناهُ نعماءَ بعد ضَرّاءَ مَسّتهُ لَيقُولنَّ ذَهبَ السيئاتُ عَنّي إنّهُ لَفرِحٌ فخوٌر}.[هود9 ـ 10].

يقول الشهيد سيد قطب في الظلال:

“إنها صورة صادقة لهذا الإنسان العجول القاصر،الذي يعيش في لحظته الحاضرة،ويطغى عليه مايلابسه،فلايتذكر مامضى ولايفكر فيما يلي.فهو يؤوس من الخير،كفور بالنعمة بمجرد أن تنزع منه.مع أنها كانت هبة من الله له.وهو فرح بطر بمجرد أن يجاوز الشدة إلى الرخاء. لايحتمل في الشدة ويصبر ويؤمل في رحمة الله ويرجو فرجه، ولايقتصد في فرحه وفخره بالنعمة أو يحسب لزوالها حساباً.

إلا الذين صبروا“.. صبروا على النعمة كما صبروا على الشدة،فإن كثيراً من الناس يصبرون على الشدة تجلداً وإباء أن يظهر عليهم الضعف والخور، ولكن القلة هي التي تصبر على النعمة فلاتغتر ولاتبطر.

وعملوا الصاحات“.في الحالين. في الشدة بالاحتمال والصبر،وفي النعمة بالشكر والبر.

إن الإيمان الجاد المتمثل في العمل الصالح هو الذي يعصم النفس البشرية من اليأس الكافر في الشدة،كما يعصمها من البطر الفاجر في الرخاء.وهو الذي يقيم القلب البشري على سواء في البأساء والنعماء،ويربطه بالله في حاليه،فلايتهاوى ويتهافت تحت مطارق البأساء. ولايتنفج ويتعالى عندما تغمره النعماء.وكلا حالي المؤمن خير.وليس ذلك إلا للمؤمن كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويقول تعالى:

{وإذا أنعَمنا على الإنسانِ أعرضَ ونأَ بجانبهِ وإذا مَسّهُ الشَّرُّ كانَ يؤوساً}[الإسراء 83].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

“والنعمة تطغى وتبطر مالم يذكر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر، والشدة تيئس وتقنط مالم يتصل الإنسان بالله،فيرجو ويأمل،ويطمئن إلى رحمة الله وفضله،فيتفاءل ويستبشر. ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان ومافيه من رحمة في السراء والضراء سواء”.

يقول تعالى:{وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور}[لقمان].

يقول سيد قطب رحمه الله:”فأمام مثل هذا الخطر،والموج يغشاهم كالظلل والفلك كالريشة الحائرة في الخضم الهائل….تتعرى النفوس من القوة الخادعة،وتتجرد من القدرة الموهومة،التي تحجب عنها في ساعات الرضاء حقيقة فطرتها،وتقطع مابين هذه الفطرة وخالقها.حتى إذا سقطت هذه الحوائل،وتعرّت الفطرة من كل ستار،استقامت إلى ربها،واتجهت إلى بارئها،وأخلصت له الدين،ونفت كل شريك،ونبذت كل دخيل،ودعوا الله مخلصين له الدين.

“فلما نجاهم إلى البر فمنهم” مقتصد” لا يجرفه الأمن والرخاء إلى النسيان والاستهتار،إنما يظل ذاكراً شاكراً،وإن لم يوف حق الله في الذكر والشكر.فأقصى ما يبلغه ذاكر شاكر أن يكون مقتصداً في الأداء…ومنهم من يجحد وينكر آيات الله،بمجرد زوال الخطر وعودة الرخاء”وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور“.والختار:شديد الغدر،والكفور:الشديد الكفر،وهذه المبالغة تليق هنا بمن يجحد آيات الله بعد هذه المشاهد الكونية،ومنطق الفطرة الخالص الواضح المبين”.

ويقول تعالى:

{وإذا مَسَّ الإنسانَ الضُرُّ دعانا لِجنبهِ أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنهُ ضُرَّهُ مرَّ كأن لم يدعُنا إلى ضُرٍّ مَسّه كذلكَ زُيّنَ للمسرفينَ ماكانوا يعملون}[يونس12].

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد509):

“هذا بيان لغريزة الإنسان العامة وشأنه فيما يمسّه من الضر،فهو يقول أن الإنسان إذا أصابه من الضر مايشعر بشدة ألمه أو خطر من إشراف على غرق وغيره من أنواع التهلكة، أو شدة مسبغة، أو إعضال داء،دعانا ملحاً في كشفه عنه في كل حال يكون عليه:دعانا مضطجعاً لجنبه،أو قاعداً في بيته،أو قائماً على قدميه حائراً في أمره،فهو لاينسى حاجته إلى رحمة ربه،مادام يشعر بمسّ الضر ولذعه له،ويعلم من نفسه العجز عن النجاة منه،قدم من هذه الحالات الثلا ث مايكون الإنسان فيها أشد عجزاً وأقوى شعوراً بالحاجة إلى ربه فالتي تليها فالتي تليها، وثم حالة رابعة وهي سعيه لدفع الضر من طريق الأسباب فلم تذكر لأن الإنسان غير المؤمن قلما يتذكر ما أودع في فطرته من الإيمان بربه ذي السلطان الغيبي الذي هو فوق جميع الاسباب ويشعر بحاجته إلى اللجوء إليه، ودعائه والاستغاثة به، إلا عند عجزه عن الاسباب المسخرة له، والمشركون بالله تعالى أقل الناس تذكراً لذلك،لأنهم عند عجزهم عن الأسباب العامة المعلومة،يلجئون إلى مظنة الأسباب الموهومة، وهي المخلوقات المعبودة التي يعتقدون أن لها سلطاناً غيبياً فوق الأسباب من جنس سلطان الرب الخالق عز جل، أما لذاتها وأما بما لها من المكانة عند الله، والمثل مضروب هنا لهؤلاء”.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

“إنها صورة مبدعة لنموذج بشري مكرور..وإن الإنسان ليظل مدفوعاً مع تيار الحياة، ويخطئ ويذنب ويطغى ويسرف،والصحة موفورة، والظروف مواتية. وليس ـ إلا من عصم الله ورحم ـ من يتذكر في إبان قوته وقدرته أن هناك ضعفاً وأن هناك عجزاً. وساعات الرخاء تُنسي، والإحساس بالغنى يُطغي…ثم يمسه الضر فإذا هو جزوع هلوع، وإذا هو كثير الدعاء، عريض الرجاء، ضيق بالشدة مستعجل للرخاء.فإذا استجيب الدعاء وكشف الضر انطلق لايعقب ولايفكر ولايتدبر. انطلق إلى ماكان فيه من قبل من اندفاع واستهتار.

والسياق ينسق خطوات التعبير وإيقاعه مع الحالة النفسية التي يصورها، والنموذج البشري الذي يعرضه.فيصور منظر الضر في بطء وتلبث وتطويل:“دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً“…يعرض كل حالة وكل وضع وكل منظر، ليصور وقفة هذا الإنسان وقد توقف التيار الدافع في جسمه أو في ماله أو في قوته كما يتوقف التيار أمام السد،فيقف أو يرتد. حتى إذا رفع الحاجز”مر”كلمة واحدة تصور الاندفاع والمروق والانطلاق. “مر” لايتوقف.ليشكر، ولايلتفت ليتدبر، ولايتأمل ليعتبر:”مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه“.واندفع مع تيار الحياة دون كابح ولازاجر ولامبالاة.

وبمثل هذه الطبيعة.طبيعة التذكر فقط عند الضر، حتى إذا ارتفع انطلق ومر.بمثل هذه الطبيعة استمر المسرفون في إسرافهم، لايحسون مافيه من تجاوز للحدود:”كذلك زين للمسرفين ماكانوا يعملون“.

ويقول تعالى:

{وإذا أنعمنَا على الإنسانِ أعرضَ ونأَ بجانبهِ وإذا مسّهُ الشّرُّ فذو دعاء عريض}.[فصلت 51].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

“إنه رسم دقيق صادق للنفس البشرية،التي لاتهتدي بهدى الله،فتستقيم على طريق…رسم يصور تقلبها،وضعفها،ومراءها،وحبها للخير، وجحودها للنعمة،واغترارها بالسراء،وجزعها من الضراء…رسم دقيق عجيب.

هذا الإنسان لايسأم من دعاء الخير. فهو ملح فيه، مكرر له،يطلب الخير لنفسه ولايمل طلبه.وإن مسه الشر. مجرد مس. فقد الأمل والرجاء،وظن أن لامخرج له ولافرج، وتقطعت به الأسباب، وضاق صدره وكبر همه، ويئس من رحمة الله وقنط من رعايته.ذلك أن ثقته بربه قليلة، ورباطه به ضعيف.

وهذا الإنسان إذا أذاقه الله منه رحمة بعد ذلك الضر، استخفته النعمة فنسي الشكر،واستطاره الرخاء فغفل عن مصدره. وقال: هذا لي. نلته باستحقاقي وهو دائم علي!ونسي الآخرة واستبعد أن تكون،”وما أظن الساعة قائمة“…وانتفخ في عين نفسه فراح يتألى على الله، ويحسب لنفسه مقاماً عنده ليس له، وهو ينكر الآخرة فيكفر بالله.ومع هذا يظن أنه لو رجع إليه كانت له وجاهته عنده!”ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى“! وهو غرور…عندئذ يجئ التهديد في موضعه لهذا الغرور:”فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ“.

وهذا الإنسان إذا أنعم الله عليه:استعظم وطغى. وأعرض ونأى بجانبه. فأما إذا مسه الشر فيتخاذل ويتهاوى،ويصغر ويتضاءل، ويتضرع ولايمل الضراعة.فهو ذو دعاء عريض!

أية دقة، وأي تسجيل للصغيرة في نفس الإنسان والكبيرة!إنه خالقه الذي يصفه. خالقه الذي يعرف دروب نفسه. ويعرف أنها تظل تدور في هذه الدروب المنحنية،إلا أن تهتدي إلى الطريق المستقيم…فتستقيم..”.

ويقول تعالى:

{فإذا مَسَّ الإنسانَ ضُرٌّ دعانا ثُمَّ إذا خَولناهُ نعمةً منَّا قال إنّما أُوتِيتُهُ على علمٍ بل هي فتنةٌ ولكنَّ أكثرهُم لايعلمون}[الزمر 49].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

“والآية تصور نموذجاً مكرراً للإنسان،مالم تهتد فطرته إلى الحق، وترجع إلى ربها الواحد،وتعرف الطريق إليه،فلاتضل عنه في السراء والضراء.

إن الضر يسقط عن الفطرة ركام الأهواء والشهوات، ويعريها من العوامل المصطنعة التي تحجب عنها الحق الكامن فيها وفي ضمير هذا الوجود.فعندئذ ترى الله وتعرفه وتتجه إليه وحده.حتى إذا مرت الشدة وجاء الرخاء، نسي هذا  الإنسان  ماقاله في الضراء، وانحرفت فطرته بتأثير الأهواء.وقال عن النعمة والرزق والفضل:” إنما أوتيته على علم“… قالها قارون، وقالها كل مخدوع بعلم أو صنعة أو حيلة يعلل بها ما اتفق له من مال أو سلطان. غافلاً عن مصدر النعمة، وواهب العلم والقدرة،ومسبب الأسباب، ومقدر الأرزاق.

بل هي فتنة ولكن أكثرهم لايعلمون“.

هي فتنة للاختبار والامتحان . ليتبين إن كان سيشكر أو سيكفر، وإن كان سيصلح بها أم يفسد، وإن كان سيعرف الطريق أم يجنح إلى الضلال”.

وهناك آيات كثيرة وعديدة في القرآن الكريم تصور حالة هذه النفس وتقلباتها في البأساء والضراء، وفي الرخاء والسراء، وما يطرأ عليها من تذلل وتضرع في الحالة الأولى، ومن علو وغرور وجحود في الحالة الثانية كما في الآيات من سورة يونس:

يقول تعالى:{هو الذي يُسَيِّركم في البَرِّ والبحرِ حتى إذا كُنتُم في الفُلك وجرينَ بهم بريحٍ طيِّبةٍ وفرحوا بها جاءتَها ريحٌ عاصِفٌ وجاءهُمُ الموجُ من كُلِّ مكانٍ وظنوا أنهم أُحيطَ بهم دَعوا اللهَ مُخلصينَ له الدِّينَ لئن أنجانا من هذه لَنكوُنَنَّ  من الشاكرين* فلمّا أنجاهُم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحقِ يا أيُّها الناسُ إنّما بَغيُكم على أنفسكم متاعَ الحياةِ الدنيا ثُمَّ إلينا مرجِعُكم فننبئكم بما كنتم تعملون}.[يونس21 ـ23]

 يقول تعالى:{إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هَلوعاً*إذا مسَّهُ الشَّرُ جَزوعاً*وإذا مسَّهُ الخيرُ منوعاً*إلا المصلين}[المعارج19 ـ 22].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“لكأنما كل كلمة لمسة من ريشة مبدعة تضع خطاً في ملامح هذا الإنسان.حتى إذا اكتملت الآيات الثلاث القصار المعدودة الكلمات نطقت الصورة ونبضت بالحياة.وانتفض من خلالها الإنسان بسماته وملامحه الثابتة.

هلوعاً…جزوعاً عند مسّ الشر،يتألم للذعته،ويجزع لوقعه،ويحسب أنه دائم لا كاشف له.ويظن اللحظة الحاضرة سرمداً مضروباً عليه،ويحبس نفسه بأوهامه في قمقم من هذه اللحظة وما فيها من الشر الواقع به.فلا يتصور أن هناك فرجاً،ولا يتوقع من الله تغييراً.ومن ثم يأكله الجزع،ويمزقه الهلع.ذلك أنه لا يأوي إلى ركن ركين يشدّ من عزمه،ويعلق به رجاءه وأمله.

منوعاً للخير إذا قدر عليه.يحسب أنه من كدّه وكسبه فيضن به على غيره،ويحتجنه لشخصه،ويصبح أسير ما ملك منه،مستعبداً للحرص عليه!ذلك أنه لايدرك حقيقة الرزق ودوره هو فيه.ولا يتطلع إلى خير منه عند ربه.وهو منقطع عنه خاوي القلب من الشعور به.فهو هلوع في الحالتين…هلوع من الشر. هلوع على الخير.وهي صورة بائسة،حين يخلو قلبه من الإيمان،ومن ثم يبدو الإيمان بالله مسألة ضخمة في حياة الإنسان.لا كلمة تقال باللسان،ولا شعائر تعبدية تقام.إنه حالة نفس ومنهج حياة،وتصور كامل للقيم والأحداث والأحوال.وحين يصبح القلب خاوياً من هذا المقوم فإنه يتأرجح ويهتز وتتناوبه الرياح كالريشة!ويبيت في قلق وخوف دائم،سواء أصابه الشر فجزع،أم أصابه الخير فمنع.فأما حين يعمره الإيمان فهو منه في طمأنينة وعافية،لأنه متصل بمصدر الأحداث ومدبر الأحوال،مطمئن إلى قدره شاعر برحمته،مقدر لابتلائه،متطلع دائماً إلى فرجة من الضيق،ويسره من العسر.متجه إليه بالخير،عالم أنه ينفق مما رزقه،وأنه مجزي على ما أنفق في سبيله،معوض عنه في الدنيا والآخرة.فالإيمان كسب في الدنيا يتحقق قبل جزاء الآخرة،ويتحقق بالراحة والطمأنينة والثبات والاستقرار طوال رحلة الدنيا”.

يقول تعالى:{وإذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دعوا ربَّهُم مُنيبينَ إليهِ ثمَّ إذا أذاقهُم منهُ رَحمةً إذا فريقٌ منهُم بِربّهم يُشركونَ}[الروم 33].

يقول سيد قطب رحمه الله:”إنها صورة للنفس البشرية التي لا تستمد من قيمة ثابتة،ولا تسير على نهج واضح.صورة لها وهي تتأرجح بين الانفعالات الطارئة والتصورات العارضة،والاندفاعات مع الأحداث والتيارات.فعند مسّ الضر يذكر الناس ربهم،ويلجأون إلى القوة التي لا عاصم إلا إياها،ولا نجاة إلا بالإنابة إليها.حتى إذا انكشفت الغمّة،وانفرجت الشدّة،وأذاقهم الله رحمة منه”إذا فريق منهم بربهم يشركون”…وهو الفريق الذي لا يستند إلى عقيدة صحيحة تهديه إلى نهج مستقيم.ذلك أن الرخاء يرفع عنهم الاضطرار الذي ألجأهم إلى الله،وينسيهم الشدة التي ردّتهم إليه،فيقودهم هذا إلى الكفر بما أتاهم الله من الهدى وما آتاهم من الرحمة،بدلاً من الشكر والاستقامة على الإنابة…”.

ويقول تعالى:{وإذا أذقنا النَّاسَ رحمةً فرحوا بها وإن تُصبهم سيئةٌ بما قدَّمتْ أيديهم إذا هم يقنطونَ}[الروم 36].

يقول سيد قطب رحمه الله:”وهي كذلك صورة للنفس التي لا ترتبط بخط ثابت تقيس إليه أمرها في جميع الأحوال،وميزان دقيق لا يضطرب مع التقلبات.والناس هنا مقصود بهم أولئك الذين لايرتبطون بذلك الخط ولا يزنون بهذا الميزان.فهم يفرحون بالرحمة فرح البطر الذي ينسيهم مصدرها وحكمتها،فيطيرون بها،ويستغرقون فيها،ولا يشكرون المنعم،ولا يستيقظون إلى ما في النعمة من امتحان وابتلاء.حتى إذا شاءت إرادة الله أن تأخذهم بعملهم فتذيقهم حالة”سيئة” عموا كذلك عن حكمة الله في الابتلاء بالشدة،وفقدوا كل رجاء في أن يكشف الله عنهم الغمّة،وقنطوا من رحمته ويئسوا من فرجه…وذلك شأن القلوب المنقطعة عن الله،التي لا تدرك حكمته،أولئك الذين لا يعلمون.يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا”.

يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ في كتابه (الإنسان في القرآن الكريم ص5):

“وهو  ـ أي الإنسان ـ مخلوق سريع التحول من طرف إلى طرف، فإذا عضّه الدهر بنابه، ومسّه الضرُّ خضع واستكان ولجأ إلى الله ودعاه ووحده، وإذا فرّج الله عنه،وجاءته النعمة بعد شدّة، استخفّه الفرح، ونسي ماكان يدعو إليه”.

ويقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني في كتاب (الأخلاق الإسلامية ج1 ص376):

“من ظواهر السلوك الإنساني التي قررها القرآن أنه يطغى إذا رأى أنه استغنى،يقول تعالى:{كلا إنَّ الإنسانَ ليطغى*أن رآهُ استغنى}[العلق 6 ـ 7].وهذا الاستغناء يكون بالمال، ويكون بالقوة والسلطان، ويكون بالعلم ويكون بالصحة والعافية، ويكون بالأتباع والأنصار، ويكون بامتلاك كل مايُحتاج إليه.ويكون الاستغناء عن الشئ أيضاً بعدم الحاجة إليه أصلاً.

ويتابع:”والاستغناء قد يكون حقيقياً، وهو لله تعالى وحده،فالله عز وجل هو الغني في ذاته بصفات الكمال، وهو المالك لكل شئ،وهو الغني في ذاته عن كل شئ من دونه.

وقد يكون الاستغناء شعوراً نفسياً كاذباً يراه الإنسان لنفسه،وهو في حقيقة حاله فقير لربه ،محتاج إليه في كل مطلب من مطالبه،وقد جعله الله محتاجاً لأشياء كثيرة، والله وحده هو الذي يخلقها ويهيئها له، ضمن سننه في كونه،يقول تعالى:{يا أيها النّاسُ أنتُمُ الفقراءُ إلى الله واللهُ هو الغني الحميد*إن يشأ يُذهبكُم ويأتِ بخلقٍ جديد* وما ذلكَ على الله بعزيز}[فاطر15 ـ 17].

فشعور الإنسان بالاستغناء وهو غارق في الفقر إلى الله عز وجل شعور فاسد،مستند إلى وهم كاذب، وهذا الشعور لايكون لدى المؤمنين الصادقين المراقبين لربهم.فالدواء الذي يمنع عن الإنسان الطغيان هو الإيمان بالله واليوم الآخر،الذي يستبقي في قلبه ونفسه الشعور بالفقر الدائم إلى الله، ويصرف عنه الغرور بالنفس والشعور بالاستغناء”.

6 ـ الشخصية ذات الوجهين أو المنافق:

يقول علماء اللغة:إنما سمي المنافق منافقاً لإظهاره غير ما يضمر،تشبيهاً باليربوع له جحر يقال له”النافقاء” وآخر يقال له”القاصعاء”وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كان يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب،فإذا رابه ريب دفع التراب برأسه فخرج.فظاهر جحره تراب،وباطنه حفر. وكذلك المنافق:ظاهره إيمان وباطنه كفر؟

يقول تعالى:{ومن النّاسِ من يُعجِبك قولهُ في الحياة الدُّنيا ويُشهدُ الله على مافي قلبهِ وهو ألدُّ الخصام* وإذا تولّى سَعى في الأرض لِيُفسدَ فيها ويُهلكَ الحرثَ والنسلَ والله لايحب الفساد} [البقرة 204 ـ 205].

يصور حالة نموذج من الناس ظاهرهم يُغري وباطنهم يؤذي.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا (مجلة المنار العدد 223):

“معناه يعجبك قوله وأنت في هذه الحياة لأنك تأخذ بالظواهر وهو  منافق اللسان يظهر خلاف مايضمر، ويقول مالايفعل، فهو يعتمد على خلابة لسانه ،في غش معاشريه وأقرانه، يوهمهم أنه نصير للحق والفضيلة، خاذل للباطل والرذيلة،متق لله في السر والعلن ،مجتنب الفواحش ما ظهر منها ومابطن،لايريد للناس إلا الخير،ولايسعى إلا في سبيل النفع،”ويشهد الله على ما في قلبه” أي  يحلف بالله على ان مافي قلبه موافق لما يقول ويدعي”وهو ألد الخصام” أي وهو في نفسه أشد الناس مخاصمة وعداوة لمن يتودد إليهم أو هو أشد خصمائهم  أي وهو قوي العارضة في الجدل لايعجزه أن يختلب الناس ويغشهم بما يظهر من الميل إليهم وإسعادهم في شؤونهم ومصالحهم.

ويتابع رحمه الله:”فالأوصاف المحمودة التي يعتمد عليها ثلاثة:حسن القول بحيث يعجب السامع،وإشهاد الله تعالى على صدقه وحسن قصده، وقوة العارضة في الجدل التي يحج بها المنكر أو المعارض.

ويتابع رحمه الله:”هذا الفريق من الناس يوجد في كل أمة وتختلف الخلابة اللسانية في الأمم باختلاف الأعصار ففي بعض الأزمنة لايتيسر للواحد أن يغش الأمة في مجموعها حتى ينكل بها تنكيلا وإن الجرائد في عصرنا هذا قد تكون طريقاً للغش العام كما تكون طريقاً للنصح العام وإنما يكون تلبيسها سهلاً على من يعجب العامة قولهم في الامم التي يغلب فيها الجهل لاسيما في طور الانتقال من حال إلى حال إذ تختلف ضروب الدعوة وطريق الإرشاد.

“وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها” في تفسير التولي هنا قولان: أحدهما أن صاحب الدعوى القولية إذا أعرض عن مخاطبه وذهب إلى شأنه فإن سعيه يكون على ضد ما قال.يدعي الصلاح والإصلاح وحب الخير ثم هو يسعى في الأرض بالفساد ذلك أنه لاهم له إلا في الشهوات واللذات والحظوظ الخسيسة فهو يعادي لأجلها أهل الحق والفضيلة ويؤذيهم لأنه ألد خصم لهم للتناقض والتضاد في الغرائز والسجايا ويعادي ايضاً المزاحمين له فيها من أمثاله المفسدين فلا يكون له هم وراء التمتع وأسبابه إلا الكيد للناس ومحاولة الإيقاع بهم فهو يفسد باعتدائه على الأموال والاعراض”ويهلك الحرث والنسل” بما يكون من أثر إفساده باعتدائه وهو ذهاب ثمرات الحرث وهو الزرع والنسل وهو ماتناسل من الحيوان وكأنه إشارة إلى مكاسب أهل الحضارة وأهل البادية،وفي هذا عبرة كبرى للذين يقطعون الزرع ويقتلون البهائم بالسم وغيره انتقاما ممن يكرهونهم وهي جرائم فاشية .

والقول الآخر أن المراد بالتولي أنه صار والياً له حكم ينفذ وعمل يستبد به وإفساده حينئذ يكون بالظلم مخرب العمران وآفة البلاد والعباد وإهلاكه الحرث والنسل يكون إما بسفك الدماء والمصادرة في الأموال وإما بقطع آمال العاملين من ثمرات أعمالهم وفوائد مكاسبهم ومن انقطع امله انقطع عمله إلا الضروري الذي به حفظ الدماء ولاحرث ولانسل إلا بالعمل.

وإذا قيل له اتق الله اخذته العزة بالإثم” أي أنه إذا أمر بمعروف أو نهي عن منكر يسرع إليه الغضب ويعظم عليه الأمر فتأخذه الكبرياء والأنفة،وتخطفه الحمية وطيش السفه،فيكون كالمأخوذ بالسحر،لايستقم له فكر، لأنه مصر على إفساده لايبغي عنه حولا،وعبر عن الكبرياء والحمية بالعزة للإشعار بوجه الشبهة للنفس الأمارة بالسوء وهو تخيلها النصح والإرشاد ذلة تنافي العزة المطلوبة”. انتهى كلام الشيخ رضا.

ويقول تعالى:{الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتحٌ من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيبٌ قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين}، ويقول تعالى في نموذج المنافق الضعيف الذي لايقوى على احتمال تبعة الرأي ولايسلم للحق وكل همه ألا يواجه بالبرهان:{وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعضٍ هل يراكم من أحدٍ ثم انصرفوا}.

ومن الناس من يجمع الخداع والغفلة، ويظن نفسه أريباً وحشو جلده تغفيل، وإنه ليعمل العمل يظنه يؤذي به غيره، وهو لايؤذي إلا نفسه:{ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين يُخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون}.

ومنهم الذين يتباطأون عن البذل والتضحية في ساعة العسرة، فإذا أصيب الباذلون بالشر حمدوا لأنفسهم حصافتها، وإن أصابوا خيراً جزاء جهادهم ندم أصحابنا أو ودّوا لو كانوا بذلوا:{وإنّ منكم لمن ليبطئنَّ فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً ولئن أصابكم فضلٌ من الله ليقولنّ كأن لم تكن بينكم وبينه مودةٌ ياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيما}.
إن شخصية الإنسان المنافق الذي أسلم بلسانه وكفر قلبه،هي شخصية تحمل الكثير من المشاعر المريضة العليلة فهي شخصية تتميز بالشك والتردد،والخوف من انكشاف أمرها،وضعف الثقة بالنفس…وهي تحاول من خلال صفاتها المريضة أن تواجه المجتمع حولها ببعض الأساليب والحيل لكيلا يتم انكشاف أمرها ومن تلك الوسائط الدفاعية والحيل التي تستعملها في ذلك نذكر:

1 ـ الإسقاط:

فالإنسان المنافق يحاول إسقاط مايتميز به من صفات وعيوب ومثالب على غيره ، فهو في داخله يبطن العداء والحقد والفساد للمؤمنين حوله، وهو يتوهم في نفس الوقت أنهم يواجهونه بتلك الصفات، يقول تعالى:{وإذا رأيتهم تُعجبك أجسامُهُم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنّهم خُشُبٌ مُسنَّدةٌ يحسبون كل صيحةٍ عليهم هُمُ العدو فاحذرهم قاتَلهُمُ الله أنّى يؤفكون}[المنافقون 4].

التبرير:

فهم يحاولون أن يبرروا ويفسروا تصرفاتهم الخاطئة والمريبة بأنواع من التبريرات الخاطئة أي أنهم يواجهون أخطائهم بأخطاء أكبر منها، يقول تعالى:{وإذا قيل لهم لاتفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون* ألاّ إنهم هم المفسدون ولكن لايشعرون}[البقرة 11ـ 12].ويقول تعالى:{وإذا قِيلَ لهم تَعالوا إلى ما أنزلَ الله وإلى الرسولِ رأيتَ المنافقينَ يصُدُّون عنكَ صُدوداً*فكيفَ إذا أصابتهم مصيبةٌ بما قدمت أيديهم ثُمَّ جاؤوكَ يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً*أولئكَ الذين يعلمُ الله مافي قلوبهم فأعرض عنهم وعِظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً}[النساء 61 ـ 63].

3 ـ ذو الوجهين:

إن الإنسان المنافق  قد تجده كثيراً مايخفي سواد قلبه وظلمات فكره، وكراهية فؤاده، بوجه ضاحك وابتسامة مصطنعة وصداقة مزيفة…

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن من شرّ الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه“[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

يقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ في المنافقين وهؤلاء الأشخاص  (كتاب الإنسان في القرآن الكريم):

“إن من صفات المنافقين التي قررتها آيات سورة البقرة في مجال الإنكار والاستبشاع العنجهية الشرسة والاستكبار المتطاول.ومن صفات المنافقين البغيضة: الازدواجية في السلوك، واتخاذ أكثر من مظهر ووجه وموقف، والتآمر والمخادعة.

قال تعالى:{وإذا لقوا الذين أمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنّما نحنُ مستهزئون}[البقرة 14].إن هذا الازدواج والتآمر سمةٌ تميز المنافقين في كل أحوالهم.. إنهم كاذبون..مخادعون..مستهزئون…ولقد فضحهم القرآن في أكثر من موضع “.

قال ابن القيم في صفات المنافقين(مدارج السالكين):

“لهم علامات يعرفون بها،مبينة في السنة والقرآن،بادية لمن تدبرها من أهل بصائر الإيمان.قام بهم ـ والله ـ الرياء. وهو أقبح مقام قامه الإنسان.وقعد بهم الكسل عما أمروا به من أوامر الرحمن، فأصبح الإخلاص عليهم ـ لذلك ـ ثقيلاً:{وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى يُراءونَ الناسَ ولايذكرونَ الله إلا قليلاً}[النساء 142].أحدهم كالشاة العائرة بين الغنمين، تيعر إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، ولاتستقر مع إحدى الفئتين، فهم واقفون بين الجمعين، ينظرون أيهم أقوى وأعز قبيلاً:{مُذَبذبينَ بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يُضللِ الله فلن تجدَ لهُ سبيلاً}[النساء 143].

(الحديث الشريف:”مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة لاتدري أيهما تتبع“[أخرجه مسلم والنسائي وأحمد عن ابن عم رضي الله عنهما).

يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن، فإذا كان لهم فتح من الله قالوا:ألم نكن معكم، وأقسموا على ذلك بالله جَهد أيمانهم، وإن كان لأعداء الكتاب والسنة نصيب قالوا:ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم، وأن النسب بيننا قريب.يقول تعالى:{الذين يتربصونَ بكم فإن كانَ لكم فتحٌ من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرينَ نصيبٌ قالواألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكمُ بينكم يوم القيامة ولن يجعلَ اللهُ للكافرينَ على المؤمنينَ سبيلاً}[النساء141].

ويتابع:”تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يُعترض عليه، لعلمه أن قلوب اهل الإيمان لاتطمئن إليه،فيتبرأ بيمينه من سوء الظن به،ويكشف مالديه،وكذلك أهل الريبة يكذبون ويحلفون، ليحسب السامع أنهم صادقون{اتخذوا ايمانهم جُنّةً فصدّوا عن سبيل اله إنّهم ساءَ ماكانوا يعملون}[المنافقون2].انتهى كلام ابن القيم.

وكتب يوسف بن أسباط رحمه الله إلى حذيفة المرعشي كتاباً جاء فيه:

“واعلم أن مما يوصف به منافقو هذه الأمة أنهم خالطوا أهل الدين بأبدانهم،وفارقوهم بأهوائهم،وخففوا مما سعوا من الحق،ولم ينتهوا عن خبيث فعالهم،إذ ذهبوا إليه فنازعوا في ظاهر أعمال البر بالمجامل والرياء،وتركوا باطن أعمال البر مع السلامة والتقى،كثرت أعمالهم بلا تصحيحنفحرمهم الله من الثمن الربيح”.

ويقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج1 ص566) والشهيد سيد قطب في الظلال:

“جاءت الآيات الكريمة في القرآن الكريم في تعريف وبيان طائفة المنافقين وصفاتهم وظواهرهم السلوكية:

1 ـ إنهم يقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم، فيقولون آمنا بالله وباليوم الآخر، وماهم بمؤمنين، إذ قلوبهم منكرة جاحدة،وليس كذبهم هذا في أمور صغيرة أو عادية، ولكنه كذب في الدين ،كذب في العقيدة وفي إعلان منهج الحياة.يقول تعالى:{ ومن الناس من يقولُ آمنا بالله وباليومِ الآخرِ وماهم بمؤمنين}[البقرة8].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“لقد كانت هذه صورة واقعة في المدينة،ولكننا حين نتجاوز نطاق الزمان والمكان نجدها نموذجاً مكروراً في أجيال البشرية جميعاً.نجد هذا النوع من المنافقين من علية الناس الذين لايجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحق بالإيمان الصريح،أو يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح.وهم في الوقت ذاته يتخذون لأنفسهم مكان المترفع على جماهير الناس، وعلى تصورهم للأمور!ومن ثم تميل إلى مواجهة هذه النصوص كما لو كانت مطلقة من مناسبتها التاريخية،موجهة إلى هذا الفريق من المنافقين في كل جيل. وإلى صميم النفس الإنسانية الثابت في كل جيل.

إنهم يدّعون الإيمان بالله واليوم الآخر. وهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين.إنما هم منافقون لايجرؤون على الإنكار والتصريح بحقيقة شعورهم في مواجهة المؤمنين”.

2 ـ إنهم فيما يتظاهرون به من قول أو عمل يقصدون مخادعة الذين آمنوا،ليأمنوا جانبهم،وليأمنوا جانب أعدائهم،ويظفروا بالمغانم والمنافع من كلا الفريقين بحسب تصورهم.

يقول تعالى:{يُخادعونَ الله والذين أمنوا ومايخدعون إلا أنفسهم ومايشعرون}[البقرة 9].

يقول سيد قطب رحمه الله:”وهم يظنون في أنفسهم الذكاء والدهاء والقدرة على خداع هؤلاء البسطاء، ولكن القرآن يصف حقيقة فعلتهم، فهم لايخادعون المؤمنين،إنما يخادعون الله كذلك أو يحاولون.

وفي هذا النص وأمثاله”يخادعون الله والذين أمنوا”…نقف أمام حقيقة كبيرة،وأمام تفضل من الله كريم…تلك الحقيقة هي التي يؤكدها القرآن دائماً ويقررها،وهي حقيقة الصلة بين الله والمؤمنين.إنه يجعل صفهم صفه،وأمرهم أمره.وشأنهم شأنه. يضمهم سبحانه إليه، ويأخذهم في كنفه، ويجعل عدوهم عدوه، وما يوجه إليهم من مكر موجهاً إليه سبحانه وهذا هو التفضل العلوي الكريم…التفضل الذي يرفع مقام المؤمنين وحقيقتهم إلى هذا المستوى السامق،والذي يوحي بأن حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق، والذي يسكب في قلب المؤمن طمأنينة لاحد لها،وهو يرى الله جلّ شأنه يجعل قضيته هي قضيته،ومعركته هي معركته،وعدوه هو عدوه،ويأخذه في صفه،ويرفعه إلى جواره الكريم..فماذا يكون العبيد وكيدهم وخداعهم وأذاهم الصغير؟!

وهو في ذات الوقت تهديد رعيب للذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم، وإيصال الأذى إليهم.تهديد لهم بأن معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم إنما هي مع الله القوي الجبار القهار.وأنهم إنما يحاربون الله حين يحاربون أولياءه، وإنما يتصدون لنقمة الله حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة.

ونعود إلى هؤلاء الذين يخادعون الله والذين آمنوا ظانين في أنفسهم الذكاء والدهاء…ولكن ياللسخرية! ياللسخرية التي تنصب عليهم قبل أن تكتمل الآية”وما يخدعون إلا أنفسهم ومايشعرون“.إنهم من الغفلة بحيث لايخدعون إلا أنفسهم في غير شعور! إن الله بخداعهم عليم،والمؤمنون في كنف الله فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم. أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها.يخدعونها حين يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق، ووقوها مغبة المصارحة بالكفر بين المؤمنين.وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة بالكفر الذي يضمرونه، والنفاق الذي يظهرونه،وينتهون بها إلى شر مصير!.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد490 بتاريخ22 اكتوبر 1930م):

يقول تعالى 🙁ومنهم منْ يَلمِزُكَ في الصدقاتِ فإن أُعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون}، يقول الشيخ معقباً على الآية:”كان المنافقون يرتقبون الفرص للصدعن على النبي صلى الله عليه وسلم بالشبه التي يظنون أنها توقع الريب في قلوب ضعفاء الإيمان من الجانب الذي يوافق أهواءهم وقد كان منها قسمة الصدقات والغنائم. روى البخاري والنسائي ومصنفو التفسير المأثور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال اعدل يا رسول الله، فقال:ويلك ومن يعدل إذا أعدل؟فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ائذن لي فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه فإن له أصحاباً يحقر أحكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)قال أبو سعيد فنزلت فيهم{ومنهم من يلمزك….}.

3 ـ في قلوبهم مرض خلقي هو السبب في سلوكهم مسالك النفاق،وهذا المرض عرض طارئ وليس من أصل التكوين الفطري، ولذلك سماه الله مرضاً،وكذلك سائر الأمراض،ولدى البحث عن هذا المرض يتبين لنا ماسبق ذكره من الجبن،والطمع الشديد بالمنافع والمغانم الدنيوية،وخلق الجحود والكنود، وخلق الكذب.

يقول تعالى:{في قلوبهم مرضٌ فزادهمُ الله مرضاً ولهم عذابٌ اليمٌ بما كانوا يكذبون}[البقرة 10].

ويقول سيد قطب رحمه الله:”ولكن لماذا يحاول المنافقون هذه المحاولة؟ ولماذا يخادعون هذا الخداع؟…”في قلوبهم مرض“.في طبيعتهم آفة. في قلوبهم علة.وهذا مايحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم.ويجعلهم يستحقون من الله أن يزيدهم مما هم فيه”فزادهم الله مرضاً”…

فالمرض ينشئ المرض، والانحراف يبدأ يسيراً، ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد. سنة لاتتخلف.سنة الله في الأشياء والأوضاع، وفي المشاعر والسلوك.فهم صائرون إذن إلى مصير معلوم.المصير الذي يستحقه من يخادعون الله والمؤمنين:”ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون“.

4 ـ ومن ظواهرهم السلوكية أنهم يفسدون في الأرض بأقوالهم وأعمالهم،فإذا قيل لهم: لاتفسدوا في الأرض، بهتوا الحقيقة بكل وقاحة،وجعلوا الباطل حقاً والحق باطلاً،دونما حياء ولاتلجلج، وقالوا :إنما نحن مصلحون، وأخذوا يبررون سلوكهم المنافق المفسد بأنه من الأعمال الإصلاحية.

يقول تعالى:{ وإذا قيل لهم لاتفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون*ألا إنهم همُ المفسدونَ ولكن لايشعرون}[البقرة 11 ـ 12].

يقول سيد قطب رحمه الله:”إنهم لايقفون عند حد الكذب والخداع، بل يضيفون إليهما السفه والإدعاء، لم يكتفوا بأن ينفوا عن أنفسهم الإفساد، بل تجاوزوه إلى التبجح والتبرير:”قالوا إنما نحن مصلحون“.

والذين يفسدون أشنع الفساد، ويقولون: إنهم مصلحون، كثيرون جداً في كل زمان.يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم. ومتى اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم.والذين لايخلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم، لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية،ولايثوب إلى قاعدة ربانية.ومن ثم يجئ التعقيب الحاسم والتقرير الصادق:”ألا إنهم هم المفسدون ولكن لايشعرون“.

ويقول تعالى:{يوم يقول المنافقونَ والمنافقات ُ للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءَكم فالتمسوا نوراً فَضُرِبَ بينهم بِسُورٍ له باب باطنهُ فيه الرحمة وظاهرهُ من قِبلهِ العذاب*يُنادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنَّكم فَتنتم أنفسكم وتَرَبَّصتم وارتبتم وغرّتكم الأمانيُّ حتى جاءَ أمرُ الله وغرّكم بالله الغَرور}[الحديد13 ـ 14].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وعلى الفور يفصل بين المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات.فهذا يوم الفصل إن كانوا في الدنيا مختلطين في الجماعة:”فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب”..ويبدو أنه سور يمنع الرؤية ولكنه لا يمنع الصوت.فهاهم أولاء المنافقون ينادون المؤمنين:”ألم نكن معكم؟”…فما بالنا نفترق عنكم؟ألم نكن معكم في الدنيا نعيش في صعيد واحد؟وقد بعثنا معكم هنا في صعيد واحد؟”قالوا:بلى” كان الأمر كذلك.”ولكنكم فتنتم أنفسكم”فصرفتموها عن الهدى.”وتربصتم”..فلم تعزموا ولم تختاروا الخيرة الحاسمة.”وارتبتم”..فلم يكن لكم من اليقين ماتعزمون به العزمة الأخيرة.”وغرتكم الأماني”الباطلة في أن تنجوا وتربحوا بالذبذبة وإمساك العصا من طرفيها!”حتى جاء أمر الله”..وانتهى الأمر.”وغركم بالله الغرور”..وهو الشيطان الذي كان يطمعكم ويمنيكم.

5 ـ ومن ظواهرهم السلوكية أنهم يزعمون لأنفسهم الذكاء ورجاحة العقل، وحسن التصرف في الأمور،للتخلص من المآزق الحرجة التي يواجهونها، ويرون أن المؤمنين الصادقين في إيمانهم سفهاء،ناقصوا العقل قليلو التفكير.

يقول تعالى:{وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناسُ قالوا أنؤمنُ كما آمنَ السفهاء ألا إنهم همُ السفهاءُ ولكن لايعلمون}[البقرة 13].

وهذه الظاهرة ملاحظة في كل الذين لايكترثون بالدين،ولايقيمون له في نفوسهم وزناً، إنهم يتصورون أن المتدينين ضعفاء العقول ناقصو التفكير،تؤثر عليهم الأوهام وتستولي عليهم الخرافات.

ولدى التمحيص نلاحظ ان الذين لايؤمنون يظل الشك والتخوف يملأ قلوبهم قلقاً واضطراباً، فهم السفهاء ناقصوا العقل،وإن كانوا في أعمال الخبث والمكر والكيد أذكياء،فذكاء المجرم لاقيمة له في ميزان العقل الصحيح، ومن أجل ذلك وصفهم الله بأنهم هم السفهاء لا المؤمنون.ولاتخفى نزعة العجب والكبر والاستعلاء والغرور بالنفس، واستنكار دعوتهم إلى الإيمان الصادق، في مقالتهم:”أنؤمن كما آمن السفهاء“؟!.

يقول سيد قطب رحمه الله:

“ومن صفتهم كذلك التطاول والتعالي على عامة الناس،ليكسبوا لأنفسهم مقاماً زائفاً في أعين الناس. وواضح أن الدعوة التي كانت موجهة إليهم في المدينة هي أن يؤمنوا الإيمان الخالص المستقيم المتجرد من الأهواء. إيمان المخلصين الذين دخلوا في السلم كافة، وأسلموا وجوههم لله،وفتحوا صدورهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوجههم فيستجيبون بكليتهم مخلصين متجردين…هؤلاء هم الناس الذين كان المنافقين يدعون ليؤمنوا مثلهم هذا الإيمان الخالص الواضح المستقيم.

وواضح أنهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للرسول صلى الله عليه وسلم ويرونه خاصاً بفقراء الناس غير لائق بالعلية ذوي المقام! ومن ثم قولتهم هذه:” أنؤمن كما آمن السفهاء”.. ومن ثم جاءهم الرد الحاسم، والتقرير الجازم:“ألا إنهم هم السفهاء ولكن لايعلمون”.

ومتى علم السفيه أنه سفيه؟ ومتى استشعر المنحرف أنه بعيد عن المسلك القويم؟.

6 ـ ومن ظواهرهم السلوكية أن لهم أكثر من وجه،فلهم وجه يستعلنون به إذا لقوا الذين آمنوا،ولهم وجه آخر يتوارون به ولايظهرونه إلا إلى شياطينهم، أي: إلى إخوانهم الكافرين أمثالهم،إو إلى المسوسين لهم بأن يسلكوا مسلك النفاق من شياطين الإنس كاليهود،ويبررون لإخوانهم هذا التلون بأنهم يستهزئون بالمؤمنين، ويترصدون غراتهم،للإيقاع بهم،أو التخلي عنهم في أوقات الشدائد.

يقول تعالى:{وإذا لقوا الذينَ أمنوا قالوا آمنا وإذا خَلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنّما نحن مستهزئون*الله يستهزئُ بهم ويَمدُّهم في طغيانهم يعمهون}[البقرة14 ـ 15].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

“وبعض الناس يحسب اللؤم قوة، والمكر السئ براعة.وهو في حقيقته ضعف وخسة.فالقوي ليس لئيماً ولاخبيثاً، ولاخادعاً ولامتآمراً ولاغمازاً في الخفاء لمازا.وهؤلاء المنافقون الذين كانوا يجبنون عن المواجهة، ويتظاهرون بالإيمان عند لقاء المؤمنين، ليتقوا الأذى، وليتخذوا هذا الستار وسيلة للأذى…هؤلاء كانوا إذا خلوا إلى شياطينهم ـ وهم غالباً ـ اليهود الذين كانوا يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتفتيته..هؤلاء المنافقون كانوا”إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون” ـ أي بالمؤمنين ـ بما نظهره من الإيمان والتصديق!

وما يكاد القرآن يحكي فعلتهم هذه وقولتهم، حتى يصب عليهم من التهديد مايهد الرواسي:“الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون“.

وما أبأس من يستهزئ به جبار السموات والأرض وما أشقاه!!وإن الخيال ليمتد إلى مشهد مفزع رعيب، وإلى مصير تقشعر من هوله القلوب.

وهو يقرأ:”الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون”…فيدعهم يخبطون على غير هدى في طريق لايعرفون غايته،واليد الجبارة تتلقفهم في نهايته، كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ،غافلة عن المقبض المكين…وهذا هو الاستهزاء الرعيب،لا كاستهزائهم الهزيل الصغير”.

7 ـ ومن ظواهرهم السلوكية أنهم يتخذون أيمانهم الكاذبة جُنةً يقوون بها أنفسهم، ويسترون بها أعمالهم مخالفة لما أعلنوه من الإسلام،ويسترون بها جرائمهم ومايخفون من عداء وكراهية.

يقول تعالى:{اتخذوا أيمانهم جُنّةً فصدوا عن سبيل الله إنّهم ساءَ ماكانوا يعملون}[المنافقون 2].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وهي توحي بأنهم كانوا يحلفون الأيمان كلما انكشف أمرهم،أو عرف عنهم كيد أو تدبير،أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين.كانوا يحلفون ليتقوا مايترتب على افتضاح أمر من أمورهم،فيجعلون أيمانهم وقاية وجُنّة يحتمون وراءها،ليواصلوا كيدهم ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم.“فصدوا عن سبيل الله“..صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم مستعينين بتلك الأيمان الكاذبة:”إنهم ساء ماكانوا يعملون“…وهل أسوأ من الكذب للخداع والتضليل!؟

ويقول تعالى:{ويحلفونَ بالله إنّهم لمنكم وماهم منكم ولكنهم قومٌ يفرَقون* لو يجدون ملجاً أو مغاراتٍ أو مُدَّخلاً لولّوا إليه وهم يجمحون}[التوبة 56ـ 57].

إنهم يحلفون، لأنهم يفرقون، أي: يخافون خوفاً شديداً من انكشاف نفاقهم،فلو يجدون ملجاً يلجأون إليه،أو مغارات يأوون إليها، أو مدّخلاً يتوارون فيه،لولّوا وهم يجمحون، أي: يسرعون في جموح كجموح الخيل.

يقول سيد قطب رحمه الله:

“ولقد كان أولئك المنافقون يدسون أنفسهم في الصف، لا عن إيمان واعتقاد،ولكن عن خوف وتقية،وعن طمع ورهب.ثم يحلفون أنهم من المسلمين، أسلموا اقتناعاً، وآمنوا اعتقاداً..فهذه السورة(التوبة) تفضحهم وتكشفهم على حقيقتهم،فهي الفاضحة التي تكشف رداء المداورة وتمزق ثوب النفاق.

إنهم جبناء.والتعبير يرسم لهذا الجبن مشهداً ويجسمه في حركة.حركة النفس والقلب،يبرزها في حركة جسد وعيان:”لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لولوا إليه وهم يجمحون“.

فهم متطلعون ابداً إلى مخبأ يحتمون به،ويأمنون فيه. حصناً أو مغارة أو نفقاً.إنهم مذعورون مطاردون.يطاردهم الفزع الداخلي والجبن الروحي”.

8 ـومن صفات المنافقين أن النفاق فيهم قد يتحول من ممارسة غير صادرة عن خلق أصيل في النفس،إلى خُلق يتولد عنه انطماس البصيرة،والطبع على القلوب،حتى لاتجد المعارف الحقيقة والمذكرات بالله واليوم اآخر منافذ تنفذ منها إلى مواطن إدراكها،فهم لايفقهون مايسمعونه من دعوة إلى الحق والخير والهدى.

يقول تعالى:{اتخذوا أيمانهم جُنّةً فصدوا عن سبيل الله إنهم ساءَ ما كانوا يعملون* ذلك بأنّهم آمنوا ثمّ كفروا فَطُبعَ على قلوبهم فهم لايفقهون}[المنافقون 2 ـ 3}

يقول تعالى:{ألم ترَ إلى الذين تولَّوا قوماً غضبَ الله عليهم ما هُمْ منكم ولا منهم ويحلفونَ على الكذبِ وهم يعلمون*أعدَّ الله لهم عذاباً شديداً إنهم ساءَ ما كانوا يعملون*اتَّخذوا أيمانهم جُنَّةً فصدوا عن سبيل الله فلهم عذابٌ مهين}[المجادلة15 ـ 16[.

يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير آيات سورة المنافقون:

“اتخذوا أيمانهم جنة”:وهي توحي بأنهم كانوا يحلفون الإيمان كلما انكشف أمرهم،أو عرف عنهم كيد أو تدبير،أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين.كانوا يحلفون ليتقوا ما يترتب على افتضاح أمر من أمورهم،فيجعلون أيمانهم وقاية وجنة يحتمون وراءها،ليواصلوا كيدهم ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم”

” فهم عرفوا الإيمان إذن،ولكنهم اختاروا العودة إلى الكفر. وما يعرف الإيمان ثم يعود إلى الكفر قلب فيه فقه،أو تذوق، أو حياة.وإلا فمن ذا الذي يذوق ويعرف،ويطلع على التصور الإيماني للوجود،وعلى التذوق الإيماني للحياة،ويتنفس في جو الإيمان الذكي، ويحيا في نور الإيمان الوضئ، ويتفيأ ظلال الإيمان الندية..ثم يعود إلى الكفر الكالح الميت الخاوي المجدب الكنود؟من ذا الذي يصنع هذا إلا المطموس الكنود الحقود،الذي لايفقه ولايحس ولايشعر بهذا الفارق البعيد!”فطبع على قلوبهم فهم لايفقهون“.

ويقول رحمه الله في تفسير آيات سورة المجادلة:”وهذه الحملة القوية على المنافقين الذين يتولون قوماً غضب الله عليه ـ وهم اليهودـ تدل على أنهم كانوا يمعنون في الكيد للمسلمين،ويتآمرون مع ألد أعدائهم عليهم،كما تدل على أن سلطة الإسلام كانت قد عظمت،بحيث يخافها المنافقون،فيضطرون ـ عندما يواجههم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بما يكشفه الله من تدبيراتهم ومؤامراتهم ـ إلى الحلف بالكذب لإنكار ما ينسب إليهم من مؤامرات وأقوال،وهم يعلمون أنهم كاذبون في هذه الأيمان.إنهم يتقون بأيمانهم ما يتووقعونه من مؤاخذتهم بما ينكشف من دسائسهم:”اتخذوا أيمانهم جنة” أي وقاية.وبذلك يستمرون في دسائسهم للصد عن سبيل الله!”.ويتابع:”ويصور مشهدهم يوم القيامة في وضع مزر مهين،وهم يحلفون لله كما كانوا يحلفون للناس:{يوم يبعثُهُمُ اللهُ جميعاً فيحلفونَ لهُ كما يحلفونَ لكم ويحسبونَ أنَّهم على شيءٍ ألا إنَّهمْ هُمُ الكاذبونَ}[المجادلة 18]…مما يشير إلى أن النفاق قد تأصل في كيانهم،حتى ليصاحبهم إلى يوم القيامة،وفي حضرة الله ذي الجلال،الذي يعلم خفايا القلوب وذوات الصدور”.

9 ـ ومن صفات المنافقين أن ظواهرهم قد تُعجب الناظرين، وأن أقوالهم ترضي السامعين.

يقول تعالى:{وإذا رأيتهم تُعجبكَ أجسامُهُم وإن يقولوا تسمع لقولهم}[المنافقون4].

فهم يتصنعون الظواهر التي تخدع الأنظار، حتى تظن فيهم خيراً، ويعتنون بتحسين أجسامهم وتزيين أعمالهم مما يكسبهم وجاهة ومكانة بين الناس،فلاتدل أجسامهم ولامظاهرهم على أنهم منافقون أخباث.وإن يقولوا تسمع لقولهم،لأن لديهم القدرة على تنميق أقوالهم وتزيينها،فهم إذا تحدثوا استمالوا سامعيهم وأثّروا فيهم،وقد كان زعيم منافقي المدينة عبد الله بن أبي سلول رجلاً جسيماً فصيحاً.

يقول سيد قطب رحمه الله:

“فهم أجسام تعجب.لا أناسي تتجاوب!وماداموا صامتين فهم أجسام معجبة للعيون..فأما حين ينطقون فهم خواء من كل معنى ومن كل حس ومن كل خالجة…”تسمع لقولهم كأنهم خشب“… ولكنها ليست خشباً فحسب. إنما هي “خشب مسندة“.. لاحركة لها، ملطوعة بجانب الجدار!

هذا الجمود الراكد يصورهم من ناحية فقر أرواحهم إن كانت لهم أرواح!

10 ـ ومن صفات المنافقين أنهم إذا حضروا مجالس العلم والموعظة والتذكير بالله حضروا بأجسامهم فقط، وعقولهم وقلوبهم في أودية أهوائهم وشهواتهم وأغراض دنياهم، فكأنهم في هذه المجالس الإسلامية الربانية خُشُبٌ مسندة.

يقول تعالى:{وإذا رأيتهم تُعجبكَ أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنّهم خُشُبٌ مُسندّة}[المنافقون 4].

فحضورهم في هذه المجالس كحضور أعمدة من الخشب مسندة على الجدر حتى لاتسقط، فهي لاتفقه ولاتعي شيئاً مما يجري حولها،ولذلك كانوا يقولون إذا خرجوا من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم”ماذا قال آنفاً؟”. يقول تعالى:{ومنهم من يستمعُ إليكَ حتى إذا خرجوا من عندكَ قالوا للذين أُوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئكَ الذين طبعَ الله على قلوبهم واتّبعوا أهواءَهُم}[محمد 16].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وسؤالهم ذاك بعد استماعهم للرسول صلى الله عليه وسلم  ـ والاستماع معناه السماع باهتمام ـ يدل على أنهم كانوا يتظاهرون تظاهراً بأنهم يلقون سمعهم وبالهم للرسول صلى الله عليه وسلم وقلوبهم لاهية غافلة.أو مطموسة مغلقة.كما أنه قد يدل من جانب آخر على الغمز الخفي اللئيم إذ يريدون أن يقولوا بسؤالهم هذا لأهل العلم:إن مايقوله محمد لايفهم، أو لايعني شيئاً يفهم.فهاهم أولاء مع استماعهم له، لايجدون له فحوى ولايمسكون منه بشئ! كذلك قد يعنون بهذا السؤال السخرية من احتفال أهل العلم بكل مايقوله محمد صلى الله عليه وسلم وحرصهم على استيعاب معانيه وحفظ ألفاظه ـ كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم مع كل كلمة يتلفظ بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فهم يسألونهم أن يعيدوا ألفاظه التي سمعوها على سبيل السخرية الظاهرة أو الخفية…وكلها احتمالات تدل على اللؤم والخبث والانطماس والهوى الدفين”.

ويقول الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنويرفي الآية16 من سورة محمد:

“والاستماع:أشد السمع وأقواه،أي يستمعون باهتمام يظهرون أنهم حريصون على وعي مايقوله الرسول صلى الله عليه وسلم وأنهم يُلقون إليه بالهم،وهذا من استعمال الفعل في معنى إظهاره لا في معنى حصوله.

ومعنى “آنفاً”: وقتاً قريباً من زمن التكلم.

وسياق الكلام يدل على ذم هذا السؤال لقوله عقبه”أولئك الذين طبع الله على قلوبهم” فهو سؤال يُنبئ عن مذمة سائليه، فإن كان سؤالهم حقيقة أنبأ عن قلة وعيهم لما يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم فهم يستعيدونه من الذين علموه فلعل استعادتهم إياه لقصد أن يتدارسوه إذا خلوا مع إخوانهم ليختلقوا مغامر يهيئونها بينهم،أو أن يجيبوا من يسألهم من إخوانهم عما سمعوه في المجلس الذي كانوا فيه.ويجوز أن يكون السؤال على غير حقيقته ناوين به الاستهزاء يُظهرون للمؤمنين اهتمامهم باستعادة ماسمعوه ويقولون لإخوانهم:إنما نحن مستهزؤون، أو أن يكون سؤالهم تعريضاً بأنهم سمعوا كلاماً لا يستبين المراد منه لإدخال الشك في نفوس من يُحسون منهم الرغبة في حضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم تعريضاً لقلة جدوى حضورها”.

11ـ ومن صفات المنافقين أنهم في حالة مستمرة من الذعر والقلق والخوف من انكشاف خياناتهم،وفي حالة تخوف دائم من أن ينكشف كفرهم فيصدر النداء لقتالهم والنكاية بهم،لذلك فهم يحسبون كل صيحة مسلّطة عليهم.

يقول تعالى:{يحسبون كُلّ صيحةٍ عليهم هُمُ العدوُّ فاحذرهم قاتلهم الله أنّى يؤفكون}[المنافقون 4].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“فهم يعرفون أنهم منافقون مستورون بستار رقيق من التظاهر والحلف والملق والالتواء. هم يخشون في كل لحظة أن يكون أمرهم قد افتضح وسترهم قد انكشف. والتعبير يرسمهم أبداً متلفتين حواليهم،يتوجسون من كل حركة ومن كل صوت ومن كل هاتف،يحسبونه يطلبهم،وقد عرف حقيقة أمرهم!

وبينما هم خشب مسندة ملطوعة إذا كان الأمر أمر فقه وروح وشعور بإيقاعات الإيمان… إذا هم كالقصبة المرتجفة في مهب الريح إذا كان الأمر أمر خوف على الأنفس والأموال!

وهم بهذا وذاك يمثلون العدو الأول للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين:”هم العدو فاحذرهم“…هم العدو الحقيقي. العدو الكامن داخل المعسكر،المختبئ في الصف.وهو أخطر من العدو الخارجي الصريح.”فاحذرهم”…“قاتلهم الله أنى يؤفكون“.. فالله مقاتلهم حيثما صرفوا وأنى توجهوا. والدعاء من الله حكم بمدلول هذا الدعاء،وقضاء نافذ لاراد له ولامعقب عليه..وهذا هو الذي كان في نهاية المطاف”.

12 ـ ومن صفاتهم أنهم لابد أن تصدر عنهم تصرفات قولية أو عملية تدل على نفاقهم،وأنهم في قلوبهم منكرون كافرون.وفيما يلي عرضة لطائفة من مواقفهم:

ـ في غزوة أحد انخذلوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يستكملوا مسيرتهم، فدل ذلك على نفاقهم، وكان من عادة زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول قبل هذه الغزوة إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام عبد الله بن أبي فقال:أيها الناس هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزّكم به، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس.

فلما كان منه ماكان من خذل فعليّ للرسول صلى الله عليه وسلم في أحد، وجاء يوم الجمعة، قام عبد الله بن أبي يفعل مثلما كان يفعل، فأسكته المسلمون وأخذوا بثيابه من نواحيه،وقالوا له: اجلس أي عدوّ الله،لست لذلك بأهل،فخرج مقهوراً ذليلاً يتخطى رقاب الناس، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد، فقال له:ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي،فأنزل الله تعالى:{وإذا قيلَ لهم تعالوا يستفغر لكم رسولُ الله لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدُّونَ وهم مستكبرون*سواءٌ عليهم استغفرتَ لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفرَ اللهُ لهم إنّ الله لايهدي القومَ الفاسقين} [المنافقون 6].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“فهم يفعلون الفعلة،ويطلقون القولة. فإذا عرفوا أنها بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم جبنوا وتخاذلوا وراحوا يقسمون بالأيمان يتخذونها جنة. فإذا قال لهم قائل: تعالوا يستغفر لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم،وهم في أمن من مواجهته، لووا رؤوسهم ترفعاً واستكباراً! وهذه وتلك سمتان متلازمتان في النفس المنافقة.وإن كان هذا التصرف يجئ عادة ممن لهم مركز في قومهم ومقام.ولكنهم هم في ذوات أنفسهم أضعف من المواجهة،فهم يستكبرون ويصدون ويلوون رؤوسهم ماداموا في أمان من المواجهة. حتى إذا ووجهوا كان الجبن والتخاذل والأيمان!

وهناك أمثلة كثيرة وعديدة.

وقد كشف الله هذه الصفة من صفات المنافقين، وأوضح أنّ لهم علامات تميزهم، في تصرفاتهم،وفي ملامح وجوههم عند سماع شئ يكرهونه من أمور الدين،وفي لحن أقوالهم التي تنفلت من ألسنتهم دون أن يستطيعوا ضبطها وحجزها،وذلك لشدّة ضغط ماينفعل في قلوبهم ونفوسهم،مما يحاولون إخفاءه خشية انكشاف أمرهم.

إنه لما نزلت آيات محكمات دُعي فيها المسلمون إلى القتال في سبيل الله،تألم منها المنافقون، وكرهوها، وصعب عليهم أن يجاهروا برفضها،لأن ذلك يكشف نفاقهم، فانفعلت نفوسهم انفعالات كراهية ظهرت في وجوههم وفي نظراتهم.

يقول تعالى:{ويقولُ الذينَ أمنوا لولا نُزّلت سورةٌ فإذا أُنزلت سورةٌ مُحكمةٌ وذُكرَ فيها القتالُ رأيتَ الذين في قلوبهم مرضٌ ينظرون إليكَ نظرَ المغشي عليهِ من الموت فأولى لهم}[محمد 20].

(أي فويل لهم، وهلاك لهم).

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وهذا وصف من أوصاف المنافقين…يفقدون تماسكهم،ويسقط عنهم ستار الرياء الذي يتسترون به،وينكشف جزعهم وضعف نفوسهم من مواجهة هذا التكليف،ويبدون في حالة تزري بالرجال يصورها التعبير القرآني المبدع صورة فريدة كأنها معروضة للأنظار،وهو تعبير لاتمكن محاكاته، ولاترجمته إلى أي عبارة أخرى. وهو يرسم الخوف إلى حد الهلع.والضعف إلى حد الرعشة.والتخاذل إلى حد الغشية! ويبقى بعد ذلك منفرداً حافلاً بالظلال، والحركة التي تشغف الخيال! وهي صورة خالدة لكل نفس خوارة لاتعتصم بإيمان، ولابفطرة صادقة، ولابحياء تتجمل به أمام الخطر.وهي هي طبيعة المرض والنفاق”!

يقول سيد قطب رحمه الله( التصوير الفني في القرآن ص49):

“يصور حالة فريق من الناس ضعيف العقيدة،ضعيف العزيمة،مستور الحال، لايتبين ضعفه في فترة الرخاء،فإذا جدّ الجدُّ، وجاء الشدُّ،ظهر هذا الضعف على أتمه..ويتابع:”ومنظر المغشي عليه من الموت معهود، فما هو إلا أن يذكر التعبير، حتى تبرز صورتهم في الضمير،مصحوبة بالسخرية والتحقير.ويتابع رحمه الله:”وقد يبرز هذا “النموذج” في حادثة مروية، فيتجاوز الحادثة الخاصة ويخلد نموذجاً عاماً:{ألم ترَ إلى الملأ من بني إسرائيل من بعدِ موسى إذ قالوا لنبيٍّ لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله قال هل عَسيتم إن كتب عليكم القتالُ ألا تُقاتلوا قالوا ومالنا ألاّ نقاتل في سبيل الله وقد اُخرجنا من دِيارِنا وأبنائنا فلما كُتبَ عليه القتالُ تولّوا إلا قليلاً منهم} [البقرة]. ويتابع:” وفي هذا المثال يزيد على الضعف، تلك اللجاجة في أيام السلم، وإظهار الشجاعة والاستبسال، ثم الخور والجبن عندما تحين ساعة النضال.

ويقول صاحب التحرير والتنوير الشيخ ابن عاشور رحمه الله في الآية 20 من سورة محمد:

“ووجه الشبه ثبات الحدقة وعدم التحريك، أي ينظرون إليك نظر المتحير بحيث يتجه إلى صوب واحد ولايشتغل بالمرئيات لأنه في شاغل عن النظر،وإنما يوجهون أنظارهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانوا بمجلسه حين نزول السورة، وكانوا يتظاهرون بالإقبال على تلقي ماينطق به من الوحي، فلما سمعوا ذكر القتال بهتوا، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى:{رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت}[الأحزاب].

وكثيراً مالايقتصر الأمر على حدود انفعالات تظهر أماراتها على الوجوه وفي نظرات الأعين، بل تتعدى ذلك إلى أقوال تحمل أمارات أقوى،وتصرفات عملية تحمل دلالات أبين وأوضح.

يقول تعالى:{أم حسبَ الذينَ في قُلوُبهم مرضٌ أن لن يُخرجَ اللهُ أضغانَهُم*ولو نشاءُ لأريناكَهُم فَلَعَرفتهم بِسيماهم ولَتَعرفَنّهم في لحنِ القولِ واللهُ يعلمُ أعمالَكم}[محمد 29 ـ 30].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“ولقد كان المنافقون يعتمدون على إتقانهم فن النفاق،وعلى خفاء أمرهم في الغالب على المسلمين.فالقرآن يسفه ظنهم أن هذا الأمر سيظل خافياً،ويهددهم بكشف حالهم وإظهار أضغانهم وأحقادهم على المسلمين.ويقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:”ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم“… اي لو نشاء لكشفنا لك عنهم بذواتهم واشخاصهم، حتى لترى أحدهم فتعرفه من ملامحه(وكان هذا قبل أن يكشف الله له عن نفر منهم بأسمائهم) ومع ذلك فإن لهجتهم ونبرات صوتهم،وإمالتهم للقول عن استقامته، وانحراف منطقهم في خطابك سيدلك على نفاقهم:”ولتعرفنهم في لحن القول“…

13 ـ ومن الظواهر السلوكية الدالة على نفاق المنافقين تركهم التحاكم إلى الله والرسول ،وتحاكمهم إلى الطاغوت، طمعاً بأن يكون حكم الطاغوت لمصلحتهم.

يقول تعالى:{ألم ترَ إلى الذين يزعمونَ انّهم آمنوا بما أُنزلَ إليكَ وما أُنزلَ من قبلكَ يُريدونَ أن يتحاكموا إلى الطاغوتِ وقد أُمروا أن يكفروا بهِ ويُريدُ الشّيطانُ أن يُضلّهم ضلالاً بعيدا}[النساء60].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“إن الله يقول للأمة المسلمة إن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ـ أي إلى غير شريعة الله ـ  لايقبل منهم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله. فهو زعم كاذب. يكذبه أنهم يريدون أن يتحاكموا ألى الطاغوت.ويقول للأمة المسلمة: إن علامة النفاق أن يصدوا عن التحاكم إلى ما أنزل الله والتحاكم إلى رسول الله:{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتَ المنافقين يصدون عنك صدودا}[النساء61].

14ـ ومن الظواهر السلوكية الدالة على نفاق المنافقين، متابعتهم الكافرين الصرحاء في الإندفاع وراء الأوهام والخرافات،واعتقادها،والترويج لها كأنها حقائق ثابتة،في حين أنهم يبدون تشككهم  بالحقائق الواضحة البينة،ويتوقفون دون التسليم بها، تذرعاً بأن التحقيق العلمي وأصالة الرأي يستوجبان التريث والأناة،وعدم التسليم، قبل ثبوت الحقيقة ثبوتاً ملموساً محساً.

وهم في هذا الموقف المتناقض يرفضون الحق ويؤمنون بالباطل،وما أكثر الخرافات التي تسيطر على عقولهم ونفوسهم!!

ومن أمثلة هذه الظاهرة موقفهم من حادثة الجدب التي تعرّضت له المدينة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، ضمن نظام الأسباب الكونية العامة.وقد استغل اليهود هذه الحادثة وتابعهم المنافقون لما في قلوبهم من مرض،فأخذوا يتشاءمون ويتطيرون برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أن ذلك قد كان بسبب مقدمه عليهم،وقد أشار القرآن الكريم إلى موقفهم هذا بقوله تعالى:{وإن تصبهم حسنةٌ يقولوا هذه من عند الله وإن تُصبهم سيئةٌ يقولوا هذه من عندك قل كلٌّ من عند الله فمالِ هؤلاء القوم لايكادون يفقهونَ حديثا*ما أصابكَ من حسنةٍ فمنَ الله وما أصابكَ من سيئةٍ فمن نفسك وأرسلناكَ للناسِ رسولاً وكفى بالله شهيدا}[النساء 78 ـ 79].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“إن الله هو الفاعل الأول، والفاعل الواحد،لكل مايقع في الكون،وما يقع للناس،ومايقع من الناس.فنسبة إنشاء الحسنة أو إنشاء السيئة، وإيقاعها بهم،للرسول صلى الله عليه وسلم وهو بشر منهم مخلوق مثلهم نسبة غير حقيقية، تدل على عدم فقههم لشئ ما في هذا الموضوع.

إن الإنسان قد يتجه ويحاول تحقيق الخير، بالوسائل التي أرشد الله إلى أنها تحقق الخير.ولكن تحقق الخير فعلاً يتم بإرادة الله وقدره.لأنه ليست هناك قدرة ـ غير قدرة الله ـ  تنشئ الأشياء والأحداث وتحقق مايقع في هذا الكون من وقائع.وإن الإنسان قد يتجه إلى تحقيق السوء، أو يفعل ما من  شأنه إيقاع السموء. ولكن وقوع السوء فعلا، ووجوده أصلاً، لايتم إلا بقدرة الله وقدر الله.وفي الحالتين يكون وجود الحدث وتحققه من عند الله…

15 ـ ومن الظواهر السلوكية الدالة على نفاق المنافقين، أنهم إذا دُعوا إلى أمر فيه مخاطرة ما، ويتطلب مقداراً من الشجاعة والإقدام، جبنوا وتخاذلوا وتباطؤوا وتأخروا في المساهمة،ووقفوا يترقبوا النتائج بعيداً عن ساحة المعركة،فإذا كانت النتائج غير سارة تبجحوا بسداد رأيهم،وحسن تقديرهم للأمور،وأعلنوا فرحهم بنعمة التخلف عن تأدية الواجب،وإذا كانت النتائج سارةً للمؤمنين الذين استبسلوا وأقدموا وجاهدوا في سبيل الله، فنالوا مجد النصر ورزق الغنيمة، أخذت الندامة والحسرة تأكل قلوبهم، إذ فاتهم النصيب من الغنيمة التي أصابها المؤمنون المنتصرون.

يقول تعالى:{وإنّ منكم لَمَن لَيُبَطئنَّ فإن أصابتكم مصيبةٌ قال قد أنعمَ اللهُ عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا*ولئن أصابكم فضلٌ من الله ليقولنّ كأن لم تكن بينكم وبينهُ مودّةٌ ياليتني كنتُ معهم فأفوزَ فوزاً عظيما}[النساء 72 ـ 73].

يقول سيد قطب رحمه الله :

“وخذوا حذركم لامن العدو الخارجي وحده،ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين، سواء كانوا يبطئون أنفسهم ـ أي يقعدوا متثاقلين ـ أو يبطئون غيرهم معهم، وهو الذي يقع عادة من المخذّلين المثبطين!

ولفظة”ليبطئن” مختارة هنا بكل مافيها من ثقل وتعثر، وإن اللسان ليتغثر في حروفها وجرسها،حتى يأتي على آخرها،وهو يشدها شداً، وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويراً كاملاً بهذا التعثر والتثاقل في جرسها.وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن، الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة.

وكذلك يشي تركيب الجملة كلها”وإن منكم لمن ليبطئن“، بأن هؤلاء المبطئين ـ وهم معدودون من المسلمين ـ “منكم” يزاولون عملية التبطئة كاملة،ويصرون عليها إصراراً، ويجتهدون فيها اجتهاداً…وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة، وشدة أثرها في الصف المسلم، وشدة مايلقاه منها.

ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم، وعلى دخيلة نفوسهم،ويرسم حقيقتهم المنفرة،علىطريقة القرآن التصويرية العجيبة:

فها هم أولاء، بكل بواعثهم، وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم…هاهم أولاء مكشوفين للأعين، كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر، يكشف النوايا والسرائر، ويكشف البواعث والدوافع.

هاهم أولاء ـ كما كانوا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وكما يكونون في كل زمان وكل مكان. هاهم أولاء. ضعافاً منافقين ملتوين، صغار الاهتمامات أيضاً:لايعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر، ولا أفقاً أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة. فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد.وهم هم هذا المحور الذي لاينسونه لحظة!

إنهم يبطئون ويتلكأون، ولايصارحون، ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال! وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف الصغار:يتخلفون عن المعركة…فإن أصابت المجاهدين محنة، وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين ـ في بعض الأحايين ـ فرح المتخلفون، وحسبوا أن فرارهم من الجهاد، ونجاتهم من الابتلاء نعمة:”فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا“.

إنهم لايخجلون ـ وهم يعدون هذه النجاة مع التخلف نعمة ـ أن ينسبوها لله. الله الذي خالفوا عن أمره فقعدوا! والنجاة في هذه الملابسة لاتكون من نعمة الله أبداً.فنعمة الله لاتنال بالمخالفة. ولو كان ظاهرها نجاة!

إنها نعمة! ولكن عند الذين لايتعاملون مع الله.عند من لايدركون لماذا خلقهم الله. ولايعبدون الله بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة. نعمة عند من لايتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطئ الأقدام في هذه الأرض…نعمة عند من لايحسون أن البلاء ـ في سبيل الله وفي الجهاد لتحقيق منهج الله وإعلاء كلمة الله ـ هو فضل واختيار من الله، يختص به من يشاء من عباده،ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري،ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة، يملكونها ولاتملكهم،وليؤهلهم بهذا الانطلاق وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة… في منازل الشهداء.

فأما إذا كانت الأخرى…فانتصر المجاهدون، الذين خرجوا مستعدين لقبول كل مايأتيهم به الله…ونالهم فضل من الله بالنصر والغنيمة…ندم المتخلفون أن لم يكونوا شركاء في معركة رابحة! رابحة بحسب مفهومهم القريب الصغير للربح والخسارة!

إنها أمنية الفوز الصغير بالغنيمة والإياب، هي التي يقولون عنها:”فوزاً عظيماً“والمؤمن لايكره الفوز بالإياب والغنيمة،بل مطلوب منه أن يرجوه من الله.والمؤمن لايتمنى وقوع البلاء بل مطلوب منه أن يسأل الله العافية..ولكن التصور الكلي للمؤمن غير هذا التصور، الذي يرسمه التعبير القرآني لهذه الفئة رسماً مستنكراً منفراً..

إن المؤمن لايتمنى البلاء بل يسأل الله العافية. ولكنه إذا ندب للجهاد خرج ـ غير متثاقل ـ خرج يسأل الله إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة… وكلاهما فضل من الله، وكلاهما فوز عظيم.فيقسم له الله الشهادة، فإذا هو راض بما قسم الله، أو فرح بمقام الشهادة عند الله.ويقسم له الله الغنيمة والإياب، فيشكر الله على فضله، ويفرح بنصر الله، لالمجرد النجاة!

16 ـ ومن الظواهر السلوكية الدالة على نفاق المنافقين،أنهم إذا ألجأتهم الظروف، فخرجوا مع المؤمنين إلى معركة من معارك القتال،وستروا بذلك نفاقهم، ثم أصابهم أذى في سبيل الله تضجروا وتذمروا،وإذا جاءهم نصر من الله تسابقوا إلى الظفر بالمغانم، مع أنهم لايعملون في الجهاد إلا أضعف الأعمال وعلى سبيل المراءة.

يقول تعالى:{ومن الناسِ من يقولُ آمنا بالله فإذا أُوذيَ في الله جعلَ فتنةَ الناسِ كعذابِ الله ولئن جاءَ نصرٌ من ربّك لَيقولنَ إنّا كنا معكم أو ليسَ الله بأعلمَ بما في صدور العالمين*وليعلمنَّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين}[العنكبوت 10 ـ 11].

17 ـ ومن الظواهر السلوكية الدالة على نفاق المنافقين، أنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين.

يقول تعالى:{بَشّرِ المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليما*الذين يتخذونَ الكافرينَ أولياءَ من دونِ المؤمنين أيبتغونَ عندهمُ العزّةَ فإنّ العزّةَ لله جميعا}[النساء 138 ـ 139].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“تبدأ الجملة بهذا التهكم الواضح في استعمال كلمة”بشر”مكان كلمة أنذر. وفي جعل العذاب الأليم الذي ينتظر المنافقين بشارة!ثم ببيان سبب هذا العذاب الأليم، وهو ولايتهم للكافرين دون المؤمنين،وسوء ظنهم بالله، وسوء تصورهم لمصدر العزة والقوة.

والكافرون المذكورون هنا هم ـ على الأرجح ـ اليهود،الذين كان المنافقون يأوون إليهم،ويتخنسون عندهم،ويبيتون معهم للجماعة المسلمة شتى المكائد.

والله جل جلاله يسأل في استنكار:لم يتخذون الكافرين أولياء وهم يزعمون الإيمان؟لم يضعون أنفسهم هذا الموضع،ويتخذون لأنفسهم هذا الموقف؟أهم يطلبون العزة والقوة عند الكافرين؟لقد استأثر الله عز وجل بالعزة، فلايجدها إلا من يتولاه،ويطلبها عنده، ويرتكن إلى حماه.

وهكذا تكشف اللمسة الأولى عن طبيعة المنافقين، وصفتهم الأولى،وهي ولاية الكافرين دون المؤمنين، كما تكشف عن سوء تصورهم لحقيقة القوى،وعن تجرد الكافرين من العزة والقوة التي يطلبها عندهم أولئك المنافقون. وتقرر أن العزة لله وحده،فهي تطلب عنده وإلا فلاعزة ولاقوة عند الآخرين!

18 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين تربص الصياد الذي ينتظر الغِرّات، وينتهز الفرص، فإذا كان النصر للمؤمنين قالوا لهم: ألم نكن معكم؟وإذا أصاب الكافرون من المؤمنين شيئاً قالوا للكافرين: ألم نُحط بكم حماية لكم ونمنعكم من المؤمنين؟فهم يعملون على الانتفاع من كلا الفريقين، واللعب على الحبلين، مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

يقول تعالى:{الذينَ يتربَّصونَ بكم فإن كان لكم فتحٌ قالوا ألم نكن معكم وإن كانَ للكافرينَ نصيبٌ قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكمُ بينكُم يومَ القيامةِ ولن يجعلَ اللهُ للكافرينَ على المؤمنينَ سبيلا}[النساء 141 ].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وهي صورة منفرة. تبدأ بتقرير مايكنه المنافقون للجماعة المسلمة من الشر،ومايتربصون بها من الدوائر.وهم ـ مع ذلك ـ يتظاهرون بالمودة للمسلمين حين يكون لهم فتح من الله ونعمة فيقولون:حينئذ: “ألم نكن معكم“. ويعنون أنهم كانوا معهم في الموقعة ـ فقد كانوا يخرجون أحياناً يخذلون ويخلخلون الصفوف: ـ أو يعنون أنهم كانوا معهم بقلوبهم! وأنهم ناصروهم وحموا ظهورهم!

وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين“.يعنون أنهم آزروهم وناصروهم وحموا ظهورهم، وخذّلوا عنهم وخلخلوا الصفوف!

وهكذا يتلوون كالديدان والثعابين.في قلوبهم السم. وعلى ألسنتهم الدهان! ولكنهم بعد ضعاف،صورتهم زرية شائهة تعافها نفوس المؤمنين…وهذه إحدى لمسات المنهج لنفوس المؤمنين.

يقول تعالى:{إن تُصبكَ حسنةٌ تسؤهم وإن تصبكَ مصيبةٌ يقولوا قد أخذنا أمرَنا من قبلُ ويتولوا وهم فرحون}[التوبة 50].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“إنهم لايريدون بالرسول صلى الله عليه وسلم خيراً ولا بالمسلمين،وإنهم ليسوؤهم أن يجد الرسول والمسلمون خيراً.وإنهم ليفرحون لما يحل بالمسلمين من مصائب وماينزل بهم من مشقة.

ذلك أنهم يأخذون بظواهر الأمور، ويحسبون البلاء شراً في كل حال،ويظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف والقعود. وقد خلت قلوبهم من التسليم لله،والرضى بقدره،واعتقاد الخير فيه.والمسلم الصادق يبذل جهده ويقدم لايخشى،اعتقاداً بأن مايصيبه من خير أو شر معقود بإرادة الله، وأن الله ناصر له ومعين:{قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون}[التوبة51]

19 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين، أنهم إذا قاموا إلى الصلاة مرآة للناس قاموا كسالى،وأنهم لايذكرون الله إلا قليلا.

يقول تعالى:{وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولايذكرون الله إلا قليلا* مذبذبين بينَ ذلكَ لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ ومن يُضللِ الله فلن تجدَ لهُ سبيلا}[النساء  143ـ142].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“ثم  يستمر السياق يرسم لهم صوراً زرية شائنة،لاتثير في قلوب المؤمنين إلا الاشمئزاز والاحتقار،فهم لايقومون  إلى الصلاة بحرارة الشوق إلى لقاء الله،والوقوف بين يديه،والاتصال به،والاستمداد منه….إنما هم يقومون يراءون الناس.ومن ثم يقومون كسالى،كالذي يؤدي عملاً ثقيلاً، او يسخر سخرة شاقة! وكذلك هم لايذكرون الله إلا قليلاً. فهم لايتذكرون الله إنما يتذكرون الناس! وهم لايتوجهون إلى الله إنما هم يراءون الناس.

وهي صورة كريهة ـ ولاشك ـ في حس المؤمنين. تثير في نفوسهم الاحتقار والاشمئزاز،ومن شأن هذا الشعور أن يباعد بينهم وبين المنافقين،وأن يوهن العلائق الشخصية والمصلحية…

ويستمر السياق في رسم الصور الزرية المنفرة”مذبذبين بين ذلك….”

وموقف الذبذبة، والأرجحة، والاهتزاز،وعدم الاستقرار والثبات في أحد الصفين: الصف المؤمن أو الصف الكافر… موقف لايثير إلا الاحتقار والاشمئزاز كذلك في نفوس المؤمنين. كما أنه يوحي بضعف المنافقين الذاتي.هذا الضعف الذي يجعلهم غير قادرين على اتخاذ موقف حاسم هنا أو هناك.. ولا على المصارحة برأي وعقيدة وموقف…مع هؤلاء أو هؤلاء..”.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد329):

“”وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى” أي متثاقلين لارغبة تبعثهم ولانشاط لأنهم لعدم إيمانهم لايرجون فيها ثواباً في الآخرة،ولايبتغون بها تربية ملكة مراقبة الله تعالى وحبه والإنس بذكره ومناجاته لتنتهي نفوسهم بذلك عن الفحشاء والمنكر،وتكون أهلاً لرضوان الله الأكبر،كما هو شأن المؤمنين الصادقين.وإنما هي عندهم كلفة مستثقلة فإذا كانوا بمعزل عن المؤمنين تركوها.وإذا كانوا معهم سايروهم بالقيام إليها،(يراءون إليها) بها،أي يبتغون بذلك أن يراهم الناس المؤمنون فيعدوهم منهم، فالكسل التثاقل عما ينبغي النشاط فيه،والمراءة أن يكون المرء الذي يرائيك بحيث تراه كما يراك فهو فعل مشاركة من الرؤية.

ويتابع رحمه الله:”مذبذبين بين ذلك“.أي مضطربين مائلين تارة إلى المؤمنين وتارة إلى الكافرين، وقيل بين الكفر والإيمان.ويقوي الأول قوله”لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء” أي لايخلصون في الانتساب إلى واحد من الفريقين لأتهم يطلبون المنفعة، ولايدرون لمن تكون العاقبة، فهم يميلون إلى اليمين تارة وإلى الشمال أخرى،فمتى ظهرت الغلبة التامة لأحد الفريقين ادعوا أنهم منه”.

20 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين، أن موقفهم في مواطن الطمع موقف الطامع الشره الحسود،إن أعطوا رضوا، وإن لم يُعطوا سخطوا وتذمروا،وأخذوا ينحون باللائمة على القيادة،فيلمزونها بعدم العدل.

يقول تعالى:{ومنهم من يَلمزُكَ في الصدقات فإن أُعطوا منها رَضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون}[التوبة 58].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“من المنافقين من يغمزك بالقول،ويعيب عدالتك في توزيع الصدقات، ويدّعي أنك تحابي في قسمتها،وهم لايقولون ذلك غضباً للعدل،ولاحماسة للحق،ولاغيرة على الدين،إنما يقولونه لحساب ذواتهم وأطماعهم، وحماسة لمنفعتهم وأنانيتهم.”فإن أعطوا منها رضوا” ولم يبالوا الحق والعدل والدين!”وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون”!

ويتابع رحمه الله:”وعلى آية حال فالنص القرآني يقرر أن القولة قولة فريق من المنافقين.يقولونها لاغيرة على الدين، ولكن غضباً على حظ أنفسهم، وغيظاً أن لم يكن لهم نصيب…وهي آية نفاقهم الصريحة، فما يشك في خلق الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمن بهذا الدين، وهو المعروف حتى قبل الرسالة بأنه الصادق الأمين.

21 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين، أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، على عكس طريقة المؤمنين تماماً. وأنهم بخلاء ،إذا دُعوا إلى البذل الواجب قبضوا أيديهم، وأمسكوا فلم ينفقوا.

يقول تعالى:{المنافقون والمنافقات بعضهم  من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إنّ المنافقين همُ الفاسقون}[التوبة67].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“المنافقون والمنافقات من طينة واحدة، وطبيعة واحدة.المنافقون في كل زمان وفي كل مكان.تختلف أفعالهم وأقوالهم،ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد.سوء الطوية ولؤم السريرة،والغمز والدس،والضعف عن المواجهة،والجبن عن المصارحة. تلك سماتهم الأصيلة.أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف،والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس،وهم حين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف يستخفون بهما،ويفعلون ذلك دساً وهمساً،وغمزاً ولمزاً،لأنهم لايجرؤون على الجهر إلا حين يأمنون.إنهم “نسوا الله” فلايحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة، ولايخشون إلا الأقوياء من الناس يذلون لهم ويدارونهم”فنسيهم” الله فلاوزن لهم ولا اعتبار. وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله”.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد491):

“هذا بيان عام لحال جميع المنافقين ذكرانهم وإناثهم، متشابهون فيه وصفاً وعملاً كأن منهم عين الآخر   كما قيل:

تلك العصا من هذه العصية         هل تلد الحية إلا حية

ثم بين هذا التشابه بقوله”يأمرون بالمنكر….” المنكر الشرعي ماينكره الشرع ويستقبحه،والمنكر العقلي والفطري ماتستنكره العقول الراجحة والفطر السليمة،لمنافاته للفضائل والمنافع الفردية والمصالح العامة،والشرع هو القسطاس المستقيم في ذلك كله،والمعروف مايقابل المنكر مقابلة التضاد، ومن المنكر الذي يأمر به بعضهم بعضا الكذب والخيانة وإخلاف الوعود والفجور والغدر بنقض العهود.

قال صلى الله عليه وسلم:”أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهم كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها:إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف ،وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر“[رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الثلاثة من حديث عبد الله بن عمرو].

22 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين، الكذب في الوعد وفي العهد،والإخلاف فيهما ، ونقضهما بغير حق.

يقول تعالى:{ومنهم من عاهدَ الله لئن آتانا من فضلهِ لَنصدّقنّ ولَنكوننَّ من الصالحين*فلما آتاهم من فضلهِ بخلوا بهِ وتولوا وهم معرضون}[التوبة76].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“من المنافقين من عاهد الله لئن أنعم الله عليه ورزقه، ليبذلن الصدقة،وليصلحن العمل.ولكن هذا العهد إنما كان في وقت فقره وعسرته. في وقت الرجاء والطمع.فلما أن استجاب الله له ورزقه من فضله نسي عهده،وتنكر لوعده وأدركه الشح والبخل فقبض يده، وتولى معرضاً عن الوفاء بما عاهد.فكان هذا النكث بالعهد مع الكذب على الله فيه سبباً في التمكين للنفاق في قلبه، والموت مع هذا النفاق، ولقاء الله به.

والنفس البشرية ضعيفة شحيحة، إلا من عصم الله، ولاتطهر من هذا الشح إلا أن تعمر بالإيمان،وترتفع على ضرورات الأرض، وتنطلق من قيود الحرص على النفع القريب، لأنها تؤمل في خلف أعظم،وتؤمل في رضوان من الله أكبر. والقلب المؤمن يطمئن بالإيمان،فلايخشى الفقر بسبب الإنفاق، لأنه يثق بأن ماعند الناس ينفد وماعند الله باق.وهذا الاطمئنان يدفع به إلى إنفاق المال في سبيل الله تطوعاً ورضى وتطهراً،وهو آمن مغبته.فحتى لو فقد المال وافتقر منه،فإن له عوضاً أعظم عند الله.

فأما حين يفقر القلب من الإيمان الصحيح،فالشح الفطري يهيج في نفسه كلما دعي إلى نفقة أو صدقة، والخوف من الفقر يتراءى له فيقعد به عن البذل. ثم يبقى سجين شحه وخوفه بلا أمن ولاقرار.

والذي يعاهد الله ثم يخلف العهد،والذي يكذب على الله فلايفي بما وعد،لايسلم قلبه من النفاق:”آية المنافق ثلاث:إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان“[رواه الشيخان].

فلا جرم يعقب إخلاف العهد والكذب على الله نفاقاً دائماً في قلوب تلك الطائفة التي تشير إليها الآية:{فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ماوعدوه وبما كانوا يكذبون}[التوبة77].

23 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين، لمز العاملين في أعمالهم، وتجريح مقاصدهم، ومن ذلك ازدراؤهم بذلَ المقلين، واتهامهم في نياتهم وغاياتهم،وانتقادهم بذل المكثرين، واتهامهم في نياتهم وغاياتهم، فلاينجو منهم مكثر في عطائه ولامقل.

يقول تعالى:{الذين يَلمزونَ المُطّوعينَ من المؤمنينَ في الصدقات والذين لايجدونَ إلاّ جُهدَهم فيسخرونَ منهم سخرَ الله منهم ولهم عذابٌ أليم}[التوبة 79].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“والقصة المروية عن سبب نزول هذه الآية،تصور نظرة المنافقين المنحرفة لطبيعة الإنفاق في سبيل الله وبواعثه في النفوس.

وهكذا تقولوا على المؤمنين الذين انبعثوا إلى الصدقة طواعية نفس،ورضا قلب،واطمئنان ضمير،ورغبة في المساهمة في الجهاد كل على قدر طاقته،وكل على غاية جهده.ذلك أنهم لايدركون بواعث هذا التطوع في النفوس المؤمنة. لايدركون حساسية الضمير التي لاتهدأ إلا بالبذل عن طيب حاطر.لايدركون المشاعر الرفرافة التي تنبعث انبعاثاً ذاتياً،لتلبي دواعي الإيمان والتضحية والمشاركة. من أجل هذا يقولون عن المكثر:إنه يبذل رياء،وعن المقل إنه يذكر بنفسه. يجرحون صاحب الكثير لأنه يبذل كثيراً،ويحتقرون صاحب القليل لأنه يبذل القليل.فلايسلم من تجريحهم وعيبهم أحد من الخيرين.ذلك وهم قاعدون متخلفون منقبضو الأيدي شحيحو النفس، لاينفقون إلا رياء،ولايدركون من بواعث النفوس إلا مثل هذا الباعث الصغير الحقير.

24 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين، تدبير المؤامرات ضد المسلمين، أو المشاركة فيها، أو الاستجابة لمدبريها.والمثال على ذلك قصة مسجد ضرار المعروفة .

يقول تعالى:{والذين اتخذوا مسجداً ضِراراً وكُفراً وتفريقاً بينَ المؤمنين وإرصاداً لمن حاربَ الله ورسولَهُ من قبلُ ولَيحلِفُنَّ إن أردنا إلا الحسنى والله يشهدُ إنهم لكاذبون}[التوبة 107].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وقصة مسجد الضرار قصة بارزة في غزوة تبوك،لذلك أفرد المنافقون الذين قاموا بها من سائر المنافقين، وخصص لهم حديث مستقل بعد انتهاء الاستعراض العام لطوائف الناس في المجتمع المسلم حينذاك.

هذا المسجد ـ مسجد الضرار ـ الذي اتخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكيدة للإسلام والمسلمين، لايراد به إلا الإضرار بالمسلمين،وإلا الكفر بالله،وإلا ستر المتآمرين على الجماعة المسلمة،الكائدين لها في الظلام، وإلا التعاون مع أعداء هذا الدين على الكيد له تحت ستار الدين.

هذا المسجد مايزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين.تتخذ في صورة نشاط ظاهره للإسلام وباطنه لسحق الإسلام، أو تشويهه وتمويهه وتمييعه!وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتترس وراءها وهي ترمي هذا الدين! وتتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب إلى أن الإسلام بخير لاخوف عليه ولاقلق! … وتتخذ في صور شتى كثيرة..

ومن أجل مساجد الضرار الكثيرة هذه يتحتم كشفها وإنزال اللافتات الخادعة عنها، وبيان حقيقتها للناس وما تخفيه وراءها.

25 ـ كما أنهم يشاركون في كل مايؤدي إلى أذية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام والطعن في أخلاقهم الكريمة وسجاياهم الحميدة. وهذا ينطبق على كل زمان وفي كل مكان بأذية اصحاب الخيرات من الناس وإلحاق الضرر والأذية بهم.

يقول تعالى:{ومنهمُ الذين يُؤذونَ النبيَّ ويقولون هو أُذُنٌ قل أُذُنُ خيرٍ لكم يؤمنُ بالله ويؤمنُ للمؤمنينَ ورحمةٌ للذين آمنوا منكم والذينَ يؤذونَ رسولَ الله لهم عذابٌ أليم}[التوبة 61].

يقول سيد قطب رحمه الله :

“إنه سوء الأدب في حق الرسول صلى الله عليه وسلم،يبدو في صورة أخرى غير صورة اللمز في الصدقات. إنهم يجدون من النبي صلى الله عليه وسلم أدباً رفيعاً في الاستماع إلى الناس بإقبال وسماحة، ويعاملهم بظاهرهم حسب أصول شريعته،ويهش لهم ويفسح لهم صدره. فيسمون هذا الأدب العظيم بغير اسمه،ويصفونه بغير حقيقته، ويقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم”هو أذن” أي سماع لكل قول، يجوز عليه الكذب والخداع والبراعة،ولايفطن إلى غش القول وزوره. من حلف له صدقه، ومن دس عليه قولاً قبله. يقولون هذا بعضهم لبعض تطميناً لأنفسهم أن يكشف النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة أمرهم،أو يفطن إلى نفاقهم. أو يقولونه طعناً على النبي صلى الله عليه وسلم في تصديقه للمؤمنين الخلص الذين ينقلون له مايطلعون عليه من شؤون المنافقين وأعمالهم وأقوالهم عن الرسول وعن المسلمين”

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا  رحمه الله(مجلة المنار العدد 491):

” هذا ضرب آخر من دلائل نفاق المنافقين وآثاره وهو إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالطعن في أخلاقه العظيمة،وشمائله الكريمة، كإيذاء أولئك الذين لمزوه في بعض أفعاله العادلة،وهي قسمة الصدقات، وناهيك بكفر من يصغرون ماعظمه رب العالمين بقوله للرسول صلى الله عليه وسلم: {وإنّكَ لعلى حُلقٍ عظيم}.

ويتابع رحمه الله:”وأما قولهم(أذن) فهو من تسمية الشخص باسم الجارحة للمبالغة في وصفه وظيفتها وهو كثرة السمع لما يقال وتصديقه كأنه كله أذن سامعة كقولهم للجاسوس عين،ويطلق على لازمه وهو عدم الدقة في التمييز بين مايسمع، وتصديق مايعقل ومالا يعقل، فيراد به الذمّ بالغرارة وسرعة الانخداع.وهو من أكبر عيوب الملوك والرؤساء لما يترتب عليه من قبول الغش بالكذب والنميمة، وتقريب المنافقين ،وإبعاد الناصحين.وقد لقنه الله تعالى الرد عليهم بقوله”قل أذنُ خير لكم” أي نعم هو أذن ولكنه نعم الأذن،لأنه اذن خير لا كما تزعمون، هو لايقبل مما يسمعه إلا الحق وما وافق الشرع، وما فيه الخير والمصلحة للخلق، وليس بأذن في غير ذلك كسماع الباطل والكذب والغيبة والنميمة والجدل والمراء، فهو لايلقي سمعه لشئ من ذلك، وإذا سمعه من غير أن يستمع إليه لايقبله،ولايصدق مالايجوز تصديقه شرعاً أو عقلاً،كما هو شأن من يوصفون بهذا الوصف من الملوك والزعماء فيستعين المتملقون وأصحاب الأهواء به على السعاية عندهم،لإبعاد الناصحين المخلصين عنهمنوعملهم على إيذاء من يبغون إيذاءه.

26:ومن الصفات التي يتصف بها المنافقون سوء الظن بالله.

يقول تعالى:{ويُعَذِّبَ المنافقينَ والمنافقاتِ والمُشركينَ والمُشركاتِ الظَّانينَ بالله ظَنَّ السَّوءِ عليهمْ دائرةُ السَّوءِ وغضِبَ اللهُ عليهم ولَعنهُمْ وأعدَّ لهُم جهنَّمَ وساءت مصيراً}[الفتح 6].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وقد جعل الله صفة المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات هي ظن السوء بالله.فالقلب المؤمن حسن الظن بربه،ويتوقع منه الخير دائماً،ويتوقع منه الخير في السراء والضراء.ويؤمن بأن الله يريد به الخير في الحالين.وسر ذلك أن قلبه موصول بالله.وفيض الخير من الله لا ينقطع أبداً،فمتى اتصل القلب به لمس هذه الحقيقة الأصيلة،وأحسها إحساس مباشرة وتذوق .

فأما المنافقون والمشركون فهم مقطوعو الصلة بالله.ومن ثم لا يحسون تلك الحقيقة ولا يجدونها،فيسوء ظنهم بالله،وتتعلق قلوبهم بظواهر الأمور،ويبنون عليها أحكامهم.ويتوقعون الشر والسوء لأنفسهم وللؤمنين،كلما كانت ظواهر الأمور توحي بهذا،على غير ثقة بقدر الله وقدرته وتدبير الخفي اللطيف”.

 ـ الشخصية المنافقة الناكرة للحق إن لم يكن منها:

قال تعالى:{وإذا دُعُوا إلى الله ورسولهِ ليَحكُمَ بينهُم إذا فريقٌ منهم معرضون* وإن يَكُن لهُمُ الحقُّ يأتوا إليه مُذعنين}[النور 48 ـ 49].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله( التصوير الفني في القرآن ص218):

“ومن الناس من يعتز بالحق إذا كان من عمله، فإذا جاء بالحق غيره، انقلب عليه، وتنكر له”.

ويقول رحمه الله في الظلال:

“لقد كان هؤلاء الذين يدعون الإيمان يخالفون مدلوله حين يدعون ليتحاكموا إلى رسول الله صاى الله عليه وسلم على شريعة الله التي جاء بها.

فلقد كانوا يعلمون أن حكم الله ورسوله لايحيد عن الحق،ولاينحرف مع الهوى،ولايتأثر بالمودة والشنآن.وهذا الفريق من الناس لايريد الحق ولايطيق العدل. ومن ثم كانوا يعرضون عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأبون أن يجيئوا إليه.فأما إذا كانوا أصحاب حق في قضية فهم يسارعون إلى تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، راضين خاضعين، لأنهم واثقون أنه سيقضي لهم بحقهم،وفق شريعة الله، التي لاتظلم ولاتبخس الحقوق.

هذا الفريق الذي كان يدعي الإيمان،ثم يسلك هذا السلوك الملتوي،إنما هو نموذج المنافقين في كل زمان ومكان. المنافقين الذين لايجرؤون على الجهر بكلمة الكفر،فيتظاهرون بالإسلام، ولكنهم لايرضون أن تقضي بينهم شريعة الله، ولا أن يحكم فيهم قانونه،فإذا دعوا إلى حكم الله ورسوله أبوا وأعرضوا وانتحلوا المعاذير“وما أولئك بالمؤمنين” فما يستقيم الإيمان وإباء حكم الله ورسوله،إلا أن تكون لهم مصلحة في أن يتحاكموا إلى شريعة الله أو يحكموا قانونه!

ومن ثم يعقب على فعلتهم هذه بأسئلة تثبت مرض قلوبهم، وتتعجب من ريبتهم، وتستنكر تصرفهم الغريب{أفي قُلوبِهم مرضٌ أم ارتابوا أم يخافونَ أن يحيفَ اللهُ عليهم ورسولُهُ بل أولئكَ همُ الظالمون} [النور 50].

والسؤال الأول للإثبات.فمرض القلب جدير بأن ينشئ مثل هذا الأثر. وما ينحرف الإنسان هذا الانحراف وهو سليم الفطرة. إنما هو المرض الذي تختل به فطرته عن استقامتها، فلاتتذوق حقيقة الإيمان، ولاتسير على نهجه القويم.

والسؤال الثاني للتعجب. فهل هم يشكون في حكم الله وهم يزعمون الإيمان؟هل هم يشكون في مجيئه من عند الله؟أو هم يشكون في صلاحيته لإقامة العدل؟على كلتا الحالتين فهذا ليس طريق المؤمنين!

والسؤال الثالث للاستنكار والتعجب من أمرهم الغريب فهل هم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟وإنه لعجيب أن يقوم مثل هذا الخوف في نفس إنسان.فالله خالق الجميع ورب الجميع.فكيف يحيف في حكمه على أحد من خلقه لحساب احد من خلقه؟

إن حكم الله هو الحكم الوحيد المبرأ من مظنة الحيف.لأن الله هو العدل الذي لايظلم أحداً. وكل خلقه أمامه سواء، فلايظلم أحداً منهم لمصلحة أحد. وكل حكم غير حكمه هو مظنة الحيف.فالبشر لايملكون أنفسهم وهم يشرعون ويحكمون أن يميلوا إلى مصالحهم.أفراداً كانوا أم طبقة أم دولة.

من أجل ذلك كان الذين لايرتضون حكم الله ورسوله هم الظالمون،الذين لايريدون للعدالة أن تستقر، ولايحبون للحق أن يسود”.

27ـ الشخصية التي لاتفعل شيئاً وتحب أن تحمد بما لم تفعل:

يقول تعالى:{ لاتحسبنَّ الذينَ يفرحونَ بما أتوا ويُحبّونَ أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فلاتحسبّهم بمفازةٍ من العذابِ ولهم عذابٌ أليم} [آل عمران 188].

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد288):

“كان الكلام في أهل الكتاب لتحذير المسلمين من مثل فعلهم في سياق الحض على الاستمساك بعروة الحق وحفظه والدعوة إليه إذ اخذ على أولئك الميثاق فقصروا فيه وتركوا العمل بالكتاب وتبيينه للناس واشتروا به ثمناً قليلاً فاستحقوا العقاب من الله تعالى.بعد هذا بين في هذه الآية حالاً آخر من أحوال الغابرين ليحذر المؤمنين منه لأنهم عرضة له وهو أنهم كانوا يفرحون بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب وكانوا يحبون أن يحمدوا بأنهم حفاظ الكتاب ومفسروه وعلماؤه ومبينوه والمقيمون له وهم لم يفعلوا شيئاً من ذلك وإنما فعلوا نقيضه إذ حولوه عن الهداية إلى مايوافق أهواء الحكام وأهواء سائر الناس يطلبون حمدهم.بين الله هذه الحال في أسلوب عجيب بين فيه حكماً آخر وهو أن هؤلاء الفرحين المحبين للمحمدة الباطلة قد اشتبه أمرهم على الناس فهم يحسبون أنهم أولياء الله وأنصار دينه وعلماء كتابه وأنهم أبعد الناس عن عذابه وأقربهم من رضوانه فبين الله كذب هذا الحسبان ونهى عنه وسجل عليهم العذاب.

ويتابع رحمه الله:”إن هذه الآية على عمومها مبينة لشئ من الثمن الذي استبدلوه بكتاب الله وكونه بئس الثمن وهو أمران:

أحدهما:فرحهم بما أتوه من الأعمال فرح غرور وخيلاء وفخر على أنه منه نبذ كتاب الله بترك العمل به وعدم تبيينه على وجهه إما بتحريفه عن مواضعه ليوافق أهواء الحكام أو أهواء الناس وإما بالسكوت عنه والأخذ بكلام العلماء السابقين تقليداً بغير حجة إلا إدعاء أنهم كانوا أعلم بالكتاب وأنهم إن خالفوا بعض نصوصه فلابد أن يكون عندهم دليل أوجب عليهم ذلك.

وثانيهما:حب المدح والثناء بالباطل فإنهم يتبعون أهواء الحكام والناس في الدين ويحبون أن يحمدوا بانهم يبينون الحق لوجه الله لا تأخذهم فيه لومة لائم فإن الحاكم أو غير الحاكم إذا احتاج إلى عمل يرضي به هواه وشهوته مما يحظره عليه الدين فلجأ إلى العالم فعلمه حيلة شرعية يسلم بها من نقد الناقدين وذم المتدينين فلا شك أنه يحمد العالم ويطريه بانه العالم التقي المحقق، لا مكافأة له فقط بل يرى من مصلحته أن يعتقد الناس العلم والصلاح في مفتيه ليأخذوا كلامه بالقبول .

ويتابع رحمه الله:”وقد علمنا من الثقات ان الحكام كانوا يتواطئون مع كبار شيوخ العلم وشيوخ الطريق المحترمين عند العامة على تعظيم كل فريق منهم للآخر فرؤساء الحكام يظهرون للعامة احترام العلماء والاعتقاد بولاية كبار شيوخ أهل الطريق فيقبلون  أيديهم عند اللقاء وربما أهدوا إليهم بعض الهدايا والمشايخ من العلماء وأهل الطريق يظهرون للعامة احترام أولئك الحكام ويشهدون بقوة دينهم وشدة غيرتهم على الإسلام والمسلمين ووجوب طاعتهم في السر والجهر ـ يقولون ـ وإن ظلموا وجاروا لأنهم مسلطون من الله عز وجل!!!فهكذا كان الظالمون المستبدون ومازالوا يستفيدون من الدين بمساعدة رجاله ليتمتعوا بلذة الرياسة ونعيمها فيفرحون بما أتوا من ضروب المكايد السياسية والاجتماعية،والتأويلات الدينية، التي ترفع قدرهم، وتخضع العامة لهم،ويحبون أن يحمدوا دائماً بأنهم أنصار الدين وحماته،ومبينوا الشرع ودعاته،وإن نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وتوجهوا إلى كتب أمثالهم وأشباههم ، وكانت الأمة لاتزداد كل يوم إلا شقاء بهم،حتى سبقتها الأمم كلها بسوء سياستهم، ولو أنهم أقاموا الكتاب  كما أمروا بالبيان له والعمل به وإلزام الحكام بهديه لما عمّ الفسق والفجور وصارت الشعوب الإسلامية دون سائر الشعوب حتى ذهبت سلطتها وتقلص ظلها عن أكثر الممالك التي كانت خاضعة لها،وهي تتوقع نزول الخطر بالباقي وهو أقلها.

ويتابع رحمه الله:”إن الفرح  بالعمل من شأن المغرورين وليس المراد به هنا ارتياح نفس العامل وانبساطها لما يأتيه من العمل الذي يرى أنه محمود، وإنما هو فرح البطر والغرور الذي يتبعه الخيلاء والفخر.مع مايتبع ذلك من الوعيد بالعذاب والعقاب”.

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وهذه الآية تصور نموذجاً من الناس يوجد على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ويوجد في كل جماعة.نموذج الرجال الذين يعجزون عن احتمال تبعة الرأي، وتكاليف العقيدة، فيقعدون متخلفين عن الكفاح.فإن غُلب المكافحون وهزموا رفعوا رؤوسهم وشمخوا بأنوفهم، ونسبوا إلى أنفسهم التعقل والحصافة والأناة…أما إذا انتصر المكافحون وغنموا، فإن أصحابنا هؤلاء يتظاهرون بأنهم كانوا من مؤيدي خطتهم،وينتحلون لأنفسهم يداً في النصر، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا!

إنه نموذج من نماذج البشرية يقتات الجبن والادعاء. نموذج يرسمه التعبير القرآني في لمسة أو لمستين. فإذا ملامحه واضحة للعيان، وسماته خالدة في الزمان… وتلك طريقة القرآن”.

28ـ نموذج ضعف الهمة وقصر العزيمة وخلق الأعذار:

يقول تعالى:{لو كانَ عَرَضاً قريباً وسَفَراً قاصداً لأتّبعوكَ ولكن بَعُدَت عليهم الشُّقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يُهلكون أنفسَهُم والله يعلم إنهم لكاذبون} [التوبة 42].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“لو كان الأمر عرض قريب من أعراض هذه الأرض،وأمر سفر قصير الأمد مأمون العاقبة لأتبعوك!ولكنها الشقة البعيدة التي تتقاصر دونها الهمم الساقطة والعزائم الضعيفة.ولكنه الجهد الخطر الذي تجزع منه الارواح الهزيلة والقلوب المنخوبة.ولكنه الأفق العالي الذي تتخاذل دونه النفوس الصغيرة والبنية المهزولة.

فكثيرون هم أولئك الذين يتهاوون في الطريق الصاعد إلى الآفاق الكريمة.كثيرون أولئك الذين يجهدون لطول الطريق فيتخلفون عن الركب ويميلون إلى عرض تافه أو مطلب رخيص.كثيرون تعرفهم البشرية في كل زمان وفي كل مكان، فما هي قلة عارضة، إنما هي النموذج المكرور.وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة،وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب، واجتنبوا أداء الثمن الغالي،فالثمن القليل لايشتري سوى التافه الرخيص!

وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم“.فهو الكذب المصاحب للضعف أبداً.وما يكذب إلا الضعفاء. أجل مايكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحايين.فالقوي يواجه والضعيف يداور.وما تتخلف هذه القاعدة في موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام.

يهلكون أنفسهم”بهذا الحلف وبهذا الكذب، الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس،والله يعلم الحق، ويكشفه للناس،فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه،ويهلك في الآخرة يوم لايجدي النكران”.

7ـ الشخصية المتشبثة بالحياة وبأي ثمن:

يقول تعالى:{ ولتجدنّهُم أحرصَ النَّاسِ على حياةٍ ومن الذينَ أشركوا يودُّ أحدُهُم لو يُعَمّرُ ألفَ سنةٍ وماهوَ بِمزَحزحهِ من العذابِ أن يُعَمّرَ والله بصيرٌ بما يعملون}[ البقرة 96].

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم:”يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حبُّ المال، وطول العمر“.[رواه البخاري].

وفي رواية:”يهرم ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر“[رواه مسلم].

يقول سيد قطب رحمه الله في الآية 96 من سورة البقرة:

“خصلة يصورها القرآن تفيض بالزراية وتنضح بالتحقير والمهانة:”ولتجدنهم أحرص الناس على حياة”.. أية حياة، لايهم أن تكون حياة كريمة ولاحياة مميزة على الإطلاق! حياة فقط! حياة بهذا التنكير والتحقير!حياة ديدان أو حشرات! حياة والسلام!

يود أحدهم لو يعمر ألف سنة. ذلك أنهم لايرجون لقاء الله،ولايحسون أن لهم حياة غير هذه الحياة.وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحس النفس الإنسانية أنها لاتتصل بحياة سواها، ولاتطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة…إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة. نعمة يفيضها الإيمان على القلب.نعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني.المحدود الأجل الواسع الأمل وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلود،إلا وحقيقة الحياة في روحه ناقصة أو مطموسة. فالإيمان بالآخرة فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق، وجزائه الأوفى هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيوية، وعلى امتلاء بالحياة لايقف عند حدود الأرض، إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق، الذي لايعلم  إلا الله مداه،وإلى المرتقى السامي الذي يتجه صعداً إلى جوار الله”.

8ـ الشخصية المقلدة المتحجرة المتشبثة بالقديم رغم مثالبه:
يقول تعالى:{وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزلَ الله قالوا بل نتَّبعُ ما ألفينا عليهِ آباءَنا أو لو كان آباؤُهُم لايعقلون شيئاً ولايهتدون} [البقرة 170].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وسواء كان هؤلاء الذين تعنيهم الآية هم المشركون الذين تكرر منهم هذا القول كلما دعوا إلى الإسلام،وإلى تلقي شرائعهم وشعائرهم منه،وهجر ما ألفوه في الجاهلية مما لايقره الإسلام. أو كانوا هم اليهود الذين كانوا يصرون على ماعندهم من مأثور آبائهم ويرفضون الاستجابة للدين الجديد جملة وتفصيلاً..سواء كانوا هؤلاء أم هؤلاء فالآية تندد بتلقي شئ من أمور العقيدة من غير الله،وتندد بالتقليد في هذا الشأن والنقل بلا تعقل ولا إدراك:”أو لو كان آباؤهم لايعقلون شيئاً ولايهتدون“.

أو لو كان الأمر كذلك،يصرون على اتباع ماوجدوا عليه آباؤهم؟ فأي جمود هذا وأي تقليد؟

ومن ثم يرسم لهم صورة زرية تليق بهذا التقليد وهذا الجمود، صورة البهيمة السارحة التي لاتفقه مايقال لها،بل إذا صاح بها راعيها سمعت مجرد صوت لاتفقه ماذا يعني! بل هم أضل من هذه البهيمة، فالبهيمة ترى وتسمع وتصيح، وهم صم بكم عمي: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي يَنعِقُ بما لايَسمعُ إلا دُعاءً ونداءً صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فهم لايعقلون}[البقرة 171].

صم بكم عمي.ولو كانت لهم آذان وألسنة وعيون.ماداموا لاينتفعون بها ولايهتدون. فكأنها لاتؤدي وظيفتها التي خلقت لها، وكأنهم إذن لم توهب لهم آذان وألسنة وعيون.

هذا منتهى الزراية بمن يعطل تفكيره، ويغلق منافذ المعرفة والهداية،ويتلقى في أمر العقيدة والشريعة من غير الجهة التي ينبغي أن يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة”.

يقول تعالى:{وإذا قيلَ لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا}[لقمان].

يقول سيد قطب رحمه الله:”فهذا هو سندهم الوحيد،وهذا هو دليلهم العجيب.التقليد الجامد المتحجر الذي لا يقوم على علم ولا يعتمد على تفكير.التقليد الذي يريد الإسلام أن يحررهم منه،وأن يطلق عقولهم لتتدبر،ويشيع فيها اليقظة والحركة والنور،فيأبوا هم الانطلاق من إسار الماضي المنحرف،ويتمسكوا بالأغلال والقيود.

إن الإسلام حرية في الضمير،وحركة في الشعور،وتطلع إلى النور،ومنهج جديد للحياة طليق من إسار التقليد والجمود .ومع ذلك كان يأباه ذلك الفريق من الناس،ويدفعون عن أرواحهم هداه،ويجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير…ومن ثم يسخر منهم ويتهكم عليهم،ويشير من طرف خفي إلى عاقبة هذا الموقف المريب”.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد524):

“التقليد: المراد منه إتباع بعض الناس لمن يعظمه أو يثق به أو يحسن  به الظن فيما لايعرف أحق هو أم باطل، وخير هو أو شر، ومصلحة أم مفسدة، وأصل التقليد في اللغة تحلية المرأة بالقلادة أو الرجل بالسيف أو الهدي بما يعرف به(وهو بالفتح مايهديه مريد النسك إلى الحرم ومن الأنعام) وتقليده أن يعلق عليه جلدة أو غيرها ليعرف إنه هدي فلا يتعرض له،ومنه تقليد الولايات والمناصب، يقال: قلده السيف أو العمل فتقلّده،وقولهم قلدّ فلان الإمام الشافعي مثلاً معناه جعل رأيه وظنه الاجتهادي في الدين قلادة له، والأصل أن يقال تقلد مذهب الشافعي.

وعرف الفقهاء التقليد بأنه العمل بقول من لايعرف دليله،وقد نهى الأئمة المعروفون الناس عن تقليدهم في دينهم، وقالوا لايجوز لأحد ان يتبع أحداً إلا فيما عرف دليله وظهر له أنه حق، فالعالم مبين للحكم لاشارع له، والتقليد بهذا المعنى شأن الطفل مع والديه والتلميذ مع أستاذه، وهو لايليق بالراشد المستقل.

ويتابع رحمه الله:”ولما كان الإسلام دين الرشد والاستقلال أنكر على العقلاء البالغين المكلفين جمود التقليد على ما كان عليه آباؤهم من أمر دينهم ودنياهم لا لأجل أن يقلدوا آخرين من أهل عصرهم ويسنوا لمن بعدهم تقليدهم، بل ليكونوا مستقلين في طلب الحقائق من أدلتها، وعلّله بقوله تعالى:{أولو كان آباؤهم لايعلمون شيئاً ولايهتدون}، وقد جاءت آيات كثيرة من سورة هود تنهي عن هذا التقليد ومنها قوله تعالى على لسان ثمود:{قالوا ياصالحُ قد كنتَ فينا مَرجواً قبلَ هذا أتنهانا أن نعبُدَ مايعبدُ آباؤنا وإننا لفي شكٍ ممّا تدعونا إليهِ مُريب}[هود 62]، وعن مدين{قالوا ياشعيبُ أصلاتُكَ تأمُرُكَ أن نتركَ ما كان يعبدُ آباؤُنَا أو أن نفعلَ في أموالنا مانشاء}[هود 87]”.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد 212):

يقول تعالى:{ومثلُ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لايسمع إلا دعاءً ونداءً صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهم لايعقلون}[البقرة 171].

“ومعنى المثل هنا كما قال سيبويه أن قصة هؤلاء وشأنهم كشأن الناعق بالغنم.

والكفر جحود الحق والإعراض عن النظر في الدليل عليه عند الدعوة إليه وفرق بينه وبين الضلال فإن الضال من أخطأ طريق الحق مع طلبه أو جهله فلم يعرفه بنفسه ولابدلالة غيره.وأما الكافر فهو يرى الحق ويعرض عنه ويصرف نفسه عن دلائله وآياته فلا ينظر إليها فهو كالحيوان يرضى بأن لايكون له فهم ولا علم بل يقوده غيره ويصرفه كيف شاء فهو مع من قلدهم من الرؤساء كالغنم مع الراعي تقبل بدعائه وتنزجر بندائه، مسخرة لإرادته وقضائه،ولاتفهم لماذا دعا ولماذا زجر فدعوتها للرعي وللذبح سواء.وكذلك شأن كل من يسلم باعتقاد بلا دليل، ويقبل تكليفاً بغير فقه ولا تعليل،والآية صريحة في أن التقليد بغير عقل ولاهداية هو شأن الكافرين وأن المرء لايكون مؤمناً إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به فمن ربي على التسليم بغير عقل والعمل ولو صالحاً بغير فقه فهو غير مؤمن لأنه ليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان،بل القصد منه أن يرتقي عقله ونفسه بالعلم والعرفان، فيعمل الخير لأنه يفقه أنه الخير النافع المرضي لله ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته، ودرجة مضرته ،ويكون فوق هذا على بصيرة وعقل في اعتقاده،فلا يأخذ بالتسليم لأجل آبائه وأجداده،ولذلك وصف الله الكافرين بعد تقرير المثل بقوله”صم”لايسمعون الحق سماع تدبر وفهم”بكم“لاينطقون به عن اعتقاد وعلم”عمي” لاينظرون في آيات الله وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق”فهم لايعقلون” كما يطلب من الإنسان،وإنما ينقادون لغيرهم كما هو شأن الحيوان”.

ويقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ حفظه الله(كتاب الإنسان في القرآن الكريم ص215):

“من صفات الكافرين التي ذكرها القرآن اتّباع الآباء والأجداد دونما وعي ودونما تفكير،فهم إذا دعوا إلى الحق قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون…إنهم أغلقوا منافذ النور والحق عن أبصارهم وقلوبهم وأسماعهم وقرروا ألاّ يغيروا من واقعهم الذي ألفوه شيئاً…فهم ألفوا آباءهم على حال…وهم عليه باقون{إنّا وجدنا أباءنا على أُمّةٍ وإنّا على آثارهم مقتدون* قل أولو جئتكم بأهدى ممّا وجدتم عليه أباءكم قالوا إنّا بما أُرسلتم بهِ كافرون}[الزخرف 32 ـ 24].

ويمكن الرجوع إلى الموضوع بتفصيل أكبر في موضوع إحقاق الحق.

9ـ الشخصية المجادلة بالحق والباطل:

يقول تعالى:{ها أنتم هَؤلاءِ حَاجَجتُم فيما لكم به علمٌ فِلم تُحاجُّونَ فيما ليسَ لكم به علمٌ واللهُ يعلمُ وأنتم لاتعلمون}[آل عمران 66].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وقد جادلوا في أمر عيسى عليه السلام، كما يبدو أنهم جادلوا في بعض الأحكام التشريعية حين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم،ثم تولوا وهم معرضون…وكان هذا وذاك في دائرة مايعلمون من الأمر، أما أن يجادلوا فيما هو سابق على وجودهم،ووجود كتبهم ودياناتهم…فهو الأمر الذي لاسند له ولو كان سنداً شكلياً..فهو الجدل إذن لذات الجدل. وهو المراء الذي لايسير على منهج، وهو الغرض إذن والهوى…ومن كان هذا حاله فهو غير جدير بالثقة فيما يقول. بل هو غير جدير بالاستماع أصلاً لما يقول!

ويقول تعالى:{ومن النّاسِ من يُجادلُ في الله بغير علمٍ ولاهُدىً ولاكتابٍ منير* ثانيَ عِطفهِ ليُضلَّ عن سبيل الله لهُ في الدّنيا خِزيٌ ونُذيقُهُ يومَ القيامةِ عذابَ الحريق} [الحج 8 ـ 9].

يقول سيد قطب رجمه الله:

“والجدال في الله بعد تلك الدلائل يبدو غريباً مستنكراً. فكيف إذا كان جدالاً بغير علم.لايستند إلى دليل،ولايقوم على معرفة،ولايستمد من كتاب ينير القلب والعقل،ويوضح الحق، ويهدي إلى اليقين.

والتعبير يرسم صورة لهذا الصنف من الناس. صورة فيها الكبر المتعجرف:”ثاني عطفه” مائلاً مزوراً بجنبه.فهو لايستند إلى حق فيعوض عن هذا بالعجرفة والكبر.”ليضل عن سبيل الله” فلايكتفي بأن يضل، إنما يحمل غيره على الضلال.

هذا الكبر الضال المضل لابد أن يقمع،ولابد أن يحطم:“له في الدنيا خزي” فالخزي هو المقابل للكبر. والله لايدع المتكبرين المتعجرفين الضالين المضلين حتى يحطم تلك الكبرياء الزائفة وينكسها ولو بعد حين. إنما يمهلهم أحياناً ليكون الخزي أعظم،والتحقير أوقع. أما عذاب الآخرة فهو أشد وأوجع:”ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق”.

ويمكن الرجوع إلى الموضوع بشكل مفصل في “معالم في طريق الدعوة إلى الله ـ وجادلهم بالتي هي أحسن ـ “.

10:النفس البخيلة الشحيحة:

وصف الله الإنسان بأنه قتور في أصل فطرته، وبأن الشح حاضر في داخل نفسه،وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير.

وهذا الوصف في نوع الإنسان هو الوصف الغالب على أفراده.

يقول تعالى:{قل لو أنتُم تملكونَ خزائنَ رحمةِ رَبّي إذاً لأمسكتُم خشيةَ الإنفاقِ وكان الإنسانُ قتوراً}[الإسراء100].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“وهي صورة بالغة للشح،فإن رحمة الله وسعت كل شئ، ولايخشى نفادها ولانقصها.ولكن نفوسهم الشحيحة تمنع هذه الرحمة وتبخل بها لو أنهم كانوا هم خزنتها!.

ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص144):

“إن الإنسان مجبول على حب المال والحرص على اقتنائه، يضرب في مناكب الأرض وللأثرة في نفسه إيحاء شديد، أكثر تفكيره في نفسه وأقله في الآخرين.لو أنه أوتي مافي الأرض جميعاً،بل لو أنه امتلك خزائن الرحمة العليا لما طوعت له نفسه أن ينفق منها بسعة،ولقامت له من طبيعته الضيقة علل شتى تضع في يديه الأغلال.وقد عد الإسلام هذا الشعور من النزعات الخسيسة التي يجب أن تخاصم بعنف،وأن تقاوم دسائسها بيقظة ونشاط.وبين أن الفوز بخيري الدنيا والآخرة لايحرزه إلا من نجح في قمع دوافع البخل في نفسه حتى عودها التكرم والسخاء:{فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لانفسكم ومن يُوقَ شُحّ نفسه فأولئك همُ المفلحون} [التغابن16]

ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(أخلاقنا الاجتماعية ص16):

“وإذاً فالبخل مرض يقتل صاحبه ويدل على غفلة عمياء أو أنانية سوداء،ومن الناس من يبخل على نفسه فيحرمها أن تأكل أطيب الطعام وتلبس أجود الثياب، استكثاراً لما ينفق عليها من طعام ولباس ومتعة،وما أشبههم بمن يغلق نافذته عن نور الشمس، ويحبس رئتيه عن عليل الهواء،ولقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من هؤلاء رث الثياب فقال له:”الك مال؟” قال: نعم. قال: “من أي المال هو؟” قال: من الذهب والفضة والإبل والغنم، فقال عليه الصلاة والسلام:”إذا فلتر أثر نعمة الله عليك فإن الله يحب أن يرى اثر نعمته على عبده“[رواه الترمذي والحاكم].

وسر ذلك البخل والشح لدى هؤلاء كما يقول الشيخ السباعي رحمه الله أمران اثنان:

أولهما: ضعف ثقتهم بوعد الله ومثوبته لمن يبذل من ماله في الخير طائعاً مختاراً، وإطاعتهم وسوسة الشيطان حين خوفهم من الفقر إذا أنفقوا، والعسر إذا بذلوا، وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى:{الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم}[البقرة 68].

وثانيهما: موت الشعور الاجتماعي في نفوسهم، واستيلاء الأنانية القاتلة في طباعهم، فهم يظنون أنهم خلقوا ليعيشوا وحدهم، وأنهم جمعوا المال بجهودهم وحدهم،وأنهم لايطالبون إلا بأنفسهم وذويهم،وأنهم يستطيعون أن يكونوا سعداء ولو عاش الناس من حولهم في جهد وبلاء..ونسي هؤلاء قول الرسول صلى الله عليه وسلم:”ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به“[رواه البزار والطبراني].

ويقول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد24 ص151):

“وإنما البخل عاهة تحجب الفكر وتفسد الطبع وتفرد المرء عن الفطرة العامة من بين بني جنسه بفطرة منكوسة عوجاء.وتذره خلقاً عجيباً كلُّ حظه من الحياة أن يحرم نفسه حظوظ الحياة.يستغرق الوسع في طلب الوسيلة ثم لا هو يقنع بالوسيلة ولا هو يطلب بها الغاية.وليس البخل عاهة واحدة بل هو جملة عاهات ممثلة في هذه العاهة.فهو مزيج من الجبن الدنئ الذي يصور للمرء الخطر المستحيل كأنه قضاء حتم لا مرد له،ومن الخسة التي يتساوى عند صاحبها الفخر والعيب.وتلحق عنده مراغة الهوان بمقام السؤدد، ومن البلادة التي تميت فيه كل أريحية فلا تهتز في نفسه أمنية أو عاطفة تقوى على كسر قيود شحه وجبنه،وقد ظهرت هذه الخلال للناس قبل أن يتمدينوا بآلاف السنين ومقتوها فمقتوا البخل متفرقاً قبل أن يمقتوه مجتمعاً”.

ويقول الشيخ محمد محمد المدني(المجتمع الإسلامي في سورة النساء):

يقول تعالى:{ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله}.

فالبخل خلق يمنع صاحبه من العطاء،ويجعله قابضاً على مامعه،ممسكاً به،حريصاً عليه،ومن شأنه أن يفسد خلق صاحبه،وأن يجعله قاصراً عن التطاول والسمو إلى أية منزلة فاضلة،فهو أناني أثر منكمش ليست له في العادة ميول الأجتماعي،وإنما هو نفور من الناس، حريص على أن يظل منطوياً على نفسه،مشغولاً بجمع ماله،يخشى أن يتردد عليه الناس،أو يتردد عليهم،فيفجعوه في شئ من ماله الذي هو شقيق روحهنوقصارى همته.

هذا صنف من الناس تبتلى به المجتمعات فيكون عليها وبالاً،ويكون على نفسه وبالاً،وخلقه هذا هو مظهر من مظاهر المجتمعات المفككة التي غلبت عليها المادية والمصالح الشخصية، فترى كل فرد من أفرادها لاهم له إلا أن يجمع ما استطاع من المال والمنافع،وأن يحجز ما استطاع لديه فلا يبذله ولايجود به، وكلما كثر امثال هؤلاء في المجتمع، عجل إليه الفساد والانحلال،ثم أدركه الفناء والزوال،وليس الزوال والفناء دائماً حسيين بمعنى الأنقراض وضياع الأشخاص ولكن قد يكون الزوال والفناء معنويين،فكم من أمم تعيش، وكم من مجتمعات تتحرك وتنشط،ولكنها في الواقع ميتة،قد أدركها من الموت الادبي ما هو أشد من الموت الحسي،وفي بعض الأمثال: الدمار ولا العار.

ثم هذا الصنف عادة،وهو البخلاء المانعون،لايكتفون بان يبخلوا هم انفسهم،حتى يأمروا الناس بالبخل،وذلك لأنهم لايحبون أن يتقرر مبدأ العطاء والجود، حتى لايعود ذلك عليهم بما يخافون وحتى لايكون هناك سبيل إلى مطالبتهم، فهم يريدون البخل مبدأ متقرراً في المجتمع كما هو مبدأ متقرر عندهمنولهذا نرى القرآن الكريم لايكتفي بذم البخلاء،بل يذم أيضاً الذين يأمرون الناس بالبخل، كما نراه لا يكتفي بان يطلب غلى الناس أن يكونوا معطين أجواداً، ولكن يأمرهم أيضاً بان يحضوا غيرهم على الإعطاء والجود.

وتراهم مع هذا يكتمون ما آتاهم الله من فضله،ويتظاهرون بأنهم فقراء أو مدينون،أو مثقلون بتكاليف الحياة، ولهم دائماً موقف الشكوى والتبرم وإنكار النعمة”.

وقال تعالى:{وأُحضرتِ الأنفُسُ الشُّح} [النساء128].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“اي أن الشح حاضر دائماً في الأنفس. وهو دائماً قائم فيها.الشح بأنواعه. الشح بالمال. والشح بالمشاعر”.ويقول في موضع آخر من الظلال:

” والنفس البشرية ضعيفة شحيحة، إلا من عصم الله، ولاتطهر من هذا الشح إلا أن تعمر بالإيمان،وترتفع على ضرورات الأرض، وتنطلق من قيود الحرص على النفع القريب، لأنها تؤمل في خلف أعظم،وتؤمل في رضوان من الله أكبر. والقلب المؤمن يطمئن بالإيمان،فلايخشى الفقر بسبب الإنفاق، لأنه يثق بأن ماعند الناس ينفد وماعند الله باق.وهذا الاطمئنان يدفع به إلى إنفاق المال في سبيل الله تطوعاً ورضى وتطهراً،وهو آمن مغبته.فحتى لو فقد المال وافتقر منه،فإن له عوضاً أعظم عند الله.

فأما حين يفقر القلب من الإيمان الصحيح،فالشح الفطري يهيج في نفسه كلما دعي إلى نفقة أو صدقة، والخوف من الفقر يتراءى له فيقعد به عن البذل. ثم يبقى سجين شحه وخوفه بلا أمن ولاقرار”.

يقول تعالى:{ومن يُوقَ شُحَّ نفسهِ فأولئكَ همُ المفلحون}[الحشر9،والتغابن16]

يقول سيد قطب رحمه الله:

“فهذا الشح. شح النفس. هو المعوق عن كل خير. لأن الخير بذل في صورة من الصور. بذل في المال. وبذل في العاطفة. وبذل في الجهد.وبذل في الحياة عند الاقتضاء. وما يمكن أن يصنع الخير شحيح بهم دائماً أن يأخذ ولايهم مرة أن يعطي.ومن يوق شح نفسه،فقد وقي هذا المعوق عن الخير، فانطلق إليه معطياً باذلاً كريماً. وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه”

وقد توعدّ الله هؤلاء بأشد العقاب.يقول تعالى:{وأما من بخل واستغنى*وكذّبَ بالحسنى*فسنيسرهُ للعسرى* ومايُغني عنهُ مالُهُ إذا تردّى}[الليل 8 ـ 11].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“والذي يبخل بنفسه وماله ويستغني عن ربه وهداه،ويكذب بدعوته ودينه..يبلغ أقصى مايبلغه إنسان بنفسه من تعريضها للفساد.ويستحق أن يعسر الله عليه كل شئ، فييسره للعسرى! ويوفقه إلى كل وعورة!ويحرمه كل تيسير!ويجعل في كل خطوة من خطاه مشقة وحرجاً،ينحرف به عن طريق الرشاد.ويصعد به في طريق الشقاوة. وإن حسب أنه سائر في طريق الفلاح.وإنما هو يعثر فيتقي العثار بعثرة أخرى تبعده عن طريق الله،وتنأى به عن رضاه.فإذا تردى وسقط في نهاية العثرات والانحرافات لم يغن عنه ماله الذي بخل به،والذي استغنى به كذلك عن الله وهداه”.

ويقول تعالى:{ولايحسبنَّ الذينَ يبخلونَ بما آتاهمُ اللهُ من فضلهِ هو خيراً لهم بل هو شرٌ لهم سيطوقونَ مابخلوا بهِ يوم القيامة}[آل عمران180].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“إن مدلول الآية عام.فهو يشمل اليهود الذين بخلوا بالوفاء بتعهداتهم،كما يشمل غيرهم ممن يبخلون بما آتاهم الله من فضله،ويحسبون أن هذا البخل خير لهم، يحفظ لهم أموالهم،فلا تذهب بالإنفاق.

والنص القرآني ينهاهم عن هذا الحسبان الكاذب،ويقرر أن ماكنزوه سيطوقونه يوم القيامة ناراً..وهو تهديد مفزع..والتعبير يزيد هذا البخل شناعة حين يذكر أنهم”يبخلون بما آتاهم الله من فضله“..فهم لايبخلون بمال أصيل لهم.فقد جاءوا إلى هذه الحياة لايملكون شيئاً..ولا جلودهم…! فآتاهم الله من فضله فأغناهم..حتى إذا طلب إليهم أن ينفقوا”من فضله“شيئاً لم يذكروا فضل الله عليهم. وبخلوا بالقليل،وحسبوا أن في كنزه خيراً لهم.وهو شر فظيع.وهم بعد هذا كله ذاهبون وتاركوه وراءهم.فالله هو الوارث:”ولله ميراث السماوات والأرض“..فهذا الكنز إلى أمد قصير. ثم يعود كله إلى الله.ولايبقى لهم منه إلا القدر الذي أنفقوه ابتغاء مرضاته، فيبقى مدخراً لهم عنده،بدلاً من أن يطوقهم إياه يوم القيامة!”.

11ـ النفس القلقة الهلعة:

يقول تعالى:{إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هلوعاً* إذا مسّهُ الشّرٌ جزوعا* وإذا مسّهُ الخيرُ منوعا}[المعارج19 ـ 21].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:

“وصورة الإنسان ـ عند خواء قلبه من الإيمان ـكما يرسمها القرآن صورة عجيبة في صدقها ودقتها وتعبيرها الكامل عن الملامح الأصيلة في هذا المخلوق،والتي لايعصمه منها ولايرفعه عنها إلا العنصر الإيماني،الذي يصله بمصدر يجد عنده الطمانينة التي تمسك به من الجزع عند ملاقاة الشر،ومن الشح عند امتلاك الخير.

ويتابع رحمه الله:”لكأنما كل كلمة لمسة من ريشة مبدعة تضع خطاً في ملامح هذا الإنسان.حتى إذا اكتملت الآيات الثلاث القصار المعدودة الكلمات نظقت الصورة ونبضت الحياة.وانتفض من خلالها الإنسان بسماته وملامحه الثابتة.

هلوعاً..جزوعاً عند مس الشر، يتألم للذعته،ويجزع لوقعه،ويحسب أنه دائم لاكاشف له.ويظن اللحظة الحاضرة سرمداً مضروباً عليه،ويحبس نفسه بأوهامه في قمقم من هذه اللحظة ومافيها من الشر الواقع به.فلايتصور أن هناك فرجاً، ولايتوقع من الله تغييراً. ومن ثم يأكله الجزع،ويمزقه الهلع.ذلك أنه لايأوي إلى ركن ركين يشد من عزمه، ويعلق به رجاءه وأمله..منوعاً للخيرإذا قدر عليه.يحسب أنه من كده وكسبه فيضن به على غيره، ويحتجزه لشخصه،ويصبح أسير ماملك منه،مستعبداً للحرص عليه!ذلك أنه لايدرك حقيقة الرزق ودوره هو فيه.ولايتطلع إلى خير منه عند ربه وهو منقطع عنه خاوي القلب من الشعور به..فهو هلوع في الحالتين…هلوع من الشر. هلوع على الخير…وهي صورة بائسة للإنسان،حين يخلو قلبه من الإيمان.

ومن ثم يبدو الإيمان بالله مسألة ضخمة في حياة الإنسان. لاكلمة تقال باللسان، ولاشعائر تعبدية تقام.إنه حالة نفس ومنهج حياة،وتصور كامل للقيم والأحداث والأحوال.وحين يصبح القلب خاوياً من هذا المقوم فإنه يتأرجح ويهتز وتتناوبه الرياح كالريشة!ويبيت في قلق وخوف دائم، سواء أصابه الشر فجزع ،أم أصابه الخير فمنع.فأما حين يعمره الإيمان فهو منه في طمأنينة وعافية،لأنه متصل بمصدر الأحداث ومدبر الأحوال مطمئن إلى قدره شاعر برحمته ،مقدر لإبتلائه، متطلع دائماً إلى فرجه من الضيق،ويسره من العسر.متجه إليه بالخير، عالم أنه ينفق من رزقه،وأنه مجزي على ما أنفق في سبيله،معوض عنه في الدنيا والآخرة..فالإيمان كسب في الدنيا يتحقق قبل جزاء الآخرة، يتحقق بالراحة والطمأنينة والثبات والاستقرار طوال رحلة الحياة الدنيا”.

يقول الاستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (كتاب الأخلاق الإسلامية ج1 ص358):

“وصف الله الإنسان بأنه خلق هلوعا،وفسّر القرآن معنى الهلع الموجود في فطرة الإنسان،بأنه إذا مسّه الشر كان جزوعا، وإذا مسّه الخير كان منوعا، واستثنى من هذا الوصف من كان مؤمناً بالله وبما جاء من عنده على لسان رسله، عابداً لربه،ذا صلة مستمرة بمراقبته،مبتعداً عما حرّم،قائماً بما فرض عليه.

ولدى تحليل طيوف النفس لمعرفة جذور الهلع في داخلها، نستطيع أن نلاحظ أن الإنسان مفطور على حبّ ذاته، وحبّ مايلذّ له ويمتعه.

وحبّ الإنسان لذاته يتفرع عنه حبّ البقاء،وحبّ السلامة،وحبّ الاستمتاع بما يستلذه أو يجد فيه متعة نفسه،أو تلبية غريزته،أو قضاء حاجته أو شهوته، ويتفرع عنه أيضاً حبّ الأشياء التي تخدم شيئاً ممّا يحبّ.

وحين يعلم الإنسان أن مايحبّ مهدّد بالمخاطر من حوله يصيبه الحذر الشديد والخوف،وحين يمسّه الضرّ في شئٍ من ذلك يراه شراً،ويتفجر فيه الألم بسبب ذلك، وحينئذ يصطرع في ذاته مايحبّ لنفسه وماهو نازل به ممّا يكره،ثم يكون التعبير عن هذا الصراع العنيف في داخل ذاته بالجزع وإعلان التضجّر مما هو فيه،ويظهر ذلك الاضطراب والقلق والصياح الدّال على حالة النفس،والبكاء المرير،وحركات الأعضاء دون عقل ولااتزان،كالضرب واللطم والتمزيق والتكسير ونحو ذلك.

من هذا التحليل تبينّت لنا جذور الجزع، أما جذور كون الإنسان منوعاً، فترجع فيما يظهر إلى أن الإنسان حينما يمتلك الأشياء التي يرى أنها تخدم مايحبّ لنفسه فلابد أن يكون حريصاً عليها،ومع شدة الحرص يأتي الإمساك والمنع الشديد، وبذلك يكون الإنسان منوعاً.

ولقد فصّل القرآن العناصر التي تقي الإنسان من الهلع تفصيلاً كاملاً،وفيما يلي بيان لهذه العناصر:

العنصر الأول: حسن الصلة بالله والتزام مراقبته، وذلك بالمداومة على الصلاة المستوفية لشروطها الفكرية والقلبية والنفسية والروحية والجسدية، وهو مادلّ عليه قول الله تعالى في الاستثناء:{إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون}.

العنصر الثاني:حسن تأدية الحقوق المالية لأربابها، وقيام الإنسان بما يجب عليه تجاه الفقراء والمساكين وذوي الحاجات من المسلمين،وذلك في قوله تعالى:{والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}.

العنصر الثالث:التصديق بيوم الدين وما أعد الله فيه من جزاء، والخوف من عذاب الله يوم القيامة جزاءً للإنسان على مايجني من سيئات في الحياة الدنيا، يقول تعالى:{والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون}.

العنصر الرابع: حفظ الفروج من المعاصي والمحرمات التي نهى الله عنها،{والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين* فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك همُ العادون}.

العنصر الخامس:رعاية الأمانات والعهود والوفاء بها، والبعد عن كل خيانة في الأمانة أو نكثٍ في العهد،{والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}.

العنصر السادس: القيام بالشهادات على الوجه الذي أمربه الله  من صدق وتأدية للشهادة على وجهها، وبعد عن كل كتمان مضيّع للحقوق،{والذين هم بشهاداتهم قائمون}

فمن استجمع هذه العناصر استطاع أن يتخلص من الهلع الذي يبعده عن كماله الإنساني، ويبعده عما خلق لأجله.

12: الإنسان عجول:

يقول تعالى:{ويدعُ الإنسانُ بالشّرِّ دُعاءَهُ بالخيرِ وكان الإنسانُ عجولاً}[الإسراء11].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

“ذلك أنه لايعرف مصائر الأمور وعواقبها.ولقد يفعل الفعل وهو شر، ويعجل به على نفسه وهو لايدري.أو يدري ولكنه لايقدر على كبح جماحه وضبط زمامه..فأين هذا من القرآن الثابت الهادئ الهادي؟إلا إنهما طريقان مختلفان:شتان شتان. هدى القرآن وهوى الإنسان”.

ويقول تعالى:{خُلِقَ الإنسانُ من عجلٍ سأُريكم آياتي فلا تستعجلون}[الأنبياء37].

يقول سيد قطب رحمه الله:

“فالعجلة في طبعه وتكوينه.وهو يمد ببصره دائماً إلى ماوراء اللحظة الحاضرة يريد ليتناوله بيده،ويريد ليحقق كل مايخطر له بمجرد أن يخطر بباله،ويريد أن يستحضر كل مايوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه. ذلك إلا أن يتصل بإلهه فيثبت ويطمئن ،ويكل الأمر لله فلايتعجل قضاءه. والإيمان ثقة وصبر واطمئنان”.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد 509):

يقول تعالى:{ ولو يُعَجِّلُ اللهُ للنّاسِ الشّرَّ استعجالَهم بالخيرِ لقُضيَ إليهم أجلهُم فنذرُ الذين لايرجونَ لقاءَنا في طغيانهم يعمهون} يقول رحمه الله:

“هذه الآية في بيان شأن من شوون البشر وغرائزهم فيما يعرض لهم في حياتهم الدنيا من خير وشر، ونفع وضر، وشعورهم فيه بالحاجة إلى الله تعالى واللجوء إلى دعائه لأنفسهم وعليها،واستعجالهم الأمور قبل أوانها، وهو تعريض بالمشركين وحجة على ما يأتون من شرك، وما ينكرون من أمر البعث.

تعجل الشئ تقديمه على أوانه المضروب أو المقدر له أو الموعود به، والاستعجال به طلب التعجيل،والعجل من غرائز الإنسان القابلة للتأديب والتثقيف كي لاتطغى به فتورده الموارد.

ويقول الشيخ رحمه الله في قوله تعالى”ويدعو الإنسان بالشر..”وقوله تعالى”خلق الإنسان من عجل…”فأما استعجاله بالخير والحسنة فلشدة حرصه على منافعه وقلة صبره عنها،وأما استعجاله بالضر والسيئة فلا يكون لذاته بل لسبب عارض كالغضب والجهل والعناد والاستهزاء والتعجيز،وقلما يكون مقصوداً بنفسه إلا للنجاة مما هو شر منه، كما يفعل اليائسون من الحياة،أو النجاة من ذل وخزي أو ألم لايطاق إذ يتقحمون المهالك أو يبخعون أنفسهم انتحاراً.

ويتابع رحمه الله: قال تعالى:”ولو يعجل الله للناس الشر” الذي يستعجلونه به كاستعجال مشركي مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعذاب الذي أنذرهم نزوله بهم إجمالاً بما قصّه عليهم من سنة الله تعالى في أقوام الرسل المعاندين وهو عذاب الأستئصال،وفيما دونه من عذاب الدنيا كخزيهم والتنكيل بهم ونصره عليهم ،أو قيام الساعة،وعذاب الآخرة، وقد حكى الله تعالى كل ذلك عنهم كقوله{ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات}،{ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة}…وغيرها من الآيات، وكل هذه الضروب من الاستعجال كانوا يقصدون بها تعجيز الرسول صلى الله عليه وسلم مبالغة في التكذيب ، واستهزاء بالوعيد.

وقوله تعالى”استعجالهم بالخير” معناه كاستعجالهم بالخير الذي يطلبونه لذاته بدعاء الله تعالى أو بمحاولة الأسباب التي يظنون أنها قد تأتي به قبل أوانه”لقضي إليهم أجلهم“. ولكن الله تعالى أرحم بهم من أنفسهم، وقد بعث رسوله محمداً خاتم النبيين رحمة للعالمين، بالهداية الدائمة إلى يوم الدين.فهو لايقضي إليهم أجلهم بإهلاكهم واستئصالهم، لأن هذا العذاب إذا نزل يكون عاماً بل يذرهم وما هم فيه إلى نهاية آجالهم وذلك قوله “فنذر الذين لايرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون” الطغيان مجاوزة الحد في الشر من كفر وظلم وعدوان.والمعنى فنترك الذين لايرجون لقاءنا فيما هم فيه من طغيان في الكفر والتكذيب، يترددون فيه متحيرين لايهتدون سبيلاً للخروج منه،حتى يأتي أمر الله تعالى” .

ويقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (كتاب الأخلاق الإسلامية ج1 ص389):

“العجلة تقع في طرف يقابله بُعدٌ آخر يقع فيه الإهمال والتخلف، والخير هو في مكان وسط بين البُعدين، فالقسمة ثلاثية لاثنائية.وطلب أمرٍ ما أو القيام بعمل ما، إن كان بمسابقة الزمن الملائم له ـ والذي يكون فيه أكمل وأفضل ـ فتلك هي العجلة، وإن كان بالتأخر عن الزمن الملائم له فذلك هو الإهمال والتخلف، وإن كان بموافقة الزمن الملائم في المطالب والأعمال فتلك هي الحكمة المطلوبة{ومن يؤت الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً}.

فليست كل سرعة عجلة،إذ من الأمور مايتطلب السرعة،وإلا فات أوانها وليس كل بطءٍ أناةً محمودة،فلربّما كانت الحكمة المحمودة في السرعة، ولربما كان البطء تخلفاً مذموماً.

لكن الإنسان مفطور على حبّ استعجال الأشياء قبل أوانها، فهو مخلوق عجول،يبادر الأشياء قبل مواقيتها،ويحب العاجلة وإن كانت قليلة حقيرة،ويفضلها على الآجلة وإن كانت كثيرة جليلة، فكأن هذا الإنسان مخلوق من مادة العجل{خلق الإنسان من عجل}.

وليس أصل فطرة العجلة من النقائص في تكوين الإنسان الفطري، لأنها تمثل في الإنسان عنصراً مهماً من حوافز الجدّ والعمل،بيد أن الإنسان العاقل المجرب قويّ الإرادة يستطيع أن يملك عجلته الفطرية بقوّة إرادته وراجح عقله وحكمته.

وحب الإنسان للعاجلة ـ وهي الدنيا ـ وتركه للآخرة، هو أيضاً ثمرة غير حسنة من ثمرات إتباع الهوى:{كلا بل تحبونَ العاجلة* وتذرونَ الآخرة}[القيامة 20 ـ 21].

وتظهر العجلة عند الإنسان في كل أمرٍ من أموره التي تندفع إليها نفسه برغبةٍ ملّحة،حتى في دعائه ربه.إنّ قصر نظره وعدم تبصره بعواقب الأمور يجعلانه يتصور بعض الأشياء خيراً له، فيدعو الله بها،ظاناً أنها خير،مع أنها في حقيقة حالها شرٌّ له،فهو يدعو على نفسه بالشرّ حينما يدعو دعائه ظاناً أنه يدعو لها بالخير،{ويدعُ الإنسانُ بالشرِّ دُعاءَهُ بالخيرِ وكانَ الإنسانُ عجولا}[الإسراء11].

من ظواهر العجلة عند الإنسان:بعض الناس تشتدّ رغبتهم النفسية في أن يكونوا من ذوي الثراء الواسع،وتلحّ في نفوسهم هذه الرغبة إلحاحاً شديداً،ينتج عنه اندفاع إراديّ عنيف،مصحوب باضطراب وقلق وطموح.

وتقف في وجوههم سنن الكون ونظمه الثابتة، أو تقف في وجوههم شرائع الحق والعدل،فيحاولون اختراقها وتجاوزها برعونة وطيش،أو بظلم وعدوان،فيتعثرون ويجرون لأنفسهم مصائب كثيرة بأوهامهم.

إن إلحاح الرغبة، والاندفاع وراء الهوى بعجلة رعناء،يعمي البصيرة، فيجعل الإنسان يسير في حياته على غير هدى، كالذي يسير في الظلمات في أرض وعرة مليئة بالعقبات والعثرات.وأمثلة أخرى كثيرة في نواحي متعددة من الحياة”.

13ـ النفس الأمارة بالسوء:

إنها النفس التي يتغلب فيها العنصر الحيواني”الطيني” على العنصر الروحي “الملائكي” في صراعهما مع بعض وتكون هذه النفس منقادة لأهوائها وتتحكم فيها الشهوات والأطماع والملذات.

{وما أبرئ نفسي إنَّ النَّفسَ لأمَّارةٌ بالسُّوءِ إلاَّ من رَحمَ ربي إنَّ ربي غَفورٌ رحيم}[يوسف 53].

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني“[أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي والحاكم والحديث ضعيف كما جاء في الجامع الصغير].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(الداء والدواء ص212):

“وقد ركّب الله سبحانه في الإنسان نفسين:نفساً أمارة ونفساً مطمئنة وهما متعاديتان،فكل ماخف على هذه ثقل على هذه،وكل ماالتذّت به هذه تألمت به الأخرى،فليس على النفس الأمارة اشق من العمل لله وإيثار رضاه على هواها،وليس لها أنفع منه، وليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله وما جاء به داعي الهوى.

وليس عليها شئ أضر منه. والمَلك مع هذه عن يمنة القلب والشيطان مع تلك عن يسرة القلب، والحروب مستمرة لاتضع أوزارها إلا أن يستوفى أجلها من الدنيا،والباطل كله يتحيز مع الشيطان والأمارة،والحق كله يتحيز مع المَلك والمطمئنة،والحرب دول وسجال والنصر مع الصبر،ومن صبر وصابر ورابط واتقى الله فله العاقبة في الدنيا والآخرة”.

يقول الأستاذ الشيخ محمد لطفي الصباغ (تذكرة للدعاة ص190):

“إن النفس أمارة بالسوء…فخذوا حذركم. وما أكثر الناس الذين تصرعهم نفوسهم وأهواؤهم، ذلك لأنهم يُتبعون أنفسهم أهواءها،فما ترى الأنفس شيئاً إلا جروا يعملون على تحقيقه.والمخذول حقاً هو من أتبع نفسه هواها..لأن ذلك يهلكه ويورده الموارد، وهو عاجز لأن إرادته وعقله وفكره كل ذلك قد تلاشى أمام النفس والهوى”.

أما النماذج الطيبة فنذكر منها:

1 ـ {الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}

2 ـ {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لايستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا}.

3 ـ {المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليه آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون}.

4 ـ {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}.

5 ـ {يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً واسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءً ولاشكورا}

6 ـ{الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}.

7 ـ {يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}.

8 ـ {الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس}.

وهناك صفات عديدة أخرى ومتنوعة يصعب حصرها والإلمام بها جميعاً ولكن يمكن التركيز هنا على صفتين هامتين:النفس اللوامة، والنفس المطمئنة.

1ـ النفس اللوامة:

وهي النفس التي يكون ضميرها في حالة استيقاظ وتنبه، وبحيث تحاسب ضعفها عند ضعفه واتّباعه الأهواء والشهوات والملذات، وبحيث يشعر بالذنب ويتجه إلى الله تعالى تائباً مستغفراً.

وإن لوم الإنسان نفسه وندمه على ما اقترف من أفعال وسيئات من العوامل الهامة في تصحيح سيرته وحياته وإصلاح ما أفسدته النفس الأمارة بالسوء في لحظة الضعف، والعودة بها إلى النفس اللوامة التي تحاول إصلاح الخطأ والعودة به أسرع مايمكن إلى النفس المطمئنة المستقرة.{وأما من خاف مقامَ ربّهِ ونهى النفسَ عن الهوى* فإنّ الجنّةَ هي المأوى}[النازعات 40 ـ 41].

جاء في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(العدد 527):

“وقد أخذ علماء النفس وصفاتها من آيات القرآن أن أنفس البشر على ثلاث درجات: أدناها الأمارة بالسوء، وأعلاها النفس المطمئنة بذكر الله الراضية منه المرضية عنده،وبينهما النفس اللوامة،وهي التي تلوم صاحبها على كل ذنب وتقصير في طاعة الله ومعرفته، ومن التقصير في طاعته التقصير في حقوق عباده الشرعية ولاسيما أولي القربى والجيران والمحتاجين إلى البر،وكذا الحقوق العامة للملة والأمة”.

يقول تعالى:{ولا أقسم بالنفس اللوامة}[القيامة]

يقول سيد قطب رحمه الله:”فأما النفس اللوامة ففي التفسيرات المأثورة أقوال متنوعة عنها.ونحن نختار قول الحسن البصري رحمه الله:”إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه ما أردت بكلمتي؟ما أردت بحديث نفسي؟وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه.

فهذه النفس اللوامة المتيقظة التقية الخائفة المتوجسة التي تحاسب نفسها،وتتلفت حولها،وتتبين حقيقة هواها،وتحذر خداع ذاتها ،هي النفس الكريمة على الله،حتى ليذكرها مع القيامة.ثم هي الصورة المقابلة للنفس الفاجرة…نفس الإنسان الذي يريد أن يفجر ويمضي قدماً مع الفجور،والذي يكذب ويتولى ويذهب إلى أهله يتمطى دون حساب لنفسه ودون تلوم ولا تحرج ولا مبالاة”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

“والذي يخاف مقام ربه لايقدم على معصية،فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة.فظل في دائرة الطاعة.ونهي النفس عن الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة.فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان،وكل تجاوز،وكل معصية.وهو أساس البلوى، وينبوع الشر، وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى.فالجهل سهل علاجه. ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها.

والخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة.وقل أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى.ومن ثم يجمع بينهما السياق القرآني في آية واحدة.فالذي يتحدث هنا هو خالق هذه النفس العليم بدائها،الخبير بدوائها وهو وحده الذي يعلم دروبها ومنحنياتها،ويعلم أين تكمن أهواؤها وأدواؤها، وكيف تطارد في مكامنها ومخابئها!

ولم يكلف الله الإنسان ألا يشتجر في نفسه الهوى. فهو سبحانه يعلم أن هذا خارج عن طاقته. ولكنه كلفه أن ينهاها ويكبحها ويمسك بزمامها.وأن يستعين في هذا بالخوف. الخوف من مقام ربه الجليل العظيم المهيب.وكتب له بهذا الجهاد الشاق،الجنة مثابة ومأوى:”فإن الجنة هي المأوى“..ذلك أن الله يعلم ضخامة هذا الجهاد،وقيمته كذلك في تهذيب النفس البشرية وتقويمها ورفعها إلى المقام الأسنى.

إن الإنسان إنسان بهذا النهي، وبهذا الجهاد، وبهذا الارتفاع.وليس إنساناً بترك نفسه لهواها، وإطاعة جواذبه إلى دركها،بحجة أن هذا مركب في طبيعته.فالذي أودع نفسه الاستعداد لجيشان الهوى، هو الذي أودعها الاستعداد للإمساك بزمامه، ونهي النفس عنه، ورفعها عن جاذبيته، وجعل له الجنة جزاء ومأوى حين ينتصر ويرتفع ويرقى.

وهنالك حرية إنسانية تليق بتكريم الله للإنسان.تلك هي حرية الانتصار على هوى النفس والانطلاق من أسر الشهوة، والتصرف بها في توازن تثبت معه حرية الاختيار والتقدير الإنساني.وهنالك حرية حيوانية، هي هزيمة الإنسان أمام هواه،وعبوديته لشهوته،وانفلات الزمام من إرادته.وهي حرية لايهتف بها إلا مخلوق مهزوم الإنسانية مستعبد يلبس عبوديته رداء زائفاً من الحرية!

إن الأول هو الذي ارتفع وارتقى وتهيأ للحياة الرفيعة الطليقة في جنة المأوى. أما الآخر فهو الذي ارتكس وانتكس وتهيأ للحياة في درك الجحيم حيث تهدر إنسانيته، ويرتد شيئاً توقد به النار التي وقودها الناس ـ من هذا الصنف ـ والحجارة!

وهذه وتلك هي المصير الطبيعي للارتكاس والارتقاء في ميزان هذا الدين الذي يزن حقيقة الأشياء”.

يقول الأستاذ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(عقيدة المسلم ص148):

“ماذكرناه من تلازم الإيمان والعمل، لايعني أن الإيمان يقتضي العصمة فإن المؤمن قد يخطئ.ومايقع فيه المؤمن من خطأ أو خطيئة، لايسلخه من الدين.

عندما يكون المرء وثيق الإيمان، كثير الطاعات، طويل المراقبة لله،فإن أخطاءه تقل لامحالة.وما قد ينزلق إليه من سيئات، يعتبر غريباً على حياته غرابة الشذوذ بالنسبة إلى القاعدة.وطبيعة الخطأ من رجل هذه حاله، تجعل لسيئته صفقة خاصة.فهو لايقصدها ولايستريح إليها، ولايستقر عليها.

قد تزل قدم المؤمن وهو سائر في طريقه إلى الله، فَيَلمّ بعمل لاينبغي منه، ثم لايكاد يتورط فيه حتى ينزع عنه، وهو بادي الألم، عميق الحسرة.ولما كانت خليقة الإنسان مزدوجة. يلتقي فيها عنصران: أحدهما من السماء، والآخر من الأرض.فإن آثار هذا الاختلاط تبدو في سلوك الإنسان.وليس يستغرب على طبيعته أن تخلد إلى الأرض لحظة ما.ومن ثم جعل الله سبحانه وتعالى دائرة عفوه تتسع لهذه السقطات:{الذين يجتنبونَ كبائرَ الإثم والفواحشِ إلاّ الّلممَ إنّ ربّكَ واسع المغفرة}[النجم32].

وعلل هذا العفو الكريم بقوله:{هوَ أعلمُ بِكُم إذ أنشأكم من الأرض} [النجم32] .

على أن هذه المزالق تعتري الإنسان وهو في طريقه إلى ربه،يؤدي واجبه، ويقيم حقوقه، ويتحرى رضوانه.وما يصاحب هذا اللمم من ألم، ومايسبقه من غفلة، ومايعقبه من دهشة وغصّة، ذلك كله يكشف سواده ويخفف عواقبه”.

يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ (الإنسان في القرآن الكريم ص274):

“النفس اللوامة هي النفس التي تلوم صاحبها على ترك الط